تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) - رؤية جديدة - الجزء 10



نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة – الجزء العاشر

كانت الافتراءات الرئيسية في الجزء السابق هي:

- لم تكن قدما المسيح عيسى ابن مريم لتطأ الأرض، لأنه كان على الدوام محمولاً في التابوت الذي هو – برأينا- تابوت العهد القديم ذاته، وهو الذي كانت تحمله الملائكة:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

- أن هذا التابوت هو المهد الذي كان متواجدًا فيه المسيح عندما أتت به أمه قومها تحمله

- أن هذا التابوت هو آية المُلك والانتصار لبني اسرائيل، لذا تجرأنا على البوح بافتراء خطير مفاده أنه ما ظهر التابوت في بني اسرائيل إلا جاءهم النصر، وما غاب التابوت إلا كان ذلك هزيمة وانحسار لهم ولملكهم.

- أن هذا التابوت هو الذي خط لبني اسرائيل طريق خروجهم من أرض مصر حتى وصولهم إلى باب الأرض المقدسة، فظننا (ربما مخطئين) أن قوم موسى (بني اسرائيل) كانوا يسيرون بتوجيه إلهي إلى حيث المكان الذي اختاره الله بنفسه لمواجهة فرعون وجنوده عند البحر، وكان التابوت هو موجههم في رحلتهم حتى الأرض المقدسة. فالتابوت هو إذا أداة وصول بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة.

- ما أن اقترب بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة حتى رفضوا دخولها متعذرين بوجود القوم الجبارين فيها:

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)

فكان مصيرهم التيه أربعين سنة:

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26)

- ظننا (ربما مخطئين) بأن التيه كان نتيجة فقدانهم التابوت (الذي كان آية ملكهم الأرض المقدسة). لذا، تجرأ على الظن بأنه لا شرعية (عقائدية) لبني إسرائيل في دخول الأرض المقدسة (التي كتب الله لهم) بغير التابوت. وهذا المنطق المفترى من عند أنفسنا (إن صح) يبين لنا أن دخول بني إسرائيل الأرض المقدسة بدون التابوت هو احتلال قسري، لا شرعية فيه. فكانت الدعوة التي أطلقناها لبني إسرائيل الذين يدّعون حقهم في ملكية الأرض المقدسة أن يأتوا بالآية التي تبين دخولهم إياها (ألا وهي التابوت). فإذا كنتم تملكونه، سنقر لكم بذلك الحق، وإن لم تفعلوا (وربما لن تفعلوا)، فدخولكم إذا قسريًا، لا شرعية فيه.

- افترينا الظن بأن هذا التابوت هو ما أعده آدم وزوجه (عندما كانا يسكنان الجنة) ليكون المهد لولدهما الأول الذي كان من المفترض أن يتحصل لهما بآلية النفخ. ولما كانت الملائكة تسجد لآدم، كان يتوجب عليهم (أي الملائكة) أن يحملوا ذلك التابوت على الدوام. لكن لما ارتكب آدم المعصية، أُهبطا من الجنة، فخسر آدم وزوجه ذلك التابوت إلى الأبد.

- كانت المادة التي صنع منها ذلك التابوت هو – برأينا- من شجر الجنة التي كانت تشرق بنور ربها. لكن عندما ارتكب آدم المعصية، وبدت لهما سوءاتهما، حُجب ذلك النور بالغمام، فما عاد الشجر ينبت بالطاقة النظيفة، وأصبح التابوت الذي تجهزه نساء العالمين لأولادهن يصنع مادة "الخشب" المأخوذة من الشجر الذي ينبت بطاقة الشمس غير النظيفة. فما عادت الملائكة مكلفة بحمل تلك التوابيت (غير المطهرة).

- عندما خُلق عيسى بالنفخ من روح الله مباشرة، كان هو الوحيد المؤهل لأن يوضع في التابوت (المطهر) الذي تحمله الملائكة منذ يومه الأول حتى وفاته.

- ظل عيسى محمولًا في ذلك التابوت، فكان يستطيع أن يرتفع عن الأرض في السماء، فما كانت قدماه لتطأ الأرض. فكان التابوت بمثابة نعلي عيسى بن مريم.

- عندما حاول فريق من أهل الكتاب قتل عيسى بن مريم، لجأوا إلى خطة شيطانية لإبعاده عن الأرض، ليبقى معلقًا في السماء (ويكأنهم قد صلبوه)، فجاء القول الإلهي الذي ينفي قتلهم إياه وصلبه:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

فكان افتراؤنا مبنيًا على ظننا بأن عملية القتل هي المنع، فكان قرار هذا الفريق المتآمر من أهل الكتاب على نحو أن يقتلوا المسيح، وذلك بمنعه من الوصول إلى القوم المتواجدين على الأرض. ولمّا كان المسيح هو عيسى (أي ابن السماء والأرض)، كان يستطيع التنقل بين السماء (بالارتفاع) والأرض (بالنزول)، فكان هدفهم أن يبقى المسيح معلقًا في السماء فلا يصل إلى الأرض، فيكون بذلك (حسب ظنهم) قد قتلوه صلبًا. لكن الذي حصل فعلًا هو أنهم قد استطاعوا أن يبقوه معلقا في السماء، لكن ذلك لم يكن صلباً (كما ظنوا) وإنما رفعًا، قال تعالى:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

ففي حين أنهم ظنوا أن بقاء المسيح معلقا في السماء هو قتلًا (بالصلب)، جاء التبيان الإلهي الذي لا شك فيه أن ذلك لم يكن قتلًا ولا صلبًا، بل رفعًا من الله إليه. فالقوم قد رأوا (بأم أعينهم) ارتفاع المسيح في السماء، لكنهم لم يدركوا ماهية ما حصل فعلًا، فجاء القول الإلهي ليبين بما لا يدع مجالًا للشك بان ذلك ليس قتلًا ولا صلبا، بل رفعًا من الله إليه:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157) بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

- كانت خطة القوم في تنفيذ ما أرادوا على نحو الاعتداء على آية من آيات الله البينات، فكان ذلك سببًا في استحقاقهم العذاب الإلهي المباشر، وهناك أحس عيسى منهم الكفر، فطلب أنصارًا له إلى الله:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

- مادام أن عيسى قد أحس منهم الكفر، ومادام أن المسيح قد طلب منهم النصرة، فرسالته إذا قد شارفت على نهايتها. فطلب نصرته إلى الله، فكان رد الحواريين على نحو نصرة الله وليس نصرة عيسى إلى الله:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)

- افترينا الظن بأن نصرة الحواريين هذه لله كانت هي – برأينا – السبب في صدّ وقوع العذاب الإلهي على الأرض كلها. فكان منطقنا المفترى من عند أنفسنا على نحو أنه لمّا كان طلب عيسى أنصارًا له من الله، كان الذي سيحدث على أرض الواقع (لو أن الحواريين استجابوا لطلبه كما أراده المسيح)، هو ذهاب هؤلاء الحواريون مع المسيح نفسه إلى الله، وبالتالي ما كان ليبقى أحد من المؤمنين على الأرض، ولحاق إذًا بكل أهل الأرض العذاب الإلهي، ولكان ذلك (نحن ما زلنا نتخيل) نهاية الحياة بأكملها على الأرض. لكن لما اختار الحواريون عدم الخروج مع المسيح لعلمهم بأن العذاب الإلهي لا محالة نازل على الأرض جميعًا من بعدهم. اختار الحواريون أن يكونوا أنصارا لله (وليس أنصار المسيح إلى الله) وذلك بالبقاء في الأرض، فلا يقع العذاب على الأرض جميعًا. كان قرار الحواريين هو – برأينا- السبب الحقيقي الذي أنقذ الأرض كلّها من وقوع العذاب الإلهي عليها حينئذ. فالحواريون هم إذًاً من نصروا الله على الأرض.

- الخ.

وسنتابع في هذا الجزء الجديد من المقالة جملة هذه الافتراءات بشيء من التفصيل، طارحين مجموعة جديدة من التساؤلات حولها، نذكر منها:

- كيف نفهم بأن التابوت كان بمثابة نعلي عيسى بن مريم؟

- كيف اعتدى القوم على التابوت؟

- كيف نفذوا خطتهم بالاعتداء على التابوت؟

- لماذا خطط القوم للاعتداء على التابوت على وجه التحديد؟

- ما الذي كان سيحدث لو أنهم فعلًا نجحوا فيما خططوا له؟

- كيف أحس عيسى منهم الكفر؟

- متى أحس عيسى منهم الكفر؟

- لماذا طلب المسيح نصرته إلى الله؟

- لماذا اختار الحواريون نصرة الله؟

- ماذا حصل للتابوت عندما حاول القوم الاعتداء عليه؟

- ما أهمية ذلك التابوت لبني إسرائيل على وجه التحديد؟

- لماذا طلب موسى من بني إسرائيل دخول الباب على القوم الجبارين الذين كانوا متواجدين في الأرض المقدسة حينئذ؟

- ما هو ذلك الباب الذي طلب موسى من قومه دخوله؟

- لماذا رفض القوم دخول الأرض المقدسة كما طلب رسولهم (موسى) منهم؟

- هل كان رفضهم ناجما عن غباء أو عن جبن أم عن خداع ودهاء؟

- الخ.

باب النعل
سنبدأ النقاش في هذا الباب بالسؤال البديهي التالي: ما فائدة النعلين اللذين ينتعلهما الشخص (كل شخص) في حياته اليومية؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الهدف الرئيسي من لبس النعلين هو الطهارة ولا شيء غير الطهارة، فالشخص الذي يلبس النعال هو يحاول بذلك صد الأذى عن رجليه، لأنهما الأكثر تعرضا له. فجميع الكائنات الأخرى لا تنتعل، لأنها لا تبالي بعامل الطهارة. لكن الإنسان هو الكائن الوحيد (من بينهم جميعا) الذي يحاول أن ينشد الطهارة من الأذى المتواجد على الأرض. ولا شك أن الإنسان يختار نعلًا خاصا لكل مكان، فالنعال التي يدخل بها الشخص الحمام ليست هي النعال ذاتها التي يدخل بها غرفة النوم أو غرفة المعيشة، ونحوها.

الدليل

من أجل جلب الدليل على افترائنا هذا، علينا أن نستدعي السياق القرآني الذي ورد فيه ذكر النعلين، قال تعالى:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: لماذا جاء الطلب الإلهي من موسى أن يخلع نعليه في الواد المقدس طوى؟ هل تجد هذا الطلب – عزيزي القارئ- مبررًا أن يأت من الإله نفسه لموسى في تلك اللحظة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن هذا الطلب مبرر لسبب بسيط جدًا، ألا وهو: الطهارة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن المكان الذي كان يتواجد فيه موسى حينئذ هو الواد المقدس طوى. ومادام أن المكان مقدس، فالطهارة وافرة فيه، فلا داع إذاً لأن يلبس الشخص المتواجد فيه حينئذ (كموسى) النعلين.

السؤال: هل كان آدم وزوجه في جنة المأوى (قبل هبوطهما) بحاجة إلى أن ينتعلا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن آدم وزوجه لم يكونا بحاجة إلى لبس النعلين، وذلك لأن جنة المأوى كانت طاهرة تماما.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن جنة آدم وزوجه (قبل الهبوط) كانت طاهرة، لا أذى فيها، لعدة أسباب:

أولا، كانت الجنة تنبت كلّها بالنور الإلهي، فكان كل ما يتساقط من ورق الجنة طاهراً لا أذى فيها، فمن يمشي في تلك الجنة لا يحتاج إلى وقاية من شيء.

ثانيا، لم يكن هناك مخلفات مؤذية لآدم وزوجه، بدليل قوله تعالى:

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

فآدم لا يجوع. لذا، فهو لا يعرى (أي يتغوط). وهو كذلك لا يظمأ فيها (العطش). لذا، فهو لا يضحى (يتبول).

لتكون النتيجة التي نحاول جاهدين الوصول إليها هي أنه بوجود الطهارة، تنتفي الحاجة إلى لبس النعال.

السؤال: ما علاقة هذا بقصة المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى: لمّا كان عيسى هو كلمة الله وروح منه، كان عليه أن يبقى طاهرًا على الدوام، فلا يمسّه الأذى. لذا، لم يكن يستطيع أن يطأ بقدميه الأرض، وذلك لأن الأرض (بحالتها هذه) مليئة بالأذى الذي سببته مخلفاتها مادام أنها لم تعد تنبت بالطاقة الإلهية النظيفة، وهي مليئة كذلك بالأذى الذي سببته مخلفات الإنسان من التغوط والتبول. لذا، كان عيسى يحتاج وقاية من هذا الأذى مادام أنه كلمة الله. ولا ننسى أبدًا بأن كلمة الله هي دائمًا العليا:

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)

السؤال: هل لهذا علاقة بما دبره القوم لإيقاع الأذى بعيسى بن مريم (بمحاولتهم قتله صلبًا)؟

رأينا المفترى: نعم. نحن نظن (ربما مخطئين) بأن القوم قد أدركوا أهمية وجود التابوت مع عيسى بن مريم. لذا، كانت خطتهم على نحو أن نجاحهم في ايقاع الأذى بالتابوت سيمنع المسيح من النزول إلى الأرض، وبالتالي البقاء معلقًا (أي مصلوبًا) في السماء. فمحاولتهم قتل المسيح تتمثل – كما افترينا أكثر من مرة- في منعه من الوصول إلى الأرض. فإن هم نجحوا بذلك، يكون ظنهم أنهم قد قتلوه صلبًا (أي تركوه معلقًا بين السماء والأرض). ولو دققنا في النص جيدًا، لوجدنا بأنهم قد قالوا بأنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم، ولكنهم لم يقولوا بأنهم قد صلبوه (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ)، لكن جاء الرد الإلهي لينفي عن عيسى الاثنتين: القتل والصلب (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ):

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

وهذا برأينا – كما افتريناه سابقا- هو ما شبه لهم (وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ)، أي اشتبهت عليهم مؤامرتهم ذاتها بقتله صلبًا. وكانت حقيقة ما حصل هو أن الله هو من رفعه إليه:

بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)

وبكلمات أكثر وضوحًا، نحن نفتري القول من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن ما شاهده القوم من ارتفاع للمسيح إلى السماء كان في ظنهم قتلًا له (بطريقة الصلب)، فظنوا أن مؤامرتهم قد نجحت، لكن كان ارتفاع المسيح في السماء في حقيقة الأمر ليس إلا رفعًا من الله للمسيح بسبب محاولتهم الاعتداء على آياته (المسيح والتابوت).

نتيجة مفتراة 1: ظن القوم أن ارتفاع المسيح بالسماء وعدم عودته إلى الأرض، هو قتلًا له بطريقة الصلب

نتيجة مفتراة 2: كان ارتفاع المسيح في السماء ليس قتلًا بالصلب وإنما رفعًا من الله للمسيح إليه بسبب اعتداء القوم

السؤال: كيف ألحق القوم الأذى بالتابوت؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا أغرب من الخيال ذاته: نحن نظن بأن محاولتهم الاعتداء على عيسى من خلال إيقاع الأذى بالتابوت قد تمت باستخدام الدم. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الذين قالوا بلسانهم أنهم قد قتلوا المسيح عيسى بن مريم هم - لا شك عندنا- قوم لا يستهان بهم إطلاقًا، فهم – برأينا- قوم لا يُعدمون الحيلة لتنفيذ خطة لا ينقصها المكر والدهاء.

السؤال: من هم هؤلاء القوم؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن هؤلاء هم جنود إبليس على الأرض من شياطين الإنس.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)

وقد افترينا سابقًا بأن شياطين الجن لا تستطيع الاقتراب من عيسى بن مريم، وذلك لأن طبيعة المسيح نفسه لا تسمح لهم بذلك مادام أنه كلمة الله. فبالرغم أن لكل نبي عدوًا من شياطين الإنس والجن، فإن عدو عيسى على وجه التحديد هم فقط شياطين الإنس الذين يتلقون التعاليم من الجن الذين هم – لا شك – أولياؤهم.

السؤال: أين الدليل على ما تزعم؟ يسأل صاحبنا متعجلًا الإجابة.

رأينا المفترى: من أجل جلب الدليل على افترائنا هذا، علينا أن نطرح التساؤل المبدئي التالي: ماذا كانت غاية شياطين الإنس هؤلاء من فعلتهم التي فعلوها تلك (بحق المسيح عيسى بن مريم)؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الغاية من فعلتهم يمكن إدراكهها بسهولة إن نحن طرحنا التساؤل التالي: ماذا لو نجحت خطتهم؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأنه لو نجحت خطتهم في قتل المسيح عيسى بن مريم، لحق العذاب على الأرض جميعًا. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما أحس عيسى منهم الكفر، كان لزامًا أن يعلن نهاية رسالته على الأرض بالخروج منها مع من آمن منهم، كما كان يفعل كل رسول من قبله. فما أن توشك نهاية دعوة الرسول (أي رسول) بأنه لن يؤمن معه إلا من قد آمن، كان يأتيه الأمر الإلهي بالخروج منها لاستحقاق وقوع العذاب الإلهي عليهم. فالرسول ليس أكثر من بشير ونذير، فإن رفض القوم مهمة الرسول بالبشارة، استحقوا كلمته بالنذر (أي اقتراب وقوع العذاب الإلهي عليهم)، فالسنة الإلهية التي لا تبدل هي على النحو التالي (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً):

مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً (15)

فالعذاب الإلهي لا يقع إذاً على قوم إلا بعد أن يبعث الله فيهم رسولًا (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). لكن ما أن يكذّب القوم دعوة ذلك الرسول حتى تكون نهايتهم - لا محالة وشيكة - بوقوع العذاب الإلهي عليهم. وهنا يأتي الأمر الإلهي للرسول بأن يخرج منها مع من آمن معه، لأن الله لا يعذب قومًا مادام الرسول فيهم، كما أنه لا يعذبهم مادام فيهم مستغفرون:

وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

وهذا (نحن نتخيل) ما حصل بالضبط مع جميع رسل الله باستثناء القوم الذين أرسل لهم عيسى وقوم محمد من بعده. والسبب في ذلك هو وجود الحواريين في القوم الذي بعث فيهم عيسى وبسبب هجرة محمد من مكة، القرية التي أرسل فيها محمد. (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: لماذا هاجر محمد من مكة إلى المدينة).

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أنه مادام أن رسالة عيسى قد أوشكت على نهايتها بأن أحس منهم الكفر، كان لزامًا على المسيح عيسى بن مريم أن يترك القوم ليحل بهم العذاب الإلهي. فكان عليه أن يخرج من بينهم ومعه من آمن به (وهم الحواريون). ولمّا كان عيسى يتنقل بين الأرض والسماء، كان على عيسى أن يترك الأرض (كل الأرض) متجها إلى السماء. وهنا جاءت دعوته بأن يذهب معه أنصار له إلى الله:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)

ويكأن المسيح (نحن نفهم ربما مخطئين) يوجه رسالته لمن آمن معه بأن يخرجوا معه من بين القوم الذين استحقوا العذاب الإلهي. وهنا نتوقف لنطرح جملة من التساؤلات حول هذه القضية بعينها، نذكر منها:

- لماذا أطلق المسيح دعوته تلك دون أن يأتيه الأمر الإلهي بالخروج؟

- لمن أطلق المسيح دعوته تلك؟

- من الذي التقط الدعوة تلك بطريقة جليّة وفهمهما حقا (كما يجب)؟

- لماذا طلب المسيح أنصارا له إلى الله؟

- لم لم يطلب أنصارا لله مباشرة؟

- كيف تصرف الذين فهموا دعوة عيسى تلك؟

- لماذا تصرفوا على ذلك النحو؟

- الخ.

بداية، نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن المسيح قد أطلق بنفسه تلك الدعوة دون أن يأتيه الأمر الإلهي بذلك مباشرا كما كان يأتي الرسل الذين جاءوا من قبله كنوح وهود وصالح وموسى ولوط، لسبب بسيط ألا وهو أن عيسى نفسه هو كلمة الله، فالمسيح لا يحتاج (كما احتاج الرسل السابقين) إلى أن ينتظروا الأمر الإلهي مادام أنه هو نفسه كلمة الله. فهو يستطيع أن يطلق تلك الدعوة في الوقت المناسب. فكلمة الله لا يمكن أن تكون إلا حقًا.

السؤال: لماذا؟ وأين الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق في الآيات الكريمة التالية، لنرى ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك. قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

السؤال: ماذا نفهم من قول المسيح (وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ)؟ وماذا نفهم من قوله (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة جيدا، لوجدنا الحقائق التالية:

- كان المسيح عليهم شهيدًا مادام فيها

- كان الله هو الرقيب عليهم لما توفّى المسيح

- الله على كل شيء شهيد.

السؤال القوي جدًا: إذا كان الله شهيدًا على كل شيء (وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)، وإذا كان الله رقيبًا عليهم لمّا توفى المسيح عيسى بن مريم، هل كان الله (نحن نسأل) رقيبًا عليهم قبل أن يتوفى المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا (لا تصدقوه): نحن نظن أن الله كان رقيبًا على قوم عيسى بن مريم لمّا توفاه الله، لكن الله نفسه لم يكن رقيبًا عليهم قبل أن يتوفى المسيح عيسى بن مريم. انتهى.

نتيجة مفتراة خطيرة جدًا جدًا: لم تكن هناك رقابة لله على القوم في الوقت الذي كان المسيح متواجدًا فيهم. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات التالية:

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

لوجدنا على الفور أن الخطاب موجه للإنسان (كل إنسان)، فلا يلفظ (الإنسان) من قول إلا لديه رقيب عتيد. ليكون السؤال الأول الذي يجب أن يطرح على الفور: هل المسيح عيسى بن مريم هو إنسان؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، لأن الإنسان هو من خُلِق من ذكر وأنثى (انظر الأجزاء السابقة من مقالاتنا حول هذه القضية). وهذا الإنسان هو من يكون عرضة لوسوسة نفسه له. فهل كانت نفس عيسى توسوس له؟

رأينا المفترى: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- بما قاله عيسى جوابًا على سؤال ربه له:

وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

السؤال: لماذا جاء جواب عيسى على نحو (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي)؟ وبكلمات أخرى لماذا دافع عيسى عن ذاته بذكر طبيعة نفسه التي يعلمها الله؟ ما هي الرسالة التي يجب أن نلتقطها على الفور من جواب عيسى هذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: يجب أن نفهم على الفور أن نفس عيسى ليست كنفس الناس العاديين الذين هم عرضة للوسوسة، فنفس عيسى لا يمكن أن توسوس له، ويكأننا نفهم إذا أن عيسى يقول لربه: كيف لي أن أقول لهم مثل ذلك وأنت تعلم ما هي طبيعة نفسي التي لا يمكن أن توسوس لي بذلك؟

منطقنا المفترى: إن صحّ هذا المنطق، فما الحاجة أن يكون الله مراقبًا لعيسى مادام أن نفسه لا يمكن أن توسوس له؟ من يدري؟!

لكن يبقى السؤال الأكبر قائمًا: لماذا كان الله رقيبًا عليهم لمّا توفى المسيح (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ)؟ فهل كان الله (نحن نسأل مرة أخرى) مراقبًا لهم قبل أن يتوفى المسيح؟

رأينا المفترى الخطير جدًا جدًا: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الله الذي هو على كل شيء شهيد لم يكن رقيبًا لهم قبل أن يتوفى عيسى. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن المسيح (كلمة الله) هو من كان رقيبًا عليهم حينئذ. فعيسى كان شهيدًا عليهم مادام فيهم، وكان (نحن نظن) رقيبًا عليهم حتى توفاه الله. وما أن توفاه الله حتى عادت المراقبة الإلهية لهم مباشرة.

الدليل

من أجل جلب الدليل على هذا الافتراء الخطير، علينا أن نحاول التمييز بين من كان شهيدًا من جهة ومن كان رقيبًا من جهة أخرى. ليكون السؤال المبدئي هنا هو: ما الفرق بين من كان شهيدًا ومن كان رقيبًا؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الشهادة تختلف عن الرقابة، وذلك لأن الشهادة (نحن نرى ريما مخطئين) جزئية بينما الرقابة كليّة. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن اللسان واليد والرجل تستطيع الشهادة:

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)

لكن هل تستطيع الرقابة؟ من يدري؟!

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)

لوجدنا بأن الجلود تستطيع الشهادة، لكن هل تستطيع الرقابة؟ من يدري؟

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (1)

لوجدنا بأن المنافقين يستطيعون الشهادة، لكن هل يستطيعون الرقابة؟ من يدري؟!

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

لوجدنا أن أي رجل (وأي امرأة) يستطيع الشهادة، لكن هل يستطيع أي رجل أو أي امرأة أن يكون رقيبًا؟ من يدري؟!

السؤال: لماذا تستطيع هذه الكينونات أن تشهد لكن لا تستطيع أن تكون رقيبًا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الشهادة يمكن أن تتم بالسمع، ويمكن أن تتم بالبصر، ويمكن أن تتم بالفؤاد. فالذي يسمع عن الحادثة يمكن أن يجلب كشاهد في المحكمة عند التقاضي فيها، وكذلك من يراها بأم عينه، ويمكن أن يجلب الشاهد بالخبرة (الفؤاد) إلى المحكمة ليدلي برأيه فيها. فلو كانت القضية المنظورة في المحكمة فيها عامل المعرفة باستخدام جهاز الكمبيوتر وبرمجياته، يمكن للقاضي أن يستدعي ليس فقط من سمع بالقضية أو من شاهدها بأم عينه، لكن يمكن أن يطلب شهادة الخبير في هذا العلم. ويجب ألا ننسى كذلك بأن الشهادة قد تكون غير مقصودة، فقد تتواجب أنت في موقع الجريمة بالصدفة، فتكون بذلك شاهدا عليها. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة للتفريق بين الشاهد والشهيد).

لكن المراقبة – بالمقابل – لا يمكن أن تحصل إلا عن قصد. فما دمت أنك قد توليت مهمة مراقبة، فأنت إذا تقوم بهذا الفعل الإرادي المقصود لذاته، ولو فتشنا عمن يستطيع أن يكون رقيبًا، لوجدنا الآيات الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (52)

فجميع هذه الآيات تدل على أن الله هو من يستطيع أن يكون رقيبًا. لكننا يمكن أن نجد غير الله "رقيب" وليس "رقيبًا" كما في الآيات التالية:

إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)

وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)

السؤال: ما الفريق بين من يكون "رقيبًا" مقابل من يكون "رقيب"؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) أن ما يميّز رقابة الله عن رقابة غيره هو أنه في حين أن الله رقابة الله شمولية (بالمطلق)، فإن رقابة غير شمولية ولكنها محددة محصورة. لذا، يكون الله رقيبا بينما لا يستطيع غيره أن يكون إلا رقيب فقط (ليس بالمطلق)، أي أن رقابة من هو "رقيب" مقيدة بشخص محدد بذاته أو مجموعة واحدة لا غير. فالرقيب العتيد –مثلا- تنحصر مهمته بشخص واحد فقط، لأن كل شخص لديه رقيب عتيد، فالرقيب العتيد الذي يتولى أمر شخص ما لا يتولى أمر شخص آخر غيره، لكن الله "رقيبا" بالمطلق، لأنه رقيب على الجميع جملة واحدة.

نتيجة مفتراة 1: رقابة الله مطلقة على كل شخص في آن واحد بينما رقابة غيره محددة بشخص واحد في الوقت الواحد.

ولو دققنا في الآية الكريمة الأخيرة هذه:

ويا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)

ربما يتبين لنا (كما نفهمها طبعًا) بأن الرسول يمكن أن يكون رقيب (وليس رقيبًا) لأنه ينتظر مع القوم الذين يرتقبوا أمرًا أو حدثًا واحدًا بعينه، ألا وهو قدوم العذاب.

نتيجة مفتراة 2: في حين أن رقابة الله مطلقة على كل الأحداث جملة واحدة في كل وقت وحين، فإن رقابة غيره محددة بحدث واحد بعينه في الوقت الواحد.

السؤال: ما هي الرقابة؟

رأينا المفترى: لا يمكن أن تكون هناك رقابة إلا باستخدام كل أدوات المراقبة جملة واحدة وبكامل قدراتها. فإن أنت أردت أن تراقب شخصًا ما، فعليك أن تلحظ كل تصرفاته بكل حواسك، وبمطلق إمكانياتك. لذا، نحن نتحدث مثلًا عن أنظمة المراقبة (أو شاشات المراقبة) التي من خلالها نحاول تتبع كل الحدث بكامل تفاصيله المرئية (البصر) والمسموعة (الآذان) والمفهومة (الفؤاد). ولا شك عندنا أن أدوات المراقبة هي إذاً السمع والأبصار والأفئدة. فمن أراد مراقبة شخص ما عليه أن يشغل كل هذه الأدوات جملة واحدة بكامل قدراتها الممكنة. وهذا الواجب يتولاه شخص محدد في الجيش يحمل رتبة "رقيب"، ويحمل شارة مكونة من ثلاث خطوط (انظر شارة الرقيب في كل جيوش الأرض). ليكون السؤال هنا لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن هذا الشخص مكلّف بمراقبة من هم تحت مراقبته من الجنود، بسمعه وبصره وفؤاده. لينقلها بكلّ دقّة ممكنة لمن هم فوقه من أصحاب القرار (كالضابط المسئول). لكن هذا الرقيب تنحصر مهمته بالمراقبة فقط. ومادام كذلك، فالضابط المسئول سيسأل هذا الرقيب عمّا رأى بأم عينه، وعمّا سمع بأذنه، وعمّا فهم (بفؤاده) ضمن معطيات الحال عن كل حادثة مكلّف هو (كرقيب) بنقل نبأها له (كضابط).

ولو راقبنا الطريق، لوجدنا بأن المسئول عن مراقبتها هو رقيب السير، فهذا الشخص (كرقيب) مكلّف بأن يراقب الطريق بسمعه وبصره وفؤاده. فلو حصل حادث ما على الطريق، فإنه سينقل خبره للضابط المسئول، فيخبره بما سمع من الذين اشتركوا في الحادث، وما رأى بأم عينه عن الحادث، وما فهم (بخبرته في ذلك) عن مجريات كل ما حصل.

وهذه هي – برأينا- الغاية من استخدام أدوات المراقبة (كشاشات المراقبة وبرج المرقبة ونحوهما) التي تُستخدم لتتبع تفاصيل ما يجري في مكان ما. فعند استخدام هذه الشاشات، تستطيع أن تسمع مجريات الأحداث، وتشاهدها بعينك، كما تستطيع أن تؤوّل الكثير منها بالخبرة حتى لو لم تكن واضحة على شاشة المراقبة ذاتها. فإن أنت شاهدت شاشة المراقبة التي تصور سطوًا مسلحًا على بنك مالي، فإنها ستتضح لك أحداثًا كثيرة أخرى لها علاقة بالحدث الرئيسي ذاته حتى لو لم تسجلها شاشة المراقبة مباشرة. فقد لا يظهر مثلاً اسم البنك الذي تم السطو عليه على شاشة المراقبة، لكنك تستطيع بكل سهولة (كمحقق) أن تعرف هذه المعلومة من مجريات ما يظهر على الشاشة ذاتها من طبيعة المكان والأشخاص الظاهرة مباشرة على الشاشة. لذا، هي شاشة مراقبة. وكذلك هي مهمة برج المرقبة، فهو يحاول تسجيل المسموعات والمرئيات والمدركات في عملية تحليل البيانات التي يسجلها، ليتصدى لها الجيش بالطريقة التي يراها مناسبة حينئذ.

السؤال: وأين توجد أجهزة المراقبة هذه (السمع والأبصار والأفئدة) عند الشخص المراقب؟

(انظر مقالاتنا السابقة عندما حاولنا التمييز بين القلب والفؤاد خاصة في قصة أم موسى: وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10))

السؤال مرة أخرى: أين توجد أجهزة المراقبة هذه (السمع والأبصار والأفئدة)؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن جميع أدوات المراقبة (السمع والأبصار والأفئدة) موجودة في الرأس الذي يعلو الرقبة.

ليكون السؤال الآن هو: ما هي الرقبة؟ ولماذا سميت رقبة أصلا؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن هذا العضو من جسم الإنسان سمي رقبة، لأنها العضو القادر على استغلال أدوات المراقبة الموجودة في الرأس كلها، فعندما تحاول مراقبة شخص ما أو حدث بعينه، فإنك تحاول تحريك رقبتك في كل الاتجاهات الممكنة، فالرقبة تعمل كالذراع الذي يحرك كمرة المراقبة في جميع الاتجاهات لالتقاط تفاصيل الحدث كلها، المسموعة منها (بالآذان)، والمرئية (بالأعين)، والمفهومة المتخيلة (بالفؤاد).

السؤال: لماذا الله وحده هو من يملك القدرة المطلقة على المراقبة لكل شيء؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الله هو الوحيد القادر على المراقبة لكل شيء، لأن الله لا يغيب عنه شيء من التفاصيل في كل وقت وحين:

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)

لذا، كان الله علينا رقيبًا (مراقبة مطلقة):

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

وهو كذلك على كل شيء رقيبًا:

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (52)

وهنا نعود إلى السؤال السابق: مادام أن الله على كل شيء رقيبًا، ومادام أن الله علينا رقيبًا، لماذا قال عيسى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ) كما جاء في جواب عيسى على سؤال ربه له:

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

السؤال المربك: إذا كان الله هو الرقيب عليهم لمّا توفى المسيح، فهل كان الله رقيبًا عليهم قبل أن يتوفى المسيح ويرفعه إليه؟

رأينا المفترى الخطير جدًا: كلا. نحن نظن أن الله لم يكن ليراقب القوم مادام المسيح متواجدًا فيهم.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن المسيح بنفسه يستطيع القيام بهذه المهمة.

الدليل

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في قول المسيح إلى بني إسرائيل كما جاء في الآية الكريمة التالية:

وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)

السؤال: كيف نفهم أن عيسى كان يستطيع أن ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؟ وكيف يكون في ذلك آية لنا إن كنّا مؤمنين؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن المسيح كان قادرًا أن ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وذلك لأن المسيح كان يستطيع مراقبتهم. انتهى.

لو دققنا في الآية الكريمة السابقة جيدا، لوجدنا على الفور التالي:

- كان المسيح ينفخ في الطين الذي يجعله كهيئة الطير، فيكون طيرًا بإذن الله

- كان المسيح يبرئ الأكمه والأبرص ويحي الموتى بإذن الله

- لكنه كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم (ولم يكن ذلك بإذن الله).

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن المسيح (نحن نظن ربما مخطئين) كان بطبيعته قادرًا على أن ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم دون الحاجة إلى أن يأذن الله له بذلك. فهو كينونة قادرة على المراقبة الدائمة المطلقة مادام موجودا، وكان في ذلك آية لقوم يؤمنون. فمن كان مؤمنًا عليه (نحن نرى) أن يفهم قدرة المسيح على المراقبة هذه. فهو في نهاية الأمر كلمة الله وروح منه. انتهى.

السؤال: لماذا طلب المسيح أنصارًا له إلى الله؟ ولِم لم يطلب أنصارًا لله مباشرة؟

رأينا المفترى: إن صح افتراؤنا بأن الله لم يكن مراقبا للقوم مادام المسيح فيهم، كان المسيح يحتاج إذاً أن يأخذ معه من ينصره عند الله، لأنه يعلم أن الله – لا محالة - سيسأله عما قال لهم في الفترة التي لم يكن الله نفسه رقيبا عندما كان المسيح فيهم. ويكأننا نفهم (ربما مخطئين) بأن المسيح يطلب ممن حوله أن يكونوا له أنصارًا إلى الله عندما سيسأله الله عما قاله لهم في الفترة التي كان هو (وليس الله) مراقبًا لهم. فالقوم قد قالوا بأن المسيح هو الله، والقوم زعموا بأن الله ثالث ثلاثة. كان عيسى (نحن نظن) يريد منهم أن يكونوا أنصارًا له عندما سيسأله الله إن كان قد قال لهم ذلك، ولينصروه بأن جلّ ما قاله لهم هو ما أمره الله به بأن يعبدوا الله وحده، رب المسيح نفسه وربهم أجمعين:

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)

ولو دققنا في السياق نفسه، لوجدنا بأن الله يوجه السؤال له على أساس أنه عيسى ابن مريم وليس على أساس أنه المسيح عيسى ابن مريم، قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)

ليكون السؤال هو: لماذا؟ أي لماذا لم يخاطب الله عيسى بصفته المسيح ولكن خاطبه كعيسى ابن مريم فقط؟

رأينا المفترى: افترينا القول بأن المسيح هو حالة ما قبل ولادته، بينما عيسى هو حالة ما بعد ولادته. لذا، يستحيل أن يكون المسيح قد قال ذلك ما دام أنه الصفة السابقة لخلقه كبشري، فما تبقى إلا أن يسأله الله عن ذلك عندما أصبح مولودا بشريا.

السؤال: لماذا اختار الحواريون أن يكونوا أنصارًا لله وليس أنصارًا للمسيح إلى الله؟

رأينا المفترى الخطير جدًا: عندما أيقن الحواريون بأن المسيح لا محالة مرفوع إلى الله، كان علمهم مؤكدا بأن ذهابهم معه ستكون عاقبته العذاب الإلهي على الأرض كلها، وكان ذلك سيشكل نهاية رحلة البشرية على الأرض، والأهم من ذلك كله، كانوا يعلمون أن ذلك سيكون انتصارًا للشيطان ودحضًا للحق كله.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن السنة الكونية هي على نحو أن الله - لا محالة- غالب ورسله:

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21)

لكن هذا لا يمنع وجود من استحوذ عليهم الشيطان، فكانوا حزبه. فهؤلاء يحاولون جهدهم – ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا- أن يكسبوا الصراع، ولا يألون جهدًا بأن يحادوا الله ورسوله ما دام أنهم من حزب الشيطان، فهم يريدون أن تكون كلمة الذين كفروا هي العليا، لكن الله لا محالة جاعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا على الدوام:

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)

ولو دققنا في هذه الآية جيدًا، لوجدنا على الفور أن لله جنودًا يؤيد بهم رسله ليجعل كلمة الذين كفروا السفلى. فالذين حاولوا الحاق الأذى بالمسيح مثلًا، كان هدفهم الجلي أن يقتلوا المسيح، وهم يعلمون أن الرسول (أي رسول) لا محالة سيطلب من الذين آمنوا معه أن يخرجوا معه متى ما شارفت رسالته على نهايتها، فكان منطقهم (نحن نتخيل) على النحو التالي: إذا ما استطعنا قتل المسيح (بإخراجه من الأرض كلها)، فإنه سيضطر إلى أن يأخذ المؤمنين معه، فينزل العقاب على الأرض جميعا، فتكون تلك نهاية للخطة الإلهية كلها، ويكأنهم بذلك – هم يظنون- يدحضون الحق بأكمله جملة واحدة.

السؤال: هل يمكن أن يصل القوم إلى هذا النوع من التدبير والمكر لدرجة أن ينشدوا إنهاء الحياة كلها على الأرض حتى لو كان في ذلك نهاية لهم أنفسهم؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء هم حزب الشيطان الذي استحوذ عليهم، ولمّا كان هؤلاء ممن يحادون الله ورسوله، لن يتوانوا (نحن نظن) عن محاولتهم إفشال "التدبير الإلهي" كله حتى لو كان جزء من ذلك على حسابهم، لأنهم بذلك سيكونون (حسب منطقهم) هم الرابحين.

السؤال: كيف يمكن أن نفهم منطقك هذا (يسأل صاحبنا) مادام أن في وقوع العذاب الإلهي على الأرض نهاية لهم؟ ألن يكونوا من الخاسرين؟ ما هذا الهراء؟ يرد صاحبنا بنبرة المحاجج المنتصر.

رأينا المفترى: كلا وألف كلا، لن يكونوا من الخاسرين حتى لو كان ذلك نهاية لهم، وذلك لأنهم (لو نجحت خطتهم) لن يتعرضوا للحساب من الله يوم تقوم الساعة على ما فعلوا في الحياة الدنيا أن استطاعوا دحر كلمته (لا قدر الله).

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما يحصل الصراع (أي صراع) بين طرفين، فإن الذي يحق له أن يحاسب الآخرين بعد نهاية الصراع هو المنتصر وليس الخاسر. فلم يكن هتلر – ولله المثل الأعلى- قادرًا أن يحاسب الآخرين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية لسبب بسيط، ألا وهو أنه قد خسر الصراع. لكن تصور معي عزيزي القارئ – إن شئت- ما الذي كان من الممكن أن يحصل لو أن هذا الرجل قد ربح الحرب العالمية الثانية؟ ألن يجلب جميع خصومه للمحاكمة؟ لكن ما الذي منعه من فعل ذلك غير خسارته الصراع؟ من يدري؟!

لكن لما كان الله لهم بالمرصاد، ولما كان الله يعلم ما تخفي صدورهم من المكر والكيد العظيم، استخدم الله (نحن نؤمن) جنوده لإتمام كلمته لتبقى كلمته هي العليا، وليدحض بها الباطل، وليجمع الكافرين جميعا إلى يوم الحساب الذي لا ريب فيه، فكان هو من أوحى بنفسه للحواريين بأن يؤمنوا به وبرسوله:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

ولو دققنا جيدًا في هذه الآية الكريمة، لوجدنا أن الله قد أوحى إلى الحواريين بأن يؤمنوا به أولًا ثم برسوله ثانيًا (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي). لذا، لم تكن هذه (نحن نظن) لتفوت الحواريين عندما طلب منهم المسيح أن يكونوا أنصارًا له إلى الله، فهم أنصار الله قبل أن يكونوا أنصارًا للمسيح. لذا، لم يكن جوابهم عندما طلب منهم المسيح نصرته إلى الله إلا أن قدموا نصرة الله على نصرتهم للمسيح، فجاء ردهم على النحو التالي:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)

نتيجة مفتراة خطيرة جدًا جدًا: كان الحواريون هم جنود الله الذين نصروه:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)

وما دام أنهم مؤمنون قد نصروا الله، فالله لا محالة ناصرهم، ومن هنا نستطيع أن نفهم آلية نصرة الله لهم عندما نستوعب أن الحواريين هم فتية الكهف أنفسهم (للتفصيل انظر سلسلة مقالات كيف تم خلق عيسى بن مريم).

لكن ما يهمنا طرحه الآن هو آلية الاعتداء على التابوت حسب الخطة التي رسمها وحاول تنفيذها فريق من أهل الكتاب الذين كانوا من حزب الشيطان. ليكون السؤال الآن هو: كيف نفّذ القوم خطتهم بقتل المسيح عيسى ابن مريم كما رسموها؟

رأينا المفترى: لما كان هؤلاء القوم يعلمون أهمية وجود التابوت بالنسبة لعيسى بن مريم، كان العلم لديهم يقينًا بأنهم لن يستطيعوا قتل المسيح (أي ابعاده عن الأرض كلها) إلا بالاعتداء على التابوت. فكانت خطتهم مبنية على إلحاق الأذى بالتابوت حتى لا يعد صالحًا لأن يستخدمه المسيح في الوصول إلى الأرض، فيبقى معلقًا (مصلوبًا) في السماء. ونحن نتجرأ على البوح بظننا أن خطتهم في إلحاق الأذى بالتابوت كانت باستخدام الدم. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء العلماء من بني إسرائيل من حزب الشيطان، كانوا يعلمون يقينا بأنهم لن يستطيعوا إلحاق الأذى بالتابوت بطريقة ساذجة، تبين للعامة من الناس من حولهم. لذا، يستحيل (نحن نرى) أن يحاول هؤلاء القوم اظهار نيتهم للناس علانيّة، لأن ذلك سيشكل خطرًا عظيمًا عليهم أنفسهم، وستفشل خطتهم على الفور، لأن العامة من الناس من حولهم سيتصدون لهم، لمنعهم من تنفيذ مكرهم وخداعهم. ولمّا كان هؤلاء من الذين يبطنون ما لا يظهرون، كان سلوكهم على نحو ما تصوره الآيات الكريمة التالية:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ (13) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (14) اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (16)

نعم، هذه هي صفات هؤلاء:

- يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ

- يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ

- فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

- وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ

- وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ

- اللّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

- أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ

لو دققنا مليا في صفاتهم هذه، لوجدنا أنها لا تنطبق إلا على من كان من الذين يمكرون ويخادعون، فهم لن يألوا جهدًا في أن يظهروا للناس من حولهم أنهم معهم، ليرضوهم، لكن لن تخفى نواياهم (بأنهم ممن يحاد الله ورسوله) على من كان لهم بالمرصاد:

يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)

وهؤلاء لا شك هم المنافقون حقًا. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في تتمة السياق القرآني ذاته:

يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63) يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65) لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (68)

نتيجة مفتراة مهمة جدًا: نحن نظن أن هؤلاء المنافقين هم حزب الشيطان، وهم الذين يحادون الله ورسوله، وهم الذين يظهرون ما لا يبطنون، وهم الذين يحاولون أن يخادعوا الله والذين آمنوا (وما يخدعون إلا أنفسهم ولكن لا يشعرون). لذا، سيظهرون لعامة المؤمنين من حولهم أنهم معهم، وأنهم من الذين يحاولون أن يصلحوا في الأرض ولا يفسدون، وهم في الحقيقة الذين يبغون الفساد في الأرض ولا يصلحون. والهدف الرئيس من ذلك كله هو إرادتهم (المبطنة) ومحاولتهم البائسة بأن يطفئوا نور الله بأفواههم:

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)

السؤال: كيف سيحاولون تحقيق هدفهم (غير المعلن) هذا في حالة المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن القوم سيحاولون فعل ما قد يبدو للناس (في ظاهره) أنه خير، وهو في حقيقته ليس أكثر من الشر بعينه، عندها ستنطلي الخطة على العامة من الناس، وستنجح خطتهم (هم يظنون) كما رسموها بالخفاء بعيدًا عن أعين الناس المباشرة.

السؤال مرة أخرى: كيف فعلوا ذلك؟ أو ما الذي فعلوه على أرض الواقع؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء القوم يعلمون قيمة التابوت في أعين الناس المؤمنين من حولهم، لم يكن أمامهم خيارًا إلا أن يتظاهروا بالإيمان العظيم، ويحاولون فعل ما قد يبدو للناس في ظاهره خيرًا وهو في الحقيقة شرًا لهم أجمعين. إنه القربان.

سؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء يدركون قيمة التابوت، ولمّا كان هدفهم الحاق الأذى به، ولمّا كانوا يحاولون فعل ذلك دون أن ينكشف أمرهم للعامة، تسلحوا بالإيمان المصطنع بأنهم يعظمون التابوت أكثر من غيرهم. لذا، عليهم أن يظهروا للناس من حولهم تعظيمهم لهذا التابوت بشعيرة تقديم القربان عنده. إنه الغلو في الدين. انتهى.

تلخيص ما سبق: كانت خطة حزب الشيطان من شياطين الإنس على الدوام هي الغلو في الدين. فالشيطان لا يدعو أولياءه لأن يظهروا الكفر، ولكنه يدعوهم إلى الغلو فيه، وذلك لخداع العامة من الناس من حولهم. فهو الذي ألبسهم أدوات النصب من اللباس الذي يميزهم عن العامة، ليظهروا أنهم هم المؤمنون حقًا، وفي الحقيقة هم ليس إلا جزء من جنود إبليس، إنهم الذين يتصنعون الإيمان، وحقيقتهم أنهم حزب الشيطان، إنهم أهل الكهنوت الديني. فهم الذين غلوا في الدين ليستطيعوا تحقيق مآرب وليهم الشيطان، فلا ينكشف أمرهم للعامة من الناس من حولهم.

باب الغلو

تساؤلات

- ما هو الغلو؟

- ما معنى الغلو في الدين؟

- كيف يمكن أن يحصل الغلو في الدين؟

- ما الفائدة التي ينشدها الذين يغلون في دينهم؟

- الخ.

لو دققنا في الآية الكريمة التي نحن بصدد الحديث حولها التالية:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)

لوجب علينا التفريق بين الغلو في الدين من جهة (لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ) وعدم القول على الله إلا الحق (وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ)، بدليل تجاورهم باللفظ بالعطف. وعند ربط هذا بتتمة السياق القرآني الذي يتحدث عن عيسى، يتوجب علينا الخروج بالافتراء التالي: أن بعض من أهل الكتاب قد غلوا في دينهم بينما قال بعضهم غير الحق، فجاء النهي الإلهي للطرفين (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ). فنحن نظن بأن الذين غلو في دينهم هم الذين بالغوا في وصف المسيح، فما كانت عقيدتهم على نحو أن المسيح ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم، أما الذين قالوا غير الحق هم من قالوا صراحة بالتثليت.

الدليل

دعنا ندقق في مفردة الغلو (ومشتقاتها) كما ترد في النص القرآني. ففي الآيات الكريمة التالية

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْه ُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)

نجد الغلّ يتقابل مع البسط. لذا، في حين أن البسط يتطلب السعة، فإن الغل يحمل في ثناياه التضييق. وربما يفسر هذا وجود الأغلال في الأعناق:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ (5)

وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)

إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71)

(للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة عن معنى الأغلال)

ولو دققنا في قصة المسيح، لوجدنا أن الذين غلو في الدين قد ضيقوا من ماهية المسيح، فهم قد قالوا بأنهم قتلوا المسيح رسول الله:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

ليكون السؤال: أين التضييق في ذلك؟

لو دققنا في قوله تعالى:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)

لوجدنا بأن المسيح هو (1) رسول الله و(2) كلمته ألقاها إلى مريم و(3) روح منه. لذا، كان لسان حال هؤلاء القوم ويكأنه (نحن نفهم) يقول بأن المسيح عيسى هو رسول الله، لكنه لا يقول بأنه كلمته وروح منه. ففي هذا (نحن نظن) تضييق في وصف حقيقة المسيح عيسى أبن مريم. وبالمقابل، كان قول الذين قالوا على الله غير الحق يمتثل بأنهم بالغوا في وصفه، فزادوا في وصف المسيح عما يجب، فرفعوه عن كون كلمة الله وروح منه إلى أن يكون ولد الله أو الله نفسه. ففي حين أن الطرف الأول قد غل، كان الطرف الثاني قد بسط أكثر مما يجب.

ولا شك عندنا أن مفردة الغلو لها علاقة بمفردة الغل، فمن كان في صدره غل، فهو من يشعر بالضيق من الآخرين. لذا، كان لزاما أن ينزع الغل من أهل الجنة، ليكونوا إخوانا على سرر متقابلين:

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللّهُ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ (47)

لذا، لم يكن للنبي (أي نبي) أن يغل:

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (161)

ولو دققنا جيدًا، لوجدنا بأن الغل عادة ما يكون للأعناق:

إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71)

وأبسط ما يمكن أن نفهمه من ذلك هو أن العنق هو ما يرتفع من الجسم، فالذين يغلون هم الذين يكون اتجاه فعلهم إلى الأعلى. لذا، نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الذين غلوا في المسيح هم الذين رفعوه إلى مقام أعلى مما يجب.

ولو دققنا في فكرة غلو الأسعار، لوجدنا بأن ذلك يعني الارتفاع في الثمن. لكن مما لا منازعة فيه هو أن في ارتفاع الأسعار تضيق على الناس، فالذي يرفع الأسعار أكثر مما يجب هو الذي يغلو، وهو إذاً من يرفع ثمن البضاعة أكثر مما يجب. فيثبط بذلك حركة السوق لعدم قدرة الأكثرية من الناس على شراء البضاعة غالية الثمن. ولا شك أن الذي يرفع الثمن هو من يظن بأن سلعته أكبر أهمية وأكثر جودة من سلعة غيره. فلو سألت تاجرًا يطلب ثمنًا أعلى لسلعته، لبرر ذلك بارتفاع جودتها، مقابل قلة جودة سلعة غيره التي يظن أنها لا ترقى لمستوى ما عنده من البضاعة غالية الثمن. فارتفاع السعر – بالنسبة له- مبرر بارتفاع الجودة.

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الغلو يحدث برفع القيمة إلى الأعلى من أجل حد الحركة عن وضعها الطبيعي.

السؤال: ما هو الغلو في الدين؟

رأينا المفترى: لو دققنا في السياقات القرآنية التي تدعو إلى عدم الغلو في الدين، لوجدنا أن المتفننون به هم من أهل الكتاب. ولكن الملفت للانتباه في هذه الآيات الكريمة أنها جاءت كلها في سياق الحديث عن عيسى بن مريم، قال تعالى:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)

فهؤلاء هم من غلوا في المسيح بأن رفعوه أكثر مما يجب، فضيقوا في وصفه، مختصرين الأمر على كونه رسول الله، ربما منكرين (نحن نظن) كونه كلمة الله وروح منه، فظن العامة من الناس أن هؤلاء هم أكثر حبًا للمسيح (الرسول) من غيرهم، فما قالوا كلمة الحق بأن المسيح هو ليس أكثر من رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.

ولو دققنا في السياق الآخر الذي ورد فيه النهي عن الغلو في الدين، لوجدنا ذكر المسيح فيه حاضرًا. ولكن ما يلفت الانتباه أكثر هنا هو أنهم كانوا يعتدون:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ (77) لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (78) كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (79) تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)

السؤال: كيف كانوا يعتدون؟

رأينا المفترى: لقد اعتدوا على آيات الله.

السؤال: وما هي آيات الله التي اعتدوا عليها؟

رأينا المفترى: المسيح والتابوت

السؤال: كيف اعتدوا على المسيح؟

رأينا المفترى: بمحاولة قتله صلبًا

السؤال: كيف اعتدوا على التابوت؟

رأينا المفترى: بإلحاق الأذى به بالدم

السؤال: كيف نفذوا خطتهم؟

رأينا المفترى: بالغلو بالدين بأن قربوا له القربان

السؤال: لماذا فعلوا ذلك؟ أو ما فائدة فعلتهم تلك بالنسبة لهم؟ وكيف سيفيد ذلك في تحقيق مآربهم غير المعلنة؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء من الذين يغلون في الدين، فقد ألبسوا أنفسهم (نحن نفتري القول) عباءة التدين الكاذب، واظهروا للناس من حولهم حبهم للمسيح أكثر من غيرهم، فما تبقى لهم إلا أن يحققوا ذلك عمليًا على أرض الواقع. فرفعوا مكانة المسيح أكثر مما يجب، فقال بعضهم أنه الله نفسه:

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72)

وقال آخرون منهم أنه ولد الله وابن الله:

أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152)

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)

وقال آخرون أن الله ثالث ثلاثة:

لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

والهدف الأوحد من كل ذلك هو المباراة الكاذبة في حبهم للمسيح رسول الله وكلمته. فما كان من هؤلاء المغالين في الدين إلا أن يكتموا الأصوات القليلة الداعية إلى الحق (كصوت الحواريين)، فكانت لهم الغلبة الظاهرة، فما كان منهم إلا أن يبرهنوا للعامة من الناس حبهم للمسيح، فجاءت فكرتهم الشيطانية بالاعتداء على التابوت بتقديم القربان عنده (كما كان يفعل الوثنيون) من قبلهم:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

السؤال: لماذا نفذوا خطتهم باستخدام القرابين (الدم) كما تزعم؟ يسأل صاحبنا مستغربا

رأينا المفترى: لمّا كان التابوت تحمله الملائكة:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

كان في علم شياطين الإنس أن الملائكة لا تحبذ الدم، ولا يمكن للملائكة أن تسفك الدم، بدليل جوابهم على أمر ربهم الأول بالسجود لآدم:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)

السؤال: ما الذي يمكن أن تفعله الملائكة (إن حصل سفك للدم) على التابوت؟ هل يمكن أن تبقى الملائكة تحمل التابوت مادام الدم المسفوك يملأه؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا (لا تصدقوها): نحن نتخيل بأن الملائكة ما عادوا يستطيعون حمل التابوت المسفوك عليه الدم، فما كان منهم إلا أن يتركوا التابوت مادام أن أذى الدم قد لحق به. انتهى.

تساؤلات

- أين ذهبت الملائكة الذين كانوا يحملون التابوت؟

- ماذا حلّ بالتابوت نتيجة ذلك؟

- أين ذهب التابوت بعد ذلك؟

- هل يمكن للملائكة أن يعودوا ليحملوا التابوت من جديد؟

- الخ.

هذا ما سنتناوله بحول الله وتوفيق منه في الأجزاء القادمة إن أذن الله لنا الإحاطة بشيء من علمه فيها. سائلينه وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علم فيها لا ينبغي لأحد غيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يكون لي هاديًا، وأن يجعل لي من لدنه سلطانًا نصيرًا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقول عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو الواسع العليم.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان & محمد معتصم المقداد

بقلم: د. رشيد الجراح

11 شباط 2020

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق