نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) - رؤية جديدة - الجزء (8)



نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة – الجزء الثامن

أثرنا في الأجزاء السابقة من هذه المقالة التساؤلات التالية عن قصة المسيح وأمه:

- لماذا حصلت القصة في ذلك الوقت من الزمن في تاريخ البشرية؟

- لماذا حصلت مع امرأت عمران على وجه التحديد؟

- هل كان من الممكن أن تحصل مع امرأة أخرى غير امرأت عمران؟

- لماذا نذرت امرأت عمران ما في بطنها؟

- ما الذي دفع امرأت عمران أن تنذر ما في بطنها؟

- لماذا تقبل الله منها؟

- لماذا كان ما انجبته امرأت عمران أنثى؟

- هل كانت مريم أنثى كنساء العالمين؟

- ما المختلف عند مريم الذي جعل الله يتقبلها؟

- ما الذي جعل مريم مؤهلة لأن ينفخ الروح في فرجها؟

- لماذا كان لمريم ذرية؟ فهل للنساء أصلا ذرية؟

- الخ.

وتابعنا الحديث في الجزء السابق عن قصة المسيح كما بينتها الآية الكريمة التالية على وجه التحديد:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158) وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (159)

فأثرنا حولها بعض الاسئلة، وهي:

- لماذا قالوا أنا قتلنا المسيح عيسى بن مريم؟

- لماذا أقروا بأنه رسول الله؟

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ ...

- لماذا جاء الرد الإلهي المباشر بأنهم ما قتلوه؟

- لماذا جاء الرد الإلههي مضيفا لنفي قتله أنهم ما صلبوه بالرغم أنهم أصلا لم يقولوا بأنهم قد صلبوه؟

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ...

- كيف شبّه لهم؟

- وما الذي شبّه لهم أصلا؟

... وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ ...

- لماذا اختلفوا في ذلك؟

- كيف أصبحوا في شك من ذلك؟

- وكيف كان ذلك اتباعا للظن من طرفهم؟

وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ ...

- لماذا جاء التبيان الإلهي مكررا أنهم ما قتلوه يقينا؟

... وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا ...

- كيف تم رفع المسيح؟

- ولماذا رفعه الله إليه؟

بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

- وكيف سيؤمن به جزء من أهل الكتاب قبل موته؟

- كيف سيكون عليهم شهيدا يوم القيامة؟

وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا

- الخ.

وكانت الافتراءات الرئيسية التي تجرأنا على تقديمها في ذلك الجزء السابق من هذه المقالة تتعلق بما حصل للمسيح منذ اللحظة الأولى لولادته، وكان أول تلك الافتراءات هو أن المسيح قد غاب عن عين أمه فترة من الزمن منذ أن ولدته، فأصبحت غير قريرة العين، وهو ما سبب لها الحزن حينئذ. وكان سبب غياب المسيح عن أمه فترة من الزمن (نحن نتخيل) هو ليتم تجهيزه باللباس والتابوت من قبل من كان سريا تحتها. فعاد المسيح إلى أمه بلباس التقوى محمولا في التابوت. فأتت به قومها تحمله (التابوت الذي يتواجد به المسيح). وما أن وصلتهم (وهي تحمله) حتى بادروها بالسؤال عنه، قائلين:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

فكان ردهم على النحو التالي:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

وهذا يعني (حسب فهمنا) بأن المسيح قد كان صبيا منذ اليوم الأول لولادته، الأمر الذي يستدعينا أن نقدم الافتراء الخطير جدا التالي: لم يمر المسيح بمرحلة أن يكون طفلا، كما هي حال من كان من الناس:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)

فالذي يخرج من بطن أمه يكون من الناس، فيخرج لا يعلم شيئا:

وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)

فيكون في هذه المرحلة طفلا، سيمر بالمراحل اللاحقة وهي بلوغ الأشد ثم الشيخوخة. وما دام أن المسيح لم يكن طفلا، فنحن سنتجرأ على القول بأن المسيح لن يمر بالمراحل التالية، وهي بلوغ الأشد ثم الشيخوخة. لذا جاء النص ليصور لنا حياة المسيح في مرحلتين اثنيتين وهما مرحلة المهد والكهولة:

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)

نتيجة مفتراة 1: الناس يمرون بثلاث مراحل عمرية وهي: الطفولة ثم بلوغ الأشد ثم الشيخوخة

نتيجة مفتراة 2: عيسى لم يكن من الناس، لأنه ليس مخلوق من ذكر وأنثى. لذا، مر فقط بمرحلتين عمريتين وهما مرحلة المهد والكهولة. 

السؤال: كيف يمكن أن نصف المرحلة العمرية التي مر بها المسيح في المهد؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن عيسى كان في المهد صبيا:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

السؤال: ومن هو الصبي؟ وكيف يختلف عن الطفل؟

رأينا المفترى: الطفل هو من لازال لا يظهر على عورات النساء:

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)

وهم الذين لم يبلغوا الحلم بعد:

وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)

ولو افترضنا بأن عيسى كان طفلا، لكان لزاما علينا أن نفتري القول (مخطئين) بأن عيسى سيبلغ - لا محالة - الحلم. وهذا ما لا يليق – نحن نظن – بشخص المسيح عيسى بن مريم. فالمرور بمرحلة الطفولة يترتب عليه المرور بمرحلة بلوغ الحلم وبالتالي الشيخوخة. فالشيخوخة لا تتأتى إلا لحظة أن يصبح الشخص غير قادر على الانجاب، كما تبين ذلك الآية الكريمة التالية:

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

فامرأة إبراهيم تتعجب من امكانية حصول الحمل عندها، لأنها هي عجوز أصلا وبعلها شيخا.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: المراحل العمرية البيولوجية التي يمر بها الإنسان مترتبطة ارتباطا مباشرا ببلوغ الحلم، فمن كان طفلا، سيتطور جسميا ليبلغ مرحلة الحلم (القدرة على العملية الجنسية)، ويستمر في ذلك طوال مرحلة بلوغه أشده، ثم يكون شيخا بعد أن يستنفذ مخزونه من ذلك الحلم (الطاقة الجنسية).

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: من لم يكن طفلا، لن يبلغ مرحلة الحمل (وبلوغ أشده)، كما أنه لن يكون شيخا (لأن القدرة الجنسية لم تتولد عنه). وسيمر بمرحلتين اثنتين فقط وهما: صبيا ثم كهلا. وهاتان المرحلتان لا تتكون فيهما طاقة جنسية أصلا. وهذه الحالة (الصبا فالكهولة) لا تنطبق إلا على اثنين وهما يحيى وعيسى. انتهى.

الدليل

لو تفقدنا ما جاء في النص القرآني على مساحته عن هذين النبيين الكريمين، لوجدنا تطابقا عجيبا بينهما فيما يخص مفردة صبيا. فهما الوحيدان اللذان اتصفا بهذه الصفة:

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

كما نجد تطابقا عجيبا أيضا في مفردة البر:

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14)

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)

ونجد تطابقا عجيبا بينهما في مفردة السلام:

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

لتكون التساؤلات التي لابد أن تطرح على الفور على النحو التالي:

- لماذا كان كلاهما (يحيى عيسى) صبيا؟

- كيف كان كلاهما بارا؟

- لماذا جاء سلام على كليهما؟

- الخ.

باب الصبي

لمّا كان يحيى صبيا، ولمّا كان عيسى صبيا، فإن كليهما (نحن نظن ربما مخطئين) لم يمرا بمرحلة الطفولة، كما أنهما لن يمرا بمرحلة الحلم ولن يمرا بمرحلة الشيخوخة. وبالتالي لن يكون لديهم القدرة على الإنجاب. فعيسى لن يكون له زوجة وولد، فهو كلمة الله وروح منه. وكذلك كان يحيى، لذا جاء في النص القرآني:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

فلماذا كان يحيى حصورا؟ وما معنى أن يكون يحيى حصورا؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن يحيى كان حصورا، لأنه الذرية لن تتأتى له. فلو كان من المحتمل أن يكون ليحيى ذرية، لما كان حصورا، أي لما انحصرت ذريته عنده فقط.

الدليل

لو تدبرنا مفردة الحصر على مساحة النص القرآني، لوجدنها قد وردت في السياق التالي:

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

فالذي يحصر عن الحج والعمرة هو (نحن نظن) الذي لا يستطيع الوصول إلى مكان أداء الحج والعمرة. 

كما نجدها في السياق التالي:

لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)

فالذي أحصر في سبيل الله هو الذي لا يستطيع ضربا في الأرض، فيتعذر عليه التقدم إلى الأمام، ليبقى قابعا في المكان ذاته.

كما نجدها في السياق التالي:

إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (90)

والمحصر صدره هو الذي يقبع في حالة الوسط بين طرفين، فلا يستطيع أن يقاتل هؤلاء ولا أن يقاتل أولئك.

كما نجدها في السياق التالي:

فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)

وأبسط صور حصر المشركين هو حجزهم في مكان لمنعهم من التقدم إلى الأمام أو التراجع إلى الخلف.

نتيجة مفتراة: كان يحيى حصورا، لأنه ليس من الذين سيكون لهم امتداد بعده. 

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن الله لم يجعل له سميا. انتهى.

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟ ما العلاقة بين أن يكون يحيى حصورا مع حقيقة أن الله لم يجعل له من قبل سميا؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: لم يخلق يحيى بالاستطاعة الإلهية وإنما خلق بالقدرة الإلهية. انتهى.

السؤال: ما معنى ذلك؟ أليست هذه أصعب من تلك؟ هل لك أن توضح ما تريد قوله؟ يرد صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: نحن نميز بين القدرة الإلهية والاستطاعة الإلهية. فما كان ضمن الاستطاعة الإلهية، فهو ما كان متوافرا في المشيئة الإلهية (أي مجمل الخيارات التي خطها الله بالقلم منذ الأزل). لكن ما كان بالقدرة الإلهية، فليس بالضرورة أن يكون من ضمن المشيئة الإلهية (أي ليس من مجمل الخيارات التي اخطتها الله في الأزل بالقلم). 

الدليل

عندما بشرت الملائكة امرأة ابراهيم بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، كان ذلك من ضمن الاستطاعة الإلهية، لذا لم يرد في النص القرآني بأن الله لم يجعل لهما من قبل سميا. لكن عندما تحصلت الذرية لزكريا بيحيى، وصفه الله بأنه لم يجعل له من قبل سميا. ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى: إن هذا السؤال يعيدنا على الفور إلى قصة الخلق الأول، فالله قد خلقنا، ثم صورنا جميعا قبل أن يطلب من الملائكة السجود لآدم:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)

ثم ما أن حصلت المعصية من آدم، وأصبح التكاثر بالعملية الجنسية (بدلا من النفخ) حتى أخذ الله من بني آدم ذريتهم، وأشهدهم على أنفسهم بأنه هو وحده ربهم:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

السؤال: من هي الذرية التي خُلقت قبل السجود لآدم؟ ومن هي الذرية التي اخذت من ظهور بني آدم؟ 

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: هم جميع من كان لهم أسماء؟

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)

فالله هو من طلب من الملائكة أن ينبئوه بأسماء "هَؤُلاء"، أي من كان منهم حاضرا حينئذ. ليكون الافتراء الكبير والخطير جدا جدا هو: أن كل من كان متواجدا هناك من الخلق كان له اسم. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن من لم يكن حاضرا هناك، لم يكن له اسما. وهذا ينطبق على اثنين فقط وهما يحيى وعيسى. 

تلخيص ما سبق: عندما خلق الله الخلق جميعا، كانوا حضارين مشهد السجود، وكان لهم أسماء، وطلب من الملائكة أن ينبئوه بأسماء جميع الحضور، فما استطاعوا، لكن آدم هو من استطاع أن ينبئهم بأسماء هؤلاء جميعا:

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)

ولم يكن من بين الحضور اثنين يحيى وعيسى، فما كان لهم اسم على قائمة الحضور. لذا، عندما تم خلقهم، كان من تولى تسميتهم هو الله نفسه، فكان المسيح:

ذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (45)

وكان يحيى:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)

فلقد جاء اسم المسيح عيسى بن مريم جاء (نحن نرى) لحظة خلقه، وكذلك جاء اسم يحيى من السماء لحظة خلقه، وذلك لأن اسميهما لم يكونا (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) مدرجين على قائمة الحضور يوم أن طلب الله من الملائكة أن ينبئوهم بأسماء هؤلاء.

لذا، نحن نتجرأ مرة أخرى على القول بأنهما خُلقا بالقدرة الإلهية، أي بـ كن فيكون:

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)

وكذلك كان يحيى:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

فالله هو من رد على تعجب زكريا (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) بأنه قد خلقه "كذلك"، أي كما خلق زكريا من قبل ولم يكن شيئا. 

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا: عندما خُلق يحيى، لم يكن شيئا مذكورا من قبل، أي لم يكن من ضمن قائمة الأسماء المتوافرة في قائمة الخلق السابق حينئذ. فخلقه قد تم في تلك اللحظة من الزمن.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن خلق الناس العاديين (كلهم أجمعين) كان في الأصل من تراب:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20)

وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)

ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الحياة تدب في الشيء إذا دخله الماء:

أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)

فكان خلق الإنسان من طين (التراب والماء):

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7)

ثم جعل ذلك الخلق (الطين) ماء مهينا (فكانت النطفة). 

ولو تدبرنا الآيات الكريمة، لوجدنا أن خلقنا جميعا جاء من ماء مهين:

أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)

نتيجة مفتراة: من جاء خلقه من تراب وماء (طين) ثم من نطفة (ماء مهين) هو من كان متواجدا في الخلق الأول. وكان حاضرا مشهد السجود لآدم، وكان له اسم في قائمة تفقد الحضور التي أنبأ بها آدم الملائكة. 

السؤال: ماذا عن يحيى وعيسى؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا آلية خلق المسيح عيسى، لوجدناها قد جاءت من التراب فقط، فلا وجود لعنصر الماء في تكوين المسيح:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)

فعيسى لم يكن يحتاج إلى الماء. لذا، نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن المسيح لم يشرب الماء قط في حياته، ولكنه كان يأكل الطعام:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

وكانا (أي المسيح وأمه) يأكلان من طعام يأتيهما من السماء، لذا لم يكونا يحتاجان إلى الماء. لكن مريم احتاجت إلى أن تشرب الماء بعد أن أكلت من طعام الأرض بعد ولادة المسيح عندما هزت إليها بجذع النخلة فتساقط عليها رطبا جنيا:

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)

نتيجة مفتراة: كانت مريم تأكل الطعام الذي يأتيها من عند ربها في المحراب، فما كانت بحاجة أن تشرب.

نتيجة مفتراة: كان المسيح يأكل الطعام مع أمه، فما كان يحتاج أن يشرب الماء

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: مادام أن عيسى لم يدخل في تكوينه الماء ودخل في تكوينه التراب فقط، لذا لن يكون مؤهلا للانجاب بالطريقة الجنسية، وبالتالي لن يمر بمرحلة الطفولة، فبلوع الحلم، فالشيخوخة (كالناس العاديين). 

نتيجة مفتراة: عندما وضعت مريم المسيح عند جذع النخلة، انتهت مهمتها في حمل كلمة الله، فطلب منها أن تهز إليها بجذع النخلة، لتساقط عليها رطبا جنيا، فتأكل وتشرب:

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)

السؤال: ماذا عن يحيى؟

رأينا المفترى: لو دققنا في قصة يحيى، لوجدنا أنه قد خلق من الماء المهين، لذا لم يدخل في تكوينه التراب الذي خلقت منه جميع ذرية آدم. أي هو لم يخلق من التراب أصلا، ثم من الطين، ثم من الماء المهين. وإنما خلق من الماء المهين مباشرة. لذا، فهو لن يكون طفلا ليبلغ الحلم، ثم الشيخوخة. لذا كان صبيا مباشرة.

نتيجة مفتراة: لم يكن المسيح من ذرية آدم

نتيجة مفتراة: لم يكن يحيى من ذرية آدم 

نتيجة مفتراة: لم يخلق المسيح بسرة (حبل سري)، وكذلك يحيى. 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كانت ذرية آدم تشمل كل من خلقوا قبل مرحلة السجود لآدم، وهم من جعلهم الله ذرية في ظهور بني آدم. فما كان المسيح وما كان يحيى من ذلك الخلق الأول. فعيسى ويحيى لم يخلقا من قبل، وهذا ما جاء في النص القرآني ليبين (حسب فهمنا المفترى من عند نفسنا) بأن خلق يحيى لم يكن من ذي قبل كما كان والده زكريا (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)، قال تعالى:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

فيحيى لم يكن مخلوقا من قبل كما كان والده زكريا، وجاء الرد الإلهي بأن خلق يحيى الآن هو هين على الله كما كان خلق زكريا من قبل عندما لم يكن شيئا مذكورا. 

نتيجة مفتراة: لم يكن يحيى قبل تلك اللحظة شيئا مذكورا، فتم خلقه حينئذ من اللاشيء (إن صح القول). 

السؤال: ما تبعات هذا الافتراء؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا (1): نحن نظن بأن المؤهل للإنجاب هو من جاء خلقه من تراب وماء (طين) ثم من ماء مهين. فالانجاب يحتاج إلى هذين العنصرين (التراب والماء). ويتوجب ذلك (نحن نظن) بأن يمر بمرحلة الطفولة، ثم بلوغ الحلم (طوال فترة أشده)، ثم الشيخوخة (نفاذ الطاقة). 

رأينا المفترى من عند أنفسنا (2): مادام أن يحيى لم يكن من ذرية آدم، كان لزاما أن تنحصر ذريته، لأن ذلك يتطلب شيئين اثنين، وهما:

1. أن يخلق له من نفسه زوجا كما حصل لآدم

2. أن تكون طريقة تكاثره (أي ذريته) ليست بالوراثة وإنما بالنفخ.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن السبب في ذلك يعود إلى أن يحيى كان تقيا. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: لو تفقدنا النص القرآني عن مفردة من كان تقيا، لوجدناها قد انحصرت بالآيات الكريمة التالية:

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) 

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)

ليكون السؤال الآن هو: لماذا كان يحيى تقيا؟

رأينا المفترى: لأنه كان يلبس لباس التقوى الذي هو خير:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27) 

نتيجة مفتراة: فالشيطان قد نزع عن آدم وذريته لباس التقوى، لذا طلب الله منا أن نجهد أنفسنا بأن نكون من المتقين:

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (76)

أما لمّا كان يحيى تقيا منذ خلقه، فهو (نحن نظن) لا يحتاج أن يجتهد ليكون من المتقين مادام أنه يلبس لباس التقوى. وهذا يرشدنا (إن صح منطقنا طبعا) إلى افتراء الظن بأن الشيطان لا يستطيع الوصول إلى يحيى مهما اجتهد. فالشيطان هو من وعد بأن يحتنك ذرية آدم

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً (62) 

لذا، لا يستطيع الشيطان أن يحتنك يحيى، مادام أنه ليس من ذرية آدم، ومادام أنه تقيا، فكان يحيى قد أمر بأن يأخذ الكتاب، فأوتي الحكم صبيا:

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) 

وكان بذلك زكيا، ليكون السؤال الآن هو: ما معنى أن يكون يحيى بذاته زكيا؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة "زكيا" ومشتقاتها، لوجدنا بأنها تخص الطهارة التامة التي لا يشوبها أذى الشيطان:

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)

ولو تفقدنا النص القرآني على مساحته، لما وجدنا بأن شخصا آخر قد كان كله زكيا (بالإضافة ليحيى) إلا المسيح عيسى بن مريم. 

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)

فلا يمكن أن يشكك أحد بزكاة المسيح عيسى بن مريم، كما لا يمكن لأحد أن يشكك بزكاة يحيى. فهما المخلوقان الوحيدان من البشر من اتصفا بهذه الصفة. لذا، يستحيل أن يتجرأ الشيطان (بكل ما أوتي من سلطان علينا) أن يقرب من هذين المخلوقين الكريمين. 

وربما يؤكد منطقنا المفترى من عند أنفسنا هذا ما عُرِف عن يحيى بأنه كان هو من يتولى عملية التطهير (أو لنقل التعميد بالعقيدة المسيحية). فلماذا – نحن نسأل – كان يحيى هو من يعمد (يطهر) الناس من حوله؟ ولماذا عرف في الثقافة المسيحية بيوحنا المعمدان؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن السبب في ذلك يعود إلى حقيقة أن هذا الشخص كان بعينه زكيا (أي طاهرا)، ولا يحتاج (نحن نظن) إلى الماء ليقوم بعملية التطهير (أو لنقل التعميد تجاوزا)، لأنه هو أصلا مخلوق من الماء. فما أن يضع يحيى يده (نحن نتخيل) على شيء حتى يصبح ذلك الشيء طاهرا، لا يشوبه شيء من أذى الشيطان. 

باب البر

السؤال 1: لماذا كان المسيح بارا بوالدته؟

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)

السؤال 2: لماذا كان يحيا بارا بوالديه؟

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14)

لو تدبرنا علاقة الأبن بوالديهما (أو بأحدهما)، لوجدنا أنها مبنية على مبدأ الأحسان، فالله هو من وصى الناس جميعا أن يحسنوا لوالديهم أو لأحدهما:

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23)

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)

وإذا كانا الوالدان غير مؤمنين، فالمطلوب مصاحبتهما في الدنيا معروفا:

وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)

وذلك لأن الإحسان يكون بحق من أحسن إليك:

هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)

ومادام أن جزاء الإحسان هو الإحسان، فعليك أن تحسن إلى والديك كما أحسنوا إليك كما ربياك صغيرا.

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)

السؤال: لماذا لم يكن مطلوبا من يحيى أن يحسن لوالديه؟ ولماذا لم يكن مطلوبا من عيسى أن يحسن لوالدته؟ ولكن كان مطلوب منهما البر بأحديهما أو بكليهما؟

جواب مفترى: لأنهما لم يربيانهما صغيرا. ولم يحسنا إليهما صغيرا. انتهى.

السؤال: لماذا؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما لم يكن يحيى طفلا، ولما لم يكن المسيح عيسى ابن مريم طفلا، لم يكونا بحاجة إلى احسان من أحد، فما دام أنهما لم يمرا بمرحلة الطفولة (احتياجات التغوط والتبول والأكل والملبس)، لم يحصل لهما أحسان من أحد. فهذان المخلوقان البشريان هما من ولدا بدون سرة (حبل سري)، فما كان بحاجة إلى إحسان من أحد حتى من والديهما (كيحيى) أو أحدهما (كالمسيح). 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: مادام أنهما قد خلقا من دون حبل سري (سرة)، لم يخلق الله لهما من أنفسهما أزواجا كما هي حال بقية البشر:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

(وسنقدم لاحقا بإذن الله تبعات خطيرة جدا لهذا الافتراء بإذن الله، فالله وحده نسأل أن يأذن لنا الإحاطة بشيء من علمه في ذلك، إنه هو العليم الحكيم)

باب الملبس: تقيا

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) 

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) 

لما كان يحيى وعيسى لا يحتاجان إلى من يحسن إليهما (مادام أنهما لم يكونا بحاجة إلى ما يحتاجة الطفل من الرعاية والعناية من الوالدة أو الوالد)، كان جل ما فعلاه هو البر. 

السؤال: ما هو البر إذا؟ وكيف يكون البر بالوالدة (في حالة المسيح) وبالوالدين (في حالة يحيى) هو المطلوب؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن البر يكون في حق الغريب الذي لست ملزم أنت بالإحسان إليه، فالبر يكون بحق ذوي القربى (وليس أولي القربى) واليتامى والمساكين وابن السبيل وفي الرقاب كما جاء في الآية الكريمة التالية:

لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177)

فيكون جانب من البر هو ايتاء المال لذوي القربى.

نتيجة مفتراة: ربما يحق لنا أن نفتري القول من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن العلاقة بين عيسى وأمه هي علاقة ذوي القربى، كما أن العلاقة بين يحيى ووالديه هي علاقة ذوي القربى (وليست أولى القربى). والفرق بين أولى القربى (مقابل ذوي القربى) هي درجة الصلة بين الطرفين. وجل القول هو أن أولي القربى أكثر صلة بالشخص من ذوي القربى. وسنتعرض للفرق بينهما في مقالات لاحقة بإذن الله. فالله وحده نسأل أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا. 

وتبين لنا الآيات الكريمة التالية أن البر لا يُقدّمه أساسا إلا من اتقى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)

ولن يُنال البر إلا بالانفاق مما نحب:

لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ (92)

والبر علاقة تعاونية (وليست الزامية) بين المؤمنين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)

والأمر بالبر يكون للنفس قبل الآخرين:

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44)

والله نفسه هو البر:

إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28)

نتيجة مفتراة: نحن نظن بأن البر يكون لمن ليس له عليك واجب إلزامي بالإحسان إليه. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن عيسى كان بارا بوالدته لأنه لم يكن ملزما بالإحسان إليها (مادام أنها لم تحسن إليه)، كما أن يحيى كان بارا بوالديه لأنه ليس ملزم بالإحسان إليهما (مادام أنهما لم يحسنا إليه).

باب السلام

لو تفقدنا السياقات القرآنية الخاصة بيحيى وعيسى، لوجدنا أنهما من جاءهما السلام المباشر:

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

لكن المفارقة العجيبة – برأينا- تتمثل بأن ما جاء يحيى كان "سلام" (بدون أداة التعريف) بينما الذي جاء عيسى كان السلام (معرفا)، ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة السلام، لوجدنا بأن السلام يأتي من الله (الذي هو السلام)، كما جاء على لسان الملائكة -ضيوف إبراهيم:

وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (52)

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25)

فكان ذلك "سلاما"، وليس السلام. ليكون السؤال هو: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن ذلك كان سلاما لأنه جاء بطريقة غير مباشرة، أي من الله لكن عن طريق رسله، فالله هو من بعث سلاما على إبراهيم بواسطة رسله، ولو كان السلام من الله مباشرة لكان ذلك ليس سلاما وإنما السلام كله. انتهى.

السؤال: كيف يمكن أن نعكس هذا المعنى المفترى من عند أنفسنا على ما حل من "سلام" على يحيى أو السلام على عيسى؟

يحيى: وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

عيسى: وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن ميلاد المسيح وميلاد يحيى قد حصلا في اليوم ذاته. فروح الله هو من نفخ في فرج مريم في تلك الليلة، وحصلت ولادة المسيح في فجر ليلة القدر (قبل مطلع الفجر)، وكذلك جاءت البشارة لزكريا بيحيى في تلك الليلة، وجاء مولد يحيى في ذلك اليوم قبل مطلع الفجر.

السؤال: أين الدليل على ذلك؟ يسأل صاحبنا.

رأينا المفترى: نود أن نجلب انتباه القارئ الكريم – كالعادة - إلى أننا سنحاول تقديم فتراءات بهذا الصدد ربما غير مسبوقة، هي – برأينا- أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع الذي يستطيع كل ذي لب أن يأخذ به بيسر وسهولة. لذا، نطلب من الجميع التثبت مما سنفتري إن كان الدليل يدعمه، ونبذ كل ما لا يجد دليلا كافيا على التثبت منه والأخذ به. سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، فلا نفتري عليه الكذب ولا نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع البصير.

أما بعد

سنعود إلى قصة زكريا من بدايتها لنثير حولها جملة من التساؤلات الخاصة بميلاد يحيى والاستجابة إلالهية لدعوة والده زكريا وهو قائم يصلي في المحراب، فجاء تصوير بعض أحداث تلك القصة في سورة مريم:

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

كما جاء تفصيل الأجزاء الأخرى منها في سورة آل عمران:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (40) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (41)

لنثير حولها جملة من التساؤلات التي سنحاول – بعد ذلك- تسطير افتراءاتنا للإجابة عنها.

السؤال: الأول: متى دعا زكريا ربه بأن يهب له الذرية الطيبة؟

جواب مفترى: عندما دخل زكريا المحراب على مريم ووجد بأن بطنها قد انتفخ بالحمل (بكلمة الله المسيح عيسى بن مريم)؟

السؤال: الثاني: ومتى كان ذلك؟

رأينا المفترى: في ليلة القدر.

السؤال الثالث: في أي وقت كان ذلك؟

رأينا المفترى: حول منتصف تلك الليلة.

السؤال: الرابع: لماذا دخل زكريا المحراب على مريم في ذلك الوقت من تلك الليلة؟

رأينا المفترى: لعلمه بأنها ليلة القدر، فكان متواجدا في المحراب ليقيم الليل.

السؤال الخامس: ماذا فعل زكريا عندما وجد بطن مريم قد انتفخ بالحمل بكلمة الله؟

رأينا المفترى: نادى ربه نداء خفيا بأن يهب له من لدنه الذرية الطيبة؟

السؤال السادس: لماذا طلب يحيى الذرية من لدن الله وليس من عنده؟

رأينا المفترى: لأنه يعلم يقينا أن ليس له ولد من ذرية آدم الطبيعية؟

السؤال السابع: لماذا استغرب زكريا الاستجابة الإلهية بالرغم أنه هو من دعا ربه بها؟

رأينا المفترى: لأنه يعلم أن الهبة الإلهية له ستكون مختلفة تماما مادام أن ليس له ولد من ذرية آدم الطبيعية. فزكريا يريد أن يعلم آلية حصول تلك الذرية له.

السؤال الثامن: كيف علم زكريا ذلك؟

رأينا المفترى: عندما أُخبر بأن ذلك "هو" على الله هين، وأنه سيتم بنفس الطريقة التي خلق بها هو نفسه من قبل عندما لم يكن شيئا مذكورا.

السؤال التاسع: كيف رد زكريا على ذلك عندما علم أنه متحقق له تلك الذرية الطيبة لا محالة؟

رأينا المفترى: سأل زكريا عن كيفية حصول ذلك في غياب زوجه عن بيته مادام أنها عاقرا (أي حردانة).

السؤال العاشر: كيف تمت الاستجابة الإلهية على استغراب زكريا؟

رأينا المفترى: أصلاح زوجه.

تلخيص ما سبق: في تلك الليلة العظيمة (ليلة القدر)، كان علم زكريا بها متحصلا، فدخل المحراب في منتصف تلك الليلة أو قبلها بقليل:

قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3)

وما أن دخل المحراب في تلك اللحظة حتى وجد العجب من أمر مريم، فقد رأى بطنها وقد انتفخ بالحمل، وهو الذي تركها للتو طبيعية لا حمل في بطنها، فما كان منه (نحن نتخيل) إلا أن يسألها عما حصل، فأخبرتها بقصة الروح والنفخ. فما كان من زكريا (نحن نفتري القول) إلا أن توجه إلى ربه في المحراب وهو قائم يصلي، يناديه نداء خفيا، بعد أن انكشف له سر هبة الذرية (انظر الاجزاء السابقة من المقالة):

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

فجاءه الرد مباشرة بأن الله يبشره بيحيى:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)

وجاءه الرد عن طريق الملائكة الذين كانوا يتواجدون حينئذ هناك، فنادوه وهو قائم يصلي في المحراب:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

فكان استغراب زكريا بأمرين:

- كيف يكون له ولد وقد بلغ من الكبر عتيا؟

- كيف يكون له ولد وامرأته عاقر؟

قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (40)

فكان الجواب الإلهي على الشق الأول من استغرابه على النحو التالي:

قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

فهذا الخلق على الله هين حتى ولم يكن له من قبل سميا (مادام أنه لم يكن من ذرية آدم التي شهدت سجود الملائكة لآدم، وأصبحت ذريته من بعد). 

أما الشق الآخر من الاستغراب الخاص بأن امرأته التي كانت حتى الساعة عاقرا، فقد جاء الرد الإلهي على النحو التالي:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: كيف تمت عملية اصلاح زوج زكريا له؟

رأينا المفترى: للإجابة على هذا التساؤل، علينا أن نعيد حبك القصة بطريقة جديده، بعد طرح التساؤلات التالية:

- لماذا كان زكريا متواجدا داخل المحراب؟

- متى كان زكريا متواجدا داخل المحراب؟

- لماذا كان قومه متواجدين خارج المحراب؟

- لماذا خرج هو عليهم؟ ولم لم يدخلوا هم عليه؟

- كيف أوحى إليهم؟

- لماذا أوحى إليهم بالتسبيح بكرة وعشيا؟

- الخ.

قال تعالى:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

لو دققنا في هذه الآية الكريمة، لوجدنا على الفور بأن زكريا كان متواجدا حينئذ داخل المحراب، وأن قومه كانوا متواجدين خارجه، ليكون السؤال الآن هو: كيف تواجد قوم زكريا خارج المحراب في تلك اللحظة؟ أو بكلمات أخرى، نحن نسأل: ما الذي جمعهم في تلك الساعة على وجه التحديد؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن ما حصل حينئذ كان قبل طلوع الشمس، فالقوم كانوا – كعادتهم- يأتون لإقامة الصلاة في المحراب في وقت الفجر، وكان زكريا سيدهم وهو نبيهم الذي يأم بهم في الصلاة، فهو الذي يفتح المحراب في وقت صلاة الفجر، وهو الذي ويغلقه بعد صلاة العشاء، لوجود مريم فيه. وفي تلك الليلة المباركة، دخل زكريا المحراب لإقامة الليل لعلمه (أو على الأقل لظنه) بأنها الليلة المباركة، فكان ذلك (نحن ما زلنا نتخيل) في منتصف الليل ليرى بأم عينه ما حلّ للتو بمريم (حمل كلمة الله)، فكان دعائه ربه بالذرية الطيبة هناك مباشرا:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) 

وهنالك جاءه الرد في المحراب عن طريق الملائكة الذين مازالوا متواجدين فيه:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) 

فكيف سيدبر زكريا الأمر حتى لا ينكشف لقومه قبل أوانه؟ نحن نسأل.

رأينا المفترى: كان على زكريا أن يرسل مريم إلى المكان القصي "لتلد" كلمة الله المسيح في تلك الليلة هناك، قبل أن يعلم القوم بذلك، فتثار حولها الشبهات، وتنفلت الأمور دون تقدير محكم. فما الذي فعله زكريا؟ نحن ما زلنا نسأل.

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن زكريا لم يفتح المحراب في تلك الليلة ليدخله القوم من أجل اقامة صلاة الفجر، ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو فتح زكريا المحراب للقوم ليدخلوه وقت صلاة الفجر لانكشف لهم أمر مريم قبل أوانه.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لربما وجدنا الإجابة على هذا السؤال (كما نتخيله طبعا)، قال تعالى:

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) 

السؤال: كيف ذلك؟

جواب مفترى: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في هذه الآية الكريمة، لتجد أن مريم كانت تقنت لربها، وكانت تسجد، وكانت تركع مع الراكعين، أليس كذلك؟

السؤال: كيف نفهم أن مريم كانت تركع مع الراكعين؟

رأينا المفترى: تحدثنا في واحدة من مقالاتنا السابقة عن كيفية ركوع مريم مع الراكعين في المحراب:

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) 

وافترينا الظن حينها أن مريم كانت تركع مع الراكعين، أي أنها كانت تحضر صلاة الجماعة مع القوم في المحراب. 

السؤال: ما علاقة ذلك بالقصة؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأنه لو فتح زكريا المحراب لقومه في وقت صلاة الفجر من تلك الليلة، لدخلوا عليه في تلك الساعة، ولربما جلب انتباههم غياب مريم أن تكون مع الراكعين حينئذ، ولربما بدأوا يتساءلون عن سبب غيابها، ولشكل ذلك صدمة لهم قبل أن تأتيهم في اليوم التالي تحمل المسيح، ليكلمهم في المهد بنفسه. لذا عمد زكريا (نحن نتخيل) إلى إغلاق المحراب في وقت صلاة الفجر، فما كان من القوم المتوافدين باكرا إلى الصلاة إلا أن يتجمعوا تدريجيا عند بابه، منتظرين قدوم زكريا – كالعادة - ليفتحه لهم. ظانين أنه ما زال في بيته. لذا، لما لم يأت زكريا إليهم من الخارج، انشغلوا حينها بالسبب الذي جعل زكريا يتأخر (وربما يغيب) عن تلك الصلاة، ربما ظانين أن أمرا جللا (طارئا) قد حصل له في البيت، فمنعه من القدوم إلى المحراب لأداء صلاة الفجر معهم، ولم يكن (نحن ما زلنا نتخيل) ليخطر ببال أحدهم أن زكريا كان متواجدا داخل المحراب في تلك الساعة. فكان ذلك (نحن نفتري الظن) السبب في تجمع القوم كلهم أجمعون عند باب المحراب، يتجادلون فيما بينهم عمّا كان (ربما) قد حلّ بزكريا في تلك الليلة في بيته، فمنعه عن القدوم. لكن ما أن انقضى وقت صلاة الفجر، حتى خرج عليهم زكريا من داخل المحراب، ليوحي إليهم (أي رمزا) أن يسبحوا بكرة وعشيا:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

وهنا (نحن نتابع الخيال ذاته) انشغل القوم بما فعل زكريا الذي يرفض أن يكلمهم إلا رمزا. فكان ذلك (نحن نرى) تدبيرا من زكريا ليشغلهم عن السؤال عن مريم.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: مادام أن مريم كانت على الدوام تركع مع الراكعين، فهي إذا تحضر الصلاة المفروضة معهم في المحراب، وما أن تنقضي تلك الصلاة المفروضة حتى تعود مريم إلى الحجاب بعد ذلك. لكن ما دام أن صلاة الفجر قد انقضت لأن زكريا لم يفتح المحراب لقومه ليدخلوه في ذلك الوقت، فلن ينشغلوا ولن يلتفتوا (نحن نتوقع) إلى حقيقة غياب مريم، وبكلمات أخرى، نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن عدم رؤيتهم لمريم بعد دخول وقت الصلاة المفروضة لن يشكل هاجسا عند أحد منهم. فمريم تصلي – كالعادة- معهم الصلاة المفروضة ثم تعود إلى حجابها بعد ذلك. فما كان القوم ليظنوا غير أن مريم متواجده الآن في الحجاب. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن القوم قد قد دخلوا المحراب بعد وقت انقضاء الصلاة المفروضة بعد خروج زكريا عليهم منه. لذا، لم يكونوا ليتوقعوا غير أن مريم قد أقامت الصلاة المفروضة مع زكريا في المحراب، ثم رجعت – كالمعتاد - إلى حجابها. فما تساءلوا عن شيء يخصها في تلك اللحظة. 

الدليل

لو دققنا فيما أوحى إليهم زكريا به في تلك اللحظة، لوجدنا أنه قد أوحى لهم بالتسبيح:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

ولو دققنا في وقت التسبيح، لوجدناه في الآيات الكريمة التالية واضحا لا لبس به، ألا وهو قبل طلوع الشمس وقبل الغروب:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

فالتسبيح قبل طلوع الفجر هو – برأينا – ما يشبه صلاة الضحى عندنا. فما أن تشرق الشمس، وقبل أن تطلع حتى يكون الوقت المناسب للتسبيح (الصلاة الفردية). لذا، نحن نتخيل أن خروج زكريا على قومه قد حصل قبل طلوع الشمس، فأوحى إليهم بأن وقت الصلاة المفروضة قد انقضى، وأن ليس أمامهم الآن خيارا إلا أن يسبحوا بكرة وعشيا. 

السؤال: إذا كان هذا ما حصل بالنسبة للقوم، يبقى السؤال قائما: ماذا حصل بالنسبة لامرأة زكريا؟ كيف تمت عملية اصلاحها؟

باب اصلاح الزوجة (المرأة)

لو تفقدنا النص القرآني بخصوص اصلاح الزوجة (أو لنقل تجاوزا المرأة - أي امرأة) في حالة نشوب خلاف بين الرجل وامرأته، لوجدنا الحاجة لجلب الآية الكريمة التالية:

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

فآلية الاصلاح بين الرجل وامرأته في حالة الخوف من حصول الشقاق بينهما هو أن يتم ابتعاث حكما من أهل الرجل وحكما من أهل المرأة، ليتم رأب الصدع بين الطرفين. وهنا سنثير على الفور السؤال التالي: هل هذا ما فعله زكريا لرأب الصدع بينه وبين امرأته في تلك اللحظة؟

رأينا المفترى: إذا سلّمنا أن الأمر كله قد تم في تلك الليلة، يصبح من المتعذر أن نفتري الظن بأن زكريا قد عمد إلى تلك الآلية (الاستراتيجية) لرأب الشقاق بينه وبين امرأته التي لازالت حتى الساعة عاقرا (أي حردانه). فكيف سيبعث زكريا حكمين في تلك الساعة من الليل؟ ولم لا ينتظر حتى اليوم التالي؟ فهل سيجد زكريا الحكمين في تلك الساعة من الليل؟ من يدري؟!!!

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون الأمر قد تم أيضا بالوحي الإلهي، لأنه لو حصل على ذلك النحو، لجاء النص القرآني ليبين لنا بأن الله هو من أوحى إليها كما في حالة أم موسى مثلا:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لا نظن بأن اصلاح امرأة زكريا قد تمت بالوحي الإلهي. ولكننا نؤكد (ربما مخطئين) بأن اصلاح تلك المرأة قد تمت بالتدبير الإلهي. وبكلمات أخرى، نحن نظن بأن اصلاح امرأة زكريا كان قد حصل بتدبير إلهي محكم (أي بطريقة غير مباشرة) على نحو أن جميع أحداث تلك القصة قد حصلت بطريقة معينة، كانت نتيجتها الحتمية اصلاح زوج زكريا، وعودتها بنفسها إلى بيت زوجها في تلك الساعة من تلك الليلة ذاتها.

السؤال: كيف تم ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن البشارة لزكريا بيحيى قد جاءت عن طريق الملائكة:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39) 

لكن لو دققنا في نداء زكريا ربه بأن يهب له الذرية الطبية، لوجدناه نداء خفيا:

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)

السؤال: كيف نفهم ذلك؟ أي لِم كان نداء زكريا نداء خفيا؟ وهل نادت الملائكة زكريا نداء خفيا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن نداء زكريا كان نداء خفيا، لكن رد الملائكة بالاستجابة الإلهية لنداء زكريا لم يكن نداء خفيا. انتهى.

السؤال الأول: لماذا كان نداء زكريا نداء خفيا؟ 

رأينا المفترى: لو تصورنا الموقف على نحو ما افتريناه، لربما صحّ أن نقول بأن المتواجدين في المحراب من البشر في تلك الليلة هما زكريا ومريم فقط. لذا، كان نداء زكريا نداء خفيا (نحن نظن) لكي لا تسمع به مريم. فما أن رأى زكريا ما حصل لمريم في تلك الليلة، وما أن علم يقينا بأن هذه الليلة هي ليلة القدر، وما أن أدرك بأن الروح ما زال متواجدا في المكان، وما أن أيقن بأن الملائكة قد تنزلوا معه في تلك الليلة بإذن ربهم، لأنها ليلة القدر المباركة التي هي ليلة السلام:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

حتى سارع زكريا إلى الاستفادة القصوى منها بأن يدعو ربه أن يهب له الذرية الطيبة بعيدا عن سمع مريم. فزكريا يريد الاستمرارية لآل يعقوب حتى بعد انتقال الاصطفاء الإلهي لآل عمران (الموالي):

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

فحب زكريا لآل يعقوب فطريا، لكن كفالته لمريم التي هي من آل عمران (الموالي) تكليف رباني. فزكريا لم يعمد إلى معارضة المشيئة الإلهية باصطفاء آل عمران، فالتزم بكفالة مريم حتى على حساب حياته الشخصية التي كلفته ترك امرأته له ولبيته. وقد صرف سنين كثيرة من عمره في كفالة مريم على حساب بيته الخاص وحياته الشخصية، وكان كل ذلك طاعة لربه وامتثالا لأوامره، لكنه لن يترك الفرصة الآن تضيع من بين يديه، ليستفيد من الكرم الإلهي بأن يطلب لنفسه مكافأة له على ما فعل، فكان نداءه ربه خفيا بالذرية الطيبة، ولكنه طلبه خفية (نحن نرى) حتى لا تسمع به مريم، فيسبب لها الحرج. فزكريا لا يريد أن يشعر مريم (نحن نتخيل) بأنه قد عانى معاناة شخصية من أجل كفالتها، فهو قد كفلها ليس رغبة منه في ذلك، وإنما امتثالا لأمر ربه الذي كفّله أياه رغما عما في نفسه من حب لأمراته ولأهل بيته (ولقومه). وهذا – لا شك عندنا- من أصول الأخلاق التي يتمتع بها شخص مثل هذا النبي الكريم، فهو يعلم يقينا بأن قولا معروفا ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى:

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)

فلن يعمد زكريا إذا إلى أن يلحق شيئا من الأذى بمريم بالرغم من كل التضحيات الشخصية التي قدمها من أجل كفالتها. 

نتيجة مفتراة: نحن نرى أن زكريا قد نادى ربه نداء خفيا مراعاة لمشاعر مريم المتواجدة معه في المحراب حينئذ.

لكن لو تفقدنا رد الملائكة بالاستجابة الإلهية لنداء زكريا الخفي ذلك، لوجدنا بأنه لم يكن خفيا:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

ولا شك عندنا بأن مريم قد سمعت رد الملائكة هذا ووعته تماما، فأدركت على الفور الغاية والمقصد منه. فمريم تستطيع أن تفهم كلام الملائكة وخطابهم، وهم الذين كانوا يتواصلون معها على الدوام:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42)

فرسالة الملائكة الآن (لزكريا) واضحة جلية عند مريم، فها هي تعلم الآن أن زكريا قد طلب الذرية من ربه في تلك الساعة بنداء خفي، وأن الاستجابة الربانية قد جاءت مباشرة على لسان الملائكة، وأن البشارة لزكريا قد جاءت لا محالة بيحيى ليكون مصدقا لكلمة الله الذي تحمله الآن في بطنها، وأنه سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

ولا أخال أن زكريا قد فاته أن مريم الآن قد علمت ما بدر منه من النداء وما حصل من الاستجابة الإلهية لذلك النداء، وأنها الآن تدرك ما يريده منها أن تفعله في تلك الساعة له، فكيف سيتصرف زكريا في تلك اللحظة بعد أن أدرك أن الرسالة الآن واضحة جلية عند مريم؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نتخيل (ربما مخطئين) بأن زكريا لن يتردد في أن يرسل رسالة أخرى واضحة لمريم مفادها أنه مازال يحب امرأته التي عقرته منذ زمن طويل. فكيف سيوصل تلك الرسالة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو دققنا في رد زكريا على الاستجابة الإلهية، لوجدنا فيها ما يلفت الانتباه على الفور، وهو ذكره لربه بأن امرأته عاقرا:

قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (40)

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)

ليكون السؤال على الفور هو: ألا يعلم الله بأن امرأته عاقرا؟ ألا يؤمن زكريا بأن الله يعلم أن امرأته عاقر؟ فلم يذكر زكريا ذلك صراحة لربه في تلك اللحظة على مسمع مريم التي ما زالت متواجدة معه في المحراب؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن بأن البشارة لزكريا بالذرية الطيبة قد تحصلت، ولا مجال للشك في ذلك. لذا، ستتحقق الذرية لزكريا بأي طريقة كانت. فكيف يريدها زكريا أن تتحقق له؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو كان زكريا مثلا يريد الذرية من غير امرأته العاقر، لعمد إلى الزواج من غيرها، أو لربما تحقق له ذلك من خلال أم مريم (إن كانت ما زالت على قيد الحياة). لكن زكريا يريد (نحن نرى) أن يوصل رسالة واضحة لمريم تبين ما في قلبه من حب لتلك المرأة الأولى التي عقرته منذ زمن طويل. فهو – بكلمات بسيطة- ويكأنه يقول لمريم بطريقة غير مباشرة أنه لا يريد الذرية إلا من تلك المرأة فقط. وأكاد أجزم الظن أن هذا الأمر لن يفوت مريم، فهي الآن ترى مقدار التضحية التي قدمها زكريا من أجل كفالتها. فهو قد ضحى بحبه القديم الدائم مقابل أن يقوم بمهمته التي كلّفه بها ربه، ألا وهي كفالة مريم. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لا شك عندنا الآن أن ما وصل لمريم في تلك الساعة فيما يخص زكريا نفسه هما رسالتان اثنتان لا ثالث لهما:

1. أن زكريا قد دعا ربه بالذرية الطيبة التي أصبحت لا محالة متحققة له بيحيى ليصدق بكلمة الله التي لازالت في بطنها، وليكون سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين

2. أن زكريا يريد هذا الذرية من امرأته التي عقرته منذ سنين طويلة لأنه لازال يحبها ويريدها زوجة وحيدة له. 

السؤال الكبير: ما الذي ستفعله مريم الآن؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا (أغرب من الخيال): لا شك عندنا أن مريم لا تستطيع أن تلد كلمة الله في المحراب. لذا، عمدت إلى أن تنتبذ من أهلها مكان قصيا ليجيئها المخاض هناك:

فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)

فعليها أن تخرج من المحراب في تلك الليلة متوجهة إلى ذلك المكان القصي، في البقعة المباركة من الشجرة. وما كان لمريم )نحن نرى) أن تذهب إلى ذلك المكان قبل أن تسد الدين لزكريا (لتقابل المعروف بالمعروف مثله). فما كان منها (نحن نتخيل) إلا أن تذهب في تلك الليلة قاصدة بيت أهل امرأة زكريا، لتخبرها بما حصل معها، وما حصل مع زوج تلك المرأة (زكريا)، وما بدر منه من مشاعر نحوها بحضور الملائكة في المحراب. وبالفعل تتجه مريم إلى بيت تلك المرأة، فتدق الباب في تلك الليلة، فتخرج عليها تلك المرأة، لترى بأم عينها أن مريم الآن تحمل كلمة الله، ولتخبرها بعد ذلك بأن الذرية قد تحققت لزكريا بيحيى سيدا وحصورا ونبيا من الصالحين، ولتوصل إليها رسالة مفادها أن زكريا قد ذكرها هناك، طالبا أن تكون تلك الذرية منها على وجه التحديد. فكيف ستكون ردة فعل تلك المرأة؟ نحن نسأل نساء العالمين أجميعن (بليز الزلم ما لهمش دخل – تحشروش حالكوا بشي ما بتفهموا فيه).

رأينا المفترى: لو حاولنا طرح التساؤل التالي على نساء العالمين: ما الذي يجعل المرأة تترك بيت زوجها وتعقره؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن المرأة (أي امرأة) سليمة العقل والبدن لا يمكن أن تعقر بعلها وتترك بيتها إلا في حالة واحدة: إن هي شعرت أنه لا فائدة من وجودها في ذلك البيت، أي إن شعرت بالاهمال من قبل بعلها وأن هناك ما يشغله عنها ويتصرف على ذلك النحو.

السؤال: كيف يمكن اسقاط ذلك في حالة زكريا وامرأته؟

رأينا المفترى: لما كان زكريا قد كُلّف بمهمة من ربه بأن يكفل مريم، كان عليه أن يتزوج من أم مريم، وقد فعل زكريا ذلك (نحن نرى) رغما عن إرادته التي لم تكن كذلك. فالله هو من كفل زكريا مريم:

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) 

فالآن زكريا – بشكل مفاجئ دون مقدمات لامرأته الأولى – يتزوج من أم مريم ويجلبها إلى بيته، ويجلب معها ابنتها مريم ويضعها في المحراب. وينشغل بهما عن امرأته الأولى وعن بيته. فماذا ستكون ردة فعل تلك المرأة على الفور؟ 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما وجدت امرأة زكريا الأولى أن بعلها قد أحضر زوجة أخرى إلى بيته، وعليه أن يقوم بواجباته الزوجية نحوها في البيت، كما أن عليه أن يقضي نهاره في المحراب يرعى مريم، فأصبح مشغول عنها في يومها ونهارها بنساء أخريات، فهل ستطيق أن تبقى في البيت معهما على تلك الشاكلة؟ نحن نتساءل.

رأينا المفترى: لما كانت تلك المرأة هي امرأة زكريا الأولى، ولما كان زكريا هو سيد آل يعقوب، فإننا نتوقع أن تكون تلك المرأة ذات مواصفات مميزة من حيث الجمال والنسب والمكانة الاجتماعية. فيستحيل أن تتقبل امرأة كهذه وضعا طارئا جديدا كهذا دون سابق انذار. فما كان منها إلا أن تترك البيت للضيوف الجدد، لتفسح المجال لبعلها أن يتصرف كما يحلو له. ونحن نتخيل أنها قد اتخذت قراهرها على النحو التالي قائلة لبعلها زكريا ("يا حبيبي اتهنى بمرتك الجديدة ودير بالك ع بنتها وأنا طالعة ومش راجعة – فخذ راحتك ع الآخر"). فماذا ستكون ردة فعل زكريا على ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان زكريا قد وجد نفسه في تلك الحالة المربكة، كان عليه أن يتخذ قراره الذي يقلل من الخسائر بأقصى درجة ممكنة، فهو لا يستطيع أن لا يكفل مريم، لأن هذا تكليف رباني، ولا يستطيع أن يترك أم مريم لأن هذا واجب ديني. ولكنه في الوقت ذاته لا يريد أن يلحق أذى أكبر بامرأته التي يحبها، فما كان منه إلا أن يُغّلب واجبه الديني على حقيقة مشاعره المحبة لامرأته حبا جما. فتركها تخرج من بيته، لتعيش حياتها، وتتخذ قرارها بنفسها، حتى لو وصل الأمر إلى أن تطلب الطلاق، فالانفصال التام إلى غير رجعة له، لتتزوج من غيره وتعيش حياتها كما يحلو لها، فلا يظلمها أكثر من ذلك نتيجة الظروف الطارئة التي وجد نفسه محاطا بها رغما عنه. فماذا فعلت تلك المرأة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كانت تلك المرأة محبة حقا لزكريا، اتخذت القرار بأن تفسح له المجال ليقوم بمهمته كما صوّرها لها، لكنها لم تعدم الأمل بالعودة، فما اختارت الطلاق لتتزوج من غيره. فبقيت فترة طويلة من الزمن عاقرة له، لكن حبها له لم ينقص قيد أنملة. فهي تشعر (كامرأة) بحب زوجها لها، وهي لا تستطيع أن تتغلب على مشاعرها بحبها له، لكن ظروف الحياة هي التي اجبرتها على فراقه، يا حسرتي عليهم!!! (والله بدي أبكي يعني أعيط بالأردنية الدارجة). 

فزكريا الآن أصبح بعلها، وأصبحت هي امرأة له، وذلك لوجود الخلافات بينهما، ولن يعودا زوجين إلا أن تنتهي تلك الخلافات، ويعودان زوجين متطابقين لا خلاف بينهما.

ولو دققنا في مفردة البعل والمرأة، لوجدنا أن الفلاح – مثلا- يتحدث عن الزراعة البعلية، وهذه الزراعة هي كذلك، لأنها غير مروية، أي تنبت الثمر بأقل قدر ممكن من الماء وبأقل قدر من الاهتمام، فما دام أن الماء الذي يسقي النبتة شحيحا ومادام أن الاهتمام بها قليلا، فالثمار تكون "بعلية". وكذلك هو الرجل البعل، فهو – برأينا- الذي يمد امرأته بأقل قدر ممكن من المشاعر والعواطف التي تقيم أمد تلك العلاقة وتقويها، لتنبت وتزهر. ومادام أن الرجل بعلا، لا يكثر من تغذية تلك العلاقة بما يجعلها تزهر وتثمر بأحسن حال، فإن الأنثى ستكون له امرأة (وليس زوجة).

ولو دققنا بمفردة "امرأة"، لوجدنا بأن لها علاقة بالمراء، والتواري، والمرآية، وجميعها لها علاقة بالشكل الخارجي ولا تصل إلى الجوهر. فالذين يراءون هم الذين يظهرون ما لا يبطنون:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (142)

ومادام أن العلاقة تصبح مرآءة، فإنها أقرب إلى سلوك النفاق منها إلى الإيمان، فالأنثى التي تجد زوجها بعلا (شحيحا بعواطفه ومشاعره واهتمامه)، تصبح الكثير من سلوكياتها نحوه أقرب إلى الرياء والمرآءة (وربما النفاق). فقد تظهر له ما لا تبطن حقا. 

ولو حاولنا الربط بين مفردة المرأة (woman) ومفردة المرآة (mirror)، لوجدنا على الفور بأن المرآة لا تعكس إلا ظاهر الشيء، فهي لا تنبئك بما في الجوهر، ولكنها تعكس لك فقط ما في الخارج، فهي أقرب إلى النفاق منها إلى الحقيقة. ولو دققنا أكثر، لوجدنا بأن المرآة لا تعكس لك الشكل الخارجي فقط، ولكنها تظهره لك معكوسا (على غير الحقيقة)، فلو مددت يدك اليمني باتجاه المرآة، لخدعتك الصورة بأنها يدك اليسرى، والعكس صحيح، فأنت ترى الصورة معكوسة، فتظن اليمين شمالا والشمال يمين. وهذا ما يكون من أمر الأنثى التي تكون امرأة لبعلها، فهي تعاكسه تقريبا في تصرفاته، فلو أحب شيئا، لربما أصبحت هي كارهة له، ولو أبغض هو شيئا، لأصبحت هي محبة له، وهكذا، حتى وإن لم تصرح بذلك في كل مرة. فيتولد عندها مشاعر معكوسة تجاه ما يحب أو ما يكره بعلها. فتصبح العلاقة بمجملها شكلية لا جوهر فيها، فهي حياة (وإن استمرت) تحكمها المصلحة، وتسيّرها ظروف الحال، أكثر منها علاقة حقيقية تغذيها المشاعر الصادقة والنبيلة، لتجعلها تنمو وتزدهر، فتدوم.

وهنا نوجه نصيحة لكل البعول والمرات (النسوان) أن لا يلق أحدهم باللائمة على الآخر، فالأنثى التي تريد اهتماما من زوجها عليها ألا تكون مرآة (mirror) تعكس ظاهرا وتبطن نفاقا، وتوافقه ظاهرا وتخالفه باطنا. والرجل الذي يريد حبا وإخلاصا من امرأته، عليه ألا يكون بعلا شحيحا في اهتمامه وحبه لها، بل عليه أن يروي تلك العلاقة بالحب والاهتمام. (افهمتوا وإلا أعيد – إن شاء الله عمركوا ما فهمتوا – انتو حرين – خليكوا منافقين مخادين – بس مش حتضحكوا علي حتى لو ضحكتوا ع بعض).

المهم: ماذا ستفعل امرأة زكريا؟

رأينا المفترى: لمّا كانت امرأة زكريا من عائلة كريمة، وذات طبع سليم، وخلق رفيع، لم تكن لتبقى "امرأة" (أو مرآة) في بيت بعلها زكريا، فهي لن تخدع الرجل لأنها فعلا محبة له، فهي من الذي امتدحهم الله في كتابه الكريم:

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

ومادام أنها من تلك العائلة الكريمة ومن تلك الشجرة الطيبة، فلن ترضى بأن تكون امرأة (مرآة)، ولن تستمر في علاقتها مع زكريا كبعل لها، فهي لا تريد أن تخدع الرجل، ولا تستطيع ذلك، لسببين اثنين لا ثالث لها. أولهما، أنها امرأة ذات أصل طيب وعلى عقيدة سليمة. وثانيما، أن زكريا لا يستحق منها ذلك لأنه رجل كريم، وما فعل ما فعل بها إلا لأمر خارج عن قدرته واستطاعته، فهي لن تكلفه ما لا يطيق. فما الذي فعلته؟

رأينا المفترى: لقد آثرت المرأة أن تخرج من بيت بعلها حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا، وتنصلح حالهما، فما طلبت الطلاق منه، وما آثرت الزواج بغيره. فبقيت في بيت أهلها عاقرة له حتى جاءتها مريم في تلك الليلة وقصت عليها خبر ما حصل في المحراب في تلك الليلة. فما الذي ستفعله المرأة على الفور؟

رأينا المفترى: لما كانت المرأة تحب زوجها حبا جما، ولما علمت بأن حبه لها لم ينقصه تقلب السنون وتغير الأحوال، ولما علمت أن الله قد بشره بذرية طيبية، ليكون سيدا وحصورا ونبيا ومن الصالحين، ولما علمت أن زكريا لا يرغب بتلك الذرية الطيبة إلا منها، ما كان منها (نحن نتخيل) إلا أن تحمل صرتها (كيس الملابس)، وتعود مسرعة بنفسها إلى بيت زوجها، فأصبحت زوجة له بعد أن كانت امرأته، وأصبح هو زوجا لها بعد أن كان بعلا لها. (شو رأي النسوان بالهحكي – رجاء الزلم ما يدّخلوا مرة ثانية).

ولو دققنا أكثر في هذا السيناريو المفترى من عند أنفسنا، لربما وجدنا على الفور بأن مريم هي من كانت الحكم من أهل زكريا (فهي كفيلته) وهي نفسها الحكم من أهلها (من تلك العائلة بنسب والدها عمران):

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (35)

وعادت المرأة في تلك الليلة إلى بيت زوجها بنفسها، وتجملت، وتجهزت له، وقالت له "هيت لك"، فكانت ليلة مخملية عن جد. وخلص، هسه بصير أخبص.

وللحديث بقية.

نسأل الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه في ذلك لا ينبغي لأحد دوننا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانا نصيرا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقول عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو الواسع العليم – آمين.


المدّكرون: رشيد سليم الجراح & محمد معتصم مقداد & علي محمود سالم الشرمان 

بقلم: د. رشيد الجراح

1 كانون ثاني 2020
أحدث أقدم