قصة يونس - الجزء السادس عشر




قصة يونس – السادس عشر 
انتهى الجزء السابق من هذه المقالة بالافتراء الذي مفاده أن في السماء كينونات يمكن أن ينزل منها أشياء إلى الأرض، وأن هناك علم حقيقي قد يمكّننا من الوصل إليها كما فعل ذو القرنيين عندما كان يتبع السبب بين السماء والأرض:
  
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
 فحصل هناك على زبر الحديد:
 ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96)
 ويمكن لنا أن نفتري القول بأنه هناك (دون السدين) أعان القوم (اللذين لا يكادون يفقهون قولا) ذا القرنين بأن آتوه زبر الحديد حتى استطاع أن يحدث ذلك الردم الذي حجز يأجوج ومأجوج عنهم.
للتفصيل حول مكان القوم ومكان ذلك الردم الذي أحدثه ذو القرنين انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة يأجوج ومأجوج).
 وقد أمرنا الله أن لا نتردد بالنفاذ من أقطار السموات والأرض مادام عندنا سلطان يمكّننا من القيام بذلك:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36)
وقد حاولنا تسويق افتراءنا بأن قارون كان رجلا ذا علم عظيم مكّنه من الحصول على تلك الكنوز الهائلة: 
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
ولو دققنا النظر في هذه الآية الكريمة لربما حُقّ لنا أن نطرح التساؤل التالي: لماذا آتى الله قارون كنوزا وليس فقط كنزا واحدا كبيرا؟
رأينا: مادام أن الله قد آتى قارون كنوزا (ربما كثيرة) وليس كنزا واحدا كبيرا، فإننا نفتري القول بأن تلك الكنوز كانت متنوعة المصادر. فلو كان ما آتاه الله لقارون كنزا واحدا كبيرا، لربما جاء ذلك من مصدر واحد كباطن الأرض مثلا كما جاء على لسان صاحب موسى:
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)
فما كان تحت الجدار فهو كنز واحد (وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ)، ولكن لما كان ما آتاه الله لقارون هي "كنوز"، فإن مصادرها كانت (نحن نظن) متعددة.
لكن لم جاءت تتمة الآية بصيغة المفرد في كلمة (مَفَاتِحَهُ)؟ يسأل صاحبنا د. عمر الشفيع من سويسرا في تعليقه على الجزء السابق من هذه المقالة.
 وبكلمات أخرى نحن نسأل: إذا كان ما آتاه الله لقارون هي كنوز (ربما كثيرة) فلما كان لها جميعا مَفَاتِحَهُ؟ 
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
أليست كلمة مَفَاتِحَهُ تعود على تلك الكنوز؟ 
رأينا: نحن نظن أن مصادر كنوز قارون كانت متعددة، لذا جاءت على صيغة الجمع، بدليل أنها بعض من كل (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ)، ولكن لمّا تجمعت هذه الكنوز عند قارون في مكان واحد، فقد اختلط (نحن نتخيل) بعضها ببعض، لتشكّل في نهاية المطاف كتلة واحدة كبيرة جدا، فكان لها جميعا مَفَاتِحَهُ التي تنوء بالعصبة أولي القوة (مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)، فالمفاتيح كثيرة لكنها كانت لكنز واحد كبير هو حصيلة الكنوز الكثيرة التي تجمعت في مكان واحد.
السؤال: وأين ذلك المكان الذي تجمعت فيه تلك الكنوز التي آتاها اللهُ قارونَ؟
رأينا: إنها داره التي خسفت به:
فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)
السؤال: لماذا كان الخسف بقارون وبداره معا؟
رأينا: نحن نظن أن الخسف كان بقارون لأنه هو من جحد نعمة الله التي آتاه الله إياها، وأن الخسف أصاب أيضا داره لأنها هي التي كانت تحوي تلك الكنوز التي تجمعت فيها من مصادر متعددة.
 وبناء على فهمنا للآيات الكريمة التي تتحدث عن الكنوز على مساحة النص القرآني، افترينا الظن بأن هناك طرق ثلاثة يمكن الحصول على الكنوز من خلالها، والطرق الثلاثة هي:
1. الاستخراج
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)
 2. الإنزال
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)
3. الإلقاء
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (8)
 فحاولنا في الأجزاء السابقة التعرض للطريقة الأولى (الاستخراج) والطريقة الثانية (الإنزال)، مفترين الظن من عند أنفسنا بأن قارون كان
(1) يحصل على الكنوز بطريقة الاستخراج من باطن الأرض كما فعل صاحب موسى الذي وجد الكنز الذي تحت الجدار وإن لم يكن الجدار قد انقض بعد:
 وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)
 وكان ذلك بسبب بصره الذي يستطيع اختراق العوائق، لذا كان بصره – برأينا- حديدا.
(2) وربما كان يحصل على الكنوز بطريقة الإنزال وذلك بسبب العلم الذي يمكّنه من الوصل إلى مصادرها في السماء. ووعدنا القارئ الكريم أن نستكمل الحديث في الآلية التي كان قارون يستخدمها للوصول إلى مبتغاه ذاك. 
ولكن قبل متابعة الحديث في هذا الاتجاه، نظن أن الضرورة تستدعي العودة قليلا إلى الوراء للخوض في الطريقة الثالثة للحصول على الكنوز وهي طريقة الإلقاء كما جاء في الآية الكريمة التالية:
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا (8)
 ليكون السؤال المحوري الآن هو: كيف يتم إلقاء الكنز؟ أو بكلمات أكثر دقة نحن نسأل: كيف يمكن الحصول على الكنز بطريقة الإلقاء؟
 باب الإلقاء
 بداية، نحن نظن أن حصول فعل الإلقاء يتطلب وجود ثلاثة أركان أساسية، ألا وهي:
1. وجود من يقوم بفعل الإلقاء (أي الملقِي – بكسر القاف)
2. وجود شيء ما يتم إلقاءه (أي الملقَى – بفتح القاف)
3. وجود من يقوم بتلقي فعل الإلقاء (أي الملقى إليه)
فلو تدبرنا الآية الكريمة التالية:
  
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
 لوجدنا أن من قام بفعل الإلقاء هو الله نفسه (سَأُلْقِي)، فكان الله هو الملقِي (بكسر القاف)، وأن ما تم إلقاءه هو الرعب (الرُّعْبَ)، فكان الرعب هو الملقَى (بفتح القاف)، وأن من قام بتلقي الفعل هي قلوب الذين كفروا (فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا)، فكانت قلوب الذين كفروا هي الملقى إليها.
 ولو حاولنا تطبيق هذا المنطق على فعل إلقاء الكنوز، لربما صح لنا أن نتخيل الأمر على النحو التالي:
1. وجود كنوز متوافرة من ذي قبل
2. هناك من يملكها أو يحوز عليها، فيقوم بإلقائها إلى غيره
3. هناك من يستطيع أن يتلقى ما يلقى إليه من تلك الكنوز
 ولو حاولنا تطبيق هذا المنطق في حالة قارون، لتخلينا الأمر على النحو التالي: كان هناك كنوز متوافرة في مكان ما، وكان هناك من يملكها أو يستطيع حيازتها فيقوم بإلقائها إلى غيره، وكان قارون نفسه هو من يتلقى ما يلقى من تلك الكنوز.
 السؤال: كيف تم ذلك؟
 جواب مفترى: من أجل محاولتنا الإجابة على مثل هذا التساؤل وجدنا الضرورة تستدعي أن نتدارس فعل الإلقاء على مساحة النص القرآني، لنحاول من خلال ذلك الخروج بافتراءات ربما تسهّل علينا تصوّر الكيفية التي يتم بها فعل الإلقاء من خلال الظروف المحيطة بكل حالة تم فيها هذا الفعل على أرض الواقع في سياقاته المختلفة.
  
ولنبدأ بالآيات الكريمة التالية التي تصور أن فعل الإلقاء يمكن أن يقوم به الله نفسه، فجاء الفعل بصيغة المفرد:
  
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
    
وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)
  
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15)
  
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ ۚ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
  
ويمكن أن يقوم بالفعل من هم من جند الله بأمر من ربهم، فجاء الفعل بصيغة الجمع:
  
وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)
  
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ (19)
  
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)
  
ويمكن للناس أنفسهم أن يقوموا بفعل الإلقاء، فها هو زكريا ومن معه يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم:
  
ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
  
وها هم المشركون يلقون السلم كما يلقون القول:
  
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)
  
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94)
    
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
  
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87)
  
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)
  
وها هي أم موسى تلقي برضيعها في اليم بوحي من الله:
  
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)
    
وهذا هو اليم يلقى بموسى بالساحل بعد أن قذفته أمه فيه:
  
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)
  
والله هو من ألقى على موسى في ذلك التابوت محبة منه:
  
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)
  
والله هو من طلب من موسى أن يلقي عصاه بالواد المقدس ليرى بأم عينه ما ستصير إليه:
  
وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
    
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
  
قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَىٰ (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَىٰ (20)
  
وها هو موسى يلقي عصاه كما ألقى السحرة أيضا عصيهم وحبالهم من قبله:
  
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107)
  
قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116)
  
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
  
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (80)
  
فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)
  
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65)
  
قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66)
  
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69)
   
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ (70)
  
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
  
فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (32)
  
قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ (43)
  
فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44)
  
فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45)
  
وما أن يرى السحرة ما فعلت عصا موسى بحبالهم وعصيهم حتى ألقوا ساجدين بأنفسهم:
  
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
  
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)
  
وها هو موسى نفسه يأتي قادما من بعيد يحمل الألواح (بعد ميقاته مع ربه)، وما أن يصل حتى يلقيها ليأخذ برأس أخيه يجره إليه:
  
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
  
وها هم إخوة يوسف يلقون بأخيهم في غيابت الجب:
    
قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10)
  
وهم أنفسهم يذهبوا (بأمر من يوسف) بالقميص ليلقوه على وجه أبيهم حتى يرتد بصيرا كما فعل البشير منهم:
  
اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)
  
فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)
  
والشيطان نفسه يمكن أن يلقي:
  
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
  
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)
  
وهم من كانوا يلقون السمع:
  
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)
  
وذلك لأن السمع يمكن أن يلقى:
  
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)
  
وها هو الهدهد يلقي بكتاب سليمان إلى تلك المرأة:
  
اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)
  
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
  
وها هم قوم إبراهيم يلقونه في نارهم التي أوقدوها ليحرقوه فيها:
  
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)
  
وبفعل الإلقاء يتم إدخال الكافرين في النار على يد ملائكة العذاب اللذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون:
 أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)
 الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)
  
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)
  
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)
  
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)
  
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُّقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
  
إن ما يهمنا طرحه الآن هو القول بأن الآيات الكريمة الخاصة بفعل الإلقاء تبين لنا (كما نفهمها) أن مصدر عملية الإلقاء ليست باطن الأرض (كما في فعل استخراج الكنوز) وليست السماء (كما في فعل إنزال الكنوز) ولكن مصدرها بين السماء والأرض (كما في عملية إلقاء الهدهد كتاب سليمان إلى تلك المرأة):
   
اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) 
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
وهذا المشهد يتكرر في فعل إلقاء الشيطان في أمنية النبي:
  
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)
  
لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53)
  
فالشياطين تتدخل فيما ينزل إلى الرسول أو النبي من ربهم من الآيات، وما أن تكون تلك الآيات في طريقها إلى الرسول المتواجد على الأرض حتى تتدخل الشياطين، فتقوم بفعل الإلقاء.
  
لتكون النتيجة التي نحاول جاهدين الوصول إليها هو أن مصدر الإلقاء هو المكان بين السماء والأرض. فالكنوز التي تلقى هي كنوز متواجدة في هذا المكان بين السماء والأرض، وهي تحتاج إلى من يملك العلم لكي يحصل عليها، فتلقى إليه إلقاء.
  
نتائج مفتراة من عند أنفسنا خاصة بمصادر كنوز قارون
 - ربما حصل قارون على الكنوز بطريقة الاستخراج من الأرض كما فعل صاحب موسى
  
- ربما حصل قارون على الكنوز بطريقة الإنزال من السماء
- ربما حصل قارون على الكنوز بطريقة الإلقاء ما بين السماء والأرض
  
السؤال: كيف استطاع قارون فعل ذلك؟
  
رأينا: نحن نظن أن قارون كان يملك العلم الذي يمكنه من القيام بذلك، بدليل ما قاله الرجل بنفسه:
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
    
تساؤلات
  
- من أين حصل قارون على هذا العلم؟
   
- وكيف هي طبيعة هذا العلم؟
  
- وهل لازال هذا العلم موجودا إلى الآن؟ 
- وكيف يمكن تطبيق ذلك على أرض الواقع؟
- الخ.
  
رأينا المفترى: للإجابة على هذه التساؤلات، فإن الضرورة تستدعي البحث في مصدر العلم الذي كان متوافرا حينئذ في أرض مصر. فمسرح الأحداث هي أرض مصر الخالدة بآثارها التي لازالت قائمة حتى يومنا هذا لتشهد على التفوق الحضاري لتلك الأقوام في غابر الزمان، والوقت هو نفسه الذي تواجد فيه موسى وهارون وقارون وفرعون وهامان. وهو الزمن نفسه الذي تواجد فيه صاحب موسى الذي ذهب موسى يطلب العلم على يديه، ولا ننسى كذلك أنه هو الزمن نفسه الذي يتحدث عنه القرآن بالتفصيل الذي ربما عزّ نظيره في الأزمنة الأخرى. فـ لربما يدرك كل قارئ لكلام الله أن القرآن لا يتطرق بالتفصيل لقصص الأمم السابقة كقصة نوح أو إبراهيم أو عيسى أو حتى محمد نفسه كما تحدث عن قصة موسى التي عاصرها هارون وقارون وفرعون وهامان. ويمكن افتراء القول (دون تردد) بأن شخصية فرعون نفسه طاغية في النص القرآني أكثر من شخصية الأنبياء أنفسهم، وأن قصة فرعون وملئه مفصلة في كتاب الله أكثر من تفصيل قصة كثير من الرسل والأنبياء. فلا يخلو جزء من أجزاء القرآن الثلاثين من بعض أحداث قصة موسى مع فرعون وملئه، ليكون التساؤل الذي لا مفر منه هو: لماذا؟ أي لماذا جاء التفصيل في كتاب الله لقصة موسى مع فرعون بهذا الظهور الذي لا يكاد يجاريه ظهور لقصة أخرى في كتاب الله؟
  
جواب مفترى من عند أنفسنا (1): نحن نكاد نجزم الظن بأن علم الأولين والآخرين تجمع في تلك الفترة الزمنية التي عاصرها موسى وهارون وفرعون وقارون وهامان، فكانت تلك (في ظننا) هي ذروة الحضارة التي لا يمكن – برأينا- أن تدانيها حضارة أخرى.
  
جواب مفترى من عند أنفسنا (2): ونحن نكاد نجزم الظن أيضا بأن شخصيات فرعون وقارون وهامان (مضافة إلى شخصيات هارون وموسى وصاحبه) كانت تمتلك من العلم ما تفوقت به على السابقين واللاحقين.
  
وربما يفسر مثل ظننا هذا الاهتمام الإلهي (ربما الذي لا نظير له) بتلك الفترة الزمنية على وجه التحديد وبالأشخاص الذين وجهوا أحداثها حينئذ كموسى وصاحبه مع أخيه هارون، وكذلك فرعون وقارون وهامان.
  
والأحداث الفريدة التالية تميز تلك الفترة الزمنية على وجه التحديد:
   
- فالله هو من كلّم موسى تكليما في الواد المقدس في ذلك الزمن:
  
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164)
  
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)
  
- والله هو من آتى صاحب موسى حكما وعلما في ذلك الزمن حتى اضطر موسى (وهو كليم الله) أن يذهب بنفسه لتلقى العلم عنده:
  
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)
  
- والله هو من أرسل إلى هارون ليكون رسولا آخر مع موسى:
    
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15)
فكانت تلك (في ظننا) هي القرية التي أرسل الله إليها رسولين وعززهما بثالث:
  
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ (14)
  
فكان نبي الله ذو الكفل (كما افترينا القول سابقا) هو ذلك الرسول الذي آثر أن لا يظهر بشخصه إلا معززا لرسالة موسى وهارون
 (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان قصة موسى)
  
- والله هو من آتى قارون من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولى القوة في ذلك الزمن:
  
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)
  
- والله هو من طلب من رسولاه (موسى وهارون) أن يذهب إلى فرعون ليقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى بالرغم من كل ما فعل الرجل من الطغيان والاستعلاء والتكبر في الأرض بغير الحق:
    
اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)
   
- الخ.
  
لكن ماذا كانت النتائج بعد كل تلك الأحداث العظيمة؟
  
- أقر ثلاثة منهم بالفضل الإلهي عليهم، وهم موسى وهارون وصاحب موسى الذي جاء موسى ليتعلم منه
  
- جحد ثلاثة منهم بالفضل الإلهي وكفروا نعمة ربهم التي أنعمها عليهم وهو فرعون وقارون وهامان
  
السؤال: لماذا؟
  جواب مفترى: إنه العلم
  
تلخيص ما سبق
قبل الخوض قدما في هذا النقاش، نجد أن الضرورة تستدعي تأكيد الفكرة المحورية التالية التي تخص سبب الاهتمام الإلهي (الذي قد يبدو للوهلة الأولى أنه مبالغ فيه) بفرعون وملئه وقومه في النص القرآني حيث يكثر الحديث عن قصة فرعون مع موسى على مساحة النص القرآني. فنحن نعتقد بأن هذا الاهتمام الإلهي مبرر إذا ما فهمنا أن في قصص هؤلاء القوم عبر كثيرة جدا لأولي الألباب:
   
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)
    
فالقرآن الكريم – في عقيدتنا التي نؤمن بها- ليس بكتاب يسرد أحداثا تاريخية لأمم انقضى أمرها منذ الآلاف السنين وكفى، ولكن في هذا القصص القرآني عبرة يمكن أن نستفيد منها نحن من طلب الله منا أن نتدبرها (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ). ولا يقل أهمية عن ذلك – برأينا- أن في قصصهم تلك تفصيل لكل شيء (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ)، كما أن فيها هدى ورحمة لقوم يؤمنون (وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).
  
(دعاء: اللهم أسأل وحدك أن أكون من أولي الألباب فتعلمني العبرة من قصصهم وأن تعلمني كيف فصلت في ذلك كل شي وأن تجلني من القوم المؤمنين اللذين يجدون في ذلك هدى ورحمة – آمين)
   
فعندما تحدث الله – مثلا- عن الناقة التي أرسلها إلى ثمود، كانت تلك آية واحدة من آيات الله:
  
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
  
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)
  
فجاء ذكر تلك الآية في كتاب الله بالحجم الذي يناسبها دون زيادة تشوبها أو نقص يعيبها. فكل شيء في كتاب الله بقدر. ولو حاولنا تطبيق هذا المبدأ على قصة موسى مع فرعون لوجدنا أن الله قد أرسل موسى وأخاه هارون بالآيات الكثيرة:
  
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)
 وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)
  
لتكون النتيجة التي لا مفر منها هي أن الله قد أرسل موسى وأخاه هارون بآيات كثيرة إلى فرعون وقومه، أليس كذلك؟
  
السؤال: لماذا أرسل الله موسى بآيات كثيرة إلى فرعون وقومه؟ ألم تكن تكفي آية واحدة كآية الناقة مثل التي أرسلها الله إلى ثمود مثلا؟
  
رأينا: كلا وألف كلا، لم تكن آية واحدة لتكفي في حالة موسى وأخيه هارون مع فرعون وقومه.
  
السؤال: لماذا؟
  
رأينا المفترى: لأن الخصم عنيد ولديه من الآيات ما يمكن أن يتفوق به على موسى وهارون لو أنهما جاءا القوم بآية واحدة فقط. فمقارعة فرعون وقارون وهامان تتطلب توافر الآيات الكثيرة التي يستطيع من يملكها أن يتغلب عليهم جميعا. فالتغلب على فرعون وقارون وهامان – نحن نتخيل- ليس بالأمر السهل الذي يمكن أن تنجزه آية واحدة.
السؤال: ما هي تلك الآيات التي جاء بها موسى؟
  
جواب مفترى: إنها آيتان فقط: العصا واليد
  
السؤال: هل هذه فقط ما كان من الآيات التي أجراها الله على يد موسى؟
  
رأينا: كلا، هناك أيضا تسع آيات مفصلات
  
السؤال: ألا ترى أنك تناقض نفسك؟ يقول صاحبنا. كيف تقول أن ما كان يملكه موسى هما آيتان فقط وتقول في الوقت ذاته أن هناك تسع آيات أجراها الله على يد موسى؟
  
رأينا المفترى: نحن نفتري القول بأنه لو تدبرنا الآيات التسعة التي أجراها الله على يد موسى كما وردت في الآية الكريمة التالية:
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)
  
لربما صح لنا أن نستنبط أنها آيات فرعية ناتجة عن إدخال يد موسى في جيبه (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ). لتكون الصورة (كما نفهمها) على النحو التالي:       
                     
                                                                موسى
                          العصا
تلقف حبال وعصي السحرة
ضرب البحر فكان كل فرق كالطود العظيم
ضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا

                     اليد
                 تسع آيات
آية 1
آية 2
آية 3
أية 4
آية 5
آية 6
آية 7
آية 8
آية 9



(للتفصيل حول كيفية إحداث الآيات التسعة بواسطة يد موسى، انظر مقالتنا تحت عنوان قصة موسى)
 نتيجة مفتراة مهمة جدا: لمّا كان هذا القرآن هو تفصيل لآيات الله، كان لزاما تفصيل الآيات التي جاء بها موسى إلى فرعون وقومه.
نتيجة مفتراة مهمة جدا: لما كانت الآيات التي جاء بها موسى فرعون وقومه عديدة، جاء تفصيلها في كتاب الله ليطغي في الحجم على كل قصص الأمم السابقة التي لم يتوافر عندهم ذاك الكم الكبير من الآيات. فتفصيل آية الناقة لا يعادل في الحجم تفصيل هذه الآيات التي جاء بها موسى فرعونَ وقومه. فلا شك أن تفصيل آيات الله إلى فرعون وقومه ستأخذ حيزا كبيرا في كتاب الله.
 سؤال المحوري: لمن جاءت هذه الآيات؟
 جواب مفترى خطير جدا: لمّا كان موسى قد جاء بآيتين رئيسيتين فقط وهما العصا واليد، وجب أن نطرح التساؤل التالي: لماذا كانتا آيتين اثنتين؟ لماذا جاء موسى بآيتين من ربه؟ وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في النص القرآني التالي مرة أخرى:
  
وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)
  
فالنص يتحدث عن آيتين وهما العصا التي عادت حية تسعى بعد أن ألقاها موسى في النار المقدسة بالحضور الإلهي واليد التي خرجت بيضاء من غير سوء كآية أخرى.
  
السؤال مرة أخرى: لماذا كانتا آيتين؟
  
رأينا: نحن نظن أنهما آيتان لأنهما موجهتان إلى طرفين اثنين.
  
السؤال: لمن كانت كل آية موجهة؟ أي لمن كانت العصا (كآية) موجهة؟ ولمن كانت اليد البيضاء (كآية) موجهة؟
  
جواب مفترى من عند أنفسنا (1): نحن نعتقد أن آية العصا كانت موجهة لمقارعة فرعون بشخصه:
  
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)
  
نتيجة مفتراة: كانت الآية الكبرى (العصا) موجهة إلى شخص فرعون، فهي الآية الوحيدة القادرة على مواجهة هذا الطاغية الكبير
  
جواب مفترى من عند أنفسنا (2): نحن نعتقد أن آية اليد (التي نتج عنها تسع آيات فرعية) كانت موجهة لفرعون وملئه وقومه:
  
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)
  
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75)
  
السؤال: لماذا؟
  
رأينا: نحن نظن أن الآيات التي جاءت ملأ فرعون وقومه كانت كفيلة بمقارعتهم والتغلب عليهم، لكنها لم تكن كفيلة بالتغلب على فرعون نفسه، لذا توجب أن توجد آية (هي الكبرى) لمقارعة هذا العملاق الذي كاد خطره أن يتجاوز حدود الأرض، عندما طلب من هامان أن يبني له صرحا ليبلغ به الأسباب فيطلع إلى إله موسى:
    
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
  
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)
  
نتيجة مهمة جدا مفتراة من عند أنفسنا: كان فرعون رجلا صاحب علم عظيم، فكان لابد لمن أراد مقارعته من امتلاك آية الله الكبرى ليستطيع مجاراة هذا العملاق الذي كاد خطره أن يتجاوز حدود الأرض.
  
السؤال: كيف ذلك؟
  
رأينا: لما حاولنا أن نتدبر ما قاله الله لموسى في حديثه الأول الخاص بفرعون وجدنا فيه ما يذهب بالعقول (إن وجدت) في غياهب طويلة يصعب على من جعل فيها أن يعود مرة أخرى إلى الوراء. لذا وجب علينا التوقف هنا لتحذير القارئ الكريم بأن لا يتجاوز هذه السطور إن هو أراد أن يسلم بما تبقى له من "تعقل" إن هو أراد أن يلحق بتخريصاتنا هذه منذ البداية. فالحذر الحذر، لأن النتيجة ربما تكون كارثية، لا يتحمل كاتب هذه السطور أن يلقيها أحد على كتفيه مادام أن القارئ الكريم هو من اختار بنفسه اللحاق بنا في هذا الخيال الذي ربما يتبين لاحقا أنه مزيف. فالكاتب هو من يتحمل التبعات المترتبة عليه شخصيا لأنه يظن أن الخوض في هذه الأمور أصبح لا مفر منه مهما كانت النتائج و(ربما) العواقب. وسلاحنا الوحيد الذي لا يمكن أن نتخلى عنه هو دعاؤنا الله وحده أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب ولا نقول عليه إلا الحق، إنه هو العليم الحكيم، سائلينه وحده أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدنا وأن يزدنا علما، ونعوذ به وحده أن يكون أمرنا كأمر فرعون مادام أن هدفنا هو أن يجعل الله كلمةَ الذين كفروا السفلى وكلمتُه هي العليا. فالله وحده ندعوه أن يتقبلنا في أنصاره، إنه هو السميع المجيب – آمين.
  
أما بعد
  
لنبدأ النقاش بالآيات الكريمة التالية:
اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)
  
التساؤلات
  
- لماذا طلب الله من موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا؟
  
- لماذا كان الطلب من أجل أن يتذكر فرعون أو أن يخشى؟
  
- وما الذي كان من الممكن أن يتذكره فرعون؟
  
- وكيف كان من الممكن أن يخشى فرعون؟
  
- الخ.
  
باب الخشية
  
لعل أكثر ما وضعنا في حيرة من أمرنا هنا هو كيفية أن يخشى فرعون. فما هي خشية فرعون؟ وكيف كان من الممكن أن يحدث ذلك؟ وهل فعلا خشي فرعون في نهاية الأمر؟
  
جواب خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن الإجابة على هذه التساؤلات ربما نستطيع أن نستنبطها من قوله تعالى في الآية الكريمة التالية:
  
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
  
السؤال: كيف يخشى الله من عباده العلماء؟
    
رأينا المفترى: غالبا ما تحايل أهل العلم على هذا النص القرآني للخروج من "المأزق" الذي ظنوا أنهم ربما يقعون فيه لو أنهم قرءوا النص على ظاهر اللفظ منه. فلسان حالهم يقول باستحالة أن تقع الخشية من الله نفسه، لذا فالعلماء هم من يخشون الله، أليس كذلك؟
  
تساؤلات
  
لو كان الأمر على هذه الشاكلة (كما ظن سادتنا أهل الدراية)، فلِم لَم يأت النص على نحو صيغة المبني للمعلوم:
  
إنما يَخشى العلماءُ من الله
    
إنما يخشى اللهَ عبادُه العلماء
  
أو على صيغة المبني للمجهول (كما يحب أهل اللغة ومقعدوها أن يصفوها):
  
إنما يُخشى اللهُ من عباده العلماء
  
الخ.
  
باب الخشية
  
السؤال: ما المخرج من هذا "المأزق"، إذن؟
  
رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن أن الخشية هي من الله نفسه. انتهى
  
نعم الله هو من يخشى، وهو يخشى من عباده العلماء. وكفى. ولا نظن أن هناك حاجة للالتفاف على منطوق صريح اللفظ القرآني.
  
السؤال: كيف يمكن لله نفسه أن يخشى من عباده العلماء؟ ولم يحتاج الله أن يخشى من عباده العلماء أصلا؟ ألا ترى أنك قد تجاوزت كل الحدود؟ يرد صاحبنا قائلا.
    
رأينا المفترى: ربما نكون قد تجاوزنا الحدود، ولكن لا ننسى أنها حدود وضعها سادتنا العلماء (اللذين قلما نثق بقدراتهم العقلية وإن كنا لا نشكك بوازعهم الإيماني). لذا نحن نرى أنه من العدالة أن يعطى كل شخص فسحة الزمان والمكان أن يخرص بما في ذهنه كما فعل السابقون لأننا لا نظن أن علم من سبقنا هو أحسن حال من تخريصاتنا الجديدة.
  
السؤال: هات ما عندك؟ ربما يتفضل علينا أهل الحلم قائلين
  
رأينا المفترى: نحن نرى أن من أبسط مجالات التفكر والتدبر في كتاب الله هو التعرض أولا لمعنى المفردة قيد البحث نفسها. فمن المعيب – نحن نظن- الخروج بافتراءات عن مفردات نحن لا نفقهها (وإن كنا نظن أننا قد أحطنا بها علما). إذن لنبدأ بطرح التساؤل التالي على الفور: ما معنى الخشية؟
  
جواب مفترى: لابد بداية من التأكيد أن الخشية لا تحمل في ثناياها الخوف. فالخشية شيء والخوف شيء آخر مختلف تماما بدليل ورودهما معا في الآيات الكريمة التالية مثلا:
  
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ21) )
  
وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ (77)
   
فالله تعالى يوحي إلى موسى أن يسري بمن كان معه من المؤمنين لا يخاف دركا ولا يخشى. 
السؤال: ما الفرق بين أن يخاف موسى أو أن يخشى؟
  
جواب مفترى: تعرضنا لهذه الجزئية في واحدة من مقالاتنا السابقة، وربما لا نجد ضيرا أن نعيد بعض الأفكار الرئيسة التي وردت هناك لعلاقتها المباشرة بفحوى الموضوع هنا.
  
أما بعد،
  
فقد زعمنا الظن بأن الخشية هي شعور ينبع من الداخل، ينتج عنه "قلق داخلي" لما قد تؤول إليه الأمور لاحقا. فلو قرأنا السياق القرآني التالي لوجدنا أن الوضع الراهن ليس هو ما سبَّبَ "الخشية" وإنما ما يظن صاحب الخشية أن الأمور ستؤول إليها في المستقبل:
  
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً (31)
  
قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً (100)
  
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ (21)
  
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)
  
فتجارتهم – على سبيل المثال- ربما لا تكون كاسدة في الوقت الراهن، ولكن الخشية مرتبطة بما قد تؤول إليه الأمور في المستقبل حسب اعتقادهم الحالي (وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا).
  
نتيجة مفتراة (1) نحن نظن أن الخشية هي اعتقاد راهن لما ستكون عليه الأمور لاحقا
  
ولا شك عندنا أن الخشية تتفاوت من شخص إلى آخر بدليل قوله تعالى:
  
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (21)
    
فالناس ليسوا متساويين في فعل الخشية، فالآية الكريمة تبيّن لنا أن هناك من يخشون وهناك من لا يخشون. وهذا المعنى واضح في الآيات الكريمة الكثيرة التي تبيّن أن فعل الخشية نابع من داخل الإنسان، لذا فهو متفاوت من شخص إلى آخر:
  
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ. الرعد (21)
  
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَهُم مِّنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُون. الأنبياء (49)
  
الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبا. الأحزاب (39)
ولعل هذه – برأينا- واحدة من الفروقات الرئيسية التي تميّز الخشية من جهة عن الخوف من جهة أخرى؛ فلو تعرضنا للسياقات القرآنية التي تتحدث عن فعل الخوف لوجدنا أن فعل الخوف يحدث بتأثير مصدر خارجي. فالله – مثلا- هو من يحدث الخوف في عباده بدليل قوله تعالى
  
لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ. الزمر16) )
  
ولكننا لا نجد أن الله يحدث الخشية في قلوب عباده، بل على العكس فهو من يطلب منهم أن يخشوه:
  
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150)
  
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)
  
إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)
  
أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13)
  
السؤال المثير جدا: لماذا يحدث الله الخوف في الناس ولكنه لا يحدث فيهم الخشية؟
  
جواب خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن الله يستطيع أن يحدث في الناس الخوف لكنه لا يستطيع أن يحدث فيهم الخشية.
  
السؤال: لماذا؟
  
رأينا: لو كان الله يستطيع أن يحدث في الناس الخشية، فأحدثها في بعضهم ولم يحدثها في آخرين، لانتفى بذلك العدل الإلهي المطلق، ولأصبح الأمر تبعا لهوى الإله.
  
السؤال: لكن لماذا يحدث الله الخوف في الناس؟
  
رأينا المفترى: نحن نظن أن الله يستطيع أن يحدث الخوف في الناس من أجل أن يكون ذلك سببا كافيا لهم لأن يحدثوا الخشية من الله من تلقاء أنفسهم. فهو الذي يحدث البرق ليخوِّفنا:
  
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12)
  
وهو الذي يخوفنا بالنار:
  
لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16)
  
فالخوف الذي يحدثه الإله فينا هو – نحن نظن- ناتج عن تأثير خارجي، هدفه إحداث تأثير إيجابي، ألا وهي التقوى (ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ).
  
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الخوف ناتج عن عامل خارجي قد يصيب الإنسان.
  
ولكن الخوف الذي يحدثه الشيطان فهو – نحن نظن- ناتج عن تأثير خارجي هدفه إحداث تأثير سلبي فينا:
  
إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175)
  
والخوف لا يحصل فقط من الله أو من الشيطان فقط، فقد يخاف الإنسان من الآخرين من حوله، كما كان يفعل فرعون وملأه بمن آمن مع موسى: 
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
  
وموسى نفسه كان يخافهم:
  
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (13)
   
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ
  
وقد خاف موسى من العصا التي تهتز كأنها جآن:
  
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
  
السؤال: ما هي العوامل التي يمكن أن تسبب الخوف عند الإنسان؟
  
جواب: تشير الآية الكريمة التالية أن الإنسان يخاف عذاب ربه:
  
أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً (57)
  
أو كما في الآية التالية حيث يأتي الخوف من الظلم:
  
وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً (112)
  
وفي الآية التالية نجد أن البرق هو الوسيلة التي تسبب الخوف للناس:
  
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (12)
  
أو كما في الآية الكريمة التالية يحث يخاف موسى علية السلام من العصا التي رآها تهتز كأنها جان:
  
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)
  
وتشير الآية الكريمة التالية أن خوف موسى جاء من فرعون وملئه:
  
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (13)
  
قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33)
  
فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
  
نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الخوف هو شعور نابع من الإنسان نفسه لكنه ناتج عن أسباب وعوامل خارجية.
  
ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية لوجدنا أن الآمن هو ما يقابل الخوف:
  
الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ. قريش 4
  
فكما أن الإطعام يكون من الجوع (أي لتجنب حدوث الجوع) فإن الأمن يكون من الخوف (أي لتجنب حدوث الخوف). فكما أن الجوع هو الشعور بالحاجة إلى الطعام، ولا يمكن أن يشعر الإنسان بالشبع والجوع في آن واحد، فحصول أحدهم يعني غياب الآخر، فالجوع لا يزول إلا بالإطعام. فإن الخوف هو عدم وجود الأمن، والخوف لا يزول إلا بالأمن.
  
السؤال: لماذا لا يحدث الله الخشية في الناس؟
  
رأينا: لما كان الله هو من طلب من الناس أن يخشوه، وأنه يترتب على ذلك جزاء من الله:
  
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12)
  
نأى الإله بنفسه أن يتدخل في ذلك، ولو تدخل الله في إحداث الخشية في قلوب العالمين لكان أولى الناس بذلك هو محمد نفسه الذي قدّم خشية الناس مرة في حياته على خشيته ربه:
  
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)
  
(للتفصيل انظر سلسلة مقالتنا تحت عنوان حديث الإفك)
  
إن ما نود إثارته هنا هو أن الخشية هي شعور داخلي يستطيع صاحبه أن يحدثه أو أن لا يحدثه بقرار من نفسه، على عكس الخوف الذي ربما لا يمكن تجنبه. فموسى هو من خاف عندما رأى العصا تهتز كأنها جان حتى بوجود الإله نفسه:
  
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)            
لكن محمد كان يستطيع أن لا يخشى الناس، لذا عندما خشي الناس جاءه الردع الإلهي المباشر:
  
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ
  
السؤال: لماذا خشي محمد الناس؟
  
رأينا: نحن نظن أن ذلك بسب ما كان محمد يخفيه في نفسه (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ)، فالتأثير ليس خارجيا وإنما داخلي.
  
السؤال: لماذا؟
  
رأينا: نحن نظن أن خشية محمد كانت شعوري آني (أي في ذلك الوقت فقط) لما قد تؤول إليه الأمور لاحقا كما كان يظن في تلك اللحظة. 
نتيجة مفتراة: كان محمد يخفي في نفسه شيئا، فسبب له ذلك شعور بالخشية لأنه ظن أن الأمور قد تؤول لاحقا إلى ما لا يريده ويرضاه.
الدليل
  
دقق – عزيزي القارئ- في الآيات الكريمة التالية: 
وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً الإسراء 31
   
قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإنسَانُ قَتُوراً" الإسراء 100
  
لو دققنا مليّا في الآية الأولى التي تتحدث عن قتل الناس أولادهم، لوجدنا أن الله ينهى الناس عن قتل الأولاد لمجرد خشيتهم الإملاق، وهنا نسرع لنسأل: هل الإملاق واقع على الناس في تلك اللحظة أم أن الناس يتوقعون حدوثه إن بقي الأولاد على قيد الحياة؟ من يدري؟!
  
ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية لتعزز لدينا هذا المعنى للمفردة، قال تعالى:
  
وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ۚ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ۚ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ ۚ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25)
  
فنحن نظن أن الخشية من العنت هي الاحتراز والاحتياط من أن يقع الإنسان في أمر منهي عنه كالزنا مثلاً، لذا فهذا مدعاة للزواج من أجل أن يعفّ نفسه خشية الوقوع بالزنا. إن ما يهمنا أن نؤكده هنا هو أن الأمر مبني على التوقع لأنه كله جاء في باب الخشية، فالذين يخشون العنت لم يقعوا بالزنا (وليس بالضرورة أن يقعوا به في المستقبل لأن الأمر مبني على توقع حدوث أمر سيء أو منهي عنه). وربما يصدق ظننا هذا ما جاء في قوله تعالى:
  
قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي ۖ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)
  
فنحن نظن أن فعل هارون جاء من باب الاحتياط والحذر من أن يوقع الفرقة بين بني إسرائيل إن هو ترك القوم ولحق بأخيه موسى بعد ضلالة السامري لهم.
  
وهذا يشابه ما جاء في قول صاحب موسى مبررا لقتله الغلام:
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80)
  
(للتفصيل حول هذه القضية انظر مقالتنا تحت عنوان "قصة موسى")
  
رأينا: نحن نتجرأ على الافتراء بأن الخشية ( كما نفهمها من الآية السابقة) هي الاحتراس والحذر من تنبؤ وقوع أمر سيء في المستقبل. فالأمر الذي يخشون حصوله ليس واقع بهم الساعة (كما لا نستطيع أن نجزم بوقوعه في المستقبل لأن ذلك من باب الغيب) ولكنهم يتحيّطون ويحترسون من وقوعه.
  
عودة على بدء
    
وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)
  
السؤال: ما علاقة هذا كله بخشية الله من عباده العلماء؟
  
رأينا المفترى والخطير جدا جدا: نحن نظن أن الخشية الإلهية هي شعور الإله نفسه "بالاحتراس والحذر" من عباده العلماء. فالإله – يحتاط لما يستطيع عباده العلماء أن يفعلوه، والذي من الممكن أن لا يكون شيئا يرضاه الإله ويرغب فيه.
  
السؤال: وكيف ذلك؟
  
افتراء خطير جدا (1): نحن نظن أن عباد الله العلماء يستطيعون عمل أشياء كثيرة ربما تفوق قدرتنا الحالية على التخيل.
  
افتراء خطير جدا (2): نحن نظن أن ما يستطيع عباد الله العلماء أن يفعلوه قد يقع بعضها في باب الأعمال التي يرضى الإله وقوعها
  
افتراء خطير جدا (3): والحالة هذه، يبقى الإله في حالة خشية دائمة من عباده العلماء حتى لا يحدثوا أمورا تخرج عن النطاق المسموح به، فيبقى على الإله على الدوام دائم "الاحتراس والحذر" (بالخشية) أن لا يفعل عباده العلماء ما قد لا يحمد عقباه في نهاية المطاف. فيكون الله لهم دائما بالمرصاد، قال تعالى:
  
وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)
  
السؤال: وكيف ذلك؟
  
رأينا المفترى: إن هذا الطرح يعيدنا على الفور للحديث عن علم فرعون، لنفتري من عند أنفسنا ما يلي: كان فرعون من "عباد الله العلماء"، وكان على درجة من العلم أن جعلت الإله نفسه يخشاه. وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن فرعون على درجة عالية جدا من العلم تطلبت أن يتدخل الإله بنفسه ليكون له بالمرصاد (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، فأرسل رسولاه إلى هذا الطاغية بالآيات (وعززهما بثالث) حتى يكف خطره الذي لم يكن بالإمكان أن يكف إلا بتدخل الإله بنفسه.
  
الدليل: باب علم فرعون
  
قال تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)
  
تساؤلات
  
- لماذا كان فرعون "ذِي الْأَوْتَادِ
  
- ومن هو هذا الفرعون "ذِي الْأَوْتَادِ
  
- وما هي تلك الأوتاد؟
  
- وأين هي تلك الأوتاد؟
   
- الخ
  
رأينا المفترى والخطير جدا جدا: لما كان هناك فرعون هو"ذِي الْأَوْتَادِ" (وليعذرنا أهل الإعراب للتصرف بحركاتهم الإعرابية المقدسة)، فإننا نفتري الظن من عند أنفسنا أنه كان شخصا محددا بعينه، فكما كان صاحب الحوت هو بعينه "ذَا النُّونِ"
  
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)
  
كان فرعون هو "ذِي الْأَوْتَادِ".
 السؤال: ما العلاقة بين صاحب الحوت (ذَا النُّونِ) وفرعون (ذِي الْأَوْتَادِ
  
افتراء سابق: كان صاحب الحوت هو "ذَا النُّونِ" لأنه كان – برأينا- يملك علم "النون":
  
ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)
  
(انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة)
  
افتراء جديد: كان فرعون هو "ذِي الْأَوْتَادِ"، لأنه كان – برأينا- يملك علم الأوتاد
السؤال: وما هو علم الأوتاد؟
  
رأينا: إنه العلم الكنوز في الجبال
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)
  
افتراء (1): الجبال هي ما جعلها الله أوتادا
  
افتراء (2): كان فرعون هو "ذِي الْأَوْتَادِ"، فحاز على العلم المكنون في تلك الجبال التي جعلها الله أوتادا
  
السؤال: وأين هي تلك الجبال التي كانت أوتادا لفرعون؟
  
جواب خطير جدا جدا: إنها تلك الأوتاد التي لازالت شاهدة على علم فرعون حتى يومنا هذا. إنها أهرامات الجيزة في أرض مصر الخالدة.
افتراء خطير جدا جدا من عند أنفسنا: كان فرعون هو من حاز على العلم المكنون في تلك الأهرامات، فهو يعلم السر الذي من أجله بنيت، وهو يعلم الآلية التي تشتغل بها تلك الأوتاد. وهو يعلم لم بنيت على شكل الجبال. وهو يعلم السر المكنوز فيها.
السؤال: وما هو ذلك العلم المكنوز في تلك الأوتاد؟
  
رأينا المفترى: نحن نظن أنه العلم الموجود فيها، وهو السر الذي من أجله طلب الإله نفسه من إبراهيم أن يأخذ أربعة من الطير ليجعل على كل جبل منهن جزءا ليريه كيف يحيى الموتى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)
  
السؤال المربك: لماذا طلب الله من إبراهيم أن يضع تلك الطيور على الجبال؟ ألم يكن بالإمكان أن يتم المراد لو أن إبراهيم قد وضع كل جزء منهن على صخرة أو في واد أو في مغارة أو في كهف، الخ؟
السؤال الكبير جدا: ما سر تلك الجبال (التي جعلها الله أوتادا)؟ وما علاقة هذا بفرعون "ذِي الْأَوْتَادِ
هذا ما سنتعرض له في الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيق منه، فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لا ينبغي لغيري، وأسأله أن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو السميع البصير – آمين.
المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
   
بقلم د. رشيد الجراح
  
20 أيار 2015

الجزء السابق                  الجزء التالي