نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) - رؤية جديدة - الجزء (9)


نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة – الجزء التاسع

سنتابع افتراءاتنا في هذا الجزء من المقالة عن قصة ميلاد المسيح عيسى بن مريم وما رافقها من أحداث رئيسية حول ميلاد يحيى بن زكريا، وسنطرح تساؤلات جديدة عن قصة هذين النبيين الكريمين، محاولين تقديم افتراءات جديدة – هي لا شك من عند أنفسنا- عن تلك القصة كما نتخيلها (نحن) قد حصلت على أرض الواقع، والهدف من ذلك هو حَبك تفاصيل القصة مع بعضها البعض بطريقة ترقى إلى مستوى القصة القرآنية كما بيّنها الله في كتابه الكريم. ولكن قبل الدخول في تفاصيل جديدة عن القصة ذاتها، دعنا نذكر القارئ الكريم بالخطوط العريضة للقصة كما افتريناها في الأجزاء السابقة من هذه المقالة وفيما سبقها من مقالات أخرى حول كيفية خلق المسيح عيسى بن مريم.

أما بعد، 

كانت أبرز ما افتريناه من عند أنفسنا سابقًا عن قصة خلق المسيح ما يلي: 

- ولد المسيح في ليلة السلام، فكان السلام عليه مباشرًا 

- غاب عن أمه فترة من الزمن بعد مولده مباشرة، فكان ذلك هو – نحن نرى- السبب بأن لا تقر عينها وتحزن حتى عاد إليها محمولًا في التابوت، لابسًا لباس التقوى.

- ظننا بأن المسيح قد ولد صبيًا، فما كان طفلا منذ ولادته، وبالتالي لم يكن يحتاج إلى إحسان من أحد (حتى من والدته)، فكان – بالمقابل- بارًا بها ولم يكن محسنًا بها. 

- افترينا الظن بأن قدمي المسيح عيسى بن مريم ما وطئت الأرض قط، فكان على الدوام محمولًا في التابوت. 

أما ما يتعلق بميلاد يحيى، فقد افترينا ما يلي:

- ولد يحيى كذلك في ليلة القدر، فجاءه السلام بطريقة غير مباشرة، فكان "سلامٌ عليهِ"، 

- طلب زكريا الذرية الطيبة من خلال امراته التي كانت حتى الساعة عاقرًا له، فجاء اصلاحها في تلك الليلة عن طريق مريم التي مارست دور الحكم من أهله والحكم من أهلها معًا. فهي من خرجت من المحراب في تلك الليلة متجهة إلى المكان القصي، لكن في خلال تلك الرحلة عرجت على بيت امرأة زكريا وأخبرتها بالبشرى التي جاءت زوجها بيحيى سيدًا وحصورًا، فعادت المرأة إلى بيت زوجها، وكانت هي والدة يحيى من ذرية زكريا.

- افترينا الظن كذلك بأن يحيى لم يكن له من قبل سميا، لأنه لم يكن من ذرية آدم التي خلقت قبل السجود لآدم، فكان الله هو من خلقه في تلك اللحظة وأطلق عليه الاسم يحيى، فما كان يحيي (كما لم يكن المسيح) من ذرية آدم. فهما الوحيدان اللذان ولدا صبيا، وهما الوحيدان اللذان كانا تقيا، وهما الوحيدان اللذان كانا يقدمان البر وليس الإحسان للوالدة (كما في حالة المسيح) وللوالدين (في حالة يحيى).

(للتفصيل انظر الجزء السابق من هذه المقالة)

وسنتابع الحديث في هذا الجزء الجديد من المقالة ذاتها حول قصة خلق ميلاد هذين النبيين الكريمين منطلقين من هذه الافتراءات السابقة، وسنبدأ بالتساؤل المثير التالي: لماذا طُلِب من مريم أن تقول لمن ترى من البشر أنها نذرت للرحمن صوما فلن تكلم اليوم إنسيا؟

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)

فهل نفّذت مريم ما طُلب منها فعلًا؟ لِم لَم تتلفظ مريم بالعبارة ذاتها كلاميًا؟ أي لمَ لم تقل لهم "إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا

رأينا المفترى: نحن نفهم بأن مريم قد نفذت ما طُلب منها على الوجه الصحيح، فهي مطلوب منها ألا تتكلم، ولو فعلا رددت مريم العبارة ذاتها التي طُلب منها قولها "إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا" لفظًا، لكانت قد خالفت بذلك الأمر الذي طلب منها تنفيذه وهو ألا تكلم من البشر أحدًا. فجل الرسالة التي تلقتها مريم هناك هي أن تمتنع عن الكلام نهائيًا. لذا، فمريم لن تتلفظ بعبارة كلامية أمامهم، وعليها أن تبقى صامتة، لكن عليها أن توصل لهم الرسالة بكل وضوح، وهي أنها قد طلب منها ألا تتكلم، فما كان منها إلا أن تشير إلى ما تحمله إشارة وليس حديثًا:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

السؤال: ما الذي فهمه القوم من اشارة مريم تلك؟ 

رأينا المفترى: نحن نفهم بأن مريم قد أوصلت للقوم رسالتين اثنتين، وهما: 

1. أنها ممنوعة من الكلام نهائيًا

2. أن هذه رسالة قد جاءتها بتكليف من مصدر آخر

الدليل: باب النذر

من أجل جلب الدليل على هذه الافتراءات التي هي من عند أنفسنا، علينا أن نعاود البحث في مفردة "نذرت" التي ترد في هذه الآية الكريمة:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)

ليكون السؤال المحوري هنا هو: ما معنى مفردة "نَذَرْتُ" كما وردت في هذه الآية الكريمة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مفردة "نذرت" لها علاقة بالإنذار، كما ترد في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (6)

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213)

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا بأن مهمة الرسل هي أن يكونوا مبشرين ومنذرين، وأن البشارة تكون للحصول على الخير، وأن النذر (الإنذار) يكون هدفه تجنب وقوع العذاب عليهم (المشاكل المتوقعة). فمهمة الرسول - كبشير - تتمثل في نقل الخبر بالخير لمن حوله (بشيرًا)، ليتحصلوا منه ما استطاعوا، ومهمته – كنذير- هي نقل الخبر بالعذاب (كنذير)، فيتجنبوه من استطاعوا إلى ذلك سبيلا. 

ولو دققنا أكثر في مفردة النذير، لوجدنا بأن ذلك تكليف من مصدر أول (كالوحي) لنقله إلى طرف آخر (الناس). فالرسول (كنذير) يحمل تكليفًا من ربه إلى الناس من حوله. فالرسول هو إذاً من يقوم بمهمة الإنذار، فهو نفسه النذير، لكن ما يهمنا قوله هنا هو أن الرسول ليس مصدر الإنذار، وليس صاحب القرار فيه. فبالرغم أنه هو النذير، لكنه ليس أكثر من حامل للرسالة من ربه إلى الناس من حوله.

السؤال: ما علاقة هذا بقول مريم (فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن مريم مأمورة بأن توصل للقوم رسالتين اثنتين، وهما:

1. أنها ليست هي من اتخذت القرار بعدم الكلام، ولكنها تحمل هذه الرسالة من مصدر سابق (الوحي)

2. أنها تنذرهم من هذه الذرية، لأنه سيكون نذيرًا كما سيكون بشيرًا.

السؤال: من الذي يوجَّه إليهم الإنذار؟

جواب مفترى: القوم كل القوم.

السؤال: من الذي يستفيد من الإنذار؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن الذي سيستفيد من الإنذار هم الذين يتبعون الذكر ويخشون ربهم بالغيب.

إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)

والذي يستفيد من الإنذار هو – لا شك- من كان حيّا، لذا يستحيل أن يستفيد من ذلك الإنذار من كان من الكافرين الذين – لا محالة- سيحق عليهم القول بالعذاب:

لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (70)

وذلك لأن الكافرين أموات غير أحياء ولكن لا يشعرون:

وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)

وهنا نتوقف لنلفت انتباه القارئ الكريم إلى الفرق بين الأموات والموتى، ففي حين أن الأموات (نحن نظن) ما زالوا على قيد الحياة بدليل أن من كان يدعو أحدًا من دون الله فهو من الأموات، فإن الموتى هم الذين فقدوا الحياة، بدليل أن الله هو من سيبعثهم:

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36)

فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (73)

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)

أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)

لذا، كان يأتي الإنذار جليّا لمن كان يدعو من دون الله، ولكل من سيقول بأن لله ولد:

وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)

منطقنا المفترى: نحن نظن بأنه ما دام أن مريم قد "نذرت"، فهي إذًا مكلّفة من مصدر سابق (الوحي)، لتنذر القوم بأن ما جاءت تحمله سيكون لا محالة نذيرًا (كما سيكون بشيرًا)، وتحذرهم في الوقت ذاته ألا يدعو من دون الله أحدًا، وألا يدعو لله الولد. 

ولو عدنا إلى ما قالته أم مريم عندما حملت بمريم: 

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

فهي إذًا تعلم أن مهمة ما في بطنها ليس أكثر من إشارة بقدوم العذاب على القوم إن هم أصروا على ما هم عليه من التعنت في قبول دعوته كبشير. لذا نحن نتجرأ على الظن بأن ميلاد مريم كان أشارة واضحة على اقتراب وقوع العذاب الإلهي، لأن ما في بطنها سيكون نذيرًا.

السؤال: ما هو النذر؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن النذر هو عبارة عن مهمة يكلِّف بها طرف ما طرفًا آخر للقيام بها نيابة عنه. انتهى.

الدليل

دعنا ندقق بالآيات الكريمة التي ترد فيها مفردة النذر:

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

فلو دققنا مليًّا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا أن هناك فرقًا بين النَّذْرِ من جهة والنُّذر من جهة أخرى:

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

فالنًّذر إذا لا يقع في باب الصدقات. فما هو؟

ولو دققنا في الآيات ذاتها، لوجدنا بأن النَّذر إلزاميا، وأن الذين يوفون به هم الذين يخافون يوما كان شره مستطيرًا:

يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)

وأن النذور من الأفعال التي على الحاج الإيفاء بها بالإضافة إلى قيامه بأعمال أخرى كقضاء التفث والتطواف بالبيت العتيق:

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)

السؤال مرة أخرى: ما هو النَّذر إذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن النَّذر يختلف عن غيره من الأفعال على أساس أنه تكليف من طرف ما لطرف آخر ليقوم هذا الطرف الثاني بتنفيذه نيابة عن ذاك الطرف الأول. فالحاج يجب أن يوفي بالنَّذر، أي القيام بما أوكله به غيره نيابة عنه، بعد أن تعهد هذا الطرف الثاني بإداء المهمة نيابة عن الطرف الأول. فلو طلبت منك أنا شخصيًا أن تنفق ألف دينار نيابة عني في مكان ما (ربما لأني لا أستطيع الوصول إلى ذلك المكان لسبب ما)، وقبلت أنت بهذه المهمة. فما عليك إلا أن توفي التزامك لي بأن تنفق هذا المبلغ نيابة عني، لذا لا يقع النَّذر في باب الصدقة، لأن الصدقة لا تكون إلا التزامًا شخصيًا يقوم به الشخص بنفسه، أما النذر فهو التزام شخصي يقوم به الشخص نيابة عن غيره. وبكلمات أخرى، هو ليس أكثر من تعهد من الشخص للقيام بالمهمة نيابة عن غيره الذي أوكله بالمهمة ووافق هذا الشخص على القيام بتلك المهمة كما طلبها منه الشخص الأول. فما دمت أنك قد تعهدت لي بأن تقوم بالعمل نيابة عني بتكليف مني، فعليك أن تفي بذلك. فهو بكلمات بسيطة عبارة عن دين لي في رقبتك أن تقوم بالمهمة الموكلة إليك مني. 

فتصبح أطراف المعادلة هي ثلاثة: 

- الشخص الأول الناذر (صاحب الحاجة الغائب)

- المهمة الموكلة للشخص الأول

- والشخص الثاني المنذر (الحاضر المنفذ للمهمة). 

لذا، مادامت امرأة عمران قد نذرت ما في بطنها، فهي إذًا مكلّفة من طرف أول للقيام بالمهمة في غيابه. فامرأة عمران (نحن نرى) مكلّفة من بعلها الغائب (عمران) أن تجعل ما في بطنها محررًا:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

وعندما نذرت مريم ألا تكلم اليوم إنسيًا، فهي إذًا مكلفة (نحن نرى) من طرف أول (الوحي) أن توصل للقوم رسالة كلامية مفادها بأنها لن تكلم اليوم إنسيًا.

ولو دققنا بما فعله زكريا، لوجدنا أنه يشبه في ظاهره ما فعلته مريم، ألا وهو الامتناع عن الكلام. انظر التقابل بين الحالتين:

حالة مريم: فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا 

(26)

حالة زكريا: قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ 

وَالإِبْكَارِ (41)

قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)

لكن على الرغم من تشابه الحالتين ظاهريًا، إلا أن هناك اختلافًا جوهريًا بينهما، ألا وهو أن حالة مريم تقع في باب النذر، بينما حالة زكريا لا تقع في باب النذر، ليكون السؤال هو: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن زكريا لم يكن مكلفًا بأن يوصل تلك الرسالة لقومه، بل هي آية له بذاته. بينما كانت مريم – بالمقابل- مكلفة بإيصال هذه الرسالة للناس. فمريم إذًا مكلفة بتوصيل الرسالة لغيرها، لكن زكريا مكلف بأن يحمل الرسالة لذاته. لذا كان ما فعلته مريم هو اشارة:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

فجاء رد القوم يبين أنهم قد فهموا الرسالة المنقولة إليهم عن طريق مريم، فقالوا (كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا). لكن كان ما فعله زكريا – بالمقابل- هو وحيًا:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

فما كان هناك رد من القوم اطلاقًا على ما أوحى إليهم زكريا به. 

السؤال الجديد: لماذا كان ما وضعته امرأة عمران انثى وليس ذكرًا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا السؤال يعيدنا إلى محاولة تخيّل ظروف المكان والزمان والحال حينئذ. فقد كان القوم هناك – نحن نتخيل – منقسمين إلى فئات متنافسة، نذكر منهم آل يعقوب (وممثلهم زكريا) وآل عمران (وممثلهم عمران نفسه). وقد كانت السيادة الفعلية (نحن نتخيل) لآل يعقوب، في حين كان آل عمران هم من الموالي. ولما جاء الاصطفاء الإلهي لآل عمران في ذلك الوقت، كان العداء سيكون (نحن نتخيل) محتدما من أوله مع آل عمران، ولربما كانت مكيدة آل يعقوب (خاصة العلماء منهم) ستكون كبيرة بآل عمران لو أن امرأة عمران قد وضعت ما في بطنها فكان ذكرًا. ليكون السؤال الآن: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: كان في آل يعقوب حينئذ العلماء (أصحاب الأقلام):

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

وكان هؤلاء العلماء (نحن نظن) سيشكون بأن الاصطفاء الإلهي قد يكون من نصيب آل عمران لو أن امرأة عمران وضعت ما في بطنها فكان ذكرًا، ولكان اسمه حينئذ موسى كما كان موسى ابن عمران في سابق الزمان (أيام العهد الفرعوني). لذا، نحن نتخيل بأنه لو وضعت امرأة عمران ما في بطنها ذكرًا، لكان اسمه موسى. ولكن لمّا وضعتها انثى، اسمتها مريم على اسم أخت موسى وهارون القديمين. فلقد كان لعمران هذا (والد مريم) ولد ذكرًا من امرأة اخرى، وكان اسمه هارون:

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)

وكان عمران هذا يتوقع أن تنجب امرأته هذه ولدًا ذكرًا ليسميه موسى. لكن لمّا وضعت امرأة عمران ما في بطنها انثى، لم تجد خيارًا آخر إلا أن تسميها مريم. السؤال: ما سر كل هذا التكتيك (إن صح القول)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا من باب المكر الإلهي ليصد مكر القوم من حول الرسول الجديد (عيسى)؟

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو أن امرأة عمران وضعت ما في بطنها فكان ذكرًا، لأسمته موسى، ولعلم علماء آل يعقوب حينئذ بأن هذا المولود هو الرسول المنتظر، ولعمدوا حينها (نحن ما زلنا نتخيل) على التخلص منه في الحال. لكن لمّا وضعت امرأة عمران ما في بطنها، فكانت انثى، ارتاح القوم، لظنهم بأن الرسل لا يكونوا إلا رجالًا من الناس، قال تعالى:

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43) 

وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (7)

فلقد ظن القوم (محقين طبعًا) بأن هذه الأنثى لن تكون رسولًا، لأنها (كواحدة من نساء العالمين) ليست رجلًا من الناس. لكنهم لم يدركوا في الوقت ذاته أن هذا من المكر الإلهي لصد خطرهم المتوقع. وما كان من كل آل يعقوب من يستحق أن يقوم على رعاية هذه الطفلة (بكفالتها) إلا شخص واحد هو زكريا (سيد آل يعقوب)، فهو وحده من كان (نحن نظن) مدركًا للمكر الإلهي، لكنه لم يكن يستطيع إلا أن ينزل عند القرار الإلهي، لكونه من الصالحين الذين يسارعون في الخيرات ويدعون ربهم رغبًا ورهبًا:

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

لذا، أوكل الله مهمة رعاية مريم لهذا الصالح من آل يعقوب، فكفّله إياها:

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

فتولى زكريا منذئذ مراقبة مريم بنفسه في المحراب، فكان بمثابة الوقاية لها من مكر علماء قومه من حولها. فالتزم زكريا بتلك المهمة على حساب حياته الشخصية، لدرجة أنه آثر أن تعقره امرأته (التي يحبها حبًا جمًا) في سبيل كفالة مريم. فقضى سنين من عمره صابرًا على ذلك حتى حانت الساعة التي يستفيد منها بطلب الذرية من ربه بيحيى. (للتفصيل انظر الجزء السابق من هذه المقالة). 

وعندما حملت مريم كلمة الله، لم يطّلع على ذلك إلا زكريا. ولما عادت مريم به تحمله، كان زكريا غائبًا عن المشهد كله، فكان الخطاب قد جرى بين مريم من جهة وقومها من جهة أخرى:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

ولما كان ما تحمله مريم صبيًا (تظهر عليه علامات العمر الذي تعدى مرحلة الطفولة)، ما كان ليخطر ببال أحد من القوم (نحن نتخيل) بأن هذا هو ابن مريم. ولكنهم ظنوا أن مريم ربما وجدته في مكان ما، فأخذته لتحافظ عليه وترعاه شفقة منها عليه. 

نتيجة مفتراة مهمة جدًا جدًا: نحن نتجرأ على الظن بأنه لم يكن أحد من القوم ليظن (أو حتى ليخطر بباله) بأن مريم هي أم هذا الصبي الذي جاءت به تحمله. وما كان أحد ليتخيل بأنها قد حملته في بطنها من ذي قبل، وما كان أحد منهم ليعتقد بأن هذا الصبي مختلف في طبيعة خلقه عن غيره من الصبيان. لكن كان كلّ ما يميز هذا الصبي (عندهم) أنه يتحدث في المهد بلسان غير لسانهم، فما استطاعوا أن يحاوروه حينئذ، وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق كله من هذا المنظور:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)

نعم، لقد كان القوم يمترون فيه (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ). ليكون السؤال الآن هو: كيف يمكن أن نفهم أن القوم كانوا فيه يمترون؟

رأينا المفترى: لو دققنا في مفردة يمترون في السياق القرآني التالي:

ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنتُم بِهِ تَمْتَرُونَ (50) 

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية التي تصور لنا ما حصل مع قوم لوط بخصوص العذاب الذي سيقع عليهم:

قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ (63) وَأَتَيْنَاكَ بَالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64)

لوجدنا أن من كانوا يمترون في شيء، فهم الذين كانوا يعلمون احتمالية حصوله، لكن كان ما ينقصهم هو العلم الأكيد بكيفية ووقت حصوله. فلقد كان القوم من حول لوط يظنون بأن العذاب عليهم ممكن الحصول، لكنه لم يكن عندهم العلم القاطع بكيفية حصوله ولا بالوقت الدقيق لحصوله، فما كان الله ليأخذهم إلا من حيث لا يحتسبون. 

ولو ربطنا هذا بقصة عيسى بن مريم، لوجدنا أن الذين اختلفوا فيه قد كانوا في شك منه:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

تلخيص ما سبق: كان القوم حينئذ (خاصة العلماء منهم) يمترون في عيسى بن مريم، فكانوا يتوقعون قدومه، لكنهم لم يكن عندهم العلم القاطع بآلية حصول ذلك ولا بوقت حصوله على وجه التحديد. 

منطقنا المفترى: نحن نظن بأنه لو كان ما وضعته امرأة عمران ذكرًا، لقطع شكهم باليقين، ولعمدوا إلى التخلص منه في مهده. لكن لمّا كان ما وضعته امرأة عمران انثى، ظن القوم أن الفرصة قد فاتت آل عمران، لأن الرسالة لا تكون إلا بذرية من الذكور. فحط القوم في بطونهم (كما يقول المثل الشعبي) "بطيخة صيفي"، وظنوا أن الفرصة لا زالت قائمة في أن يكون الرسول منهم (أي في آل يعقوب). 

ولو تدبرنا النص القرآني جيدًا، لوجدنا على الفور الغياب التام لمريم وابنها عن المشهد حتى مجيء عيسى لهم بالرسالة ليكلمهم في الكهولة كما كلمهم في المهد:

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)

ليكون السؤال الحتمي الآن هو: أين غابت مريم بابنها المسيح عن المشهد كل هذا الوقت من الزمن (أي من سن الصبا إلى سن الكهولة)؟

رأينا المفترى: لقد غابت مريم عن القوم، فاتخذت من قومها مكانًا قصيًا، فمكثت هي وابنها في الكهف في المكان القصي (أي الكهف المتواجد تحت المسجد الأقصى).

السؤال: أين الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في السياق القرآني التالي:

إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)

لوجدنا بأن عيسى ابن مريم الذي كلم الناس في المهد وكهلًا قد كان مؤيدًا بروح القدس (إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ)، أليس كذلك؟

السؤال: ما الذي نستفيده من ذلك؟ أو ما علاقة ذلك بمكوث عيسى بن مريم في كهف في المكان المقدس؟

رأينا المفترى: لمّا كان عيسى بن مريم مؤيدًا بروح القدس، لم يكن يستطيع (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) أن يتواجد خارج تلك المنطقة الجغرافية، فنحن نظن (ربما مخطئين) بأن روح القدس يستحيل أن يتواجد خارج هذه المنطقة، لأنه أصلًا لا يتنزل إلا هناك. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في جميع السياقات القرآنية التي يرد فيها ذكر روح القدس:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)

وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102)

ولو تدبرنا هذه الآيات على مساحة النص القرآني، لوجدنا التلازم الذي لا يكاد ينفك بين روح القدس من جهة وعيسى ابن مريم من جهة أخرى، فعيسى ابن مريم هو الرسول الوحيد (من بين جميع رسل الله) الذي كان مؤيدًا على الدوام بروح القدس (ميكال). كما نجد في الوقت ذاته بأن روح القدس هو الذي نزّل الكتاب الذي جاء محمدًا، فكان ذلك جملة واحدة:

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)

وكان ذلك في الليلة المباركة:

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3)

وهذه الليلة لا تحدث مكانيًا (نحن نظن) إلا في المكان المقدس، حيث تنزل الملائكة والروح فيها:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 1: نحن نعتقد بأن روح القدس لا يتنزل إلا في القدس، في الواد المقدس طوى على وجه الدقة. وما دام أنه هو الذي أؤيد به عيسى، فعيسى كان على الدوام متواجدًا هناك. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 2: روح القدس هو الذي نزل بالقرآن جملة واحدة، وما كان ترتيله على دفعات إلا من خلال الروح الأمين (جبريل) الذي كان يتنزل على محمد في البلد الأمين. 

السؤال: أين إذا غابت مريم بأبنها عن أعين الناس فترة طويلة من الزمن؟ 

رأينا المفترى: لو فتشنا في تراث أهل الكتاب من المسيحيين عن حياة عيسى بين فترة الصبا (عندما كلم الناس في المهد) وفترة إلقاء التعاليم (تكليم الناس في الكهل أو ما يسمى بالكرازة في التراث المسيحي)، لما وجدنا عندهم شيئا يستحق الذكر، وجل ما لديهم ليس أكثر من مجموعة من الروايات المتناقضة التي تبين بما لا يدع مجال للشك أن القوم قد اختلفوا فيه. 

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

السؤال: لماذا غاب المسيح كل هذه الفترة الطويلة من الزمن عن المشهد (عن نظر القوم)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك هو أن المسيح لم يكن لتطأ قدماه الأرض.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن المسيح قد كان على الدوام محمولًا في التابوت. انتهى.

السؤال: أين الدليل على ذلك؟ وكيف يمكن أن نتخيل المشهد؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن مريم قد أتت به قومها تحمله، قال تعالى: 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

ليكون السؤال الآن هو: ما الذي كانت مريم تحمله عندما أتت به قومها؟ 

جواب مفترى: ربما يظن البعض بأن مريم كانت تحمل ابنها المسيح، أليس كذلك؟ لكن يبقى التساؤل قائما: كيف كانت تحمل المسيح؟ هل كانت تحمله بين ذراعيها أو على كتفيها مثلًا؟ وماذا عن المهد؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مريم كانت تحمل المسيح الذي كان متواجدًا في المهد، فهي إذًا لا تحمل المسيح مباشرة، بل تحمله بطريقة غير مباشرة، بواسطة المهد، بدليل قولهم لها (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا). وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق الأوسع للآية الكريمة السابقة: 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما أتت مريم قومها تحمله، كانت تحمل المسيح الموجود في المهد، فمريم إذًا تحمل المسيح بطريقة غير مباشرة، لكنها تحمل المهد المتواجد به المسيح بطريقة مباشرة.

فالحمل يمكن أن يكون بطريقة غير مباشرة من خلال أداة، كما في قوله تعالى:

وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92)

فلو أنّ النبي كان يملك من الدواب ما يحمل عليه هؤلاء، لكان هو من يحملهم، لكن يستحيل أن نظن بأن حمل الرسول لهم كان مباشرًا، ولكنه حملًا غير مباشر من خلال أداة الحمل. 

السؤال: كيف استطاعت مريم أن تحمل التابوت الذي يتواجد به هذا الصبي كل هذه المسافة التي تفصلها عن قومها في طريق عودتها إليهم؟

رأينا المفترى: لو لصدقنا افتراءنا السابق بأن المهد هو نفسه التابوت، لأصبح لزامًا علينا أن نستدعي السياق القرآني التالي الذي يرد فيه طريقة حمل التابوت في الآية الكريمة التالية:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

نعم، لقد كان التابوت محمولًا من قبل الملائكة، وما كان من مريم إلا أن تحمل ذلك التابوت الذي كانت الملائكة أصلًا تحمله، فما كانت مريم إذًا ستجد عناء في حمله كل تلك المسافة الطويلة حتى أتت به قومها. 

السؤال: هل فعلًا أن المهد الذي أتت به مريم قومها تحمله هو التابوت ذاته الذي كانت الملائكة تحمله؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا المهد هو ذاك التابوت، ولكن لكي نجلب الدليل على هذا الافتراء الخطير جدًا (الذي هو لا شك من عند أنفسنا)، علينا أن نطرح التساؤلات التالية على الفور:

- ما هو التابوت؟

- ما هو المهد؟

- من أين حصلت مريم على ذلك المهد؟

- ما أهمية ذلك المهد؟

- الخ.

لو رجعنا إلى مفردة التابوت، لوجدنا بأن أول ظهور له كان في قصة موسى، عندما طلب منها أن تقذف ابنها الصبي (موسى) فيه، لتقذفه بعد ذلك في اليم:

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

فكان ذلك التابوت هو أداة نجاة موسى من قبضة فرعون. وما أن رد الله موسى إلى أمه حتى غاب ذكر ذلك التابوت من المشهد كله، وما عاد للظهور من جديد إلا في قصة طالوت في الزمن الذي ظهر فيه داوود، كآية ملك لطالوت:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

تساؤلات:

- لماذا اختفى ذكر التابوت من زمن موسى حتى ظهوره من جديد في زمن داوود؟ 

- لماذا ظهر مع طالوت على وجه التحديد؟ 

- من هو طالوت هذا؟ 

- الخ.

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن التابوت هو آية الملك والانتصار في بني اسرائيل، لذا نتجرأ على البوح بالافتراء الخطير جدًا جدًا التالي: ما ظهر التابوت في بني اسرائيل إلا جاءهم النصر، وما غاب التابوت إلا كان ذلك هزيمة وانحسار لهم ولملكهم. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو عدنا إلى قصة خروج بني اسرائيل من أرض مصر، لوجدنا بأنه قد طلب من نبيهم موسى أن يسر بهم من أرض مصر قاصدين الأرض المقدسة:

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ (24)

ليكون السؤال الحتمي هو: كيف خط بنو اسرائيل طريق خروجهم من أرض مصر باتجاه الأرض المقدسة؟ ولم اتجهوا نحو البحر مادام أنهم أصلًا متبعون (من فرعون وجنوده)؟ ألم يكن من البديهي أن يشكل البحر عائقًا لهم حتى يلحقهم فرعون وجنوده؟ فلم رضي القوم السير باتجاه البحر؟ الخ.

رأينا المفترى الخطير جدًا: نحن نظن بأن قوم موسى (بني اسرائيل) لم يكونوا يعلمون خط سير الرحلة على وجه التحديد، فكان عليهم أن يسيروا بتوجيه إلهي إلى حيث المكان الذي اختاره الله بنفسه لمواجهة فرعون وجنوده، فكيف تم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن خط سير الرحلة كان مرسومًا بأمر الله عن طريق التابوت. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن القوم كانوا يتبعون التابوت حيثما توجه مادام أن هذا التابوت كانت تحمله الملائكة. فالتابوت هو الذي يخط لهم طريق العودة إلى الأرض المقدسة منذ اللحظة الأولى لخروجهم من أرض مصر. فما كان لهم خيارًا إلا أن يتبعوا خط مسير التابوت حيثما توجه. 

نتيجة مفتراة: التابوت هو أداة وصول بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة

السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟

رأينا المفترى: ما أن خرج موسى ببني إسرائيل من أرض مصر، وما أن اقتربوا من دخول الأرض المقدسة حتى حصلت الحادثة التالية:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)

فهذا موسى إذا يطلب من قومه دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فماذا كانت ردة فعلهم المباشرة على طلب نبيهم هذا؟

جواب مفترى: رفض القوم رفضًا قاطعًا أن يدخلوها مادام القوم الجبارين متواجدين فيها:

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)

وما نزل عند طلب موسى إلا رجلان فقط من بني إسرائيل:

قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)

لكن قول هذين الرجلين لم يكن ليثني بني اسرائيل جميعًا عن قرارهم القاطع بعدم دخول الأرض المقدسة:

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

السؤال: ماذا كانت نتيجة رفضهم القاطع هذا؟

جواب مفترى: اختار موسى الانفصال عنهم بما تبقى معه من المؤمنين، فطلب من ربه أن يفرق بين المؤمنين من جهة والقوم الفاسقين من جهة أخرى:

قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)

السؤال: ماذا كان القرار الإلهي الفوري حينئذ؟

رأينا المفترى: حرم الله عليهم الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون في الأرض:

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

السؤال: كيف تاه بنو اسرائيل أربعين سنة؟ 

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا: لقد فقدوا التابوت الذي كان يوجه مسيرهم باتجاه الأرض المقدسة. انتهى.

السؤال: ما فائدة مثل هذا الطرح الآن؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا (لا تصدقوه): نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه لا شرعية (عقائدية) لبني إسرائيل في دخول الأرض المقدسة بغير التابوت. فدخول بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة بدون التابوت هو احتلال قسري لا شرعية فيه. فمهما كانت نتائج اجتماع نتنياهو (رئيس وزراء إسرائيل) مع ترامب (الرئيس الأمريكي) اليوم في البيت الأبيض فهي باطلة مادام التابوت ليس موجودًا بين أيديهم. لذا، نحن نتجرأ على توجيه الرسالة القصيرة التالية للمجتمعين: إذا كنتم تظنون أن الأرض المقدسة هي حق ديني لكم، فدخولكم إياها يجب أن يكون مشروعًا، ولا شرعية لكم لدخول الأرض المقدسة إلا بوجود التابوت. فإذا كتم تملكونه، فأنا شخصيًا أقر لكم بذلك الحق، وإن لم تفعلوا (وربما لن تفعلوا)، فدخولكم إذا قسريًا لا شرعية فيه. انتهى.

السؤال: ما الذي حصل بعد أن تاه بنو إسرائيل في الأرض أربعين سنة؟

رأينا المفترى: هاد بنو إسرائيل، فكانوا يهودًا:

وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

نعم، لقد هاد بنو إسرائيل (أي رجعوا)، بعد أن تاهوا في الأرض أربعين سنة. ولا أخال أن عودتهم تلك قد كانت ممكنة بغير التابوت. لكن لما أضاع بنو إسرائيل ذلك التابوت، أخرجوا من ديارهم وأبنائهم من جديد. ولندقق فيما جاء على لسان نبي لهم من بعد موسى:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)

السؤال: كيف سيستطيع بنو إسرائيل العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها؟

جواب مفترى خطير جدًا: نحن نؤمن باستحالة استطاعة بني إسرائيل دخول الأرض المقدسة إلا بوجود التابوت. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في رد نبي القوم على زعمهم: 

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

ولو دققنا في هذا السياق القرآني جيدًا، لوجدنا بأن دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة من جديد يستحيل أن يحصل إلا بوجود التابوت. فمادام أن طالوت قد جاء معه التابوت، فهو إذًا سيدخل الأرض المقدسة بشرعية إلهية لا يمكن الخصام فيها. انتهى.

تساؤلات

- ما هو التابوت؟ 

- ما مصدره؟

- ما ماهيته؟

- ما وظيفته؟

- الخ

للحديث عن التابوت، علينا أن نتوقف عند السؤال المحوري التالي: ما هو التابوت؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن التابوت من حيث الشكل هو ما يشبه الصندوق المستطيل كالمهد الذي يكون للطفل والصبي الذي ما زال يحتاج إلى نوع من الرعاية الخاصة. فهذا التقليد العملي يكاد موجودًا عند كل شعوب الأرض. فعادة ما تقوم المرأة الحامل بتجهيز هذا المهد على شكل صندوق مستطيل الشكل لتضع فيه مولودها لتوفر له الطمأنينة والراحة في النوم. لكن مادام هذا الصندوق يخلو من صاحبه (الطفل أو الصبي) فهو إذًا مادة لا حياة فيها، لكن ما أن يوضع فيه هذا الطفل أو ذاك الصبي حتى يبدأ ينبض بالحياة. لذا، نحن نتجرأ على القول بأن الفرق بين التابوت من جهة والمهد من جهة أخرى هو وجود (أو عدم وجود) الحياة فيه. فمادام تابوتًا، فهو لا حياة فيه، لكن ما أن يكون مهدا حتى يكون نابضا بالحياة، فينتقل من كونه تابوتًا حتى يصبح مهدًا. 

السؤال: من أين جاء ذلك التابوت في الأصل؟

رأينا المفترى: لمّا كان آدم وزوجه يسكنان الجنة، كان عليهما تجهيز الصندوق الذي سيضعان فيه الصبي الأول الذي كان من المفترض أن يتحصل لهما بآلية النفخ. ولما كانت الملائكة تسجد لآدم، كان عليهما أن يحملوا ذلك الصندوق على الدوام. لكن لما ارتكب آدم المعصية، أهبط من الجنة، فخسر ذلك الصندوق إلى الأبد.

نتيجة مفتراة: التابوت هو علامة وراثة الأرض المقدسة (جنة المأوى الأولى) بطريقة شرعية. 

السؤال: ما هي المادة التي صُنع منها ذلك الصندوق (التابوت)؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن مادة صنع ذلك الصندوق هي في الأصل مادة الخشب بدليل أنه قاوم الغرق في الماء عندما قذفته أم موسى في اليم:

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

السؤال: ما هي ماهية ذلك الصندوق (التابوت)؟ أو ما هو الشيء الذي ميز هذا الصندوق عن غيره؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه عندما أعد آدم وزوجه ذلك الصندوق قد استخدما المادة المتوافرة في تلك الجنة، ألا وهي (نحن نظن) الشجرة التي طفقا يخصفان على سوءاتهما من ورقها:

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22) 

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) 

ولما كانت تلك الجنة مشرقة بنور ربها، كان كل شجر الجنة ينبت بهذه الطاقة العظيمة. فكان "خشب" الجنة من مادة نظيفة تمامًا. لكن عندما ارتكب آدم المعصية وبدت لهما سؤاتهما، أطفئ ذلك النور، فما عاد ذلك الخشب من النوع النظيف. واصبحت نساء العالمين يصنعن الصندوق الذي يضعن به أطفالهن من مادة "الخشب" غير النظيفة، الشجر الذي ينبت بطاقة الشمس. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة). 

نتيجة مفتراة: كان ذلك الصندوق الخشبي (التابوت) مصنوعًا من الشجر الذي كان ينبت في جنة المأوى الأولى الذي كان أصلًا ينبت بالنور الإلهي. وكانت الملائكة مكلفة بحمل ذلك التابوت على الدوام.

عودة على بدء

عندما خُلق عيسى بن مريم بالنفخ، كان هو الوحيد المؤهل لأن يُوضع في التابوت منذ يومه الأول حتى وفاته. 

السؤال: ماذا كان يتواجد في ذلك التابوت؟ 

رأينا المفترى: اللباس (لباس التقوى). انتهى.

السؤال: ما علاقة ذلك بقصة المسيح؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما وُلد المسيح عيسى بن مريم عند جذع النخلة في تلك الربوة، غاب عن عين والدته فترة من الزمن، فنزل إلى ذلك الواد حيث يتواجد روح القدس والملائكة، فتم تجهيزه بلباس التقوى، ووضع في ذلك التابوت، فأصبح مهدًا، وعاد إلى أمه على تلك الشاكلة، فحملته ورجعت إلى قومها تحمله:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

فكان صبيًا (وليس طفلًا) محمولًا في المهد الذي لم يكن قومها يعلموا أن مريم تحمله بطريقة غير مباشرة، لأن الملائكة هم أصلًا من يحمل المهد (التابوت) بطريقة مباشرة. وظل عيسى محمولًا في ذلك التابوت، يستطيع أن يرتفع عن الأرض في السماء، لكنه لا يطأ بقدميه الأرض (فهو كلمة الله). 

السؤال: ما فائدة هذا الخيال المفترى من عندك؟ يسأل صاحبنا مستغربًا.

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا يعيدنا على الفور إلى الآية التي بدأنا النقاش فيها في الأجزاء السابقة، وهي قوله تعالى:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

لنطرح التساؤل التالي مباشرة: كيف نفهم عبارة (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ

تخيلات مفتراة خطيرة جدًا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن "ما شُبّه" للقوم حينئذ هو عملية قتل المسيح وصلبه. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كنا نظن بأن عملية القتل هي المنع، كان قرار هؤلاء هو أن يقتلوا المسيح بمنعه عن الوصول إلى القوم المتواجدين على الأرض، ولما كان المسيح هو عيسى (أي ابن السماء والأرض)، كان يستطيع التنقل بين السماء (بالارتفاع) والأرض (بالنزول)، فكان هدفهم أن يبقى المسيح معلقا في السماء، فلا يصل إلى الأرض، فيكون بذلك (حسب ظنهم) قد صلبوه. لكن الذي حصل فعلًا على أرض الواقع هو أنهم قد استطاعوا أن يبقوه معلقًا في السماء، لكن ذلك لم يكن صلبًا (كما ظنوا) وإنما رفعًا، قال تعالى:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

ففي حين أنهم ظنوا أن بقاء المسيح معلقًا في السماء هو قتلًا وصلبًا، كان في الحقيقية رفعًا من الله. فالقوم قد رأوا (بأم أعينهم) ارتفاع المسيح في السماء، لكنهم لم يدركوا ماهية ما حصل فعلًا، فجاء القول الإلهي ليبين بما لا يدع مجالًا للشك بان ذلك ليس صلبًا ولا قتلًا بل رفعًا من الله، بدليل مفردة "بل". فمفردة "بل" تعني أن الذي حصل فعلًا مغاير لما كان القوم يعتقدون. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآيات الكريمة التالية:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) 

ففي حين أن قوم شعيب قد ظنوا (مخطئين) بأن ما يرونه بأم عينهم هو عارض ممطرهم، جاءت الحقيقة الإلهية لتقلب الصورة إلى الجهة المعاكسة تمامًا بأن هذه ريح فيها عذاب أليم. وهنا تأتي وظيفة المفردة "بل" على نحو تبيان حقيقة ما كان القوم يظنون أنه حقيقة وهو في الواقع ليس كذلك.

ولو طبقنا هذا الفهم في حالة السياق الخاص بقصة صلب المسيح، كما في قوله تعالى:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

لربما صح لنا أن نتخيل وجود روايتين متباينتين تمامًا، رواية القوم الخاطئة التي تصور (حسب زعمهم) أنهم قد صلبوه وقتلوه، والرواية الأخرى الحقيقية التي تبين أنهم ما فعلوا ذلك، وإنما كان ما رأوه بأم أعينهم هو ليس أكثر مما يشبه الصلب والقتل، ولكن الحقيقية التي لا جدال فيها هي أن ذلك كان رفعًا من الله للمسيح إليه.

السؤال: كيف استطاع القوم أن ينفذوا مخططهم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن كل رسول جاء قومه بالبينات، فكانت ردة فعل القوم من حوله هي المقاومة والتشكيك، وبالتالي استحقاق العذاب الذي لا محالة واقع بهم. فدعوة كل رسول (كنذير) لابد أن تصل إلى نهايتها، ولو حصل أن القوم كذبوا الرسول، لكان لزامًا أن يحق عليهم القول ليدمرهم الله تدميرًا كما حصل مع قوم نوح وهود وصالح وموسى ولوط. ليكون السؤال الآن ماذا فعل بنو اسرائيل مع عيسى؟ ولِم لم يقع عليهم العذاب كما وقع على الأقوام الأخرى؟ ربما يريد صاحبنا أن يسأل.

رأينا المفترى: كانت نهاية دعوة الرسول تتم عندما يعتدي الناس على آيات الله البينات، فعندما اعتدى قوم صالح على الناقة – مثلا- كان موعدهم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام، وعد غير مكذوب. 

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

لتكون النتيجة التي نحاول جاهدين أن نصل إليها من هذا النقاش هي أن الاعتداء على آية من آيات الله البينات هو سبب كاف لنزول العذاب الإلهي المباشر على القوم الكافرين. 

السؤال: هل اعتدى القوم على عيسى؟

رأينا المفترى: نعم. وليس أدل على ذلك من قوله تعالى:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

رأينا المفترى: مادام أن عيسى قد أحس منهم الكفر، ومادام أن المسيح قد طلب النصرة من بينهم، فرسالته إذًا قد شارفت على نهايتها. 

السؤال: كيف اعتدى القوم على آيات الله البينات؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال تستدعي جلب الآية القرآنية التالية:

وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63)

فمجيئ الرسل بالبينات هو سبب كاف لأن يحيق بهم ما كانوا به يستهزءون:

فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (83)

السؤال: ما هي البينات التي جاء بها عيسى القوم من بني إسرائيل؟

رأينا المفترى: بادئ ذي بدء لابد من القول بأن عيسى بذاته هو آية:

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)

فالاعتداء على عيسى بمحاولة قتله وصلبه هو سبب كاف أن ينزل بهم العقاب الإلهي. ليكون السؤال الآن كيف كانت خطتهم للاعتداء على المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى الخطير جدا: التابوت. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما كان مخطط القوم مبني على افتراض ألا يصل المسيح للأرض فيبقى معلقًا في السماء (أي مصلوبًا)، كانت خطتهم (نحن نظن) مبنية على أن يعتدوا على الأداة التي تمكّن المسيح من النزول إلى الأرض، ألا وهي التابوت. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن القوم قد حاولوا الاعتداء على المسيح باعتدائهم على التابوت.

خروج عن النص في استراحة قصيرة

السؤال: لماذا نلبس النعال؟

رأينا المفترى: قد يظن البعض بأن لبس النعال هو تقليد متوارث منذ القدم وذلك لفائدته للشخص الذي يلبسه. لكننا هنا نتساءل عن تلك الفائدة التي من أجلها نلبس نحن البشر (على عكس كل الكائنات الأخرى تقريبا) النعال؟ فما الذي جعل الناس يلبسون النعال؟

رأينا المفترى: إنها الطهارة ولا شيء غير ذلك. 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: ربما يروج الكثيرون للفائدة الطبية لعدم لبس النعال، فغالبا ما يكون هناك فوائد ملموسة لعدم لبس النعال، لكن هل هذه الفوائد (إن صحت) تعادل الضرر المتحصل من عدم لبسه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فائدة لبس النعال أكثر من ضرر عدم لبسه، وذلك لأن لبس النعال بمثابة وقاية للإنسان من النجاسة (عدم الطهارة) التي يمكن أن تلحق بمن لا يلبس النعال. لهذا تجد الناس العاديين يستخدمون نعالًا خاصة بكل مكان، فهناك نعال في البيت خاصة بغرفة النوم، وأخرى خاصة بالحمام. وهناك نعال خارج البيت تأخذ بعين الاعتبار طبيعة البيئة الجغرافية التي يمشي فيها الإنسان. لكن الملاحظ أن الحرص كبير جدًا على لبس النعال في الأماكن التي تنقصها الطهارة. لتكون النتيجة على النحو التالي: كلما زادت النجاسة (عدم الطهارة)، كلما ازدادت الحاجة الملحة للبس النعال. والعكس صحيح، كلما قلت النجاسة، قلت الحاجة للبس النعال. فنساؤنا ترفض اطلاقًا أن نلبس (نحن الرجالة) النعال لندوس بها على السجاد والموكيت الجديد، ولا تبالي نساؤنا كثيرا في ذلك إن كان الفراش عتيقا باليًا ممزقًا. فهن يطلبن لبس النعال في الأماكن التي لا تكون نظيفة.

نتيجة مفتراة 1: لو كان المكان طاهرًا نظيفا، ما دعت الحاجة للبس النعال.

نتيجة مفتراة 2: لما كان المكان غير طاهر (تنقصه النظافة)، تكون الحاجة ملحة للبس النعال.

السؤال: لماذا طلب الله من موسى أن يخلع نعليه في الواد المقدس طوى؟

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

جواب مفترى من عند أنفسنا: لأن المكان مقدس، طاهر لا نجاسة فيه. انتهى 

عودة على ذي بدء

السؤال: لماذا كان عيسى بن مريم محمولًا في التابوت؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن بأن عيسى هو كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، لذا يستحيل أن تدوس قدميه مكانًا لا طهارة فيه. لذا، كان التابوت (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) بمثابة النعلين لعيسى بن مريم الذي لا يمكن لقدميه الطاهرتين أن تطئا مكانًا ربما يكون قد لحق به شيء من الأذى. 

نتيجة مفتراة: لما كان آدم في الجنة التي تشرق كلها بالنور الإلهي، لم تكن الحاجة ملحة للبس النعال. لكن لما ذهب ذلك النور الإلهي، وأصبحت تلك الجنة تشرق بأشعة الشمس التي ليست كلها طاقة نظيفة، تواجدت المخلفات غير النظيفة على الأرض، فأفسدتها، فأصبح لزامًا علينا أن نلبس النعال، وقاية منها، وطلبًا للطهارة.

نتيجة مفتراة: لما كان يعلم علماء بني إسرائيل أن قدمي المسيح لا تطأ الأرض، وأن التابوت هو المكان الطاهر الذي يمكن لقدميه الطاهرتين أن تطأه، عمدوا إلى خطة جهنمية ظنوا أنهم يستطيعون من خلالها تنفيذ مآربهم بقتله وصلبه. انتهى.

السؤال: كيف نفذوا خطتهم تلك؟

رأينا المفترى: كانت الخطة المنوي تنفيذها (نحن ما زلنا نتخيل) تحمل في ثناياها الاستيلاء على التابوت، حتى لا يستطيع المسيح من النزول من السماء إلى الأرض، فجاءت خطتهم مبنية على اخفاء التابوت في مكان ما.

السؤال: من الذي نفذ هذا المخطط؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الشخص الذي كان مؤهلًا للقيام بهذا العمل هو شخص يتمتع بمعرفة كافية في التعامل مع هذا التابوت الخشبي، فكان لابد من وجود نجار محترف مهنة النجارة الحقيقية، فكان (نحن نستنبط ربما مخطئين) يوسف النجار الذي يرد له ذكر كثير في التراث المسيحي. (وسنتناول تفصيل هذا الافتراء لاحقًا متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه في ذلك. فالله وحده أسأله أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدًا، إنه هو السميع البصير)

لكن ما يهمنا هنا هو ما دام أن القوم قد اعتدوا على المسيح وعلى آيات الله، فلمَ لم يقع عليهم العذاب المباشر من الله؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الذي منع العذاب الإلهي من الوقوع على بني إسرائيل بعد محاولتهم الاعتداء على المسيح عيسى بن مريم هو ما فعله الحواريون. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن الآيات الكريمة التالية (كما نفهمها) تبيّن لنا كيف صد الحواريون وقوع العذاب الإلهي على القوم من بعد عيسى بن مريم:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14) 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فهم هذه الجزئية في النقاش يتطلب ابتداءً التمييز بين طلب عيسى من الناس من حوله من جهة ، مقابل رد الحواريين من جهة أخرى، ففي حين أن عيسى طلب أنصارًا له إلى الله (قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ)، جاء رد الحواريين أنهم أنصار الله وليس أنصار عيسى إلى الله (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ). ليكون السؤال: كيف نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان طلب عيسى أنصارًا له من الله، كان الذي سيحدث على أرض الواقع لو أن الحواريين استجابوا لطلبه كما أراده المسيح، لكان هؤلاء الحواريون قد خرجوا مع المسيح نفسه، ولكانت رحلة خروجهم معه إلى السماء. ولما تبق أحد من المؤمنين على الأرض، ولحاق بكل أهل الأرض العذاب الإلهي. ولكان ذلك نهاية الكون بأكمله، لأن المسيح بحد ذاته علمًا للساعة:

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَا مِنكُم مَّلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (61) وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66)

السؤال: لماذا كان رد الحواريين على نحو (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ

رأينا المفترى: لم يرض الحواريون الخروج مع المسيح لعلمهم بأن العذاب الإلهي لا محالة نازل على الأرض جميعًا من بعدهم، ولما تبقى أحد من المؤمنين على ظهرها: 

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

ولما كان الحواريون يعلمون بهذه السنَّة الإلهية بأن الله لا يؤاخذ الناس يظلمهم، كان الحواريون يظنون أن في بقائهم على الأرض نصر لله الذي لا يؤاخذ الناس بظلمهم والذي كتب ليغلبن هو ورسله:

كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)

فتخيل معي عزيزي القارئ – إن شئت- ما الذي كان من الممكن أن يحصل على أرض الواقع لو أن الحواريين استجابوا بنصرة المسيح فخرجوا معه من الأرض كما كان يخرج المؤمنون في الأقوام السابقة مع رسلهم عند نزول العذاب!

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأنه لو خرج الحواريون مع عيسى لنزل العذاب بكل الأرض، ولانتهت قصة البشرية على الأرض في تلك الساعة.

السؤال: لماذا سيقع الهلاك على كل الأرض؟ لم لم يقع الهلاك على كل الأرض في القرون السابقة؟

جواب مفترى: نحن نظن أنه في حالة القرون السابقة كان خروج المؤمنين مع الرسول من أرض إلى أرض، فيقع العذاب على الأرض التي خرجوا منها لكنه لا يصيب الأرض التي خرجوا إليها، مادام أن هؤلاء المؤمنين ما زالوا مستغفرين وفيهم رسول الله إليهم:

وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

فالفرق بين العذاب الذي كان من الممكن أن ينزل على القوم من بعد عيسى لو استجاب الحواريون لنصرته بذاته، كان سيصيب الأرض كلها. أما العذاب الذي كان يصيب القرون السابقة كان يقع فقط على الأرض التي خرج منها الرسل بمن معه من المؤمنين.

السؤال: ما الذي فعله الحواريون لإنجاز هذا الوعد الإلهي؟

رأينا: اختار الحواريون أن يكونوا أنصارًا لله (بالبقاء في الأرض) على أن يكونوا أنصارًا للمسيح (بالخروج معه إلى السماء) حتى لا يقع العذاب على الأرض جميعًا. 

السؤال: ما الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الآية الكريمة التالية موجِّهة لنا في هذا النقاش:

وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

نعم، لم يكن العذاب ليقع على قوم مادام الرسول موجودًا فيهم، وكذلك فإن العذاب الإلهي لن يقع مادام أن هناك من القوم من مازالوا يستغفرون حتى لو خرج من بينهم الرسول. فبقاء الحواريون في الأرض هو خطة تتبع السنة الكونية بصد العذاب الإلهي بالاستغفار. نعم، لقد كانت نصرة الحواريين لله هي – برأينا- السبب الحقيقي الذي أنقذ الأرض كلها من وقوع العذاب الإلهي على الأرض بخروج المسيح منها. 

ومن هنا (نحن نظن) جاء منطق الهجرة من مكة إلى المدينة، فعندما أحس محمد الكفر من قومه واقتراب وقوع العذاب الإلهي على مكة، خرج محمد بنفسه من مكة تاركًا المؤمنين في مكة خلفه يستغفرون، صادًا بذلك وقوع العذاب الإلهي على قومه، لأنهم لا يعلمون. (للتفصيل حول هذه الجزئية، انظر مقالة لماذا هاجر النبي من مكة إلى المدينة؟). 

السؤال: لماذا اختار المسيح أن يأخذ الحواريين معه حتى لو أدى ذلك إلى هلاك الأرض جميعا بينما اختار الحواريون (وكذلك اختار محمد من بعدهم) ألا يقع العذاب الإلهي على الأرض؟

رأينا المفترى: لأن المسيح بنفسه ليس من الناس بينما الحواريون (ومحمد) من الناس الذين يهمهم أمرهم، قال تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (107)

انتهى

وللحديث بقية بإذن الله

سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه في ذلك لا ينبغي لأحد دوننا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانًا نصيرًا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو الواسع العليم. وأخيرًا، فالله خير حفظًا وهو أرحم الراحمين. 



المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان & محمد معتصم مقداد 

بقلم: د. رشيد الجراح

28 كانون ثاني 2020
أحدث أقدم