تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة أصحاب الجنة

قصة أصحاب الجنة

سنتعرض في هذه المقالة للحديث عن قصة أصحاب الجنة كما نفهمها من كتاب الله الكريم. سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا من لدنه علمًا لا ينبغي لأحد غيرنا، إنه هو السميع البصير

أما بعد،

وردت قصة أصحاب الجنة في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

وسنحاول في هذا البحث طرح مجموعة من التساؤلات حول هذه الآيات الكريمة، ظانين أن في جعبتنا ما قد يكون جديدًا عن هذه القصة العظيمة، مؤكدين في الوقت ذاته أن جميع ما سنقوله بعد هذه السطور لا يعدو أن يكون أكثر من افتراءات هي من عند أنفسنا، نحاول أن نبين من خلالها فهمنا الخاص (ربما المغلوط) لهذه الآيات الكريمة، لكننا نظن في الوقت ذاته أن ما سنقدمه قد يكون مما يستحق أن ينظر فيه كوجهة نظر ربما تسترعي انتباه الكثيرين من المهتمين في البحث عن الحقائق بين مفردات الكتاب الكريم.

التساؤلات الرئيسية

- ما هي تلك الجنة التي يتحدث عنها النص القرآني؟

- من هم أصحاب تلك الجنة؟

- كيف كان ابتلاؤهم؟

- لماذا حصل لهم الابتلاء على تلك الشاكلة؟

- الخ

وسنحاول طرح تساؤلات فرعية بعد التعرض لهذه التساؤلات الرئيسية تباعًا، ولنبدأ بالتساؤل الأول، ألا وهو: ما هي تلك الجنة التي يتحدث عنها النص القرآني في هذا السورة العظيمة، وهي سورة القلم.

افتراء رقم 1 (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نفتري الظن من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن تلك الجنة التي تتحدث عنها هذه الآيات الكريمة هي الطائف (المدينة الأقرب إلى مكة). انتهى.

الدليل

لعل الحديث عن هذه الجنّة يتطلب منا العودة إلى قصة نبي الله إبراهيم التي حاولنا تسطير بعض جوانبها في مقالات سابقة لنا. وقد يكون من المفيد للقارئ الكريم أن يبحث بين سطور مقالاتنا القديمة (كقصة لوط وقصة يوسف) عن تفاصيل تلك القصة العظيمة. ولعلنا بحاجة أن نعيد هنا بعضًا من خيوطها الرئيسية، مركزين على جزئية واحدة في تلك القصة، ألا وهي قرار إبراهيم أن يُسكن من ذريته بواد غير ذي زرع عند بيت الله المحرم ليقيموا الصلاة، ثم طلبه من ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذلك المكان (للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان ربنا واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم). قال تعالى:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

وبالفعل أسكن إبراهيم من ذريته (اسماعيل) في ذلك الواد غير ذي الزرع، واستجاب الله لطلبه، فجعل أفئدة من الناس تهوي إلى ذلك المكان. ولكن الملفت للانتباه أن هذا المكان (غير ذي الزرع) كانت تجبى إليه ثمرات كل شيء:

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)

فكان حرمًا آمن يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقًا من لدن عزيز حكيم. ليكون السؤال الآن هو: من أين كانت تجبى ثمرات كل شيء إلى ذلك الحرم الآمن الذي هوت إليه أفئدة من الناس مع من أسكنهم إبراهيم من ذريته هناك؟

رأينا المفترى: لعل من الواجب أن نتفكر في هذا السؤال على مدى الزمان وتقلب السنين والأيام. فذاك كان حرمًا آمنًا لم تنقص الثمرات التي تجبى إليه مهما كانت ظروف الحال على مدى الزمان. ولعل من المنطق أيضًا أن نتفكر بأن المكان الأقرب القابل للزراعة لذاك الواد (غير ذي الزرع) هو منطقة الطائف. فهي منطقة جغرافية وفيرة الغلة من جميع الثمار، وذلك لتوافر عوامل نجاح الزراعة من التربة والمياه والبيئة الجغرافية (كالمناخ الملائم). 

السؤال: كيف حصل ذلك؟

رأينا المفترى: لمّا أسكن إبراهيم من ذريته في ذلك المكان (الواد غير ذي الزرع)، بدأت وفود الحج إلى بيت الله الحرام (نحن نتخيل) تزداد عامًا بعد عام. فنشأ إسماعيل في مكة (في ذلك الواد)، وكان بلا شك الشخص الأبرز فيها، لكن إسماعيل كان يعلم يقينًا بأن ذلك البيت الحرام (الكعبة) هو ملكية عامة للناس أجمعين. فالله هو من جعل الكعبة البيت الحرام قيامًا للناس:


جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)

فما كان إسماعيل سيدّعي ملكية المكان لنفسه (أو لذريته من بعده)، لكن كان عليه (كأمام من ذرية والده إبراهيم) أن يهتم بأمور الحج
 بتأمين المأكل والمشرب للحجيج في كل عام سواء العاكف فيه والباد:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)

فما كان اسماعيل ليصدّ عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، وهو يعلم عاقبه من يلحد فيه بظلم، لأنها ستكون عذابًا من الله يذقه لمن يفعل ذلك.

السؤال: كيف ذلك؟

افتراء 1: لا ملكية خاصة في مكة (خاصة منطقة الحرم)

افتراء 2: لا صدّ عن سبيل الله وعن المسجد الحرام

افتراء 3: يمكن لأي شخص أن يعكف فيه

افتراء 4: يمكن لأي شخص أن يقدم إليه من البادية (أن تكون باد)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: لمّا كان ذلك الواد غير ذي الزرع الذي فيه البيت الحرام قيامًا للناس، فهو إذاً ملكية عامة للناس أجمعين، ولا يحق لمن يعكف فيه أن يدّعي ملكيته، كما لا يحق لمن يأتي من منطقة البدو أن يدّعي ملكيته. 

ويتوجب على كل من يتولى أمر الحجيج هناك أن يوفر لهم الرعاية من المأكل والمسكن والمشرب بالمجان. ليكون السؤال الآن: كيف كان إسماعيل سيوفر ذلك للحجيج؟

رأينا المفترى: لمّا كان إسماعيل (نحن نؤمن) يعلم تمامًا ما يتوجب عليه فعله لمن يقدم إلى تلك المنطقة (غير ذي الزرع)، كان عليه أن يبحث عن منطقة قريبة توفر مصادر الطعام للجميع، فما كان ليجدها (نحن نتخيل) في مكان أفضل ولا أقرب لمكة من الطائف. وهناك (نحن ما زلنا نتخيل) بدأ إسماعيل استغلال عوامل الطبيعة والمناخ لإنشاء أول جنة قريبة من البيت، ليجبي منها ثمرات كل شيء إلى مكة (الواد غير ذي الزرع).

السؤال: كيف فعل إسماعيل ذلك؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية: 

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) 

لوجدنا بأن إسماعيل كان له أهل، وكان يأمرهم بالصلاة والزكاة. ليكون السؤال الرئيس هنا: إذا كان إسماعيل يأمر أهله بالصلاة، فلم كان يأمرهم بالزكاة؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن يقينًا بأن من كان قادرًا على إيتاء الزكاة، فهو شخص مقتدر، ميسور الحال، يملك من المال والطيبات ما يمكن أن ينفق منه، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) 

لاحظ - عزيزي القارئ - أن إبراهيم نفسه قد أسكن من ذريته هناك ليقيموا الصلاة:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

فما جاء ذكر "إيتاء الزكاة" في دعاء إبراهيم هذا مع إقامة الصلاة. وربما يعزى ذلك إلى أن وجود ذرية إبراهيم في ذلك المكان في بدايتها لم يرافقها توافر في الطيبات ليتم الإنفاق منها. لكن ما أن آل الأمر إلى إسماعيل عندما كبر في العمر وأصبح له أهل حتى كان يأمرهم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كان أسماعيل (وأهله من بعده) قادرًا (نحن نفتري الظن) على إيتاء الزكاة وذلك لتوافر الكسب والطيبات عندهم.

السؤال: من أين تحصل لإسماعيل (وأهله من بعده) ما يمكن أن ينفق منه كفريضة إيتاء الزكاة؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا سيرة إسماعيل في ذلك المكان، لربما صحّ لنا أن نفتري الظن بأنه ربما عمل بالتجارة، فتحصل له منها الكسب، لينفق منه. كما لا نستبعد احتمالية أنه قد كان ينفق مما أخرج الله من الأرض من الطيبات. مصداقًا لقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) 

ولكن لمّا كانت أرض مكة واد غير ذي زرع، يمكن أن نفهم أن اسماعيل ربما استغل المنطقة القابلة للزراعة والقريبة من مكة، ألا وهي منطقة الطائف.

لكن يبقى هذا الكلام نظريًا لا دليل حاسم عليه. لذا، نجد من الضروري أن نطرح التساؤل الثاني التالي: من هم أهل إسماعيل الذين كان يأمرهم بالصلاة والزكاة؟

رأينا المفترى: لقد تعرضنا في مقالات سابقة لنا للحديث عن ذرية إبراهيم، فافترينا الظن (من عند أنفسنا) بأنها انقسمت إلى فرعين رئيسيين؛ فكان الفرع الثاني يسكن الأرض التي باركها الله للعالمين، وكانت من نصيب إسحاق (ولد إبراهيم الأصغر)، بينما كانت مكة من نصيب الفرع الأول - إسماعيل (ولد إبراهيم الأكبر).

وزعمنا الظن حيئذ بأن تلك الذرية الطيبة قد تناسلت في خطين متوازيين، فكان لإسحاق ولد هو يعقوب، وكان لإسماعيل ولد هو أيوب على النحو التالي:


وكانت ذرية إسحاق (يعقوب وأولاده) تسكن في الأرض المقدسة، بينما كانت ذرية إسماعيل (أيوب وأولاده) تسكن في مكة. ولما كانا خطا الذرية يسيران بشكل متواز، وجب علينا أن نتخيل بأن أيوب (ولد إسماعيل) قد كانت له ذرية مشابهة لذرية يعقوب (ولد إسحاق). وما دام أن يعقوب قد تحصل له أثنا عشر من الأبناء (من بينهم يوسف)، فإننا نعتقد بأن أيوب قد تحصل له أحد عشر ولد. 

نتيجة مفتراة: كان عدد أولاد يعقوب 12 (يوسف وإخوته)

نتيجة مفتراة: كان عدد أولاد أيوب 11 

ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن بأن السبب في ذلك هو أن يوسف يُعتبر – برأينا - ابن مشترك بين يعقوب (الأب البيولوجي) وأيوب (الأب الاجتماعي). فيعقوب هو من أنجب يوسف (لذا فهو والده وأبوه في الوقت ذاته)، لكن أيوب هو الذي تربى يوسف غلامًا في كنفه حتى اشتد عوده (فكان أبًا ليوسف وليس والدًا له). وليس أدل على ذلك – برأينا- من أن يوسف كان له أبوان (وليس والدان)، وهما الشمس (يعقوب) والقمر (أيوب). قال تعالى:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

وبالفعل تحققت رؤيا يوسف على أرض الواقع، فرفع أبويه على العرش، وخروا له جميعًا سجدًا:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

فتجمع شمل العائلة جميعًا من جديد في أرض مصر تحت لواء يوسف. فكان يوسف هو من ختم ذرية أبيه الأول إبراهيم. فبدأت تلك الذرية بإبراهيم وختمت بيوسف، كما في الشكل التالي:

فتشكلت النجمة السداسية للبيت الإسرائيلي الجديد بهذه الذرية الطيبة. انتهى.

فتكون النتيجة المفتراة من عند أنفسنا والتي نحاول جاهدين أن نصل إليها على النحو التالي:

افتراء 1: كان ليعقوب أحد عشر من الأبناء بالإضافة إلى يوسف

افتراء 2: كان لأيوب أحد عشر من الأبناء بالإضافة إلى يوسف

افتراء 3: كان ليوسف أبوان رفعهما معه على العرش

افتراء 4: بدأ البيت الإسرائيلي الجديد بإبراهيم

افتراء 5: انتهى البيت الإسرائيلي الجديد بيوسف

فهذه الذرية الطيبة قد بدأت بإبراهيم، قال تعالى:

رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء (40)

وانتهت بهلاك يوسف، قال تعالى:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) 

أصبح البيت الإسرائيلي الجديد يتكون من هؤلاء الأنبياء الستة لبني إسرائيل (وذريتهم من بعدهم). وهم الذين سكنوا جميعًا مصر في زمن يوسف، وخرجوا منها في زمن موسى. بينما كان البيت الإسرائيلي القديم يتكون من كل البشرية التي تناسلت من ذرية إسرائيل الذي هو ولد آدم الأصغر الذي قتل أخاه إدريس الأكبر. فكلنا كنا بني إسرائيل منذ بدء الحياة البشرية على الأرض بعد هبوط آدم من الجنة وتناسلنا من ولده القاتل، لكننا تنازلنا عن هذا النسب العرقي، بينما استمرت ذرية إبراهيم الذين سكنوا مصر زمن يوسف بتلك التسمية (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة خاصة سلسلة مقالات لماذا قدم نبي الله لوط بناته بدلًا من ضيوفه). 

ولو تدبرنا ما جاء في كتاب الله بحق نبي الله أيوب، لوجدنا الآيات الكريمة التالية حاضرة على الفور:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ  (44)

إن ما يهمنا طرحه هنا بعد تدبر هذين السياقين القرآنيين هو سؤال واحد: كيف وهب الله لأيوب أهله ومثلهم معهم (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ)؟ من هم أهله ابتداء؟ ومن هم الذين هم مثلهم؟ وكيف كانوا معهم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مثلهم هم أبناء يعقوب عندما تجمعوا كلهم معا تحت لواء يوسف في أرض مصر. فلقد حضر يعقوب (نحن نتخيل) وأبناؤه الأحد عشر كما حضر أيوب وأبناؤه الأحد عشر عند يوسف في أرض مصر، فكان هؤلاء مثل هؤلاء. ولو تفقدنا الجداريات المصرية التي تبين لنا مشهد السجود، لوجدنا أن الأحد عشر ولدًا لأيوب يقابلهم أحد عشر ولدًا مثلهم، ففي حين كان أبناء يعقوب في الواجهة، كان أولئك في الظل. (يمكن للقارئ الكريم – إن شاء- أن ينظر جدارية السجود التي قدمناها في واحدة من مقالاتنا السابقة).

فستجد يوسف يتوسطهم ليصبح حلقة الوصل بين الفرع الأول (فرع إسماعيل وابنه أيوب) والفرع الثاني (فرع إسحاق وابنه يعقوب) من سلالة بني إسرائيل الجديدة التي ابتدأت بإبراهيم وختمت بيوسف في حلقة مباركة لازالت تلك النجمة العظيمة تمثلها إلى يومنا هذا. 

السؤال: كيف حصل ذلك؟

رأينا المفترى: عندما حصلت قصة يوسف مع إخوته، كان لابد (كما افترينا في قصة يوسف سابقا) ليعقوب أن يرسل يوسف بعيدًا عن الأرض التي يسكن فيها إخوة يوسف حتى لا يكيدوا له كيدًا، فما كان من الرجل إلا أن جهز الغلام (يوسف) ليرسله مع إخوته ليرتع ويلعب (كما ظنوا)، لكنه كان يعلم أنهم لا محالة طارحوه أرضًا:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10) 

فما كانت خطة الإخوة لتخفى على شخص كأبيهم يعقوب. فقد كان يعقوب (نحن نظن) يعلم يقينًا أن على يوسف أن يبتعد عن تلك الأرض ليس خوفًا من كيد أخوة يوسف بأخيهم فقط، ولكن لأن يوسف بحاجة أن يتعلم علمًا لا يملكه يعقوب نفسه. وكان يعقوب يعلم يقينًا (نحن نؤمن) من يملك ذلك العلم، ألا وهو (بمفرداتنا الدارجة) ابن عمه أيوب. ولنقرأ ما قاله يعقوب لابنه يوسف عندما أوّل له رؤياه الأولى:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

فهذا يعقوب يعترف تماما بأن الله – لا محالة- سيعلّم يوسف علم تأويل الأحاديث (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ). فما كان منه إلا أن ينزل ظاهريًا عند رغبة أبنائه بأن يرسل معهم يوسف، وهو يعلم يقينًا أنهم لا يستطيعون أن يقتلوه، ولكنهم – لا محالة- طارحوه أرضًا، تنفيذًا للمشيئة الإلهية (على غير علم منهم) بأن يوسف ذاهب ليتعلم ما لم يكن يستطيع والده يعقوب أن يعلمه إياه، ألا وهو علم تأويل الأحاديث. فهو مؤمن بأن الله هو من اجتبى يوسف من بين أبنائه جميعًا ليكون هو صاحب هذا العلم العظيم. فيوسف سيتعلم علمًا يرفعه الله به على الجميع (بمن فيهم أبوه نفسه)، لأن يعقوب كان ذا علم (أي صاحب علم واحد)، ألا وهو علم تأويل الرؤيا:

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68)

نتيجة مفتراة: تحصل يوسف على علم تأويل الرؤيا من والده يعقوب الذي كان يملك ذلك العلم

فيوسف إذًا قد تحصل على علم من أبيه يعقوب وهو علم الرؤيا، كما تحصل أيضًا على علم تأويل الأحاديث من أبيه الثاني أيوب.

نتيجة مفتراة 2: تحصل يوسف على علم تأويل الأحاديث من والده أيوب الذي كان يملك ذلك العلم

فأصبح يوسف عليمًا (أي يحوز على أكثر من علم واحد). وهذا ما جاء على لسانه عندما كلمه الملك:

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

ولما كان يعقوب ذا علم (واحد)، ولما كان يوسف عليم (أكثر من علم واحد)، كان يوسف أعلى مرتبة من أبيه يعقوب، وذلك لأن الله حسم الأمر عندما قال (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ):

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

فكان يوسف (العليم) أرفع درجة من أبيه يعقوب (ذي العلم) - نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ 

فكان علم تأويل الرؤيا هو فقط العلم الذي كان يعقوب قد علّمه لجميع أبنائه بمن فيهم يوسف نفسه، لذا، حذّر يعقوب (الأب) ابنه يوسف من أن يقصص رؤياه على إخوته، لعلمه بأنهم جميعًا قادرين على تأويلها. ولو كان أي من إخوة يوسف (أبناء يعقوب) حاضرًا في أرض مصر عندما حصلت الرؤيا للملك، لاستطاع (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) أن يؤولها لهم كما أوّلها يوسف، وذلك لأن هذا العلم كان راسخًا في أهل بيت يعقوب جميعًا. لكن كان ما لا يعلمه يعقوب نفسه، وما لا يعلمه أبناؤه جميعًا (بمن فيهم يوسف حتى الساعة) هو علم تأويل الأحاديث:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

فكان على يعقوب (نحن ما زلنا نفتري الظن من عند أنفسنا) أن يرسل يوسف إلى من عنده هذا العلم، ألا وهو ابن عمه أيوب. وبالفعل سارت الأمور بالترتيب الإلهي بأن تأتي سيارة لتأخذ يوسف معها بضاعة إلى أرض مصر، وحصل (نحن نتخيل) أن أصاب يوسف المرض والضعف خلال الرحلة، فبعد أن كانت السيارة مستبشرين به يوم أن وجدوه في غيابت الجب:

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

أصبحوا فيه من الزاهدين في مصر، فشروه (أي باعوه بمفرداتنا الدارجة) بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين:

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

وقد افترينا الظن من عند أنفسنا في مقالات سابقة لنا بأن الذي اشتراه من مصر هو رجل من خارج مصر. فالصفقة تمت في أرض مصر (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ)، لكن الذي اشتراه كان من غير أهل مصر:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

فعبارة (مِن مِّصْرَ) هي شبه جملة وصفية لفعل الشراء (أي الشراء تم في مصر)، ولا تصف المشتري (فالمشتري ليس من مصر). وليس أدل على ذلك من قول يوسف لصاحبيه السجن:

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

فقد عاش يوسف فترة طويلة من الزمن بين قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر قبل قدومه إلى مصر. وهي الأرض الأولى التي حصل ليوسف فيها التمكين الأول:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

ثم حصل السجن ليوسف في أرض مصر، وما مكّن له في أرض مصر إلا بعد تعبيره رؤيا الملك:

وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

نتيجة مفتراة: حصل التمكين ليوسف في الأرض مرتين

نتيجة مفتراة: كان التمكين الأول في أرض قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

نتيجة مفتراة: كان التمكين الثاني ليوسف في أرض مصر:

وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

السؤال الأول: ما هي تلك الأرض التي حصل ليوسف التمكين فيها في المرة الأولى؟

السؤال الثاني: من هو ذلك الرجل الذي اشترى يوسف من مصر؟

رأينا المفترى 1: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن التمكين الأول ليوسف كان في مكة (الواد غير ذي الزرع).

راينا المفترى 2: لقد افترينا الظن سابقا (وما زلنا) بأن ذلك الرجل الذي اشترى يوسف من مصر كان ابن عم يعقوب، ألا وهو نبي الله أيوب. وهناك في بيت ذلك الرجل مكّن الله ليوسف في تلك الأرض، وتعلم يوسف تأويل الأحاديث. انظر الآيات السابقة عزيزي القارئ – إن شئت- مرة أخرى:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

نتيجة مفتراة 1: مكن الله ليوسف في تلك الأرض، فأصبح فيها ذو شأن عظيم

نتيجة مفتراة 2: تعلم يوسف علم تأويل الأحاديث في بيت ذلك الرجل على يدي ذلك الرجل

تساؤلات

- أين الدليل على أن الأرض التي حصل ليوسف فيها التمكين الأول كانت مكة؟

- أين الدليل على أن الذي اشترى يوسف من مصر هو نبي الله أيوب؟

- ما هو علم تأويل الأحاديث الذي تعلمه يوسف على يدي ذلك الرجل؟

- كيف عاش يوسف في تلك الأرض؟

- لماذا انتقل يوسف من تلك الأرض إلى مصر؟

- الخ

دعنا نبدأ النقاش في هذه القضايا بالافتراء الخطير جدًا التالي: لما كان أيوب هو من علم يوسف علم تأويل الأحاديث، كان هو من يملك علم العرش. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: للإجابة على هذا السؤال، علينا أن نطرح سؤلًا آخر ألا وهو: من أين حصل يوسف على العرش عندما كان في مصر؟

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

ألم يخرج يوسف من بيت أبيه يعقوب غلاما؟ هل خرج من هناك ومعه ذلك العرش الذي رفع أبويه عليه في نهاية القصة؟

رأينا المفترى: نحن نعتقد جازمين بأن يوسف لم يخرج من بيت أبيه يعقوب غلامًا يحمل معه ذلك العرش، وجلّ ما كان يحمله يوسف معه حينئذ هو جزء من ميراث النبوة الذي كان متوافرًا عند والده يعقوب، ألا وهو قميص النبوة (للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان قصة يوسف).

ليكون السؤال المحوري الآن هو: من أين تحصل ليوسف علم العرش؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن علم العرش (أو لنقل علم تأويل الأحاديث) هو الجزء الآخر من ميراث النبوة لبيت إبراهيم الكبير. فهذا البيت كان فيه الكتاب والملك، قال تعالى:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)

فكان ذلك من نصيب بني إسرائيل جميعًا (بشقيهم: فرع إسحاق وفرع إسماعيل).

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16)

وقد كان الملك العظيم يتمثل (نحن نظن) بالقميص والعصا، وكان ذلك من نصيب إسحاق وذريته. وكان الكتاب والحكمة من نصيب إسماعيل وذريته، وتجمع كل ذلك مرة أخرى بيد يوسف في أرض مصر، فكان له الكتاب والحكمة والملك العظيم. 

السؤال: كيف حصل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأن إبراهيم عندما اتخذ قراره بأن يفصل بين ولديه إسماعيل وإسحاق، ترك إسحاق الصغير في الأرض المباركة للعالمين، وأودع عنده ميراث الحكم والملك (القميص والعصا)، وأسكن إسماعيل في واد غير ذي زرع عند بيت الله الذي جعله حرمًا آمنًا، فأودع عنده الكتاب والحكمة. 

السؤال: ما هو علم الكتاب والحكمة؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآيات الكريمة التالية، لربما استطعنا أن نتخيل مقدار العلم الموجود في ذلك الكتاب، قال تعالى:

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)

إذا كان من عنده علم من الكتاب (جزء من علم الكتاب) قد استطاع أن يجلب العرش لسليمان قبل أن يرتد إليه طرفه، فما بالك بمن كان عنده الكتاب كله؟ فهل تستطيع أن تتخيل عزيزي القارئ – إن شئت طبعًا- ما يستطيع أن يفعله من كان عنده علم الكتاب كله؟ من يدري!!

نعم، لقد كان أيوب (ولد إسماعيل) يملك ذلك الكتاب، ومنه تعلم يوسف علم تأويل الأحاديث، وكانت الوسيلة في ذلك هو العرش (لمعرفة رأينا بما هو العرش ندعوك عزيزي القارئ الكريم – إن شئت- أن تطلع على مقالتنا تحت عنوان: ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته – باب العرش).

إن ما يهمنا طرحة هنا هو أنه مادام يوسف هو من ختم حلقة ذلك البيت الإبراهيمي (بيت بني إسرائيل الجديد)، فقد حاز من جديد على كل ميراث النبوة الذي قسمه أبوه إبراهيم مناصفة بين ولديه إسحاق وإسماعيل عندما باعد بينهما. 

السؤال: كيف كان أيوب هو من أشترى يوسف من مصر؟

رأينا المفترى: لما كان الكتاب في حيازة أيوب، كان هو من يعلم علم تأويل الأحاديث، فكان مطلعًا على مجريات الأمور عن كثب في كل ما كان يحصل في الشق الآخر من بيت بني إسرائيل الجديد (في الأرض المباركة)، فقد كان هذا النبي الكريم يتابع مجريات ما يحصل في بيت يعقوب، وكان يرى بأم عينه (بالعرش الذي عنده) ما بدر من أبناء يعقوب تجاه أخيهم يوسف الذي آثره الله عليهم جميعًا. وما أن خرج يوسف في تلك الرحلة من الأرض المباركة إلى أرض مصر حتى انطلق الرجل ليحضره من أرض مصر. فالعرش هو ما يطلعك على ما يحصل من مجريات الأمور حتى لو كانت بعيدة عنك، وليس أدل على ذلك مما كان يعلمه يوسف من مجريات الأمور خارج أسوار السجن حتى وهو حبيس فيه، قال تعالى على لسان يوسف:

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

فيوسف يعلم ما يحصل خارج أسوار السجن، ونحن نفتري الظن بأن ذلك كان متوافرا له بسبب علم تأويل الأحاديث الذي يتحقق بوجود العرش. 

ولو دققنا فيما كانت تملك تلك المرأة في سبأ، لوجدنا أنها كانت تعلم ما يجري من أحداث عند سليمان قبل أن يأتي الهدد سليمان بخبرها، قال تعالى:

قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34)

فالمرأة كانت تعلم ما يفعل سليمان وجنوده إذا ما دخلوا قرية في الوقت الذي لم يكن سليمان يعلم خبرها، ونحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن وسيلتها في ذلك هو امتلاكلها للعرش العظيم:

إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)

(للتفصيل حول مفردة العرش، انظر مقالاتنا السابقة تحت عنوان قصة يوسف و ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: العرش (أو علم تأويل الأحاديث) يمكنك من الاطلاع على ما يجري من أحداث حتى لو كانت بعيدة عنك مكانيًا. انتهى.

عودة على بدء،

كانت حكمة الله قد قضت بأن يصيب يوسف التعب والضعف من تلك الرحلة الطويلة من البدو في الأرض المباركة إلى مصر، وما أن وصل يوسف (الغلام) إلى سوق مصر حتى كانت السيارة فيه من الزاهدين، وما كان الغلام ليكون بضاعة ذات قيمة في عيون من حضر السوق حينئذ، فجاء أيوب المتابع لتحركات يوسف من خلال العرش، واشترى الغلام بدراهم معدودة، لأن السيارة كانوا فيه من الزاهدين. فاصطحب الغلام (نحن لا زلنا نتخيل) معه، وقفل عائدًا إلى بيته خارج أرض مصر، وهناك طلب من امرأته أن تكرم مثواة لسببين هما:

- عسى أن ينفعهما، أو

- أن يتخذاه ولدًا

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

ليكون السؤال الآن هو: كيف يمكن لهذا الغلام أن ينفع ذلك الرجل وامرأته؟ ولماذا كان من الممكن (عَسَى) أن يتخذاه ولدًا؟

رأينا المفترى: إن أول ما يمكن أن نفتريه في هذا الصدد هو أن العلاقة بين هذا الرجل وامرأته تلك لم تكن بأحسن حال، بدليل أن الخطاب القرآني قد وصفها على أنها امرأته وليس زوجته. فامرأة الرجل هي من كان بينها وبين بعلها علاقة غير سوية تشوبها المشاكل العائلية (للتفصيل حول هذه القضية انظر مقالاتنا السابقة في ثلاثية المرأة وقصة خلق عيسى). وليس أدل على ذلك – براينا- من أن الوصف ذاته (عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا) قد جاء في وصف العلاقة بين فرعون وامرأته عندما جاءهما موسى غلامًا صغيرًا:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

(للتفصيل حول هذه القضية نحيل القارئ الكريم – إن شاء – إلى مقالاتنا تحت عنوان قصة موسى).

السؤال: ما الذي سبب سوء العلاقة بين هذا الرجل وامرأته؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن امرأة هذا الرجل لم تكن توافق بعلها أيوب على كل ما كان يفعل. فالرجل (نحن نتخيل) كان (كـ نبي) يقوم بواجبات كثيرة يظن أنها واجبة عليه شرعًا، لكن امرأته كانت لا توافقه على كل تلك الأفعال ربما لغريزة بشرية انثوية في نفسها، فقد كانت (نحن نتخيل) تفضل أن تظفر بنصيب الأسد من الخير الذي كان عند بعلها، في حين كان هو ينفق كثيرًا من هذا الخير على الناس كواجب ديني. فسبب ذلك (نحن نتخيل) حالة من عدم الانسجام التام بين المرأة وبعلها حينئذ. ولا ننسى أن أيوب قد طلب منها أن تكرم مثوى الغلام ليس فقط ليصلح العلاقة المتشنجة بينها وبعلها، ولكن أيضا ليتخذاه ولدًا. فعدم وجود الذرية قد يسبب نوعا من تشنج العلاقة بين الرجل وامرأته ولو بعد حين. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: لما كان أيوب هو وريث اسماعيل الشرعي والوحيد، كان عليه أن يقوم بواجبه الديني تجاه الحجيج القادمون في كل عام إلى بيت الله الحرام، فكان ينفق كثيرًا من الطيبات التي كانت وافرة عنده في رفادة حجاج بيت الله الحرام. 

السؤال: من أين كان يتأتى لذلك النبي الكريم كل تلك الطيبات؟ كيف كان يستطيع أن يتكفل برفادة جميع الحجاج إلى بيت الله الحرام في كل عام؟ ما مقدار الثروة التي كانت بين يده حينئذ؟ وما هي مصادر تلك الثروة التي لابد أنها كانت (نحن نتخيل) كبيرة جدًا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن تلك الطيبات التي كانت تجبى إلى الحرم الآمن هي من طيبات ما أخرج الله في تلك الجنة القريبة من مكة (الطائف). وهي الأرض التي استغلها والده إسماعيل، فأصبحت جنة، فكانت خيراتها (طيباتها) تنفق على المساكين في الواد غير ذي الزرع، على العاكف فيه والباد. 

الدليل

لنعد الآن بهذا الفهم المفترى من عند أنفسنا إلى قصة الجنة تلك وما حلّ بها من عذاب عندما أقسم أصحابها ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون، ثم نرى ما ستؤل إليه النتائج في نهاية البحث بإذن الله وتوفيق منه.

قال تعالى:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

دقق عزيزي القارئ الآن - إن شئت - في هذه الآيات الكريمة. لنطرح حولها جملة من التساؤلات التي تحتاج إلى إجابات تشفي ظمأ المتعطش للعلم الذي انطوت عليه، نذكر منها:

- لماذا جاء تفصيل قصة هذه الجنة وما حل بها في كتاب الله؟ فهل كانت هي الجنة الوحيدة التي حلّ بها العذاب الإلهي؟ هل كل من أقسم ليصرمن جنته ويمنع عنها المساكين يحلّ بها ما حل بهذه الجنة؟ الخ.

- كيف كان ذلك ابتلاء؟ 

- من هم أصحاب تلك الجنة؟ وما الذي يميزهم عن أصحاب الجنات الأخرى؟ وما خصوصية أن يحل بهم هم على وجه التحديد العذاب؟ ولماذا ابتلاهم الله على ذلك النحو؟

- لماذا أقسموا (قسمًا) ليصرمنها مصبحين؟ فهل كانوا سيجنون ثمار تلك الجنة كلها بتلك السرعة قبل أن يدخلها عليهم المساكين؟ فكم من الوقت استغرقهم ليحصلوا على ثمرها قبل أن يحضر المساكين؟ وبكلمات بسيطة: كم كان حجم تلك الجنة؟ هل كانت جنة صغيرة الحجم أم جنة كبيرة الحجم؟

- لماذا أقسموا أن لا يستثنون؟

- كيف غدو على حرثهم؟ وكيف كانوا صارمين؟ 

- كيف طاف عليها طائف من ربك؟ ولماذا كان ذلك طائف وليس عذابًا من نوع آخر؟ وما هو الطائف الذي طاف عليها من ربك؟

- كيف أصبحت كالصريم؟ وما هو الصريم أصلًا؟

- كيف غدو على حرد قاردرين؟ وما هو الحرد أصلًا؟ وكيف (ومتى) تكون على الحرد قادرًا؟

- كيف انطلقوا وهم يتخافتون؟ ولماذا كانوا يتخافتون؟

- لماذا عندما رأوها قالوا بأنهم ضالون؟

- لماذا وصفوا أنفسهم بعد ذلك أنهم محرومون؟

- لماذا أخذوا جميعًا بعد ذلك يتلاومون؟

- لماذا انبرى أوسطهم على وجه التحديد ليلومهم على فعلتهم؟ ومن هو أوسطهم ذاك؟ ولماذا لامهم على عدم تسبيحهم؟ ولماذا كانوا من قبل لا يسبحون؟ وما علاقة عدم تسبيحهم بما حلّ بجنتهم من العذاب؟

- لماذا اعترفوا بذنبهم وأقروا بأنهم كانوا طاغين؟ فكيف كان طغيانهم من قبل هذا؟

- لماذا عادوا ليدعو ربهم أن يبدلهم خيرًا منها؟ وكيف أصبحوا إلى ربهم راغبين؟ وهل فعلًا أبدلهم ربهم خيرًا منها؟

- ولماذا انتهت القصة بوصف العذاب في الدنيا على تلك الشاكلة؟ ولماذا بينت أن عذاب الآخرة هو أكبر؟ وما علاقة هذا كله بالعلم؟

- الخ

سنحاول فيما تبقى من هذه المقالة تسطير افراءتنا حول هذه القصة العظيمة في كتاب الله، سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يزدنا علما، ونعوذ به وحده أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو العليم الحكيم.

أما بعد،

إن أبسط الاستنباطات التي يمكن أن ننطلق بالنقاش منها هنا هو الظن بأن أصحاب الجنة هم مجموعة من الأشخاص، ينتمون إلى عائلة واحدة بدليل ملكيتهم لجنة واحدة، وأن عددهم فردي بدليل وجود أوسطهم، فالأوسط بين المجموعة هو الذي يقسم المجموعة الواحدة إلى قسمين متساويين يكون هو الحد الفاصل بينهما. لذا سنتجرأ على الظن بأن عددهم كان أحد عشر شخصًا، وكان أوسطهم هو صاحب الرقم (6). فتكون هناك مجموعتان كل مجموعة تتكون من خمسة أشخاص على النحو التالي:

وهؤلاء هم – برأينا – أبناء نبي الله أيوب. وقد كان أيوب (كما كان يعقوب) متزوجًا (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) بثلاثة من النساء، أنجبت أحداهما خمسة من الأبناء، وأنجبت أخرى خمسة من الأبناء، وأنجبت الأخرى ولدًا واحدًا. فكان هذا الولد هو الأوسط بينهما، لأنه لم يكن (نحن نرى) لينحاز إلى فئة على حساب فئة أخرى، فهو يشبه إلى حد كبير الأخ الآخر ليوسف الذي كان يحبه يعقوب بالإضافة إلى يوسف يوم أن وصف الإخوة حب أبيهما ليوسف وأخيه:

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8)

ولما لم يكن لأيوب من الأبناء ولدًا آخر كيوسف، كان هذا الولد (أوسطهم) من بينهم جميعا هو الأقرب لأبيه، لأنه كان الحلقة الأضعف بين الأبناء. فكان بمثابة العقل الأكثر اتزانًا بين إخوته جميعًا. 

ولا يجب أن ننسى كذلك أن الوسط هو الذي يمثل نقطة الإلتقاء والحل بين طرفين متنافرين متباعدين. فأنت عندما تكون وسيطًا في خصام، فإنك تحاول تقريب وجهات النظر بين الطرفين المتخاصمين. ولما كنا نحن أمة وسطًا، كنا نحن الشهداء على الناس:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (143)

فوسطية هذه الأمة وشهادتها على الناس تتمثل بامتلاكها المعلومة الصحيحة، بدليل أننا أهل القرآن الذي يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه مختلفون:

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)

فعندما يختلف بنو إسرائيل في شيء، يأتي دورنا كأمة تحمل رسالة هذا القرآن لتقص عليهم نبأ الذي هم فيه مختلفون.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الوسط هو الذي يتخذ موقف المصالحة بين طرفين متخاصمين، فيكون صوته هو صوت العقل والحكمة. 

لذا، نحن نفتري الظن بأن أوسط أصحاب الجنة، كان هو صوت العقل الذي كان على الدوام يدعوهم جميعًا إلى أن يسبحون. لكنهم لم يكونوا ليحملوا قوله لهم محمل الجد، فما كانوا مسبحين.

السؤال: لماذا لم يكونوا مسبحين؟ ولماذا جاء عذابهم على تلك الشاكلة لأنهم لم يكونوا مسبحين؟ فما علاقة عدم التسبيح بوقوع العذاب؟ وهل يكفّ التسبيح وقوع العذاب؟ 

رأينا المفترى: انظر عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق القرآني الذي يصف قصة أصحاب الجنة من هذا المنظور مرة أخرى، وركز على قول هذا الذي هو أوسطهم كيف يصف سبب ما حلّ بجنتهم:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

إن أبسط ما يمكن أن نفهمه من قول أوسطهم أنه كان يطلب منهم أن يسبحون، لكنهم لم يكونوا مسبحين، بل كانوا ظالمين:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)

التساؤلات مرة أخرى: لماذا كان يطلب منهم أوسطهم من قبل أن يسبحون؟ ولماذا لم يكونوا يسبحون؟ وما علاقة عدم تسبيحهم بما حلّ بجنتهم؟

رأينا المفترى: إن أول ما يجب أن نبحث فيه هو معنى التسبيح. لنطرح السؤال المباشر التالي: ما هو التسبيح؟ وكيف يمكن أن تكون أنت (أو أكون أنا) من المسبحين؟ ومتى يمكن أن لا تكون أنت (أو لا أكون أنا من المسبحين)؟

رأينا المفترى: إن أول ما يمكن أن نطرحه هنا عن التسبيح هو الافتراء الخطير جدا التالي: التسبيح سبيل النجاة من العذاب. انتهى.

الدليل

يمكن لنا أن نتخيل حجم الكارثة التي حلّت بيونس وهو في بطن الحوت، ونستطيع أن نتخيل مقدار صعوبة الخروج منها حينئذ، لكن كان تسبيحه في سابق الأيام هو الذي نجّاه من ذلك المأزق بالرغم من شدته، قال تعالى:

فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)

ولو دققنا في النص القرآني جيدًا، لوجدنا أن الذي لا يسبح هو مستكبر:

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38)

فتكون النتيجة المفتراة هنا هي على النحو التالي: إما أن تسبح بحمد ربك فتكون من الناجين فلا يصيبك عذاب منه، أو تكون من المتسكبرين فيحل بك العذاب غير مأسوفًا عليك.

(دعاء: اللهم أنت ربي، لا شريك لك، أدعوك وحدك أن أكون من المسبحين من عبادك – إنك أنت السميع البصير). 

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

لوجدنا على الفور أن التسبيح منفصل عن عبادة الله كما أنه ليس السجود. فهناك عبادة (عِبَادَتِهِ)، وهناك تسبيح (وَيُسَبِّحُونَهُ) وهناك سجود (وَلَهُ يَسْجُدُونَ). وإن كانت كلها خالصة لله وحده.

ولو تدبرنا الآيات الكريمة التالية:

تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)

لوجدنا بأن التسبيح شيء مختلف عن الاستغفار وعن الصلاة. 

والتسبيح فعل تقوم به الملائكة:

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (75)

فحتى الذين يحملون العرش (ومن حوله) لا ينقطع تسبيحهم بحمد ربهم:

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7)

والآية الكريمة ذاتها ترشدنا إلى أن التسبيح يختلف عن الإيمان الاستغفار للآخرين (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا).

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن تسبيح ما في السموات والأرض ومن عند الله غير منقطع، فهو مستمر بالليل كما في النهار:

وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)

ونجد كذلك الرعد يسبح بحمد ربه:

وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ (13)

وكذلك الجبال والطير:

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)

اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (17) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ (19)

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)

هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (1)

يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)

وقد لا نفقه تسبيح هذه المخلوقات:

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)

لكن السؤال المباشر الآن هو: هل نستطيع نحن أن نكون نحن دائمي التسبيح بلا انقطاع؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات الكريمة التالية، لوجدنا أنه مطلوب منا أن نسبح بحمد ربنا في أوقات معينة، قال تعالى

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)

إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لربما حق لنا أن نفتري القول بأن التسبيح يمكن أن تقوم به في أي وقت من الليل أو النهار. ولو دققنا في الآيات الكريمة التالية:

وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)

فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (98)

لوجدنا أن التسبيح له علاقة بارتكاب الذنوب، كما أنه مرتبط ارتباطًا مباشرًا بالسجود. 

السؤال: ما فائدة التسبيح؟

رأينا المفترى: نحن نعتقد جازمين بأن التسبيح هو الذي يدفع العذاب الإلهي عن الناس. فالذي يكون من المسبحين، لا يمكن أن يقع عليه العذاب من الله، كما أنه سيجد الله معه عندما يحتاجه في وقت الشدة (إن هو وقع بها) كما حصل مع ذي النون مثلًا. فالذي أنقذ ذا النون من أن يلبث في بطن الحوت إلى يوم يبعثون هو أنه كان من قبل من المسبحين:

فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)

السؤال: أين يمكن أن يحصل التسبيح؟

راينا المفترى: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في هذه الآية الكريمة:

فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)

لتجد أن البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه هي مكان مثالي ليقع فيها التسبيح بالغدو والآصال

ولا شك عندنا أن التسبيح يحمل معنى نفي الإشراك بالله، فلا آلهة أخرى مع الله:

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

ويكون التسبيح دائما باسم ربنا العظيم:

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74)

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

ولو دققنا في رد أصحاب الجنة على قول أوسطهم، لوجدناهم على الفور يقولون بملء الفيه:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)

ليكون السؤال الآن هو: ما الفرق بين المسبح والظالم؟

رأينا المفترى: لو جلبنا جميع الآيات الكريمة التي ترد فيه مفردة "سبحان"، لوجدناها كلها تفرد الأمر كله لله، فلا تجعل معه شريكًا. قال تعالى:

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (116)

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ (100)

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ ۚ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10)

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)

قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)

قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)

أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ ۙ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ (57)

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا (93)

وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108)

مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ۖ سُبْحَانَهُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۚ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (26)

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ ۚ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)

وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)

قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)

فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)

فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)

قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (41)

سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (36)

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159)

سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180)

لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

لِتَسْتَوُوا عَلَىٰ ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)

سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82)

أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43)

هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23)

قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أبسط معاني التسبيح هو إفراد الفضل في كل شيء لله (فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ)، فلا تتخذ معه شريكًا من دونه (سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ). فكل من أشرك مع الله من دونه في شيء، فهو إذا ليس من المسبحين. فالله هو الذي خلقنا، وهو الذي رزقنا، وهو الذي يميتنا ثم يحيينا، ولا يستطيع من أشركوهم مع الله أن يفعل من ذلكم من شي: 

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ۖ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيْءٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (40)

لذا، فهو وحده مستحق التسبيح، وهو وحده من يستحق أن نقر له بذلك. انتهى.

لنعد بهذا الفهم المفترى من عند أنفسنا إلى قصة أصحاب الجنة. فلقد كان أوسطهم يحثهم على أن يسبحون، فينسبوا فضل كل ما عندهم من الطيبات هو من فضل الله وحده، فما كانوا يفعلون. ولكن كان يظنون (نحن نتخيل) أن ما عندهم من الرزق ليس من الله وحده، بل ربما نسبوا الفضل في ذلك إلى من هم من دون الله (كأنفسهم مثلًا)، فما كانوا إذاً من المسبحين. وهذا ما لامهم أوسطهم عليه:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)

وعندما أدركوا سوء ما فعلوا، ما كان منهم إلا أن يعودوا إلى رشدهم، ليدركوا أن التسبيح هو وحدة الكفيل برفع العذاب عنهم، لا بل وإبدالهم خيرًا من جنتهم. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في تتمة السياق القرأني ذاته:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)

ولو تدبرنا هذا النص جيدًا، لوجدنا بأن بعضهم قد أقبل على بعضهم الآخر يتلاومون. ليكون السؤال هو: لماذا كانوا يتلاومون؟

رأينا المفترى: لو بحثنا عن مفردة "يتلاومون" ومشتقاتها في النص القرآني، لوجدنا السياق التالي على الفور:

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

ولوجدنا على الفور أن الملاومة تحدث بعد نفاذ الحيلة، أي "بعد ما يقع الفاس بالراس" (كما يقول المثل الشعبي). فما فائدة التلاوم وهم فيها يصطرخون. إن ما يهمنا قوله هنا أن أصحاب النار قد حاولوا إلقاءاللائمة على الشيطان، فحاولوا أن يلوموه لأنهم ربما اعتقدوا أنه هو من أوقعهم في هذا المصير المهلك، لكن الشيطان وإن لم ينفي ضلوعه في ذلك، لكنه دافع عن نفسه بالقول بأن جل ما فعله هو أنه قد دعاهم فاستجابوا له (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). فلا داع أن يلوموه وليلموا أنفسهم (فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم).

ولو حاولنا فهمنا مفردة اللوم، لربما صح لنا أن نقدم الافتراءات التالية:

- اللوم يكون في حالة وجود ما هو سوء

- اللوم يجب أن يكون تبادليا بين طرفين

- اللوم يتحمل فيه كلا الطرفين جزءًا من المسئولية

- اللوم لا يمكن أن تقع المسئولية عند حصوله على طرف واحد

- اللوم يكون فيه الطرف الأول مرسل والطرف الآخر مستقبل

- اللوم يكون فيه الطرف الأول داعيًا للسوء

- اللوم يكون في الطرف الثاني متقبلة نفسه لدعوة الطرف الأول

- اللوم يحصل بعد فوات الأوان

- الخ

ولو حاولنا إسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) 

لوجدنا بأن بعضهم قد لام بعضهم الآخر (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ)، ربما لنفهم من ذلك بأن بعضهم هو من كان محرك الفعل كله (كالشيطان الذي دعى من اتبعه)، لكنه لا يتحمل وحده وزر ذلك كله، لأنه ببساطة قد دعاهم فستجابوا له. ولو لم يكونوا متقبلين راغبين فيما دعاهم إليه، لما وافقوه على ما دعاهم إليه. فهناك إذا محرضّ على السوء، وهناك متقبل لتلك الدعوة، فلا يوجد هناك بريء يستطيع أن يظن بأنه لا يد له في ذلك، بل هم جميعًا شركاء فيما آلت إليه الأمور. 

تلخيص ما سبق

كان بعض أصحاب الجنة قد أطلق/أطلقوا الدعوة بين إخوته بأن يصرموا جنتهم فلا يدخلوا عليها فيها المساكين، ووجد أن دعوته هذه قد لاقت آذانًا صاغية عند البعض الآخر، فتقبلوها جميعًا باستثناء أحدهم وهو أوسطهم الذي كان يحثهم على التسبيح، لكن كان صوت شيطان الإنس (حينئذ) فيهم عاليًا، وكانت أنفسهم الأمارة بالسوء طاغية، فقرروا أن يقوموا بهذه الفعلة. وعندما وجدوا عاقبة سوء ما صنعوا، بدأوا يتلاومون، لكن لم يستطيع أحد منهم أن يتملص من المسئولية، فكانوا جميعًا ملومين. 

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

لوجدنا أن الله قد طلب منا جميعًا الاعتدال في الإنفاق، فلا يجب أن نجعل يدنا مغلولة إلى أعناقنا ولا يجب أن نبسطها كل البسط، لأن النتيجة ستكون على نحو أن نقعد ملومين محسورين (فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا). فتكون هناك ملامة (مَلُومًا) وتكون هناك حسرة (مَّحْسُورًا). ولو دققنا في الآية الكريمة أكثر، لربما جاز لنا أن نقسمها إلى قسمين على النحو التالي:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ...

وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ...

ليكون السؤال هو: لماذا هذه التجزئة؟ ما فائدة تدبر الآية الكريمة على هذا النحو؟

رأينا المفترى: لو دققنا في عاقبة ذلك، لوجدنها على نحو حصول نتيجتين اثنتين: ملومًا محسورًا. ليكون الافتراء الذي نحاول أن نجهد للوصول إليه هو على النحو التالي:

افتراء 1: من جعل يده مغلولة إلى عنقه ستكون النتيجة على نحو أن يكون ملومًا

افتراء 2: من بسط يده كل البسط ستكون النتيجة على نحو أن يكون محسورًا.

فتصبح الصورة على النحو التالي:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ ... فَتَقْعُدَ مَلُومًا 

وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ ... فَتَقْعُدَ ... مَّحْسُورًا

فالذي يجعل يده مغلولة إلى عنقه سيقع عليه فعل اللوم، لأن ذلك يمكن أن يكون سببًا في هلاك كل ما يملك، وستكون نفسه من الأنفس الشح:

إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)

والذي يبسط يده كل البسط، ستأتي – لا محالة- اللحظة التي سيتحسر فيها على ما كان بعد نفاذه.

ولو حاولنا اسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة، لوجدنا أنهم كانوا يتلاومون، وذلك لأنهم غلوا أيديهم إلى أعناقهم، وقرروا أن لا يدخلنّها اليوم عليهم مسكين، ولا يستثنون. وانظر – عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق القرآني كله عن أصحاب الجنة مرة أخرى:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

تلخيص ما سبق: كان أصحاب الجنة يملكون من الطيبات الكثير، لكنهم كانوا ممن جعلوا أيديهم مغلوة إلى أعناقهم، فقرروا أن لا ينفقوا منها شيئا للمساكين، وكان سبب ذلك أنهم لم يكونوا من المسبحين، فما نسبوا الفضل في كل الخيرات التي بين أيديهم لله وحده، وربما ظنوا أن من حقهم التصرف فيما يملكون كيفما يشاءون. وقد كان بعضهم هو المحرك لهذا الفعل، فأطلق دعوته للآخرين، فتقبلوا تلك الدعوة وذلك لأن نفوسهم كانت أيضًا راغبة في ذلك، وكان يستثنى من بينهم جميعًا أوسطهم الذي كان يحثهم من قبل على أن يكونوا من المسبحين، فما وجد قوله لهم صدى في أنفس إخوته التي كانت من الأنفس الشح. فكانت النتيجة أن يحصل السوء الذي لا شك سيجعل بعضهم يقبل على بعضهم الآخر، فيتلاومون. 

ولو تدبرنا السياق أكثر، لوجدنا أن عذابهم كان ابتلاء، فجاءت الآية الأولى التي تصور حالهم على هذا النحو:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) 

ليكون السؤال الأول هنا هو: لماذا كان ذلك ابتلاء؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية:

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)

لوجدنا على الفور أن البلاء يكون بشيء من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات. أليس كذلك؟ ولو حاولنا إسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة، لوجدنا أن مشكلتهم الأساسية تتمثل في نقص الثمرات، ذهاب جنتهم حتى أصبحت كالصريم، أليس ذلك؟ 

فبلاء إبراهيم - مثلًا - كان بنقص الأنفس (ذبح ابنه):

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106) 

وكذلك كان بلاء بني إسرائيل تحت حكم فرعون:

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) 

نتيجة مفتراة: كان بلاء أصحاب الجنة هو نقص الثمرات فقط، أي ذهاب جنتهم بأكملها حتى أصبحت كالصريم:

فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) 

السؤال: كيف أصبحت كالصريم؟

رأينا المفترى: لو دققنا في السياق ذاته، لوجدنا بأن أصحاب الجنة قد أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون. انظر الآيات السابقة في سياقها الأوسع:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)

ليكون السؤال الآن هو: كيف كانوا سيصرمونها مصبحين؟

رأينا المفترى: ربما ظن العامة من الناس، مدفوعين بتأويلات أهل الدراية من قبلنا، بأن أصحاب الجنة قد عزموا على جني ثمار جنتهم قبل أن يصل إليهم المساكين في صبيحة ذلك اليوم. وهذا الظن نرفضه جملةً وتفصيلًا، لأن هذا يعني أن جنتهم كانت جنة صغيرة الحجم ربما لا تنبت إلا نوعًا واحدًا من الثمار قد حان موعد قطافه في يوم من الأيام. لكننا نفتري الظن من عند أنفسنا بأن جنتهم كانت كبيرة جدًا في الحجم، وفيها من كل الثمرات التي لا يمكن أن تؤتي أكلها جميعًا في يوم واحد بعينه. فما الذي خطط له أصحاب الجنة أن يفعلوه في صبيحة يوم واحد قبل أن يدخلها عليهم المساكين؟

رأينا المفترى: دقق عزيزي القارئ في السياق القرآني كله الذي يصف قصة أصحاب تلك الجنة، لتجد بأنهم كانوا عازمين على منع المساكين من دخول جنتهم:

... فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) 

لذا، علينا أن نفكر بهذه القصة على نحو أن مخطط أصحاب الجنة كان محاولتهم القيام بعمل واحد فقط من شأنه أن يمنع دخول المساكين جنتهم بعد ذلك اليوم. فما هو ذلك العمل؟

جواب مفترى: لقد خطط أصحاب الجنة أن يصرموا جنتهم ولا يستثنون. انتهى:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)

السؤال: كيف كانوا سينفذون ذلك؟ أي كيف كانوا سيصرمون جنتهم ولا يستثنون؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أصحاب الجنة قد كانوا يخططون أن يعملوا ما يشبه السور (السياج) حول جنتهم، من شأنه أن يحجز المساكين عن دخولها من أي جهة، فما استثنوا شيئًا منها خارج ذلك السور (السياج). فهم إذاً يريدون أن يحجزوا المساكين عن كامل ثمار تلك الجنة. ولا يبقوا من ذلك إلا مدخلًا واحدا صغيرا لأخراج التالف من الثمار منه. فصاحب الجنة التي تنبت الطيبات من الثمار يحاول أن يأخذ منها كل ما هو طيب، ثم يرمي بكل ما خبث منها خارجها (مكب نفاياتها). ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) 

لوجدنا أنها قد جاءت الدعوة الإلهية جليًّة بالإنفاق من طيبات ما رزقنا الله، وأن لا نتيمم الخبيث منه بالإنفاق.

ولو حاولنا إسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة، لربما صح لنا أن نفتري الظن بأن أصحاب الجنة قد اتخذوا قرارهم بحيازة طيبات تلك الجنة كلها لأنفسهم، ولا يخرجوا منها إلا ما خبث من خلال تلك الفتحة البسيطة. ويكأن لسان حالهم يقول "سنمنع المساكين من وصول الجنة وطيباتها جميعاً، لكننا سنرمي لهم بالفضلات (الخبائث) من خلال فتحة بسيطة جدًا". 

ولو تدبرنا تلك المفردة "يصرمون" ومشتقاتها جيدا، لوجدنا أن الناس مازالوا يستخدمون هذه المفردة بهذا المعنى. فالإنسان يأكل الطيبات، ويتخلص من الخبائث بالتغوط من خلال فتحة الشرج التي يطلق عليها الناس (خاصة نحن الأردنيين) مصطلح "الصرم". فهذه ليست أكثر من المكان الذي تخرج منه فضلات الجسم بعد أن تكون من الخبائث.

وها هم قوم لوط يعملون الخبائث:

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74)

لو دققنا جيدًا فيما كان يفعله أولئك القوم الفاسقين، لوجدنا أنهم كانوا يأتون الذكران من العالمين:

أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُم بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166)

فالعلاقة الجنسية بين الذكران (وترك ما خلق الله لهم من الأزواج) تتم من خلال تلك الفتحة الشرجية (الصرم). فكانوا بذلك ممن يعملون الخبائث (مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ).

ولو دققنا في مثل هذه المفردات الشعبية، لوجدنا أننا نحن الأردنيين (منصوبة على الاختصاص) نستخدم مفردة "الصرماية" للدلالة على الحذاء (النعل). وخاصة إذا استخدمتها الأم لتاديب أبنائها في البيت بالإضافة إلى بعض القاطنين هناك. ما علينا! 

السؤال: لماذا نسميها صرماية؟

رأينا المفتر: نحن نظن أنها تسمى كذلك من مبدأ الإحاطة، فالحذاء الذي يكون "صرماية" يحيط بكاحل الشخص الذي ينتعلها كما يحيط السوار بالمصعم. 

ولو تدبرنا مفردة "العام المنصرم"، لوجدنا أنه منصرم لأنه أكمل ما يشبه الحلقة الكاملة بعد أن انتهى من حيث بدأ. فأنت تبدأ بـ 1-1- 2019 مثلا، وتنتهي بـ 31-12-2019. فيكون بذلك حلقة كاملة، لكن عام 2019 كله بالنسبة لنا الآن في 2020 هو عام منصرم. 

تلخيص ما سبق: اتخذ أصحاب الجنة قرارهم بأن يمنعوا المساكين من الوصول إلى طيبات جنتهم، فقرروا أن يجعلوا حولها سورًا (سياجًا) يمنع المساكين من الوصل إلى حرثهم. ولكنهم في الوقت ذاته، اتخذوا القرار بأن لا يتركوا للمساكين إلا ما خبث منها من خلال فتحة واحدة صغيرة، فكان ذلك صرمًا لجنتهم:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18)

ولو دققنا في النص جيدًا، لوجدنا بأن أصحاب الجنة كانوا صارمين:

أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)

وعندما يكون الشخص صارمًا، فهو إذاً مصر على موقف واحد لا يتزحزح عنه، والقرار الصارم هو الذي يجب تنفيذه تحت جميع الظروف والأحوال، ولا يترك مجالًا مفتوحًا لقرار غيره. فعندما يصدر القرار الصارم حسب قانون الدفاع بحضر التجول مثلًا، فإن هذا القرار يجب أن ينفّذ بحذافيره، فلا يترك مجالاً للناس للاختيار. فالصرامة تكون بإبعاد جميع الخيارات الأخرى وتبني خيارًا واحدًا فقط يتوجب على الجميع الالتزام به بقوة القانون. ولو حاولنا إسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة، لوجدنا بأن قرارهم بأن يصرموا جنتهم ولا يستثنون كان قرارًا محسومًا بالنسبة لهم جميعًا (باستثناء أوسطهم الذي لم يكن ليستطيع صدهم عما سيفعلون في ذلك اليوم).

السؤال: إذا كانوا هم قد قرروا أن يصرموها (بمعنى يعملوا عليها سياجا)، فكيف أصبحت جنتهم كالصريم بالطائف الذي طاف عليها من ربهم؟

فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن تلك الجنة كانت بمكان مرتفع، وكانت لها أبواب للدخول إليها من جهات متعددة، وكانت هناك مسالك (طرق) تؤدي إلى تلك الابواب. لكن لما كانت خطتهم على نحو أن يصرموا جنتهم بإغلاق الأبواب جميعا، جاءها الطائف من ربك، فصرمها وهم نائمون، أي أحاطها بالإغلاق من جميع الجهات، فما عادت الطرق إلى تلك الأبواب سالكة، فتهدمت كل جوانبها، فما عادوا أنفسهم قادرين على الوصول إليها. 

السؤال: هل كان بمقدورهم أن يعملوا ذلك السياج كله في صبيحة يوم واحد قبل وصول المساكين؟

راينا المفترى: نعم. كانوا يستطيعون لك؟

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بما أنها كانت أصلا جنة، فهي كانت (نحن نتخيل) محاطة بالسور (السياج) من قبل، لكن كان تلك الجنة أبواب مشرعة على الدوام لدخول المساكين إليها. فما كان أصحاب الجنة إذا سيفعلون في صبيحة ذلك اليوم (قبل قدوم المساكين) غير إغلاق الابواب جميعا. انتهى.

السؤال: أين الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الجنة (أي جنة) لابد أن يكون لها أبواب. فحتى جنة الخلد الأبدية لها أبواب:

جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (50)

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)

فمن يدخل الجنة، يدخلها من بابها. فهذا الرجل دخل جنته وهو ظالم لنفسه:

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) 

فمن أين سيدخلها من غير بابها؟ نحن فقط نتساءل.

وهذا يعقوب يطلب من أبنائه أن يدخلوا مصر من أبواب متفرقة:

وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67) وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68)

السؤال الأخير: ما علاقة مفردة "ليصرمنها" بمفردة مصر؟

رأينا المفترى: مادام أن مصر لها أبواب، ومادام أن مصر كانت جنة الله على الأرض، جاءت المقارنة بين أصحاب الجنة (محور حديثنا هنا) بما حلّ بفرعون وقومه في أرض مصر (التاريخ)، فقد حصل لهم ابتلاء مشابه لما حصل لاصحاب الجنة. وانظر عزيزي القارئ -–إن شئت - قصة اصحاب الجنة في سياقها الأوسع:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

ألا تجد أنها قد جاءت لتمثيل ما حصل بمن وسمه الله على الخرطوم بما حصل مع أصحاب الجنة؟

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: ما حل بالخرطوم (عاصمة السودان) من العذاب بسبب فرعون يشبه تمامًا ما كان قد حل بالطائف (أصحاب الجنة). وهذا ما سنناقشة إن شاء الله في مقالة قادمة متى ما أذن الله لنا بذلك. فالله وحده أدعوه أن علمني ما لم أكن أعلم، وأن يهديني لاقرب من هذا رشدا، وأن يزدني علما، إنه هو العليم الحكيم.

عودة على بدء 

السؤال: لماذا قرر أصحاب الجنة ذلك في ذلك اليوم على وجه التحديد أن يصرموا جنتهم؟ لم لم يتخذوا القرار من قبل؟ 

رأينا المفترى: لأنهم غدوا على حرد قادرين:

وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) 

السؤال: كيف كانوا في ذلك اليوم على وجه التحديد على حرد قادرين؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لو دققنا في هذه الآية الكريمة جيدًا، لربما صح لنا أن نفتري الظن بأنهم لم يكونوا قادرين على حرد قبل هذا اليوم. لأنه كان هناك (نحن نتخيل) ما يمنعهم أن يقدروا على ذلك من قبل. ليكون السؤال الآن هو: ما الذي كان يمنعهم أن يغدوا على حرد قادرين قبل هذا اليوم؟ وما الذي جعلهم قادرين على ذلك في ذلك اليوم؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا: نحن نفتري الظن بأن الذي كان يمنعهم أن ينفذوا مخططهم هذا قبل ذلك اليوم هو والدهم أيوب نفسه. فلقد كان والدهم يمنعهم أن يصرموا تلك الجنة، لأنه كان هو صاحب الجنة، القادر على القيام بتدبير كل طيباتها بالطريقة التي كان يراها الأمثل حينئذ. فهو يرى (محقًا) أن تلك الجنة هي من فضل الله وحده، فكان الرجل – لا شك عندنا - من المسبحين، الذي يشكر نعمة الله عليه بالإنفاق منها على المساكين. فلم تكن يده مغلولة إلى عنقه، ولم يكن ليبسط يداه كل البسط، فما كان ملومًا ولا محسورًا. ولما كان هذا الرجل ما زال قادرًا على تنفيذ قراره رغمًا عن رغبة أبنائه، كان هو من يصدهم عن تنفيذ مخططهم. ولكن لا شك أن الأبناء (نحن ما زلنا نتخيل) قد تحينوا فرصة ضعف والدهم، فأصبحوا هم أصحاب القرار في ذلك، وآلت ملكية الجنة لهم، فكانوا هم أصحابها. 

الدليل

لو تدبرنا قصة أيوب جيدًا، لوجدنا بأن الرجل قد مسه في وقت ما من حياته عذاب من الشيطان:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ  (44) 

فلا شك إذا أن أيوب (في فترة من عمره) قد مسه الضر، وكان الشيطان هو من مسه بنصب وعذاب، فما عاد (نحن ما زلنا نتخيل) قادرًا على القيام بأعباء جنته. فما كان منه إلا أن يلزم الفراش كشخص يعاني من الضر ومن مسه الشيطان بنصب وعذاب. وفي هذه الأثناء آل – برأينا المفترى من عند أنفسنا- أمر الجنة كلها والقيام عليها إلى أولاده، فأصبحوا على حرد قادرين.

ولو دققنا في مفردة الحرد، لربما صح لنا أن نفتري الظن بأن لها علاقة بطبيعة العلاقة بين الأشخاص. فأنت عندما تعمل شيئا يغضبني، فأنت قد اخترت أن اتخذ أنا منك موقفًا معاديًا، وربما يتسبب ذلك في قطع العلاقة بيني وبينك. وما زلنا حتى يومنا هذا نصف المرأة التي يغضبها زوجها بـ "الحردانة". فهي حردانة، لأن زوجها (أو بعلها) قد تصرف بطريقة ما أدت إلى أن تغضب منه وربما تقطع جسور العلاقة الطبيعية معه. وأنا قد أحرد منك بسبب تصرفك معي بطريقة أغضبتني، وهكذا.

ولو تدبرنا مفردة الحرد جيدا، لوجدنا بأنها لازالت تستخدم في الفرنسية (aride) والإنجليزية (arid) بمعنى الأرض القاحلة شحيحة الماء (والغيث). ولو حاولنا تجميع هذا المعنى مع ذاك، لوجدنا أن الجفاف هو ما يجمعهما. فعلاقة "الحرد" بين الأشخاص تؤدي إلى جفاف العلاقة بين الطرفين بسبب طرف منهما، وهو الطرف الذي عزم على قطع العلاقة مع الطرف الآخر.

ولو حاولنا إسقاط ذلك على قصة أصحاب الجنة، لربما صح لنا أن نتخيل بأن الأولاد لم يكونوا قادرين على أن يغضبوا والدهم في فترة قوته وتحكمه بناصية الأمور، ربما لأن العواقب قد تكون كارثية عليهم لو أنهم فعلوا. لذا حاولوا (نحن نتخيل) مجاراته قدر المستطاع حتى آلت الأمور إلى أيديهم، وهناك (نحن نفتري الظن) انتهزوا الفرصة، فما عادت رغبة أبيهم في الإبقاء على الجنة مفتوحة للمساكين لترضيهم مهما كلفت الأمور. فقروا تجفيف العلاقة معه، ليحكموا هم بزمام الأمر غير آبيهين باستمرار العلاقة الطبيعية معه. ولعل هذا ما يحصل في الحياة الطبيعية في كل العائلات الراقية. فعندما يكون الأب مقتدرًا متحكمًا يخفت صوت الأبناء خوفًا من ردة فعل والدهم التي يمكن أن تكون قاسية عليهم لو أنهم خالفوا رغبته. لكن عندما يصيب الوالد الضعف بالمرض مثلًا، فإن رأي الأبناء (مدعومًا برغبة الأم إن كانت على غير وفاق مع بعلها) سيعلو فوق صوت الأب الذي ضعف، فما عاد قادرًا على اسكات أصواتهم كما كان يفعل في سابق الأيام. 

ولا ننسى أن امرأة أيوب لم تكن على وفاق تام معه، بدليل أنه عندما جلب يوسف إلى بيته طلب منها أن تكرم مثواه عسى أن ينفعهم أو يتخذوه ولدًا.

السؤال المربك: كيف تقول لنا – يسأل صاحبنا - أنه قد طلب من امرأته أن تكرم مثوى يوسف من أجل أن ينفعهم أو أن يتخذوه ولدا وهو أب لأحد عشر ولدًا (كما تزعم هنا)؟ ألا تجد أن قولك هذا يناقض بعضه بعضًا؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. وذلك لأننا الآن أمام عدة سيناريوهات محتملة، سنحاول طرح أبرزها، ثم نحاول اتخاذ القرار في واحدة منها - بحول الله وتوفيق منه - بعد نهاية النقاش في ها الباب. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو العليم الحكيم. 

أما بعد،

السيناريو الأول: أن أيوب كان ما زال شابًا يافعًا عندما أحضر يوسف من مصر، ولم يكن له ولد بعد. وتحصلت له الذرية بعد أن أحضر يوسف إلى بيته. ولما كانت العلاقة بينه وبين امرأته متشنجه اتخذ قراره بالزواج بغيرها، فكان له من الأبناء من أكثر من امرأة واحدة. وحصل كل ذلك بعد اتخاذه يوسف ولدًا. 

السيناريو الثاني: أن أيوب كان له ذرية، لكن كان على علاقة غير متصالحة معهم، بسبب موقفهم من الجنة، فكان قادرًا على أن يتخذ قراره بمنعهم عن السيطرة على الجنة، فسبب الخصام بينهما، فما كان منه إلا أن يبعدهم عن البيت، ويتفرغ هو بذاته (مع يوسف) لإدراة شؤون الجنة. فاتخذ يوسف ولدًا له في غياب أبنائه جميعًا عنه. 

السؤال: أي السيناريوهات هو الأمثل؟

رأينا المفترى: إذا سلمنا بأن أيوب قد هو من اشترى يوسف من مصر وهو من أحضره إلى بيته، فإننا على يقين بأنه حيثما حل يوسف (الغلام) وجدت المشاكل ووجدت في الوقت ذاته الحلول لمشاكل عظيمة. وهذا يدعونا إلى تقديم الافتراءات التالية:

- وجود يوسف في مكان ما يسبب المشاكل

- وجود يوسف في مكان ما يحل مشاكل عظيمة

فلقد كان يوسف – نحن نرى- هو محرك المشاكل التي نشبت بين يعقوب وأبنائه في الزمان المنصرم. وكان يوسف هو محرك المشكلة في بيت العزيز، وهو محرك مشكلة النسوة اللاتي راودنه عن نفسه في المدينة. وكان يوسف هو محرك دخول الفتيان معه السجن، وهكذا. والسبب في ذلك هو أنه حيثما حل يوسف في مكان، كان هناك شخص رئيسي يقع حب يوسف في قلبه، فيكون سبب مشاكل لمن حوله. فيعقوب هو من أحب يوسف، فحرك بذلك غيرة إخوة يوسف نحوه. وامرأة العزيز هي التي وقعت في حب يوسف في قلبها، فكان ذلك سبب دخوله السجن، والنساء اللاتي راودن يوسف عن نفسه، كن هن السبب في بقائه في السجن سنين عددا. وهكذا.

وبالقابل، كان يوسف نفسه هو سبب انفراج العلاقة التي كانت متشنجة بين يعقوب وأبنائه في نهاية القصة، وكان هو سبب حل المشكلة بين امرأة العزيز وزوجها، وكان هو من حل مشكلة مصر كلها عندما أول للملك رؤياه، وهكذا. وكان يوسف (نحن سنفتري القول الآن) هو سبب حل مشكلة يعقوب في العقم. انتهى. 

لذا، نحن نتخيل أنه في اليوم الذي جلب أيوب يوسف إلى بيته، ازدادت مشاكله مع أهل بيته، لكن كان أيوب يعلم أن واجب تعليم يوسف هو من المصلحة الأعلى للبيت الإسرائيلي كله، لعلمه (بما عنده من علم الكتاب) بمكانة هذا الغلام المستقبلية. لكن ابنائه لم يكونوا ليرتاحوا لوجود يوسف بينهم، ومعاملة والدهم المميزة له على حسابهم.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن أيوب عندما أحضر يوسف إلى بيته، اتخذه ولدًا، فجعله القائم على شؤون جنته كله، مستبعدًا جميع أبنائه عنها. ولا شك عندنا أن مثل هذا الفعل من أيوب قد اثار حفيظة الأبناء على والدهم، لكن قوة أيوب واقتداره على تنفيذ قراره، جعل الأبناء غير قادرين على اتخاذ قرار يمكن أن يسبب غضب (حرد) والدهم. فما كانوا قادرين على حرد قبل هذا اليوم الذي ضعف فيه أيوب وأصابه المس من الشيطان. فقد كان الرجل بكامل قوته البدنية والذهنية، وكان يوسف ذراعه الأيمن في العمل في الجنة. وهناك في تلك الجنة علّم أيوب يوسف علم تأويل الأحاديث (العرش). وهناك تعلم يوسف علم الزراعة التي استفاد منها بما تحصل له من الخبرة فيها بعد ذلك في أرض مصر عندما حصلت رؤيا الملك. فيوسف لم يؤول لهم الرؤيا فقط، ولكنه دلهم أيضا على الحل الزراعي الأمثل للخروج من الأزمة كلها بأقل الخسائر الممكنة، أي بالطريقة الأمثل:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) 

السؤال: من أين حصل يوسف على تلك الخبرة الزراعية بحفظ المحاصيل فترة طويلة من الزمن؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن خبرة يوسف السابقة في جنة أبيه أيوب كانت هي – برأينا- السبب فيما تحصل له من معرفة بطريقة التعامل مع المحاصيل الزراعية فترة طويلة من الزمن. ولو تدبرنا قول يوسف للملك، لوجدنا أنه ينطوي على أمرين اثنين، وهما:

- طريقة حفظ المحاصيل فترة طويلة من الزمن (أي التخزين)

- طريقة توزيع تلك المحاصيل وصرفها على مستحقيها طوال فترة الحاجة.

السؤال: كيف اكتسب يوسف هذه الخبرات العملية؟

رأينا المفترى: لمّا كان يوسف هو القائم الرئيسي على جنة أيوب، كان يعلم تمامًا أن مهمته أيضا تكمن في تخزين تلك المحاصيل أطول فترة ممكنة من الزمن، لتسد حاجة كل الحجيج إلى البيت الحرام. كما كان يعلم (نحن نرى) كيف يجب توزيعها بمقدار على الجميع. فهو إذا يملك الخبرة في التخزين والتوزيع. وهذا ما أشار به على الملك للخروج من الأزمة التي ستقع بها كل مصر في القادم من الأيام.

السؤال: لماذا ترك يوسف يعقوب وذهب إلى مصر؟

رأينا المفترى: لمّا كان يوسف هو من قام على أمر جنة أبيه أيوب فترة طويلة من الزمن، ما كان من أبناء أيوب (يوم أن بلغوا أشدهم) إلا أن بدأوا يشعرون بالغيرة من وجود يوسف بينهم. ولما كان أيوب مدافع بكل ما أوتي من قوة عن يوسف وعن جنته أمام أطماع أبنائه، حصل الخلاف بين الأب والأبناء. فكيف سيتصرف يوسف في هذه الأثناء؟

رأينا المفترى: لما كان يوسف قد حصل على علم تأويل الأحاديث، ولما كان قد حصل على الخبرة الزراعية الكافية للعمل فيها في مكان آخر، ولما وجد أن أولاد أبيه أيوب الحقيقين قد بلغوا مبلغ الشباب وأنهم قد أصبحوا يستطيعون إدارة أملاك والدهم، ولما كان يوسف لا يرغب في مزيد من الانهيار في علاقة الوالد بالأولاد، قرر أن يتخلى عن ذلك الموقع وينطلق لإتمام مهمته في أرض أخرى، فما كان ليجد أفضل من مصر لينطلق في دعوته إلى الله فيها. فلقد ذهب يوسف إلى الأرض التي وطأت قدما أبيه الأول إبراهيم عندما حاججه الذي آتاه الله الملك:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) 

فلقد كان ذلك الملك هو مؤسس الدولة المصرية حينئذ. وكان هو من حاج إبراهيم في ربه. فبالرغم من أن إبراهيم قد قدّم له البراهين على بطلان دعواه، إلا أنه لم يتقبل دعوة إبراهيم إلى الله. فاستمر الكفر سائدًا في تلك البلاد، فذهب يوسف (نحن نرى) ليتم المهمة التي لم يوفق بها أبوه الأكبر إبراهيم، ألا وهي نشر رسالة التوحيد في أرض مصر. وبالفعل نجح يوسف في ذلك، فانقلبت مصر من بلاد الكفر إلى بلاد التوحيد، فدخلها بنو إسرائيل آمنين حتى حصل الإنقلاب الفرعوني على الحكم الملكي الذي كان بنو إسرائيل أحد أهم ركائزه. فجاء الحكم الفرعوني ليسومهم سوء العذاب. وما تخلص بنو إسرائيل من العذاب المهين إلا عندما أرسل الله موسى وهارون، فكانت مهمة موسى تتمثل بإخراج بني إسرائيل من مصر إلى ألارض المقدسة:

حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)

السؤال: لقد زعمت سابقًا أن يوسف كان سببًا في حل مشكلة أيوب بالعقم، فكيف ذلك؟ يسأل صاحبنا مستغربًا.

رأينا المفترى: لو دققنا في النص القرآني الخاص بقصة أيوب، لوجدنا الآيات الكريمة التالية:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43)

ولو حاولنا تدبر هذه الأيات جيدًا، لوجدنا اللفظ قد جاء على صيغتين فيما يخص ذرية هذا الرجل الصالح. فلقد جاءت تارة بلفظ الوهب:

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43)

وجاءت تارة أخرى بلفظ الإتيان:

وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى: لقد افترينا القول في أكثر من مقالة سابقة لنا، بأن الذرية إذا جاءت بلفظ الوهب، فإن ذلك يعني أن الشخص يعاني من مشكلة في الإنجاب فما تحصلت له الذرية إلا هبة من الله. فهذا إبراهيم يحصل على الذرية هبة:

الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39)

فمادام أن الرجل قد تقدم به العمر، فهذا يعني أن الحصول على الذرية بالطريقة الطبيعية ربما قد اصبح صعب المنال، فجاءته الذرية هبة من الله. وكذلك كان داوود الذي وهب الله له سليمان، وكذلك كان زكريا الذي دعا الله أن يهب له ذرية طيبة بعد أن عجز أن ينالها بالطريقة الطبيعية، فكان له ما أراد بيحيى. وكذلك كان المسيح لمريم هبة من الله. وهكذا. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة).

لكن المتدبر لسيرة هؤلاء الصالحين من عباد الله، سيجد على الفور أن جميعهم كانوا مقلين في الإنجاب، فكانت الذرية تتحصل لهم بالهبة. باستثناء شخص واحد من بينهم جميعا، ألا وهو يعقوب الذي كانت له ذرية كثيرة. فكان له أحد عشر ولدا بالإضافة ليوسف. فكيف تحصل يعقوب على هذه الذرية الكثيرة؟ ولماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا أغرب من الخيال نفسه: إنه القميص. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

راينا المفترى: لما كان يعقوب يملك إرث النبوة من القميص والعصا، لم يكن مؤهلًا أن يلبس ذلك القميص، لأنه ببساطة من حق شخص واحد هو ولده يوسف، الذي سيكون قائد بني إسرائيل أجمعين. لكن هذا لا يمنع أن الرجل قد اكتسب بركة ذلك القميص، فبحيازته لذلك القميص (دون لبسه)، اكتسب الرجل من القوة الكامنة فيه. فذلك القميص كان هو طاقة الإنجاب الذي كان يتوجب على آدم أن يستخدمها بالنفخ في فرج زوجه لينجب منها بطريقة الخلافة. لكن إذا ما لبس الشخص ذلك القميص، فإنه لا يستطيع الإنجاب بطريقة الملك (التكاثر الجنسي). وهذا كان – برأينا – سبب هلاك يوسف. فمادام أن يوسف قد لبس القميص، فإنه لن ينجب بطريقة جنسية، فهلك:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)

لذا، نحن نفتري أن قدوم يوسف مع أيوب (ومعه ذلك القميص) كان سببًا في حل مشكلة ايوب الجنسية. فأيوب لم يكن مؤهلًا للبس القميص، لكنه اكتسب منه (كما اكتسب ابن عمه يعقوب) تلك الطاقة الرهيبة الكامنة فيه. فكان انجابه لأبنائه هبة من الله، بما أنعم الله عليه من مجيئ يوسف إلى بيته (حاملًا ذلك القميص). 

وبالفعل ما أن قدم يوسف إلى بيت يعقوب، حتى بدأت مشكلة الرجل في الإنجاب تنحل، فكانت له ذرية كثيرة من الأبناء. فتحصل له أحد عشر من الأبناء كابن عمه يعقوب (بالإضافة إلى ابنه يوسف). وقد كان يوسف يكبر أبناء أيوب جميعًا في السن، فكان قائمًا على تلك الجنة مع أبيه أيوب حتى اشتد عود أبنائه. ولما بلغ أولئك الأولاد مبلغ الفتية، حتى شعر يوسف بأنه ما عاد له مكان بينهم خصوصًا مع نشوب بوادر الخلاف بينهم وبين والدهم أيوب على سياسته في تلك الجنة. فاختار يوسف الابتعاد عن المكان حتى لا يكون سببًا في تأزم العلاقة بينهما.

لكن ما أن غادر يوسف بيت أبيه أيوب حتى بدأت مشاكل أيوب الصحية تتوالى، فكان مس الشيطان حاضرًا، فأصابه المرض، وآلت إدارة شؤون الجنة إلى الأبناء، فغدوا على حرد قادرين.

ولكن لو حاولنا تدبر الآية الأخرى التي تتحدث عن ذرية أيوب، لوجدناها قد جاءت بلفظ الإتيان:

وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82) وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) 

ولو تدبرنا هذه الآيات على وجه التحديد، لوجدنا أن إتيان أيوب الأبناء قد جاء مصاحبًا لمثلهم معهم (وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ). ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

لو تدبرنا مفردة الإتيان على وجه التحديد، لوجدنا بأن الإتيان يكون لاستحقاق طبيعي، فمن أوتي الكتاب، فهو قد استحقه بطريقة طبيعية، وهكذا. فعندما حصلت قصة أصحاب الجنة، وأدرك الأبناء سوء ما خططوا، وعلموا الحكمة التي كان من أجلها يدخل والدهم المساكين تلك الجنة، رجعوا إلى أنفسهم وأقروا بأنهم كانوا ظالمين:

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)

فهنا أصبح الأبناء ليس فقد ابناء بيولوجيين تربطهم بوالدهم رابطة الدم فقط، وإنما رابطة العقيدة أيضا. فكان الله هو من منّ على أيوب بأن آتاه أبناءه بعد أن ضلوا بعد أن كان قد وهبهم له بعد أن كان عاجزًا عن انجابهم. فكان ابناءه هبة من الله وإتيان منه كذلك. لا بل وزادت منة الله بأن كان مثلهم معهم (أبناء يعقوب)، يوم أن تجمعوا جميعًا تحت لواء يوسف في أرض مصر. 

وسنتحدث بتفصيل أكثر عن بقية قصة أيوب في مقالات قادمة متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه فيها. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يهديني لأقرب من هذا رشدًا، وأن يزدني علمًا، إنه هو العليم الحكيم

السؤال الآخير: لماذا زعمت (يسأل صاحبنا) بأن الطائف هي المنطقة التي كانت بها تلك الجنة؟

رأينا المفترى: دقق عزيزي القارئ الكريم – إن شئت- في السياق القرآني ذاته مرة أخرى:

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) 

ألا ترى أن عذاب الله الذي أصاب تلك الجنة قد تم بطريقة الطواف؟ ألم يطف عليها طائف من ربك فأصبحت كالصريم؟

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا (لا تصدقوه إن شئتم): لمّا كان أصحاب الجنة عازمون أن يصرموا جنتهم، أي أن يقيموا عليها سورًا (أو لنقل سياجاً) يمنع المساكين من دخولها، كان العذاب الإلهي من جنس ما خططوا. فعذاب الله الذي وقع على تلك الجنة قد أصاب (نحن نفتري القول) المنطقة التي تحيط بجنتهم والتي كان من المفترض أن يقيموا عليها ذلك السياج الذي كان سيمنع المساكين من دخولها، فحدود العذاب الإلهي هو ذلك السياج الذي كان عازمون على تشييده. فكما خططوا أن يحصنوا المنطقة بسياج حول الجنة ولا يستثنون، جاء العذاب، فصرم الجنة بأكملها ضمن حدود ذلك السياج الذي كانوا عازمين على تشييده. لذا كانت ردة فعلهم الأولى عندما وصلوا للمكان على النحو التالي:

فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26)

فلقد ظن أصحاب الجنة عندما اقتربوا من حدود جنتهم بأنهم قد ضلوا الطريق إليها، لهول ما أصابها ولدقة العذاب الذي وقع عليها، فما تجاوز العذاب الإلهي حدود جنتهم قيد أنملة. لكن ذلك لم يكن ليمنعهم أن يعرفوا أنها فعلًا جنتهم التي وقع عليها العذاب. فجاء قولهم بعد ذلك مباشرة:

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)

نعم لقد أقروا أنها فعلا جنتهم، وأن الله قد حرمهم منها لما مكروا فيها. فأقروا بذنبهم، فاستغفروا ربهم، ولم يعدموا رحمة الله (كذرية مؤمنة) بأن الله سيبدلهم خيرًا منها. وبالفعل، أبدلهم الله خيرًا منها، فعادت تلك المنطقة (الطائف) جنات يانعة، وبقي الاسم معروفًا حتى يومنا هذا. إنها الطائف.

السؤال: هل تعلم - عزيزي القارئ الكريم- لم تسمى تلك المنطقة بالطائف؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أنها تسمى الطائف، لأنها هي منطقة أصحاب الجنة التي طاف عليها طائف من ربك، فظلت في وجدان القاطنين هناك محفوظة بالاسم حتى وإن نسوا قصتها الأولى. 

فها نحن نذكر أهل الطائف بقصة مدينتهم عسى أن تبقى هي الجنات التي تنفق من خيراتها على الحجيج إلى بيت الله الحرام. داعيًا الله وحده أن لا ينزل العذاب عليها من جديد، مادام أهلها لا يحرمون المساكين حقهم فيها. أما من يمكرون بالبيت العتيق (ونحن بإذن الله نعرفهم)، فنحن على العقيدة التي مفادها أن ذلك هو بيت الله، وأن الله لن يدع شياطين الإنس والجن يعبثون به. فمهما أحاطوه بالرافعات، فسوف تنهار فوق رؤسهم، ومهما حاولوا زعزعة بنيانه المرصوص، فالله وحده كفيل أن يهزمهم شر هزيمة. وسيعود البيت بإذن الله إلى القواعد التي رفعها إبراهيم وسينكشف سقفه، وسندخله بإذن الله آمنين محلقين رؤسنا ومقصرين، وسنقيم به شعائر الله كما فصلها لنا في كتابه الكريم رغم أنف كل الذين يصدوننا عن سبيله. فالله وحده نسأل أن ينفذ مشيئته لنا بحج البيت له وحده. إنه هو العزيز الكريم، انتهى. 

وللحديث بقية بإذن الله.

سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته لنا الإحاطة بشي من علمه في ذلك كل، علمًا لا ينبغي لأحد غيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانًا نصيرًا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو الواسع العليم. وأخيرًا، فالله خير حفظًا وهو أرحم الراحمين. 



المدكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان & محمد معتصم مقداد 

بقلم: د. رشيد الجراح

27 آذار 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق