تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يونس - الجزء السابع عشر






قصة يونس – الجزء السابع عشر

حاولنا في الجزء السابق من هذه المقالة تقديم افتراءنا الخاص بالسبب الذي ظننا أنه هو محرك الاهتمام الإلهي بفرعون بشخصه أولا وبالفترة الزمنية التي عاش بها هذا الطاغية الكبير ثانيا. وزعمنا الظن بأن التفصيل الكبير في كتاب الله لشخصية فرعون وقصة موسى معه ومع قومه كان يحركها وفرة الآيات التي جاءتهم حينئذ. كما زعمنا الظن بأن وفرة تلك الآيات في ذلك الزمن كان سببها ما كان يملكه فرعون وقومه من العلم الذي بلغ ذروته في تلك الحقبة الزمنية. وقد كان الافتراء الأكبر الذي حاولنا تسويقه هو أن فرعون كان من العلماء اللذين كان الله لهم دائما بالمرصاد لأنهم من عباده اللذين يخشاهم:

 وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

 وقد قدّمنا الافتراءات الخطيرة التالية التي هي – لا شك- من عند أنفسنا:

افتراء (1): أن عباد الله العلماء يستطيعون عمل أشياء كثيرة ربما تفوق قدرتنا الحالية على التخيل.

افتراء (2): قد يقع بعض ما يستطيع عباد الله العلماء أن يفعلوه في باب ما لا يرضى الإله وقوعه.

افتراء (3): يبقى الإله في حالة خشية دائمة (احتراس وحذر) من عباده العلماء هؤلاء حتى لا يحدثوا أمورا تخرج عن النطاق المسموح به (الفساد في الأرض). 

وقد خلصنا في نهاية الجزء السابق إلى طرح التساؤلات حول الآية الكريمة التالية التي تحدثت عن فرعون على أنه "ذي الأوتاد"

وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)

 وزعمنا الظن بأن هذه الصفة التي اتصف بها فرعون تمنحه ميزة لم يجاريه فيها غيره، وذلك لأن القرآن الكريم لم يبرز شخصيات يمكن وصفها بهذه الطريقة إلا ثلاث شخصيات، وهم: (1) ذا القرنين و(2) ذا النون و(3) ذي الأوتاد


وهم - برأينا - من امتلكوا علما عظيما ميّزهم عن غيرهم، حتى أصبحوا محل الاهتمام الرباني (أي الخشية الإلهية).

وقد جهدنا – بناء على هذا الفهم الذي قد يكون مغلوطا- تسويق زعمنا التالي: كان فرعون (ذي الأوتاد) من أعظم العلماء اللذين كان الله يخشاهم، وذلك لأن فرعون قد جمع علم الأولين والآخرين، حتى ظن بنفسه أنه هو الإله الأوحد:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي ... (38)

ولكي يتحقق فرعون بنفسه من ظنه هذا، طلب من هامان أن يوقد له على الطين، فيجعل له صرحا علّه يطلع إلى إله موسى. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في تتمة الآية الكريمة السابقة:

 ... فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

فكان فرعون يستطيع بلوغ الأسباب، وهو ما طلب من هامان أن يهيئ له أدوات الوصول إلى هناك:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

وهذا العلم لم يكن جديدا خاصا بشخص فرعون وذلك لأن غيره كان قد امتلكه من قبل، وهو ذو القرنين عندما كان يتبع السبب:

وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)

 
(للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان قصة يأجوج ومأجوج)

كما افترينا الظن بأن فرعون كان يملك علم الأوتاد، فتقاطع في ذلك – نحن نظن- مع ذي النون، وهو – برأينا- من علمه الله كيفية إحياء الموتى عندما مر على القرية وهي خاوية على عروشها.

 (للتفصيل انظر سلسلة مقالتنا تحت عنوان قصة موسى والأجزاء السابقة من هذه المقالة)

 نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لما كنا نعتقد أن فرعون قد جمع علم الأولين، فإننا نفتري القول من عند أنفسنا بأن ظن فرعون بأنه هو الإله الأوحد كان مدفوعا – برأينا- بما كان يملك الرجل من أدوات العلم كتلك التي تمكنه من الإطلاع على إله موسى إنْ هو أراد ذلك وكعلم إحياء الموتى متى ما أراد ذلك. وسنتعرض للآليات التي اتبعها فرعون لتنفيذ مراده في ذلك بعد قليل بحول الله وتوفيق منه إن هو أذن لنا الإحاطة بشيء من علمه، إنه هو الواسع العليم – آمين.

 لكن ما يهمنا طرحه حتى اللحظة هذه هو افتراؤنا بأن فرعون قد امتلك بناصية علم الأولين

الدليل

لو تدبرنا الحوارات التي دارت بين موسى وفرعون كما وردت في كتاب الله، لوجدنا الحوار التالي من سورة طه ظاهرا، وهو الحوار الذي يبين لنا ما جرى بين الرجلين بعد أن جاء موسى فرعونَ بالرسالة مباشرة:

رب موسى وهارون: فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ
                           الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

فرعون:               قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

موسى:                 قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

 لنخلص إلى القول بأن أول ردة فعل لفرعون على الخبر (بأن موسى وأخاه هارون قد أوحي إليهما بأن يكونا رسولان من رب العالمين) كانت مبادرة فرعون موسى بالسؤال التالي على الفور: قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)
وهو السؤال الذي لو تدبرنا النص القرآني جيدا بخصوصه لوجدنا أن موسى لم يستطع تقديم إجابة مباشرة له، ربما (في ظننا) لعدم توافر العلم به عند موسى حتى الساعة، فجاء جواب موسى غير مباشر عندما أسند الأمر (حول القرون الأولى) برمته إلى ربه: قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

التساؤلات

- لماذا سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؟

- لِم لَم يستطع موسى إجابة السؤال مباشرة؟

- لماذا أسند موسى الأمر إلى ربه؟

- من هم القرون الأولى التي كان فرعون يتحدث عنهم؟

- ما علاقة القرون الأولى بدعوة موسى فرعونَ هذه؟

- الخ.

السؤال الأول: لماذا سأل فرعون موسى عن القرون الأولى؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية (كما نفهمها) ربما تجيب على هذا التساؤل:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن القرون الأولى قد سبقت رسالة موسى. فالقرون الأولى هي تلك الأمم التي أُهلِكتْ من قَبل رسالة موسى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ)، وما أوتي موسى الكتاب إلا من بعدهم، أليس كذلك؟

ولو تدبرنا الآية الكريمة نفسها جيدا لوجدنا أن ما جاء به موسى بعد هلاك القرون الأولى كان بصائر للناس (بَصَائِرَ لِلنَّاسِ) وهدى (وَهُدًى) ورحمة لعلهم يتذكرون (وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). انظر الآية الكريمة نفسها مرة أخرى:

 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم أن الكتاب الذي أوتي موسى من بعد هلاك القرون الأولى كان بصائر للناس وهدى ورحمة لعلم يتذكرون؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن البصائر هي آيات الله التي أنزلها لتكون للناس هدى ورحمة لعلهم يتذكرون:

 قَدْ جَاءَكُم بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ۚ وَمَا أَنَا عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104)

وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)

هَٰذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)


ولو تفقدنا الحوار التالي الذي جرى بين موسى من جهة وفرعون من جهة أخرى لوجدنا أن الآيات التسعة التي جاءت فرعون وقومه كانت منزلةً بصائر من رب العالمين:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102)

ولو دققنا مليّا في هذا الحوار القرآني لوجدنا فيه العجب: فموسى يوجه الخطاب لفرعون على نحو أن فرعون عالم تماما بهذه الآيات: 

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: هذا موسى يقر بلسانه بأن فرعون على علم تام بهذه الآيات المنزلة بصائر للناس، أليس كذلك؟

السؤال: ما الفرق بين الآيات والبصائر إن صح ما تقول؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى: نحن نظن أن البصائر هي الآيات إذا كانت مبصرة:

وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفًا (59)
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)

فالآية مبصرة (نحن نفتري الظن) إذا كانت تُرى رأي العين كما هي آية النهار. فآية النهار مبصرة لأنها – برأينا- يمكن أن تُرى رأي العين:

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)

فما أن يرى القوم آيات الله بأم أعينهم حتى تكون تلك الآيات مبصرة كما الآيات التسعة التي جاءت قوم فرعون على يد موسى، لكن كانت ردة فعلهم هي الإنكار والتكذيب حتى ظنوا أنها تقع في باب السحر المبين:

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)

(للتفصيل حول ماهية الآيات التسعة التي جاء بها موسى قوم فرعون انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة موسى)

إن ما يهمنا طرحه هنا هو طبيعة الخطاب الذي جرى بين موسى من جهة وفرعون من جهة أخرى حول هذه الآيات المبصرة كما جاء في قوله تعالى:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا (102)

لتكون التساؤلات الخطيرة جدا الآن هي:

- من أين علم فرعون بهذه الآيات (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ

- وهل أوتي فرعون تلك الآيات من ربه كما أُتيها موسى؟

- لماذا كان فرعون مثبورا (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَونُ مَثْبُورًا

- الخ.

رأينا المفترى: نحن نظن أن علم تلك الآيات كان موجودا عند فرعون بدليل ما قاله موسى له (قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ بَصَآئِرَ)

السؤال: ومن أين حصل فرعون على العلم بها؟

افتراء (1): نحن نستبعد كليّا أن يكون فرعون قد حصل عليها من مصدر إلهي كما أُتيها موسى.

افتراء (2): نحن نظن أن فرعون قد حصل عليها من القرون الأولى

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: كان فرعون على علم بالآيات التي توافرت عند القرون الأولى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: جاءت تلك الآيات في كتاب موسى لتكون بصائر للناس (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: جاءت هذه الآيات بصائر للناس لتكون هدى لهم (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: جاءت هذه الآيات لتكون بصائر وهدى للناس وذلك رحمة من ربك (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: يمكن لمن تدبر هذه الآيات من كتاب الله أن يتذكرها كما جاءت القرون الأولى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)

(دعاء: اللهم أسألك يا من خلقتني ففطرتني أن تهديني إلى تلك الآيات التي هي بصائر لتكون لي هدى ورحمة وأسألك أن أكون من أولى الألباب اللذين يتذكرون ، وأعوذ بك أن يكون أمري كأمر فرعون، إنك كنت بي بصيرا - آمين)

السؤال: ما هي القرون الأولى التي حصل فرعون على العلم الذي كان متوافرا عندهم؟

جواب مفترى: نحن نظن أن القرون التي أهلكها الله جاءت كلها من بعد نوح، بدليل قوله تعالى:

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)

ونحن نظن أن أول تلك القرون كانت عاد وأن آخرها كانوا أصحاب الرس، وكان بين ذلك قرونا كثيرا:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا (38)

نوح

قرن 1


عاد


قرن 2


ثمود
قرن 3

قرن 4


قرن 4
الخ

أصحاب الرس

ولو دققنا في الآية الكريمة نفسها لوجدنا بأن ثمود كانت واحدة من تلك القرون، أليس كذلك؟

ولو راقبنا الآيات الخاصة بتلك القرون كلها، لربما صح لنا أن نفتري القول بأنها قد أهلكت وذلك بسبب ظلمهم بعد أن جاءتهم رسلهم بالبينات، فكان ذلك الهلاك هو جزاء القوم المجرمين:

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)

وأن اللذين نجوا من ذلك الهلاك هم فقط من كانوا ينهون عن الفساد في الأرض، وهم لا شك قليل:

فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)

لنخلص من ذلك إلى فهمنا المفترى التالي: جاءت القرونَ الأولى رسلُهم بالبينات، فأصبح عندهم العلم وافرا، فكان ذلك مدعاة للترف، ففضل اللذين ظلموا ذلك الترف، فكانوا ممن ظلموا أنفسهم لما آثروا الفساد في الأرض على تصديق آيات ربهم التي جاءتهم عن طريق الرسل.

ولو أمعنا التفكر في الآيات الكريمة التالية لوجدنا أن تلك القرون الأولى كانوا أشد قوة من اللذين جاءوا من بعدهم:

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)

ولا شك أن السير في الأرض والنظر فيها سيظهر لنا من آثار تلك القرون ما يدل على تفوقهم علينا وعلى اللذين جاءوا من بعدهم:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)

أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ (21)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)


ولكن ذلك الهلاك الذي أصاب تلك القرون لم يمحو آثارهم تماما بدليل أننا نستطيع أن نمشي في مساكنهم لتكون تلك آيات لأولي النهى:

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (128)

ولازالت آثار هلاكهم (مساكنهم التي يمكن لنا أن نمشي فيها) هي آيات لمن أراد أن يسمع:

أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26)

(دعاء: اللهم أسألك أن أكون من اللذين ينهون عن الفساد في الأرض، وأسألك وحدك أن أكون من اللذين يسمعون فيعقلون فيفقهون، إنك أنت السميع العليم – آمين)

كما أننا نستطيع أن نرى آثار هلاكهم:

أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)

ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية لوجدنا أنه ما أن يُهلك اللهُ واحدة من تلك القرون بعد ظلمهم حتى ينشئ من بعدهم قرونا آخرين:

ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)

ولا شك أن الفترة الزمنية التي تفصل بين تلك القرون هي فترة طويلة جدا، بدليل قوله تعالى:

وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)

وربما كان هذا الفاصل الزمني الكبير هو – برأينا- أحد الأسباب التي جعلت البعض لا يؤمن بها حتى نعتها بأساطير الأولين:

وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كانت آيات الله متوافرة في القرون الأولى، فكذب بها الكثيرون عندما آثرت الغالبية العظمى منهم الترف، فأهلكهم الله لأنهم آثروا الفساد في الأرض على التصديق بآيات الله، وما نجّى الله منهم إلا من كان ينهى عن الفساد في الأرض، وهم قليل. وما أن أهلك الله تلك القرون حتى ترك مساكنهم آثارا تدل عليهم، فما أن راءاها المتأخرون حتى انقسموا إلى فريقين غير متكافئين، يؤمن القليل منهم بتلك الآيات على أنها آيات الله الدّالة على القرون التي أهلكها الله بينما يؤمن الكثيرون بأنها ليست أكثر من أساطير الأولين.

(دعاء: اللهم أشهدك أني أشهد أن رسلك قد جاءوا بالحق من عندك، وأعوذ بك أن أكون من المنافقين، فاجعلني أول من يرى آياتك فيعرفها، فأكن أول الراسخين في العلم، فأكون من اللذين يعلمون تأويله، وأعوذ بك أن أكون ممن يبغون تأويله،، إنك أنت الواسع العليم)

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53)

هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ (7)

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)


تساؤلات

- لماذا كانت تلك القرون السابقة أكثر من أولادا وأموالا؟

- لماذا عمروا الأرض أكثر مما عمروها من جاء بعدهم؟

- لماذا ذهبت حضاراتهم العظيمة بتلك الطريقة؟

- من هي تلك القرون التي فاقت علينا في الأولاد والأموال والآثار؟

- أين هي مساكنهم؟

- كيف يمكن أن تكون آثارهم الباقية آيات تدل عليهم؟

- كيف يمكن أن نستفيد نحن اليوم من هذه الآيات؟

- ثم، ما علاقة فرعون بهذا كله؟

- الخ.

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على التساؤلات السابقة كلها تكمن في كلمة واحده: العلم

رأينا: نحن نعتقد جازمين أن الحضارة (أي حضارة) لا تشيّد إلا بالعلم، فالعلم هو أساس بناء الحضارات ورقيها. وبالعلم تزدهر الحضارة وتنمو وتتطور. ومتى شح العلم أخذت الحضارة بالتراجع والضعف، وإن ضاع العلم تلاشت الحضارة برمتها. لذا نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن تلك الحضارات التي سبقت كان لديها من العلم ما يمكّنها من تشييد العمران الذي لازال قائما حتى بعد هلاكها بالآلاف السنين. ولا شك عندنا أن منازلهم تلك قد بنيت بأيديهم لتظل شاهدة على ما وصلوا إليه من الرقي والتقدم الذي ربما عز نظريه عند من لحق بهم، ولتكون في الوقت ذاته آيات لمن جاء بعدهم ليستفيدوا منها من جديد. لتكون الصورة التي نريد أن نخرج بها على النحو التالي: امتلكت القرون الأولى من العلوم ما لم تستطع القرون اللاحقة من امتلاكه.

باب: القرون الأولى

لو رجعنا إلى بداية القرون الأولى، لوجدنا أنها تبدأ بعاد (قوم هود)، وهم في ظننا أول القرون التي أهلكت من بعد نوح، وربما يبين ذلك عندما نحاول الربط بين الآيتين الكريمتين التاليتين:

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)

وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا (38)


وقد لحق بعاد (قوم هود) ثمود (قوم صالح):

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

افتراء 1: جاءت عاد كأول القرون الأولى

افتراء 2: لحقت ثمود بعاد فكانوا خلفاء من بعدهم

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: استفادت ثمود مما كان عند عاد من العلم بأن اتخذوا من السهول قصورا (وهي في ظننا ما كانت لعاد) ثم زادوا على ذلك عندما نحتوا بأنفسهم الجبال بيوتا كآثار خاصة بهم ودالة على حضارتهم الجديدة.

والتسلسل الزمني لتلك القرون واضح في الآيات الكريمة التالية:

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)

أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللّهُ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)

وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31)


ولو حاولنا أن نتتبع قصة أول القرون وهم عاد (قوم هود) في كتاب الله، لوجدنا السياقات القرآنية التالية التي تبين لنا ما كان من أمرهم، قال تعالى:

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ (65)

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52) قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59) وَأُتْبِعُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127) أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُم بِمَا تَعْلَمُونَ (132) أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135) قَالُوا سَوَاء عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140)

وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتْ النُّذُرُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27) فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28)

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ (19) تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20)


ولو دققنا في جميع الآيات القرآنية الخاصة بعاد لوجدنا التلازم واضح بين عاد من جهة وثمود من جهة أخرى:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءتْهُمُ الرُّسُلُ مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاء رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18)

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)
 

ولو دققنا في الآيات الكريمة التالية لوجدنا التلازم قوي جدا بين عاد من جهة وفرعون من جهة أخرى على وجه الخصوص:

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14)

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14)


ولو راقبنا السياقات التالية لوجدنا الترابط واضح بين عاد وهود وفرعون:

الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8) وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)


السؤال: ما سر هذا الترابط بين الطرفين؟

رأينا المفترى والخطير جدا جدا: كان فرعون بشخصه هو من امتلك العلم الذي كان متوافرا في القرون الأولى وخاصة عاد وثمود، وهؤلاء الثلاثة على وجه التحديد هم من امتلكوا العلم العظيم، فاستخدموا ما عندهم من العلم من أجل الإفساد في الأرض، فكان الله لهم بالمرصاد، قال تعالى:

وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4) هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)
 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: إن هذا الطرح يعيدنا على الفور للحديث عن علم فرعون، لنفتري من عند أنفسنا ما يلي: كان فرعون من "عباد الله العلماء"، وكان على درجة من العلم أن جعلت الإله نفسه يخشاه:

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)


وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن فرعون كان على درجة عالية جدا من العلم تطلبت أن يتدخل الإله بنفسه ليكون له بالمرصاد (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، فأرسل رسولاه إلى هذا الطاغية بالآيات (وعززهما بثالث) حتى يكفّ خطره الذي لم يكن بالإمكان أن يكف إلا بتدخل الإله بنفسه.

باب: علم فرعون

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن فرعون قد حاز على العلم الذي كان متوافرا في عاد وفي ثمود (وربما علم قرون أخرى لا نعلمها). وقد أدى به ذلك إلى أن يصبح هو بنفسه إله كما قال عن نفسه لمن حوله من الملأ:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

وقد خاطب قومه جميعا بصيغة من يملك:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)

وخاطبهم بصيغة التحدي، وبلهجة الواثق مما يقول:

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)

وما كان القوم ليستطيعوا رد دعوى فرعون هذه خصوصا بعد أن قدم لهم موسى من الآيات ما كانت كل آية هي أكبر من أختها. وانظر – عزيزي القارئ- في السياق القرآني كله كما جاء في سورة الزخرف:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)

نتيجة مفتراة 1: يأتي موسى (ومعه أخوه هارون) فرعون وملئه وقومه بالآيات من ربهم

نتيجة مفتراة 2: كانت ردة فعلهم هي الضحك من تلك الآيات

نتيجة مفتراة 3: كانت كل آية هي أكبر من أختها

نتيجة مفتراة 4: وقع العذاب على القوم لعلهم يرجعون

نتيجة مفتراة 5: نعت القوم موسى على أنه ساحر

نتيجة مفتراة 6: طلب القوم من موسى أن يدعو ربهم ليرفع عنهم العذاب فيكونوا من المهتدين

نتيجة مفتراة 7: كشف الله عنهم العذاب (بطلب من موسى) فإذا هم ينكثون

نتيجة مفتراة 8: جاء نداء فرعون في قومه على أنه خير من هذا الذي ظن فرعون أنه مهين ولا يكاد يبين

نتيجة مفتراة 9: تحدى فرعون إله موسى بأن يلقي عليه أسورة أو يجيء معه الملائكة مقترنين

وبعد هذا السيناريو الكامل: ماذا كانت النتيجة؟ هل اصطف القوم مع موسى أم مع فرعون؟

جواب مفترى: انحاز القوم بأغلبيتهم الساحقة مع فرعون

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

السؤال: لماذا اصطف القوم إلى جانب فرعون؟ ألم تكن الآيات التي قدمها موسى لهم كافية لتثنيهم عن الضلال الذي هم فيه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل تكمن بالافتراء بأن حجة فرعون كانت قوية جدا لدرجة أن القوم اصطفوا إلى جانبه. وما انهارت حجة فرعون إلا أمام مجموعة واحدة من الناس، وهم السحرة اللذين جمعهم يوم الزينة للتغلب على موسى:

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)

فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لم تستطع كل الآيات التسعة التي جاء بها موسى قومَ فرعون أن تثنيهم عن ضلالتهم. فما تغلب موسى على فرعون عندما اصطف الناس إلى جانبه ولم ينحازوا إلى طرف موسى.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: استطاعت آية واحدة (هي الكبرى) فقط أن تقهر فرعون، ألا وهي "العصا"، فانحاز السحرة إلى طرف موسى.

فأصبحت المواجهة الآن بين الطرفين (نحن نتخيل) شبه متكافئة: تغلب فرعون على موسى بآية اليد التي خرجت منها تسع آيات مبصرة إلى فرعون وقومه، واستطاعت الآية الكبرى أن تقهر فرعون وملئه، فتكافأ الطرفان في المواجهة، فأصبحت المواجهة التالية بينهم في مكان سوى:

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58)

وقفة قصيرة في مراجعة مهمة: أرسل الله موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه وقومه، وأيدهما بآيتين اثنين هما العصا واليد، وقد حاولنا توضيح ذلك بالرسم البياني التالي كما جاء في الجزء السابق من هذه المقالة بناء على فهمنا للآيات الكريمة التالية عند ربطها مع بعضها البعض:

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12) فَلَمَّا جَاءتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (13)     
                

                                                       موسى
                          العصا
تلقف حبال وعصي السحرة
ضرب البحر فكان كل فرق كالطود العظيم
ضرب الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا

                     اليد
                 تسع آيات
آية 1
آية 2
آية 3
أية 4
آية 5
آية 6
آية 7
آية 8
آية 9




فقدم موسى الآيات إلى فرعون وملئه وقومه التي جاءت عن طريق اليد، فكانت تسع آيات، فأخذ القوم يضحكون منها، وما كانت كافية لأن تقلل من شأ فرعون في قومه، بل على العكس، جاء خطاب فرعون عاليا، يتضح فيه ملامح القوة والتحدي، فاصطف الملأ والقوم إلى جانبه:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48)

لكن تبقى مع موسى الآية الكبرى التي لم يستطع فرعون أن يقهرها، فجمع كيده ثم أتى، وكان ذلك في يوم الزينة حيث المكان سوى بين الطرفين:

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

وقد حاول موسى أن يثنيهم عن ضلالهم قبل المواجهة الفعلية، فذكرهم بمغبة الافتراء على الله كذبا:

قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)

فبدأت أمارات الخلاف تظهر بينهم في الحال، فحصل بينهم بعض النزاع، إلا أن أنهم أسروا النجوى، ظانين أن ما جاء به موسى يقع في باب السحر، فجاء خطاب فرعون (ومن على شاكلته أن الفلاح اليوم لمن استعلى):

فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

فأصبح لا محالة من المواجهة الفعلية، فحصلت على النحو التالي:

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)

وما أن رأى السحرة بأم أعينهم ما فعلت عصا موسى بحبالهم وعصيهم حتى ألقوا ساجدين جميعا، مؤمنين برب هارون وموسى، كافرين بربهم القديم (وهو فرعون):

قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا هَارُونَ وَمُوسَى (70)

وهنا يظهر لأول مرة "عجز" فرعون في المواجهة، فبأن ضعفه أمام هذه الآية الكبرى، فأخذت قواه تنهار، فما استطاع أن يفعل شيئا في الحال، وجل ما استطاع فعله هو أنه توعدهم بالعذاب:

قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

لكن ذلك الوعيد لم يكن ليثني السحرة عن قرارهم النهائي الذي لا رجعة عنه وهو اللحاق بركب هارون وموسى، تاركين فرعون وملئه وقومه ورائهم بغض النظر عن ما يستطيع هؤلاء فعله بهم: 

قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء مَن تَزَكَّى (76) 

السؤال الكبير جدا: لماذا لم يستطع فرعون أن يعاقب السحرة في الحال؟ لماذا اكتفى بالوعيد؟ وهل استطاع فعلا تنفيذ وعيده بأن يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو أن يصلبهم في جذوع النخل كما قال؟

قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

جواب: كلا وألف كلا، لم يستطع أن يفعل شيئا

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن فرعون لم يكن يستطيع مواجهة موسى والتغلب عليه مادام موسى يملك الآية الكبرى (وهي العصا) بيده.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأنه لو كان فرعون يستطيع فعل شيء في تلك اللحظة التي ألقي فيها السحرة ساجدين لما اضطر إلى أن يتوعدهم بالعذاب، ولأنزل بهم العقاب في الحال. فلا يجب أن ننسى أن فرعون وجنوده (كل كيده) جميعا كانوا حاضرين المواجهة في يوم الزينة:

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

فلِم لَم يستطع فرعون (نحن لا زلنا نسأل السؤال ذاته) أن يأمر جنوده بأن يلقوا القبض على موسى وهارون وكل من ألقي ساجدا من السحرة فورا؟

رأينا: لو كان فرعون وجنوده يستطيعون ذلك لما ترددوا لحظة عن فعله.

السؤال: لماذا لم يكونوا قادرين فعل ذلك إن صح ما تزعم؟ يسأل صاحبنا.

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون قد أصبح يعلم علم اليقين بأن ما يملكه موسى بيده كفيل بأن يحول بين الطرفين، لا بل وأن يجعل الكفة تميل إلى جانب موسى لو أن فرعون قرر المواجهة المسلحة في تلك اللحظة. لذا كان فرعون غاية بالذكاء (بدهاء السياسي وحيلة الساحر ومكر الكافر) عندما قرر أن ينسحب مسرعا بمن تبقى من الحاضرين حتى لا يلحقوا جميعا بركب موسى. فأظهر لمن حوله أن ما فعله موسى يقع في باب السحر مؤجلا المواجه للمرة القادمة:

قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

ونحن نظن أن هذا كان تكتيكا عسكريا ناجحا من سياسي محنّك يدرك تبعات ما يمكن أن تؤول إليه الأمور لو أنه تعجل في المواجهة. لذا استطاع فرعون أن يظهر لمن حوله بأن ما حصل أمام أعينهم على أرض الواقع هو أمر عادي يستطيع أن يتكفل به لاحقا، فانسحب وجنوده وملئه (نحن لازلنا نتخيل) معلقا أملهم جميعا على المرة القادمة التي ستكون الغلبة فيها لفرعون ومن معه. 

سيناريو آخر لما حصل: ولو حاولنا أن نتخيل أن هذه المواجهة قد تمت بين فرعون وملئه وسحرته من جهة وموسى وهارون من جهة أخرى دون حضور الجند، لربما صح ذلك. فيمكن أن يكون فرعون قد حضر هذه المواجهة دون وجود الجند، لذا فقد أجل القبض على موسى وهارون إلى إشعار آخر حتى يحضر جنده.

رأينا: لو أن هذا ما حصل على أرض الواقع لربما دل هذا على دهاء أكبر من فرعون. فالرجل يعلم أن المواجهة بين الطرفين لن تكون سهلة، فإن هو ربحها فقد أقام الحجة على موسى وهارون، واصطف الناس حوله. وإن هو خسرها، فلابد من تدبير الأمر مرة أخرى، لذا قد يكون الرجل لم يحضر جنده معه في تلك المواجهة للغاية نفسها وهي إن حصل أن تغلب موسى على السحرة، فالجند لن يتمكنوا من موسى وهارون لأن موسى يملك آية أكبرى، ربما لا يستطيع الجند مواجهتها.

السؤال: لماذا لم يحضر فرعون جنده معه ليلقوا القبض على موسى وهارون (وكل من اصطف إلى جانبهم) في الحال؟

رأينا الخطير جدا جدا: لقد كان هدف فرعون من المواجهة هي التأكد بأن ما يملكه موسى بيده هي فعلا آية الله الكبرى. 

نتيجة مفتراة: في تلك اللحظة التي القي السحرة ساجدين لما فعلت عصا موسى بعصيهم وحبالهم أدرك فرعون أن قدرة موسى أكبر من قدرة السحرة جميعا، فجاء ذلك على لسانه على النحو التالي:

... إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ...

وفي هذه اللحظة (نحن نتخيل) أدرك فرعون أن الاستمرار في المواجهة لن يجدي نفعا، لأنه أصبح يعلم علم اليقين بأن الغلبة ستكون لموسى لو أنه قرر المواجهة المسلحة في الحال. فكان قرار الانسحاب وتأجيل المواجهة المسلحة هي الأسلم بالنسبة له حينها. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في تتمة السياق القرآني السابق:

... فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

السؤال: لماذا كان يعلم فرعون أن الغلبة ستكون لموسى لو أنه استمر بالمواجهة في تلك اللحظة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون قد أدرك في تلك اللحظة أن عصا موسى هي فعلا الآية الكبرى التي كذب بها من قبل عندما أراه موسى إياها:

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)

السؤال: ألم يكن فرعون يدرك ذلك من قبل؟ ألم يقتنع فرعون فعلا أن عصى موسى هي فعلا الآية الكبرى؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: كلا. لم يكن فرعون (نحن نظن) يؤمن يقينا في تلك اللحظة الأولى بأن عصا موسى التي أراه موسى إياها هي فعلا الآية الكبرى.

السؤال: أين الدليل على ما تقول؟

جواب مفترى: دعنا نرجع بالقصة إلى بدايتها. لأن ذلك سينقلنا (نحن نظن) إلى افتراء خطير جدا سيكون له تبعات جمة لاحقا. فالله أسأل أن يعلمني الحق الذي أقوله فلا أفتري عليه الكذب، إنه هو الواسع العليم – آمين.

أما بعد،

نحن نعلم أن الله هو من نادى موسى في الواد المقدس، وهو من طلب منه الذهاب إلى فرعون لأنه طغى، أليس كذلك؟

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

والله هو من طلب من موسى أن يلقيها في النار، فأعادها سيرتها الأولى:

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)


والله هو من أيد موسى وأخاه هارون بآية أخرى هي إدخال اليد في جيبه لتخرج تسع آيات إلى فرعون وملئه وقومه:

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) 

وهناك بالضبط طلب الله من موسى أن يذهب إلى فرعون. انظر تتمة السياق القرآني نفسه:

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)

وها هو موسى ينفذ الأمر الإلهي له بالذهاب إلى فرعون، فيحصل اللقاء بينهما، فيري موسى فرعونَ الآيةَ الكبرى. لكن ماذا كانت ردة فعل فرعون الأولى عندما أراه موسى الآية الكبرى. انظر عزيزي القارئ في السياق القرآني التالي:

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

- ألم يكذب فرعون ويعصي؟ فَكَذَّبَ وَعَصَى

- ألم يدبر وهو يسعى؟ ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى

- ألم يحشر الملأ وينادى؟ فَحَشَرَ فَنَادَى

- ألم يقل لهم أنه هو ربهم الأعلى؟ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى

السؤال: لماذا؟ أي لماذا كانت ردة فعل فرعون على تلك الشاكلة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل موسى وقد ذهب بأمر من ربه إلى فرعون، وما أن يأتي موسى فرعون حتى كان الرجل متواجدا في مكان منعزل لوحده، بدليل أن الحوار دار بين الطرفين فقط. فموسى يخاطب فرعون وحده، وموسى يري الآية الكبرى لفرعون وحده، وفرعون هو من أدبر يسعى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23)

فهناك إذن (نحن نتخيل) تجرى مواجهة فردية بين الطرفين؟ فيقوم موسى بدعوة فرعون (بالقول اللين) بأن يهديه إلى ربه فيخشى، ويقوم موسى في الوقت ذاته بتقديم الدليل على صحة دعوته هذه، فيريه الآية الكبرى التي تثبت أن من يملكها هو فعلا رسول من رب العالمين، لأن تلك الآية (نحن نفتري القول) لا يمكن أن تقع إلا في يد من أذن الله له بذلك. وسنتحدث عن هذا بالتفصيل لاحقا بحول الله وتوفيق منه متى أذن لنا الإحاطة بشيء من علمه، إنه هو العليم الحكيم. 

في هذه اللحظة التي يقدم فيها الدليل (الآية الكبرى) لفرعون، يقع فرعون تحت الاختبار الحقيقي: إما أن يصدّق دعوة موسى هذه فيقر له بالتبعية أو أن يرفض دعوة موسى ويبقى على ضلاله القديم. وقد كان فرعون في تلك اللحظة (نحن نظن) مؤهلا لأن يتخذ واحدة من الطريقين بقرار شخصي من نفسه، فكان من الممكن لفرعون أن يتذكر أو أن يخشى، بدليل أن هذه كانت "الرغبة" الإلهية كما صاغها لموسى وأخيه هارون:

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

نتيجة مهمة جدا جدا: كانت "الرغبة" الإلهية تكمن في أن يتذكر فرعون أو يخشى. وسنتحدث عن هذا الموضوع بالتفصيل بحول الله وتوفيقه لاحقا. فالله وحده أسأل أن لا افتري عليه الكذب وأسأله وحده أن يعلمني الحق الذي أقوله فلا أفتري عليه الكذب، إنه هو الواسع العليم، آمين.

السؤال: لكن ما الذي حصل على أرض الواقع؟

جواب مفترى: آثر فرعون أن لا يتذكر و أن لا يخشى في تلك اللحظة، فكذب وعصى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)

لكن يبرز هنا سؤال حتمي وهو: لماذا لم يفرط فرعون ولم يطغى على موسى وأخيه هارون في تلك اللحظة؟ ألم يكن ذلك ما خافه موسى وأخوه هارون عندما أمرهم الله بالذهاب إلى فرعون؟ انظر الحوار الذي دار بين الله من جهة وموسى وأخيه هارون من جهة أخرى:

الله: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

موسى وهارون: قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45)

جواب مفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن فرعون لم يكن يستطيع أن يفرط أو أن يطغى على موسى وأخيه لوجود الآية الكبرى في يد موسى.

تخيلات مفتراة: عندما أظهر موسى ما كان يملك (أي الآية الكبرى) أمام فرعون، بدأ الشك يساور اليقين عند الرجل، فالرجل (نحن نتخيل) لم يكن يستطيع أن يجزم أن تلك هي فعلا الآية الكبرى، فما كان منه إلا أن كذّب دعوى موسى، فما أراد أن يهديه موسى إلى ربه، فعصى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)

لكن الملفت للانتباه هنا على وجه التحديد هو أن فرعون هو من ولى موسى الدبر، أي هو من هرب من المواجهة، أليس كذلك؟

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23)

السؤال المربك: لماذا كان فرعون هو من ترك موسى ورحل من المكان؟ لِم لم يأمر فرعونُ موسى بالخروج من المجلس؟ ولم لم يأمر فرعون الجند حينها بالقبض على موسى وأخيه هارون؟ لِم لم يأمر فرعون بإيداع موسى وأخيه السجن وكفى؟ لم ترك فرعونُ موسى ورحل بنفسه؟ ولم سمح فرعونُ لموسى أن يعود إلى بلاطه مرات أخرى وبحضور الملأ من القوم؟ الخ.

السؤال المربك جدا لكل من يقرأ قصة فرعون مع موسى في كتاب الله العزيز: ألم تسنح الفرصة لفرعون أن يمسك بموسى فيودعه السجن؟ ألم تسنح الفرصة لفرعون أن يأمر بقتل موسى على الفور؟ أليس ذلك ما كان يخافه موسى وأخوه هارون؟ ألم يكن لفرعون وقومه ذنب على موسى من ذي قبل؟ لم لم يأخذ فرعون موسى بالذنب القديم، فيقتله وكفى؟ ألم يكن هذا ما قاله موسى بملء فيه لربه؟

وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14)

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (33)


السؤال: لماذا إذن لم يفرط فرعون عليهم ولم يطغى؟ 

السؤال الأهم: لماذا جاء التطمين الإلهي لموسى وأخيه هارون بأن فرعون لن يفرط عليهم ولن يطغى حتى وإن كذب وعصى؟

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)

قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)


جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه لما كان فرعون رجل على علم عظيم، كان يدرك كل الأحداث التي كانت تدور من حوله في تلك الساعة التي حصلت فيها المواجهة الفردية بينه وبين موسى. فالمكان (نحن نتخيل) هو مكان خاص جدا بفرعون، يتواجد فيه فرعون منعزلا عن الآخرين، أي هو مكان عزلة فرعون، بدليل أن موسى هو من أتى فرعون:

فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)

قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15)


نتيجة مهمة جدا: موسى وهارون هما من آتيا فرعون. فالمكان إذن خاص بفرعون نفسه.

ونحن نتخيل بأن المتواجدين هناك هم موسى (وربما معه أخوه هارون) وفرعون فقط. وما أن حصلت المواجهة حتى كان الذي ولىّ دبره وسعى بعيدا هو فرعون بعد أن كذب وعصى، أليس كذلك؟

فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22)


ليكون سؤالنا المحوري هو: لماذا كان فرعون هو من أدبر يسعى؟

جواب خطير جدا: لأن فرعون كان خائفا، فالذي يولي الدبر هو المهزوم الذي يخشى على نفسه من الهلاك كما في المعركة مثلا:

ولا شك أن من يدبر هو من كان في ظلام، لأن الحق إذا قذف بالباطل فإنه يدمغه فإذا هو زاهق:

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)

فالحق كما النهار الأبلج الواضح الذي يدبر معه الليل بظلامه الدامس:

كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34)

نتيجة مفتراة: لو أن فرعون شعر أنه على حق في تلك اللحظة لما أدبر

السؤال: لماذا خاف فرعون فأدبر إن صح ما تزعم؟ يسأل صاحبنا.

ألم تقل من ذي قبل بأن فرعون لم يصدق بأن عصا موسى هي الآية الكبرى؟ فما الذي دعاه للهرب (أي أن يدبر)؟

جواب خطير جدا جدا لا تصدقوه: لأن المكان لم يكن يتواجد فيه موسى (وربما هارون معه) وفرعون فقط. ولكن كان هناك (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) آخرون متواجدون في المكان نفسه وهم اللذين خافهم فرعون فهرب منهم.

السؤال: من الذي كان يتواجد هناك في المكان نفسه الذي حصلت فيه المواجهة الفعلية بين موسى وفرعون في تلك الخلوة من فرعون؟

جواب خطير جدا جدا: إنه الله ومن هو معهم.

الدليل

دقق عزيزي القارئ بجميع السياقات القرآنية التي تبين لنا الحوار الإلهي مع موسى وأخيه هارون عندما طلب منهما الذهاب إلى فرعون:

وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14) قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16)

اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)


ألا تجد - عزيزي القارئ- أن الله كان حاضرا اللقاء بذاته؟ ألا ترى أن الله كان معهما يسمع ويرى؟

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: بعيدا عن التحليق في عالم المجازات اللغوية وسماء الاستعارات الأدبية التي – لا شك - تصلح لكلام الشعراء، ولكنها يقينا أبعد ما تكون عن كلام الله الحق، فإن منطوق الآيات الكريمة تبين أن الله كان هناك مع موسى وهارون يسمع ويرى:

قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)

كما لا شك عندنا أن جنود ربك (اللذين لا يعلمهم إلا هو) كان بعضهم حاضرا اللقاء ذاته:

قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ (15)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لا شك عندنا أن فرعون لم يصدق بأن ما أراه موسى إياه هي الآية الكبرى. مادام أنه كذب وعصى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) 

ولا شك عندنا أن موسى قد أخذ فرعون على حين غرة ودون استعداد مسبق من الرجل بدليل أن موسى جاءه في مكان عزلته فكان وحيدا:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23)

فلو كان يحضر آخرون إلى جانب فرعون في ذلك اللقاء، لما اضطر فرعون أن يدبر ويسعى ليحشر وينادي بنفسه، ولـربما اكتفى أن يأمر من حوله أن يقوموا بذلك نيابة عنه شخصيا، أليس كذلك؟

وإذا كانت هذه ردة فعل فرعون، فماذا فعل من حوله لو أنهم كانوا يحضرون ذلك اللقاء؟ من يدري؟!!!

إن النتيجة التي نفتريها من عند أنفسنا هي أن موسى قد جاء فرعون في مكان عزلته، وهناك بالضبط أراه الآية الكبرى التي لم يستطع فرعون حينها (نحن نتخيل) أن يتحقق منها. فكذب كلام موسى بأنه رسول من الله إليه ولم يصدق أن تلك التي بيمينه (أي العصا) هي آية الله الكبرى. فما كان من الرجل إلا أن كذب وعصى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)

لكن المفاجأة التي كنا لا نتوقعها هي أن فرعون هو من أدبر (أي ولى دبره هاربا) تاركا المكان كله. فما الذي حصل؟ ولماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن فرعون (الذي كذب وعصى) قد أدرك في تلك الساعة أن المكان لم يعد مكانا عاديا، فالرجل يعرف مكان خلوته تماما. ولكن الوضع الآن قد تغير، فلقد خيّم على المكان الغمام، وظهر أنه مسكون بكائنات غريبة، لا يستطيع أن يقاومها بنفسه، فولى دبره ساعيا (أي يمشي هاربا على عجل). ولا شك أن أمارات الخوف كانت واضحة على الرجل، فكانت ردة فعله الأولى هي الحشر والمناداة:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

السؤال: من اللذين حشرهم فرعون؟ ومن اللذين نادى عليهم؟ ولماذا فعل ذلك؟

رأينا المفترى: لو أن المواجهة كانت ثنائية بين موسى من جهة وفرعون من جهة أخرى فقط لربما لم يكن فرعون ليحتاج أن يحشر أو أن ينادى، ولربما عمد فرعون للتصدي لموسى بمفردة، فالرجل (نحن نتخيل) لا تنقصه الشجاعة ولا تعيه الحيلة. ولكن لمّا وجد فرعون نفسه (نحن لازلنا نتخيل) في مواجهة مع موسى ومن ورائه جيش عظيم من المخلوقات الغريبة ترقبهم جميعا قوة عظيمة جدا في المكان نفسه، كان لابد لفرعون من الفرار من المكان طالبا النجدة والمساعدة.

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

السؤال: كيف تظن أن فرعون يستطيع أن يهرب من المكان مادام أن الله متواجد فيه بذاته؟ هل يعقل هذا؟ يصرخ صاحبنا قائلا.

رأينا: ربما كان هذا التساؤل مشروعا لو أن موسى نفسه لم يولي هاربا من المكان الذي ناداه الله بنفسه فيه:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)


تساؤلات: ألم يولي موسى مدبرا بالرغم من الحضور الإلهي في المكان؟

السؤال: لماذا هرب موسى من المكان؟ وإلى أين كان يمكن أن يهرب موسى؟ ألم يكن يظن موسى أن الله قادر عليه حتى لو أنه ترك المكان ورحل منه؟ ألم يكن الله هو من نادى موسى بأن يقبل؟ ألم يكن الله هو من طمأن موسى بأن لا يخاف؟

تخيلات مفتراة خطيرة جدا جدا: نحن نظن أن فرعون قد هرب من المكان بالرغم من الوجود الإلهي فيه لنفس السبب الذي دعا موسى أن يهرب منه من ذي قبل؟

السؤال: ما الذي دفع بفرعون أن يهرب إذن؟

رأينا: إنه الوجود الإلهي

السؤال: لكن - بالمقابل- هل فعلا هرب موسى من ذي قبل من الوجود الإلهي؟ ألم يهرب عندما رأى العصا تهتز كأنها جآن؟

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)


جواب مفترى: تحدثنا في مقالة سابقة لنا عن هذه القضية، وزعمنا الظن بأن موسى قد هرب من المكان (بالرغم من يقينه بالوجود الإلهي فيه) لأن موسى ظن في تلك اللحظة أن ساعة الحساب قد حانت. فهروب موسى من المكان (نحن نفتري القول إذن) لم يكن مدفوعا بالخوف من العصا، ولكنه كان مدفوعا بالخف من اهتزازها كأنها جآن:

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)

السؤال: وما الفرق؟ أي ما الفرق بين أن يخاف موسى من العصا أو أن يخاف عندما راءاها تهتز كأنها جآن؟

رأينا: نحن نفتري القول بأن موسى قد ظن حينما رأى العصا تهتز كأنها جآن بأن الله قد جاء في تلك اللحظة ليحاسبه فيعاقبه على فعلته السابقة عندما ظلم نفسه، وقتل نفسا من ذي قبل. فهرب موسى خائفا من العقاب الذي ظن أنه سينزل به في الحال، لذا جاء التطمين الإلهي لموسى على النحو التالي، فقد جاء مرة على نحو أنه من الآمنين:

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)

وجاء مرة أخرى على نحو أن الله قد قبل استغفاره مادام أنه قد بدل حسنا بعد سوء، فناداه على أنه من المرسلين:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

تخيلات مفتراة: في تلك اللحظة العظيمة، لم يكن الخيال ليصل بموسى أن رحمة الله به يمكن أن تكون عظيمة لدرجة أن تكافئه حتى بعد ظلمه لنفسه، فلربما كان أقصى ما يمكن أن يصل إليه خيال موسى (نحن نفتري الظن) هو أن يدركه الله برحمة منه فيغفر له ذنبه، ولكن أن يجتبيه ويجعله من المرسلين بعد ظلمه لنفسه، فهذا أكبر من قدرة موسى على التخيل في تلك الساعة. فكانت ردة فعله الأولى هي الهرب من المكان، ينوي أن لا يعود إلى المكان أبدا بدليل أنه ولى مدبرا:

فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ

ولو حاولنا أن نعقد مقارنة على الفور بما حصل من أمر فرعون لوجدنا أن فرعون لم يولي مدبرا ولكنه فقط أدبر يسعى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22)

السؤال: ما الفرق؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هناك عدة فروقات بين ما فعل موسى وما فعل فرعون بالرغم أن هروبهما كانا مدفوعا بالخوف:
 
موسى: وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ فرعون: ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى
1. ترك موسى المكان

2. ترك موسى المكان والخوف واضحا عليه

3. ترك موسى المكان موليا (أي راكضا)

4. ترك موسى المكان قاصدا أن لا يعود

5. الخ
  1. ترك فرعون المكان

2. ترك فرعون المكان خائفا ولكن الخوف غير باد عليه

3. ترك فرعون المكان ساعيا (أي يمشي على عجل)

4. ترك فرعون المكان لغرض أن يحشر وينادي، قاصدا العودة مرة أخرى

5. الخ.

وقفة قصيرة في مراجعة مهمة: عندما وجد موسى نفسه في الواد المقدس، جاء السؤال الإلهي الأول له عن العصا:

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)

ولكن ما أن رأى موسى العصا تخرج من النار كأنها جآن حتى ولى مدبرا ولم يعقب:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ...

فظن موسى أن الله قد حضر بنفسه ليعاقبه على سوء فعلته، وما توقف موسى عن الهرب إلا لحظة أن ناداه الله مرة أخرى مطمئنا إياه بأن الأمر على عكس ما ظن موسى وتخيل. فالأمر الآن هو الأمن وليس العقاب:

... يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)

وعلاوة على ذلك تأتيك الرسالة باصطفاء إلهي مباشر:

... يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

السؤال: ما علاقة هذا كله بما بدر من فرعون بعد لقاءه الأول مع موسى؟

تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأن ما حصل مع فرعون عندما أدبر يسعى كان يشبه في محركه ما حصل مع موسى في الواد المقدس، فلقد أدرك فرعون (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) أن هذا المكان المتواجد فيه الآن مع موسى قد أصبح محاطا بالقدرة التي يمكن أن توقع به العقاب المباشر، فولى مدبرا يسعى. وربما كان فرعون أكثر رباطة جأش من موسى لأن موسى ولىّ مدبرا ولم يعقب بينما أدبر فرعون وهو يسعى. ولا شك عندنا أن فرعون قد ترك المكان ساعيا (أي يمشي مسرعا) بينما نحن نتخيل موسى وقد ترك المكان راكضا. فمحرك الهروب عند الطرفين هو الخوف، ولكن كيفية هروب كل منهما كانت مختلفة. 

السؤال الحتمي: لماذا لم ينادي الله على فرعون عندما أدبر كما نادى على موسى عندما ولى مدبرا؟ ألم يبدر من فرعون ما بدر من موسى كما تزعم؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى: نحن نظن أن الله كان من الممكن أن ينادي على فرعون فيطمئنه كما فعل مع موسى لولا وجود فارق واحد بين الحالتين.

السؤال: ما الفرق بين الحالتين؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الفرق يكمن في الغرض الذي من أجله ولى موسى مدبرا مقابل الهدف الذي ولى فرعون دبره من أجله.

السؤال: وما السبب الذي من أجله هرب كل منهما من المكان الذي تواجد فيه الله بذاته؟

جواب مفترى: في حين أن موسى كان هاربا خائفا من وقوع العقاب الإلهي به، مدركا في الوقت ذاته ضعفه وقلة حيلته، كان فرعون على عكس ذلك تماما، فقد أدبر الرجل يسعى من أجل أن يحشر وينادى؟

السؤال: وما الفرق؟ ما العيب في ذلك؟

رأينا المفترى: كان فرعون يظن أنه يستطيع أن يجلب قوته من أجل المواجهة، فكان ظنه ه يستطيع أن يقف ندا عنيدا لموسى ومن معه حتى لو كان الله وملائكته معه.

السؤال: أين الدليل على ذلك؟

رأينا نحن نظن أن الدليل يكمن في الآيات الكريمة نفسها:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

فلو تدبرنا هذه الآيات جيدا، لوجدنا أن فرعون قد أدبر يسعى وكان أول ما فعله هو أن يحشر وينادى، أليس كذلك؟

السؤال: ما معنى أن فرعون قد حشر؟ ومن الذين حشرهم فرعون؟ وما معنى أن فرعون قد نادى؟ ومن اللذين ناداهم فرعونُ؟

رأينا: لو تدبرنا باب الحشر في السياقات القرآنية لوجدنا أنه غالبا ما تلازم مع وجود القوة القتالية كما حصل في حالة سليمان عندما حشر له جنوده:

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن فرعون أدبر يسعى لكي يحشر جنوده مقابل ما يرى من الجنود التي جاءت لتؤيد موسى ضده.

السؤال: وعلى من نادى فرعون؟

جواب مفترى: نحن نظن أن فرعون قد نادى قومه

السؤال: لماذا نادى فرعون في قومه؟

جواب خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن فرعون نادى في قومه ليجري مقارنه بينه شخصيا كإله مع إله موسى الذي لا يكاد يبين:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)  


السؤال: من الذي لا يكاد يبين كما جاء على لسان فرعون؟

تخيلات مفتراة: لاحظ عزيزي القارئ كيف كان فرعون دقيق في تعبيره. فالرجل يظن بأن هناك قوة أخرى تنافسه، وأن هذه القوة هي ما يدعي موسى أنه إلههم جميعا، ولكن هذه القوة – برأي فرعون- ينقصها شيء واحد، وهي أن صاحبها لا يكاد يبين. 

بالرغم من زعم فرعون وظنه بأنه خير من هذا الذي هو مهين – كما قال- ولا يكاد يبين، إلا أن ذلك لا يمنع من وجود قناعة عنده أنها فعلا موجودة. لذا تطلب الآن المواجهة الحقيقية بين الطرفين، لإثبات من هو الأعلى: فرعون من جهة أم هذا الذي لا يكاد يبين:

قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

ولما كان يظن فرعون بأنه هو الأعلى كما قال عند حشر ونادى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

أصبحت مواجهة حقيقية بين رب حقيقي هو فعلا الأعلى:

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1)

وإله كاذب يظن أنه هو الأعلى:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

فكانت نتيجة المواجهة على النحو التالي:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (26)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الله لم يأخذه الله نكال الآخرة والأولى إلا ليكون عبرة لمن يخشى.

لكن لو رجعنا بالخطاب إلى الوراء قليلا، لوجدنا حجة فرعون على النحو التالي:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56)

فالسياق القرآني يبين ربما بما لا يدع مجالا للشك (كما نفهمه) بأن فرعون يعقد مقارنة بينه (كإله) وبين الإله الآخر الذي يدعو موسى الناس للإيمان به، ولو دققنا في الآيات لوجدنا أن ما يطلبه فرعون هو:

1. أن يبين هذا الإله الذي يدعي موسى أنه هو الأعلى

2. أن يلقي عليه أسورة من ذهب

3. أن يجيء معه الملائكة مقترنين

وهي ما ظن فرعون أنها نقاط ضعف في دعوى موسى ونقاط قوة عنده وذلك:

1. لأن فرعون (على عكس إله موسى) يبين

2. أن فرعون قد ألقي عليه أسورة من ذهب

3. أن فرعون يجيء معه جنده مقترنين

وقد انطلت الحجة على من أراد الفساد في الأرض وعلى كل من كان من الفاسقين، فصدقوا دعوى فرعون هذه، فاستطاع فرعون أن يستخفهم حتى جعلهم الله سلفا ومثلا للآخرين.

(دعاء: أعوذ بك ربي أن تجعلني سلفا ومثلا للآخرين ، وأعوذ بك رب أن أكون من القوم الفاسقين، وأعوذ بك رب أن أكون من اللذين يستخفهم من ناصبوك العداء كما فعل كبيرهم فرعون من قبلهم، وأعوذ بك أن يكون أمري كأمر فرعون، إنك كنت بي بصيرا – آمين).

وللحديث بقية إن شاء الله


المدّكرون: رشيد سليم الجراح         &            علي محمود سالم الشرمان



بقلم د. رشيد الجراح

31 أيار 2015

الجزء السابق              الجزء التالي