تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) - الجزء 5



نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة – الجزء الخامس
تعرضنا في الجزء السابق من هذه المقالة لفقه الأضحية التي ظننا – مفتري القول من عند أنفسنا- بأنها القربان الذي بدأ تشريعه مع أول مشكلة عائلية نشبت على الأرض عندما دب الخلاف بين ابني آدم، فاتفقا على حل الخلاف بينهما بآلية تقديم القربان، ولكنهما اختلفا على النتيجة عندما رفض إسرائيل (الأخ الأصغر) أن يلتزم بنتيجة تقديم القربان التي كانت لصالح أخيه الأكبر إدريس. ففي حين أن القربان قد تقبل من إدريس لم يُتقبل من إسرائيل، وذلك لأن الأول كان من عباد الله المتقين (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، بينما كان إسرائيل ممن يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. فكان القربان هو ما أخرج ما في نفس إسرائيل من حب الحياة الدنيا على الآخرة وهو ذاته ما كشف ما في قلب إدريس من التقوى.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

وليس أدل على إفساد إسرائيل في الأرض حينئذ من تتمة السياق القرآني ذاته:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

وقد افترينا الظن في الجزء السابق من المقالة بأن القربان يمكّننا من معرفة نوعين من الناس، وهما:

1. عباد الله المتقين الذي لا يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة

2. المفسدون في الأرض الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة

كما افترينا الظن بأن دور الشيطان يكمن في تحريك تلك الغواية لتتحقق على أرض الواقع. فهو ليس ملام على غوايتك لأنك أنت من غويت فعلًا. فالغواية تفتعلها النفس ويظهرها الشيطان، وليس أدل على ذلك من شهادة الشيطان في العذاب:

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

ويأتي القربان ليكشف لنا نحن البشر ما في صدور العالمين من غواية وما في قلوب المؤمنين منهم من تقوى. فالله هو من سخر لنا الأنعام التي تقدم كقربان (الأضحية) لهدفين اثنين: (1) للخير الذي فيها لنا، لأنها ليست أكثر من آلية فاعلة لتحل الخلاف الناشب بين المتخاصمين، فهي تبين لنا المتقين كما تدلنا على الذين في قلوبهم مرض (وهذه هي – برأينا- المنفعة التي تتأتى لنا من جراء تقديم القربان)، و (2) لينال الله منا التقوى، فيعلم ما في قلوب المؤمنين من تقوى (فيعلمها الله).

ونحن نتجرأ على الظن بأن الغواية تتحصل في الصدر، فعلم الله بها نافذ، وهي لا شك ما يجول في صدر الشخص من سوء. لكن علينا أن نميّز بين الغواية من جهة والفتنة من جهة أخرى. ونحن نفتري الظن بأن الفتنة هي محلها القلب، وقد تتجلى بالخير كما تتجلى بالسوء، فالله قد يفتن الناس، فتكون النتيجة على نحو أن يؤمن بعضهم ويكفر آخرون:

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (110)

وهذا من أجل أن يتحصل العلم الإلهي لما في القلوب:

أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)

أما الغواية، فهي مبنية بكليتها على الجانب السلبي، فعاقبتها دائمًا وخيمة:

وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

نتائج مفتراة:

1. الفتنة لما في القلب

2. الفتنة قد تكون عاقبتها خيرًا وقد تكون عاقبتها سوءً

3. الفتنة هدفها علم الله بالذين صدقوا وعلمه بالكاذبين

4. الغواية لما في الصدر

5. الغواية عاقبتها دائمًا وخيمة

6. الخ

ولو تابعنا تدبر الآيات القرآنية الخاصة بهذه الشعيرة كما جاء في قوله تعالى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

لوجدنا أن الخير الذي فيها لا يتوقف عند هذا الحد، بل أن تقديم البدن (كقربان) هو – نحن نظن- أحد الوسائل الفاعلة على شكر الله: كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة "الشكر" (ومشتقاتها) في السياقات القرآنية كلها، لوجدنا بأن الشكر ليس قولًا يردده اللسان فقط، بل هو فعل ينفذ على أرض الواقع. انتهى.

الدليل

دعنا نبدأ جلب الدليل من تفقدنا للآية الكريمة التالية:

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)

فالمدقق في صريح اللفظ هنا سيجد الحث للإنسان أن يشكر لله وأن يشكر لوالديه (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، ليكون السؤال الآن هو: كيف يجب على الإنسان أن يشكر لوالديه؟ هل يكفي أن يقول لهم بلسانه "شكرًا لكما"؟ هل يكون الشكر للوالدين قولًا فقط؟ أم هل يجب على الإنسان أن ينفذ شكره لوالديه عملًا واقعا يبين أنه فعلًا يشكر لهما؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا صريح اللفظ يدلنا على أن الشكر هو عمل يمكن للإنسان أن يحققه على أرض الواقع، قال تعالى:

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)

فها هم آل داود ينفذون الشكر عملًا، وليس فقط قولًا (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا). أليس كذلك؟ ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن هدف الشكر هو طلب الزيادة:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الطريقة العملية لتحقيق الزيادة من أي شيء تريده هو الشكر. ومن هذا المنظور نحن ندعو القارئ الكريم أن يقرأ الآية الكريمة التالية:

وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)

نعم. من يشكر فإنما يشكر لنفسه. فهو من يريد الزيادة من الخير. فما تقدم لوالديك على سبيل الشكر لن ينقص ذلك من مالك شيئا، لأن الله - لا شك عندنا- سيخلفه. فكل ما تنفق من شيء شكرًا لله وشكرًا للوالدين، فإن الله - لا محالة - سيخلفه لأن الله هو خير الرازقين:

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

ومن هنا نحن نحث الناس أجمعين ألا يقع في قلبهم شكرًا لله على شيء إلا أن كانوا يريدون الزيادة من ذلك. فإن أنت أصابك خير، فلك أن تشكر الله بلسانك كما تشكره عملًا (كما سنحاول تبيان ذلك بعد قليل إن شاء الله). لكن إن أنت أصابك ما تكره، فلا تشكر الله على ذلك، لأن الله ليس سببا في ذلك المكروه مصداقًا لقوله تعالى:

مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا (79)

السؤال: ماذا يتوجب على الإنسان أن يفعل إذا ما أصابته السيئة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن على من أصابته السيئة أن يجأر إلى الله، مؤمنا أن الله هو وحده القادر على كشف هذا السوء الذي أصابك:

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54)

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62)


السؤال: وماذا يتوجب على الإنسان قوله في دعائه ليكشف الله ما به من سوء؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن كل من أصابه ابتلاء بنقص من الخير أن يكون من الصابرين:

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَموَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155)


وعليه في ذات الوقت أن يؤمن بالقول والعمل بما جاء في الآية الكريمة التالية:

الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (156)

وستكون النتيجة الحتمية بإذن الله على النحو التالي:

أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)


نتيجة مفتراة 1: عندما تصيبك نعمة من الله، عليك أن تشكر الله (قولًا وعملًا) بنية الزيادة من الخير

نتيجة مفتراة 2: عندما يصيبك السوء عليك أن تجأر (قولًا وعملًا) إلى الله أن يكشفه عنك.

نتائج مفتراة من عند أنفسنا:

- الشكر يتحقق على أرض الواقع بالعمل

- الشكر هو ما يكفل الزيادة

- من يشكر فإنما يشكر لنفسه

- ما تنفق من مالك بنيّة الشكر، فإن الله سيخلفه

- الخ.

السؤال: ما علاقة هذا بفقه شعيرة الأنعام (الأضحية)؟

تصورات مفتراة من عند أنفسنا: جرت فطرة الناس على تقديم القربان (الأضحية) من الأنعام عندما يتحصل لهم من الخير الوفير. فلو راقبت الناس على فطرتهم التي فطرهم الله عليها، لوجدت أن من رزق منهم بمولود جديد، قد عمد إلى تقديم القربان من الأنعام، فيذبح من الأنعام تحت ما يسميه الناس اليوم – بالمفردات الشعبية- "بالعقيقة". وتجد من بنا منهم بيتًا قد عمد كذلك إلى تقديم القربان من الأنعام، فيذبح ويولم ليطعم القانع والمعتر، وكذلك يفعل من اشترى مركبة جديدة أو حصل على وظيفة، ومن أوتي سعة من المال لم تكن في حساباته من ذي قبل. وهذا ما نسميه نحن هنا بمفرداتنا بـ "قربان الشكر".

ولا تتوقف منفعة القربان من الأنعام عند هذا الحد، بل هي أيضا (نحن نظن) وسيلة فاعلة لدفع النقم. فما كانت نجاة آل لوط من العذاب إلا لأنهم ممن كانوا يشكرون الله:

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِّنْ عِندِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ (35)

ولو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن الشكر قد جاء سابقًا للإيمان في دفع عذاب الله:

مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)

نتيجة مفتراة: من كان يشكر الله عملًا واقعًا على الأرض فقد حصّن نفسه من العذاب.

وقد كان الشكر (نحن نظن) المفتاح الأول لاجتباء إبراهيم وهدايته:

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120) شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (121)

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن عكس الشاكر ليس الكافر وإنما الكفور:

إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)

نتيجة مفتراة 1: الإنسان قد يكون شاكرًا (إِمَّا شَاكِرًا)

نتيجة مفتراة 2: الإنسان قد لا يكون شاكرًا، فهو إذا يكون كفورًا (وَإِمَّا كَفُورًا)

ولو حاولنا ربط هذه الجزئية (وَإِمَّا كَفُورًا) في هذا السياق القرآني مع سياق الآيات التي تتحدث عن البدن التي انطلقنا منها في حديثنا هذا كله، لوجدنا دقة الترابط اللفظي في كتاب الله العزيز، قال تعالى

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

فالذين يقدّمون البدن لإصلاح الفساد في الأرض هم - لا شك- من الذين آمنوا، وهم من سيدافع الله عنهم. لكن الذي يسعى في الأرض الفساد (بإحداث المشاكل) هو – بالمقابل - خوان كفور (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ) يستحيل أن يكون عبدًا شكورًا. فالمقابلة هنا هي بين من هو شاكر من جهة ومن هو خوان كفور من الجهة المقابلة. فهو خوّان بإحداث الخيانة وبالتالي الفساد في الأرض، وهو كفور لأنه يستحيل أن يكون شاكرًا، لأنه لا يقدم البدن كأضحية للقضاء على هذا الفساد.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نجد التقابل في هذا السياق القرآني بين من هو من الذين يشكرون الله (وهم المحسنون الذين ينفقون في سبيل الله ولا يحبون الفساد في الأرض، فيصفحوا ويكضموا غيض قلوبهم ويعفون عن الناس) من جهة والخائنين الذين يعمدون إلى نشر الفساد في الأرض ولا يشكرون الله على نعمه (كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ).

ونجد التحذير الإلهي لنا (واضحا لا لبس فيه) من فئة محددة من الناس وهم من جاء وصفهم في الآيات الكريمة التالية:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207)

فهؤلاء متقنون (لا بل متفننون في) الكلام "المعسول"، فهم الذين يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم:

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8) اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9) لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)

فهؤلاء هم من إذا تولوا سعوا في الأرض ليفسدوا فيها، وهم الذين يستطيعون أن يخدعوا كثيرا من الناس بظاهر القول:

أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ (34)

فكيف نستطيع أن نميّز هؤلاء؟ وكيف يمكن أن يُمتحن ما في قلوبهم؟

رأينا المفترى: إنه القربان (الأضحية)

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الذي يضحي هو من يقدم الأضحية، فهو يجاهد بنفسه وبماله مهما قلّ. فالله قد طلب منّا أن ننفق في سبيله شريطة ألا نلقي بأنفسنا إلى التهلكة:

وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

فالذين عاهدوا الله على أن يصدّقوا وأن يكونوا من الصالحين، سيغويهم الله بأن يؤتيهم من فضله، لكن ستكون النتيجة الحتمية أنهم سيبخلون ويعرضون. وهؤلاء هم الذين في قلوبهم مرض لأنهم هم الكاذبون، فالله يعلم سر هؤلاء ونجواهم لأن الله علام الغيوب. ولا يتوقف مرض قلوبهم عند هذا، بل هم الذين يلمزون المطوّعين في الصدقات كما يلمزون الذين لا يجدون إلا جهدهم، فما يكون من أولئك مرضى القلوب إلا أن يسخروا من هؤلاء الذين لا يجدون إلا جهدهم، وستكون النتائج عليهم كارثية على نحو أن يسخر الله منهم أولًا ثم يكون لهم عذاب أليم.

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن كشف "المتشدقين بالقول" بلا عمل (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) هم في الحقيقة ألد الخصام (وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ)، وهم الذين يسعون في الأرض فسادًا، فيستحيل أن يكونوا من المضحّين بأنفسهم وأموالهم، أي من يقدمون الأضحية (القربان) لكف الفساد من الأرض. فهم الذين لا يعملون شكرًا. وهؤلاء هم من ينطبق عليهم قول الحق:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)

فالله يحذر عباده المؤمنين أن يقعوا في هذا المنزلق الخطير (أن يقولوا ما لا يفعلون). فالفعل هو الذي يصدق القول. فكل قول لا يصدقه العمل هو من باب مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ.

وتستطيع عزيزي القارئ أن ترى (بأم عينك) هؤلاء الذين لا يحبون أن ينفقوا في سبيل الله، فهم الذين لو استلم أحدهم الميكرفون وقام خطيبًا في الناس لأعجبك قوله. لكن هل جربت أن تراقب أفعاله بعد أن سمعت أقواله؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الغالبية العظمى من هؤلاء الخطباء "المفوهين" هم من الذين يحبون المال حبًّا جمًّا. وفي الوقت ذاته هم أنفسهم الذين يأكلون التراث أكلًا لمًا:

كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن هؤلاء هم أنفسهم الذين إذا ما وقفوا خطباء بالناس سردوا من حكايات التراث ما يعد وقد لا يحصى. فهم مغرمون بقصص التراث الفائت، لكننا لا نجدهم في الوقت ذاته يطبقون عمليًا على أرض الواقع ما يتلفظون به بألسنتهم، فهم الذين يختارون من التراث زخرف القول غرورًا. فترى الكلمات تنساب من أفواههم كالشعر الموزن، فحطاباتهم مملوءة بالسجع، كما تزينها المحسنات البديعية كالجناس والطباق وجزالة الألفاظ التي لا يفهمها الناطق بها ناهيك عن سامعها، لكنهم في الوقت ذاته أبعد الناس عن تطبيق ما يقولون على أرض الواقع. لذا، فهؤلاء – برأينا- هم شياطين الإنس (كما شياطين الجن) لا يوحون لبعضهم البعض إلا زخرف القول غرورًا:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)

وذلك لأن الحياة الدنيا هي التي غرتهم:

الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51)

فمن غرته الحياة الدنيا هو الذي آثر ما فيها على الآخرة، فيكون الإنفاق في سبيل الله هو أكثر شيء لا تطيقه نفسه، فلا ينفق من ماله إلا بشح الأنفس:

وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)

فالذي ينفق هو من استطاع أن يوق شحّ نفسه، وبالمقابل فإن من لم يوق شحّ نفسه، فلن يكون من المفلحين.

افتراءات غير مقصودة: إذا رأيت من لا يوق شح نفسه، فيبخل، ولا يعمل شكرًا بالإنفاق، ويتشدق بزخرف القول غرورًا، فيعجبك قوله، ويخذلك فعله، فهذا من شياطين الإنس الذين وجب الحذر منهم، لأنهم ممن إذا تولوا في الأرض سعوا ليفسدوا فيها ويهلكوا الحرث والنسل. فالذي تراه يلبس ثوبه ذات الشكل الواحد، ويخطب في الناس بكلام التراث، ويحب المال حبًا جمًا، ولا ينفق في سبيل الله، فهذا من شياطين الإنس. والشي الذي يفضح نواياهم غير الشريفة هو شيء واحد، ألا وهو القربان (الأضحية).

السؤال: لماذا يزداد الغني غنى؟ ولماذا يزداد المحتاج حاجة؟

رأينا المفترى: لو دققت في مظاهر بعض حياة الناس العاديين، لوجدت أن بعض الأغنياء يزداودن غنى، في الوقت الذي يزداد فيه بعض الفقراء فقرًا بغض النظر عن وازعهم الإيماني. ليكون السؤال هنا هو: لماذا؟

رأينا المفترى: عندما كانت سنة الله الكونية على النحو التالي:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

كان سلوك بعض الأغنياء متماشيًا مع هذه السنة الكونية، فهم ممن يشكرون بالإنفاق، ولما كانت سنة الله على النحو التالي:

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

ولما كانت سنة الله الكونية على النحو التالي:

وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12)

كان كل من عمل شكرًا قد طبق فعلًا هذه السنن الكونية، فبسط الله له الرزق. وقد كان آل داود هم أكثر من طبق هذه السنن الكونية، فكانت النتيجة كما جاءت على لسان سليمان على النحو التالي:

فَلَمَّا جَاء سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)

وبالمقابل، نجد كثيرًا من الفقراء لا ينفقون شيئًا مما آتاهم الله متذرعين بعامل القلة والعوز. فهم بذلك لا يطبقون سنّة الشكر، فلا يستفيدون من نتائجها. ولو علم هؤلاء ما في عمل الشكر من خير يعود عليهم، لما تلكأوا عن الإنفاق (ولو كان بهم خصاصة) لحظة واحدة:

لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

فالإنسان يجب أن يتعلم أن يوق شح نفسه بعمل الشكر، فلا يكون خوانًا كفورًا:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

بناء على ما سبق من منطق مفترى من عند أنفسنا، نستطيع أن نتجرأ على الافتراءات التالية التي نظن أنها تتأتى من تقديم القربان (الأضحية):

1. حل المشاكل العائلية

2. حل المشاكل الفردية

3. جلب المنفعة

4. درء الفاقة والحاجة

5. تطهير المكان

باب الطهارة: القربان في الحج

تحدثنا في واحدة من مقالاتنا السابقة عن الآية الكريمة التالية:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

فطرحنا السؤال عن آلية تطهير البيت كما نفذها إبراهيم وإسماعيل على أرض الواقع. وكان رأينا المفترى حول هذه الجزئية يتمثل بالتالي: تطهير البيت يتحقق بالقربان (الأضحية). انتهى.

تصورات مفتراة من عند أنفسنا: عند حديثنا عن طهارة البيت، فإننا نعتقد جازمين بأن الطهارة هنا تعني تنظيف المكان من رجز الشيطان. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

تصورات مفتراة من عند أنفسنا: بعد أن نزل آدم عند نصيحة الشيطان له بالأكل من الشجرة، جاء الأمر الإلهي للجميع بالهبوط من الجنة (بيت المقدس)، فكان هبوطهم (نحن نظن) إلى الواد غير ذي الزرع ببطن مكة، وكان الهبوط للجميع بمن فيهم الشياطين:

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

فكان وادي مكة هو المكان الذي (نحن نفتري الظن) بنت فيه الشياطين مملكتهم الأولى. فأصبح ذاك المكان (وما زال) يعج بالشياطين. وعندما وضع أول بيت للناس هناك، كان تواجد الشياطين حوله كثيفا. فكان لازاما تنظيف المكان من رجزهم على الدوام. وعندما بوأ الله لابراهيم مكان البيت، أسكن بعضًا من ذريته هناك، ليقيموا الصلاة:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

لقد عمد إبراهيم إذا إلى اسكان بعضًا من ذريته هناك بهدف إقامة الصلاة، وهو الأمر الذي – لا شك- يغيض الشياطين. ويكأن إبراهيم يريد أن تقام الصلاة على الدوام في عقر دار الشياطين، الأمر الذي سيجعل ذكر الله غير منقطع في تلك البقعة الجغرافية من الأرض.

ولكي يحقق ذلك عملًا غير منقطع على أرض الواقع، رفع إبراهيم القواعد من البيت العتيق مع ولده إسماعيل، وجاءه الأمر الإلهي بتطهير المكان، فأصبح لزاما دوام تنظيف المكان من الشياطين التي تحيط بالبيت، فيبقى مكانًا مطهرهًا للطائفين والعاكفين والركع السجود:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)


فكان تطهير البيت (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) يتم بالقربان (الأضحية). انتهى.

وبناء عليه، فإننا نظن (ربما مخطئين) بأن الهدف من تقديم قربان الأضحية في موسم الحج هناك هو من أجل تطهير البيت من رجز الشيطان. فالأضحية (أي القربان) التي يقدمها الحاج بعد اتمام الحج، لها – برأينا- منفعتان اثنتان:

1. احتفالًا بانتهاء مراسم الحج والفوز بالجائزة (وهو ما تحدثنا عنه عندما تعرضنا لمفردة الكوثر في مقالاتنا السابقة – انظر الرابط التالي: https://www.dr-rasheed.com/2018/07/9.html)

2. تطهير المكان من رجز الشيطان في هذا العام حتى العام القادم، فكان القربان إلى أجل مسمى:

لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

فالمنفعة الأولى تتمثل – برأينا- في تليين العلاقة بين العبد وربه. فالعبد الذي يقدم القربان الذي محله إلى البيت العتيق هو شخص قد أقر بذنبه، فأراد إصلاح العلاقة مع ربه، فذكر الله يتم هنا في الحج على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، وتكون مخصصة لأن نأكل منها بأنفسنا ونطعم منها البائس الفقير:

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35)

ولو دققنا في النص هنا جيدًا، لوجدنا بأن ما نذكر اسم الله عليه من بهيمة الأنعام في الحج هو للأكل الشخصي ولاطعام البائس الفقير، بينما تكون البدن التي هي من شعائر الله والتي ذكر اسم الله عليها في البيوت من أجل أن نأكل منها ونطعم القانع والمعتر (للتفصيل انظر الجزء السابق من هذه المقالة). وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- تتمة السياق القرآني ذاته:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

نتائج مفتراه مهمة جدًا
- ما يذكر اسم الله عليه في الحج يكون لنأكل منها ونطعم البائس الفقير (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ)

- ما يذكر اسم الله عليه من البدن في البيوت (الأضحية) يكون لنأكل منها ونطعم القانع والمعتر (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ)

تلخيص ما سبق: يأتي القربان (الأضحية) في مناسك الحج كشعيرة من شعائر الله. فتكون فاعليته خيرًا لنا لنشكر الله، فيكون ذلك من باب ما نعمل شكرًا لله. فنأكل منها ونطعم البائس الفقير.

وتأتي المنفعة الأخرى لهذه الشعيرة من ذكر اسم الله على بهيمة الأنعام في الحج تطهيرًا للبيت من رجز الشيطان. فمادام أن اسم الله قد ذكر عليها، فإنها لن تكون من الفسق في شيء. ولو دققنا في الآية الكريمة التالية جيدًا:

وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121)

لوجدنا على الفور الترابط الواضح بين الفسق والشياطين. فأول من فسق عن أمر ربه هو إبليس:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

نتيجة مفتراة 1: ما لم يذكر اسم الله عليه يقع في باب الفسق

نتيجة مفتراة 2: ما ذكر اسم الله يستحيل أن يكون فيه فسق، لأن ذكر الله – لا محالة- يحبط عمل الشياطين.

ولو دققنا في مفردة الفسق ومشتقاتها، لوجدنا أن أهم ما يميز الفسق، هو إذكاء العداوة بين الناس، فالفاسق هو الذي يحاول إيقاء الخلاف (وبالتالي العداوة) بين الأطراف:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6)

ومثال ذلك الذين يرمون المحصنات الغافلات (وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). فمحرك فعلهم هذا هو إذكاء العداوة وإيقاء المشاكل بين الناس:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)

وقد جاءت صفات الفاسقين جليّة في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

فالفاسقون هم:

- الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه،

- ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل،

- ويفسدون في الأرض

والنتيجة الحتمية لهؤلاء هي الخسران المبين (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، وذلك لأن سنّة الله التي مضت في الفاسقين هي على نحو أن الله لا يهدي القوم الفاسقين:

ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)

كَذَٰلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33)

والسبب في ذلك أنهم نسوا الله، فأنساهم الله أنفسهم:

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (19)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: من كان له ميثاق مع الله، ثم تولى بعد ذلك، فهو لا محالة من الفاسقين:

وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82)

فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)

وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

ومهما فعل هؤلاء الفاسقين، فلن يتقبل الله منهم:

قُلْ أَنفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ ۖ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)

فإبليس كان أول من فسق عن أمر ربه:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

فهو كان ممن أخذ أصر الله، ثم تولى، وكان ذلك نتيجة لاستكباره:

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (20)

نتيجة مفتراة 1: إبليس فسق عن أمر ربه لأنه أخذ الإصر ثم تولى

نتيجة مفتراة 2: إبليس استكبر في الأرض

نتيجة مفتراة: إبليس هو من يذكي العداوة بين الناس

فيصبح التقابل واضحًا بين المؤمنين الذين وليّهم الله من جهة والذين فسقوا باتخاذهم الشيطان وليّ لهم من جهة أخرى:

أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا ۚ لَّا يَسْتَوُونَ (18)

وذلك – برأينا- ما حصل من بني إسرائيل، فعلى الرغم من ميثاق ربهم، إلا أنهم فسقوا:

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

والفسق هو أهم صفات المنافقين:

الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ ۚ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ۗ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67)

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ ۖ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِن تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) 


فأولئك الذين قد يرضيك قولهم ولكن المشكلة هي متجذرة في قلوبهم:

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَىٰ قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8)

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)


تلخيص ما سبق: عندما يأخذ الله العهد من أحد، ثم يتولى ناسيًا الله (عن قصد طبعًا)، فإن الله ينساهم، فتقسى قلوبهم، فيكونوا من المنافقين الفاسدين، فلا يكون الله وليّ لهم. لأنهم يكونوا حينئذ عدوا لله وملائكته وجبريل وميكال:

مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (100)

تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (81)


فلا يكونوا ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فيكثر الفاسقون بينهم:

كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)

وتنتقل ولايتهم للشيطان، فينشط عمله فيهم، فيكثروا في الفسق، كما حصل مع الأقوام السابقة كقوم نوح:

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46)

أو قوم فرعون:

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ ۖ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12)

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ ۖ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)


أو كثير من قوم موسى:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)

وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (163)


أو قوم لوط:

وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74)

أو كثير ممن اتبعوا عيسى ابن مريم:

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ۖ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47)


والفسق هو أحد أهم أسباب هلاك القرى:

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)

إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34)

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (49)

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165)

وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۖ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (20)

فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)


فأحد أهم أسباب جلب العذاب هو الفسق، الذي يحدثه الناس بتحريض من وليهم الشيطان. ولكي يحبط عمل الشيطان، فلابد من إحداث الأمن، فقد جاءت دعوة إبرهيم لهذا البلد أن يكون آمنا، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35)

فيكون السؤال الآن هو: كيف سيتأتى الأمن في هذا البلد؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الأمن لا يمكن أن يحدث في ظل وجود الفسق والفاسقين. ففي حين أن الفاسقين يسعون إلى إحداث الفساد، وبالتالي جلب العذاب الإلهي على المكان كما حصل مع الأقوام السابقة، فإن الأمن يتأتى بكف يد الفاسقين. ونحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أحد وسائل جلب الأمن إلى المكان يتأتى بإحباط عمل الشيطان، فلا ينتشر الفسق. وهنا يأتي دور القربان (الأضحية) التي يذكر عليها اسم الله التي نأكل منها ونطعم البائس الفقير. ولا يتوقف تأثيرها الإيجابي عند هذا الحد، بل تكون الضمانة الحقيقية بأن يُعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا. ولو تدبرنا الآيات التالية التي تتحدث عن إبراهيم، لوجدنا أن الإيمان يجب ألا يلبس بظلم:

الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

فالذبح على النصب والاستقسام بالأزلام هما من الفسق الذي يحدثه الشيطان وأولياؤه.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)

فلله الدين الخالص، والذين اتخذوا من دونه أولياء، يعبدونهم ليقربوهم إلى الله زلفا هم – برأينا- من ألبسوا إيمانهم بظلم:

أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)

نتيجة مفتراة: ذكر اسم الله على ما يذبح من الأنعام كشعيرة في الحج هي كفيلة حقيقية بأن لا يلبس الإيمان بظلم (وهذه هي الحجة التي آتاها الله إبراهيم على قومه)، وكانت الآلية الضامنة لذلك على أرض الواقع هي شعيرة الذبح في الحج.

إن هذا الطرح السابق يوصلنا إلى النتيجة المفتراة من عند أنفسنا التالية: تأتي شعيرة القربان (الأضحية) في الحج لتكون تطهيرًا للمكان من رجز الشيطان، ويأتي ذكر الله عليها للحد من الفسق الذي يكون محركه الشيطان وأولياؤه. وتكون في تلك الأضحية منافع إلى أجل مسمى. ليكون السؤال الآن هو: ما هو الأجل المسمى؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا السياقات القرآنية التي ترد فيها عبارة "أجل مسمى"، لوجدنا أنها خاصة بالوقت الذي يتعلق بوقوع الأمر على أرض الواقع، فالدّين يكتب إلى أجل مسمى، وهو الوقت الذي يصبح فيه سداده لازمًا على المدين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

وحياة الناس على الأرض محددة بأجل مسمى يتحقق على كل واحد منهم عندما يحين أجله:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ۖ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُّسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60)

وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ۖ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)

قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10)

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى (129)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا ۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبْلُ ۖ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14) 


والعذاب محتوم بأجل مسمى:

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)

يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ۖ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4)

وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ۚ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَّجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53)


والشمس والقمر في حركة جريان حتى بلوغ الأجل المسمى لهما:

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۚ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13)

خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)


وجاء خلق السماوات والأرض إلى أجل مسمى:

مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنذِرُوا مُعْرِضُونَ (3)

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِم ۗ مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى ۗ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)


وكذلك هي منافع الأنعام محددة بأجل مسمى:

لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

السؤال: ما هو الأجل المسمى لمنافع الأنعام؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الطهارة ليست دائمة وإنما مؤقتة، يتوجب حصولها عند أجلها المسمى. لذا، فإن الطهارة يجب أن تكون متكررة كلما حان الأجل المسمى لها. انتهى.

الدليل

نحن نظن أن الطهارة فعل متكرر، يحدث بحلول الأجل المسمى، وليس أدل على ذلك – برأينا- من طهارة النساء من المحيض:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

فالأذى يصيب النساء طوال الشهر، وما أن يأتي المحيض حتى يكون هو بذاته الآلية التي تُحدِث الطهارة من ذلك الأذى الذي تحصل في جسم المرأة طوال الشهر كله. لذا، فإن عملية تطهير جسم المرأة من الأذى يتأتي كل شهر مرة واحدة.

وبهذا المنطق المفترى من عند أنفسنا (ربما المغلوط) نفهم آلية تطهير أي مكان آخر، كطهارة البيت:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

فطهارة البيت تكون من الرجز الذي أحدثه الشيطان طوال العام هناك، فيأتي القربان بالأضحية (إراقة الدم) لتطهير المكان كله من أذى الشيطان. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟ وأين الدليل على ما تفتري من قول؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الدليل على ذلك يتأتي من تقديم بعض الافتراءات المسبقة التي جاءت في مقالات سابقة لنا، نذكر منها:

- الخلافة في الأرض للخلق الأخير

- الخلق الجديد هو خليفة الخلق السابق

- الخلق السابق هم الجن

- الخلق الجديد هم البشر

- الإنس جاء خليفة للجن

- الملائكة جزء من الجن

- الشياطين هم من الإنس والجن

- أمر الله الملائكة بالسجود لآدم

- تلكأت الملائكة عن تنفيذ الأمر الإلهي في بادئ الأمر

- تخاصموا في الملأ الأعلى

- اسفرت خصومتهم عن عقد اجتماع تشاوري بينهم

- جاء نتائج ذلك الاجتماع أن يسجدوا لآدم كلهم أجمعون

- رفض ذلك الاجماع إبليس فقط، فأبى أن يكون من الساجدين لآدم لأنه كان يظن بخيريته على آدم

- كانت تلك هي غواية الله لإبليس بأن أخرج ما في نفسه من الكبر

- كانت غواية إبليس لآدم أن أخرج ما في صدره من حب الحياة الدنيا على الآخرة

- الخ

وهنا يطرح التساؤل التالي على الفور، ما علاقة هذا بطهارة البيت من رجز الشيطان؟

رأينا المفترى: لو دققنا في رد الملائكة الأول على الأمر الإلهي لهم بالسجود لآدم، لوجدناه على النحو التالي:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)

فالمدقق في هذا السياق القرآني سيجد على الفور بأن أكثر ما كان يقلق الملائكة (كعباد الله المؤمنين من الجن) أن يحدث الفساد وسفك الدماء في الأرض. فالملائكة يخشون الفساد في الأرض كما يخشون سفك الدماء.

وقد افترينا في مقالة سابقة لنا بأن سفك الدماء الذي علمته الملائكة كان من سلوك الكائنات الحية الأخرى (كالدواب) على الأرض. فالملائكة ترقب سفك الدماء الذي تقوم به الدواب في البرية، فكانت تخشى أن يقوم المخلوق الجديد بهذا الفعل كما قامت به الكائنات الحية السابقة كالدواب من ذي قبل. لكن كان الرد الإلهي حاسما بخيرية الخلق الجديد بذاك العلم الذي أودعه الله في آدم عندما علمه علم الأسماء كلها. انظر الآية التالية في السياق ذاته:

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)

فجاء رد الملائكة على الفور على نحو الإقرار بالعلم الإلهي الذي لم يكونوا على دراية به:

قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)

فما كان منهم إلا أن يسجدوا كلهم بعد أن أجتمعوا على هذا الرأي:

فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30)

ولم يتخلف عن الجمع (الاجتماع الملائكي) إلا إبليس:

إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)

إن ما يهمنا من هذا الطرح هو أن الجن كافة (الملائكة منهم والشياطين) لا تحب سفك الدماء، لا بل تهابه ولا تقرب منه.

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الجن كينونات لا تستطيع العمل في وجود الدم. انتهى. فالدم هو ما يكبح عملهم تمامًا.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن شياطين الجن تحب الفساد لكنها لا تحبذ القتل:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

فمهمة الشيطان الرئيسية تكمن في أن ينزغ بين الناس لإحداث الفساد كما حصل في حالة يوسف وإخوته:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

وقد كان الفساد الأول على الأرض قد بدأ مع قصة ابني آدم:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

فيكون السؤال هنا: ما الذي حصل حينئذ؟

رأينا المفترى: طرحنا في مقالتنا السابقة بعض التساؤلات حول القصة نعيدها هنا لمتابعة النقاش فيها ثم نحاول ربطها بالفكرة الرئيسية للبحث بإذن الله وتوفيق منه:

- لماذا كان لآدم وزوجه ابنان اثنان فقط؟

- هل كان لهما ذرية من الإناث؟

- كم عددهن (إن وجدن)؟

- لماذا لم يذكرهن القرآن بصريح اللفظ؟

- كيف حدث التزاوج مع بداية انطلاق الحياة على الأرض؟

- كيف أصبح الزواج لاحقًا؟

- ما هي الظروف التي أحاطت بتلك القصة حينئذ؟ متى قضى الموت على آدم وزوجه؟ وكيف حصل ذلك؟ وماذا حصل لسؤتهما؟ هل تم التخلص منها بالدفن؟

- هل كان آدم وزوجه على قيد الحياة عندما حصل الخلاف بين الأخوين؟

- لماذا عمد الأخ القاتل على مواراة سوءة أخيه؟ هل كان ذلك ضروريًا في تلك البقعة الممتدة من الأرض الفسيحة؟

- لماذا قربا القربان؟

- ما هو القربان الذي قرباه؟

- كيف تم تقديم القربان؟

- كيف تم قبول القربان

- الخ

السؤال الأول: لماذا كان لآدم ابنان اثنان فقط؟

رأينا المفترى: قد لا يخطر مثل هذا السؤال على بال الكثيرين ممن يقرأون النص القرآني من العامة من الناس، وقلما تجد له بعض الإجابات في جعبة أهل الدراية من أهل العلم المتخصصين في التفسير القرآني، ربما لظنهم أن هذا من البديهيات التي قد لا تستدعي إثارة السؤال حولها، أو ربما لصعوبة إيجاد التبرير المرضي لها، فيأخذون الأمر من باب المسلمات التي لا تحتاج أن يناقش ولا حتى أن تطرح التساؤلات حولها. لكن لما كنا نظن - نحن - أن كلام الله مقصود بذاته، فإن له – لا محالة - تبرير حقيقي، لا بد أن يبين مع الوقت متى ما اشغلت العقول بها بهدف التدبر والوصول إلى الحقيقة. ومن هذا المنطلق، فإننا لن نتردد أن نجعل الأمر قضية مهمة مطروحة على طاولة النقاش.

أما بعد،


نحن نؤمن – ابتداء- بأنه كان بالإمكان أن يكون لآدم ولد واحد، كما نؤمن بأنه كان بالإمكان أن يكون له أكثر من اثنين من الأبناء. فالتساؤل الذي يوجه النقاش هنا هو: لماذا كان له اثنان من الأبناء فقط؟

وينبثق عن هذا التساؤل الرئيسي تساؤلات أخرى لها علاقة مباشرة بمحاولة الوصول إلى إجابة مرضية، نذكر منها:

- هل كان لآدم فعلًا اثنان من الأبناء فقط؟

- وإن كان كذلك، فما الذي كان يمنع آدم (نحن نسأل) من كثرة الإنجاب؟

- وهل كان تحديد الإنجاب باثنين من الأبناء قرارًا من آدم نفسه أم كان قدرًا مفروضًا عليه؟

- الخ

رأينا المفترى: نحن نؤمن يقينًا بأنه لم يكن لآدم أكثر من اثنين من الأبناء بدليل صريح اللفظ في النص القرآني:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

فصريح اللفظ في الآية الكريمة (كما نفهمه طبعًا) يبين لنا بأن ذرية آدم من الذكور (الأبناء) قد انحصرت باثنين فقط. وقد افترينا القول من عند أنفسنا في مقالات سابقة لنا بأن الابن الأكبر كان اسمه إدريس بينما كان الابن الأصغر هو إسرائيل. كما حاولنا الترويج لفكرة مفادها أن الابن الأصغر إسرائيل هو الذي قتل أخاه الأكبر إدريس. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة تحت عنوان: لماذا قدم لوط بناته بدلًا من ضيوفه؟)

السؤال: لماذا انحصرت ذرية آدم باثنين من الأبناء فقط؟

رأينا المفترى: نحن نظن (مفترين القول من عند أنفسنا) أن القرار بأن يكون لآدم اثنين من الأبناء هو قرار آدم نفسه. وإن صح افتراؤنا هذا، يكون السؤال الحتمي إذًا هو: لماذا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية (كما نفهمها طبعًا) تجيب على هذا التساؤل، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87)

فالمتدبر لهذه الآية الكريمة، سيجد أنه يتوجب علينا أن نكون واقعين في المنتصف بين ضابطين إلهيين اثنين متضادين، وهما: ألا نحرم ما أحل الله لنا (لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللّهُ لَكُمْ) يقابله في الطرف الآخر ألا نعتدي (وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).

السؤال: ما علاقة هذا بمسألة أن يكون لآدم اثنين من الأبناء فقط؟

رأينا المفترى: لو دققنا النظر فيما أحله الله لنا، لوجدنا أن الله قد أحل لنا الطيبات. وبالمقابل، فالله نهانا عن الإعتداء. ولو دققنا في العلاقة المتضادة بين ما أحله الله لنا والاعتداء فيه على مساحة النص القرآني، لوجدناه قد ذكر في سياقين اثنين، وهما سياق الحديث عن المحرمات من الطعام:

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (173)

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)

قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145)

إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالْدَّمَ وَلَحْمَ الْخَنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (115)


وفي سياق الحديث عن النكاح:

الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)

تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (14)

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (1)

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107)


لتكون النتيجة المفتراة من عند أنفسنا هي على النحو التالي: نحن نظن بأن قرار آدم إنجاب اثنين من الأبناء قد كان محكومًا بهذين الضابطين المتضادين: ألا يحرم ما أحل الله وفي الوقت ذاته عدم الاعتداء. انتهى.

السؤال: كيف يكون قرار آدم إنجاب اثنين من الأبناء محكوما بعدم تحريم ما أحل الله وعدم الاعتداء في آن واحد؟

رأينا المفترى: لكي نفهم العلاقة بين هذه وتلك، علينا أن نحاول طرح جميع الخيارات التي كانت متاحة أمام آدم في قضية الإنجاب على وجه التحيد. فنحن نظن بأن الخيارات التي كانت متاحة أمام آدم هي خيارات ثلاثة فقط، وهي على النحو التالي:

- أن ينجب ابنا واحد (مفرد)

- أن ينجب اثنين من الأبناء فقط (مثنى)

- أن ينجب أكثر من اثنين من الأبناء (جمع)

السؤال: لماذا تجنب آدم الخيار الأول وهو إنجاب ابن واحد فقط؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب هو جلب المنفعة للبشرية فيما أحله الله.

السؤال: لماذا تجنب آدم الخيار الثالث بإنجاب أكثر من اثنين من الأبناء؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك هو تجنب الإعتداء.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: بداية يجب فهم آلية التزاوج التي سُطّرت في كتاب الله على النحو التالي:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (11)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)


فجميع نساء الأرض (الأزواج) قد خلقن من أنفسنا (خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا). لكن السؤال الذي يجب أن يطرح هو: كيف يتم التزاوج؟ هل يتزوج الأبن من أمه أو أخته أو ابنته؟ ألسن مخلوقات من أنفسنا؟

رأينا المفترى: بالرغم أن النساء مخلوقات من أنفسنا، لكن هناك ضوابط للنكاح. فالضابط الأول للنكاح هو:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)

فعلى الرغم أن الأم والبنت والأخت هن الأقرب في الخلق من أنفسنا، لكن النكاح لا يقع على هؤلاء. فالنكاح يقع على من خلقنا من أنفسنا شريطة ألا تكون من هؤلاء، أليس كذلك؟

نتيجة مفتراة مهمة جدًا: يكون النكاح من الأنفس شريطة ألا تكون من النفس القريبة، أي يجب أن تكون من نفس مختلفة. فأنا وأختي قد جاء خلقنا من نفس واحدة، لكني لا أنكحها. وأنت وأختك قد جاء خلقكم من نفس واحدة، لكنك لا تنكحها. لكن لا ضير أن أنكح أنا أختك، وتنكح أنت أختي. انتهى.

السؤال: ما علاقة هذا بمسألة أن يكون لآدم ابنًا واحدًا فقط؟

منطقنا المفترى (ربما المغلوط): نحن نظن بأنه لو كان لآدم واحدًا من الأبناء فقط، لكان له واحدة من البنات لكي تبقى البشرية في تكاثر طبيعي.

السؤال: وما المشكلة في ذلك؟

رأينا المفترى: لو كان لآدم بنتًا واحدة، لكانت تلك الأنثى قد خلقت من نفس ذلك الإبن الواحد:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

السؤال: وما المشكلة في ذلك؟

رأينا المفترى: كانت خطة آدم (نحن نتخيل) بأن لا يكون التزاوج بين أولاده (الأبناء والبنات) من ذات النفس، ولكن أن يكون التزاوج من نفس مختلفة.

السؤال: وكيف سيتحقق ذلك لآدم؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن خطة آدم كانت مبنية على أن يكون له ابنان اثنان، وأن يكون له ابنتان اثنتان. تكون كل واحدة منهما قد خلقت من نفس واحد من الأبناء: فيكون إدريس واخته التي خلقت من نفسه، ويكون إسرائيل ونفسه التي خلقت منه. لكن التزاوج (النكاح) الذي كان يخطط له آدم يجب أن يكون مبني على اختلاف الأنفس، وذلك بأن يتزاوج الابن الأول (إدريس) من تلك التي خلقت من نفس أخيه (إسرائيل)، بينما يتزاوج إسرائيل (أي ينكح) من تلك التي خلقت من نفس أخيه إدريس.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: ليتجنب آدم الخطأ (أو لنقل الإثم) الذي وقع فيه مع نفسه (زوجه).

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: كان الله قد خلق آدم ليكون خليفة في الأرض، وكان من المفترض ألا يحصل النكاح بل أن يتم التزاوج فقط. ويكون التكاثر بين آدم وزوجه لإنجاب الذرية بالنفخ، كما حصل في حالة مريم ابنت عمران. فلا تنكشف السوءة. لكن لما آثر آدم الملك على الخلافة، وبدى لهما ما وري عنهما من سوءاتهما، خسر آدم القدرة على النفخ، وما عاد ممكنا إلا النكاح (المس) عن طريق السوءة التي كان الله قد واراها عنهما. فتحصل نتيجة ذلك الأذى الذي مصدره المحيض.

السؤال: كيف ذلك؟ لم أفهم شيئًا يسأل صاحبنا متعجبًا.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو التزم آدم بالأمر الإلهي ألا يقرب الشجرة وألا ينزل عند نصيحة الشيطان، لظلّ آدم قادرًا أن ينفخ في فرج زوجه (كما حصل مع مريم ابنت عمران عندما جاءها روح الله ونفخ في فرجها، فحملت المسيح عيسى بن مريم.)، ولكانت الذرية ستتحصل لآدم وزوجه بتلك الآلية الأقل تكلفة، وأقل ضررًا. وهي الآلية التي يحصل فيها – برأينا- الحمل دون المس، فيكون حملًا خفيفًا (كما حصل مع مريم ابنت عمران):

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)


لكن عندما اختار آدم أن ينزل عند نصيحة الشيطان وأن يأكل من الشجرة، خسر آدم ذلك اللباس الذي كان يواري سوءتهما. وما عاد قادرا على النفخ في فرج زوجه. وأصبح لزامًا عليه أن يستخدم عضوه الذكري لإنجاب الذرية، فأصبح المس إلزاميًا لإنجاب الذرية، وأصبح حملًا ثقيلًا بعد أن كان حملًا خفيفًا:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: قبل الوقوع في المعصية، كان أمام آدم خياران اثنان فيما يخص إنجاب الذرية، وهما:

1. أن ينفخ في فرج زوجه، فلا يمسسها (الخيار الإلهي لآدم)

2. أن يمسس فرج زوجه، فيتغشاها بعضوه الذكري (الخيار الشيطاني لآدم)

وكان الذي يمكّن آدم من تنفيذ الخيار الإلهي على أرض الواقع هو ذلك اللباس. فالطاقة (الروح) الموجودة في ذلك اللباس كافيه لاحداث النفخ، وحصول الحمل خفيفًا. لكن عندما خسر آدم وزوجه ذلك اللباس، لم يتبق له إلا الطاقة الكامنة في عضوه الذكري لإحداث الحمل، فكان لزاما عليه استخدامه، فكان حملًا ثقيلًا.

السؤال: ما الفرق بين الحمل الثقيل والحمل الخفيف؟

رأينا المفترى: لا شك أن الحمل الخفيف هو الذي يتحقق بأقل تكلفة وأعلى فاعلية ممكنة، وهذا ما يمثله (نحن نظن) حمل مريم بالمسيح عيسى بن مريم. فهو حمل خفيف، لأنه تم بآلية النفخ في الفرج. فكان البطن طاهرًا، وما استمر أكثر من ليلة واحدة، وخرج من بطن أمه غير ناسي العهد الأول:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)

فالحمل لم يشكل عبئًا على الأنثى (مريم)، كما أنه لم يحدث ضررًا بالغلام المولود (عيسى).

أما الحمل الثقيل الذي يتحصل نتيجة المس، فهو يقع في بطن غير طاهر (ولكنه متطهر)، وفي الوقت ذاته تكون له آثار سلبية على الطفل وعلى الوالدين:

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)

نتيجة مفتراة مهمة جدًا: في حين أن حمل المسيح كان حملًا خفيفًا لأنه تم بآلية النفخ، كان حمل ذرية آدم حملًا ثقيلًا لأنه تم بالمس.

تخيلات مفتراة: لقد أودع الله في آدم القدرة على الاختيار حتى تكون إرادة آدم مستقلة عن إرادة ربه. فيتحمل آدم تبعات القرار الذي يتخذه بنفسه. فكان المتاح أمام آدم حينئذ طريقتين اثنين في الإنجاب: النفخ أو المس. وكان النفخ سيتم مادام آدم يلبس وزوجه ذلك اللباس الذي يواري سوءاتهما. ولكن إنْ هما فقدا ذلك اللباس، سيبقى متاح أمامهما الخيار الآخرفقط، ألا وهو أن يتغشى آدم زوجه بعضوه الذكري، فيتم الإنجاب بالمس.

السؤال: أين الدليل على هذه الافتراءات ربما غير المسبوقة؟ يسأل صاحبنا مستغربًا.

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذا السؤال ينقلنا على الفور إلى قصة خلق المسيح بكل تفاصيلها من البداية حتى النهاية، لنطرح حولها أسئلة وجودية ربما لم تطرح من ذي قبل. لكن من أراد متابعة النقاش هنا، فعليه أن يعود أولًا ليقرأ في سلسلة مقالاتنا تحت عنوان "كيف تم خلق المسيح عيسى بن مريم؟"، ثم يكون متحضرًا بعد ذلك لتلقي أسئلة أكثر جرأة وأعمق دلالات عن تلك الحادثة المفصلية في تاريخ البشرية. ففي تلك المقالات ستجد الأرضية الأولية لفهم القصة بطريقة مختلفة عن قصص التراث الإسلامي والمسيحي واليهودي، وربما تجد هنا قليلًا من متعة المنطق والخيال الذي قد لا يرضى به الكثيرون. وفي جميع الأحوال، نجد لزامًا تذكير القارئ الكريم بأن ما سنفتريه بعد قليل ليس أكثر من جهد بشري قابل للنقد والتصحيح، وإلا يصبح خيالًا زائفًا مكانه الصحيح سلة المهملات على سطح جهاز الكمبيوتر الذي تقرأ من على شاشته الآن. فالله وحده نسأل أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدًا، وأن يزيدنا علمًا، ونعوذ به أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق.

أما بعد،

تساؤلات حول قصة خلق المسيح عيسى بن مريم؟

- لماذا حصلت القصة في ذلك الوقت من الزمن في تاريخ البشرية؟

- لماذا حصلت مع امرأة عمران على وجه التحديد؟

- هل كان من الممكن أن تحصل مع امرأة أخرى غير امرأة عمران؟

- لماذا نذرت امرأة عمران ما في بطنها؟

- ما الذي دفع امرأة عمران أن تنذر ما في بطنها؟

- لماذا تقبل الله منها؟

- لماذا كان ما انجبته امرأة عمران أنثى؟

- هل كانت مريم أنثى كنساء العالمين؟

- ما المختلف عند مريم الذي جعل الله يتقبلها؟

- ما الذي جعل مريم مؤهلة لأن ينفخ الروح في فرجها؟

- لماذا كان لمريم ذرية؟ فهل للنساء أصلا ذرية؟

- الخ.

ربما ظن غالبية الناس من شتى المراجع العقائدية، بأن مجيء المسيح عيسى بن مريم في تلك الفترة الزمنية قدر إلهي لا مفر منه، وربما ظن أهل الدراية منهم أن ذلك استحقاق زماني كان لابد أن يحصل في تلك الحقبة من الزمن، ولم يكن ممكنًا أن يحصل في زمن غير ذلك الزمن. وربما يرى الكثيرون منهم عبثية طرح السؤال التالي: لماذا كان مجيء عيسى بن مريم في ذلك الوقت بالذات؟

أما نحن، فلن نتردد عن طرح التساؤلات حول مجيء االمسيح، لأن ذلك ربما سيفتح لنا آفاقًا جديدة في فهم القصة بطريقة أكثر واقعية وإن كانت تفصيلاتها – كما سترون بعد قليل- أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. فالسؤال المحوري هو: هل كان مجيء المسيح في ذلك الزمن أمرًا لا مفر منه؟ هل الله هو من اتخذ القرار بأن يكون ميلاد المسيح في تلك الفترة من الزمن؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. فالله لم يقرر أن يكون مجيء المسيح في تلك الفترة.

السؤال: إن صح ما تفتري (يقول صاحبنا)، فهات الدليل على كلامك إن كنت من الصادقين؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: دعنا نرد السؤال بسؤال أكبر منه، ألا وهو: ماذا لو لم تنذر امرأة عمران ما في بطنها، هل كانت ستنجب مريم؟ وحتى لو انجبت مريم، هل كان الله سيتقبلها دون نذر من والدتها (كما فعلت)؟ وهل كان المسيح سيأتي حينئذ؟ الخ.

ربما سيرد صاحبنا المحاور بالقول بأن ذلك كان قدرًا من الله، فالله هو من قدر الأمور أن تكون على تلك الشاكلة.

رأينا المفترى: دعنا عزيزي المحاور من تلك القدرية التي ستكبل أيدينا وتكمم أفواهنا عن طرح التساؤلات، وتعال معي – إن شئت- لنتدبر التساؤل التالي بطريقة أخرى: هل الله هو من جعل امرأة عمران تنذر له ما في بطنها؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا الخطير جدًا جدًا: لو دققنا في الآية الكريمة التي جاءت في كتاب الله على لسان امرأة عمران، لوجدنا على الفور بأن المرأة هي نفسها من اتخذت القرار بأن تنذر لله ما في بطنها محررًا:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

إن أبسط ما يمكن أن نفهمه من هذه الآية الكريمة (ربما مخطئين) بأن امرأة عمران هي من اتخذت القرار بأن تنذر لله ما في بطنها محررًا. وأن الله هو من تقبل منها نذرها ذاك. فيكون السؤال الآن هو: ما الذي جعل امرأة عمران تتخذ ذلك القرار؟ وهل لو اتخذت امرأة أخرى (غير امرأة عمران) قرارًا مشابهًا، هل كان الله سيتقبل منها كما تقبل من امرأة عمران؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. فلو نذرت كل نساء العالمين ما في بطونهن ما تقبل الله منهن إلا بشرط أن يتحصل لهن ما تحصل لامرأة عمران. انتهى.

السؤال: ما الذي تحصل لامرأة عمران حتى تقبل الله منها؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة السابقة، لوجدنا بأنها قد بدأت بمفردة إذ (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ). فما الذي يمكن أن نستفيده من تلك الـ إذ؟ 

جواب مفترى: إن أبسط ما يمكن أن نستنبطه من ابتداء الآية الكريمة بمفردة (إِذْ) هو أن الأمر قد حصل فجأة دون تخطيط مسبق.

السؤال: وما الذي يمكن أن نستفيده من قولك هذا؟ يسأل صاحبنا.

نخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل ما حصل مع امرأة عمران على النحو التالي: تتزوج امرأة عمران من هذا الرجل الصالح (عمران) الذي كان متزوجًا من امرأة أخرى من قبلها، فأنجب من امرأته الأولى ولده هارون، وتحمل امرأة عمران الجديدة هذه منه بعد زواجهما، فينتفخ بطنها بمريم، فكانت مريم أخت هارون:

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)

نتيجة مفتراة مهمة جدًا: هارون هو (نحن نظن) الأخ غير الشقيق لمريم (أخوها من أبوها وليس أخوها من أمها).

تخيلات مفتراة خطيرة جدًا جدًا: في تلك الفترة التي كانت امرأة عمران الجديدة تحمل مريم في بطنها، يقضي الموت على الرجل، فتبقى المرأة حاملة ما في بطنها من ذلك الرجل الصالح. وعند وفاة الرجل بالموت تقوم المرأة بتفقد مقتنياته الثمينة جدًا التي لازالت في بيتها، فيقع بصرها فجأة (إِذْ) على ما لم يكن بالحسبان: إنه التابوت. انتهى.

السؤال: ماذا تجد المرأة في ذلك التابوت؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا أكثر جرأة من سابقتها: ما أن فتحت المرأة ذلك التابوت حتى وجدت ما تطير له الألباب ويخطف الأبصار: إنه اللباس. انتهى.

ما أن عثرت المرأة على ذلك اللباس حتى أدركت قيمته، وعرفت فائدته. إنه اللباس الأول: لباس آدم وزوجه في الجنة. وهنا جاء قرار المرأة بأن هذا اللباس هو من نصيب ما في بطنها، فنذرت ما في بطنها محررًا لله:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

ولما كانت امرأة ، فقد خاطبت ربها بسمعه (فالله لا ينظر بعينه للنساء لحيائه). ولكنه يسمع قولهن:

قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1)

وكان ذلك عن علم، فخاطبته بصفته السميع العليم (أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

السؤال: كيف تقبل الله منها؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو دققنا في النص كما يجب، لوجدنا أن الله لم يتقبل منها مباشرة، ولكنه تقبل منها بعد حين. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآيات التي تليها مباشرة:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

فالمدقق في النص القرآني بصريح لفظه، يجد أن الله قد تقبلها منها بعد أن وضعتها. ولو كان القبول الإلهي مباشرة، لربما جاء النص على نحو أن الله قد تقبل منها (أي من امرأة عمران) بعد أن نطقت بدعوتها تلك. لكن النص القرآني يثبت أن الله قد تقبلها (مريم) بعد أن وضعتها. ليكون السؤال الآن: لماذا؟ أي لماذا تقبل الله مريم بعد أن تمت عملية الوضع؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما عثرت امرأة عمران على ذاك التابوت، ووجدت فيه ذلك اللباس، أطلقت دعوتها بأن تنذر لله ما في بطنها محررًا. ولكن انتظرت المرأة حتى وضعت ما في بطنها، وهناك تقبل الله ما وضعت امرأة عمران، فكانت مريم (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا).

السؤال مرة أخرى: لماذا جاء القبول الإلهي لدعوة امرأة عمران بعد أن وضعت ما في بطنها (مريم)؟ يسأل صاحبنا مستغربًا.

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن القبول الإلهي قد تحقق عندما قامت امرأة عمران بإلباس تلك المولودة لها من بعلها عمران (مريم) ذلك اللباس الذي وجدته في التابوت.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدًا: مادام أن امرأة عمران قد ألبست مريم ذلك اللباس، كان القبول الإلهي لها في الحال. فعين الله على آياته. انتهى.

تخيلات مفتراة: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه لو نذرت كل نساء الأرض على مر الزمان ما في بطونهن محررًا لله، فلن يتقبل الله منهن إلا ممن كانت تملك ذلك اللباس. انتهى.

وهذا يعني – بالضرورة – ما يلي:

- كان مجيء عيسى (كلمة الله) في ذلك الزمان على وجه التحديد استحقاقًا لآيات الله، فكما وقعت العصا في يد موسى، فكان اصطفاء الله له واختياره له أمرًا لا مفر منه، كان وجود القميص بين يدي امرأة عمران استحقاقًا لفرض آيات الله.

- لو وقع ذلك اللباس بين يدي أي امرأة أخرى في تاريخ البشرية، وفعلت ما فعلت امرأة عمران، لجاء عيسى في ذلك الزمن

- لو لم يقع القميص في يدي امرأة عمران، ولو لم تفعل ما فعلت، لما جاء المسيح عيسى بن مريم.

- الخ.

السؤال: أين الدليل على هذه الافتراءات (بل التخريصات)؟ يرد صاحبنا على الفور.

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الآيات الكريمة التالية (كما نفهمها طبعا)، تقدم لنا الدليل على افتراءتنا هذه، قال تعالى:

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)


السؤال: ما علاقة هذه الآيات بما كنت تخرص به من ذي قبل؟ يرد صاحبنا على الفور.

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في هذه الآيات الكريمة، هل ترى فيها ما يلفت الانتباه؟ هل ترى بأن لها (أو حتى من الممكن أن يكون لها) علاقة بموضوع البحث الذي نقدمه هنا؟ ارجع البصر مرتين ثم انظر هل ترى فيها ما يمكن أن يفتح بصرك على شيء فيها له علاقة بالموضوع برمته؟

أما نحن، فإننا ندعوك بداية - حتى ترى العلاقة التي ما زالت حتى اللحظة في مخيالنا فقط- إلى تدبر السؤال التالي: لماذا ترد عبارة قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بالرسل؟ ولماذا يأتي في السياقات ذاتها ذكر موسى وعيسى على وجه التحديد؟ ولو دققت أكثر لوجدت أن الله قد قفا بالرسل من بعد موسى فقط، فلِم لَم تكن "التقفية بالآيات" من بعد نوح أو من بعد إبراهيم مثلًا؟ وبكلمات ربما أكثر وضوحًا نحن نسأل: لماذا جاءت تقفية الرسل من بعد موسى فقط؟

وبالمقابل، لم استمرت "التقفية بالرسل" حتى عيسى فقط؟ كيف يكون الله قد قفا بعيسى (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ)؟ فهل عيسى هو آخر الرسل؟ وماذا عن محمد؟ فلِم لم تأت على نحو وقفينا بمحمد؟ أليس هو خاتم النبيين؟ من يدري؟!

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الآيات الكريمة الثلاثة التي أوردناها سابقًا الخاصة بتقفية الرسل من بعد موسى حتى عيسى تثير بحد ذاتها مجموعة من المعضلات التي يجب الوقوف عندها، ونذكر منها ما يلي:

المعضلة 1: الله قفا بالرسل من بعد موسى على وجه التحديد، فالله قد قفّا إذًا بجميع الرسل الذين جاءوا من بعد موسى، لكنه لم يقفي بالرسل الذين جاءوا قبل موسى كنوح وإبراهيم مثلا.

المعضلة 2: الله قفا بعيسى بعينه، ولم يقفي بالرسول الذي جاء بعده وهو محمد خاتم النبيين.

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأن عملية "التقفية بالرسل" قد بدأت إذا من بعد موسى (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) وانتهت مع عيسى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ).

السؤال المحوري: كيف نستطيع أن نفهم هذه المعضلات فنخرج بأفهام ترشدنا الطريق إلى النص الديني الحقيقي وليس إلى تأويلات من عند أنفسنا ربما لا تمت للنص الديني بصلة؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه ربما نستطيع أن نفهم ذلك – إن شاء الله- شريطة أن نفهم معنى المفردة ذاتها، وهي مفردة "وَقَفَّيْنَا"، فهل نستطيع التنظير حول شيء ما ونحن لا نفهمه أصلًا؟ من يدري؟! ما علينا.

دعنا نطرح السؤال المبدئي الذي كان من المفترض أنه قد طُرح منذ قرون طويلة. وحتى لا نصبح من المجادلين، ندعو كل قارئ لهذه السطور أن يرجع - قبل أن يتابع القراءة عندنا- إلى أمهات كتب التفسير لينظر فيها ما خطت أقلام أهل الدراية كما نقلها لنا أهل الرواية منهم حول هذه الآيات الكريمة، فإن هو وجد ما يشبه قولنا الذي سنقدمه بعد قليل، فله الحق أن ينعتنا بالسارقين، أما إن وجد أن كلامنا يخالف كل ما جاء من عندهم، فلا نطلب منه إلاّ أن يتخذ قراره بنفسه إلى أي الفريقين هو أقرب. كما نطالبه أن يراقب عن بعد كيف ستنتشر الأفكار بعد الآن على ألسنة أبطال الفضائيات في القريب العاجل، وكيف ستصبح هذه الأسئلة على ألسنة العوام منهم بعد الآن، وفي الوقت ذاته، لا نطلب منه إلا أن يتمثل قول الحق في كتابه الكريم:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

أما نحن، فكيفينا قوله تعالى:

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

أما بعد

باب ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ: قراءة مفتراة جديدة
إن أبسط أبجديات التفكير عند الحديث حول النص القرآني هو محاولة فهم المفردات القرآنية كما يبينها النص القرآني ذاته. لذا، نحن نظن – كالعادة- أن السؤال المبدئي الذي يجب أن يطرح على الفور عند محاولة تدبر هذه الآيات الكريمة على وجه التحديد هو: ما معنى مفردة قَفَّيْنَا في الآيات الكريمة السابقة التي نعيدها هنا لسهولة المتابعة:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)


جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الكلمة غاية في البساطة، وذلك لأن أهل الدين هم أكثر من يشتغلون بها، فهم ينعتون أنفسهم باستخدام تلك المفردة ليل نهار، ولكنهم – للأسف- لا يبصرون. فسهولة المفردة هي التي (نحن نظن) أغشت أبصارهم عن فهمها.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مفردة وَقَفَّيْنَا مشتقة من الجذر اللغوي "وقف" (بتسكين القاف). وإن صح افتراؤنا هذا، فعلينا إذا أن نميز بين جذرين اثنين هما:

- وقَف (بتحريك القاف بالفتح)، و

- وقْف (بتسكين القاف)

السؤال: ما الفرق بينهما؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الجذر الأول (وقَف) له علاقة بتوقف الحركة، فهو يدل على انتهاء الحركة حتى الوصول إلى مرحلة الثبات للاطلاع كما جاء في قوله تعالى:

وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27)

وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)

ونحن نجد في كلامنا الدارج قولا مشابها من مثل هذا: "تم إيقاف فلانا عن العمل"، فنفهم بأنه قد حصل الحد من مشاركته في العمل لسبب ما.

لكن نجد الجذر وقْف (بتسكين القاف) قد ورد – بالمقابل - في الآيات الكريمة كهذه:

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

ويستطيع المتدبر لمثل هذا السياق القرآني أن يستنبط بأنه لا علاقة لمفردة وَقَفَّيْنَا بمنع الحركة أو الحد منها على وجه التحديد. ليبقى التساؤل المطروح هو: ماذا يعني الجذر وقْف (بتسكين القاف) الذي يرد في مثل الآية الكريمة السابقة (وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ

رأينا المفترى: نحن نظن بأن مفردة وقْف (بتسكين القاف) لها علاقة مباشرة بالمكان الأكثر شهرة الذي يشتغل فيه رجال الدين: إنها وزارة الأوقاف. انتهى.

ألا ترى بأن كلامك ليس أكثر من فلسفات فكرية ربما غير ضرورية؟ يرد صاحبنا على الفور.

رأينا المفترى: ربما هي كذلك، لكن تمهل لنطرح على الجميع التساؤلات البسيطة التالية:

- هل يمكن – يا سادة- أن ترشدونا لم نسميها وزارة الأوقاف؟

- كيف هي وزارة أوقاف؟

- هل يفهم رأس الهرم في هذه الوزارة (معالي الوزير نفسه) وكادر الوزارة كلهم أجمعون لم تسمى وزارتهم الجليلة بوزارة الأوقاف؟

- والأهم من ذلك كله هو السؤال التالي: من أين جاءت تسمية هذه الوزارة المبجلة بوزيرها وكادرها الوظيفي بهذه التسمية؟ أي لم تسمى أصلا وزارة أوقاف؟

رأينا المفترى: سنترك للجميع حرية الإجابة كما يريدون، لكن سنحاول (نحن) أن ندلي بدلونا في ذلك، ولينظروا (هم) بأنفسهم إن كان ما نفتريه يستحق أن يرقى إلى درجة أن يكون ذا فائدة لهم أو لغيرهم، والأهم من ذلك كله هو إن كان فهمنا هذا سيحل لنا المعضلات السابقة التي أثرناها عند قراءتنا للآيات الكريمة الثلاثة التي ترد فيها مفردة (قَفَّيْنَا). والأكثر إثارة هو السؤال التالي: ما علاقة هذا كله بموضوع ما نذرت مريم الذي جلب هذا الموضوع للناش مباشرة وموضوع العصا والقميص في قصة آدم التي افتريناها آنفا بطريقة غير مباشرة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن هذه الوزارة العظيمة هي الوزارة المسئولة عن الوقف، أليس كذلك؟ فما هو الوقف أصلًا؟ وماذا يعني أن ننعت شيئا ما بأنه وقف؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الوقف هو ما يصف الشيء الذي لا وارث له. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما نجد مالًا أو عقارًا لا وارث شرعي له، فإن ذلك يعتبر وقفًا، وتصبح وزارة الأوقاف هي المسئولة بالقانون لتعنى بهذا الوقف، فكل مال أو عقار أو نفع لا تعود ملكيته لجهة معلومة بعينها تؤول مسئولية القيام عليه إلى وزارة الأوقاف، أليس كذلك؟

السؤال: ما هو المال أو العقار الذي لا وريث له أساسا؟

جواب مفترى: إنها الآثار. انتهى.

ما الذي تقوله – يا رجل- هل وزارة الأوقاف مسئولة عن الأهرامات أو البتراء أو تدمر وأعمدة قرطاج وجرش وبعلبك اللبنانية وطرابلس اللبنانية والليبية؟ أليس هذا محض هراء؟

جواب مفترى: نعم، هذا هراء بلا جدال ولا مخاصمة ما لم تتريث قليلًا - عزيزي القارئ- لتفهم بأننا لا نقصد أن تكون تلك الوزارة مسئولة عن تلك الآثار التاريخية، لكنها مسئولة عن الآثار التي لا وارث لها كالمال والعقار والمنافع الأخرى التي هلك أصحابها. فمفردة الآثار (حتى التاريخية منها) هي أصلًا آثار لأنه لا أحد يستطيع ادعاء ملكيتها. ولكن علينا أن نفهم أيضا بأن الآثار لا تقتصر جميعها على الأثار التاريخية، ولكنها تشمل أيضا الآثار التي يتركها من لا وارث لها بشكل لا يتوقف مكانيًا ولا زمانيًا. فتخيل معي عزيزي القارئ – إن شئت- أن شخصًا ما يملك الكثير من المال المنقول والعقار غير المنقول وأن هذا الشخص نفسه قد هلك ولم يكن له ولد ولا وريث شرعي يستطيع ادعاء ملكية ما ترك الرجل الذي قد هلك للتو، فأين تذهب ملكية هذه الأشياء التي كان يملكها هذا الرجل؟ وماذا يمكن أن نسمي تلك الأشياء التي تركها من ورائه؟ أليست هي آثار لمن تركها، لكن لمن تؤول مسئولية القيام عليها؟ ألا تصبح ملكًا للدولة؟ ومن هي الجهة الرسمية التي تتولى القيام عليها؟ أليست وزارة الأوقاف على وجه التحديد هي من تتولي المسئولية القانونية في القيام عليها لصالح الدولة ككل؟ ولم لا تعود تلك الأموال إلى خزينة الدولة (وزارة المالية) مباشرة؟ من يدري؟!

والآن دقق - عزيزي القارئ – مرة أخرى في الآيات الكريمة التالية التي ترد فيها هذه المفردة:

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)


ألا تجد على الفور التلازم اللفظي واضحًا بين مفردة (وَقَفَّيْنَا) ومفردة الآثار (عَلَى آثَارِهِم)؟ فكيف نفهم ذلك؟

افتراء مهم جدًا: لا ترد مفردة قَفَّيْنَا في السياقات القرآنية إلا مع مفردة الآثار. فالتقفية هو عمل محصور على الآثار. انتهى.

السؤال: كيف سيخرجنا هذا الفهم المفترى من عندنا من المعضلات التي طرحناها سابقا، والمتمثلة بأن تقفية الآثار قد بدأت من بعد موسى واستمرت حتى عيسى فقط؟

جواب مفترى خطير جدًا جدًا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نظن أن الموضوع له علاقة بالآثار التي لا يستطيع أحد من العالمين ادعاء ملكيتها، وهي العصا واللباس على وجه التحديد. انتهى.

السؤال الأول: لماذا جاءت تقفية الآثار للرسل الذين جاءوا من بعد موسى؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن قصة العصا والقميص قد ظهرت مع موسى، ثم بدأ تداولها من بعد موسى.

السؤال الثاني: لماذا انتهت عند عيسى؟ لِم لمْ تصل لمحمد؟ لِم لَم يكن محمد هو من قفا الله به على آثار الرسل السابقين كلهم؟

رأينا المفترى: نحن نفتري أن آخر تلك الآثار قد انتهت مع عيسى. فما وصل لمحمد من تلك الآثار شيئًا.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: إن أعظم الآثار التي بدأت برحلة البشرية (آدم وزوجه) على الأرض هما العصا واللباس، وما أن استطاع الشيطان أن ينزع عن آدم وزوجه لباسهما بعد أن جعل آدم يتخلى عن العصا التي بيده حتى ظلت تلك آثارًا للعالمين. وقد ظهرت وراثة تلك الآثار (العصا والقميص) من بعد موسى، فكانت موجودة في التابوت الذي جاءت تحمله الملائكة في اللقاء التاريخي بين طالوت وجالوت:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

ومنذ تلك اللحظة بدأت مسئولية تلك الآثار وقفًا على من يجدها من رسل الله، فوجدها داوود، وانتقلت إلى سليمان كمنسأة، فانتهى ذلك الأثر الأول عند موت سليمان عندما أكلت دابة الأرض منسأته، وكان القميص هو الأثر الأخير الذي بقي في التابوت الذي استقر في بيت عمران، فكان هو ذاته (نحن نفتري القول) اللباس الذي ألبسته مريم للمسيح عند ولادته، وارتفع بعد ذلك إلى الله عندما رفع المسيح إليه، فما تبقى من تلك الآثار شيئًا، فما وصل لمحمد من تلك الآثار شيئًا، فكان عيسى هو آخر من قفا الله به على آثار الرسل السابقين:

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

السؤال: من أين جاءت تلك الآثار؟ وكيف حصل عليها موسى بالذات؟ وماذا عن الفترة السابقة لموسى؟

رأينا المفترى: نحن نرى بأنه للإجابة على هذا التساؤل لابد أن نجلب الآية الكريمة التالية:

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125)

ليكون السؤال هو: كيف نفهم أن الله قد اتخذ إبراهيم خليلًا؟

رأينا المفترى: نحن ننفي جملةً وتفصيلًا أن يكون الخليل هو الصاحب أو الصديق أو الرفيق كما تعلمنا في الزمن الغابر من عند سادتنا أهل العلم، وذلك لسبب بسيط وهو أن أبسط معاني الخليل هو العدو، فالأخلاء هم أعداء في الأصل، ويستثنى من ذلك المتقون فقط:

الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)

نتيجة مفتراة من عن أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الأصل في العلاقة بين الأخلاء هي العداوة، فأنا إن اتخذتك خليلًا، فلا بد أن تنشأ بيننا عداوة:

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)

ولا يستثنى من ذلك إلا أن نكون من المتقين:

الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)

فهم لن يتحذوا محمدًا خليلًا إلا أن يركن إليهم قليلًا، ولا شك عندنا أن هؤلاء الذين كانوا يطمعون أن يتخذوا محمدا خليلًا لم يكونوا من المتقين:

وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)

ولو فعلا افترى محمد على الله غير الذي أوحى إليه، لأصبح خليلا لهم، ولنشبت العداوة – لا محالة - بينهم في يوم القيامة، ولكانت حسرة محمد حينئذ كبيرة لو أنه فعلا أركن إليهم شيئا قليلا، انظر تكملة السياق القرآني ذاته:

وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74)

إن ما نجهد أنفسنا لتأطيره هنا هو الافتراء الذي هو – لا شك- من عند أنفسنا ومفاده أن العداوة هي أساس العلاقة بين الأخلاء، وأن هذه العداوة لا محالة ناشبة بين الطرفين إلا إن كانا من المتقين. وبهذا الفهم المفترى نعيد طرح السؤال ذاته وهو: ما معنى مفردة الأخلاء؟ أو من هو الخليل؟ ومتى يمكن أن أنعت فلانًا بأنه خليلًا؟ ولم ستنشب العداوة - لا محالة - بين الاخلاء إن لم يكونا من المتقين؟ فمن هو إذا الخليل؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن العداوة - لا محالة- ناشبة بين الأخلاء وذلك لسبب بسيط وهو: تضارب المصالح. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: مهما كانت طبيعة العلاقة بينك وبين الشخص المقابل لك (سواء كان قريبًا أو صديقًا أو صاحبًا أو عدوًا) سيكون لك خليلًا عندما تتضارب مصلحتك مع مصلحته، وعندها ستتخلى عنه مهما كان الرابط بينكما، وذلك لأن المنفعة الشخصية تصبح حينئذ مقدمة على رابطة العلاقة الشخصية بينكما. ويستحيل أن يحصل ذلك إلا إن وجد هذا الشخص منفعة عظيمة في التخلي عنك، ولا يمكن أن تتخذه عدوا إلا لأنه (نحن نظن) قد أفقدك شيئا ثمينًا أكثر أهمية بالنسبة لك من علاقتك به. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: تخيل عزيزي القارئ – إن شئت- بأن لديك شيئًا ثمينًا جدًا، وعهدت بهذا الشيء إلى شخص آخر (حتى وإن كان ابنك أو زوجتك أو والدك أو صاحبك أو زميلك في العمل أو جارك في السكن أو شخصًا غريبًا عليك عرفته للتو)، كأن تكون بحاجة أن تودع عنده مقدارًا من المال كبيرًا جدًا، وتخيل أن هذا الشخص قد أنكرك حقك في هذا المال عندما طلبته منه، فماذا ستكون ردة فعلك تجاه هذا الشخص؟ ألن تتخذه عدوًا؟ ألن تحصل العداوة بينكما مهما كانت طبيعة علاقتك به؟ ألن تقول بملء فيك:

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)

تخيل عزيزي القارئ مرة أخرى – إن شئت- أنك أنشأت تجارة مع شخص آخر، وعهدت إليه بتلك التجارة لظنك فيه حُسنًا، ثم وجدت بعد ذلك أنه قد غدر بك، فأكل مالك ظلمًا وزورًا، ألن تكون ردة فعلك حسرة على اتخاذه خليلًا؟ ألن تلقي باللائمة على نفسك أنك قد اتخذته أصلًا خليلًا؟

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)

السؤال: متى تنتفي العداوة بين الأخلاء؟

جواب مفترى: متى كانا من المتقين:

الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)

نعم. لا يمكن إلا أن تحصل العداوة بين الأخلاء إلا بشرط واحد وهو أن يكونا من المتقين. فمتى من الممكن أن يعيد لك من استأمنته على مال كثير جدًا ذلك المال غير منقوص منه شيئًا؟

جواب: إن كان من المتقين.

السؤال: ومتى يمكن لمن شاركته التجارة أن يعطيك حقك كاملا غير منقوص؟

جواب: إن كان من المتقين.

نتيجة مفتراة: الخليل هو كل من استأمنته على شيء ثمين، فإن كان من المتقين أعاده لك كاملًا غير منقوص. وبالمقابل، فإن لم يكن من المتقين، فالعداوة بينكما لا محالة ناشبة:

الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)

وسيكون التمني، لا بل والحسرة على سوء القرار هو ما يلهج به لسانك:

يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)

السؤال المحوري: كيف نفهم أن الله قد اتخذ إبراهيم خليلًا؟

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125)

نعم. الله لا يحتاج (نحن نفتري القول) إلى اتخاذ صاحب أو صديق أو ...، لكنه اتخذ إبراهيم على وجه التحديد خليلًا، فهو لم يتخذ نوحًا أو موسى أو عيسى أو حتى محمدًا خليلًا، لكنه اتخذ إبراهيم فقط خليلًا، ونحن نؤمن يقينًا بأن إبراهيم كان من المتقين، لهذا لم تنشب بينه وبين ربه عداوة، لكن بالمقابل كانت العداوة الإلهية ناشبة مع شخصين اثنين لا ثالث لهما، وهما:

1. اب إبراهيم:

وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

2: فرعون:

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

السؤال: لماذا؟

(وسنرى لاحقًا بإذن الله لم كان هذان الشخصان هما عدوا الله على وجه التحديد. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدًا، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو السميع البصير)

جواب مفترى: نحن نظن أن العداوة بين طرفين لا يمكن أن تنشب إلا أن يكون أحد الطرفين قد أخلف الوعد، ومادام أن الله لا يحلف الوعد:

فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)

فإن احتمالية إخلاف الوعد تقع على عاتق الطرف الثاني إلا إن كان من المتقين كإبراهيم مثلًا.

السؤال: لماذا إذًا اتخذ الله إبراهيم خليلًا؟ وكيف تم ذلك؟

جواب مفترى: لو دققنا في مفردة الأخلاء، لوجدنا على الفور بأن لها علاقة بمفردة الخلة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254)

ليكون السؤال: ما هي الخُلة؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الخلة هي ما يمكن أن أضعه في عهدتك لفترة من الزمن واطلبه منك عند حاجتي إليه. فأنا إن وضعت عندك مبلغًا من المال، فأكون بذلك قد استأمنتك عليه، فتكون أنت المؤتمن، ويكون المال الذي وضعته عندك هو بحد ذاته "خُلة"، وأكون أنا - بالكلمات الدارجة- قد "خليت عندك" هذا المال لهدف ما لفترة من الزمن، وتقع على عاتقك مسئولية أن تعيد تلك "الخلة" لي إن أنا طلبتها منك. فأكون بذلك قد اتخذتك خليلًا، ويكون المال هو الخُلة. ولا شك عندنا أنك لن تعيد لي تلك "الخُلة" إلا أن تكون من المتقين، وفي هذه الحالة فقط لن تنشب العداوة بيننا، لكن - بالمقابل- إن أنت أنكرت ذلك، ورفضت أن تعيد لي "ما خليته عندك"، فإن العداوة لا محالة ناشبة بيننا، وسأتحسر حينئذ (قائلًا يا ويلتي) على اتخاذك خليلًا من الأساس.

السؤال: ما الذي عهده الله "خُلة" عند إبراهيم، فكان إبراهيم خليلًا؟

جواب مفترى: إنها تلك الآثار العظيمة: العصا واللباس

السؤال: كيف حصل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: حصلت معصية آدم ربه في الجنة الأولى (جنة المأوى) التي عندها سدرة المنتهى. وهناك كانت الشجرة التي حذر الله آدم وزوجه من الاقتراب منها:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

وهناك حصلت فتنة الشيطان لآدم وزوجه، فأوقعهما في شراكه، فأكلا من الشجرة، فنزع عنهما لباسهما:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

فكانت النتيجة على نحو أن يهبطا من الجنة بقرار إلهي، فكان الهبوط منها لهم جميعا:

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

السؤال: كيف حصل الهبوط حينئذ؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه ما أن نزع الشيطان عن آدم وزوجه لباسهما حتى حصل لهما العري:

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)

فكان هبوط آدم وزوجه من تلك الجنة على تلك الشاكلة (العري)، فكان ما وري عنهما من سوءاتهما قد بدا لهما حينئذ:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

لنصل إلى افتراء الظن من عند أنفسنا بأن آدم وزوجه قد هبطا من الجنة تاركين اللباس الذي كان يغطي ما وري عنهما من سوءاتهما ورائهما في المكان ذاته الذي هبطا منه، أي في جنة المأوى ذاتها التي هي أصلًا عند سدرة المنتهى.

السؤال: أين ترك آدم وزوجه العصا واللباس عندما هبطا من الجنة؟

رأينا المفترى: هذا ما سنتناوله بحول الله وتوفيق منه في الجزء القادم من هذه المقالة إن أذن الله لنا الإحاطة بشيء من علمه فيها. سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه فيها لا ينبغي لغيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانًا نصيرًا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقول عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو الواسع العليم – آمين.

المدكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان & محمد معتصم المقداد

بقلم: د. رشيد الجراح

7 أيلول 2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق