قصة سبأ

قصة سبأ 

سنتعرض في هذه المقالة الجديدة لقصة سبأ كما جاءت في الآيات الكريمة التالية: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22)

سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يزدنا علمًا، إنه هو العليم الحكيم. 

أما بعد، 

تعرضنا في المقالة السابقة لقصة أصحاب الجنة. وافترينا الظن من عند أنفسنا بأن تلك جنة كانت متواجدة في مدينة الطائف، كما ظننا (ربما مخطئين) بأن أصحابها هم أبناء نبي الله أيوب (ولد إسماعيل الذي أسكنه الله في ذلك الواد عند بيت الله الحرام). كنا قد زعمنا القول من عند أنفسنا بأن يوسف هو من كان قائمًا عليها فترة من الزمن، وأنه قد اكتسب الخبرة الزراعية التي استفاد منها عندما انتقل إلى مصر من هناك. ويستطيع المهتم بالموضوع الرجوع إلى تلك المقالة ليقرا التفاصيل فيها. لكن ما يهمنا من تلك القصة هنا هو شيء واحد، ألا وهو أن بيان تلك القصة قد ورد في كتاب الله لإجراء مشابهة لها بما حدث لقوم آخرين من بعدهم. وأن هؤلاء القوم اللاحقين قد أصاب أرضهم وديارهم مثل ما أصاب أرض أصحاب الجنة من البلاء. ولننظر مرة أخرى في تلك الآيات لنحاول الخروج باستنباطات مفتراة من عند أنفسنا عن أولئك القوم الذين أصاب ديارهم مثل ما أصاب أصحاب الجنة من قبل. قال تعالى: 

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) 

ليكون السؤال الرئيسي هنا هو: من هم أولئك الذين وقع عليهم البلاء الذي يشبه البلاء الذي وقع على أصحاب الجنة؟ 

إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) 

جواب مفترى خطير جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن القوم الآخرين (المكذبين) الذين أصاب جناتهم مثل ما أصاب جنة أصحاب الجنة هم قوم سبأ. انتهى. 

الدليل 

لو دققنا في قصة أصحاب الجنة في سياقها الأوسع، لوجدنا أن الآيات التي سبقتها هي الآيات الكريمة التالية: 

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) 

السؤال: من هم أولئك المكذبون؟ ومن هو ذاك الهماز المشاء بنميم الذي كان مناعًا للخير معتد اثيم، عتل بعد ذلك زنيم، الذي وسمه الله على الخرطوم؟ وما علاقة هذا الرجل بأولئك المكذبين؟ 

رأينا المفترى: لقد افترينا الظن في الجزء السادس من مقالتنا تحت عنوان "فقه الزكاة" بأن هذا الشخص هو فرعون الذي جاءه موسى بالرسالة. (للتفصيل انظر عزيزي القارئ – إن شئت- ذلك الجزء من المقالة). 

نتيجة مفتراة: إن صحّ افتراؤنا هذا، فإن أول استنباط يمكن أن نفتريه هنا هو أن السياق القرآني الذي يبين التشابه بين ما حصل مع أصحاب الجنة هو تشابه مع ما حصل قوم مكذبين، هو - برأينا - القوم الذين ورثوا لأرض من بعد فرعون في مصر التاريخية. ولو دققنا في السياق السابق لوجدنا أنه بالرغم أن الحديث قد جاء عن شخص واحد (ألا وهو – برأينا- فرعون)، لكن البلاء كان لجمع من الناس بدليل تغير اللفظ من المفرد إلى الجمع عند الحديث عن البلاء. دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في التناوب في استخدام الضمير من المفرد إلى الجمع: 

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) 

فالبلاء في ذهاب الطيبات لم يقع على شخص فرعون ولكن على قوم (مجموعة من الناس)، بدليل مفردة (بَلَوْنَاهُمْ). فمن هم أولئك الذين حصل لهم البلاء كالذي حصل لأصحاب الجنة من قبلهم؟ 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه كما تم بلاء أصحاب الجنة (بذهاب طيبات جنتهم) قد تم كذلك تدمير جنة قوم لهم علاقة – برأينا- بفرعون في أرض مصر. فلقد أصاب أولئك القوم مثل ما أصاب جنة أصحاب الجنة، فهو البلاء ذاته المتمثل بنقص الثمرات. 

وهنا نحتاج أن نستذكر افتراء قديم لنا مفادة أن أرض مصر هي نفسها سبأ. فمفردة سبأ هي التي تحورت مع تقادم الأيام إلى "شيبة" ثم "طيبة"، وأخير أصبحت مصر. (للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته وسلسلة مقالات فقه الزكاة وقصة يونس وقصة موسى). وهذا التحور في اللفظ ليس مفاجئًا، فلقد حرفت كثير من الألفاظ على ذلك النحو. ولا يسعنا إلا أن نستذكر هنا مثلًا مفردة فلسطين المحرفة أصلًا (نحن نرى) من مفردة سنين، ففلسطين هي ذاتها سينين: 

وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) 

وسنتعرض لهذه الجزئية في مقالات قادمة بإذن الله. أما ما يهمنا هنا هو القول بأننا قد حاولنا في تلك المقالات تسطير افتراءتنا بما يتعلق بتحديد جغرافية مصر القديمة (التاريخية). وافترينا الظن من عند أنفسنا بأن منطقة الأهرامات هي أرض عاد التي أهلكها الله بالريح الصرصر العاتية التي غمرت منطقة الهرم (إرم) فما تبقى منها إلا ما بقي ظاهرًا فوق تلك الرمال من قمم الأهرامات التي هي كالجبال (الأوتاد). وكان فرعون هو من علم سر تلك الأهرامات، فاستفاد منها لكي يعلو في الأرض: 

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) 

فكانت حضارة عاد قائمة في شمال مصر التاريخية (وهي مصر الحديثة)، بينما كانت حضارة ثمود في ذلك الواد (وادي النيل) عند منطقة المحرقة التي خطط فرعون للقضاء على بني اسرائيل فيها يوم حصلت المواجهة بين موسى من جهة وفرعون (ممثلًا بسحرته) من جهة أخرى (انظر سلسلة مقالات الحج إن أردت تحديد المنطقة على الخارطة الجغرافية الحديثة). وكان فرعون هو الذي استفاد من العلم العظيم الذي شُيّدت عليه تلك الحضارتان العظيمتان. فكان هو ذو الأوتاد (وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ). 

إن الغرض من هذه المقدمة كلّها هنا هو تسطير الافتراء التالي: إن أرض مصر التاريخية هي المنطقة كلها الذي يشقها نهر النيل من منبعه إلى مصبه. وهذه الأرض كانت تسمى (نحن نظن) بسبأ. فكانت جنتان عن يمين وشمال: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) 

فأرض سبأ (طيبة) هي عبارة عن جنتين (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ)، لأن النيل العظيم يشقها، فتكونت جنة عن يمين ذلك النهر العظيم (الجهة الشرقية من النهر)، كما تكونت جنة عن شمال ذلك النهر العظيم (المنطقة الغربية). 

افتراء 1: نحن نظن أن الجنتين (أي جنتين) لا يمكن أن يتشكلا معًا (عن يمين وشمال) إلا أن يتفجر خلالهما نهرًا: 

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) 

فالجنتان معًا (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ) عندما يمرّ من خلالهما نهرًا (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) تتكون إحداهما عن يمين النهر والأخرى عن شماله. فلقد كانت سبأ عبارة عن جنتين يتخللهما نهر، ألا وهو النهر العظيم. انتهى. 

لذا، كان ما أصاب هاتين الجنتين هو خراب ثمارهما، فما عادتا كما كانتا، وكل ذلك كان بسبب إعراضهم. قال تعالى: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) 

افتراء خطير جدا من عند أنفسنا (لا تصدقوه إن شئتم): حصل البلاء لسبأ في جنتيهما كما حصل الابتلاء لأصحاب الجنة من قبل. 

وهنا نبدأ بطرح التساؤلات المثيرة والكثيرة جدًا عن هذه الآيات، نذكر منها: 

- ما هي سبأ؟ 

- ما تلكما الجنتان؟ 

- متى حصل البلاء لأصحابها بذهاب طيبات جنتيهما؟ 

- لماذا وقع عليهما العذاب على تلك الشاكلة؟ 

- الخ 

وسنثير تساؤلات فرعية كثيرة جدًا عندما نتناول هذه التساؤلات الرئيسية تباعًا. 

الباب الأول: ما هي سبأ 

رأينا المفترى: نحن نظن بأنها هي مصر التاريخية التي تبدأ من منبع نهر النيل العظيم إلى مصبه. وكانت كلها جنات وعيون، لكن لمّا كانت المنطقة الشمالية هي أرض عاد التي أصابها العذاب بالريح العقيم، ما عادت كذلك: 

وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) 

فبقيت جنة عن يمين ذلك النهر، بينما أصبحت الجنة التي كانت عن شماله تغطيها كثبان الرمل الهائلة. لكن بقيت المنطقة الجنوبية هي الجنات التي لم يصبها العذاب بعد. فظلت جنات يانعة عن يمين وشمال حتى زمن حكم فرعون فيها. فلقد كانت تلك الأرض في زمن فرعون جنات وعيون وزروع ومقام كريم: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) 

وهذا يدعونا إلى تقديم الافتراء الخطير جدًا جدًا التالي: لم تكن المدينة (عاصمة فرعون) في شمال سبأ (مصر الحديثة)، ولكن في جنوب سبأ (السودان الحديثة)، وهي على وجه التحديد مدينة الخرطوم (انظر صور الرسوم الفرعونية التي هي أقرب إلى تفاصيل وجه الرجل السوداني والمصري الجنوبي منها إلى المصري الشمالي) وهنا يمكن أن نبدأ بفهم الآيات الكريمة التالية حسب منطقنا المفترى هذا من عند أنفسنا: 

سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) 

فالخرطوم هي (برأينا) مقر حكم فرعون. انتهى. 

وعندما حصل الهلاك لفرعون وقومه لم يكن عذابهم من النوع الذي دمر تلك الجنات، بل كان عذابهم عل نحو تدمير ما كان يصنع فرعون وقومه وما كان يعرشون: 

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137) 

فدمّر الله ما أحدثه فرعون وقومه في تلك الديار، لكن بقيت الأرض ذاتها جنات وعيون وزروع ومقام كريم، فأورثها الله لقوم آخرين: 

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) 

وكان أول هؤلاء هم الذين استضعفوا في تلك الأرض، إنهم بني إسرائيل: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

وظل جزء كبير من بني اسرائيل يسكنون تلك الجنات بعد هلاك فرعون حتى زمن سبأ التي كانت تملكهم تلك المرأة العظيمة في زمن نبي الله سليمان حتى جاءه بنبأ منها ذلك الهدهد: 

وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28) 

ومع مرور الزمان من عهد موسى (زمن فرعون) إلى عهد سليمان (زمن تلك المرأة في سبأ) أصاب عقيدة بني إسرائيل الذين مكثوا في تلك المنطقة التحريف، فتحولت عقائدهم إلى عبادة الشمس بدلًا من عبادة الله الواحد القهار. ولكن عندما جاء سليمان بتلك المرأة (صاحبة العرش العظيم) وأسلمت معه لله رب العالمين، عادت عبادة الله الواحد القهار إلى تلك المنطقة بأكملها، فسليمان لم يكن ليرضى إلا أن يأتوه مسلمين: 

قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) 

وبالفعل أسلم القوم مع سليمان بعد أن أسلمت من كانت تملكهم: 

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) 

ولا شك عندنا بأن الذين ظلوا يقطنون تلك الديار من بني إسرائيل بعد هلاك فرعون كان لديهم من العلم الكثير. وسنحاول التعرف على مصادر هذا العلم بعد قليل بإذن الله. لكن أهم ما كان ينقصهم حينئذ هو معرفتهم بأحقية العودة إلى الأرض المقدسة والحاجة إلى العودة إليها. فلقد عادت فكرة الحنين والرجوع إلى الأرض المقدسة إلى قلوبهم خصوصًا بعد معرفتهم بأن جزءً كبيرًا منهم قد عاد إليها عن طريق طالوت الذي قتل جالوت. فلقد كان بنو إسرائيل متواجدين في الأرض المقدسة في زمن نبي الله سليمان الذي هو أصلًا ولد نبي الله داوود الذي كان هو من قتل جالوت في المواجهة التي حصلت بين الطرفين من قبل: 

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) 

فكان التوزيع الجغرافي على النحو التالي: 

- كان سليمان يسكن منطقة الخليج العربي (انظر مقالاتنا تحت عنوان ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته) 

- كانت سبأ (مصر التاريخية الجنوبية) هي التي يسكنها قوم تلك المرأة بمن فيهم بقايا بني إسرائيل الذي أورثهم الله تلك الأرض بعد هلاك فرعون وقومه 

- كان جزء آخر من بني اسرائيل يقيمون في الأرض المقدسة التي أعادهم إليها طالوت بعد قتل جالوت، وهؤلاء هم الذين تابعوا المسير مع موسى في سابق الزمان بعد خروجهم من مصر. 

فتصبح قصة بني اسرائيل بعد هلاك فرعون (كما نتخيلها طبعًا) على النحو التالي: 

- تابع جزء من بني إسرائيل المسير مع موسى إلى الأرض المقدسة 

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) 

وهؤلاء هم الذين فتنهم السامري، وهؤلاء هم الذين رفضوا دخول الأرض المقدسة عندما طلب منهم ذلك نبيهم موسى، وهؤلاء هم الذين حرّم الله عليهم الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض. وهؤلاء هم الذين هادوا بعد ذلك، ودخلوا الأرض المقدسة، وهؤلاء هم الذين أُخرِجوا منها حتى جاء نبي لهم من بعد موسى فعاودوا دخولها على يد الملك طالوت الذي كان داوود (ولد ذلك النبي) واحدًا من جيشه، فكان داوود هو من قتل جالوت. وعاد بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم. 

- لكن بالمقابل، آثر جزء من بني إسرائيل عدم متابعة المسير مع موسى باتجاه الأرض المقدسة، فكان لهم وراثة الأرض في مصر بعد هلاك فرعون وقومه: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) 

نتيجة مفتراة خطيرة جدًا من عند أنفسنا: بعد هلاك فرعون وجنده في البحر، انقسم بنو إسرائيل إلى فريقين. تابع الفريق الأول مسيرته مع موسى باتجاه الأرض المقدسة، بينما عاد الفريق الآخر لوراثة أرض مصر. انتهى. 

لكن لو دققنا في الآيتين السابقتين جيدًا، لوجدنا أن وراثة تلك الأرض من بعد هلاك فرعون قد جاءت مرة بلفظ "بني إسرائيل" (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)، بينما جاءت تارة أخرى بلفظ "قوما آخرين" (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ). ليكون السؤال المباشر الآن هو: لماذا؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن بأن عبارة "بني إسرائيل" الواردة في السياق الأول شيء وعبارة "القوم الآخرين" الواردة في السياق الثاني شيء آخر. فلا يجب الخلط، لأنه لابد (نحن نؤمن) من وجود دلالة مهمة أوجبت تناوب اللفظ في هذه السياقين القرآنين. فما الذي نستفيده هنا من هذا التناوب اللفظي؟ 

رأينا المفترى: إن أولّ ما يمكن أن نستنبطة هو أن الوراثة المباشرة لتلك الأرض بعد هلاك فرعون كانت لبني إسرائيل (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ). فبنو إسرائيل هم من ورثوا الأرض مباشرة بعد هلاك فرعون وجنوده، وخاصة بعد أن دمّر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كان يعرشون. لكن مع توالي الأيام وتقلب الأحوال، لم تبق وراثة تلك الأرض حكرًا على بني إسرائيل، فقد شاركهم في ذلك (نحن نتخيل) قوما آخرين (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ)، فاختلطوا في مكون واحد يتشاركون جميعًا وراثة تلك الأرض. 

الدليل 

دقق عزيزي القارئ في السياقين السابقين مرة أخرى، وانظر – إن شئت- الفرق بينهما، خاصة بما يتعلق بالموروثات: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) 

ألا تجد - عزيزي القارئ - تطابقًا عجيبًا بين السياقين باستثناء شيء واحد من تلك الموروثات؟ دعنا نطرح السؤال على النحو التالي: ما هي الموروثات التي وردت في سياق وراثة بني إسرائيل تلك الأرض؟ 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

جواب مفترى: كانت موروثات بني إسرائيل هي: 

- جنات وعيون 

- وكنوز 

- ومقام كريم 

السؤال الآن: ما هي تلك الموروثات كما وردت في سياق الحديث عن القوم الآخرين؟ 

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) 

جواب مفترى: كانت موروثات القوم الآخرين هي: 

- جنات وعيون 

- وزروع 

- ومقام كريم 

هل وجدت عزيزي القارئ التشابهات بين السياقين (جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَمَقَامٍ كَرِيمٍ). ثم ألا ترى الفرق يبن السياقين (وَكُنُوزٍ مقابل وَزُرُوعٍ) ؟ ألا ترى أن الكنوز على وجه التحديد كانت من نصيب بني إسرائيل؟ ثم، ألا ترى أن الزروع كانت من نصيب القوم الآخرين؟ ثم ألا ترى أن الجهتين قد تشاركوا في الجنات والعيون والمقام الكريم؟ 

السؤال: ما الذي يمكن أن نستفيده من ذلك؟ 

رأينا المفترى: لقد كان أكثر ما يميّز حكم فرعون هو كثرة الكنوز (انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة موسى). فما أن دمر الله ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون حتى آلت معظم كنوز فرعون مباشرة إلى يد بني إسرائيل. فأصابهم الغني العظيم بما وقعت أيديهم عليه من كنوز فرعون. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن جزءً من بني إسرائيل قد آثر العودة لوراثة الأرض وعدم المضي قدمًا في متابعة المسير مع موسى نحو الأرض المقدسة هي تلك الكنوز التي يعرفونها ويريدون حيازتها بعد هلاك فرعون وجنوده. فكان بنو إسرائيل على مرّ التاريخ هم المتحكمين بمعظم ثروات الأرض المالية (خاصة الذهب). فمن أين تأتى لبني إسرائيل تلك الثروة العظيمة؟ 

جواب مفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن سبب ثراء بني إسرائيل على مر التاريخ هو حيازتهم على كنوز فرعون. انتهى. 

لكن كان بنو إسرائيل الذين أصبحوا أثرياء جدًا (بما حطت أيديهم عليه من كنوز فرعون) بحاجة إلى اليد العاملة في الأرض، لتزرعها ويستفيدوا بالتالي من زروعها كجنات ومقام كريم: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) 

فكانوا إذًا بحاجة (بكلمات بسيطة) إلى اليد العاملة التي تقوم على زراعة الأرض (الزروع) حتى تبقى جنات وافرة الطيبات ومقام كريم لهم من بعد هلاك فرعون. فما كان هناك بدّ إلا أن يسمحوا لليد العاملة أن تشاركهم تلك الأرض، فيكونوا هم الطبقة البرجوازية التي تعمل لها تلك الطبقة العاملة. فعاشوا فيها كقوم آخرين، أي غير بني إسرائيل. 

ولا شك عندنا – على غير ما يظن الغالبية الساحقة من أعداء بني إسرائيل- أن أكثر ما يميز بني إسرائيل هو سخاء اليد (الكرم). فهم لا يبخلون في الإنفاق على الطبقة التي تعمل لهم وتقوم على رعاية مصالحهم. فهم أصحاب المال وملكية العقار تعود لهم، فيكسبون الكثير، لكنهم يدفعون بسخاء لكل من يعمل عندهم ويخدم مصالحهم. فبرزت في تلك الأرض الطبقة البرجوازية (القليلة) من بني إسرائيل، وجلبت إليها (لخدمة مصالحها) طبقة كبيرة جدًا من العمال، تقوم على رعاية مصالح الطبقة البرجوازية من بني إسرائيل، فأنفقت عليها بسخاء. فكان الطرفان مستفيدان من هذه الشراكة في أرض مصر. فاستمرت أرض مصر جنات وعيون وزروع ومقام كريم لبني إسرائيل وللطبقة العاملة التي تشاطرهم السكن في تلك الأرض، بينما كانت الكنوز العظيمة في يد الفئة التي استولت على كنوز فرعون في سابق الزمان. 

وقد كانت أول ثمار تلك العلاقة التشاركية المبنية على المنفعة المتبادلة نشوء حضارة عملاقة هي حضارة سبأ. فكانوا أولوا قوة وأولوا بأس شديد: 

قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) 

ولكن كانت ذروة تلك الحضارة تتمثل بعدم وجود المَلِك. فما كان فيها ملك يحكم، ولكن كانت فيهم امرأة تملكهم: 

إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) 

ولعل أبسط ما يمكن أن نستنبطه من ذلك عن تلك الحقبة التاريخية أمران اثنان، وهما: 

- الانفتاح الفكري عند القوم لدرجة أنهم كانوا راضين بملك امرأة (وليس رجل) لهم 

- الرقي العلمي الذي يمثله وجود العرش عندها 

السؤال: كيف تحصل لهم هذا الرقي الفكري من جهة والتقدم العلمي من جهة أخرى؟ 

الباب الأول: الرقي الفكري 

لعل من أهم سمات المجتمع الذي تسود فيه ثقافة بني إسرائيل هو الانفتاح الفكري خاصة بما يتعلق بحقوق المرأة وحقوق المثليين والدعوة إلى الرفق بالحيوان والطبيعة، الخ. كما لا ننسى أن بني إسرائيل لا يفضّلون العيش في دولة مستقلة خاصة بهم إلا في الأرض المقدسة. فما عمد بنو إسرائيل على مرّ التاريخ إلى إنشاء دولة خاصة بهم في أي مكان على الأرض باستثناء الأرض المقدسة. فتواجد بني إسرائيل في أي مكان على الأرض يظهر سيطرتهم على الجانب العلمي والمالي فيها. فهم صناع العلم بلا منازع، وهم المسيطرون على رأس المال بلا شك. ولتحقيق هذين الهدفين معًا، ما كان لهم من سبيل إلى ذلك إلا بالانفتاح الفكري والرقي العلمي. فكيف تحصلوا على ذلك؟ 

رأينا المفترى: لما كان بنو إسرائيل علماء، كان بين أيديهم أدوات ذلك العلم (الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ). 

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) 

فكانوا هم العلماء بما لديهم من تلك الكنوز العلمية العظيمة: 

أَوَلَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاء بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) 

لكن ذلك لم يكن ليسبب فيهم إلا الاختلاف: 

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) 

وسنتحدث عن توابع اختلافاتهم فيما بينهم بعد قليل بحول الله وتوفيق منه. لكن دعنا ندقق الآن فيما تحصل لهم من الرقي العلمي في تلك الفترة من الزمن. 

الباب الثاني: الرقي العلمي: الحديد (عصر الحديد) 

لو دققنا مليّا في تلك الحقبة التاريخية على وجه التحديد، لوجدنا بأنها هي الفترة ذاتها التي كان داوود متواجدًا في طرف آخر من الأرض: 

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11) 

فلقد تزامنت حضارة سبأ (في مصر التاريخية) في الجنوب الغربي مع الحضارة التي كانت ناشئة حينئذ في زمن داوود وولده سليمان في الشمال الشرقي. ولعل أبسط ما يمكن أن نفتريه هنا هو أن الله قد آلان الحديد لداوود، أليس كذلك؟ 

ولو تفقدنا ما قاله قوم تلك المرأة التي كانت صاحبة الأمر في سبأ، لوجدنا قولهم على النحو التالي: 

قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) 

السؤال: كيف يمكن أن نفهم أن القوم كانوا أولي بأس شديد؟ فما الذي جعل لهم بأسًا شديدًا؟ 

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن البأس الشديد يختلف عن القوة، بدليل قولهم (نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ)، فالقوة شيء والبأس الشديد شيء آخر. لكن ما نود قوله هنا هو أن البأس الشديد مصدره شيء واحد، ألا وهو الحديد: 

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) 

نتيجة مفتراة مهمة جدًا جدًا: الحديد هو مصدر البأس الشديد. انتهى. 

فتلك الفترة الزمنية هي فترة الحديد. وهو ما يسمى بمفرداتنا العلمية الحديثة "العصر الحديدي". فلقد جرت عادة أهل العلم على توصيف الحقبات التاريخية المتعاقبة بتقسيمها إلى عصور، فذكروا العصر الحجري والعصر الحديدي والعصر البرونزي والعصر الذهبي، وهكذا. ليكون السؤال الآن هو ما هي تلك العصور؟ ولماذا سميت بتلك المسيميات؟ ولم لا نجد مثلًا العصر الفضي أو العصر النحاسي؟ 

باب تسمية العصور: العصر الحجري والعصر الذهبي والعصر الحديدي 

دعنا نبدأ بما عند أهل العلم عن هذه العصور. فقد وجدنا في بحثنا في هذا السؤال الرابط البسيط التالي الذي يختصر الفكرة بطريقة سهلة للقارئ العادي من مثلي 

- يمكن تعريف العصور التاريخية بأنّها مجموعة من الأحقاب الزمنية التي مرّت في تاريخ البشرية منذ لحظة وجود الإنسان على الأرض حتّى الوقت الحالي، حيث إنّ العصر هو فترة من الزمن في التاريخ يتم تصنيفها بواسطة عوامل ثقافية أو تاريخية، وذلك بهدف تسهيل دراسة وتحليل التاريخ، وعلى الرّغم من إشكالية اتفاق المؤرخين حول الأسس التي يجب أن يتم بناءً عليها تعريف العصور التاريخية، إضافة إلى عدم دقّة بعض من التصنيفات، وصعوبة تحديد فترة بداية أو نهاية كل عصر أو حقبة بشكل محدد، إلا أنه يظل من العسير دراسة التاريخ الماضي دونها، حيث سيظهر كما لو كان عبارة عن أحداث مبعثرة لا رابط بينه 



ليكون السؤال الآن هو: لماذا تسمى هذه العصور بهذه التسميات؟ وكيف يمكن أن نقف على ترتبيها الصحيح؟ ومتى حصلت في التاريخ؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال بسيطة، تتمثل بأن أي عصر من تلك العصور (الحقبات التاريخية) قد سمي بتلك التسمية لأن القوم حينئذ (نحن نرى) قد برعوا في تكنولوجيا تلك المادة. فالعصر الحجري هو – برأينا – الحقبة الزمنية التي برعت فيها حضارة استخدام الحجر وتسخيره بأعلى درجات الاتقان والمهارة، وذلك هو برأينا عصر ثمود الذين جابوا الصخر بالواد: 

وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) 

ولو حاولنا أن نعكس ذلك على أرض الواقع، لوجدنا بأن ذلك الواد (الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ) هو واد النيل، وما زال ذلك الواد يزخر بأعظم آثار الارض من روائع فن الحجر. ولعل منطقة الأقصر في جنوب مصر (الحديثة) وشمال السودان ما زالت شاهدة على فن العمارة بالحجر التي لا يمكن لأي حضارة أخرى أن تضاهيها في تكنولوجيا الحجر. وقد امتدت حضارتهم إلى المناطق المجاورة في شمال الجزيرة العربية وجنوب بلاد الشام (كبتراء الأردن)، فالعصر الحجري هو إذا عصر ثمود. 

أما العصر الحديدي، فهو لا شك عصر داوود (وسبأ)، فما برعت حضارة في تسخير معدن الحديد كما فعل داوود وسبأ (وهما لا شك متزامنين) – وسنتعرض بعد قليل بإذن الله إلى الترابط الزمني بين داوود من جهة وسبأ من جهة أخرى. 

أما العصر الذهبي فهو لا شك عصر فرعون، فحضارة فرعون هي حضارة الكنوز من الذهب والفضة، ولا ننسى رفيق دربه قارون: 

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) 

بينما كانت عاد هي الحضارة الأقدم التي برعت في تكنولوجيا الطاقة التي ولدتها بالأهرامات: 

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) 

(للتفصيل انظر عزيزي القارئ – إن شئت- في مقالاتنا تحت عنوان قصة يونس) 

فيصبح ترتيب الحقبات الزمنية إلى عصور على النحو التالي: 

- عاد (عصر الطاقة) 

- ثمود (العصر الحجري) 

- فرعون (العصر الذهبي) 

- داوود (وسبأ) العصر الحديدي 

وهذا يدعونا إلى تأكيد ظننا الذي ما فتئنا نردده في أكثر من مكان بأن العلم يتراجع مع تقدم الزمان ولا يتقدم، بدليل قوله تعالى: 

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9) 

فحضارة عاد (الأقدم) هي التي لم يخلق مثلها في البلاد: 

الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) 

فيصبح تدرج القوة في الحضارة على هذا النحو: 

عاد -- ثمود – فرعون -- سبأ 

إن ما يهمنا طرحه هنا هو الافتراء التالي: كانت حضارة سبأ هي الحضارة التي برعت في صنع الحديد (ألنا له الحديد). 

السؤال: من أين استمد قوم تلك المرأة في سبأ تكنولوجيا الحديد؟ 

رأينا المفترى: من داوود؟ 

السؤال: كيف ذلك؟ 

جواب مفترى: من خلال العرش. 

السؤال: وكيف ذلك؟ 

رأينا المفترى: لو رجعنا إلى قصة داوود كما بينها كتاب الله الكريم، لوجدنا أن أول ذِكر لداوود قد جاء في قصة الصراع الذي دار بين طالوت (المؤمن) وجالوت (الكافر)، فلقد كان داوود فردًا في جيش طالوت، وكان ظهور داوود بسبب أنه كان هو (وليس طالوت) من قتل جالوت، وكان ذلك سببًا في هزيمة جالوت وجنوده، قال تعالى: 

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) 

لقد كان الصراع إذًا بين قوتين كبيرتين، فئة قليلة مؤمنة تقاتل فئة كثيرة كافرة: 

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) 

ليكون السؤال الحتمي الآن هو: ما دام أن جيش طالوت القليل هو من حقق النصر، ومادام أن تلك المعركة قد نشبت أساسًا بين الفئتين من أجل إعادة بني إسرائيل إلى الأرض التي أخرجوا منها: 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) 

وما دام أنهم قد عادوا إليها (نحن نتخيل) بعد ذلك النصر المؤزر، فأين ذهبت فلول جيش جالوت؟ 

افتراء خطير جدًا جدًا (لا تصدقوه إن شئتم): لقد هربت فلول جيش طالوت (القوم الجبارين) إلى سبأ. وهناك أنشأءوا حضارتهم بعيدًا عن داوود من جهة وبعيدًا عن الأرض المقدسة من جهة أخرى. والأن لنقرأ قصة سبأ من هذا المنظور من جديد، قال تعالى: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) 

انظر عزيزي القارئ – إن شئت- في هذا السياق القرآني، ولكن اجعل تركيزك الآن منصبًا على الآية الكريمة الأخيرة في هذا السياق القرآني، وهي قوله تعالى: 

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) 

ليكون السؤال الآن هو: ما سرّ الربط بين سبأ من جهة والقرى التي باركنا فيها من جهة ؟ 

رأينا المفترى: إن ما نود طرحه هنا هو الافتراء التالي: في تلك الحقبة الزمنية، بعد هزيمة جالوت وجنوده، تشكلت قرى ظاهرة بين القرى التي باركنا فيها في الشمال الشرقي من جهة وسبأ في الجنوب الغربي من جهة أخرى. ونحن نفتري القظن من عند أنفسنا أنه في تلك الفترة الزمنية كان توزيع الحضارات على النحو التالي: 

- قرى باركنا فيها، وهي القرى التي تكونت في الأرض المباركة وما حولها في الشمال والشمال الشرقي (منطقة بلاد الشام والعراق وشمال الجزيرة العربية وشرقها) 

- قرى ظاهرة في الوسط (مصر الحديثة حتى الخرطوم) 

- سبأ في الجنوب والجنوب الغربي (الخرطوم وجنوب السودان إلى أعالي النيل في الحبشة). 

فكانت القرى المؤمنة في الشمال (في الأرض المقدسة التي عاد إليها بنو إسرائيل تحت قيادة طالوت وكذلك في العراق والشام والجزيرة العربية حتى الهند تحت قيادة داوود وريث طالوت الملك): 

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) 

بينما كانت القرى الظاهرة في الوسط وهي قرى كافرة نشأت بفلول جيش طالوت الذي اندحر من الأرض المقدسة بعد هزيمته على يد طالوت، ثم سبأ في الجنوب. 

السؤال: ما هي القرى الظاهرة؟ 

رأينا المفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن تلك القرى هي عبارة عن دويلات متقاتلة فيما بينها، وكانت الغاية من تقاتلهم فيما بينهم (نحن نظن) بهدف إنشاء إمبراطورية عظيمة على يد الغالب منهم. لكن كانت حضارة سبأ في الجنوب قد وصلت أوج قوتها أيام تلك المرأة التي كان لها عرش عظيم: 

إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) 

وقد كان قومها أولوا بأس شديد، فما كانت تلك القرى الظاهرة تستطيع الوصول إليهم، بدليل قول قوم المرأة عندما طلبت مشورتهم: 

قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) 

وفي تلك الأثناء، توفي داوود، وآل الحكم إلى ولده سليمان: 

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16) 

فحشر له جنوده من الجن والإنس والطير: 

وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) 

ولم يكن سليمان حتى اللحظة على دراية بأمر تلك المرأة وقومها في سبأ حتى كشفهم له الهدهد: 

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) 

وكان النبأ اليقين الذي جاء به الهدهد سليمان على النحو التالي: 

(22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26) 

وفي تلك اللحظة، طلب سليمان ممن كان حاضرًا عنده أن يأتوه بعرشها قبل أن يأتوه مسلمين: 

قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) 

وبالفعل أُحضر العرش لسيلمان بواسطة من كان عنده علم من الكتاب: 

قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) 

وجاءت المرأة سليمان، وجاء قومها معها، وكانت النتيجة دخولهم في الإسلام مع سليمان لله رب العالمين: 

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44) 

فعاد الإسلام إلى تلك المنطقة كلّها، وعادت ذرية بني إسرائيل المتواجدين هناك إلى الإسلام. وكانت أول ثمار ذلك العمل العظيم هو حنين بني إسرائيل من جديد إلى الوصول إلى الأرض المقدسة لـ اللحاق بركب من كان قد سبقهم إليها في زمن نبي الله موسى ونبي لهم من بعد موسى بعد ذلك. 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) 

وكان شعورهم بالحنين بالعودة إلى الأرض المقدسة هذا مدفوعا (نحن نفتري القول) بما وصلهم من جديد من تلك الأسفار العظيمة التي جُلبت إليهم في زمن نبي الله سليمان. انتهى. 

فتصبح قصة بني إسرائيل في الأرض المقدسة (كما هي في مخيالنا) على النحو التالي: 

- بدأت قصة تواجد بني إسرائيل في الأرض المقدسة مع إبراهيم يوم أن نجّاه الله ولوطًا إلى الأرض المباركة للعالمين: 

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) 

- استمر تواجدهم فيها في زمن نبي الله يعقوب 

- انتقل يعقوب وجميع ذريته إلى أرض مصر يوم أن كان يوسف عزيزها 

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) 

- استمر تواجد بني إسرائيل في أرض مصر في زمن الملوك حتى حصل الإنقلاب الفرعوني، وأصبحت مصر فرعونية 

- ذاق بنو إسرائيل الأذى والعذاب تحت الحكم الفرعوني 

- جاء موسى برسالة من الله إلى فرعون، طالبًا منه أن يرسل معه بني إسرائيل: 

حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) 

- كان ذلك اعترافًا من موسى بأحقية فرعون وقومه بملك مصر، وبأحقية بني إسرائيل بالعودة إلى الأرض المقدسة 

- رفض فرعون دعوة موسى هذه، فحصل العقاب الإلهي له ولجنوده 

- خرج بنو إسرائيل من تحت القبضة الفرعونية بعد أن جاوز الله بهم البحر وأغرق عدوهم، لأن ما فعله فرعون كان بغيًا وعدْوًا 

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) 

- استمر فريق من بني إسرائيل في رحلتهم مع موسى باتجاه الأرض المقدسة، لكن آثر فريق آخر منهم العودة لوراثة ما كان لفرعون وقومه، فاستولوا على كنوزهم وأورثهم الله أرضهم وديارهم: 

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) 

(ملاحظة: وربما كان جزء منهم متواجدا فيها حتى بعد خروج بني إسرائيل مع موسى وخاصة من كانوا مقربين من فرعون وملئه، وقد أرسل لي بعض المتابعين اليوم وأنا بصدد نشر المقالة على موقع سؤال وجواب مفترى فيديو قصير يتحدث فيه الاستاذ بسام جرار عن هذه الجزئية، وأظن أن فيه كثير من الصحة، فيرجى من المهتمين الاطلاع على رأي الأستاذ جرار في هذا الموضوع) 

- لم يتقبل بنو اسرائيل دعوة موسى دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم عندما وصولوا إلى أبوابها، وذلك لوجود القوم الجبارين فيها: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) 

- دعا موسى ربه أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين (أي الذين رفضوا الأمر)، فحرّمها الله عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض 

قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) 

- عاد بنو إسرائيل من التيه يهودًا: 

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155) وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) 

- تم إخراج بني إسرائيل مرة أخرى من ديارهم على يد جالوت وجنوده، فطلبوا من نبي لهم من بعد موسى أن يبعث لهم ملكًا ليقاتلوا حتى يعودوا إليها: 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) 

- عاد بنو إسرائيل إلى الأرض المقدسة على يد طالوت، زمن نبي لهم من بعد موسى. 

- لم يكن ذلك النبي من بني إسرائيل وإنما كان نبيًا لهم (أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى)، وكان ذلك النبي هو والد داوود. وقد افترينا الظن في مقالات سابقة لنا بأنه هو نبي الله لقمان نفسه. 

- كان داوود ولد نبي الله لقمان، فما كان من بني إسرائيل 

- آل الحكم إلى داوود من بعد طالوت فكان خليفة في الأرض (وليس فقط في الأرض المقدسة) 

- آل الحكم من بعد داوود إلى ولده سليمان (فما كان من بني إسرائيل) بدليل أن الله قد سخر له الريح تجري إلى الأرض التي باركنا فيها 

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) 

لذا، فذرية لقمان (داوود وسليمان ليسوا من بني إسرائيل، وهذا ما يؤكده الفكر التوراتي ذاته) 

- كان مركز ملك سليمان هو منطقة الخليج العربي وبلاد فارس والهند. 

- كانت سبأ في السودان وأعالي النيل 

- ظل بنو إسرائيل متواجدين في الأرض المقدسة حتى مجيء المسيح عيسى بن مريم 

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) 

- الخ 

خروج عن النص 

سنخرج في استراحة قصيرة عن قصة سبأ ثم نعود إليها بحول الله وتوفيق منه بعد أن نحاول تسليط الضوء على قضية محورية في الفكر العالمي، ألا وهي قضية أحقية بني إسرائيل بوراثة الأرض المقدسة، لنطرح السؤال على النحو التالي: هل لبني إسرائيل أحقية تاريخية دينية شرعية في وراثة الأرض المقدسة (كما يدعون)؟ 

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا (لا تصدقوه إن شئتم): نعم، لبني إسرائيل أحقية تاريخية دينية شرعية في وراثة الأرض المقدسة، قال تعالى على لسان نبيه موسى: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) 

بدايًة، أرجو أن لا يتصيّد المعارضون لفكرنا هذه العبارة، فيخرجونها من سياقها، ليروج كل منهم إلى ما يريد. فقد يقتص كثير من بني إسرائيل والمؤيدين لفكرهم هذه العبارة من سياقها، ليقولوا بأننا نثبت لهم أحقيتهم في أرض الميعاد دون قيد ولا شرط. وقد يقتص المخالفون لفكرنا من أبناء الإسلام هذه العبارة من سياقها، ليثبتوا جاسوسيتنا وعمالتنا للغرب وعدائنا لحضارتهم العظيمة. فدعني أذكر الطرفين بأن من أدب النقل أن لا يجتزء الكلام من سياقه، لأننا سنطرح فكرًا نظنه جديدًا لن يرضي أيًّا منكما مهما كان فكره الذي يستند إليه وأيديولوجيته التي يحاول تسويقها بين العالمين. فنحن نوجه الرسالة واضحة وجليّة للطرفين بأن الحق أحق أن يقال ويتبع بغض النظر عن مآربك الشخصية وغايتك التي تخدم مصالحك على حساب الآخرين. فمنهجنا في البحث هو قول الحق (كما نراه طبعًا) بغض النظر عن أهداف الجميع وغايتهم، فنحن مستعدون أن نقول رأينا حتى لو أغضب العالمين أجمعين، فلسان حالنا لا يتعدى ما قاله نبي الله موسى لفرعون: 

حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) 

نعم، هذا هو المنهج السليم، فحقيق علينا جيمعًا أن لا نقول على الله إلا الحق، شاء من شاء، وغضب من غضب. سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يزيدنا علمًا وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدًا، والله خير حفظًا وهو أرحم الراحمين. 

أما بعد، 

نعم، نحن لا نستطيع أن ننكر أحقية بني إسرائيل في وراثة الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، ونحن نقرأ في كتابنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه قوله تعالى على لسان نبيه موسى: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) 

لكن، لابد مع إيماننا هذا أن نطرح التساؤل التالي: هل دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة التي كتب الله لهم غير مشروطة دون قيد ولا شرط؟ فهل يدخلوها متى شاءوا ويخرجوا منها متى ما أرادوا؟ 

رأينا المفترى من عند أنفسنا: كلا وألف كلا. فنحن نرى أن لبني إسرائيل أحقية في الأرض المقدسة شريطة أن يدخلوها بطريقة شرعية وبإذن إلهي. انتهى. 

السؤال: وكيف ذلك؟ 

رأينا المفترى: للإجابة على هذا السؤال، لابد أن نطرح التساؤل التالي: ألم يكن بنو إسرائيل يسكنون الأرض المقدسة عندما جاء عيسى ابن مريم رسولًا من الله إليهم: 

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) 

السؤال المحوري: لماذا خسر بنو إسرائيل الأرض المقدسة من بعد عيسى؟ هل حصلت حرب عليهم وأخرجوا منها عنّوة؟ 

رأينا المفترى: نحن لا نجد في صفحات كتب التاريخ أن قومًا آخرين قد أخرجوا بني إسرائيل من الأرض المقدسة عنّوة من بعد نبي الله عيسى بن مريم. وحتى عندما دخل المسلمون القدس زمن الخليفة عمر بن الخطاب، كان سكان تلك الأرض من المسيحيين (وليس من اليهود). ولا نجد في صفحات التاريخ أن المسيحيين (من قبل) قد أخرجوا اليهود من الأرض المقدسة بالسيف. 

ليكون السؤال الآن: لماذا خسر بنو إسرائيل وراثة الأرض المقدسة من بعد عيسى بالرغم أننا لا نجد أن أحدًا قد استخدم السلاح لإخراجهم منها بالقوة؟ 

إن مراد قولنا هو أنه لا المسيحيين أجبروا اليهود على الخروج من الأرض المقدسة بالسيف، ولا المسلمين استلموها منهم (من اليهود). فالسؤال مرة أخرى هو: ما سبب خسارة بني إسرائيل للأرض المقدسة من بعد عيسى بالرغم أنهم كانوا متواجدين فيها بكل قوة حينئذ. فعيسى بن مريم هو رسول الله لهم (وإن لم يكن منهم)؟ 

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6) 

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن هناك طريقة شرعية وحيدة لدخول بني إسرائيل الأرض المقدسة، وهناك – بالمقابل- سبب وجيه يجعل بني إسرائيل يخسروا حيازة الأرض المقدسة حتى بدون قتال. وبالمنطق ذاته، نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأنه لا أحقية لبني إسرائيل في الأرض المقدسة إن لم يحوزوا عليها بطريقة شرعية وبإذن إلهي. انتهى. 

السؤال: ما هي الطريقة الشرعية التي تؤهل بني إسرائيل لحيازة الأرض المقدسة؟ وما الذي يجعل بني إسرائيل يخسرون الأرض المقدسة حتى بدون قتال (كما حصل من بعد عيسى بن مريم)؟ 

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن أن لبني إسرائيل الحق في وراثة الأرض المقدسة شريطة أن يدخلوها من الباب. انتهى. 

السؤال: وكيف سيدخلوها من الباب؟ وهل للأرض المقدسة باب أصلا يمكن لهم أن يدخلوها من خلاله؟ 

رأينا المفترى: نعم. 

السؤال: وأين هو ذلك الباب؟ 

رأينا المفترى: قبل أن أدلكم على ذلك الباب (إن أذن الله لنا بذلك)، علينا أن نفهم ابتداءً أن الباب (أي باب) لا يمكن دخوله إلا أن يفتح أولًا. فأنت لا تستطيع دخول بيتك – مثلًا- إن كان الباب مغلقًا. فلكي تدخل بيتك عليك أن تفتح الباب أولًا، أليس كذلك؟ 

سؤال: وكيف يمكن أن افتح الباب؟ 

رأينا لمفترى: وهل يفتح الباب بغير مفتاحه؟ أليس لكل باب مفتاح؟ فهل استطيع أن افتح باب بيتك بمفتاح باب بيتي؟ من يدري؟ 

جواب مفترى: نعم، لكل باب مفتاح خاص به، ولا يمكن فتح الباب (أي باب) إلا بذلك المفتاح الخاص به. لذا، نحن نتجرأ على افتراء الظن من عند أنفسنا بأن للأرض المقدسة باب، ولذلك الباب مفتاح، ولا يمكن أن تدخل المكان بطريقة شرعية بغير ذلك المفتاح الذي يفتح ذلك الباب. 

وفي هذا الصدد، دعنا نوجّه رسالتنا القصيرة الأولى إلى بني إسرائيل على النحو البسيط التالي: نحن لا ننكر أحقيتكم بدخول الأرض المقدسة التي كتب الله لكم شريطة أن تدخلوها من بابها، ولن تستطيعوا فتح ذلك الباب مادمتم لا تحوزون على مفتاحه. وإذا دخلتم الأرض المقدسة من غير بابها لأنكم لا تحوزون على ذلك المفتاح، فأنتم إذًا قد دخلتموها بطريقة غير شرعية، فتسلقتم جدرانها كاللصوص، وسطوتم على حق غيركم لأن الله لم يأذن لكم بعد بدخولها بطريقة شرعية. انتهى. 

السؤال: وما هو مفتاح باب الأرض المقدسة (إن صح ما تزعم)؟ يسأل صاحبنا مستغربًا ومتعجلًا الإجابة. 

رأينا المفترى الأخطر على الإطلاق: نحن نظن بأن مفتاح باب الأرض المقدسة الذي يمكّن بني إسرائيل من دخولها بطريقة شرعية هو "التابوت" – تابوت العهد القديم الذي يعرفون مكانته في كتبهم خاصة في التوراة التي فيها هدى ونور. انتهى. 

الدليل 

من أجل جلب الدليل على افترائنا هذا الذي هو لا شك – عند الكثيرين- أغرب من الخيال نفسه، علينا أن نعود إلى جميع المرات التي دخل فيها بنو إسرائيل الأرض المقدسة بطريقة شرعية وبإذن إلهي. 

أولًا، كانت المحاولة الأولى لبني إسرائيل دخول الأرض المقدسة بطريقة شرعية وبإذن إلهي قد حصلت بعد أن خرج موسى بهم من مصر بعد هلاك فرعون ونجاتهم من تحت قبضته. فوصلوا إلى حدودها بعد رحلة طويلة وشاقة تخللتها أحداث جسام، وهناك كانت دعوة موسى لهم على النحو التالي: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) 

وفي هذه المرة رفض بنو اسرائيل جميعًا (باستثناء رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم) دعوة موسى تلك: 

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) 

إذن، هذا موسى يطلب من بني إسرائيل الذين تابعوا الرحلة معه إلى مشارف الأرض المقدسة أن يدخلوا الأرض المقدسة بالرغم من وجود القوم الجبارين فيها. وهذا موسى موقن تماما بأنهم لا محالة غالبون. فيستحيل (نحن نظن) أن يلقي موسى ببني إسرائيل الخارجين للتو من عذاب فرعون ليلقي بهم لقمة سائغة في فم القوم الجبارين، أليس كذلك؟ فكيف به يطلب منهم أن يدخلوها على القوم الجبارين إن لم يكن يعلم يقينا أنهم لا محالة غالبون؟ لكن، انظر عزيزي القارئ – إن شئت- كيف رد القوم على طلب موسى ذاك؟ 

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) 

جواب مفترى: لأنهم سيدخلوها من الباب. فنحن نظن بأن موسى يعلم أن دخلوهم الأرض المقدسة من الباب سيكون دخولًا مشروعًا، وسيكون النصر الإلهي لهم مؤزرًا. انتهى 

السؤال: وأين الباب في كلام موسى؟ فموسى لم يطلب منهم أن يدخلوها من الباب، وجلّ ما طلبه هو أن يدخلوها وكفى؟ ألا ترى أنك تفتري على الله وعلى رسوله الكذب؟ يسأل صاحبنا مقاطعًا الكلام بلا تردد. 

رأينا المفترى: صحيح أن موسى لم يطلب منهم دخولهم على القوم الجبارين من الباب، وصحيح أنه قد طلب منهم الدخول فقط، وصحيح أن كلام موسى يخلو من مفردة الباب. لكن ما رأيك - عزيزي المجادل - أن نكمل قراءة السياق ذاته، لتجد أن هناك من وافق موسى على دخول الأرض المقدسة، ويعلم أن ذلك لا يتم إلا من خلال الباب. فانظر - يرحمك الله - فيما قاله الرجلان اللذان يخافان أنعم الله عليهما، وهما فقط (نحن نظن) من التقطا رسالة موسى بشكل صحيح: 

قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) 

والآن، ما رأيك عزيزي القارئ المجادل بما قاله هذان الرجلان وهم لا شك من الذين يخافون أنعم الله عليهما؟ ألم يطلبا من القوم أن يدخلوا على القوم الجبارين من الباب؟ وماذا ستكون النتيجة لو أن القوم فعلوا ما قاله هذان الرجلان؟ ألن تكون النتيجة أن الغلبة – لا محالة- لبني إسرائيل بالرغم أن أولئك القوم جبارين؟ ألن يكون نصرهم على القوم الجبارين حينئذ بتأييد إلهي؟ ثم ألن يكون دخولهم الأرض المقدسة من الباب شرعيًا لا يستطيع أحد أن ينازعهم فيه؟ من يدري؟ّ! 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدًا جدًا: إذا دخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة من الباب فلا قوة على الأرض مهما عظمت ستغلبهم. انتهى. 

السؤال: وكيف سيدخل بنو إسرائيل من الباب؟ 

رأينا المفترى: حتى يتمكن بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة من الباب، فلابد من وجود مفتاح ذلك الباب بأيديهم. انتهى. 

السؤال مرة أخرى: وما هو مفتاح ذلك الباب؟ 

جوابنا المفترى ذاته مرة أخرى: إنه التابوت – تابوت العهد القديم الذي تحمله الملائكة. وقد افترينا الظن في مقالات سابقة لنا تحت عنوان فقه الحج بأن التابوت (الذي كانت تحمله الملائكة) هو الذي كان يخط سير رحلة بني إسرائيل من مصر إلى الأرض المقدسة. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا: إذا حاز بنو إسرائيل على مفتاح الأرض المقدسة - وهو التابوت، فسيكون دخولهم شرعي قد أذن الله به، ولا قوة على وجه الأرض مهما عظمت ستقف في وجوههم. انتهى. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدًا: إذا أضاع بنو إسرائيل مفتاح الأرض المقدسة - وهو التابوت، فسيخسرون الأرض المقدسة دون قتال خارجي عليهم (كما حصل لهم – نحن نتخيل – بعد عيسى بن مريم) 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدًا: لا يستطيع بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة من جديد (إذا خرجوا منه) بطريقة شرعية إلا إذا تقدمهم التابوت (مفتاح باب الأرض المقدسة) 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدًا: إذا أضاع بنو إسرائيل مفتاح الأرض المقدسة،، تاهوا وتشتتوا في الأرض، ولن يستطيعوا دخولها بطريقة شرعية من جديد إلا بحيازة ذلك المفتاح من جديد. انتهى. 

تلخيص ما سبق: إن الدعوة التي نطلقها لكل مؤمن من بني إسرائيل بأحقيته في وراثة الأرض المقدسة على النحو التالي: عزيزي المؤمن من بني إسرائيل عليك أن تدخل أرضك بطريقة شرعية من بابها، وحتى تدخلها كذلك، وحتى أعترف لك – شخصيَا- بحقك الديني التاريخي بهذه الأرض، فهات مفتاح باب الأرض المقدسة، ألا وهو تابوت العهد القديم الذي تفهم أنت وحدك أهميته في تاريخك وشريعتك حق المعرفة. وفي الوقت ذاته فإني شخصيَا أوجه لك الرسالة واضحة جلية بأن دخولك الأرض المقدسة من غير الباب وبدون ذلك المفتاح لا شرعية فيه اطلاقَا، لأن الله لم ياذن لك بعد دخولك تلك الأرض وحيازتها ما دام أنه لم يؤتيك مفتاحها. بل على العكس فإن دخولك الأرض من غير بابها وبدون مفتاح ذلك الباب هو انتحار لا أرضاه لك حتى وإن كنت على ملّة غير ملتي. فدعني أنصحك صادقَا بأن هؤلاء الساسة (من بني جلدتك ومن غيرهم) الذين سهلوا لك دخول الأرض المقدسة هم يأخذونك بذلك إلى مصير مجهول لا أرضاه (أنا شخصيَا) لك. فأنت شخص مؤمن برسالة موسى ومؤمن قبل ذلك بأن دخولك الأرض المقدسة هو وعد إلهي لك، فلا تنقض ميثاقك الذي واثقته على نفسك مع ربك، فتكون من الخاسرين. وبالنهاية، زي ما بدك، أنت حر. 

أما الدعوة التي أطلقها من هنا – بالمقابل – إلى كل العقلاء من بني الإسلام فهي كذلك بسيطة وجلية على النحو التالي: لا يمكن أن تدحض عزيزي المسلم دعوى الآخر بالترهات والأكاذيب والمنطق الشيطاني المفبرك. فعليك أن تؤمن إيمانًا مطلقًا بكل آية وردت في كتاب ربك الكريم، الذي يبين بشكل لا لبس فيه أحقية بني إسرائيل بوراثة الأرض المقدسة التي كتبها لهم كما جاء على لسان نبي الله موسى في كتابك الكريم في الآية الكريمة التالية: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) 

فهل هناك – عزيزي المؤمن بكتاب ربك- كلام أوضح من هذا الكلام القاطع الذي لا لبس فيه؟ أليس من الأحقية الدينية لبني إسرائيل وراثة الأرض المقدسة؟ لكن عليك أن تبين للجميع بأن هذه وراثة الأرض المقدسة ليست مفتوحة على الغارب لهم، فقط اطلب من بني إسرائيل (المؤمنين بحقهم في ذلك) أن يكون دخلوهم الأرض المقدسة شرعيًا متى ما أذن الله لهم بذلك. وعليك أن تتيقن بأنه لا يمكن أن يتم الإذن الإلهي لهم بذلك إلا بآية من ربهم، وهي حيازة مفتاح الأرض المقدسة، ودخولها بالتالي من الباب. فالجعجعة – عزيزي المسلم- لن تجد نفعًا مع علماء بني إسرائيل. ولكن المجادلة الحسنة بالحجة والبرهان هي ما ستخرسهم لأن ذلك هو الحق من ربنا جميعًا. فعلينا جميعًا (نحن وهم) أن يكون منهجنا هو ما قاله موسى: 

حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) 

فموسى قد اعترف لفرعون وقومه بأحقيتهم في وراثة أرض مصر. وهو من طلب من فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل ليعيدهم إلى الأرض المقدسة التي هي حق لهم. وعندما رفض فرعون دعوة موسى (وهي الحق الذي لا جدال فيه)، كانت نهايته وخيمه. ونحن نقول لكل مسلم بأنك إذا لم تعترف بأحقية بني إسرائيل بوراثة الأرض المقدسة بطريقة شرعية (عندما يدخلوها من الباب ويستخدمون مفتاح ذلك الباب)، لن تكون نهايتك أقل سوءًا ولا عذابًا من نهاية فرعون وقومه. انتهى. 

السؤال: أين الدليل على أن مفتاح الأرض المقدسة هو التابوت؟ 

رأينا المفترى: دعنا نعود إلى محاولة بني إسرائيل الأولى دخول الأرض المقدسة عندما طلب منهم نبيهم موسى ذلك؟ 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) 

السؤال: لماذا رفض بنو إسرائيل دخول الأرض المقدسة بالرغم أن موسى هو من طلب منهم ذلك؟ 

رأينا المفترى: لقد كان الذي يمنعهم دخولها هو وجود القوم الجبارين فيها: 

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) 

السؤال: هل نزل بنو إسرائيل عند قول الرجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهم عندما طلبوا منهم دخولها من الباب وأكدا لهم الغلبة على القوم الجبارين إن هم فعلوا؟ 

قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) 

جواب مفترى: كلا وألف كلا. فقد قطعا القول نهائيا برفضهم دخولها: 

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) 

السؤال: لماذا رفض قوم موسى (بنو إسرائيل) دخولها أبدًا مادام القوم الجبارين فيها؟ والأهم من ذلك لماذا طلبوا من موسى أن يذهب هو وربه فيقاتلا ليبقوا هم هناك قاعدون (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)؟ 

رأينا المفترى: قد يظن القارئ للنص القرآني للوهلة الأولى (ربما مدفوعًا بتفسيرات أهل الدراية من قبل) أن بني إسرائيل قوم يميزهم الجبن، أليس كذلك؟ أليس هذا ما درسونا إياه من كتب السلف العظيم؟ 

رأينا المفترى: دعنا نخالف أهل الدراية من قبلنا (كالعادة) لنقول لهم أن بني إسرائيل ليسوا جبناء، بل هم قوم أشداء، وليس أدل على ذلك من طلبهم من نبي لهم من بعد موسى أن يبعث لهم ملكًا ليقاتلوا في سبيل الله ليعودوا إلى ديارهم التي أخرجوا منها: 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) 

السؤال: لماذا إذًا رفض بنو إسرائيل دعوة موسى لهم بدخول الأرض المقدسة إن لم يكونوا جبناء (كما تزعم)؟ يسأل صاحبنا مستغربًا رأينا هذا. 

راينا المفترى: نحن نظن بأن بني إسرائيل لم يكونوا جبناء، ولكنهم كانوا أهل حيطة وحذر، وهم لا شك من أكثر أهل الأرض الذين يحرصون على ديمومة نسلهم. ولا شك – عندنا- أنهم قوم حاذرين، غير متهورين. وليس أدل على حذرهم من وصفهم الذي جاء في كتاب الله في الآية الكريمة التالية: 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (243) 

نتيجة مفتراة: بنو إسرائيل قوم يحذرون الموت حتى في سبيل الله. ولا أظن ذلك جبنًا ولكن خوفًا على ديموميتهم. 

ولا شك – عندنا – أن التهور يتناسب عكسيًا مع العلم، فكلما زاد علمك قل تهورك، والعكس صحيح. فالشخص الذي قلّ علمه، يزيد تهوره. لذا، نلاحظ أن الحيطة والحذر من سمات بني إسرائيل، بينما التهور (بمعنى الشجاعة والإقدام) من سمات جماعتنا. لكن ما يندى له الجبين أن عشرين عسكريًا أمريكيًا اسقطوا نظام بطلهم المظفر في بلاد الرافدين، وخمسين عسكريًا روسيًا سيطروا على سوريا الحضارة والتاريخ، واندحرت أمامهم جحافل الفصائل المقاتلة غير المعدودة بين ليلية وضحاها. ما علينا. 

نعم، لقد كان الحرص والحذر من أهم سمات بني إسرائيل، لذا لم يكونوا ليغامروا (نحن نتخيل) بمصيرهم أمام القوم الجبارين حتى لو كانت الدعوة قد جاءت من موسى نفسه، وليس أدل على ذلك من طلب بني إسرائيل من نبيهم موسى حينئذ أن يذهب ويقاتل هو وربه: 

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) 

السؤال: لماذا رفض بنو إسرائيل دعوة موسى؟ ولم كانوا حذرين محتاطين حتى بالرغم من وجود موسى بين ظهرانيهم؟ 

رأينا المفترى: دعنا نعود إلى ما قاله بنو إسرائيل لموسى من قبل عندما عاد إليهم رسولًا في أرض مصر: 

قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) 

لاحظ عزيزي القارئ – إن شئت- كيف يصف بنو إسرائيل ما حلّ بهم حتى بوجود موسى بين ظهرانيهم قبل أن يكون رسولًا ومن بعد ما جائهم رسولًا؟ ألم يصبهم الأذى؟ هل تظن أن بني إسرائيل سيطمئنوا لكلام موسى حتى لو كان بين ظهرانيهم؟ ألم يصبهم الأذى في أرض مصر حتى بوجود موسى معهم؟ هل تظن أن علماء بني إسرائيل على تلك البساطة أن ينسوا تجربتهم السابقة تحت حكم فرعون في أرض مصر وموسى بين ظهرانيهم؟ هل تراهم لا يتوقعون مصيرًا كذلك في ظل وجود القوم الجبارين في الأرض المقدسة؟ هل تراهم سيغامرون بمصيرهم مرة أخرى بعد نجاتهم من أذى فرعون؟ ألم يصروا على عدم دخولهم الأرض المقدسة (بالرغم من دعوة موسى لهم) حتى يخرج القوم الجبارين منها: 

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) 

السؤال: لماذا إذًا طلبوا من موسى أن يذهب ويقاتل هو وربه (إن صح ما تقول)؟ يسأل صاحبنا مستغربًا. 

رأينا المفترى: نحن نتخيل الموقف ويكأن لسان حالهم يقول لموسى (نحن نتخيل طبعًا) "إن كنت متأكدًا من النصر، فما فائدة ذهابنا معك، إذهب أنت وربك إذًا فقاتلا ونحن هنا قاعدون". ولو دققت في النص جيدًا، لوجدت أن فعل الذهاب قد سبقته الفاء (فَاذْهَبْ). ليكون السؤال الآن هو: لماذا جاء الفعل مرتبطًا بالفاء (فَاذْهَبْ)؟ لِم لَم يأت فقط بصيغة (اذهب) وكفى؟ 

رأينا المفترى: مادام الفعل قد جاء مرتبطًا بالفاء، فإن هناك كلام سابق مفهوم ظمنًا، فالفاء تربط هذه النتيجة بسبب سابق لها. ونحن نفهمه على النحو التالي (مادام أننا غالبون لأننا نحوز على المفتاح الذي سيجلب لنا النصر، فلا داعي أن نذهب نحن، فاذهب إذًا أنت وربك الذي أعطاك هذا المفتاح، فقاتلا ونحن ها هنا قاعدون، وسنلحق بك متى ما تحقق النصر لكما). وليس أدل على ذلك من وجود مفرد "ها" في الآية الكريمة: 

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) 

السؤال: لم قالوا له (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)؟ ولم لم يكتفوا بالقول مثلا (إنا هنا قاعدون) وكفى؟ 

رأينا المفترى: لو قالوا (إنا هنا قاعدون)، فهذا سيدلنا أن القوم قد تخلفوا عن موسى ولا يريدون اللحاق به تحت أي ظرف كان، لكن عندما قالوا له إنا (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، فهذا يعين – برأينا- ويكأن القوم يقولون لموسى بأنك تعرف مكان تواجدنا بعد تحقيقك النصر وربك، وتستطيع أن تنادي علينا (هَا) فنلحق بك. فأنت تعرف مكان تواجدنا تستطيع أن تستدعينا بكل يسر وسهولة. ولا زلنا في العامية الأردنية - مثلا - ننادى على بعض عن بعد يعبارة (هيه يا فلان)! 

ويكأن بني إسرائيل يرددون عبارة واضحة لموسى مفادها أن وجودنا معك (أو عدم وجودنا) لن يكون له تأثير ما دام أن أداة النصر (التابوت) معك. فلم المغامرة بنا معك ومع ربك؟! 

السؤال: هل قال لهم موسى أنه يملك مفتاح الأرض المقدسة؟ فلم إذًا لم ينزلوا عند قول موسى لهم؟ 

رأينا المفترى: نعم. نحن نتخيل بأن موسى قد قال لهم ذلك، ولكن هل تظن أن علماء بني إسرائيل سيقبلون ذلك دون تجربة سابقة؟ هل تظن أن علماء بني إسرائيل سيطمئنون لقول موسى دون أن يروا التجربة بأعينهم؟ ألم يطلبوا من نبيهم أن يروا الله جهرة؟ 

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) 

نتيجة مفتراة: ما دام أن بني إسرائيل علماء، فلن يقبلوا بالقول دون تجريب. انتهى. 

السؤال مرة أخرى: لماذا تظن – عزيزي القارئ- أن بني إسرائيل قالوا لموسى نفسه فاذهب أنت وربك فقاتلا؟ 

راينا المفترى: نحن نتخيل أنه عندما قال لهم موسى ذلك، لم يكن علماء بني إسرائيل سيصدقون ذلك إلا بالتجربة التي يرونها بأم أعينهم. لذا، فمنطق "العاقل منهم" (وليس المؤمن طبعًا) أن يقول لموسى مادمت مؤمنًا متيقنًا بأن هذا المفتاح (التابوت) سيحقق النصر، فما فائدة ذهابنا معك؟ ألا تستطيع أن تذهب أنت وربك فتقاتلا ونحن سنبقى هنا قاعدون؟ وما أن تحقق النصر، سنلحق بك على الفور (إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ). فقتالنا معك لا طائلة منه مادام أن هذا المفتاح هو سر تحقق النصر. انتهى. 

السؤال: لماذا لِم يذهب موسى ليقاتل هو وربه ويترك بني إسرائيل قاعدين هناك حتى ينهي المهمة؟ يستدركنا صاحبنا بالسؤال على الفور. 

جواب مفترى: لأنهم ما زالوا قومًا فاسقين. انتهى. 

السؤال: ما معنى ذلك؟ لم أفهم ما ترمي إليه؟ يقول صاحبنا. 

رأينا المفترى: انظر عزيزي القارئ ما قاله موسى بعد أن رفض بنو إسرائيل دعوته رفضًا قاطعًا: 

قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) 

وانظر عزيزي القارئ كيف أكد الله فسقهم في رده على موسى في السياق ذاته: 

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) 

السؤال: ما الذي نستفيده من ذلك؟ 

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الفاسق هو الذي لا ينصاع للأمر، فهذا إبليس هو أول من فسق عن أمر ربه: 

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50) 

السؤال: هل يستحق الفاسق أن يكافئ؟ 

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. فالذي يفسق عن الأمر لن يكافئ على فسقه. لذا، نحن نفتري الظن بأنه مادام أن بني إسرائيل قد كانوا حينئذ قومًا فاسقين (باستثناء ذلكما الرجلان)، فهم لا يستحقون إذًا المكافأة على فسقهم، لا بل فهم مستحقون العقاب المكافئ لفسقهم، فكان جزاء فسقهم ذاك هو تحريم الأرض المقدسة عليهم والتيه في الأرض أربعين سنة: 

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) 

السؤال: لماذا أربعين سنة؟ 

جواب مفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) أن السبب هو هذا: 

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) 

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا إذًا بأن الله قد عاقب كل من فسق عن أمر موسى بأن حرم عليهم الأرض المقدسة أربعين سنة، فيتيهون (يتشردون) في الأرض حتى يندثر ذلك الجيل عن بكرة أبيه، وحتى يؤول الأمر كله إلى جيل جديد ربما لم يخلق بعد من ذريتهم. ولو جاءت ذرية منهم بعد ذلك، فهم سيبلغون سن الأربعين، وسيكونوا هم أصحاب القرار في دخول الأرض المقدسة. ونحن نتخيل بأنهم لن يدخلوها ما لم يكونوا قومًا صالحين غير فاسقين، فعندها سيكونون هم فعلا أصحاب الحق في دخول الأرض المقدسة. ولو حصل أن جاء ذلك الجيل وتبين أنهم قومًا فاسقين (كما كان أسلافهم)، فسيبتليهم الله، وسيفشلوا في ذلك الابتلاء، ولن يكونوا مؤهلين لوراثة الأرض المقدسة. 

السؤال: ما الذي حصل بعد الأربعين سنة في التيه؟ هل جاء جيل جديد من بني إسرائيل وكانوا قومًا ليسوا بفاسقين؟ 

رأينا المفترى: نعم. بالفعل خرج (نحن نفتري الظن) من ذرية بني إسرائيل جيل جديد، وكان هذا الجيل مؤهلًا لدخول الأرض المقدسة، فما كانوا فاسقين، فدخلوها بطريقة شرعية، ودخلوها من الباب، واستخدموا المفتاح (التابوت) ليدخلوها آمنين. 

السؤال: أين الدليل على أنهم دخلوها بطريقة شرعية ومن خلال الباب وباستخدام التابوت؟ 

ثانيا، دعنا ننطلق الآن إلى المرة الثانية لمحاولة بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة في زمن نبي لهم من بعد موسى كما تبينه الآيات الكريمة التالية: 

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) 

نتيجة مفتراة: إن أول ما يمكن أن نستبطه من هذه الآيات الكريمة أن القوم قد أخرجوا من ديارهم وأبنائهم (وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا) قبل مجيء ذلك النبي لهم من بعد موسى. فلقد كان القوم متواجدين في الأرض المقدسة من قبل، وتم إخراجهم على يد جالوت وجنوده أو من سبقوهم، وها هم الآن يطلبون من نبي لهم من بعد موسى أن يبعث لهم ملكًا ليقاتلوا في سبيل الله، وهدفهم من ذلك القتال هي العودة إلى ديارهم (الأرض المقدسة). 

السؤال الأول: لماذا طلب بنو إسرائيل الإذن من نبيهم للقتال؟ لِم لَم يقاتلوا (ماداموا راغبين في ذلك) بدون أخذ موافقة ذلك النبي؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا السؤال يؤكد لنا افتراءنا السابق بأن بني إسرائيل يعلمون علم اليقين أن المسألة (دخول الأرض المقدسة) مش "معابطة" (كما نقول بالأردنية الدارجة). فهم يؤمنون يقينًا بأن دخول الأرض المقدسة لابد أن يكون بالطريقة الشرعية التي اختطها الله لهم حتى يضمنوا النصر والبقاء فيها آمنين بدون تهديد خارجي. لذا، لم يكونوا ليتجرأوا (نحن نعتقد)على القتال ما لم يأذن الله لهم بالقتال، ويكون أخذهم الأذن بذلك ذلك عن طريق نبيهم. 

لكن لو دققنا في النص أكثر، لوجدنا بأن ذلك يستحيل أن يتم ما لم يتوافر التابوت بين ظهرانيهم. لذا، كانت المجادلة واضحة من قبل أكثر بني إسرائيل حينئذ لنبيهم في أحقية طالوت بالملك عليهم لظنهم بأنهم أحق بالملك منه إلا بآية الملك وهي التابوت: 

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) 

فلقد ظلت مجادلتهم له مستمرة: 

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248) 

حتى جاءت آية ملك ذلك الرجل، ألا وهي التابوت. ما عادوا مجادلين ولا مشككين في أحقيته بالملك عليهم. 

فمادام أن الرجل هو من سيأتيهم بالتابوت في ظل حكمه، فقد اخرست جميع الأصوات العالية فيهم، وما كان منهم إلا أن يذعنوا للأمر رغمًا عنهم. فآية الملك (التابوت) هو القرار الإلهي لمن له الأحقية به. لذا، لم يتردد جمع كبير من بني إسرائيل حينئذ أن ينظموا إلى جند طالوت للقتال معه وتحت ملكه. فقد ساروا مطمئنين بأن النصر حليفهم، لأن التابوت متوافر بين أيديهم الآن. فلقد اكتسب بنو إسرائيل من الخبرات السابقة لهم بدخول الأرض المقدسة والخروج منها بأن التابوت هو مفتاح الأرض المقدسة، وأيقنوا تمامًا بأنه لا قوة على الأرض (حتى لو كان جالوت وجنوده) تستطيع أن تمنعهم من دخول الأرض المقدسة حتى لو صمدت منهم فئة قليلة فقط: 

وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) 

السؤال: لماذا لم يتبقى مع طالوت إلا فئة قليلة بالرغم أن الذين خرجوا معه كثيرون؟ ألا يعلموا بأن التابوت بينهم؟ فما السبب في أنه لم يتبقى في ساحة المواجهة مع طالوت إلا نفر قليل منهم؟ 

رأينا المفترى: ألا تجد عزيزي القارئ أن الابتلاء الإلهي مستمر ليميز الخبيث من الطيب؟ لذا، دقق عزيزي القارئ ما حصل لمن خرج مع طالوت من الجند: 

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251) 

ألا تجد بأن جميع من خرجوا مع طالوت لم يكونوا كلهم راضين بحكم الرجل؟ ألم يجادلوا نبيهم في أحقيتهم بالملك؟ هل تظن أنهم سيسلمون بالأمر دون قيد ولا شرط؟ 

رأينا المفترى: لمّا كنا نفهم طبيعة بني إسرائيل وحبهم لأنفسهم على حساب الآخرين، ستبقى دائمًا بينهم بعض الأصوات التي ترفض الجسم الغريب بينهم؛ إنها العنصرية العرقية لنسل بني إسرائيل. وما دام أن طالوت نفسه (نحن نزعم) ليس من بني إسرائيل، لذا لن يتقبله كل المجتمع الإسرائيلي بكل يسر وسهولة. فكان هذا ابتلاء لهم ليميز الله من يتقبل الحق ممن ما زال يظن أن الأمر عنصرية مقيته له ولقومه، فلسان حال كثير منهم هو ما تبينه الآية الكريمة التالية: 

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (18) 

لكن الله حسم الأمر بأنهم ليسوا أبناء الله وأحبائه، بل هم بشر ممن خلق. لذا، كان من نزل منهم عند هذا الحق مستحقًا الجزاء الطيب، وتبين أن من رفضه وأصر على عنصريته المقيته لا يستحق الجزاء الطيب، بل سيصيبهم الإقصاء عن (والاستثناء من) أنعم الله عليهم. وبالفعل كان الشرب من ذلك النهر هو الابتلاء الذي به يعلم الله من يتقبل الأمر منهم مقابل من يفسق عنه، فلا يتقبله، فيستبعد على الفور: 

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) 

إنه الاختبار ذاته الذي مرّ به بنو إسرائيل من قبل مع موسى ولكن بطريقة جديدة لم يكونوا ليحتسبوا لها من قبل. فموسى قد طلب منهم طلبًا، ففسقوا عن أمره، فتم لهم العقاب، فما دخلوا الأرض المقدسة. 

ولكن هذه المرة، هم لا يشكون بالنصر، ويعلمون أن التابوت يتقدمهم، فجاءهم الاختبار الإلهي بطريقة أخرى مفاجئة لهم ألا وهي عدم الشرب من النهر كما أمرهم بذلك طالوت الملك عليهم، فها هو طالوت صاحب الشرعية الذي ليس منهم هو من يأمرهم، فهل سيتقبل بنو أسرائيل أمر ملك غريب عليهم؟ 

لقد رضخ بنو إسرائيل لأحقية طالوت بالملك عليهم بعد جدال عنيف مع نبي لهم، لكن هل هدأت قلوبهم جميعًا واطمأنت لذلك عندما خرجوا في جيشه لقتال جالوت وجنوده؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن الغالبية الساحقة من بني إسرائيل قد أشربوا في قلوبهم العجل، وأن ثقافة الاصطفاء الإلهي لهم قد رضعوها من ثدي أمهاتهم، فهل سيكون من السهل عليهم التنازل عنها لرجل غريب له الملك عليهم؟ 

رأينا المفترى: كلا وألف كلا، لذا شرب الكثير منهم من النهر الذي ابتلاهم الله به، فبانت نواياهم الحقيقية تجاه القرار الإلهي بأحقية طالوت بالملك عليهم، فبان أن غالبيتهم لا يتقبلون ذلك في صدورهم حتى وإن خرجوا معه بأرجلهم، فجاءهم الابتلاء الإلهي، فتبين المصلح من الفاسق، فكانوا من الممنوعين من دخول الأرض المقدسة، لأنهم ببساطة لا يستحقونها. بينما تقدمت – بالمقابل - فئة قليلة مؤمنة صادقة (غير فاسقة) منهم فكان لهم النصر، وهذه الفئة هي لا شك فئة مؤمنة: 

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249) 

نتيجة مفتراة: كثير من بني إسرائيل فاسقون، فلا يستحقون دخول الأرض المقدسة. 

نتيجة مفتراة: فئة قليلة من بني إسرائيل مؤمنون ويستحقون وراثة الأرض. 

وليس أدل على ذلك من دعوتي هذه لهم. راقب عزيزي القارئ – إن شئت- كيف ستكون دعوتي هذه في بني إسرائيل لو أنها فعلًا وصلتهم الرسالة واضحة وجلية، هل يتقبلونها؟ 

رأينا المفترى: نحن نؤمن إيمانًا مطلقًا بأن أغلبيتهم لن تتقبل هذه الدعوة، لأنها جاءت (برأينا) من شخص ليس منهم، لكن ستظهر هناك (نحن نظن) فئة قليلة منهم يتقبلون هذه الدعوة بصدر رحب، وسيفهمونها حق الفهم، لا بل وسيطبقونها على الفور، لأنهم ببساطة مؤمنين موحدين، هدفهم الأول والأخير الإلتزام بالحق حيثما وجد. فهؤلاء سيكونون ممن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق: 

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16) 

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) 

لكن المتبجحون زورًا وبهتانًا باتباع عيسى وموسى لن يخفون على الله، وسيبتليهم الله ليعلم كيف يفعلون: 

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) 

وسيبين – لا محالة- أن كثيرًا منهم فاسقون، لأنهم لن يكونوا من الذين آمنوا وتخشع قلوبهم لذكر الله، ولكن سيبقى بينهم قليل من الذين آمنوا وهم الذين ستخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق. 

السؤال: إن صح ما تقول، فأين هو ذلك الباب؟ وأين هو ذلك التابوت؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن كل جهد بني إسرائيل في الحفريات التي يجرونها دون كلل ولا ملل في الأرض المقدسة (وخاصة تحت الأقصى) له هدف واحد حتى وإن كذبوا على العالمين: إنه البحث عن تابوت العهد القديم الذي يعرفون حق المعرفة أنه السبيل الوحيد لإثبات أحقيتهم بوراثة الأرض المقدسة ودخولها بشرعية إلهية لا تستطيع قوة على الأرض أن تمنعهم عن ذلك إن هم حصلوا عليه. لكن دعني من هذا المكان أوجه رسالة بسيطة وجلية لهم مفادها بأن لا تتعبوا أنفسكم بالبحث عن تابوت العهد القديم (مفتاح باب الأرض المقدسة) لأنه في الحفظ الإلهي، وصدقوني أنكم لن تحوزوا عليه ما لم تكونوا من الذين تلين قلوبهم وجلودهم لذكر الله، وستحرقكم نار جذوة النار هناك في البقعة المباركة من الشجرة التي لا تنطفئ. فأرجعوا ما سلبتم الآخرين من حقوق عنوة. وابحثوا عن التابوت بطريقة شرعية، ربما يظهر من بينكم من له الحق في حيازته. وبخلاف ذلك، فإنكم تحاربون الله وتظهرون في الأرض الفساد. انتهى. 

السؤال: لم تقول مثل هذا الكلام ويكأنك تعرف التابوت وتعرف مفتاحه؟ يقول صاحبنا متعجبًا. 

رأينا المفترى: دعني أقل لكم جميعًا بأنني لن أقدم بعد هذه السطور افتراء آخر يتعلق بهذه القضية في المستقبل القريب لعلمي بحساسيتها وخطورتها. وستأتي تلك الافتراءات في وقتها متى ما أذن الله لي بذلك، وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. انتهى. 

عودة على بدء: قصة سبأ 

دعنا نعود إلى حديثنا الأول بخصوص قصة سبأ كما ترد في الآيات الكريمة التي أوردناها في مقدمة هذه المقالة والتي سنعيدها هنا لكي يتسنى للقارئ متابعة النقاش معنا في هذه القضية، قال تعالى: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) 

لنطرح حولها التساؤلات الكثيرة والمثيرة في محاولة منا لقراءة النص بطريقة جديدة، ربما نصل من خلالها إلى افتراءات جديدة نظن أنها غير مسبوقة، سائلين الله على الدوام أن نكون من القوم الذين حقيق عليهم أن لا يقولوا عليه إلا الحق، فلا نفتري عليه الكذب، ولا نبوح إلا بما أذن الله لنا به من علم إن شاء، إنه هو الحكيم العليم. 

التساؤلات 

- أين هي سبأ؟ وأين هو مسكنهم؟ 

- أين هما جنتاهم؟ 

- لماذا هي بلدة طيبة؟ 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) 

- لماذا أعرضوا؟ 

- لماذا أرسل الله عليهم سيل العرم؟ 

- ما هو سيل العرم أصلًا؟ 

- كيف بدّلهم الله جنتيهم بجنتين ذواتي أكل خمط وشيء من سدر قليل؟ 

- ما هو الأكل الخمط؟ 

- ما هو الأثل؟ 

- ما هو السدر؟ 

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) 

- لماذا كان ذلك جزاؤهم؟ 

- لماذا كفروا؟ 

- ما هو جزاء من كان كفور؟ 

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) 

- كيف جعل الله بينهم وبين القرى التي بارك فيها قرى ظاهرة؟ 

- ما هي تلك القرى الظاهرة؟ 

- لماذا كان السير فيها ليالي وأيامًا؟ 

- كيف قدر الله ذلك السير فيها ليالي وأيامًا آمنين؟ 

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) 

- لماذا طلبوا أن يباعد الله بين أسفارهم؟ 

- كيف ظلموا أنفسهم؟ 

- كيف جعلهم الله أحاديث؟ 

- كيف مزقهم الله كل ممزق؟ 

- كيف كان في ذلك آيات لكل صبار شكور؟ 

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) 

- كيف صدق إبليس عليهم ظنه؟ 

- وما دخل إبليس بهذه القصة على وجه التحديد؟ 

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) 

- الخ. 

أما بعد، 

دعنا نبدأ النقاش هنا منطلقين من افترائنا المتكرر بأن سبأ هي وادي النيل (وخاصة المنطقة الجنوبية منه، أي جنوب مصر الحديثة والسودان بشقيه الشمالي والجنوبي حتى أعالي النيل). وأن الجنتين هما اللتان يشقهما النهر عن يمينه وشماله. وأن تلك الأرض كانت موطنًا لقوم آخرين يقومون على زراعته واستغلال طيبات الرزق منه بعد هلاك فرعون وتدمير كل ما كان يصنع قومه وما كانوا يعرشون. وأن بني إسرائيل هم من أورثوا تلك الأرض. وأن مدينة الخرطوم (السودانية) هي نفسها المدينة التي اتخذها فرعون عاصمة له. وأن رأس المال قد تجمع بيد من ورث الأرض من بني إسرائيل بعد هلاك فرعون. وأن أوج حضارة سبأ نشأت على أعقاب هلاك فرعون وقومه في زمن تلك المرأة التي أسلمت مع سليمان لله رب العالمين، وأن أولئك القوم كانوا أولوا قوة وأولوا بأس شديد. ليكون السؤال الأول الأن هو: ما الفرق بين القوة والبأس الشديد، صفات أولئك القوم كما جاء على لسانهم في ردهم على طلب المرأة المشورة منهم لترد على كتاب سليمان لها الذي نقله الهدهد؟ 

قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29) إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31) قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) 

رأينا المفترى: لقد افترينا سابقًا بأن البأس الشديد مصدره الحديد: 

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: تلك إذًا حضارة قد تمكّنت من استخدام الحديد بالشكل الأمثل، فكانوا أولوا بأس شديد، وذلك لأن البأس الشديد يتأتى من استخدام الحديد. فكانت تلك الحضارة هي حضارة الحديد. ولا ننسى – كما قلنا سابقًا - بأن هذه الحضارة كانت متزامنة مع عصر داوود وولده سليمان من بعده. ولا ننسى كذلك أن الله هو من ألآن الحديد لداوود: 

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) 

فكانت تلك الحقبة الزمنية كلها تمتاز باستخدم الحديد، فكان ذلك هو العصر الحديدي. انتهى. 

لكن يبرز هنا السؤال التالي: إذا كان البأس الشديد قد تأتى لهم من استخدامهم الحديد الاستخدام الأمثل، فمن أين جاءتهم القوة؟ 

جواب مفترى خطير جدًا جدًا: القوة مصدرها الكتاب. فهذا يحيى يأخذ الكتاب بقوة: 

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) 

نتيجة مفتراة: توافر علم من الكتاب في تلك الحضارة (قوم سبأ) فكانوا أولي قوة، وتوافر لهم استخدام الحديد، فكانوا أولي بأس شديد. فكانت فيهم صاحبة العرش (بعلم التأويل كما كان ليوسف). وتزايد ذلك العلم بعد إسلامهم بما جلبوه من الأسفار من عند سليمان بعد دخولهم الإسلام معه. فجاءهم علم على علم. 

السؤال: لماذا وقع عليهم العذاب (إن صح ما تقول)؟ يسأل صاحبنا. 

رأينا المفترى: لمّا أسلمت تلك المرأة مع سليمان لله رب العالمين، ولما أسلم قومها معها، جلبت كثيرًا من علم الكتاب لهم، كما جلبت لهم الإسلام. لكن يبرز السؤال التالي على الفور: ما الذي حصل بعد موت تلك المرأة؟ وماذا حلّ بهم بعد ذلك؟ 

رأينا المفترى: لقد حصل الاختلاف بينهم، لأن الاختلاف حاصل لا محالة بين الذين أوتوا الكتاب من بعد ما جاءهم العلم، ولا يكون ذلك مدفوعًا إلا بالبغي بينهم: 

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) 

السؤال: كيف حصل ذلك الاختلاف بينهم حينئذ؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عاد لبني إسرائيل المتواجدين حينئذ في سبأ كثير من العلم، فكانت فيهم الأسفار. ونحن لا نشك قيد أنملة بأن الأسفار ليست أكثر من فصول من علم الكتاب. فما زالت التوراة (كتاب موسى الذي هو إمامًا ورحمة) ينقسم إلى أسفار، أي فصولًا، كما قد فُرّق القرآن إلى سور. 

السؤال: أين كانت تلك الأسفار متواجدة؟ 

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأن تلك الأسفار كانت متواجدة بين أيدي بني إسرائيل المتواجدين حينئذ في تلك المنطقة. فماذا فعلوا بها؟ 

رأينا المفترى: لمّا كان بنو إسرائيل على علم بما في تلك الأسفار، لم يكونوا ليتفقوا فيما بينهم، فحصل الإختلاف بينهم. وكانت واحدة من دوافع الاختلاف بينهم حينذ تخص "قضية العودة من جديد إلى الأرض المقدسة" التي كتب الله لهم. فما تراهم فاعلين؟ لعل هذه القضية كانت ستسبب الاختلاف بينهم أكثر وأكثر. وسيكون محرك ذلك الاختلاف هو قضية مركزية تتعلق بكيفية انتقالهم (وتوقيت انتقالهم) من سبأ إلى القرى المباركة في ظل وجود القرى الظاهرة التي تفصل بينهم من جهة والقرى المباركة من جهة أخرى. فالقرى الظاهرة تلك تفصل بين بداية رحلتهم من سبأ ونهايتها في الأرض المباركة. فكيف سيحسمون أمر انتقالهم من هنا إلى هناك؟ 

منطقنا المفترى من عند أنفسنا: كان على بني إسرائيل أن يخططوا طريق رحلتهم في العودة إلى الأرض المقدسة مرورا بتلك القرى الظاهرة الواقعة في منتصف الطريق، فكيف سينفذون ذلك على أرض الواقع؟ 

رأينا المفترى: لمّا كان بنو إسرائيل – كما افترينا سابقًا – حذرين ألا يقع عليهم الأذى ويحل بهم الاستعباد من جديد، كان عليهم أن يخططوا طريق رحلتهم (وتوقيت ترحالهم) إلى القرى المباركة بطريقة دقيقة جدًا، لا توقعهم في قبضة سلطان جائر كما وقعوا في قبضة فرعون سابقًا، فيلحق بهم الأذى بالاستعباد في الأرض التي لا ينتمون لها مرة أخرى. وبكلمات بسيطة، نحن نتخيل أنه كان عليهم أن ينتقلوا من تلك الأرض (سبأ) إلى الأرض المقدسة مرورًا بالقرى الظاهرة الفاصلة بين الطرفين دون أن يقع عليهم العذاب في الأرض من جديد. فكيف سيتفذون ذلك على أرض الوقع؟ نحن نسأل مرة أخرى. 

رأينا المفترى: كان أمام بني إسرائيل خياران اثنان: إما أن يلتزموا بالقرار الإلهي وينفذونه بحذافيره أو أن يستخدموا ذكاءهم ويعتمدوا على أنفسهم في تنفيذ تلك المهمة. 

الدليل 

لو تدبرنا الآيات الكريمة الخاصة بقصة سبأ مرة أخرى، لوجدنا أن سبب هلاكهم هو إعراضهم: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) 

السؤال: ما معنى أن القوم قد أعرضوا؟ 

جواب مفترى: لو تفقدنا مفردة الإعراض على مساحة النص القرآني لوجدنا أن الإعراض هو الابتعاد عن الأمر سواء بتنفيذ أمر الله أو تنفيذ ما نهى الله عنه. فهذا إبراهيم – مثلا- يؤمر أن يعرض: 

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) 

فالأمر الإلهي بعذاب قوم لوط قد جاء، فما كان من رسل ربك إلا أن يطلبوا من إبراهيم أن يعرض عن مجادلتهم: 

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) 

فهل كان إبراهيم يستطيع بعد ذلك أن يستمر في المجادلة؟ 

وهذا سيد المرأة يطّلع على ما كان من أمرها مع يوسف، فيطلب من يوسف أن يعرض عن هذا: 

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) 

فهل كان يوسف يستطيع ألا يعرض عن ذلك؟ 

رأينا المفترى: ما كان إبراهيم وما كان يوسف يستطيعان إلا أن يعرضا. فالأمر لهم واجب الاتباع، ومن يعرض عن الأمر الصحيح سيكون مستحقًا العذاب. 

لكن ما يلفت الانتباه هنا بأن الأمر هنا جاء بالنهي عن شيء، فكان لزامًا على من نهي عن ذلك الشيء أن يعرض، لكي لا يقع عليه العذاب. 

وهناك بالمقابل، يأتي الأمر بأن تفعل شيئًا، فماذا ستكون النتيجة لو أنت أعرضت وما فعلت ما طُلب منك وجوبًا؟ رأينا المفترى: لا شك سيقع عليك العذاب، لأنك أعرضت عن شيء كان يتوجب عليك فعله. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- فيما يحصل لمن جاءه الأمر الإلهي بفعل شيء ما، فما امتثل للأمر الإلهي بالإعراض عنه: 

وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا (67) 

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57) 

فمن ذكر بآيات الله فأعرض عنها ، فهو إنسان كفور. ولو تدبرنا قصة سبأ من هذا الجانب لوجدنا أنهم قد أعرضوا، فكان جزاءهم هو جزاء من كان كفورًا: 

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) 

لتكون النتيجة المفتراة المهمة جدًا هنا هي على النحو التالي: لقد تم تذكير هؤلاء القوم بآيات الله فأعرضوا، فكفروا بها، فكان جزاءهم بما يجازي الله به كل كفور. 

ولو تدبرنا الآية الآيات الكريمة التي تبين لنا جزاء من أعرض، لوجدناها تبين أن العذاب سيكون صعدَا: 

وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) 

وغالبَا ما تكون ردة فعل من يرى آية ويعرض، على نحو أن ينعت ذلك بالسحر المستمر: 

وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) 

لأنهم سيكونون ممن يتبعون أهواهم وكل أمر مستقر: 

وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ (3) 

ولو حاولنا اسقاط ذلك على قصة سبأ، لربما صح لنا أن نفتري القول أن القوم قد جاءتهم آيات ربهم، فأعرضوا، فأصابهم العذاب الإلهي نتيجة إعراضهم، ربما لأن الغالبية منهم نعتوا تلك الآيات بالسحر المستمر، وفضلوا اتباع أهواءهم وكل أمر مستقر. 

نتيجة مفتراة: كان الاختلاف بين بني إسرائيل مصدره إما اتباع الآيات وتصديقها أو الإعراض واتباع أهواءهم وكل أمر مستقر. ولا شك أن نتيجة ذلك الإعراض ستكون المعيشة الضنكى: 

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124) 

ولا شك أن الله سينتقم ممن أعرض بعد أن ذُكِّر بآيات ربه، لأنه ببساطة ظالم مجرم: 

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ۚ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ (22) 

والآن لنتدبر الآية التي وردت في سياق الحديث عن سبأ من هذا الجانب: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) 

نتيجة مفتراة: بعد أن كانت أنعم الله سابغة على سبأ، وبعد أن تم تذكيرهم بآيات الله، كانت ردة فعلهم الإعراض عن آيات الله واتباع أهواءهم، فأصابهم العذاب بأن أرسل الله عليهم سيل العرم، فما عادت جنتيهم كما كانتا، وما عاد مسكنهم بلدة طيبة، لأن غفران الله ما عاد يظلهم كما كان من ذي قبل. فلقد كان في مسكنهم آية، وكانت تلك الآية على نحو جنتان عن يمين وشمال، وكانت بلدتهم طيبة وربهم غفور. فما كان منهم إلا أن يعرضوا. 

السؤال: كيف حصل ذلك على أرض الواقع؟ 

رأينا المفترى: لو رجعنا إلى قصة سبأ، لوجدنا بأن تلك الحضارة قد بلغت أوجها وتألقها السياسي والاقتصادي والعلمي في زمن تلك المرأة التي كانت تملكهم. وقد افترينا في مقالات سابقة لنا تحت عنوان "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته" أن أداة ملك تلك المرأة لقومها كان العرش. فالعرش كما افترينا حينئذ هو أداة المراقبة التي من خلالها كانت تلك المرأة تراقب تصرفات قومها، فما كان أحد منهم يستطيع أن يحيد عن أمرها، لأن كل ما يفعل أحدهم يقع تحت ناظريها في الحال: 

قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) 

فبالرغم من قوتهم وبالرغم من بأسهم الشديد إلا أنهم أرجعوا الأمر كله لها، فهي صاحبة النهي والأمر في أولئك القوم. ليكون السؤال الآن هو: كيف كان ملك تلك المرأة فيهم؟ هل كان حكمًا عادلًا أم جائرًا؟ 

رأينا المفترى: لا شك أن المرأة كانت تحكم فيهم بالعدل بدليل أنها ما كانت قاطعة أمرًا فيهم حتى يشهدون: 

قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32) 

فالمرأة إذًا صاحبة نفوذ قوي، لكن بالرغم من ذلك، لم تستخدم نفوذها في ظلم من كانت تحكمهم، بل على العكس فقد كانت تأخذ مشورتهم فلا تقطع أمرًا حتى تشهدهم عليه. 

نتيجة مفتراة: كانت العدالة (بالحكم الرشيد) تسود في سبأ بسبب ملك تلك المرأة لهم. 

ولو دققنا في قصة تلك المرأة ثانية مع سليمان، لوجدنا أن حضارتهم كانت غنية جدا، وليس أدل على ذلك مما بعثته لسليمان كهدية: 

وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) 

فتخيل عزيزي القارئ – إن شئت- مقدار حجم المال الذي بعثته لسيمان حتى تصد خطره عنها وعن وقومها. ولاحظ كيف قارن سليمان ما جاءوا به إليه كهدية بما عنده هو نفسه (قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم). فكم حجم الثروة التي كانت في يد تلك المرأة حتى ظنت أن هدية من المال يمكن أن تسكت سليمان (وهو صاحب الكنوز العظيمة) عنها وعن قومها؟ 

رأينا المفترى: لا شك أن حجم المال الذي أرسلت به تلك المرأة لسليمان كان كبيرًا جدًا، لدرجة أنها ظنت أن مثل ذلك المال يمكن أن يصد خطر الملوك الذين إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة: 

قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) 

ولو دققنا أكثر في هذه الآيات الكريمة على وجه التحديد، لوجدنا بأن ما كان يصف تلك الحضارة هما شيئان اثنان: 

1. أن بلادهم لم يكن فيها الفساد، فالمرأة تحاول أن لا يدخل الملوك قريتها لأنهم إن فعلوا أفسدوها. فالنظام والأمن يسود قريتها، وهي تحاول جاهدة المحافظة عليه 

2. أن فيها قوم هم أعزة (طبقة النبلاء). فهناك إذا من القوم من حولها من هم أعزة يحاولون الحفاظ على مكتسباتهم. ولا شك عندنا بأن الأعزة من القوم هم النخبة من حاشية المُلك (للتفصيل انظر قصة يوسف حول معنى العزيز). 

وبوجود تلك المرأة وحكمها الرشيد (مثلي) فيهم، ساد الأمن وعمّت الخيرات، وحفظت التوازن بين أعزة القوم، وكانت سبأ جنات عن يمين وشمال، بلدة طيبة ورب غفور (خاصة بعد أن دخلها التوحيد من جديد). وهنا نضطر أن نطرح سؤالنا السابق مرة أخرى: ما الذي حصل بعد موت تلك المرأة وموت سليمان أيضًا؟ ماذا حلّ بالقوم؟ ما الذي حصل في حكم تلك البلاد؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لمّا ماتت تلك المرأة، ولمّا لم يكن لها مُلكٌ متوارث من بعدها (فهي ليست مَلِكة أصلًا)، ولمّا كان في قومها طبقة هم جميعّا أعزة، ولما كانت الثروة بين أيديهم طائلة جدًا، ولما كان علماء بني إسرائيل بين ظهرانيهم يختلفون في الكتاب عن علم، ولما... ولما ...، أصاب عندها تلك البلاد الضعف بسبب النزاع على السلطة والثروة والعلم. فلا شك – عندنا- أن القوم سيتنازعون على الثروة وعلى توزيعها بالشكل العادل الذي يضمن لهم ديمومة أنعم الله. ولا شك أنهم سيختلفون على طريقة الحكم ومن أحق بالملك منهم، ولا شك أن من جاءهم العلم سيختلفون فيه بغيًا بينهم. فما الذي فعلوه حتى أصاب الله بلدتهم الطيبة بعذاب سيل العرم، فبدّلهم جنتيهم بجنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل؟ 

رأينا المفترى: لا شك عندنا أنهم قد صرموها كما فعل أصحاب الجنة في الطائف من قبل. فحاول كل منهم (نحن نتخيل) الاستئثار بأكبر كمية منها، مانعًا غيره عنها. فسادت سياسة القوة، وهيمن القوى الجشع على الجنات مانعًا الضعيف المسكين من دخولها، فأصابهم الله بذنبوهم، فكان العذاب على نحو ذهاب تلك الجنات كلها، وما تبقى منها إلا النزر اليسير: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) 

ومن هنا (نحن نرى) جاءت المقابلة معهم في تلك القصة السابقة عن أصحاب الجنة: 

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) 

(للتفصيل انظر مقالتنا السابقة تحت عنوان قصة أصحاب الجنة) 

فأصبحت سبأ (نحن نتخيل) بلدة غير طيبة لأنهم لم يشكروا لربهم: 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن أصبحت سبأ بلدة "غير طيبة" كما كانت، ما عاد السكن فيها يطاق لبني إسرائيل، ولما ساد الظلم والاستبداد، خشي بنو إسرائيل على أنفسهم من الاستعباد، فأين سيذهبون؟ 

رأينا المفترى: نحن نؤمن بأن بني إسرائيل لا يختارون السكن إلا في البلاد القوية سياسيًا (للتقرب من مركز الحكم والنفوذ)، والقوية اقتصاديا (من أجل المال) والتي يسودها القانون (حتى لا يقع عليهم الظلم). وما  تغيّرت هذه الظروف في مكان سكنوه إلا رحلوا منه إلى غيره. 

السؤال: مادامت أن ظروف المعيشة قد تغيرت في سبأ، فما عادت ملائمة لبني إسرائيل حتى (نحن نتخيل) عاد الحنين في هذه اللحظة بهم للحاق ببقية ببني جلدتهم في القرى المباركة (الأرض المقدسة). فتلك القرى يسكنها حينئذ بنو إسرائيل الذين عادوا إليها على يد طالوت. ويمكن أن تتخيل المشهد - عزيزي القارئ - على نحو ما فعل يهود اثيوبيا والسودان (يهود الفلاشا) عندما نشأت الدولة اليهودية في فلسطين في القرن الماضي. نعم، لقد عزموا الانتقال من سبأ إلى القرى المباركة شمالًا. فكان ذلك موسم هجرتهم إلى الشمال! 

لكن كانت القرى الظاهرة تحول بينهم وبين تحقيق هدفهم بالانتقال. فكيف سيخططوا رحلتهم مرورًا – لا محالة - بالقرى الظاهرة؟ 

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدًا: لقد كان قرار بني إسرائيل هو على النحو التالي: المباعدة بين أسفارهم. انتهى. 

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) 

السؤال: ما معنى ذلك؟ لم أفهم شيئًا. يرد صاحبنا قائلًا. 

رأينا المفترى: حتى تفهم عزيزي القارئ ما نود قوله هنا، عليك أن تفكر أولًا بمعنى قولهم (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)؟ 

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟ يسأل صاحبنا متعجلًا الإجابة. 

جواب مفترى: ولو دققت عزيزي القارئ في الآية الكريمة، لوجدت أن قولهم ذاك (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) كان فيه ظلم لأنفسهم (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)، لا بل وكانت نتيجة قولهم ذلك وظلمهم لأنفسهم أن جُعلوا أحاديث وتم تمزيقهم كل ممزق (وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ)، وكان في ذلك كله آيات لكل صبار شكور (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ). لنصل إلى النتيجة المفتراة من عند أنفسنا التالية: لم يكن القوم من الصابرين وما كانوا من الشاكرين، لأنهم لو كانوا كذلك، لما حلّ بهم كل ذلك العذاب (أن جُعلوا أحاديث ومُزقوا كل ممزق). 

تلخيص ما سبق: كانت ردة بني إسرائيل على ما حلّ بمسكنهم من الدمار، وبما يتهددهم من خطر الاستعباد من جديد بسبب غياب العدالة في تلك الأرض بعد موت تلك المرأة الحديدة (فلا تنسوا كيف كانت توصف تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا على وجه التحيد بالمرأة الحديدية) أنهم طلبوا من ربهم أن يباعد بين أسفارهم، فكان في ذلك ظلمًا لأنفسهم، وكانت نتيجة قولهم ذلك أنهم جُعلوا أحاديث وتم تمزيقهم كل ممزق. وذلك لأنهم ما كانوا صابرين وما كانوا شاكرين. 

السؤال: لماذا كان في قولهم ذلك ظلم لأنفسهم؟ ولماذا تم عقابهم على قولهم ذلك (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) على تلك الشاكلة؟ 

جواب مفترى: لأن إبليس قد صدق عليهم ظنه. انتهى. 

انظر عزيزي القارئ الآيات الكريمة التي تتبع مباشرة قولهم ذلك (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وظلمهم لأنفسهم (وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ)؟ 

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) 

السؤال: وكيف يمكن أن نفهم ذلك؟ يسأل صاحبنا 

رأينا المفترى: حتى نفهم ذلك، علينا أن نطرح جملة من التساؤلات حول هذه الآيات الكريمة، نذكر منها: 

- ما معنى قولهم (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)؟ 

- لماذا قالوا ذلك؟ 

- هل كان ذلك هو القرار المناسب في الوقت المناسب؟ 

- ما الذي كان يجب أن يقولوه حتى لا يظلموا أنفسهم؟ 

- كيف يكون في ذلك آيات لكل صبار شكور؟ 

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) 

- لماذا صدق عليهم إبليس ظنه؟ 

- كيف صدق عليهم إبليس ظنه؟ 

- لماذا اتبعوه؟ 

- من هم الفريق من المؤمنون الذين لم يتبعوا إبليس؟ 

- هل كان لإبليس عليهم سلطان؟ 

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) 

- كيف كان في ذلك علم الله بمن هو مؤمن بالآخرة ممن هو في شك منها؟ 

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) 

- الخ 

بدأية، نحن نظن (ربما مخطئين) بأن المشكلة كلها تكمن في قولهم (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، فذاك كان قرار الغالبية منهم الذين لم يكونوا مؤمنين، وهم الذين صدق عليهم إبليس ظنه. لذا، انقسم القوم حينئذ (نحن نتخيل) إلى فريقين غير متكافئين في العدد، فكانت الأغلبية من الذين صدق عليهم إبليس ظنه، بينما كانت الأقلية من المؤمنين الذين لم يصدق عليهم إبليس ظنه. لكن لمّا كانت الأغلبية من غير المؤمنين، كان قولهم هو الذي نُفِّذ على أرض الواقع، فكانوا هم من قالوا (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا)، بينما الأقلية المؤمنة لم تقل ذلك، لأنهم ببساطة لم يكونوا ممن قالوا (رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا). 

نتيجة مفتراة 1: كان الفريق الأول (الأغلبية) مؤيدًا لمباعدة الأسفار. 

نتيجة مفتراة 2: كان الفريق الثاني (الأقلية) لا تريد مباعدة الأسفار. 

السؤال المحوري: ما معنى مباعدة الأسفار؟ 

رأينا المفترى: بدايًة، علينا أن نفهم بأن الأسفار هي الفصول في الكتاب الواحد، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى: 

مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (5) 

فالأسفار إذًا يمكن حملها على الحمار. لكن الحمار الذي يحمل الأسفار لن يستفيد منها لأنه ببساطة حمار. ولكم أن تتخيلوا كم عدد الذين حمّلوا الأسفار ولم يحملوها، أليس الحمار أهدى منهم؟ ما علينا! 

إن ما نود قوله هو - ببساطة - أن القوم كانوا يملكون الأسفار، وكانوا يتأهبون للخروج من سبأ باتجاه الأرض المقدسة مرورًا بالقرى الظاهرة. ولا شك عندنا أن القرى الظاهرة هي قرى لها سطوة عسكرية، وكانت تلك القرى أكثر قوة من هؤلاء الذين يريدون المرور بها من بني إسرائيل باتجاه القرى المباركة. فدب في قلوب بني إسرائيل الخوف من سطوة هذه القرى عليهم إن هم مروا بها يحملون تلك الأسفار العظيمة. وكان أكثر ما يخيفهم هو سطوة تلك القرى الظاهرة على أسفار بني إسرائيل المرتحلين باتجاه الأرض المباركة. فكيف سيخطط بنو إسرائيل رحلتهم بطريقة تضمن لهم حماية تلك الأسفار من أن تقع في أيدي القرى الظاهرة؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان قرار الفريق الأول (الأغلبية منهم) على نحو مباعدة الأسفار، أي على نحو ألا يخرجوا جميعًا دفعة واحدة يحملون جميع الأسفار جملة واحدة في الرحلة ذاتها، فاتفقوا (بتخويف من الشيطان) أن يخرجوا منقسمين في جماعات، تحمل كل جماعة منهم واحدًا من تلك الأسفار العظيمة، حيطةً وحذرًا ألا تقع جميعها جملة واحدة في يد القرى الظاهرة. 

وكان رأي الفريق الثاني (الأقلية المؤمنة) على نحو عدم المباعدة بين الأسفار، فيخرجوا بها جميعًا جملة واحدة، وتبقى الأسفار كلها مجتمعة، لظنهم بأن الله لا محالة سيحميهم، وسيسدد خطاهم إن هم فعلوا ذلك. 

السؤال: من الفريق الذي كان صاحب القرار الصائب؟ 

رأينا المفترى: لا شك عندنا أن الفريق المؤمن الذي لم يقل بمباعدة الأسفار هو صاحب القرار الصائب. 

السؤال: لماذا؟ 

رأينا المفترى: لأن هذا الفريق المؤمن عنده الخبر اليقين بالوقت المقدر من الله لميقات انطلاق الرحلة. فلو أنهم انطلقوا في رحلتهم في وقت مقدر بذاته، لنجحوا بالعودة دون خسائر تذكر. 

السؤال: أين الدليل على ما تزعم؟ يسأل صاحبنا مستغربا. 

جواب مفترى: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية الكريمة التالية الواردة في السياق القرآني الخاص بقصة سبأ ذاته: 

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) 

نعم، لقد قدّر الله (تقديرًا) السير في تلك الرحلة لياليًا وأيامًا آمنين (وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ). ولو أن بني إسرائيل (نحن نظن) ساروا بالتقدير الإلهي لنجوا جميعًا ولما كانوا أحاديث ولما حلّ بهم كل ذلك التمزيق. لكن ما الذي حصل؟ 

رأينا المفترى: لما كان أولئك القوم غير صابرين، فإنهم بالتالي كانوا متعجلين (كعادة بني إسرائيل طبعًا). فما انتظروا الوقت الذي قدّره الله ليسيروا في تلك القرى ليالي وأيامًا آمنين. فلقد كان رأي فريق المؤمنين منهم الذين غُلِبوا على أمرهم ألا يتعجل القوم في الإنطلاق في تلك الرحلة حتى يحين الوقت المناسب كما قدّره الله. ولا شك عندنا أن علم ذلك الوقت موجود عندهم بما علموه من الكتاب (الأسفار). لكن لمّا كان لقادة الفريق الثاني (نحن نتخيل) أطماعًا شخصية في تفريق الأسفار، استطاعوا اقناع الغالبية العظمى من القوم بخطتهم، فخوفهم. وكان ذلك مدفوعًا بتصديق إبليس عليهم ظنه. فالشيطان لا يملك إلا أن يدعو القوم ليستجيبوا له، لكنه لا يمكن أن يكون لهم ظهيرًا: 

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) 

وهو لا يملك إلا أن يخوف أولياءه: 

إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175) 

ولو أن القوم تمسكوا بمثل ما تدعوا إليه الآيات الكريمة التالية: 

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (175) 

لانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. 

لكن لمّا كانت الغالبية العظمى منهم ممن يتبعون الشيطان، كان إبليس بذلك قد صدق عليهم ظنّه. فوقع في قلوبهم الخوف. فظن إبليس (وتخويفه لهم) هو ما نشره بينهم شياطين الإنس (الكهنوت الديني) فيهم بما أوحى إليهم شياطين الجن: 

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113) 

فصغت أفئدة الذين لا يؤمنون بالأخرة ورضوه، فاقترفوا ما هم مقترفون. ولو دققنا في مفردات قصة سبأ لوجدنا أنهم في شك من الآخرة: 

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21) 

نعم، لقد نجح الشيطان في تخويفهم، لأنهم بكل بساطة لم يكونون ممن يؤمنون بالآخرة بل هم منها في شك. فانظموا إلى صف شياطين الإنس، فكانوا من الذين أيدوا خطة مباعدة الأسفار. وبالفعل انطلقت رحلتهم في غير الموعد الذي قدّره الله ليسيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين، فما كانت نتيجة ذلك إلا أن جعلهم الله أحاديث ومزقهم كل ممزق. 

السؤال: كيف أصبحوا أحاديث بسبب ذلك؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما انطلق القوم في مجموعات، تحمل كل واحدة منهم سفرًا من تلك الأسفار، تشتتوا في الأرض بين القرى الظاهرة. فما عاد أحد يعرف ما حل بكل واحدة من تلك المجموعات، فأصبحت أخبارهم يتم تتناقلها بينهم بقصص (وروايات) مختلفة (وربما متضاربة)، فكانوا أحاديث. ولو أن خبرهم كان معلومًا يقينًا، لما اصبحوا أحاديث. فقصة أي شخص رحل من بلد إلى بلد آخر تصبح أحاديث بين الناس عندما لا يكون متوافر عنها معلومة أكيدة بما حل بذلك الشخص في رحلته من أولها إلى آخرها. فلو أن شخصًا – مثلا- ترك قومه في رحلة في الأرض، وما عرف بالضبط أين ذهب ذلك الشخص، وما عرف خط سير رحلته من بدايتها إلى نهايتها، وما عاد الشخص نفسه ليروى ما حلّ به في تلك الرحلة، فلن تكون قصته بعد ذلك بين الناس أكثر من أحاديث، كل يرويها بطريقته بناء على ما وصله من خبر ذلك الشخص في فترة ما. فربما يكون شخص قد وصله خبر ما عن ذلك الرحالة كأن يكون قد شوهد في أرض كذا في فترة ما، وقد يكون شخص آخر قد وصله خبر تواجد (أو مشاهدة) ذلك الرحالة نفسه في فترة ما في بلد غير تلك التي رواها الشخص الأول. وهكذا. فتصبح قصة ذاك الرحالة غير العائد بنفسه ليست أكثر من أحاديث بين الناس، يصعب القطع بصحة أي من تلك الروايات المتعددة (وربما المتضاربة) التي تناقلها الناس عنه. 

وهذا الأمر لم يقتصر على مجموعة واحدة من بني إسرائيل الذين باعدوا أسفارهم، بل ينطبق كذلك على كل المجموعات بدليل أن الله قد مزقهم كل ممزق: 

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ 

نعم لقد تمزق بنو إسرائيل الذين رحلوا من سبأ باتجاه الأرض المقدسة كل ممزق مكانيًا، وتباعدوا زمنيًا، فكانوا جميعًا أحاديث. لأنهم ببساطة باعدوا بين أسفارهم (أي انتقلوا على فترات متباعدة بأفواج متقطعة وسلكوا طرقًا متنوعة)، وما صبروا للخروج بالموعد المحدد الذي قدّره الله لهم ليسيروا فيها ليالي وأياما آمنين جملًة واحدة. 

دعنا نتوقف هنا للحظة لنوجه الرسالة التالية إلى بني إسرائيل وإلى العالمين أجمعين: نعم لقد كتب الله لبني إسرائيل وراثة الأرض، وطلب منهم دخولها من بابها باستخدام المفتاح الحقيقي الذي يفتح ذلك الباب، فيكونوا هم الغالبين. وفي الوقت ذاته، فإن الله قد قدر ذلك أيضًا زمنيًا. فليس لبني إسرائيل الحق أن يدخلوا الأرض المقدسة متى شاءوا (إن كانوا هم خارجها)، بل عليهم أن يصبروا ليدخلوها بوقت مقدر آمنين. فلا يجب عليهم إذًا أن يتعجلوا دخولها في غير الوقت المقدر لهم. ولو أنهم فعلوا لكان خيرًا لهم. وإن هم لم يفعلوا، فسوف يكونوا أحاديث وسيمزقهم الله كل ممزق. إن الفكرة التي نحاول الترويج لها بسيطة، مفادها أن رحلة بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة يجب أن تكون مقدرة زمنيًا. 

السؤال: متى يجب أن يدخل بنو إسرائيل الأرض المقدسة فلا يكونوا أحاديث ولا يمزقهم الله كل ممزق؟ 

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا: يكون ذلك ممكنًا متى ما عرفوا التقدير الإلهي لهم بدخول الأرض المقدسة. 

السؤال: ومتى يكون ذلك؟ وهل ذلك التقدير يمكن معرفته؟ 

جواب مفترى خطير جدًا جدًا: نعم. إنه موجود عند الفئة المؤمنة التي لم يصدق عليهم إبليس ظنه. فلقد كان من بينهم فريق يعلم أن الأسفار يجب ألا تُباعد وأن الرحلة مقدّرة، وأن السير فيها ليالي وأيامًا آمنين يجب أن تنطلق في الوقت الذي قدّره الله. 

السؤال: ومتى هو ذلك الوقت؟ 

رأينا المفترى: بعرف وبديش أقول. أنا حر. انتهى. 

السؤال: لماذا اختار الغالبية منهم مباعدة الأسفار؟ 

رأينا المفترى: لعلي أكاد أجزم الظن بأن السبب في ذلك هو شياطينهم من الإنس الذين خططوا للاستئثار بتلك الأسفار لمطامع شخصية لهم. فلقد كان بينهم من الكهنوت الديني (العلماء) الذين يريدون الفوز بتلك الأسفار بما فيها من علم عظيم لتكون السلطة بيدهم مسلطة على الدوام على رقاب الضعفاء من العالمين. فلقد كانت خطتهم على نحو أن لا تبقى تلك الأسفار مجتمعة، لأنهم بذلك لن يستطيعوا وضع يدهم عليها لتحقيق مآربهم الشخصية. فهؤلاء لا شك هم من الذين يريدون أن يكتموا ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه الله للناس في الكتاب: 

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) 

فهؤلاء الشياطين لا يريدون نشر المعلومة للجميع، لأنهم بذلك يخسرون مفاتيح القوة التي يتسلطون بها على رقاب العباد. فلو بقيت الأسفار مجتمعة، لما استطاع هؤلاء "العلماء الخبيثين" التحكم برقاب الجهلاء من الناس، لأنهم بذلك يخسرون كل أسباب القوة الشخصية التي تميزهم عن العامة من الناس. لكن عندما تباعد تلك الأسفار، فإنهم سيستطيعون كتمان العلم، وبالتالي التفرد به، ومن ثم تسليطه على رقاب العباد، فيتلاعبون بهم كالدمى. ولا نشك قيد أنملة أن منبع العلم في بني إسرائيل في كل مجالات المعرفة مصدره تلك الأسفار العظيمة. فكل من وقعت يده على سفر من تلك الأسفار حاز على علم عظيم، فأخرج منه للناس ما يريد، وأخفى الكثير منه، ليبقى متحكمًا متسلطًا. دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية الكريمة التالية التي تصف سلوك هؤلاء الذين كانت التوراة التي أنزلها الله هدى ونورًا للناس أجمعين كيف جعلوها قراطيس يبدون منها ما يريدون ويخفون كثيرًا منها: 

وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91) 

فنقول لهؤلاء من هذا المنبر ما قد لا يريدون سماعة ممن هم من مثلنا (من الأعراب): لقد بارت تجارتكم بآيات الله لأننا بفضل الله ومنّة منه نملك هذا: 

وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92) 

السؤال: ألا ترى أنك تسلك مسلك بني إسرائيل الذي تنتقده به؟ ألم تحاول قبل قليل أن تخفي المعلومة عنا؟ فما الذي يجعلك تختلف عنهم في مثل هذا السلوك؟ لم إذًا لا تقول لنا متى هو الوقت المقدر لدخول بني إسرائيل الأرض المقدسة؟ يجادلنا صاحبنا بالحجة الدامغة. 

رأينا المفترى: أنا لن أحجز المعلومة للأبد، لكني سأبوح بها متى ما أذن الله لنا بذلك. ولكني على علم أن هذا ليس وقتها. فالله وحده أسأل أن يعلمني من لدنه علما لا ينبغي لأحد غيري إنه هو السميع البصير. 

السؤال: كيف كان يمكن أن تسير رحلتهم لو أنهم لم يباعدوا بين أسفارهم؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو لم يباعدوا بين أسفارهم، لساروا فيها ليالي وأيامًا آمنين. 

السؤال: وكيف كانوا سيتاجوزون تلك القرى الظاهرة لو أنهم خرجوا بالوقت المقدر من الله؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كان الله قد قدر فيها السير تقديرًا: 

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18) 

كان بإمكانهم أن يسيروا فيها ليالي وأيامًا آمنين. 

السؤال: وكيف ذلك؟ 

رأينا المفترى: كان التقدير الإلهي مبني على أن تلك القرى هي قرى ظاهرة. لكن في الوقت ذاته كان هناك وقت محدد لو أن القوم التزموا به، لما كانت يد القرى الظاهرة ستصيب القوم المرتحلين من بني إسرائيل بأذى. 

السؤال: لماذا؟ 

رأينا المفترى: لأنها قرى ظاهرة. انتهى. 

السؤال: وكيف ذلك؟ 

رأينا المفترى: لمّا كانت تلك القرى هي قرى ظاهرة، كانت جميها ذات قوة، لكن لم تكن واحدة منها تستطيع أن تقضي قضاء مبرمًا على الأخرى. فالظهور هو النصر: 

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) 

فلو سار بنو إسرائيل بخطة الرحلة زمانيًا ومكانيًا، لكان ذلك في وقت قدره الله، فتكون تلك القرى (نحن نتخيل) منشغلة ببعضها البعض. ولكان دخول بني إسرائيل عليهم في ذلك الوقت لن يشكل هاجسًا لتلك القرى لإنشغالها بحروب متكافئة بين بعضهم البعض. 

السؤال: ما الذي كان من المفترض من بني إسرائيل فعله للمرور بتلك القرى ليالي وأيامًا آمنين؟ 

رأينا المفترى: أن يدخلوا الباب سجدا، وأن يقول كلمة واحدة فقط. 

السؤال: وما هي تلك الكلمة؟ 

رأينا المفترى: إنها كلمة "حطة". 

الدليل 

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- بالآيات الكريمة التالية: 

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) 

نعم، كان على بني إسرائيل أن يقولوا كلمة واحدة إذا دخلوا تلك القرية، ألا وهي كلمة حطة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ). 

السؤال: ما معنى حطة؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن مفردة حطة الواردة في هذه الآية الكريمة (وفي غيرها) تعني المكوث في تلك القرية على أنها "محطة" عبور. أي يكون مرورهم بالعبور (Transit). فكلما دخل بنو إسرائيل قرية ليست من قراهم كان عليهم أن يطمئنوا أهل تلك البلاد بأنهم غير ماكثين فيها إلى الأبد، وأن تواجدهم فيها ليس أكثر من محطة في طريق عبورهم إلى ما بعدها. لكن ما الذي فعله بنو إسرائيل؟ هل فعلًا قالوا حطة عندما دخول تلك القرية؟ 

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. لقد بدل القوم قولًا غير الذي قيل لهم. فما كانت النتيجة إلا على نحو ما لا يسرهم ولا يرضيهم. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- تتمة السياق القرآني ذاته: 

وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (59) 

السؤال: كيف بدل القوم قولًا غير الذي قيل لهم؟ 

رأينا المفترى: لقد دخلوا تلك القرية فما كان قولهم على نحو أن مكوثهم فيها هو حطة (مؤقتًا)، ولكنهم بدلوا ذلك، فمكثوا فيها على سبيل الديمومة. فكانت عاقبتهم الرجز من السماء بما كانوا يفسقون. 

نعم لقد فسق بنو إسرائيل، فما نفذوا الأمر الإلهي كما طُلب منهم، فكانوا فاسقين. ولذلك استحقوا بجدارة أن يحرموا من وراثة الأرض. فكلما فسق بنو إسرائيل عن الأمر الذي قيل لهم، كان العقاب الإلهي لهم على نحو تحريم وراثة الأرض المقدسة عليهم. وهنا لا ننسى أن نستذكر فسقهم مع موسى عندما طلب منهم دخول الأرض المقدسة، فكانوا قوما فاسقين، فحرموا منها وتاهوا في الأرض: 

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22) قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23) قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) 

ولو دققنا في السياق القرآني التالي من هذا الجانب، لوجدنا أن بني إسرائيل قد قيل لهم مثل ما قيل لهم سابقًا، وبدلوا قولًا غير الذي قيل لهم: 

وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ (162) 

نعم، لقد كان بنو إسرائيل ظالمين لأنهم بدلوا قولًا غير الذي قيل لهم. فكلما سكن بنو إسرائيل قرية في الأرض غير قراهم المباركة، كان عليهم أن يعلموا أن مكوثهم بها ليس أكثر من مكوث مؤقت، لكن عندما بدلوا ذلك، وسكنوا القرى على سبيل الدوام، كان العذاب الإلهي يصيبهم بما كانوا يفسقون وبما كانوا يظلمون على نحو حرمانهم من وراثة الأرض المقدسة التي كتب الله لهم. انتهى 

السؤال: وكيف سيدخلوا الباب سجدًا؟ 

رأينا المفترى: لقد تعرضنا لمفردة السجود في أكثر من مقالة سابقة لنا، وافترينا الظن في جميعها أن السجود يعني الطاعة والخضوع للأمر كما طلب الله من الملائكة السجود لآدم، وكما خر إخوة يوسف له ساجدين. إذًا، كان على بني إسرائيل أن يدخلوا تلك القرى الظاهرة سجدًا، فيطيعوا قوانين البلاد التي يحلّوا بها. ولا يستحدثوا لأنفسهم قوانين خاصة تخالف تعاليم البلد المتواجدين فيه. ولو دخل بنو إسرائيل باب القرى سجدا، وقالوا حطة، لنجحوا في عبورها آمنين إلى الأرض القدسة التي كتبها الله لهم. انتهى. 

نتائج مفتراة من عند أنفسنا 

- وراثة الأرض المقدسة من حق بني إسرائيل 

- عليهم أن يدخلوها من الباب 

- عليهم أن يحوزوا على مفتاح ذلك الباب 

- عليهم أن يدخلوها بموعد مقدر من الله 

- عليهم أن يمكثوا في كل قرية ويأكلوا من طيبات ما رزقهم الله فيها، لكن عليهم أن يعتبروا تلك القرى ليست أكثر من محطة (مكوثًا مؤقتًا) 

- عليهم أن لا يسكنوا أي قرية من قرى الأرض على سبيل الدوام 

- عليهم أن يدخلوا تلك القرى سجدا، فيلتزموا بقوانين البلاد التي يتواجدون فيها، لأنها ببساطة ليست بلادهم، وهم موجودين فيها كظيوف فقط، يحترمون خصوية صاحب البيت المستظيف لهم. 

- عليهم أن يجتمعوا جميعًا، فلا يباعدوا بين تلك الأسفار التي يحوزون عليها 

- عليهم أن لا يجعلوا تلك الأسفار قراطيس يبدونها ويخفون كثيرًا منها 

- عليهم أن لا يستخدموا ما في تلك الأسفار من علم عظيم للسيطرة على رقاب العالمين 

- عليهم أن يبينوا للناس كافة مصدر ذلك العلم فيبينوه للناس، ولا يكتمونه أبدًا 

- إذا لم يلتزم بنو إسرائيل بهذه الشروط، فهم من الفاسقين، وهم من الظالمين، وسيكونون أحاديث، وسيمزقهم الله كل ممزق. 

- عليهم أن يعلموا أننا لسنا بحاجة لهم إن لم يفعلوا ذلك لأننا نملك الكتاب الذي هو مهيمن على كل ما سبق، فالله الغني عنهم إن لم يكونوا قومًا مؤمنين 

- عليهم أن يفهموا أن هذا منهجنا: 

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64) 

وللحديث بقية بإذن الله 

اللهم ربنا ندعوك وحدك أن نكون من عبادك الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا. ونسألك وحدك أن نكون من عبادك المسلمين، وأن تعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن تزيدنا علمًا، وأن تهدينا لأقرب من هذا رشدًا. ونعوذ بك أن نكون ممن يصدق عليهم إبليس ظنه. وأسألك أن لا نكون ممن يفترون عليك الكذب أو ممن يقولون عليك ما ليس لهم بحق. وكما أدعوك ربي أن تعلمني من لدنك علمًا لا ينبغي لأحد غيري، وأعوذ بك أن يكون أمري كأمر فرعون، إنك أنت السميع العليم. 

المدكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان & محمد معتصم المقداد 

بقلم: د. رشيد الجراح 

4 نيسان 2020 

أحدث أقدم