تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

صلاة الاستسقاء 1

انحبس المطر،خرج الناس يوم الخميس عصراً لأداء صلاة الاستسقاء بناء على دعوة وزارة الأوقاف والمقدسات الإسلامية الأردنية من أجل أن ينزل المطر بعد طول انحباس، احتشد المئات بل الألوف واصطفوا للصلاة في ساحة عامة، فخلع بعضهم رداءه ولبسه على المقلوب، حضر الصلاة بعض النسوة والغلمان، وكان في المقابل البعيد بعض الدواب شاردة في البرية تأكل مما تبقى من أكياس النفايات من الأماكن التي لم يكنسها عمال التنظيف بشكل جيد، أمّ الناس في الصلاة شيخ جليل تغطي لحيته معظم الجزء العلوي من صدره، يلبس الدشداش المرتفع عن الأرض بعض الشيء، سيطر السكون بعض الشيء على المكان، حينها كنت تحس بدفء الإيمان المنبعث من بعض الصدور، تمت الصلاة ورفع الإمام كفيه إلى السماء (والمصلين من وراءه) داعياً بكل ما يحفظ من المأثور ومما استطاع أن تسعفه به قدرته اللغوية في تلك اللحظة من عبارات السجع الرنانة، أجهش البعض في البكاء، الخ. انقضت الصلاة، لم ينزل المطر.

عاد الناس إلى بيوتهم غير فاقدين الأمل وانتظروا حتى المساء ولم ينزل المطر، خلدنا إلى الفراش ولم نفقد الأمل بأن المطر سينزل في الصباح، ولكن لم ينزل المطر، مرت سحابة في السماء في اليوم التالي ظننت أنها بشرى الخير، ولكن السيد فؤاد كرشة (مقدم النشرة الجوية في التلفزيون الأردني) يجهز على ما تبقى من أمل في مساء اليوم التالي بالخبر التالي: "مرتفع جوي يسطر على منطقة بلاد الشام ومعظم أجزاء شبه الجزيرة العربية"!!!

كان هذا هو تقريبا السيناريو نفسه الذي حصل في السنوات الماضية، كل عام نخرج للاستسقاء ولا أذكر أن المطر نزل من السماء بعد تلك الصلاة ولو مرة واحدة (هذا بالنسبة للصلاة التي شاركت أنا بها، أما ما يتناقله الناس عن صلواتهم التي ربما نزل فيها مطر كثير كما يقول بعضهم، فأرجو أن لا تكون صلاتهم تلك قد تم توقيتها بناء على النشرات الجوية التي أكدت وجود منخفض قادم إلى المنطقة)، كان السؤال الذي كنت أردده منذ الصغر هو: ما فائدة تلك الصلاة؟ ألم نجربها مرات ومرات؟ لم نكرر الخطأ نفسه في كل عام؟ لم نضيعّ الوقت والجهد كل عام ما دام أن النتيجة في معظم الأحيان (لا بل في كل الأحيان) سلبية؟

المفاجأة الكبرى أنني استطعت الحصول على إجابة لمثل هذا التساؤل عندما شاهدت برنامجاً دينياً على إحدى قنوات التلفزة الفضائية العتيدة، لقد أنقذني ذلك الشيخ الجليل من الجهل الذي عايشني سنين طويلة، ولكن قبل أن أقدم لكم جواب الشيخ الجليل ذاك لا بد أن أشير أن هذا الجواب نفسه قد سمعته من على منابر المساجد وفي خطب الجمع أكثر من مرة، ولكن أولئك الخطباء لم يكونوا بمهارة شيخ الفضائيات في قوة الحجة والإقناع، فلقد نخر ذاك الشيخ الجواب حتى لم أستطع أن أفلت منه، فوجد طريقه إلى دماغي بكل يسر وسهوله.

المهم: كان جواب الشيخ يدور في فلك موضوع الدعاء برمته (وليس فقط صلاة الاستسقاء)، وليعذرني القارئ الكريم على ضعف قدرتي البلاغية في توصيل الفكرة كما جلاّها شيخنا الجليل، ولكني أعتمد على قدرة القارئ الذهنية ليساعدني في تلقي المعلومة، كان جواب الشيخ يتمثل بما يأتي: عزيزي المسلم إذا لم يستجيب الله دعائك فلا تيأس وأعلم أن ذاك لصالحك، لأنه في حالة الدعاء (أي دعاء) هناك ثلاث سيناريوهات محتملة:
أن يستجيب الله طلبك في الحال، أو
أن يدخر الله لك ذلك الدعاء وأجره إلى يوم الحساب أو
أن يكفّ الله عنك من الشر بمثله،

وأظن أن الشيخ الجليل (أقول أظن فأنا لست متيقنا من ذلك) قد رفع مثل هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أي ويكأن ذلك حديثاً.

الحمد الله، إذاً لم يذهب جهدنا في كل صلاة استسقاء صليناها ولم يستجب طلبنا في الحال (أي كل الصلوات التي شاركت بها أنا على الأقل) هباءً منثورا، فثوابها موجود في صحائف أعمالنا إلى يوم القيامة، أو على أقل تقدير فالله سبحانه قد كفاني شراً أعظم من ذلك كالزلازل أو البراكين أو عدم انهيار البورصة أو عدم إنزال الصقيع بمحصول البندورة في غور الأردن، فها هي كيلو البندورة في زمن حكومة السيد سمير الرفاعي لم تتجاوز الدينار الأردني الواحد، الخ.

لم إذاً لا نصلي كل يوم استسقاء، فنبقي لنا رصيداً كبيراً في صحائف أعمالنا أو أننا نكفي أنفسنا شراً كبيراً.

ولكن يبقى - يا سادة- سؤال بسيط واحد يجول في خاطري وهو: في العام الماضي صلينا استسقاء ولم ينزل المطر، ولكن المفارقة العجيبة أن الله لم يكفي الشعب الأردني ولو مصيبة واحدة: كمصيبة تشكيل حكومة برئاسة السيد سمير الرفاعي، وتكرر المشهد في العام الحالي وتم التجديد للسيد الرفاعي، فيكون سؤالي على النحو التالي: ما هي المصيبة التي كفانا الله إياها نتيجة صلاة الاستخارة التي أديناها –على الأقل- في العام الماضي والعام الحالي؟

لا يجب أن نستسلم – سيرد عليّ شيخ الفضائيات الجليل-، فلا زال هناك خيار ثالث: لقد تم ادخار الأجر لنا في صحائف أعمالنا حتى يوم القيامة، فمادام المطر لم ينزل وما دام أن الله لم يكفينا شر حكومة السيد الرفاعي فلا بد أن الأجر لازال مدخراً في صحائف أعمالنا حتى يوم القيامة، أليس كذلك؟ هذا هو فقه الدعاء في الفكر الإسلامي، أليس كذلك؟

أما بعد،

لا يا شيخي الفاضل، أما بالنسبة لي فأنا لا أريد ذاك الأجر الذي تتحدث عنه، أقسم بالله أني لا أريده، إذا كان ذلك مسجل لي في صحيفة أعمالي فليشطب من صحيفتي، فأنا لا أقبل بمبدأ الدين، وأريد الجواب على طلبي في الحال، وبالمناسبة لا أريد كذلك أن يكفيني الله من الشر شيئاً نتيجة لذاك الدعاء. إما أن يستجيب الله دعائي وإلا فلا أريد منه أن يسجل لي على الدفتر (حسب لغة تجار زمان خصوصاً أصحاب الذمم الحية التي كنا نعرفها) ولا أريد منه أن يكفيني شراً بسبب تلك الصلاة. ولكن لماذا؟

لقد درج فقه الدعاء في الفكر الإسلامي على تفسير الغيبيات بالغيبيات، وأظن أنه لم يكن لدى علمائنا الأجلاء "حيلة" (نعم أقول حيلة) أفضل من مبدأ التسكيت أو التعمية (بلغة أكاديمية): إنها تفسير اللامفهوم بـ لامفهوم مثله، تفسير أمر غيبي بأمر غيبي آخر، فعندما لم نعلم لِمَ لَمْ ينزل المطر بعد صلاة الاستسقاء التي أديناها كان لا بد من البحث عن مخرج، فكان ذلك على نحو الرضا بواقع الحال لأن الأمر نقل من أمر غيبي (سبب عدم نزول المطر) إلى أمر غيبي آخر (كتابة ذلك في صحائف أعمالنا أو رد شر يواز ما طلبنا)، ولكن بالنسبة لي أنا تبقى المشكلة قائمة: كيف سأعرف أن الله فعلاً قد كفاني مكروها بسبب دعائي أو أنه قد سجل ذلك لي في صحيفة أعمالي؟

الجواب عند سادتنا العلماء: عليك أن تؤمن وكفى، لهذا السبب (كما قلت سابقاً) دخلت الفكرة في دماغي بكل يسر وسهولة، وبهذه الطريقة أدخل أهل الدين مئات بل الآلاف الغيبيات في أدمغة العامة مثلي دون عناء يذكر (خاصة الذين لا يحبذون التفكير بأنفسهم ويمنحون غيرهم الرخصة ليفكروا نيابة عنهم ويكونوا على أتم استعداد لقبول ما تمخضت عنه عقول هؤلاء من العبقرية الخالدة التي لا بد أن تسلم معها بكل جوارحك)

رأينا: لا يا سادة، أنا لم أعد أقبل مثل هذا المنطق، عليكم أن تبينوا لي كيف يحدث ذلك. لماذا لم يستجب الله دعائنا في الحال؟ أو كيف كفّ عنا بلاء بسبب دعائنا له بنزول المطر؟ أو لم ادخر ذاك الأجر لنا حتى يوم القيامة؟ لم لا يدفع لنا مباشرة؟ أم ترى خزائنه قد نفذت فيؤجلنا حتى تمتلئ من جديد؟

ما الذي تقول يا رجل؟ استغفر ربك، لقد قلت قولاً عظيماً سيهوي بك في جهنم سبعين خريفا.

دعاء: استغفر الله استغفر الله استغفر الله
ربي إني ظلمت نفسي فأغفر لي
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين

ولكن ربي إني أسأل فقط: لماذا لم تجب دعائي في الحال؟ ما يضرك لو استجبت دعائي فنزل المطر وانتهت القصة؟ فها هي أوروبا تنعم بالثلوج وهم لم يصلوا الاستسقاء ولم يرجوك، وها هي أمريكيا تنعم بالثلوج وهم غارقون في اللهو والمجون، وها هي الصين وروسيا تحت وطأة الثلوج منذ عشرات الأيام وهم لا يكترثون أصلاً لوجودك، وها هي الهند تعمّها الفيضانات وهم يصلون لعبيدك، وها هي أجزاء كثيرة من إفريقيا (باستثناء شمالها ووسطها المسلم) تنعم بالمطر الغزير وهم لا يجتهدوا بطلبها ولا بطلب غيرها، آه ربما لأنهم لا يلبسون الثياب أصلاً أما نحن فنقلبها في صلاتنا فقط!!! من يدري!!!

السؤال: ما الذي يجري؟ لماذا لا يستجاب طلبنا بنزول المطر في الحال؟ فالماء كثير وكل شعوب الأرض يأتيها دون طلب ولا صلاة استسقاء، أما نحن فنطلبها ونصلي الاستسقاء ولا نحصل عليها، متى سنحصل عليها سواء بالطلب أو عدمه؟

أليس هذا استفسار مشروع لكل من وقف يوماً وصلى الاستسقاء؟ بالنسبة لي هذا لغز لا بد من مطاردته، وعلينا البحث فيه علنا نصل – ربما بعد 1400 سنة أخرى- إلى جواب قد يرضي المتشككين من أمثالي.

الفكر السائد

إنّ أول ما يمكن البحث فيه هو منطق علماء المسلمين بخصوص الموضوع، فجميع علماء المسلمين (دون استثناء) يؤكدون أن الدعاء جزء من الدين، لا بل فلقد قالوا أن الدعاء هو مخ العبادة، أليس كذلك؟ ونحن كمسلمين مطالبين دوماً بالدعاء والتوجه إلى الله لنطلب منه ما نريد صغيراً كان أو كبيراً، فإن ذلك لا يعجز الله، وفي الفكر نفسه نجد الإيمان المطلق بأن البشرية لو وقفت كلها في صعيد واحد وطلب كل مسألته وحصل عليها من ربه لما نقص ذلك من ملك الله في شيء إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر.

وإذا كان الأمر على تلك الشاكلة، فلم لا يلبي الله طلبنا في الحال؟ لقد جرّب الناس الدعاء فرفعوا أيديهم إلى السماء، وطلبوا من الله فلم يحصلوا على ما طلبوا، فما الحل؟ كان الحلّ لدى السادة العلماء هو (كما أسلفنا سابقاً) أسلوب التعمية، أي تفسير الغيبيات بغيبيات أكبر، والمطلوب من الناس الإيمان بها على تلك الشاكلة دون سؤال أو استفسار.

أما أنا فلا، فلا، فلا. لا استطيع إلاّ أن أسأل. ما الذي يحصل؟ أثبتوا لي أن ذلك مسجل في صحيفة أعمالي، أو أثبتوا لي أن بلاءً بمثله قد أزاحه الله عني، ولا يمكن أن أرضى بأقل من ذلك.

لماذا؟

دعنا أولا نحاول أن نثبت لكم يا سادة – علماء وعامة- أنكم مخطئون وأنه من الاستحالة أن يكون الله قد سجل دعاءنا أجراً في صحيفة أعمالنا أو أن يكون الله قد دفع بلاءً عنا بمثل طلبنا.

أولاً: هل مبدأ المقايضة موجود عند الله؟

لا بد أن ندرك منذ البداية أننا نحتكم إلى الله بقوانين الله نفسه، فنحن لا نضع القوانين التي نريد ومن ثم نطبقها ونفترض أن الإله يقبل بها، أليس كذلك؟ ولكن مما لا شك فيه أن الإله –لا محالة- يقبل بالقوانين والسنن التي وضعها على نفسه، أليس كذلك؟

لقد قلت في البداية أني لا أقبل أن يدفع الله عني البلاء بسبب دعائي له طالباً حاجة، فأنا إذا طلبت منه إنزال المطر فلا أرضى أن يدفع عني كارثة الزلزال، وإذا طلبت منه الغنى فلا أقبل أن يدفع عني كارثة المرض، وهكذا (حر أني ما بديش، بدي أداقر)، ولا أرضى أن يدخر الله لي ذلك أجراً حتى يوم القيامة، فأنا طلبت منه مطراً أريد مطراً، وطلبت مالاً فأريد مالاً، وهكذا.

منطق غريب، أليس كذلك؟ إن كان كذلك، إي إذا كان هذا منطق غريب وغير مقبول لديك، فدعنا نقرأ وإياك – يرحمك الله- الآية التالية من كتاب الله:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (91) آل عمران

ماذا تفهم – عزيزي القارئ- من هذه الآية الكريمة؟ هل يقبل الله ملء الأرض ذهباً لافتدي به نفسي يوم القيامة؟ الجواب النفي قطعاً. هل يقبل الله مبدأ الفداء (المقايضة، الاستبدال، الخ)؟ الجواب: لا يقبل بكل تأكيد، إذا كان هذا هو مبدأ الإله نفسه، فأنا ألتزم بهذا القانون الإلهي ولن أقبل أن يقايضني ربي شيئاً طلبته بشيء آخر لم أطلبه حتى لو كان ملء الأرض ذهباً، فأنا طلبت منه مالا فلا أريد أن يبدلني بها صحة، وطلبت منه صحة فلا أقبل أن يقايضني بها مالا، وهكذا. وتخيل معي السيناريو التالي: في يوم القيامة سأسأل ربي لم لم يعطيني مئة دينار كنت قد طلبتها منه في يوم ما على هذه الأرض، فسيرد عليّ بأني قد أنعمت عليك بالصحة بدلاً من ذلك، هل تعلم ما سيكون ردي حينئذ: لا، لا أريد، كنت أريد ذلك المبلغ ولو أعطيتني الآن بدلاً منه ملء الأرض ذهباً فلن أقبل.

الخلاصة: فكما لا يرضى الإله بمبدأ الفدا في يوم القيامة فأنا كذلك لا أرضى بمبدأ الفداء في الدنيا، فتلك هي الدار الآخرة وهذه هي الدنيا، وشتان بين هذه وتلك.

ثم يا سادة، دعونا نستجلي الأمر من كتاب الله أولاً، ونأخذ العبرة والعظة الصحيحة (وليس التخاريف وفلسفة الكلام) من القول الحق – كلام الله نفسه، فها هم أنبياء الله ورسله جميعاً يتوجهوا بالدعاء لربهم، فماذا كانت النتيجة؟ هل بادلهم الله القمح بالشعير والتمر بالحنطة؟ فلنستعرض تلك الأمثلة الواحدة تلو الأخرى، محاولين فهم ما يجري،

ولنبدأ بنوح عليه السلام

نوح يدعو:

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)الأنبياء

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) الصافات

فماذا كانت النتيجة عندما دعا نوح على قومه

وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) نوح

ألم يستجب الله دعاء نوح فكانت العاقبة على نحو

"فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ( 14) العنكبوت

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) الأنبياء

ونحن هنا نسأل: هل استجاب الله طلب نوح بتأخير الأجر له إلى يوم القيامة؟ هل استجاب الله طلب نوح بأن دفع عنه بلاء يواز طلبه ذاك؟[1]

النتيجة: لقد دعا نوح ربه بنجاته وأهله أجمعين وهلاك البقية الكافرة بأكملها فكانت استجابة الله على نحو ما طلب نبيه.

يونس يدعو:

وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)الأنبياء

فماذا كانت النتيجة؟

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)الأنبياء

ونحن نسأل: هنا: هل كانت الاستجابة بالتأجيل أو بالفداء (المقايضة)؟

إبراهيم يطلب:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي... ۖ

فهل كانت الاستجابة بأن دفع الله عنه البلاء أو أجل له الأجر؟ كلا، لقد جاء الرد الإلهي المباشر:

قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260)[2]البقرة 

أيوب يدعو:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)الأنبياء 

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)ص 

فهل كانت الاستجابة بأن أعطاه الله الولد وكفى، أو أنّ أنقذه الله من مصيبة أكبر كانت ستنزل به؟ كلا، لقد جاء الكرم الإلهي بأن أعطاه مسألته وزاد عليها:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ (84)الأنبياء 

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) ص 42-44

يوسف يطلب:

وها هو يوسف يطلب من ربه أن يصرف عنه مكر نساء مصر، فيصرف الله عنه مكرهن:

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ۖ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) يوسف 33-34

فصرف الله عنه مكره ودخل السجن بناء على طلب من الله، أليس كذلك؟[3]

يعقوب يطلب:

وها هو والده يعقوب يتردد بالدعاء فتتأخر الاستجابة بعض الشيء:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)يوسف 

سليمان يطلب:

وها هو سليمان يطلب:

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (35)ص 

فكيف كانت الاستجابة؟

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (40) ص 36-40

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)الأنبياء 

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ۖ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ ۖ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)سبأ 

زكريا يطلب:

وها هو زكريا يدعوا ربه ليهب له غلاماً:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ  (38)آل عمران

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ۖ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) مريم 2-6

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ  (89)الأنبياء

فلننظر كيف كانت الاستجابة:

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39) آل عمران

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)مريم 

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)الأنبياء 

هل استجاب الله إذاً طلب زكريا بأن صرف عنه المرض أو أنه ادخر له طلبه ذاك حتى يوم القيامة ليكافئه عليه حينئذ؟!

عيسى يطلب:

وها هو عيسى بن مريم يطلب من ربه أن ينزّل عليه وعلى قومه مائدة من السماء:

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)المائدة 

فكيف كانت النتيجة؟ ألم ينزل الله عليهم المائدة كما طلب عيسى عليه السلام؟

قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115)

موسى يطلب:

وأي طلب أعظم من طلب نبي الله موسى بأن يرى الله جهرة؟

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

ألم يستجب الله له طلبه بأن تجلى للجبل؟ ولو كان موسى يحتمل الرؤيا لتمكن من رؤية ربه، أليس كذلك؟

*** *** ***

والملفت للانتباه أن علماءنا صوروا لنا الأمر على النحو التالي: إن هذه دعوة نبي، ولكل نبي دعوة مستجابة، أليس كذلك؟

رأينا: إن كان كلامهم هذا صحيح، فماذا نفعل إذاً بسيرة موسى عليه السلام، ولنتتبع سيرة موسى عليه السلام مركزين على ما كان يطلب موسى من ربه في كل موقف يتعرض له.

ألم يقتل موسى الرجل الذي كان من عدوه فيعترف بخطأه ويعود فوراً إلى ربه طالباً المغفرة ، فيغفر الله له ذنبه ذاك في الحال؟

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) القصص 15-16

وها هو يطلب من ربه النجاة من القوم الظالمين:

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ ۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21)القصص 

وها هو يطلب من ربه أن يهديه سواء السبيل فيجد نفسه واقف عند ماء مدين:

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22) وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) القصص 22-23

وها هو يتولى إلى الظل ويطلب من ربه الرزق، فكان الرد الإلهي بأن جاءته إحداهما تدعوه إلى أبيها ليجزيه أجر ما سقى لهما:

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰ إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24) فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ۚ فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ۖ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) القصص 24-25

وهذا رب موسى يطلب منه الذهاب إلى فرعون فما يكون من موسى إلا أن يطلب هو بدوره وزيراً من أهله ويخص أخاه هارون على وجه التحديد، فيأتي الرد الإلهي بالإيجاب:

وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ (36) طه 29-36

وها هم القوم يطلبوا من موسى أن يسأل ربه ليكشف عنهم الرجز، فيتم له ذلك:

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ ۖ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَىٰ أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) الأعراف 134-135

وها هو يستسقي لقومه، فلا يرد الله له طلباً:

وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۖ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)البقرة 

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ ۖ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ۖ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ ۚ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ ۖ كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

ولكن الملفت للانتباه أن قومه طلبوا منه استبدال الذي أدنى (البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل) بالذي هو خير (المن والسلوى) فلم يتوجه موسى لربه بذاك الطلب وكان رد على نحو "أهبطوا مصراً":

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَنْ نَصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)البقرة 

وها هو يقف أمام اليم وفرعون وجنوده على وشك اللحاق بهم فيظن القوم أنه مدركون ولكن موسى الواثق بربه يرد بالقول بأن الله سيهديه إلى طريق النجاة:

فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)

فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)

وبعد هذا السرد نعود بالسؤال البسيط وهو: كم مرة طلب موسى من ربه؟ وكم مرة تمت الاستجابة الربانية على طلب موسى؟ وكيف جاء الرد الإلهي على طلبات نبيه المتكررة؟ فهل نجد - ولو مرة واحدة – أن موسى (أو أي نبي آخر) يطلب شيئاً من ربه فتكون الإجابة بشيء غير الطلب نفسه؟ هل طلب أحدهم ولداً فاستجاب الله له بالشفاء؟ أو هل طلب أحدهم من الله الشفاء فأعطاه الولد؟ وهل طلب أحدهم الغنى فنجاه من الهلاك أو العكس؟

*** *** ***

ولكن انتبه يا رجل هؤلاء أنبياء الله، هل تطلب أنت أن تستجب دعوتك كما يستجيب الله دعوة أنبياءه؟ هل أنت في كامل قواك العقلية؟ ألا تستطيع أن ترى أنك تتحدث عن أنبياء الله؟

أعتذر يا سادة، لقد فاتتني هذه المسألة، كيف لم أدرك أن طلب الأنبياء والاستجابة لطلبهم تختلف عن طلبنا نحن؟ ما أكثر ما ينسى الإنسان!

ولكن، لحظة من فضلك! هل فعلاً طلب الأنبياء يختلف عن طلب الناس العاديين؟ هل دعوتنا تختلف عن دعوة الأنبياء؟ وإذا كان كذلك، فلم إذاً يطلب منا الله أن ندعوه؟

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ
(186)البقرة 

هل هذه الدعوة موجهة للأنبياء فقط؟ فهل مفردة "عِبَادِي" في الآية الكريمة تخص الأنبياء فقط؟ وهل تخص عبارة "دَعْوَةَ الدَّاعِ" في الآية نفسها الأنبياء لا غير؟

كلا، إنها موجه لعباد الله كافة، إذاً، لماذا لا يستجيب الله طلبنا بنفس الصورة التي استجاب الله طلب الأنبياء؟

لم يكن هناك رد لدى السادة العلماء سوى التذرع بمسألة الإيمان، فهم يعتقدون أن هؤلاء رسل الله وأنبياءه، ولا شك أن الله سيستجيب طلبهم، ولكنّ السؤال الذي أطرحه هنا هو: لماذا لا يستجيب الله طلبي وطلبك على الفور؟ ربما لأننا لا نملك إيماناً صادقاً كما هو الحال عند هؤلاء الرسل والأنبياء، هل هذا هو المنطق الذي تحاولون – أيها العلماء الأجلاء تسويقه؟هل هي مسألة إيمان؟

إن كان هذا منطقكم فأنتم تدينون لنا بالإجابة على تساؤل أكبر، صحيح أنني وإياك لسنا بمنزلة الرسل، ولكننا في الوقت ذلته أفضل منزلة من إبليس نفسه، أليس كذلك؟ وبكلمات أخرى، من أفضل أنا أم إبليس؟ هاه؟! أقول من الأفضل أنا أم إبليس؟ صحيح أنا أمارس التحريف والتظليل مثل إبليس ولكن مما لا شك فيه أنه بدأ هذه الرحلة قبلي بالآلاف السنين وهو الأقدر على ذلك، فأنا لا زلت أقل خطراً بعض الشيء من إبليس، أليس كذلك؟ ولا تنسى أني أقول "أشهد أن لا إله إلا الله" وأقر بأن "محمداً رسول الله"، واستغفر الله على ذنبي بين الفينة والأخرى، ولكن إبليس لم يقبل أن يستغفر ربه على الذنب الذي ارتكبه، أليس كذلك؟

إذاً، أليس من المفترض أن أكون أنا أفضل من إبليس؟

- لنوافقك الرأي، يرد سادتنا العلماء، ولكن ما الذي تنوي أن تقوله؟

- إن مراد القول هو إذا كنت أنا أفضل من إبليس، فلم استجاب الله لإبليس على الفور ولا يستجيب لي على الفور؟ ولننظر إلى كيفية استجابة الله طلب إبليس بقراءة الآية الكريمة التالية:

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (15) الأعراف

قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِالحجر


قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) ص

وللحديث بقية : صلاة الاستسقاء الجزء الثاني


_______________

[1] للإجابة عن استفسار بخصوص عدم نجاة ابن نوح نطلب من القارئ مراجعة مقالاتنا تحت عنوان صلات قرابة، وكم لبث نوح في قومه وسفينة نوح ونظرية تكون القارات


[2] أما بخصوص والد إبراهيم فإننا ندعو القارئ الكريم لمراجعة مقالتنا تحت عنوان "صلات قرابة".


[3] ونحن نعتقد جازمين أن يوسف كان يستطيع تجنب السجن لو أنه دعا الله أن يصرف عنه كيدهن وكفى.