تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

صلات قرابة


موسى ونوح وإبراهيم

نحن نعرف أنّ الله تعالى قد أجاب مراد موسى الذي يمتلك الفطرة السليمة بالإيجاب، فغفر له، ونجاه من فرعون وملئه، وهداه إلى طريق مدين، فوصل أرضها، وساعد بنات شعيب فسقى لهما، وجاءته إحداهما تدعوه إلى بيت أبيها ليجزيه أجر ما صنع لهما، وأغرق الله فرعون ومن معه، وشرب قوم موسى كل من عين الماء التي خصصت لهم.
والقاري المتأني للقص القرآني يلحظ أمراً دقيقاً في قصة نبي الله موسى وهي أنّ أجابت مراد موسى كانت في الحال، وفي هذا دليل على زعمنا السابق في أنّ الذي لا يملك الحكمة لا بدّ له من الرجوع إلى من يعرف الحكمة ليحقق له مراده، فكان رجوع موسى إلى الله في كل أمر خير دليل على ذلك، ولا يورد القرآن الكريم أي موقف رد الله فيه طلباً لموسى عليه السلام.
(للتفصيل انظر مقالتنا: النظرية العالمية)


والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هنا هو: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لم يحقق الله تعالى مراد نوح عليه السلام في ابنه؟! ولماذا لم يحقق الله تعالى لإبراهيم مراده في والده؟!! ونقول بكلمات أخرى، إذا كان الرجوع إلى من يملك الحكمة (وهو الله سبحانه) يحقق المراد، فلماذا لم يتحقق مراد نوح في ابنه على الرغم من أنّه نبي مثل موسى فقد عاد إلى الله في ذلك؟! والمنطق نفسه ينطبق في قصة إبراهيم مع أبيه. وقد يتسرع القارئ ليقول أنّ هذا التساؤل ينقض من حيث المبدأ الافتراض السابق برمته.
نقول وبالله التوفيق رداً على ذلك ما يلي: أنّ نوحاً ليس كعيسى، فلم يكن يملك الحكمة التي بها يستطيع هداية ابنه دون الرجوع إلى الله، فهو إذاً كموسى لا يملك الحكمة ولكنه يملك  الفطرة السليمة "ربط الأشياء بأصلها الإيماني الاعتقادي"، فكان إذاً بحاجة أنْ يرجع بالدعاء إلى الله ليحقق له مراده, ولكن السؤال الحتمي هو: لماذا لم يستجاب مراد نوح في ابنه؟
رأينا: إنّ القارئ المتأني ربما يلحظ أمراً غايةً في الدقة والروعة في القرآن الكريم ملخصه أنّ نوحاً عليه السلام عندما عاد إلى الله في ابنه لم يعد إليه كما عاد موسى بالدعاء والرجاء (أي بالفطرة)، بل عاد إليه بالحوار، فالقراءة المتأنية للآية القرآنية تشير أنّ نوحاً لم يدعو الله أنْ ينجي له ابنه، بل سرد السبب الذي (حسب ظنه) يجب أنْ يتخلص ابنه من الغرق:
"وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي ..." هود 45
فكان الرد الإلهي المباشر أنّك مخطئ يا نوح في استنتاجك:
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  هود 46
ونحن نكاد نجزم هنا أنّه لو جاء طلب نوح على صيغة دعاء بأنّه لا حول له ولا قوة, وأنّ الله هو الذي يملك القدرة على هداية ابن نوح لكان الجواب الإلهي في ذلك إيجابي, ولكن سبق في علم الله أن ولد نوح لن يؤمن:
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
لذا أمر الله نوح بصناعة الفلك، ونهاه أن يخاطبهم فيهم:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
فما توجه نوح إلى ربه بصيغة الداع الذي يرجو نجاة ولده. ولكنه توجه إلى ربه مستفسراً عن سبب غرق ولده، والقارئ مدعو ليعقد هنا مقارنة في هذا السياق بين نداء نوح ربه من جهة ونداء أيوب ويونس وزكريا من جهة أخرى:
"وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي ..." هود 45
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ الأنبياء 83
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنبياء 87
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ الأنبياء 89
ففي حين أن دعوة أيوب وذا النون وزكريا تبعتها الاستجابة الفورية:
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ الأنبياء 84
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ  الأنبياء 88
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ  الأنبياء 90
لم تحصل مثل هذه الاستجابة في حالة نوح عليه السلام، ونحن نرى أنّ مثال نوح هنا هو مثال الملائكة الذين توجهوا إلى الله بالحوار عندما أخبرهم بأنّه مستخلف غيرهم في الأرض "فقالوا" محاورين:
"... قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ..." البقرة 30
فجاء الرد الإلهي الفوري:
"... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" البقرة 30
فالملائكة إذاً لم يتوجهوا إلى الله بأن يجعلهم مستخلفين في الأرض، بل توجهوا إليه بالحوار، فكان في سابق علم الله أنّهم لن يكونوا مستخلفين في الأرض. وخلاصة القول أنّ نوحاً لم يدعو لابنه بالنجاة بل حآج ربه في نجاة ابنه، ولقد افترضنا أنّه لو توجه نوح إلى ربه بفطرته بالدعاء لاستجيب طلبه، والدليل على ذلك أنّ نوحاً عندما توجّه إلى ربه بالدعاء لهلاك قومه, نجد أنّ الله قد استجاب دعاءه في الحال. وفي هذا السياق يسرد القرآن الكريم قصة دعاء نوح على قومه، فقد ذكر الأسباب الموجبة لهلاكهم، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام:
قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) نوح 5-7
ولكنّ نوحاً لم يتوقف عند ذلك، بل أردف هذه الحجج بالدعاء إلى الله بهلاكهم:
 وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا  نوح 26
والملحوظ الدقيق هنا يتلخص أنّ نوحاً طلب من الله تعالى أنْ لا يبقى من الكافرين أحداً على الأرض، فقد شمل إذاً ابنه بالهلاك في دعاءه، فهو يعلم يقيناً أنّ ابنه كان من الكافرين:
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ هود 36
وعندما حصل الطوفان وشعر نوح أنّ ابنه هالك لا محالة، ربما تحركت لديه عاطفة الأبوة مع يقينه أنّ ابنه هالك كونه من الكافرين, فكان مراده بنجاة ابنه من منطلق الأبوّة وليس من منطلق النبوّة, فما كان لنوح (وهو النبي المرسل) أنْ يدعو لأحد من الكافرين بالنجاة حتى ولو كان ذلك الشخص هو ابنه، وعندما دعا نوح بالهلاك على الكافرين من قومه، استجاب الله دعاء نبوته، فيكون نوح بذلك هو من دعا على ابنه كونه من الكافرين بالهلاك، ولم يدعو له بالنجاة. والقراءة اللغوية للآيات القرآنية التي تتحدث عن نوح وأهله تشير إلى تفسير أكثر غرابة، فلنورد هذه الآيات وأترك للقارئ فرصة الوصول إلى النتيجة بنفسه خشية تضييع الفكرة الرئيسية والولوج في موضوع فرعي يقحمنا في جدل نحن في غنىً عنه:
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)  هود 45-46
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) " الأنبياء 76-77
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ التحريم 10
والتساؤلات التي نثيرها هنا ونترك للقارئ حرية الإجابة عليها تتلخص بما يلي:
1. لماذا اختار نوح أنْ يخاطب ربه بهذا السبب "رب إنّ ابني من أهلي"؟
2. هل رد رب العالمين بالقول "إنه ليس من أهلك" على المجاز أم على الحقيقة؟
3. ماذا يعني قول رب العالمين "إنه عمل غير صالح"؟
4. ما هي ماهية خيانة زوجة نوح؟
5. ما علاقة "إنه ليس من أهلك" ب "إنه عمل غير صالح"؟ً
6. ما علاقة "إنه ليس من أهلك" و "إنه عمل غير صالح" بخيانة زوجة نوح؟
7. كيف يمكن ربط ذلك كله بقوله تعالى ""ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجينه وأهله من الكرب العظيم؟ أي كيف يقول رب العالمين أنّ نوحا قد نجا وأهله في حين أننا نعلم أن ابنه قد هلك؟
افتراء من عند أنفسنا: إنْ صحّ منطقنا في طرح هذه الأسئلة فإنّ نوحاً كان –في ظننا-  يريد التأكد من شك يخالج نفسه وليس الدعاء لابنه بالنجاة، ومصداق ذلك قوله تعالى مخاطباً نوحاً:
"... فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ هود 46
ولعلنا هنا بحاجة أنْ نلفت انتباه القارئ الكريم إلى قراءة النص كاملاً ليحاول فهم الآية السابقة في سياقها الأوسع:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12) التحريم 10-12
فالسؤال المطروح هو: مادام أنّ آيات القرآن الكريم مترابطة وتعكس وحدة الموضوع (thematisation)، فَلِمَ تُذكر مريم بنت عمران مع هؤلاء النسوة؟ فقد يرد البعض بالقول أنّ الله يعطي مثال المرأة المسلمة مقارنة مع مثال المرأة الكافرة، فنقول نعم، ولكن ألا تتم الموازنة بذكر امرأة فرعون وينتهي الأمر؟ فنحن نعرف أنّ القرآن الكريم عندما أعطى مثال امرأة نوح وامرأة لوط وقابلهما بمثال امرأة فرعون كان يتحدث عن نساء متزوجات، ولهذا ربما لم يدمج مثال امرأة فرعون مع مريم بنت عمران في آية واحدة، فتلك امرأة متزوجة وهذه بنت بِكْرْ. وقد يقول قائل وما دخل ذلك بالخيانة وبنسب ابن نوح، فنقول إنّنا بحاجة أنْ نمعن النظر ولو للحظات في الخطاب الذي جاء عن ابنة عمران، فيأتي السؤال المباشر لِمَ جاء ذكر هذه المرأة الطاهرة بأنها "الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا"؟ أي لِمَ اختار الله سبحانه للحديث عن عفة ابنة عمران في هذا السياق على وجه الخصوص؟ فلِمَ لَمْ يتحدث عن صلاحها أو تقواها أو عن كثرة سجودها وركوعها أو عن رغبة القوم كفالتها أو مخاطبة الملائكة وبشراهم لها؟ فلقد ذكرت مريم في أكثر من موضع في القرآن ولكن لم يرد الحديث عن طهرها إلاَ في المواقف التي تلتزم الدفاع عنها وتبرئتها:
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا  النساء 156 فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا  مريم 27 
والسؤال الذي نعود لنطرحه هنا: لماذا جاء ذكر طهارة مريم من الاتهام الجنسي على وجه الخصوص في معرض الحديث عن امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون؟ إنّ الجواب البسيط يكمن في أنّ مريم ابنة عمران على النقيض تماماً مع امرأة نوح وامرأة لوط ليس فقط في الإيمان والكفر وإنما أيضاً في الطهر والخيانة، لذا جاء التناقض غاية في الدقة والروعة، ففي حين أنّ امرأة نوح وامرأة لوط ذكرا على أنهما اقترفتا الخيانة "فَخَانَتَاهُمَا"، جاء ذكر ابنة عمران على أنّها أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا. ولعل البعض يتصدى لهذا المنطق بالقول: وما دخل امرأة فرعون إذاً بالموضوع؟ نقول أنّ هذا المنطق نفسه يحل المسألة برمتها وذلك عندما نحاول أنْ نفهم لماذا اختارت امرأة فرعون الموت على الحياة وهي زوجة الحاكم الأول وحياتها رغد وطلبها مجاب؟ والقرآن الكريم لا يذكر في أي موقف أنّ فرعون قد أساء معاملة زوجته، بل على العكس فقد كان طلبها مجاب في الحال، وليس أدل على ذلك من طلبها الإبقاء على حياة موسى وتبنيه:
وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ  القصص 9
فلِمَ إذاً تفضل الموت على الحياة وهي السيدة الأولى؟ إنّ إمعان النظر في الآية نفسها يجيب على هذا التساؤل بكل وضوح، لقد علّلت امرأة فرعون رغبتها في الموت على الحياة لسببين لهما علاقة بزوجها وهما النجاة أولا من فرعون نفسه وثانياً من عمله:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  التحريم 11
فالآية القرآنية لا تبيّن أنّ امرأة فرعون قد طلبت النجاة من عمل فرعون فقط وإلاَ لجاء الخطاب على نحو "ونجني من عمل فرعون" ولكن جاء الخطاب على نحو " وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ" أولاً و "وَعَمَلِهِ" ثانياً، ويأتي السؤال التالي: لِمَ تطلب امرأة فرعون النجاة من زوجها نفسه ومن ثم النجاة من عمله؟
فنقول أنّ طلبها النجاة من عمل فرعون أمر جلي من ما كان يعمل الرجل على الملأ، وأما النجاة من فرعون نفسه فهو النجاة مما كان يعمل مع زوجته على وجه الخصوص: إنها العلاقة الزوجية، وهذا يعني بالضرورة أنّ امرأة فرعون قد فضّلت الموت على الحياة لتنهي بذلك العلاقة الزوجية مع فرعون، فهي إذاً ترفض أنْ تستمر علاقتها الجنسية مع شخص كافر وهي امرأة مؤمنة. وفي هذا درس كبير لنا، فهي كامرأة مؤمنة لا يمكن أنْ تخون زوجها، ولكن في حالة امرأة فرعون فالزوج كما نعلم كافر، فالخيار بالنسبة لها غاية في الصعوبة: فهي لا تستطيع الخيانة كما فعلت امرأة نوح وامرأة لوط ولكنها في الوقت نفسه لا تستطيع الاستمرار في إقامة علاقة زوجية سليمة مع رجل كافر، فكان خيارها السليم الرجوع إلى الله ليخلصها مما هي فيه من الحيرة، فاختارت الموت على الحياة لأنّه الحل الأمثل للخلاص من علاقة مع كافر ولعدم الرغبة في الوقوع في الخيانة. وخلاصة القول أنّ ذكر هؤلاء النسوة في مقارنة واحدة في نهاية سورة التحريم كان جله المقارنة بين المؤمن والكافر ليس فقط في الإيمان والكفر وإنما في الإخلاص والخيانة (إنها إخلاص المؤمن وخيانة الكافر).
وبالعودة للحديث عن نوح "وابنه" نورد أيضاً ملحوظا غاية في الدقة قد يثبت صحة ما نذهب إليه هنا (أي أنّ نوحاً لم يطلب النجاة لابنه) هو التوقيت الذي اختاره لمخاطبة ربه في ابنه، فالقراءة حتى الأولية تبين أنّ المخاطبة قد تمت بعد انقضاء الأمر كله، فَلَمْ يخاطب ربّه في ابنه قبل حصول الطوفان على الرغم أنّه استغرق وقتاً في بناء السفينة، وهو كذلك لم يخاطب ربه في ابنه لحظة حصول الطوفان، بل كان الخطاب بعد انقضاء الأمر برمته، ولنقرأ الآيات 44-45 من سورة هود معاً لتوضيح الفكرة:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ  هود 44
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ  هود 45
فالسؤال الذي نترك إجابته للقارئ هو: لماذا انتظر نوح كل هذه الفترة لينادي ربه بشان ابنه؟ فهل حقاً من يريد النجاة لابنه ينتظر حتى ينقضي الأمر كله ليناجي ربه بشأنه؟! وما كان الله أنْ يستجيب مراد نوح في ابنه وهو الذي طلب من نبيه أنْ لا يخاطبه أصلاً بالظالمين:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ هود 37
فابن نوح كان من المغرقين وهم جميعاً كما يذكر الله كانوا ظالمين:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود 44
فكيف بنوح أنْ يخاطب ربه بالظالمين؟ وكيف لله أنْ يستجيب طلباً يخص أحداً من الظالمين؟ لا بل وتتأكد قصة الظالمين في هذه الآيات التالية التي نطلب من القارئ أنْ يقدم هو لنا تأويلاً لما جاء فيها، فلقد قال الله في كتابه على لسان نوح:
وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26)
إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)
 رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)
وسؤالنا هو: كيف بنوح يجزم أنّ الكافرين لا يلدوا "إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا" وابنه هو أول الكافرين وأكثرهم فجرا؟!
*** *** ***
أما في شأن إبراهيم مع أبيه، نقول - بادئ ذي بدء - أنّ القرآن الكريم لا يذكر بأي موضع أنّ إبراهيم عليه السلام قد دعا لأبيه بالنجاة، (إي لم يستخدم فطرته ليطلب الهداية لأبيه) بل جُلّ ما حصل أنّ إبراهيم قد وعد أبيه بالاستغفار له، ولما حصل فعلاً أنّ توجه إبراهيم بالدعاء إلى الله الذي يملك الحكمة في الهداية قال:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ  إبراهيم 35
وهذا دليل واضح أنّ إبراهيم عليه السلام (وهو النبي المرسل) هو في ذلك مثل نوح عليه السلام لم يكن ليدعو لأحد من الكافرين بالنجاة حتى ولو كان ذلك الشخص هو أبيه:
"... فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ  التوبة 114
فإبراهيم إذاً لم يتوجه قط إلى الله تعالى بالدعاء بهداية والده, فالذين يظنون أنّ الله لم يتقبل دعاء إبراهيم لأبيه يقعون في الخطأ لأنّ إبراهيم أصلاً لم يتوجه إلى الله بالدعاء لأبيه. وهنا قد يرد البعض بالقول: ولكنّ إبراهيم قد طلب الاستغفار لأبيه، ألا يكفي ذلك لإجابة الدعاء؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أنّ الهداية أمر يخص الحياة الدنيا، أما ما يخص الآخرة فهو ليس من شأن البشر، ولذا فإنّ طلب إبراهيم من الله أنْ يغفر لأبيه هو من شأن الله وحده لأنّه أمر يخص الآخرة:
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ  الشعراء 86
وقد يحتج البعض أنّ هذا دعاء من إبراهيم لأبيه لم يتحقق، نقول أنّه ليس كذلك، لأنّ هذا دعاء لا يتعلق بالحياة الدنيا، بل بما سيكون عليه أمر الآخرة، وهو ما لا يحق لإبراهيم ولا لغيره أنْ يبتّ به، لأنّ أمر الآخرة يخص الله وحده، ومجمل القول أنّ الاستغفار من أمر الآخرة وتحقيق المراد به أمر منوط بالله وحده، وقد يتساءل البعض عن الدليل في ذلك، أي كيف يختلف الدعاء بالاستغفار عن الدعاء بالهداية مثلاً؟
رأينا: نحن نعتقد أنّ الدعاء بالاستغفار هو من أمر الآخرة، أما الدعاء بالهداية فهو من أمر الدنيا. ونحن نعتقد جازمين أنّه لو جاء دعاء إبراهيم لأبيه دعاء بالهداية لاستجيب طلبه، أما ما دام دعاءه يخص الاستغفار له في الآخرة فذاك من شأن الله وحده، وهذا أمر لا ينطبق في حالة إبراهيم وحده بل يخص كآفة الرسل، وما أجمل الدقة والتصوير القرآني في ذلك، ففي حين أننا نعرف أنّ دعاء الأنبياء مستجاب، نجد الله يخاطب محمداً عليه الصلاة والسلام بشأن الاستغفار قائلاً:
اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ   التوبة 80
سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ  المنافقون (6)
وذلك لأنّ الله سبحانه قد فرض أمراً بهذا الشأن ما كان لأحد أنْ يتجاوزه حتى لو كان نبياً مرسلاً حيت قال:
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ   التوبة 113 
ومن هنا جاءت الدقة القرآنية في الحديث عن حالة إبراهيم عليه السلام:
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ   التوبة (114)
وقد يتساءل البعض قائلاً: إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لَمْ يطلب إبراهيم عليه السلام الهداية لأبيه بدلاً من طلب الاستغفار له؟ نقول وبالله التوفيق أنّ ذلك كان نابعاً من طبيعة إبراهيم عليه السلام، فإبراهيم عليه السلام يختلف في أسلوبه عن موسى وعن عيسى عليهما السلام، فهو من دون الرسل جميعاً قد غلّب المنطق والحجة، فهو أصلاً قد توصّل إلى الهداية بالمنطق السليم (أي المقدمات التي تفضي إلى النتائج السليمة):
وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) الأنعام 75-79
وقد يتساءل البعض عن علاقة ذلك بدعاء إبراهيم لهداية والده، نقول أنّ إبراهيم قد غلّب الحجة ليس فقط في هداية نفسه بل أيضاً في دعوته غيره إلى الله:
وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ الأنعام 83
فإبراهيم عليه السلام كان بارعاً في إقامة الحجة على خصمه، وليس أدل على ذلك من قصته مع أصنام قومه:
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (63) الأنبياء 58-63
أو قصته مع النمرود:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ..." البقرة 258
فتمثلت قوة حجة إبراهيم على قومه:
فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ   الأنبياء 64
ولكن القوم الذين لا يتقبلوا النتائج السليمة للمقدمات الصحيحة ما كان منهم إلاّ:
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ  الأنبياء 65
وتمثلت قوة حجة إبراهيم على النمرود:
"... فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ" البقرة 258
وهذا هو منهج إبراهيم عليه السلام في الدعوة: إقامة الحجة التي آتاه إياها ربه، وهو بالضبط ما فعله حتى في بحثه عن هداية والده، فحتى قبل أنْ يصل هو بنفسه إلى الهداية كان خطابه مع والده على النحو التالي:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ  الأنعام 74
وبعد هدايته إلى خالقه وامتلاكه الحجة الصحيحة التي آتاه الله إياها، جاء خطابه لأبيه على النحو التالي:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) مريم 41-45
ولكن والده لم يتقبل هذه الحجة، فرد قائلاً:
قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا  مريم 46
عندها أدرك إبراهيم عليه السلام أنّ الذي لم يهتد بهذه الحجة القويّة، لم يعد أمامه فرصة للهداية في الحياة الدنيا، وما تبقى له سوى طلب المغفرة له في الآخرة، فجاء رده على رد أبيه:
قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا   مريم 47
وأبطن غضبه من موقف أبيه حيث اتخذ قراره باعتزاله:
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا  مريم 48
فإبراهيم لم ينسى أنّ من واجبه تجاه والده حتى وإن لم يكن مؤمنا على نحو:
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ العنكبوت (8)
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ لقمان (15)
فخلاصة القول أنّ إبراهيم عليه السلام لم يستخدم فطرته في الدعاء إلى الله لهداية والده، مثله في ذلك نوح الذي لم يستخدم فطرته لهداية ولده ومن ثم نجاته من الغرق، ونحن نعيد التأكيد أنّه لو تم استغلال الفطرة التي يمتلكها كل منهما لكانت النتيجة إيجابية في الحالتين، فهذا موسى عليه السلام يلجأ إلى فطرته لهداية أخيه هرون عليه السلام:
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) طه 25-32
فكان الرد الإلهي فوري:
قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى  طه 36
وهو ما لم يحصل في حالة نوح لابنه وإبراهيم لأبيه، وهو كذلك لم يحصل في حالة يوسف لإخوته ويعقوب لبنيه:
قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ  يوسف 92
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ  يوسف 98
دعاء: اللهم آتنا حجة إبراهيم

وهذا ما نفهمه بالضبط من اختلاف الأسلوب عند الرسل في الإمكانات وفي الدعوة، ففي حين كان علم عيسى مميزاً بالحكمة، كان علم موسى مميزاً بالفطرة وكان علم إبراهيم مميزا بالحجة، وهذا ما نفهمه في قوله تعالى:
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ..." البقرة 253
ولذا فإننا نتوجه إلى الله مخلصين الدعاء بالقول:
اللهم نسألك حجة إبراهيم وفطرة موسى وحكمة عيسى

خلاصة
نعم إننا نفهم تفضيل الرسل بعضهم على بعض على هذا النحو، فلكل منهجه وأسلوبه الذي ميّزه الله به، ولكن يبقى كل منهج بالنسبة لنا مميزا لا نستطيع التفريق بينها لانّ كل منها يوصل إلى الغاية المرجوة. وهنا نخلص إلى نتيجة مفادها أنّ من لا يملك الحكمة يستطيع تحقيق مراده باستخدام الفطرة، ولكنّ القرآن الكريم يورد عدة ملاحظات هامة جداً فيما يخص تحقيق المراد بالفطرة لمن لا يملكون الحكمة، نورد ما استطعنا (بحول الله) أنْ نستقصيه:
أولا: أنّ الدعاء "الفطرة" إلى الله يجب أنْ لا يصاحبه تردد ولا تلكؤ, بل يجب أنْ يكون عن يقين بالإجابة، فمحاورة نوح لربه بهداية ولده، ووعد إبراهيم لأبيه بالاستغفار يدل على أنّه لم يكن دعاء مباشراً.
ثانياً: أنّ الدعاء المستجاب يجب أنْ يكون على الفور لا يحتمل التأخير أو التسويف، وهنا العبرة مستقصاة من دعاء موسى عليه السلام، فكلما كان موسى في موقف يستوجب العودة إلى الله، يعود على الفور دونما تأجيل أو تسويف. فعندما علم أنّه ظلم نفسه بصرعة الذي هو من عدوه قال:
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي..." القصص 16
وعندما علم بأن القوم يأتمرون به قال:
"... قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ القصص 21
وعندما وجد نفسه تائهاً في الأرض لا يعلم إلى أين يتجه قال:
"... قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ  القصص 22
وعندما وجد نفسه بحاجة إلى المساعدة حتى المادية منها كالطعام والشراب من عناء السفر قال:
"... فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  القصص 24
وعندما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع فرعون من الخلف والبحر من الأمام وظن قومه أنّهم مدركون لا محالة لم يفقد ثقته بربه فقال في الحال:
 قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ الشعراء 62
وعندما وجد أنّ القوم قد فتنوا بما كان يملك فرعون وقومه من عطاء الله توجه إلى ربه طالباً:
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ  يونس 88
رأينا المفترى: نحن نظن أن في هذا فرق واضح بين مراد موسى عليه السلام من جهة ومراد نوح في ابنه أو إبراهيم في أبيه من جهة أخرى، ففي حين كان دعاء موسى فورياً، كان مراد نوح وإبراهيم بالدعاء مؤجلاً، وهنا نقول أنّ البعض ربما –حسب ظننا- يخطئ في فهمه للدعاء المستجاب، فلا يجوز للشخص أنْ يثق أولاً بقدراته، ثم إذا ما تبين ضعفه وقلة حيلته عاد إلى الله، فالله لا يقبل أنْ يكون ثانياً. فالفطرة السليمة تقتضي أنْ يكون الله سبحانه أولاً وقبل كل شيء. فبالرغم من قدرة موسى الجسدية غير العادية التي تمكنه (بالمفهوم البشري) من جلب رزقه (طعامه) بنفسه، إلا أنّ ثقته بربه كانت سابقة لكل شيء:
"...فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ  القصص 24
 نتيجة مفتراة: نخلص إلى القول أنّه لو كان مراد نوح وإبراهيم فورياً على شكل طلب ورجاء بلا تلكؤ ولا تشكك كما كان الحال في دعاء موسى لكانت الاستجابة فورية بالقبول، ولكن علم الله الأزلي قضى بأنْ لا يتوجه نوح ولا يتوجه إبراهيم بالدعاء للكافرين بالنجاة، قال تعالى عن نوح عندما علم أنّ لله حكمة أعظم مما كان يظن تراجع في الحال قائلا:
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ..." هود 47
وهذا بالضبط ما فعل إبراهيم عليه السلام, فقال تعالى عن إبراهيم في هذا المقام:
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ  التوبة 114
ثالثاً: أنّ الدعاء يجب أنْ لا يصاحبه مجادلة أو محاورة، بل تقبل بقضاء الله على الفور, وهذا فرق واضح بين دعاء موسى ومراد نوح عليه السلام, فعندما علم موسى بخطئه في وكزه لعدوه مثلاً عاد فوراً إلى الله بالاستغفار ولم يحاول المجادلة أو البحث عن السبب الذي دفعه إلى ذلك، فلم يذكر مثلاً أنّ قتله لذلك الرجل كان من منطلق أنّه عدو الله، ولم يحاور الله في ذلك، أي لم يحاول حتى إيجاد المبرر لنفسه، وعندما كاد أنْ يصرع رجلا مرة أخرى توجه إليه ذلك الرجل بالقول:
"... قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ  وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ القصص 19
فعندها رجع موسى فوراً إلى رشده وأدرك صحة ما كان قد قاله للرجل الذي من شيعته من ذي قبل:
"... قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ  القصص 18
أما نوح عليه السلام فكان مراده في ابنه مقروناً بالمحاورة والمجادلة والبحث عن الأسباب وهذا بحد ذاته سبباً كافياً لعدم الاستجابة، وهو في ذلك مثل الملائكة عندما أخبرهم الله تعالى بخلافة الأرض من غيرهم فتوجهوا إليه بالمحاورة وإبداء الأسباب, وهنا نقول أنّ الفطرة التي بها يتحقق المراد يجب أنْ لا يشوبها المجادلة أو المحاورة، بل الانصياع الكامل حتى ولو كان السبب الذي تبديه من حيث المبدأ وجيهاً, فالملائكة مثلاً قدموا سبباً يبدوا للوهلة الأولى أنّه وجيهاً، ونوح رجل يطلب النجاة لابنه، أليس ذلك سبباً وجبهاً كذلك؟ نقول كلا. فقد أثبت الله تعالى أنّ ذلك ليس سبباً وجيها فقال في حالة الملائكة:
"... قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ" البقرة 30
وقال في حالة نوح:
" قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ..." هود 46
ونستنتج أنّ ذلك لم يكن سبباً وجيهاً على الإطلاق، فكم من سبب بدا للوهلة الأولى أنّه نعمة ثم تبيّن بعد ذلك أنّه نقمة، والعكس صحيح مصداقاً لقوله تعالى:
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ البقرة 216
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ  إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا النساء (19)
ولا يعرف ذلك إلا من امتلك الحكمة (وسترد – بحول الله- لاحقاً قصة صاحب موسى دليلا على ذلك)
رابعاً: أنّ استخدام الفطرة في الدعاء لتلبية المراد مستجاب مهما كانت استحالته من وجه نظر البشر، فهو يجب أنْ يصدر عن إيمان يبيّن قدرة الله اللامتناهية، إيمان ملخصه:
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ إبراهيم 20
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ  فاطر 17
أليس إحياء الموتى مثلاً أمر أقرب إلى الاستحالة من المنظور البشري؟ ولكن ألاّ يذكر القرآن الكريم أمثلة على إحياء الموتى؟ ألم يطلب إبراهيم عليه السلام من ربه أنْ يريه كيف يحيى الموتى؟
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي..." البقرة 260
 ألم يحقق الله تعالى له مراده بأنْ أراه كيف يحيى الطير مثلاً؟
"...  قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  البقرة 260
وأي شيء أعظم استحالة من حيث المبدأ من أنْ يطلب موسى عليه السلام أنْ يرى ربه، قال تعالى:
"... قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ..."[1] الأعراف 143
 ألم يحقق له ربه مراده فتجلى للجبل تلبية لمراد موسى، ولكنْ لرأفة الله بموسى لعدم قدرته الفيزيائية (الجسدية) على الرؤية المباشرة طلب الله منه أنْ ينظر إلى الجبل:
"... فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا..." الأعراف 143
استراحة قصيرة
وهنا ملحوظ دقيق نود الإشارة إليه، فقد يتسرع البعض للقول أنّ ذلك خاص بالأنبياء، نقول كلا، فالقرآن الكريم يبثث أنّ ذلك قد يتحقق للبشر العاديين. ألم يطلب بنو إسرائيل مثلاً رؤية الله جهرة؟ ألم يقولوا لموسى عليه السلام كما جاء في القرآن الكريم:
" وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ..." البقرة 55
وعندها ألم يلبي الله تعالى هذا الطلب بالتجلي لهم؟ وهنا قد يتسرع القارئ بالقول وكيف ذلك؟ ألم تأخذهم الصاعقة؟
رأينا المفترى من عند أنفسنا: قد يظن القارئ للآية القرآنية أنّ الله قد عاقب بني إسرائيل على غرابة طلبهم، فأخذتهم الصاعقة. نقول أنّ هذه ربما تكون قراءة غير متأنية للآية القرآنية الكريمة، فنحن نقرأها هنا على نحو أنّ الله تعالى قد استجاب لطلب بني إسرائيل فتجلى لهم على الرغم من غرابة هذا الطلب واستحالته من وجه النظر البشرية، وبرهاننا لذلك يأتي على النحو التالي:
أولا: نود أنْ نسأل القارئ سؤالاً بسيطاً جداً، ما الفرق بين طلب موسى عليه السلام رؤية الله وطلب بني إسرائيل رؤية الله تعالى؟ ألم يطلب بنو إسرائيل ما كان نبيهم موسى عليه السلام قد طلبه من قبل؟ فلِم يقع العذاب والعقاب على بني إسرائيل ولم يقع على موسى عليه السلام؟ من يدري!!!
رأينا: نحن نظن أن هذا التساؤل يوصلنا إلى نتيجة مفادها أنّ ما طلبه بنو إسرائيل لم يزيد قيد أنمله عما كان نبيهم موسى قد طلبه من قبل.
ثانياً: نسأل القارئ سؤالاً آخر أبسط من سابقه، ما الذي حصل عندما طلب موسى رؤية الله؟ إنّ القراءة المتأنية لتلك الآية القرآنية تؤكد حصول "الصاعقة وهذا مثبت بقوله تعالى:
"... وَخَرَّ موسَى صَعِقًا..." الأعراف 143
وهذا بالضبط ما حصل عندما طلب بنو إسرائيل رؤية الله جهرة:
".. فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ..."  البقرة 55
ولكن الفرق الوحيد بين حالة موسى وحالة قومه أنّ موسى لم ينظر إلى الله تعالى عندما تجلى، فقد طلب الله منه أنْ ينظر إلى الجبل لحظة التجلي، فجعل الله الجبل دكاً، ولهذا لم تأخذ موسى تلك الصاعقة بالهلاك لأنّه لم يكن ينظر إلى الله مباشرة، وهذا بالضبط ما فعله موسى عليه السلام عندما تجلى الله تعالى لبني إسرائيل، فنتيجة لما اكتسبه من خبرة سابقة لم ينظر إلى الله مباشرة لحظة التجلي لبني إسرائيل فسلم من الهلاك.
ثالثا: إنّ دقة وروعة الآية القرآنية تزيد عندما يقول الله تعالى عن بني إسرائيل:
"... فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  البقرة 55
فالسؤال البسيط الذي نترك إجابته للقارئ هو: إلى ماذا كان ينظر بنو إسرائيل عندما أخذتهم الصاعقة؟![2]
رابعا: إذا كان هلاك بني إسرائيل عقاباً لهم لغرابة طلبهم، فلِمَ يبعثهم الله من بعد موتهم ويجري لهم حياةً رغداً؟ من يدري!!!
ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى ..."
(57) البقرة 56-57
إنّ الفرق الوحيد بين طلب موسى عليه السلام وطلب قومه أنّ طلب موسى جاء من باب الرجاء والإيمان بينما جاء طلب بني إسرائيل من باب التحدي والتشكيك، فكان ذلك هو الظلم الذي ارتكبه بنو إسرائيل. وهنا لا بد من الإيضاح أنّ بني إسرائيل كانوا عالمين صدق رسالة موسى، وكان العامة منهم مؤمنين بربهم، ولكن جاء طلبهم من باب التأكد والتيقن كما جاء طلب إبراهيم من ربه أنْ يريه كيف يحيي الموتى:
"... قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ..." البقرة 260
فجاء الرد الإلهي على ذلك بالإيجاب:
"... قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ  يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  البقرة 260
وكذلك جاء الرد الإلهي على طلب بني إسرائيل:
"...  فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ " البقرة 55
ونحن نقرأ الموقف بكليته على النحو التالي: لقد ثارت شائعة رؤية موسى ربه بين بني إسرائيل، فهناك في كل زمان ومكان من يتصيّد في الماء العكر، ويحاول الاستفادة من كل صغيرة وكبيرة لتحقيق مآرب نفسه وهواه كالسامري مثلاً، ومراد القول أنّه عندما وصل الخبر (أي طلب موسى رؤية ربه وتجلي ربه للجبل) أصبح من الطبيعي أنّ تستغل تلك الفئة الخبر بتحريفه وتضخيمه وتشويشه في ذهن العامة حتى ينبري الأخيرون للمطالبة بالتوضيح والبرهان العملي لما قد حدث فعلاً. وهذا ما طلبه العامة من بني إسرائيل من نبيهم موسى عليه السلام (أنْ يريهم الله جهرة). فقد نجح أمثال السامري في التلاعب بأذهان العامة بمنطقهم الذي يبدو في ظاهره سويا ولكن باطنه منطق الذي أخرج آدم من الجنة:
"وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) الأعراف 20-21
ولعقد مقارنة توضيحية لما كان من بني إسرائيل مع نبيهم، فذاك عمرو بن هشام مثلاً ( المستحق لـ لقبه أبو جهل عن جدارة واستحقاق) ينبري ليتحدى إيمان الصديق أبي بكر (رضي الله عنه) بعد حادثة الإسراء ظاناً أنّه قد وجد ضالته عندما سمع خبر محمد (صلى الله عليه وسلم) يحدث القوم بحادثة الإسراء، فكيف يمكن لمن أمسى وأصبح بمكة أنْ يقطع – حسب ظنه- هذه المسافة الطويلة جداً في ساعة من الليل؟ ألا يدين لهم محمد إذاً – حسب ظن سامري قريش – بالبرهان العملي على صدق ما لا يصدقه العقل؟ ولكنّنا بالصديق الذي بني إيمانه على الفكر السليم ينظر إلى أبي جهل بازدراء ويكأنه يرد عليه قائلاً: "كيف أصدق محمداً يخبرنا بنزول الوحي عليه من فوق سبع سماوات في اليوم والليلة مرات ومرات ولا نصدقه برحلة أرضية إلى بيت المقدس أو حتى إلى السموات العلى"؟! ومراد القول أنّه لو نجح سامري قريش في إيقاع أبي بكر في فخه كما نجح سامري بني إسرائيل مع قومه، لكان مطلب أبي بكر وعامة المسلمين من بعده حينئذ من نبيهم البرهان العملي على ما يقول.
*** *** ***
 وهنا قد يرد البعض قائلاً: كيف يلبي الله طلبهم ما داموا متحدين نبيهم للتدليل على صدق رسالته؟ نقول أنّ العامة من بني إسرائيل كانوا مدركين صدق رسالة نبيهم وما كان طلبهم ذاك إلا لوقوعهم في فخ أمثال السامري، والدليل على ما نذهب إليه يأتي من الدقة القرآنية في الآية نفسها، فـ بنو إسرائيل لم يقولوا لنبيهم أننا لن نؤمن بالله حتى نراه جهرة، بل قالوا "لَن نُّؤْمِنَ لَكَ" (أي بموسى)، فجاء ردهم على النحو التالي:
" وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ..." البقرة 55
إذاً فلب المشكلة ليست بين بني إسرائيل وربهم، بل بينهم وبين نبيهم، فكان العامة من بني إسرائيل يريدون إذاً تأكيد الثقة بينهم وبين نبيهم كما كان موسى عليه السلام يريد تأكيد الثقة بينه وبين ربه بطلبه الرؤية.
وإلى الذين لا تزال الفكرة في ذهنهم غير راسخة نورد الدليل الأقوى على صحة ما نذهب إليه فنقول: إنّ باب التحدي (إن نحن فهمناه كذلك) مقبول في الفكر الديني كما يمثله القرآن الكريم، فهاهو ذاك الرجل يمر على القرية الخاوية على عروشها فيتساءل ربما بنبرة التشكك والبحث عن الإجابة الشافية للأسئلة المتضاربة في ذهنه:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ  مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى  طَعَامِكَ َشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ  نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  البقرة 259 
ولكن يجب أنْ ندرك أنّ ذاك الرجل كان يتساءل ويطلب (كما طلب إبراهيم من ربه وكما طلب بنو إسرائيل من نبيهم) ليصبح إيمانه مبني على يقين لا يساوره تشكك كذاك الذي يخطر على قلب حتى الإنسان المؤمن. وهنا قد يتسرع بعض من يقرأ الآية السابقة ويظن أنّ ذاك الرجل لم يكن مؤمنا أصلا وقد قال ذلك من باب التحدي فقط، نقول كلا، لقد كان ذاك الرجل مدركاً قدرة الخالق على إحياء الموتى، ولكنّه كان يملك أيضاً الرغبة أنْ يرى ذلك بأم عينه (كما كان يملكها إبراهيم عليه السلام)، ولنورد دليلين على صحة هذا الإدعاء. أولا: لقد جاءت الآية التي تتحدث عن ذلك الرجل في سياق الحديث عن إبراهيم عليه السلام، فلقد سبقتها آية الذي حاج إبراهيم في ربه:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة 258
وتبعتها الآية التي يطلب فيها إبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيي الموتى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ البقرة 260
فمن سوء الفهم أنْ يؤخذ موقف إبراهيم عليه السلام على الجانب الإيماني بينما يحمل موقف ذلك الرجل على غير ذلك، خصوصاً أنّ الطلب واحد (أنْ يريه كيف يحيي الموتى)، فهاهو إبراهيم عليه السلام صاحب الحجة على خصمه يستخدم قدرة الله على إحياء الموتى كدليل على عظمة الله وعجز غيره، يعود بعد فترة وجيزة ليطلب هو نفسه البرهان من ربه على إحياء الموتى. فهل يحمل ذلك من إبراهيم على الجانب غير الإيماني؟!
ثانياً: إنّ الدليل الأقوى على صحة ما نذهب إليه بأنّ طلب ذلك الرجل يؤخذ على الجانب الإيماني هو القاعدة الإلهية التي لا تنقض والتي جاءت مباشرة قبل هذه الآية (أي في آية الذي حآج إبراهيم في ربه) وهي:
"... وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ البقرة 258
فكيف يحمل طلب ذلك الرجل على الجانب غير الإيماني في حين أننا نعلم أنّ الله قد هداه إلى الحقيقة؟
"... فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" البقرة 259
فهذا يعني بالضرورة أنْ يحمل طلب ذلك الرجل على الجانب الإيماني وإلا لكان القرآن يناقض بعضه بعضا، نستنتج إذاً أنّ الله قد هداه (كما هدى الصالحين غيره) إلى الحقيقة التي كان يبحث عنها، أي إلى الإيمان المنزوع منه الشك أو الريبة لأّنه كان هو أصلاً يبحث عنه، راغباً فيه. وبكلمات أدق إننا ندعي أنّه لو جاء تساؤل ذلك الرجل عن غير الإيمان الباحث عن الحقيقة الراغب في الهداية لما تم إجابة طلبه في الحال حيث يريه الله بأم عينه كيف يحيي الموتى:
"... وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ٌ..." البقرة 259
فلب القول أنّ طلب الإنسان المؤمن الباحث عن الحقيقة الراغب في الهداية مستجاب لا محالة مهما بلغت درجة غرابته.

ولننظر إلى الدقة والروعة القرآنية في تصوير الطرف الآخر، الجانب المتعنت غير الراغب في الهداية، الذي لا همّ له سوى المكابرة والمجاهرة بالمعصية، فها هو سامري آخر من قريش يأتي محمداً (صلى الله عليه وسلم) يفرك العظم البالي بيده ليطلب ما كان الذي مر على القرية الخاوية على عروشها قد طلبه من ذي قبل:
وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ يس 78
فماذا كان الرد الإلهي؟ هل أراه الله العظام كيف ينشزها ثم يكسوها لحما؟ كلا، فقد جاء الرد الإلهي فقد بتكذيب إدعاءه دونما برهان عملي يكون من شأنه هدايته:
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ يس 79
والسبب على عدم تقديم البرهان العملي على إحياء الموتى لمثل هذه الفئة من الناس موجود بشكل لا لبس فيه في خاتمة الآية السابقة للطلب (كما كان موجود في خاتمة الآية السابقة لطلب ذاك الرجل المؤمن) ولكن هذه المرة للإنسان غير المؤمن المجاهر بالمعصية:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ  يس 77
فالرد الإلهي إذاً من جنس الطلب، فما كان الله ليرد طلب من كان يبحث عن الهداية ويرغب فيها، أمّا من كان هدفه المخاصمة وإظهار العداوة فما كان الله ليقدم لهم الآية والبينة التي تكون سبباً لهدايتهم لأنهم هم أنفسهم لا يرغبون فيها ولا يبحثون عنها. وهذا هو بالضبط السبب الذي قدمه الله لنبيه:
إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّن السَّمَاء آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ  الشعراء 4 
ولكنّ التساؤل البسيط هو: ما جدوى تنزيل مثل تلك الآية على من:
وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ  الشعراء 5
وهنا قد يرد البعض قائلاً: ما دام الله يستجيب طلب الإنسان المؤمن ويقدم له الآيات بالبرهان العملي لهدايته ولا يأبه بمفاجرة المخاصم المكابر، فلم قدّم لفرعون وقوم صالح وأقوام كثيرين كذبوا رسلهم بالرغم من وجود الآيات التي أخضعت أعناقهم؟ إنّ هذا التساؤل قد ينقض الافتراض السابق (إي أنّ الله لا يستجيب إلاّ طلب الإنسان المؤمن) برمته. نقول رداً على ذلك أنّ الله حقاً لا يأبه بمفاجرة الكافر ولا يقدم آياته بالبرهان العملي إلا للمؤمن الراغب في الهداية الباحث عنها، وأنّ تقديم الآيات لفرعون أو لقوم صالح وغيرهم حتى على كفرهم نفهمه على النحو التالي: أولا، إنّ تقديم آيات الله لهؤلاء الأقوام على كفرهم ومجاهرتهم بالمعصية جاء على غير طلب منهم، فلو كان فرعون مثلاً هو من توجه بنفسه طالباً تلك الآيات من الله لما كان الله قد استجاب طلبه، ولما قدمها الله له لتكون سبباً لهدايته، فالله قد أيد موسى عليه السلام بتلك الآيات قبل قدومه إلى فرعون وقومه:
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى  طه 24
اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى النازعات 17
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ  الشعراء 15 وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36) الفرقان 35-36
 وها هم قومه الذين أصابهم الرجز يتوجهون إلى موسى عليه السلام ليطلب هو من ربه أنْ يكشف عنهم السوء:
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُواْ يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ..." الأعراف 134
وَمَا نُرِيهِم مِّنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ (50) الزخرف 48-50
فهم على يقين أنّهم إنْ توجهوا هم بأنفسهم إلى الله فلن يكون الرد إيجابياً، فكشف الرجز عنهم لم يكن بطلب منهم وإنما بطلب من نبيهم رغبة منه في هدايتهم.
ثانياً، أما الدليل الحاسم على أنّ تقديم الله الآيات لهؤلاء الأقوام على كفرهم يأتي عن غير طلب منهم فقد جاء واضحاً لا لبس فيه بنص القرآن الكريم:
وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا  وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ  القصص 59
فالقاعدة الإلهية هي أنّ الله سبحانه يقدم هو آياته للظالمين ودونما طلب منهم لسبب واحد: لتكون مقدمة لهلاكهم. فتصبح الصورة إذاً على النحو التالي: لا يقدم الله آياته للمؤمنين إلا بطلب منهم، ويقدمها للظالمين على غير طلب منهم، ولكن النتيجة متفاوتة في الحالتين، ففي حين أنّ الآيات التي يقدمها الله للمؤمن الباحث عنها الراغب فيها تكون سبباً لهدايته، تكون الآيات التي يقدمها الله للظالم المخاصم على غير طلب منه سبباً لهلاكه[3]، وهذا مصداقاً لقوله تعالى:
"... يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ الأنعام 158

*** *** ***
وقد يرد البعض قائلا ولكنّ الله سبحانه يقدم آياته بالبرهان العملي (كإحياء الموتى مثلاً) فقط لفئة قليلة من عباده الصالحين، فهل يمكن أنْ يقدمها للعامة مثلنا من عباده؟ فنرد قائلين إنّنا نقرأ في القرآن الكريم الدليل على أنّ ذلك ممكنا، أي إمكانية أنْ يرى حتى السواد الأعظم من المؤمنين آيات الله بأم أعينهم، فهاهو نبي الله موسى عليه السلام


بقلم د. رشيد الجراح


[1] إن الآية التي تتحدث عن طلب إبراهيم رؤية إحياء الموتى:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ۖ قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260) البقرة 260
والآية التي تتحدث عن طلب موسى رؤية الله:
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ  الأعراف 143
يظهران الاختلاف بين فطرة موسى و فطرة إبراهيم عليهما السلام، ففي حين أن الله سبحانه قد توجه بالسؤال عن مدى ثبات إيمان إبراهيم "قال أولم تؤمن"، لم يتوجه بمثل هذا السؤال لموسى

[2] وحتى نساعد القارئ على فهم الموقف نذكره بقوله تعالى:
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44) الذاريات 43-44
وهنا قد يتساءل البعض إذا كان بنو إسرائيل في تلك اللحظة ينظرون إلى كيفية تجلي الله، فهل فعلا رأوه بأم أعينهم، فنقول كلا، ولنقرأ قوله تعالى:
وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لاَ يَسْمَعُواْ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ  الأعراف (198)
فهم حتى وإن كانوا ينظرون لكنهم لم يكونوا يبصرون.
[3] ولعل من الضروري أنْ نقف برهة للتنويه إلى درس مستقصى من هذا الهدي الإلهي يفيدنا ويفيد الدعاة لهذا الدين من أبناءه المخلصين، الذين نذروا أنفسهم وجل وقتهم لخدمة هذا الدين وأهله، ونحن إذ نلفت النظر إلى هذا الأمر لعلى يقين أنّ لهذه الفئة كل الشكر والتقدير على جهدهم، ولكننا نود أنْ نؤكد على ما يلي: إنه ليس من واجبهم وليس في مقدورهم إقناع الناس بهذا الدين، فمهمة الداعية تتمثل فقط بالإبلاغ وليس بالإقناع، وهكذا كانت مهمة الرسل أنفسهم:
مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاَغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ  المائدة 99
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ النحل 35
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ النور (54)
وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ العنكبوت (18)
قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ (17) يس 16-17
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ الشورى 48
ولعل السلوك العام الذي ينتهجه غالبية الدعاة إلى الله في التفاني في محاولة إقناع الغير بهذا الدين لهي – كما نظن- من السلوكيات الخاطئة التي قد تضر بهذا الدين ولا تنفعه، ولعل في قصة النبي مع ذلك الضرير الذي جاءه يسعى خير درس وأعظم عبرة لدعاة هذا الدين:
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَن جَاءهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) عبس 1-7
ولقد نبّه الله نبيه إلى هذا الأمر، لا بل ونهاه عن ذلك، فليس من مهمته هداية الناس، وإنما بلاغهم، فالهداية بيد الله وحده:
إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ  القصص 56
ولنأخذ العبرة كذلك من قصص الأنبياء السابقين عليهم أفضل الصلاة وأتم التسليم، فهل استطاع نوح أنْ ينقذ ابنه من الغرق أو حتى زوجته من الضلالة؟ وهل استطاع نبي الله إبراهيم أنْ يجنب أبيه إتباع الشيطان؟ وهل استطاع لوط أنْ ينقذ زوجه مما لحق بالقوم من عذاب الله؟
ويجب كذلك أنْ لا تأخذنا بهم الرأفة التي لا مبرر لها وكأننا نتباكى عليهم لننقذهم من النار، فالله سبحانه يوجه الخطاب لنبيه بهذه الكلمات:
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا الكهف 6
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ  الشعراء 3
فلقد ذكر الله في مواطن عدة في كتابه أنّ الفئة المؤمنة قليلة، والفئة الضالة هي السواد الأعظم من الناس، فلا يجب أنْ نتوقع العكس، ولعل جنة الله لم تطلب المزيد بل كانت النار هي الطالبة:
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ  ق 30
ولنتذكر دائماً "أن سلعة الله غالية"، ومن أرادها فهو من يسعى لها ويطلبها، وهو ليس بحاجة لمن يروجها له، فهي أثمن من أنْ يروج لها، ونحن لا نستجديهم أنْ يبحثوا عنها، فنحن هيهات هيهات أنْ ننقذ أنفسنا، ومن أراد أنْ ينقذ نفسه فهو المسئول عن ذلك وليس أحد سواه، فمن واجبي كمسلم أنْ أبلغه ولكن ليس من واجبي أنْ أقنعه، ولو أنّ دعاة هذا الدين اتبعوا هذا المنهج في الدعوة لظهرت العزة لهذا الدين وبهذا الدين أوجها. فنحن نبغي الإنسان الساعي إلى الحقيقة ولا نطلب الإنسان المكابر المفاجر، فآيات الله كما ذكرنا سابقاً يقدمها الله لمن يطلبها من المؤمنين لتكون سبباً في هدايتهم، ويرسلها على المفاجرين على غير طلب منهم لتكون سبباً لهلاكهم.