تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يأجوج ومأجوج - الجزء الرابع

قصة ذي القرنين
قصة يأجوج ومأجوج 4
سنبدأ النقاش في هذا الجزء الجديد من المقالة محاولين الإجابة على التساؤل الذي أثرناه في نهاية الجزء السابق ألا وهو: لم جاء ذكر بطلنا بهذا الوصف الذي صدقه الوصف الإلهي "ذِي الْقَرْنَيْنِ" له؟ أي لماذا سمي بـ "ذِي الْقَرْنَيْنِ" بصريح اللفظ القرآني؟
رأينا: لعل من المفيد أن نبدأ النقاش في هذه الجزئية منطلقين بما وصلنا من عند سادتنا أهل العلم الذين نظن أنهم لم يفقهوا الحديث وإن كانوا قد فقهوا بعض القول كما نقرأه في الطبري مثلا:
ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا
القول في تأويل قوله تعالى : { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا } يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه , وما كانت قصته , فقل لهم : سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول : سأقص عليكم منه خبرا . وقد قيل : إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنين , كانوا قوما من أهل الكتاب . فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل . وأما الخبر بأن الذين سألوه , كانوا قوما من أهل الكتاب . 17546 - فحدثنا به أبو كريب , قال : ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة , قال : ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم , عن شيخين من نجيب , قال : أحدهما لصاحبه : انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدث , قالا : فأتياه فقالا : جئنا لتحدثنا , فقال : كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم , فخرجت من عنده , فلقيني قوم من أهل الكتاب , فقالوا : نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فاستأذن لنا عليه , فدخلت عليه , فأخبرته , فقال : " ما لي وما لهم , ما لي علم إلا ما علمني الله " , ثم قال : " اسكب لي ماء " , فتوضأ ثم صلى , قال : فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه , ثم قال : " أدخلهم علي , ومن رأيت من أصحابي " فدخلوا فقاموا بين يديه , فقال : " إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا , وإن شئتم أخبرتكم " , قالوا : بلى أخبرنا , قال : " جئتم تسألوني عن ذي القرنين , وما تجدونه في كتابكم : كان شابا من الروم , فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية ; فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء , فقال له ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي ومدائن , ثم علا به , فقال : ما ترى ؟ فقال : أرى مدينتي , ثم علا به فقال : ما ترى ؟ قال : أرى الأرض , قال : فهذا اليم محيط بالدنيا , إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل , وتثبت العالم , فأتى به السد , وهو جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء , ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج , ثم مضى به إلى أمة أخرى , وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج , ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب , ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم " . واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لذي القرنين : ذو القرنين , فقال بعضهم : قيل له ذلك من أجل أنه ضرب على قرنه فهلك , ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك . ذكر من قال ذلك : 17547 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا حكام , عن عنبسة , عن عبيد المكتب , عن أبي الطفيل , قال : سأل ابن الكواء عليا عن ذي القرنين , فقال : هو عبد أحب الله فأحبه , وناصح الله فنصحه , فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه فقتلوه , ثم بعثه الله , فضربوه على قرنه فمات . * - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يحيى , عن سفيان , عن حبيب بن أبي ثابت , عن أبي الطفيل , قال : سئل علي رضوان الله عليه عن ذي القرنين , فقال : كان عبدا ناصح الله فناصحه , فدعا قومه إلى الله , فضربوه على قرنه فمات , فأحياه الله , فدعا قومه إلى الله , فضربوه على قرنه فمات , فسمي ذا القرنين . * - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن القاسم بن أبى بزة , عن أبي الطفيل , قال : سمعت عليا وسألوه عن ذي القرنين أنبيا كان ؟ قال : كان عبدا صالحا , فأحبه الله فنصحه , فبعثه الله إلى قومه , فضربوه ضربتين في رأسه , فسمي ذا القرنين . وفيكم اليوم مثله . وقال آخرون في ذلك بما : 17548 - حدثني به محمد بن سهل البخاري , قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم , قال : ثني عبد الصمد بن معقل , قال : قال وهب بن منبه : كان ذو القرنين ملكا , فقيل له : فلم سمي ذا القرنين ؟ قال : اختلف فيه أهل الكتاب , فقال بعضهم : ملك الروم وفارس . وقال بعضهم : كان في رأسه شبه القرنين . وقال آخرون : إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا نحاس . ذكر من قال ذلك : 17549 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا سلمة , قال : ثنى ابن أبي إسحاق , قال : ثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني , قال : إنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس
بناء على هذا "التفسير العظيم"، دعنا نذكِّر القارئ الكريم – بداية- بالملاحظات التالية التي وردت فيه:
أولا، ذكر بعض أهل العلم أنه قد سُمِّي بذي القرنين لأنه "ضرب على قرنه فهلك , ثم أحيي فضرب على القرن الآخر فهلك"
ثانيا، قال بعضهم أنه سمي بذلك لأنه "كان عبدا صالحا , فأحبه الله فنصحه , فبعثه الله إلى قومه , فضربوه ضربتين في رأسه , فسمي ذا القرنين"
ثالثا، قال بعضهم أنه سمي بذلك لأنه "ملك الروم وفارس".
رابعا، قائل بعضهم سمي بذي القرنين لأنه "كان في رأسه شبه القرنين"
خامسا، قال بعضهم سمي بذلك "لأن صفحتي رأسه كانتا نحاس" أو "كانتا من نحاس"
السؤال المربك لنا: هل في هذا – يا سادة- قول يستحق أن يكتب في بطون الكتب فعلا؟ وهل فيه كلام يصلح أن يناقش في قاعات الدرس؟ وهل فيه حديث يستحق أن يكون علما يروى عن أهل الدراية من سادتنا العلماء؟ من يدري؟!!!
أما أنا، فأظن – كالعادة- أن سلّة المهملات هي المكان الأمثل لمثل هذا التخريف والتهريج، وأن جميع ما قيل لا يعدو أن يكون أكثر من نتاج عبقرية ساكني الخيام في ليال الصحراء الملتهبة، يتسامرون بها وأعينهم تحدِّق بالقمر الساطع ضوءه عليهم والنجوم المتلألئة فوقهم في كبد السماء.
السؤال: لماذا سُمّي إذن بذي القرنين؟ يسأل صحبنا مستغربا
جواب مفترى من عند أنفسنا: لأنه عاصر فترتين زمنيتين أي عاش في قرنين من الزمان
الدليل
نحن نظن أن الدليل على كلامنا المفترى هذا قد يتحصل إذا ما طرح التساؤل التالي: ما هو القرن؟
جواب: كان الأجدر بسادتنا العلماء من أهل الدراية أن لا يدخلوا تراث البادية الذي ورثوه من عند آبائهم وأجدادهم بغثه وسمينه في كتاب الله دون تمحيص ولا تدقيق، وكان الأجدر بهم (نحن نتهمهم) أن لا يجعلوا التراث مهيمنا على الحق المطلق الذي جاءنا من عند ربنا. فهذا لا يكون (نحن نزعم) أكثر من فعلة حفنة من رعاء الشاه الذين ظنوا أن كتاب الله يمكن أن يفسره تراثهم المستمد من بداوة الصحراء. فظنوا أن قرن الماعز (أو ما شابهها من الدواب والأنعام) الذي يرعى على أطراف صحاريهم القاحلة– مثلا- هو ما يمكن أن يدلّهم على سبب تسمية فارسنا بـ ذِي الْقَرْنَيْنِ. فانطلق مخيالهم يقارن بين بطلنا المغوار والحيوانات (أي الدواب والأنعام) ذات القرنين التي ألفوها في باديتهم. فأخذت جميع تفسيراتهم هذا المنحى من الفهم الفاضح لأثر التراث في تفسير كتاب الله الذي فيه الحق المبين.
والمخيب للآمال على الدوام أنهم لم يسألوا أنفسهم السؤال الذي نطالبهم به على الدوام وهو: قبل أن تنقلوا تراثكم (بحلوه ومره) إلى كتاب الله، هلا تريثتم وتدبرتم ذاك التراث قليلا؟ فلم لم تتدبروا مثلا سبب تسمية ذاك "العظم" الذي يخرج من رأس ذكر الماعز مثلا بـ "القرن"؟ وكيف تكون آلية خروجه؟ ولماذا لا يكون لأنثى الدواب والأنعام ويكون خاصا بذكورها؟ وماذا عن الكائنات الأخرى؟ وما هي الدواب التي يمكن أن يكون لها قرن؟ وكيف يحصل ذلك؟ الخ.
وما يدمي القلوب بعد هذا كله أنهم لم يأتوا على ما يقولون بدليل واحد يثبت افتراءاتهم أو أثارة من علم تدل على أن ما يقوله يمكن أن يصنّف في خانة العلم الذي يستحق بذل الجهد لإثباته أو نفيه.
وما يجعل العيون تدمع من تلقاء نفسها أن العامة من الناس قد صدّقوا مثل هذا الكلام دون أدنى مساءلة ليس لشيء إلا لأنه منقول عن سادتهم من العلماء أهل الدراية الذين لا يشق لهم غبار،  وأن من نقله عنهم هم أهل الرواية الذين لا يرقى (هم يظنون) إليهم شك في صدق ما ينقلون. من يدري؟!!!
السؤال: كيف يمكن التوصل إلى إجابة أكثر إقناعا مما ألفيناه من عند سادتنا العلماء أهل الدراية؟
جواب: يمكن لنا ذلك (بيسر وسهوله إن شاء الله) إذا ما تدبرنا المفردة ذاتها من كتاب الله نفسه، لنطرح التساؤل الآن على النحو التالي: ما هو "القرن" كما جاء في كتاب الله تعالى؟
جواب مفترى: جاءت مفردة قرن (بصيغة المفرد) في السياقات القرآنية التالية:
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31)
كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ فَنَادَوا وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (36)
وجاءت بصيغة الجمع (قرون) في السياقات التالية:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ (51)
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (128)
ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42)
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا (38)
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26)
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ (31)
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
السؤال: من هم القرن إذن؟ أو ما هو القرن؟
رأينا المفترى: هم قاطبة القوم الذين عاشوا معا (بغض النظر عن أعمارهم)، فحصل لهم تمكين في الأرض (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ)، وقد أصابهم خير من ربهم (وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ)، ولكنهم استحبوا العمى على الهدى فكانوا ظالمين (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا)، فلحقهم العذاب الرباني بسبب ذنوبهم (فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ)، فجاءهم العقاب الرباني جماعيا، فهلكوا جميعا (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا)، فلم ينج منهم إلا قليلا من الذين آمنوا (إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ)، وأنشأ الله من بعدهم قرنا وقرونا آخرين (وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ) (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ):
أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)
كما نفتري القول بأنهم ممن جاءتهم الرسل بالبينات قبل هلالكم، فما كانوا ليؤمنوا إلا قليلا منهم، وهم الذين نجوا من العذاب الذي حاق بالكافرين منهم:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ ۗ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)
كما نفتري القول أيضا أن هلالكم وإن كان قد أصابهم أنفسهم، إلا أنه ترك ما يدل عليهم كمساكنهم مثلا:
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (26)
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ (128)
فكانت بداية القرون من بعد نوح تحديدا زماني:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)
فكان هناك عاد وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا:
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَٰلِكَ كَثِيرًا (38)
وانتهت فترة القرون الأولى عند موسى:
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَىٰ بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)
وهي نفسها التي سأل فرعونُ موسى عنها:
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)
كما لا نتردد أن نفتري الظن بأنه لمّا تطاول العمر عليهم:
وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45)
ارتبطت تلك القرون بفكرة الأساطير:
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
فأصبحت آيات الله التي أنزلها عند من لم يشهدوها بأم أعينهم ويكأنها أساطير الأولين عندما تتلى عليهم:
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ ۖ وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ۚ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا ۚ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا ۙ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)
وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ ۙ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24)
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83)
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَىٰ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِن قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)
إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)
إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: مادام أن صاحبنا قد سمي بـ "ذي القرنين" بصريح اللفظ القرآني، فإننا نفتري الظن من عند أنفسنا أنه قد عاصر قرنين من القرون الأولى. فهو قد عاش في قرن من القرون الأولى، فحل العقاب على من كان يعيش حينئذ من الكافرين بسبب ظلم ارتكبوه بحق أنفسهم، ولم ينجو منهم إلا الذين آمنوا، وهم قليل، وكان ذو القرنين (نحن نتخيل) واحدا من الناجين من أولئك القرن لأنه كان من المؤمنين، وليس أدل على إيمانه من الحوار الذي حصل بينه وبين من طلبوا منه إيقاع العذاب على القوم الذين وجدهم عند مغرب الشمس:
حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88)
وما أن أنشأ الله من بعدهم قرنا آخرين حتى كان ذو القرنين نفسه (نحن نظن) يعيش فيهم من جديد، فأصبح من المعاصرين لقرنين من القرون الأولى.
سؤال: إذا كان هذا هو سبب التسمية كما تفتري القول من عند نفسك، فلم إذن جاء ذكره  في كتاب الله؟ وما علاقتنا نحن بمثل هذه القصص القديمة؟ وهل نستفيد نحن من هذا السرد التاريخي لقصص القرون الأولى؟
السؤال: لم جاء ذكره في كتاب الله؟
رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن ذا القرنين يمثل دليلا عمليا على القدرة على النفاذ من أقطار السموات والأرض، كما جاء في الآية الكريمة التالية:
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)
فهذا التحدي الإلهي قد جاء للجن والإنس بالقدرة على النفاذ من أقطار السموات والأرض، ونحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن ذا القرنين قد استطاع ذلك بما مكّنه الله فيه وبما آتاه الله من كل شيء سببا:
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)
وقد تحصّل له ذلك عندما كان يستطيع أن يتبع سببا:
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85)
فكان يستطيع أن يتبع الأسباب، وبذلك كان هو من نفذ من أقطار السموات، وذلك لأن الأسباب كما زعمنا سابقا هي الطرق الفضائية:
أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10)
وهذه هي نفسها التي ستتقطع بالذين كفروا في يوم الحساب:
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (166)
وذلك لأن الذين اتبعوا (اتَّبَعُواْ) سيكونون مفصولين عن الذين اتبعوا (اتُّبِعُواْ) حينئذ، فها هم يطلبون من ربهم أن يريهم إياهم:
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)
(للتفصيل انظر الأجزاء السابقة)
وبمثل هذا الافتراء الخطير الذي هو لا شك من عند نفسنا، ننطلق إلى التساؤل الخطير التالي: هل كان ذو القرنين هو فقط من استطاع بلوغ الأسباب؟
جواب: كلا وألف كلا، فها هو فرعون يطلب من هامان بناء صرح له لبلوغ من خلاله الأسباب:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
الأمر الذي يدعونا على الفور إلى إثارة التساؤلات التالية:
-        كيف ظن فرعون أنه يستطيع بلوغ الأسباب؟
-        لماذا طلب من هامان أن يفعل له ذلك؟
-        وهل نفذ هامانُ طلبَ فرعون هذا؟
-        وكيف نفذه؟
-        ولماذا طلب فرعون بناء الصرح على وجه التحديد لتحقيق مراده ذاك؟
-        وما هو الصرح الذي بناه هامان لفرعون؟
-        وما وجه الشبه بين فرعون وذي القرنين في هذه الجزئية على وجه التحديد؟
-        وهل فعلا اطلع فرعون بعد أن بُني له ذلك الصرح على إله موسى كما جاء على لسانه عندما طلب ذلك من هامان؟
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
-        وهل كان فرعون هو فقط من بُني له صرح؟
-        ألم يكن لسليمان أيضا صرحا؟
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
-        فما وجه الشبه بين صرح فرعون وصرح سليمان؟
-        ألم يكن لسليمان ملكا عظيما؟
-        لِم كان ملك سليمان عظيما مقارنة بملك من سيأتي بعده؟
-        وكيف يمكن أن يتشابه ملك سليمان بملك من كان قبله كذي القرنين مثلا؟
-        ألم يؤتي سليمان من كل شيء؟
-        ألم يؤتي ذو القرنين من كل شيء سببا؟
-        فما الفرق بين ما أوتي لذي القرنين وما أوتي لسليمان؟
-        الخ.
باب فرعون: هامان: الأسباب: الصرح
أما بعد،
بعد أن قضى موسى الأجل في مدين، سار بأهله متجها إلى الأرض المقدسة[1]، وما أن وصل موسى إلى الواد المقدس طوى حتى ناداه ربه هناك، فيطلب منه الذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى الهداية، والإيمان بالإله الواحد الأحد، فيأتي موسى فرعونَ بالآية الكبرى ليريه إياها، وما أن يراها فرعون بأم عينه حتى يولي مدبرا، وينادي في القوم مناديا فيهم بأنه هو ربهم الأعلى:
هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)
وتحصل المواجهة المباشرة بين الطرفين على مرأى ومسمع من الحاضرين، فينبري من بين الحضور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، فيقدم حجة قوية تجبر فرعون على أن يرد عليها بقوة، فكانت حجة الرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون قد صاغها على النحو التالي:
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)
وفي هذه اللحظة ينطلق لسان فرعون متحديا ما قاله الرجل:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
فما يكون من ذاك الرجل المؤمن الذي يكتم إيمانه إلا أن يوجِّه الخطاب إلى الحاضرين بالدعوة للإنصات له، واللحاق بالركب، وعدم تصديق دعوى فرعون، فيتابع الرجل حديثه قائلا:
وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)
ليكون السؤال الذي نريد أن نثيره هنا هو: لما جاء طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحا في خضم هذا النقاش الذي دار بين فرعون من جهة والرجل الذي يكتم إيمانه من جهة أخرى على مرأى ومسمع من الناس؟
رأينا: لو تفقدنا السياق القرآني الآخر الذي جاء فيه طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحا لوجدنا نبرة التحدي واضحة على مسمع من الملأ:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
ولو قرأنا هذه الآية الكريمة في سياقها الأوسع، لوجدنا أن موسى كان حاضرا يقدم لهم الآيات التي أنكروها، ونعتوها بالسحر، لأن ذلك لم يكن مما سمعوه في الأولين:
فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36) وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَن جَاء بِالْهُدَى مِنْ عِندِهِ وَمَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
فيكف يمكن أن نتخيل ما حصل حينئذ؟
تخيلات مفتراة: نحن نتخيل الأمر وقد حصل على النحو التالي: يأتي موسى بالآيات ليعرضها على فرعون وملأه (فَلَمَّا جَاءهُم مُّوسَى بِآيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ)، فيكذبونها، واصفينها في الوقت ذاته بالسحر لأنهم لم يسمعوا بهذا في الأولين، أي القرون الأولى (قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)، فينبري رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه حتى الساعة وهو (كما زعمنا سابقا نبي الله ذي الكفل الذي كفل موسى منذ أن تربى في آل فرعون)، فيساند موسى في حجته، (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) فيقدمان (أي موسى وهذا الرجل) الدليل على أن هناك إله واحد هو الأعلى لا بد من أن يعبد دون غيره، فما يكون من فرعون إلا أن يقول للقوم بأنه هو الإله الأوحد:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي
ولكي يقدم فرعون لهؤلاء (أي الحاضرين المناظرة حينئذ) الدليل العملي على صحة زعمه وبطلان قول خصومه، طلب من هامان أن يبني له صرحا لكي يبلغ الأسباب فيطلع إلى إله موسى، فجاء طلبه بالتصوير القرآني على النحو التالي:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
وصور له الآلية التي يقوم بها، فكانت على النحو التالي:
فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
ولو تفقدنا السياق القرآني التالي لوجدنا أن فرعون قد استخف قومه فأطاعوه عندما قدّم لهم الحجة التالية:
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)
فكان الخلاف بين الطرفين قائما على إثبات وجود أم عدم وجود إله هو الأعلى، فكانت حجة فرعون تتمثل بأنه هو ربهم الأعلى:
فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)
وأن الدليل العملي على ذلك يتمثل (في ظن فرعون) ببناء صرح يمكنه من بلوغ الأسباب فيطلع إلى إله موسى الذي لا يكاد يبين:
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)
السؤال: كيف نفّذ فرعون طلبه هذا؟
جواب: ببناء الصرح.
السؤال: وهل بنا هامانُ لفرعون الصرح الذي طلبه منه؟
جواب: نعم بكل تأكيد.
السؤال: وهل بلغ فرعون أسباب السموات والأرض؟
جواب: نعم.
السؤال: وهل اطلع إلى إله موسى؟
جواب: نعم، لقد فعل.
السؤال: وهل آمن فرعون بإله موسى؟
جواب: نعم.
السؤال: وهل أقر فرعون بإله موسى؟
جواب: لم يقر فرعون بذلك إلا لحظة أن أدركه الغرق.
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
السؤال: وكيف مات فرعون؟
جواب: مسلما
السؤال: وهل يدخل فرعون النار
رأينا المفترى: لا أظن ذلك، لأنه مات وهو من المسلمين
السؤال: وكيف سيكون حاله في الآخرة؟
جواب: هو الذي سيقدم قومه فيوردهم النار
السؤال: مادام أنه سيوردهم النار، فهل سيدخلها معهم؟
جواب مفترى: لا أظن ذلك. لأن الذين سيصطرخون في النار هم آله:
فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46)
افتراء خطير جدا: نحن نفتري الظن بأننا لم نجد في كتاب الله دليلا واحدا يصور لنا أن فرعون موجود في النار مع آله الذين استخفهم فأطاعوه:
... قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)
فصحيح أن فرعون قد أضل قومه وما هدى (أي غيره)، إلا أن هذا لا يعني أنه لم يهتدي بنفسه:
وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)
السؤال: كيف اهتدى فرعون إلى إله موسى؟
جواب مفترى: عندما بنا له هامان الصرح، بلغ فرعون بذلك الصرح أسباب السموات والأرض، فاطلع إلى إله موسى، فوجده، فصدق قول موسى وكذب ظنه:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
الدليل
لو دققنا في النص السابق جيدا، لوجدنا أن الله يخبرنا في هذا المقام عن كيد قام به فرعون بنفسه (وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ)، ليكون السؤال الآن هو: ماذا كان كيد فرعون حينها؟
رأينا: نحن نظن أن فرعون كان يعلم الحقيقة المطلقة (بأن هناك إله واحد هو الأعلى)، ولكن كان لديه دافعا قويا يمنعه من الإفصاح بهذه الحقيقة على مسمع الملأ من قومه، فكان هذا – في ظننا- هو كيد فرعون. وربما نجلب الدليل على ذلك من ما كان من كيد إخوة يوسف بأخيهم:
قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)
وكذلك كان كيد النسوة بيوسف:
فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)
وهذا ما طلبه فرعون نفسه من السحرة:
فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الكيد يحمل في ثناياه إخفاء الحقيقة من أجل مطمع شخصي كما فعل السحرة مثلا:
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
وقد كان مطمع السحرة هو ما تمثله الآيات الكريمة التالية:
وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)
فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)
وهذا الشيطان نفسه وقد كاد بنا:
الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (76)
ولكن الله لا يترك ذلك لأنه هو أيضا يكيد ردا على كيدهم:
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)
فكان كيده متينا بعد أن يستدرج الذين كذبوا من حيث لا يعلمون:
وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183)
فتكون النتيجة على نحو:
ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)
السؤال: كيف حصل هذا بالنسبة لفرعون؟
جواب مفترى: كان فرعون قد دبر كيدا، فهو بذلك يخفي حقيقة يعلمها بنفسه من أجل تنفيذ غاية شخصية عنده، كما كان إخوة يوسف يفعلون. فهم قد دبّروا مؤامرة للإطاحة بيوسف من أجل أن ينفذوا غايتهم بأن يخلو لهم وجه أبيهم ويكونوا من بعد يوسف قوما صالحين. وكذلك فعلت النسوة اللاتي كدن بيوسف، فتم إخفاء حقيقة ما فعلن بيوسف من أجل تنفيذ غاية في أنفسهن. وكذلك هو فعل السحرة، فهم يخفون الحقيقة من أجل تنفيذ غاية في أنفسهم.
السؤال: ما هي الحقيقة التي كان يعلمها فرعون؟
جواب: أن هناك إلها هو الأعلى
سؤال: وما هي الغاية من إخفاء هذه الحقيقة؟
جواب: ليثبت لمن حوله بأنه هو ربهم الأعلى.
السؤال: كيف فعل فرعون ذلك؟
جواب: عن طريق بناء الصرح الذي مكّنه من أن يمدد إلى السماء بسبب لينظر ما حل بكيده:
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)
نتائج مفتراة
-        كان لفرعون كيد
-        كان هناك ما يغيظه
-        مد فرعون بسبب إلى لسماء
-        كان الهدف من ذلك هو أن ينظر (هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ)
الدليل
دعنا نرجع إلى القصة من بدايتها. فها هو موسى يقدم الآيات على صدق دعوته، فما يكون من آل فرعون إلى أن يقدّموا المشورة لفرعون بأن يأتي بكل ساحر عليم للإطاحة بسحر موسى (كما زعموا):
قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)
فيرسل فرعون دعوته هذه في كل اتجاه ليأتوه بأولئك السحرة العالمين بفن السحر، ويضمن رسالته لهم العبارة التالية التي تشير أن موسى ومن معه غائضين لفرعون وآله:
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)
السؤال: كيف غاظ موسى ومن معه فرعون وآله؟
رأينا: نحن نفتري القول بأن الغضب من الآخر والحنق عليه هو أحد أهم سمات من كان في قلبه غيظا. فهذه جهنم نفسها تغيظ:
إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)
وحنق الكافرين من المؤمنين لا يمكن إخفاءه أو كظمه:
هَاأَنتُمْ أُوْلاء تُحِبُّونَهُمْ وَلاَ يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119)
وكذلك هو غيظ المؤمنين من الكافرين:
قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)
ولكن الله طلب من المؤمنين كظم غيظهم:
الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)
ولا شك عندنا أن الغيظ يكون من طرف تجاه طرف آخر. كما لا شك أن الغائظ لا يمتلك ما للمغيظ، فأنت تغيظ شخصا ما لأنك لا تملك ما عنده، فانتصار المؤمن يغيظ الكافر والعكس صحيح:
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)
مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
ولكن الله - لا شك- قد ردّ الكافرين بغيظهم فلم ينالوا خيرا:
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)
نتيجة: إن ما يهمنا قوله هو أن فرعون وآله كان هم المغيظين وكان موسى ومن معه هم الغائظون لهم كما جاء في رسالة فرعون للسحرة الذين أرسل إليهم في المدائن:
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)
فكان موسى حينئذ (كغائظ) في مكانة أفضل من فرعون (كمغيظ)، لذا كان فرعون بحاجة أن يذهب غيظ قلبه من موسى ومن معه، فما تبقى أمامه إلا الإستراتيجية التالية:
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) 
نتيجة مفتراة: كان لابد لفرعون أن يمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع لينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ.
السؤال: ماذا كان كيد فرعون؟ وكيف كان كيدُه سيذهب ما كان يغيظ؟
جواب مفترى: عندما جاء موسى فرعونَ وقومه بالآيات كلها، كانت ردة فرعون تتمثل في أنه كذب وأبى:
          وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)
ولم يقف عند هذا الحد، ولكنه أرسل في المدائن حاشرا السحرة، متحدا موسى بكل ما أراه من الآيات:
قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58)
وتحصل المواجهة بين الطرفين، فتكون الغلبة لموسى ومن معه:
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119)
وينظم السحرة إلى ركب موسى ومن معه:
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
فيشكل ذلك حنقا وغيظا في قلب فرعون وملئه، فيحاول فرعون أن يجد العلة في سبب عدم نصرته، فهو قد وصل إلى قناعة بأن الله لن ينصره على موسى بعدما قدم له الآيات كلها، فما كان منه إلا أن يحاول أن يبحث بنفسه عن السبب:
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15) 
وهنا (نحن نفتري القول) تحصل المحاججة بين الطرفين. فينبري من بين القوم ذلك الرجل من آل فرعون الذي يكتم إيمانه ليقدم حجته ليساند فيها حجة موسى على فرعون وآله. وانظر – إن شئت- الآيات في سياقها الأوسع:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27) وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)
وفي هذه اللحظة (نحن لازلنا نفتري القول) يتخذ فرعون قراره بالطلب من هامان أن يبني له ذلك الصرح الذي يمكنه من بلوغ الأسباب فيطلع إلى إله موسى، فتأتي الآيات التالية مكمّلة للسياق السابق الذي تحدث فيه الرجل الذي يكتم إيمانه:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
نتيجة: لما كان هذا هو طلب فرعون نفسه، لم يكن لهامان خيارا إلا أن ينفذ قرار ربه الأعلى (أي فرعون)، فقام ببناء الصرح الذي يمكنه من فعل ذلك.
السؤال: كيف كانت الآلية؟
جواب مفترى: نحن نظن أن فرعون نفسه قد شرح الآلية التي يتم من خلالها بناء الصرح، فكانت على النحو التالي:
وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)
نتيجة: لكي يتم بناء الصرح لابد أن يمر أولا بمرحلة الوقود على الطين، فكيف تتم ذلك؟
جواب: نحن نفتري الظن بأن الوقود على الطين يتطلب إيجاد النار:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)
لذا قام هامان بالوقود على النار ثم جعل فوق ذلك صرحا هو الذي استطاع فرعون من خلاله أن يبلغ أسباب السموات والأرض فيطلع إلى إله موسى من هناك.
السؤال: كيف يمكن أن نتخيل ذلك؟
جواب: نحن نظن أن صرح فرعون كان في ماهيته يشبه صرح سليمان:
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
الذي بناه الجن (الشياطين) له:
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)
وهو الذي خر سليمان منه عندما مات:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)
نتيجة: الصرح هو بناء مرتفع في السماء، يوقد تحته على الطين، فيرتفع إلى أعلى بقوة النار، ويستطيع من يقطن فيه أن يطلع إلى أسباب السموات والأرض (للتفصيل انظر مقالتنا: مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته: باب العرش و باب الساق)
السؤال: ما الفرق بين صرح سليمان الذي بنته الشياطين (الجن) له وصرح فرعون الذي بناه له هامان؟
جواب: كان صرح سليمان صرح ممرد من قوارير:
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)
بينما لم يكن صرح فرعون ممردا، وذلك لأن البناء كان على يد هامان ولم يكن على يد شيطان مارد.
السؤال: وهل كان بناء هذا الصرح استثنائيا في آل فرعون؟
جواب: كلا، نحن نظن أن تلك الحرفة كانت منتشرة في قوم فرعون. فهذا فرعون يطلب من هامان بناء صرح له، فما كان من هامان أن يستفسر من فرعون عن ماهية ما يطلب وذلك (نحن نظن) لأنه كان خبيرا بذلك.
السؤال: كيف عرف هامان على الفور ما كان يريده فرعون منه؟
جواب: لأن ذلك كان منتشرا في قوم فرعون.
السؤال: أين الدليل على ذلك؟
جواب مفترى: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية (كما نفهمها بالطبع) تقدم لنا دليلا على هذا الافتراء الذي هو لا شك من عند أنفسنا، فلنقرأ الآية الكريمة ثم نحاول بعد ذلك ربطها بفحوى النقاش هنا:
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137)
التساؤلات
-        ألم يدمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه؟
-        ألم يدمر الله ما كانوا يعرشون؟
-        فما الذي كان يصنعه قوم فرعون فدمره الله؟
-        وما الذي كان يعرشه فرعون وقومه فدمره الله؟
جواب مفترى: لعل أهم ما كان يميز ما كان يصنع فرعون وقومه هو السحر:
وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)
لكن إذا كان الله - لا شك عندنا- قد دمّر ما كان يصنع فرعون وقومه من السحر، فما الذي كان قوم فرعون يعرشون فدمره الله؟
جواب: لا شك إذن أن قوم فرعون لم يكن محترفين صنعة السحر فقط، ولكنهم كانوا (نحن نفتري القول) محترفين مهمة التعريش، أي بناء العروش (إن صح القول).
السؤال: وكيف ذلك؟
جواب مفترى: نحن نظن أن لهذا علاقة مباشرة بعلم العرش:
فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)
السؤال: من أين جاء قومَ فرعون هذا العلم، أي علم بناء العرش (وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ
جواب مفترى: إنه جزء من علم يوسف نفسه، فهو أساسا من رفع أبويه على العرش في أرض مصر من ذي قبل:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
السؤال: أين ذهب هذا العلم، هل انتهى تماما وإلى الأبد؟
رأينا: كلا، فهو لا شك قد انتهى في أرض مصر بعد أن دمر الله ما كانوا يعرشون، ولكن بقاياه (نحن نظن) قد وجدت في مكان آخر، عند تلك المرأة التي كانت تملك قومها في سبأ:
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
تخيلات مفتراة: عندما كان يوسف متواجدا في أرض مصر، كان عنده عرش، فقام برفع أبويه عليه يوم أن دخلوا عليه أرض مصر:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
فأصبح هذا العلم (بناء العرش) علما متوارثا في بني إسرائيل في أرض مصر، حتى حصل النزاع بينهم بعد هلاك يوسف:
وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)
فارتبط ذلك بيوسف في أرض مصر، ثم انتقل بعد ذلك (نحن لازلنا نفتري القول) إلى آل فرعون عندما استتب لهم الحكم في أرض مصر. ولو راقبنا الآية السابقة في سياقها الأوسع لوجدنا (نحن نزعم القول) ارتباط هلاك يوسف بطلب فرعون من هامان بناء الصرح له واضحا:
وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
فأصبحت صنعة بناء العروش علما (وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ) وافرا في أرض مصر زمن الفراعنة، ومن هنا نحن نظن جاء طلب فرعون من هامان أن يبني له صرحا (كعرش) ليطلع من خلاله إلى إله موسى.
السؤال: أين البرهان أو الدليل على ذلك؟
رأينا: لمّا كان الله قد دمّر ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ)، فلن نتوقع إذن أن نجد أثارة من علم تدلنا على ذلك كله، ولكن من الممكن (نحن نتخيل) أن نجد بقايا ذلك الدمار. أي بقايا تلك العروش المدمرة.
السؤال: وأين هي؟
رأينا: نحن نظن أن بقاياها موجودة في الأماكن التي تشير إليها الآية الكريمة التالية:
وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)
وانظر - إن شئت- في ارتباط تلك الأوتاد بالارتقاء بالأسباب (موضوع طلب فرعون من هامان):
أَمْ لَهُم مُّلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (10) جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12)
السؤال: فما هي الأوتاد؟
رأينا: إنها ما يشبه الجبال.
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)
السؤال: وأين نجدها؟
جواب: ابحث في أرض مصر عن الأرض التي هي مهادا، أي منبسطة وفيها أوتادا (كالجبال) من صناعة بشرية.
السؤال: وما هي؟
رأينا: إنها أهرامات مصر الخالدة، ففيها يمكن أن نجد تلك العروش التي بنيت لبلوغ الأسباب (أسباب السموات والأرض) للاطلاع على الإله الذي في السماء (كما كانوا يظنون). ومن هناك بلغ فرعون الأسباب عندما مد بسبب إلى السماء، فاطلع إلى إله موسى بعدما بنا له هامان صرحا، فكان فيها ما يشبه شاشة المراقبة التلفزيونية التي تبين الخريطة السماوية التي بحث فيها فرعون عن إله موسى فوجده، فعلمه، فما كان كيده قد أذهب غيظ قلبه:
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)
تساؤلات
-        لماذا فعل فرعون ذلك؟
-        لماذا أصر فرعون على موقفه؟
-        ماذا كان غيظ قلبه
-        لماذا تراجع فرعون عن موقفه عندما أدركه الغرق؟
-        كيف أقنع فرعون من هم حوله بحجته؟
-        الخ
تساؤلات في الخيال العلمي
-        هل سيقتنع علماء "المصريات" بسر بناء هذه الصروح الخالدة؟
-        هل سنجد من يبحث لنا عن أثارة من علم ترشدنا أن القوم كانوا يبلغون من خلالها أسباب السموات والأرض، فيطلعون إلى أهل السماء من هناك؟ وهل سيرضون بزعمنا أن جل المفقود منها هي تلك العروش (شاشات العرض) التي دمرها الله بعدما أورث القوم المستضعفين مشارق الأرض ومغاربها؟
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137)
من يدري؟ لنسأل صاحبنا في الادكار عصام درويش (خبير الآثار في أرض مصر) أولا، علّه يسعفنا بآثارة من علم تدلنا على ذلك. فالله وحده نسأل أن يعلمنا ويعلمه ما لم نكن نعلم، وأن يعلمنا فلا نفتري عليه الكذب ونحن نعلم، وأن يزدنا علما، إنه هو العليم الحكيم – آمين.
والله أعلم.
المدّكرون:         رشيد الجراح                           &                 علي محمود سالم الشرمان
بقلم: د. رشيد الجراح



[1] لم يكن موسى عائدا إلى أرض مصر ليسلم نفسه وأهله بيده إلى فرعون وآله، ولكنه كان عائدا إلى المكان الأول الذي أوتي فيه حكما وعلما (وهي الأرض المقدسة) قبل أن يدخل المدينة على حين غفلة من أهلها ويقتل فيها رجلا من آل فرعون (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: قصة موسى)