تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) - الجزء 6




نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة – الجزء السادس

انتهينا في الجزء السابق من هذه المقالة عند طرح التساؤل التالي: أين ترك آدم وزوجه العصا واللباس عند هبوطهما من الجنة الأولى إلى الواد غير ذي الزرع؟

وقد كان هذا السؤال نتيجة النقاش الذي نقلنا حينها للحديث عن السبب الذي دفع امرأة عمران أن تنذر لربها ما في بطنها محررا:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

وكانت الافتراءات التي سطرناها هناك حول هذه القضية على النحو التالي:

- كان سبب قرار امرأت عمران أن تنذر ما في بطنها محررا هو عثورها المفاجئ على التابوت الذي كان موجودا في بيتها بعد وفاة بعلها عمران.

- وجدت امرأت عمران بقية الآثار التي كانت في ذلك التابوت وهو اللباس (لباس آدم وزوجه الذي نزعه الشيطان عنهما عندما فتنهما بالحياة الدنيا):

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

- عمدت امرأت عمران إلى إلباس المولودة لها (مريم) جزءا من ذلك اللباس، فكان ذلك هو القبول الإلهي لها

- كان ذلك اللباس هو – برأينا- سبب أن أنبتها الله نباتا حسنا

- بقيت مريم مطهرة (لا تحيض) مادامت لابسة لذلك اللباس

- أصبحت مريم (بلباسها ذاك) مؤهلة لأن ينفخ في فرجها مادامت أنها قد أحصنته:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91)

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)

- ما أن وضعت مريم الغلام الزكي (عيسى) حتى ألبسته اللباس كله الذي كان في التابوت. (وهذا ما سنناقش تفاصيله بإذن الله بعد قليل)

- ظل عيسى يلبس ذلك اللباس إلى أن رفعه الله إليه

- ما كانت الجن تستطيع الاقتراب من المسيح لأنه لابسا لباس التقوى، وسنتحدث عن هذا لاحقا بحول الله عندما نتعرض للآية الكريمة التالية:

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30)

فنحن نظن أن الجن كانوا يستطيعون الاقتراب من موسى كما يستطيعون الاقتراب من محمد لسماع ما أنزل إليهم من الكتاب، لكنهم لا يستطيعون الاقتراب من عيسى بفعل لباس التقوى الذي كان يقي المسيح من خطرهم.

- ما أن رفع الله عيسى إليه حتى كان ذلك نهاية الآثار التي خلاها الله مع إبراهيم:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (87)

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ (27)

- كان إبراهيم هو من اتخذه الله خليلا، عندما أودع ذلك الإرث العظيم (العصا واللباس في التابوت) عنده:

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125)

- الخ

وسنتابع الحديث في هذه الافتراءات بشيء من التفصيل، كما سنتجرأ – كالعادة- على تقديم افتراءات أخرى جديدة (إن أذن الله لنا بشيء من علمه) في الصفحات القادمة. لكن من أجل تركيز النقاش، دعنا نعيد الأسئلة التي طرحناها هناك حول قصة خلق عيسى وهي على النحو التالي:

- لماذا حصلت القصة في ذلك الوقت من الزمن في تاريخ البشرية؟

- لماذا حصلت مع امرأت عمران على وجه التحديد؟

- هل كان من الممكن أن تحصل مع امرأة أخرى غير امرأت عمران؟

- لماذا نذرت امرأت عمران ما في بطنها؟

- ما الذي دفع امرأت عمران أن تنذر ما في بطنها؟

- لماذا تقبل الله منها؟

- لماذا كان ما انجبته امرأت عمران أنثى؟

- هل كانت مريم أنثى كنساء العالمين؟

- ما المختلف عند مريم الذي جعل الله يتقبلها؟

- ما الذي جعل مريم مؤهلة لأن ينفخ الروح في فرجها؟

- لماذا كان لمريم ذرية؟ فهل للنساء أصلا ذرية؟

- الخ.

أما بعد،

لقد كان الافتراء الأخطر الذي تجرأنا عليه في الجزء السابق هو أن ذلك اللباس (الذي عثرت عليه امرأت عمران في التابوت) هو الذي جعل مريم (نحن نظن) مؤهلة لاستقبال النفخ من روح الله (روحنا). فمادام أن مريم قد أحصنت فرجها (نحن نظن) بذلك اللباس، فلا يمكن لبشر أن يمسها (بالجماع)، لكن يمكن أن ينفخ فيها نفخا، فجاءها الروح إلى الحجاب (مكان نوم الأنثى)، فتم النفخ في فرج مريم المحصن من قبل رسول ربها (روحنا)، فتم الحمل، وحصل الإنجاب بطريقة النفخ وليس بطريقة المس. وهذه هي (نحن ما زلنا نتخيل) الطريقة التي كانت متاحة أمام آدم وزوجه قبل ارتكاب المعصية. فكان لباسهما حينئذ هو لباس التقوى الذي كان يواري سوءاتهما، وكان من المفترض أن ينفخ آدم في فرج زوجته المحصن، فتكون له الذرية (خلافة). ومادام أن الذرية ستكون خلافة، فلن يكون هناك أنساب بينهم، بالضبط كما ستكون عليه حال البشرية بعد النفخ في الصور:

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ (101) 

وقبل الخوض في تفاصيل هذا الافتراء، نجد لزاما أن نسطر بعض الافتراءات الخاصة بإحصان الفرج كما جاء في الآيات الكريمة التي تبيّن لنا حقيقة مريم ابنت عمران نفسها، قال تعالى:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91)

وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)

فهاتان الايتان الكريمتان تبينان لنا (كما نفهمها طبعا) بأن مريم ابنت عمران (من بين نساء العالمين) هي فقط من أحصنت فرجها. ونحن نتجرأ على الظن أن ليس هناك من نساء العالمين من هي محصنة فرجها غير مريم ابنت عمران. 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات القرآنية على مساحة النص القرآني، لوجدنا بأن النساء هن أصلا محصنات مادام العلاقة الجنسية الفعلية لم تقع عليهن بعد:

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24)

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25)

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5)

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن هناك هناك فرق جوهري بين المحصنة (كنساء العالمين) من جهة والمحصنة فرجها (كمريم فقط) من جهة أخرى. 

السؤال: كيف ذلك؟

رأنيا المفترى: تحدثنا عن الإحصان في مقالات سابقة لنا، وافترينا الظن حينها بأن الإحصان هو ما يشبه خط الدفاع الذي يضرب حول القرى ليحصنها من الأعداء:

لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (14)

فتحصين القرى هو عملية وقائية حتى لا يخترقها الأعداء. وكذلك هي الأنثى المحصنة، فهي الأنثى التي لازالت عصيّة على الاختراق، فما دخلت في خلوة مع رجل ليفك احصانها. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة). 

إن ما يهمنا طرحه هنا هو الحديث عن عملية "إحصان الفرج" على وجه التحديد. فكيف يكون الفرج محصنا (كما حصل مع مريم على وجه التحديد)؟

رأينا المفترى: بالرغم أن المرأة تكون محصنة على كليتها حتى يتم فك هذا الإحصان عنها بالنكاح (عقد الزواج)، فإحصان الفرج يعني – برأينا- استحالة وقوع المس على تلك المرأة. فمن كانت محصنة من النساء، وتم الدخول بها، فإنها تصبح غير محصنة بالرغم أنها تبقى "حافظة لفرجها"ـ قال تعالى:

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)

وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)

نتيجة مفتراة: هلينا إذا أن نميز بين حفظ الفرج من جهة وإحصان الفرج من جهة أخرى.

فالرجل المتزوج هو حافظ لفرجه، والمرأة المتزوجة هي حافظة لفرجها على الرغم أن كلاهما غير محصن لفرجه، فحصول العلاقة الجنسية بين الرجل وزوجه يؤدي – لا محالة - إلى فك الإحصان، لكنه لا ينفي أن ان تبقى الفروج محفوظة. انتهى.

السؤال: ما الذي يختلف في مريم؟

رأينا المفترى: نحن لا نستطيع أن نصف مريم بأنها حافظة لفرجها، لأن ذلك لا يمنع من القول حينها بأن فرجها قد انفكت حصانته. ويكأننا نتهمها (زورا وبهتانا) بأن رجلا قد تزوج منها بالطريقة الشرعية، ففك إحصان فرجها بالرغم أنها بقيت تحفظ فرجها كأمي وأمك وبقية نساء العالمين. لذا علينا أن نصف فرج مريم بالإحصان وليس بالحفظ. انتهى.

السؤال: ما معنى أن مريم قد أحصنت فرجها؟

رأينا المفترى: لو دققنا في مفردة الفرج، لربما حق لنا أن نفتري الظن بأن الفرج يشمل المنطقة التي تبدأ من الحوض حيت تلتقي الرجل اليمنى بالرجل اليسرى، وتنهي مع نهاية أطراف أصابع الرجلين كما في الشكل التوضيحي التالي:




السؤال: لماذا تسمى هذه المنطقة كلها بالفرج؟

رأينا المفترى: لأنها المنطقة الوحيدة التي يمكن أن تفرج. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لتبسيط الصورة إلى الأذهان، دعنا نحاول تقريب الفكرة باستخدام فكرة الفرجار (calippers) الذي يستخدم في الرسم الهندسي كما في الشكل التوضيحي التالي:




فالمدقق بهذه الأداة الهندسية، سيجد أنها تشبه بالضبط فرج الشخص (ذكرا كان أم أنثى)، فكلا رجلي الفرجار مربوطتان بالأعلى بنقطة ثابتة، ويتجمعان هناك في شكل يشبه منطقة الحوض (انظر الصورة من طرفها الأعلى). لكن الرجلين قابلتان للفتح والضم على طول الزاوية، حتى يمكن أن تصل إلى زاوية مفتوحة تماما (°180) كما تفعل لاعبات السيرك والرياضة البدنية المرنة. ويمكن أن تغلق تماما. ويكون التفرج بين هذه الحدين، فتتسع الزاوية وتضيق بمقدار ما يفرج بين الرجلين.

وعند ربط هذا بفرج المرأة، فإننا نتجرأ على القول بأنه لا يمكن أن تحدث العملية الجنسية الكاملة بالمس إلا بالتفريج بين رجلي الأنثى، وبالتالي يستطيع الرجل إيلاج عضوه الذكري في فرج زوجه. فكل نساء العالمين يفك إحصانهن بهذه الطريقة، لكن بالرغم من ذلك تبقى محافظة على فرجها مادامت العلاقة شرعية:

وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30)

أما مريم، فهي الوحيدة من بين جميع نساء العالمين التي لم يفك إحصان فرجها. لذا، حملت المسيح دون أن يتم التفريق بين رجليها، لفك حصانة فرجها. انتهى.

السؤال: كيف تم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن مريم ابنت عمران قد كانت محصنة لفرجها بذلك اللباس الذي ألبسته إياها أمها يوم أن وضعتها، وهو السبب الذي من أجله (نحن نرى) تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. وبكلمات أخرى، لقد أصبحت مريم مؤهلة لأن ينفخ في فرجها نفخا، فتحمل دون أن يفك حصانة فرجها.

وهذا (بالضبط ما نتخيله) ما كان ممكن الحدوث في حالة آدم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة، ويلبسان لباس التقوى. فلو ظل آدم وزوجه يلبسان ذلك اللباس، ولو لم ينزع الشيطان عنهما ذلك اللباس، لتم التكاثر بتلك الطريقة (النفخ في الفرج دون فض احصانه). انتهى. 

لكن، عندما آثر آدم أن ينزل عند نصيحة الشيطان، خسر هو وزوجه ذلك اللباس (لباس التقوى) لأن الشيطان نزعه عنهما:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

وبخسارة ذلك اللباس، خسر آدم وزوجه تلك الطاقة التي كانت موجودة في لباسهما، والتي كانت ستمكنهما حينئذ من اجراء عملية النفخ بنجاح. ونحن نتجرأ على افتراء الظن بأن تلكئ زوج آدم عن النزول عند نصيحة الشيطان كان مدفوعا برغبتها في عدم خسارة ذلك اللباس الذي كان يظهرها كملك كريم، وهو ما كانت امرأة العزيز (ونسوة المدينة) يراودن يوسف عن نفسه من أجله. (وسنحاول التفصيل في ذلك لاحقا بإذن الله).

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما خسر آدم ذلك اللباس، لم يتبقى لآدم طاقة على التزاوج بالنفخ، ولم يتبقى لزوجه القدرة على استقبال النفخ (كما حصل مثلا مع مريم). لكن بقيت في آدم الطاقة الكامنة في عضوه الذكري، فأصبح لزاما عليه أن يمس زوجه التي خلقت من نفسه (أي التزاوج بالتناكح الآن)، فكانت تلك هي خطيئته الأزلية (بمفردات أهل الديانات السماوية). وانقلب التزاوج (الجميل) إلى تناكح (معيب) ما زلنا نحن ذرية آدم نقوم به كما قام به آدم أول مرة. وأصبح ملكا (بالنسب) بدلا من خلافة (بالوراثة). انتهى.

تخيلات أغرب من الخيال نفسه: عندما نزع الشيطان عن آدم وزوجه لباسهما، بعد النصيحة لهما من الشيطان، كان المكان المتوفر لأن يضعا لباسهما فيه (بالإضافة إلى عصا الخلافة) هو ذلك التابوت. وما أن هبط آدم وزوجه وجميع من في الجنة من ذلك المكان حتى ظل التابوت هناك يحتوي تلك المقتنيات من الآثار الإلهية العظيمة. 

ما بعد الهبوط: بداية الحياة الإنسانية على الأرض في مكة

بدأ آدم وزوجه حياتهما على الأرض بعد الهبوط في الواد غير ذي الزرع، فكانت سوءاتهما قد بدت لهما، وحصل المس بينهما للمرة الأولى في ذاك الواد في منطقة منى، وهناك حصل التزاوج بالمس بين آدم وزوجه، فكان لابد من أن تنكشف سوءاتهما لبعضهم البعض بالرغم أنهما من نفس واحدة. وسال مني الرجل (آدم) في رحم زوجه لأول مرة في منطقة منى. فكان أول نكاح محارم يقع على الأرض. وكانت النتيجة إنجاب الذرية لهما (ابني آدم) بطريقة المس. (وهذا ما سنناقشة لاحقا بإذن الله).

ظل التابوت (تابوت العهد القديم) في الواد المقدس طوى في مكان جنة آدم الأولى (جنة المأوى) قريبا من جانب الطور الأيمن في البقعة المباركة من الجنة حتى زمن إبراهيم. فكان إبراهيم هو أول من وصلت يداه إلى ذلك التابوت ومقتنياته، فاتخذ الله إبراهيم خليلا، عندما عمد الله بذلك الإرث العظيم كأمانة عند إبراهيم، لكن على شكل خُلة. ليكون السؤال الآن هو: ما الفرق بين الخُلة والأمانة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الخُلة والأمانة متشابهتان في شيء، ومختلفتان في شيء آخر. أما وجه التشابه بينهما هو أن كلاهما – برأينا- عبارة عن ما يشبه الوديعة التي يستودعها طرف عند طرف آخر لظروف وأهداف مختلفة. فأنا قد أترك سيارتي عندك كخُلة، وقد أتركها عندك كأمانة، لكن الاختلاف بين الحالتين يكمن في إمكانية الطرف الآخر على استخدام ما ترك عنده الطرف الأول. فإن أنا تركت عندك سيارتي كخُلة، فأنت تستطيع أن تستخدمها وتستفيد منها، لأني أكون بذلك قد آذنتك على استخدامها، وبالمفردات العامية الصحيحة أكون أنا قد "خليتها عندك"، أي "خليتك تستخدمها". أما إن كنت قد تركت عندك سيارتي كأمانة، فأنت لا تستطيع أن تستخدمها إلا في حدود ما يحسّنها ولا يعيبها، لأنك ملزم أن تراعي الأمانة، وعليك أن تعيدها لي كما عهدتها عندك أول مرة دون تغيير على حالتها. قال تعالى:

إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)

وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27)

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8)

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)

وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32)

السؤال: ما علاقة هذا بالخلة التي تركها الله بين يدي إبراهيم؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما عثر إبراهيم على ذلك التابوت بما فيه من الآثار العظيمة (وسنتحدث عن ذلك لاحقا بإذن الله)، ترك الله عنده تلك المقتنيات كخُلة، فكان الله هو من اتخذ إبراهيم خليلا:

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (125)

وكان على إبراهيم (نحن نفتري الظن) أن يستخدم تلك الخلة (الآثار) بالأمر الإلهي مادام أنه من المتقين. ولو استخدمها بغير الأمر الإلهي (أي بالأمر الشيطاني) لما كان من المتقين، ولكان حينئذ عدوا لله:

الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67) 

ظلت تلك المقتنيات في بيت إبراهيم يتم تناقلها وراثة، فظهر منها القميص في قصة يوسف، فكان ذلك لباس آدم، لكن لم يتم استخدام لباس زوج آدم، لأن ذلك لباس الأنثى (الزوج). ومادام أن يوسف كان ذكرا، فقد لبس فقط قميصا واحدا. ولم تُستخدم العصا والقميص الآخر، وظلت كل المقتنيات في بيت يوسف في مصر. 

ولما هلك يوسف في أرض مصر، ظن أهل العلم من بني إسرائيل أن الله لن يبعث من بعد يوسف رسولا:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)

السؤال: ما الذي دفع هؤلاء العلماء (وكثير من العامة) من بني إسرائيل على الظن بأن الله لن يبعث رسولا من بعد يوسف؟

رأينا المفترى: نحن نتجرأ على القول بأن ظن القوم ذاك كان مدفوعا بهلاك يوسف، وهذا يعني – كما ذكرنا في مقالات سابقة لنا- بأن يوسف لم ينجب ذرية، فالهالك هو من لا ولد له:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِن كَانُواْ إِخْوَةً رِّجَالاً وَنِسَاء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (176)

ومادام أن ذرية النبوة بعضها من بعض:

إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

كان ظنُّ القوم بأن هلاك يوسف هو نهاية خط تلك الذرية الطيبة. فيكون السؤال الآن هو: كيف استمرت تلك الذرية الطيبة بعد هلاك يوسف؟

رأينا المفترى: لو دققنا فيما قاله يعقوب ليوسف في تفسيره لرؤيا يوسف كما جاء في النص القرآني:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

لوجدنا بأن تمام النعمة لن تتوقف بهلاك يوسف، فهذا يعقوب يدرك مسبقا بأن يوسف سيهلك ولن يكون له ذرية، بدليل أن النعمة ستتم عليه شخصيا (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) (وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ). فيوسف – حسب كلام يعقوب- لن يكون له آل كما كان لإبراهيم ويعقوب (آل إبراهيم وآل يعقوب) من قبله، أو كما كان مثلا لموسى وهارون من بعده (آل موسى وآل هارون). 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: في حين أن يوسف سيهلك ولن يكون له ولد، استمر خط النبوة (الذرية) في آل يعقوب، ولم يكن هناك آل ليوسف. 

وربما يرد المجادل بالقول بأن يوسف نفسه من آل يعقوب، فلا داع أن يكون له آل لنفسه. أليس كذلك؟

رأينا المفترى: إن صح منطق المجادل لنا هذا، فلِم كان هناك آل يعقوب أصلا مادام أن جميعهم هم آل إبراهيم؟ أليس يعقوب من سلالة إبراهيم نفسه؟ أليس إبراهيم – بمفرداتنا الدارجة- هو جد يعقوب؟ فلم يكون للجد (إبراهيم) آل وللحفيد (يعقوب آل)؟ ما علينا!

السؤال: من الذي يستطيع أن يستخدم تلك الآثار العظيمة؟

رأينا المفترى: ظل استخدام تلك "الخلة" (الآثار العظيمة) وراثة في تلك العائلة المباركة، لكنه توقف (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) بعد هلاك يوسف. وما هي إلا فترة زمنية قصيرة نسبيا حتى حصل الانقلاب الفرعوني على الحكم الملكي الذي كان فيه بنو إسرائيل في أرض مصر من أعمدته الرئيسية:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20)

فانتهت تلك الآثار بعد ذلك الانقلاب الكبير إلى القصر الفرعوني. فما عادت وراثة، وأصبحت وقفا. انتهى.

ما أن أصبحت وقفا حتى أصبحت ملكا لمن يحوز عليها، فكان موسى هو أول من حاز على العصا من القصر الفرعوني (بمساعدة امرأت فرعون)، وعادت العصا إلى سيرتها الأولى عندما ألقاها موسى في النار في الواد المقدس طوى في لقائه الأول مع ربه:

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وبعد أن جاوز الله بهم البحر، ترك موسى أخاه هارون خليفة له في قومه بناء على ميعاد ربه له شخصيا:

وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

فموسى ذهب متعجلا للقاء ربه من جديد، لكن هذه المرة عند جبل النور (عرفات). فترك العصا في عهدة هارون الذي (نحن نتخيل) وضعها في التابوت (الذي كان معهم)، وحينها وقع بصر السامري عليها، فقبض قبضة من العصا، فعمل بها ما سولت له نفسه. فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار:

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)

فاتخذ القوم من ذلك العجل إلها حتى سقط في أيديهم بعد رجوع موسى إليهم:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

ما أن قبض السامري قبضة من تلك العصا حتى أصبحت منسأة (أي العصا بدون الرأس المدبب لها الذي بحجم قبضة اليد)، ولم تظهر من جديد إلا في التابوت ذاته الذي ظهر من جديد لكن كآية على ملك طالوت هذه المرة:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلآئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (248)

(وسنتحدث عن هذا سر ظهور التابوت واختفائه في مقالات لاحقة بإذن الله. فالله وحده أدعوه أن يعلمني ما لم أكن أعلم، إنه هو العليم الحكيم)

فاستخدم داوود (الذي ما زال شابا صغيرا) تلك المنسأة التي عثر عليها في التابوت، فقتل بها جالوت (الطاغية الذي عجز طالوت نفسه عن قتله)، وآتاه الله الملك: 

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)

فكان داوود (ابن لقمان) هو الخليفة:

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

وانتقلت المنسأة بعد موت داوود (نحن ما زلنا نتخيل) إلى سليمان، فكان يستخدمها لعذاب من يزغ عن أمره من الجن:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)

وما أن قضى الموت على سليمان حتى أكلت دابة الأرض منسأته:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

تلخيص ما سبق: بناء على هذا الطرح المفترى من عند أنفسنا، نستطيع الظن بأن الآثار الإلهية العظيمة (العصا واللباس) قد تم تناقلها بالوراثة في بيت إبراهيم حتى هلاك يوسف. لكن ما أن هلك يوسف وحصل الإنقلاب الفرعوني على العهد الملكي، حتى أصبحت تلك الآثار وقفا يتم تناقله في العائلات على النحو التالي:

عائلة عمران الأولى (موسى) – عائلة لقمان (داوود وسليمان) – عائلة عمران الآخرة (مريم)

السؤال: إذا كانت العصا قد أكلتها دابة الأرض، فأين اللباس (لباس آدم وزوجه)؟

رأينا المفترى: في التابوت. انتهى.

السؤال: ماذا حلّ بذلك اللباس؟

رأينا المفترى: استمرت تلك الآثار في تابوت العهد القديم الذي كان وقفا في حوزة هذه العائلات. وبكلمات أخرى، نحن نفتري القول بأن التابوت كان وقفا في تلك العائلة الطيبة المميزة، وهي عائلة (...ـان) التي بدأت بعمران الأول (موسى)، وتوسطها لقمان (داوود وسليمان)، وانتهت في بيت عمران الآخر (مريم). وكانت شخصيات هذه العائلة أقرب (في مخيالنا) إلى شخصيات سوبرمان وسبايدرمان وباتمان، الخ. أي الرجال القادرين على عمل الأعاجيب. ما كانت الأعاجيب تصنع على أيديهم إلا بفعل تلك الآثار العظيمة (انظر مقالاتنا تحت عنوان ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته).

السؤال: ماذا حلّ بمقتنيات التابوت من الآثار المتبقية (أي اللباس) في زمن عمران الآخر؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان عمران (والد مريم) يحتفظ بتلك المقتنيات لذريته في ذلك التابوت الذي لم يكن عمران ليظهره على أعين الناس من حوله، وتزوج الرجل (أي عمران) من امرأة هي "أم هارون"، ليكون هارون هذا الأخ غير الشقيق للإبن المتوقع (موسى الجديد) من ذرية عمران هذا، لتعود بذلك سيرة آل عمران القديمة (قصة موسى) في قصة آل عمران الجديدة (قصة مريم). وعندما تزوج عمران بأم هارون، حملت امرأت عمران هذه بمريم، ولم تكن تعلم ماهية ما في بطنها، لكنها كانت تتوقع أن يكون ذكرا، فتسميه موسى ليكون الأخ غير الشقيق لهارون، ولم تكن تتوقع أن يكون ما في بطنها أنثى، لذاـ كان استغرابها واضحا عندما وضعتها أنثى:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: لماذا استغربت امرأة عمران أن يكون ما وضعت أنثى؟

رأينا المفترى: إن هذا السؤال يعيدنا مباشرة إلى فهم التركيبة العائلية لآل عمران. ليكون السؤال الذي لابد من طرحه ابتداء هو: من هم آل عمران؟

جواب مفترى: لو تفقدنا الآيات القرآنية على مساحة النص القرآني، لوجدنا بأن آل عمران هم سلالة ينتسبون لشخص واحد اسمه عمران. وقد جاء ذكره بصريح اللفظ مع قصة مريم، قال تعالى:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

وأن مريم هذه كان لها أخ غير شقيق هو هارون:

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)

ولو دققنا في قصة مريم، لوجدنا التطابق اللفظي واضحا بين هذه العائلة من جهة وعائلة موسى من قبل، ونحن نتجرأ على تقديم الافتراء الخطير جدا التالي: عائلة مريم (ابنت عمران) هي امتداد لعائلة موسى (ابن عمران). ومريم هي النسخة الأنثوية (أو لنقل الزوجية) لموسى. انتهى.

نتيجة مفتراة: هناك إذا عائلتان تحملان اسم آل عمران، وهما: (1) عائلة موسى القديمة و (2) عائلة مريم الأحدث زمنيا. وتركيب كل عائلة هو (كما نتخيله طبعا) على النحو التالي:

آل عمران الأول
آل عمران الآخر
عمران الأب
امرأة عمران (الأم)
موسى
هارون (أخ موسى غير الشقيق)
عمران الأب
امرأة عمران (الأم)
مريم
هارون (أخ مريم غير الشقيق)

فكما تزوجت امرأت عمران الأولى من رجلين (عمران وذي الكفل)، وانجبت من الأول موسى ومن الثاني هارون، تزوجت امرأت عمران الأخرى من رجلين، فأنجبت من الأول هارون وانجبت من الثاني مريم.

السؤال: من هو هارون أخ مريم؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن هارون هو أخ غير شقيق لمريم، ونحن نحن نتجرأ على الظن بأن هناك سناريوهين اثنين لنسب هارون هذا (الأخ غير الشقيق لمريم)، وهما:

1. أن هارون هذا هو ابن زكريا الذي انجبته زكريا قبل أن تعقر امرأته. (وللأمانة العلمية هذا الرأي قد جاء على لسان أحد الأصدقاء في مناقشاتنا على الفيسبوك عن هذه القضية). وأن هذا الأبن لزكريا قد ولد بطريقة طبيعية لكن الموت كان قد قضى عليه في شبابه. 

2. أن هرون هذا هو ابن رجل صالح من بني إسرائيل.

(وسنتعرض لهذين المبحثين لاحقا بإذن الله، فالله وحده أدعوه أن يهدينا لأقرب من هذا رشدا إنه هو السميع العليم).

الدليل

لو تدبرنا الآيات الكريمة التالية، 

وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ (47) وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنْ الْأَخْيَارِ (48)

لوجدنا الفصل واضحا بين مجموعتين من الأنبياء وهما:

- المجموعة الأولى: إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ

- المجموعة الثانية: إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ

فهؤلاء (نحن نرى) هم خطا السلالة في بني إسرائيل. ففي حين أن السلالة الأولى (إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ) هي التي جاء منها موسى وهم من جاءت تسميتهم بآل يعقوب التي استمرت مع زكريا ويحيي (الذين عاصرا مريم وابنها عيسى):

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

جاءت مريم من السلالة الأخرى: إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ، وهؤلاء هم خط سلالة الموالي الذين كان زكريا يخافهم من بعده:

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: في زمن ولادة مريم كان هناك سلالتان متنافستين من بني إسرائيل، ألا وهما:

- آل يعقوب وعميدهم زكريا وسيدهم يحيى

- الموالي وعميدهم عمران وسيدهم اليسع 

ولو حاولنا اجراء مقابلة بين موسى (ابن عمران) من جهة ومريم (ابنت عمران) من جهة أخرى، لوجدنا أن كلاهما قد وقعت عليه كفالة. فهذه أخت موسى تدل آل فرعون على من يكفل موسى:

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

فعاش موسى (وهو مولود للسلالة الأولى) مكفولا في بيت نبي الله ذي الكفل (والد هارون) من السلالة الثانية.

وهذه مريم تقع عليها كفالة زكريا:

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

فعاشت مريم (من السلالة الثانية) مكفولة في بيت زكريا من السلالة الأولى

نتيجة مفتراة: في حين أن ذو الكفل (من السلالة الثانية) هو من كفل موسى (من السلالة الأولى)، جاء زكريا (من السلالة الأولى) ليكفل مريم (من السلالة الثانية).

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نفتري أن هذا من المكر الإلهي الذي لولاه لكانت حياة مريم كما كانت حياة موسى في خطر شديد.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: ربما لا نجد كثير عناء في تمرير فكرة الخطر الذي كان يتهدد حياة موسى الطفل في ذلك الوقت، فقد كان فرعون يستضعف طائفة من بني إسرائيل يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم:

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

وتلك الطائفة هي الطائفة التي ولد فيها موسى، وكان عمران (والد موسى) هو من سيد تلك الطائفة بلا منازع. فلم يكن فرعون (على غير ما يظن الكثيرون) يذبح كل أبناء بني إسرائيل، وإلا لما تبقى لهم اثرا ليخرجهم موسى بعد ذلك من أرض مصر:

حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)

ومن أجل الدقة في الأفكار، فقد حاولنا افتراء القول في أكثر من مكان في مقالاتنا السابقة بأن فرعون كان يقتل أبناء بيني إسرائيل (بالاستعباد):

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

ولكنه كان يذبح (بالموت) أبناء طائفة محددة منهم بعد أن جعل أهلها شيعا:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

ولو دققنا في مفردة "يَسْتَضْعِفُ" يجد أن واحدة من معاني الضعف سببه نقصان العدد من الأقارب، فها هم القوم يتعللون بضعف شعيب فيهم:

قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)

فما تبقى لشعيب من الأقارب من حوله إلا رهط (مجموعة قليلة)، فكان ضعيفا. 

وقد كانت خطة فرعون هو استضعاف هذه الطائفة من بني إسرائيل على وجه التحديد، فكان يذبح أبناءهم ليكون الأضعف بين من حولهم من طوائف بني إسرائيل الأخرى. ففرعون كان هو من زرع الفتنة بين طوائف بني إسرائيل بعد أن جعلهم شيعا، فقرب بعضهم كقارون وطائفته:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)

واستضعف طائفة موسى. لكن المنّة الإليهة تحصلت على هذه الطائفة التي ولد فيها موسى ابن عمران، والتي كان فرعون يستضعفها على وجه التحديد. انظر – عزيزي القارئ – إن شئت- الآية السابقة في سياقها الأوسع:

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)

(للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: حصلت المنة الإلهية على الطائفة المستضعفة من بني إسرائيل وهي السلالة الأولى التي ولد فيها موسى.

لكن ما يهمنا افتراءه هنا هو أن كفالة موسى في بيت ذي الكفل (من السلالة الثانية) كانت من المكر الإلهي للحفاظ على سلامة موسى من يد من كانوا يتربصون به السوء، سواء من فرعون وقومه أو حتى من الطوائف الأخرى من بني إسرائيل (كقارون ومن لف لفه). 

وبالمثل، جاءت المنّة الإلهية في كفالة زكريا لمريم لتكون من المكر الإلهي للحفاظ على حياة مريم وذريتها (المسيح عيسى بن مريم) في الطفولة حتى تبليغ الرسالة في الكهولة. ليكون السؤال: كيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان علماء بني إسرائيل على علم بأن رسولا سيبعث فيهم، لكن لمّا كان بنو إسرائيل منحازين تماما لنظرية العرق (الطوائف)، كان ظنهم (لا بل أمنيتهم) أن يكون هذا الرسول من سلالة محددة وهي سلالة آل يعقوب، وهم من كانوا يظنون أنهم الأسياد. وكانت الطوائف الأخرى في نظرهم ليست أكثر من موالي لهم، ومنهم آل عمران. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت – في دعاء زكريا نفسه ربه:

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)

ولو جاء الرسول من سلالة الموالي، وعلم بذلك كثير من آل ليعقوب (الأسياد)، لما ترددوا (نحن نتخيل ربما مخطئين) في انهاء حياته منذ طفولته، فكان المكر الإلهي بأن تولد مريم من ذرية الموالي (آل عمران) وأن يكفلها زكريا (سيد آل يعقوب)، وتكون هي من تلد الرسول الموعود (كلمة الله). فيتم ذلك في بيتهم رغما عنهم، كما تربى موسى في بيت من كفله من الطائفة الثانية رغما عن كثير من أهل طائفته وأن يتربى بين آل فرعون رغما عن فرعون نفسه. السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: كان القلق (نحن نتخيل) مستحكما على قلوب الأحبار من آل يعقوب (الأسياد) أن يكون لعمران هذا ذرية من الذكور، لأن ذلك يعني أن الرسالة ستكون في هذا المولود لهذا الرجل (أي عمران). لذا، لا استبعد احتمالية أن كثيرا منهم كانوا يخططون لأن يجهّزوا على حياة من يولد لعمران من الذكور في المهد. لكن، لما كان ما وضعت امرأت عمران هي أنثى، ساد الارتياح قلوب أولئك الأحبار من آل يعقوب المتربصين بعمران وذريته من الذكور، لعلمهم بأن الرسل لابد أن يكونوا من الناس (أي الذكور):

اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75)

وليس أدل على ذلك – برأينا- من رفضهم كفالة مريم جميعا، بمن فيهم زكريا نفسه. فلقد دبّ الخصام بينهم فيمن يكفلها:

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

فهؤلاء القوم (على عكس ما روج له الفكر الشعبي) كانوا – نحن نفتري القول- كارهين مستعلين، حذرين من ذرية الموالي، لأن في ذلك خطر يتهددهم لو جاء الرسول الموعود منهم. 

وهنا جاء الأمر الإلهي بأن يكون زكريا هو من يكفل هذه الطفلة:

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في صيغة فعل الكفالة الوارد في الآية الكريمة ذاتها (وَكَفَّلَهَا). ودقق على وجود التشديد على حرف الفاء في الفعل، فزكريا (نحن نرى) لم يتبرع من نفسه ليكفل مريم وإلإ لجاء اللفظ على نحو (وكفلها زكريا)، أي دون تشديد حرف الفاء. لكن لما كان القرار إلهيا، ما كان من نبي الله زكريا إلا أن يأتمر بالأمر الإلهي رغما عنه، فجاء اللفظ مشددا على حرف الفاء (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا). 

السؤال: لماذا كفّلها زكريا بالذات؟

رأينا: نحن نفتري الظن بأن زكريا هو الوحيد من آل يعقوب الذي كان سينزل عند المشيئة الإلهية بأن يبعث الله الرسول الموعود في غير آل يعقوب حتى وإن كان ذلك على غير ما يتمنى ويرغب. واحد تلك الأسباب التي تجعل زكريا يرضخ لهذا الأمر الإلهي (بالإضافة طبعا لوازعه الإيماني) هو أنه الوحيد بينهم الذي لا ذرية له. فأحبار بني إسرائيل كانت لهم ذرية، وكان كل واحد منهم (نحن نظن) يتمنى (لا بل يطمع) أن يكون الرسول الموعود في ذرية أحدهم. فالصراع بينهم ليس صراعا ماديا، وإنما صراعا على الإرث الإلهي العظيم. فبالرغم أن إخوة يوسف – مثلا- كانوا جميعا من سلالة النبوة المطهرة إلا أن هذا لم يمنعهم أن يكيدوا لمن آثره الله عليهم (أي أخوهم يوسف). 

لذا، نحن نتجرأ على افتراء الظن بأنه لما كان زكريا هو الوحيد من آل يعقوب (الأسياد) الذي لا ذرية له حتى الساعة، جاء الأمر الإلهي له بأن يكفل مريم. فوجد زكريا نفسه أمام خيارين اثنين، وهما:

1. أن يغلب مصلحة طائفته ولا ينزل عند الأمر الإلهي، فيكون من الخاسرين في الآخرة

2. أن يختار النزول عند الأمر الإلهي فيكون من الصالحين، 

السؤال: ماذا كان قرار زكريا؟ 

رأينا المفترى: لما كان زكريا من الذين يسارعون في الخيرات ومن الذين يدعون ربهم رغبا ورهبا من الخاشعين:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

نزل عند الأمر الإلهي، ورضي بأن يكفل مريم (ذرية الموالي من آل عمران)

السؤال: لماذا فعل زكريا ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الوازع الإيماني عند زكريا كان هو محرك قراره ذاك، لكن هذا لم يمنع أن يستفيد زكريا من الموقف، بأن يهب الله له الذرية التي تحافظ على استمرارية هذه السلالة الطيبة (آل يعقوب). انتهى.

السؤال: كيف سيستفيد زكريا من كفالة مريم؟

رأينا المفترى: في أثناء فترة كفالة زكريا لمريم، رأى زكريا بأم عينه العناية الإلهية التي أحاطت بهذه الطفلة منذ يومها الأول حتى نبتت نباتا طيبا، وكيف جهزت لحمل كلمة الله. فهو من كان يرى من أين يأتي رزقها، وهو من كان يرى مريم دائمة التواجد في المحراب فلا تحيض ولا تستخدم الحمام، وهو من اطلع على السر الإلهي في اختيار مريم لتحمل كلمة الله (طبعا اللباس). فكان زكريا (سيد آل يعقوب) هو من عاشت مريم في كنفه، تحت بصره على الدوام. فكانت كفالة زكريا لها (نحن نفتري الظن) وقاية إلهية لمريم من مكر أحبار اليهود الحاسدين كثير من الناس على ما آتاهم الله من فضله:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (55)

السؤال: ما الذي فعله زكريا؟ ألم يكن يخاف الموالي (آل عمران) من بعده؟

جواب مفترى: بلى. وليس أدل على ذلك من قوله:

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)

السؤال: لِم إذا لَم يمكر بمريم؟

رأينا المفترى: لمّا كان زكريا من الصالحين، كان من الذين يأتمرون بالأمر الإلهي حتى ولو كان ذلك على غير ما تطيب له نفسه، لأنه لا شك من الصالحين:

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85)

لذا، نزل عند الحكمة الإلهية في أن يكون الرسول الموعود من الموالي (آل عمران)، لكنه استثمر ذلك للاستفادة من الكرم الإلهي، بطلب الذرية التي كانت تنقصة طوال فترة شبابه حتى وهن عظمه واشتعل الرأس شيبا:

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) 

فما تردد أن ينادي ربه ألاّ يذره فردا: 

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

فكانت الاستجابة الإلهية لدعائه حاصلة في الحال:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

وهنا يبرز التساؤل التالي على الفور: لِم لَم يدعو زكريا ربه من ذي قبل؟ لم جاء دعاؤه ربه بعد أن رأى بأم عينه مريم تحمل كلمة الله؟

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

رأينا المفترى: إن هذا التساؤل ينقلنا على الفور إلى قضية خطيرة جدا جدا وهي قضية استجابة الله لدعاء عباده. فيكون السؤال على الفور هو: كيف يتقبل الله دعاء عبد له مباشرة؟

رأينا المفترى: حاولنا في مقالتنا تحت عنوان "صلاة الاستسقاء" تسطير الخطوط العريضة لفقه الدعاء، ومن أراد الاطلاع على ذلك فيمكنه الرجوع إلى تلك المقالة التي سنتجرا (بناء على ما جاء فيها) على تقديم افتراءات أكثر خطورة في الصفحات التالية.

فقه الدعاء: متابعة الافتراءات

إن ما يهمنا اعادته هنا من الافتراءات المنثورة في تلك المقالة هو الافتراء التالي: لا تكمن مشكلة عدم استجابة الدعاء في المرسل إليه (الله) لأنه قريب يجيب دعوة الداع إذا دعاه:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

ولا تكمن في الداع لأن الله قد استجاب لدعاء إبليس حتى بعد أن عصاه كإبليس مثلا:

قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15)

أو كالذين دعو الله، فاستجاب لهم، ثم نقضوا ما عاهدوا الله عليه:

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76)

وإنما يكمن حلّ المشكلة (نحن نرى) في الرسالة ذاتها. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا السياقات القرآنية الخاصة بالدعاء على مساحة النص القرآني، لما وجدنا أن الله قد رد دعاء أحد من عباده (المؤمن منهم وغير المؤمن). (للتفصيل انظر مقالات صلاة الاستسقاء). لكن ما يهمنا طرحه هنا هما محورين اثنين للنقاش:

1. طريقة الدعاء من العبد

2. آلية استجاب الله لدعاء عباده

في محاولة منا لفهم هذين المحورين بشكل نظري بداية ثم بشكل تطبيقي على أرض الواقع بعد ذلك، سنركز على دعاء زكريا ربه بأن يهب له الذرية الطيبة كمثال توضيحي لهذين المحورين.

أما بعد، 

دعنا ننطلق في بحثنا هذا من السؤال الافتراضي التالي: ماذا لو جاءت الاستجابة الإلهية فورية لكل ما ندعو به؟ 

منطقنا المفترى: ها هم الحظور في المسجد من يوم الجمعة يدعون الله (على لسان خطيبهم المفوّه) أن يخلصنا من حكامنا الظالمين في عالمنا الإسلامي (وخاصة العربي منه) المتردي، وها هم الدعاة على المنابر أنفسهم يدعون في ختام خطبهم العصماء لحكام بلادهم بالتثبيت والاستقرار (طبعا مش عشان المكافأة المادية التي سيتلقونها في نهاية الشهر)، فكيف تريدون الاستجابة الإلهية أن تكون؟ هل تكون لزوال هؤلاء الحكام (كما جاء في متن الخطبة) أم لتثبيتهم (كما جاء في خاتمتها)؟ 

وهذا صاحبنا (من أهل التراث) يدعو الله أن يخلصهم ممن هم من مثلي، وها أنا ادعو الله أن يخلصنا ممن هم مثلهم، فلمن سيستجيب الله؟ وماذا لو استجاب لنا الاثنين معا؟ يا حبيبي لو طلع هالحكي صحيح !!! 

وربما يرغب البعض القول بأن الدعاء يجب ألاّ يكون على قطيعة (أي إلحاق الضرر بالآخرين)، فنرد عليه بالقول: وماذا فعل الرسل في نهاية دعوتهم أقوامهم؟ ألم يدعو عليهم بالعذاب؟ ألم ينزل العذاب على تلك الأقوام مباشرة بعد دعاء قومهم عليهم؟

نتيجة مفتراة: الدعاء غير مشروط، فيمكن أن يكون لجلب منفعة أو لإيقاع ضرر. انتهى.

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60)

فحتى المنافقين يخادعون الله بالدعاء، فيستجيب الله لهم، لكنهم لا يعلمون بأن الله هو خادعهم عندما يستجيب لهم:

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ ... (142)

فاستجابة الله لدعاء المنافقين هو مكر إلهي لخداع هؤلاء، وإخراج اضغان قلوبهم:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)

نتيجة مفتراة: لابد إذًا من وجود آلية معينة لا ينتفي فيها العدل الإلهي في الاستجابة للدعاء، فماذا تكون تلك الآلية؟

جواب مفترى: إنه الدعاء الصحيح (بغض النظر عن فحواه). انتهى.

السؤال: وكيف يكون الدعاء الصحيح؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن هناك طريقتين اثنتين لاستجابة دعاء (أي دعاء)، وهما:

1. اتباع سنن الله الكونية

2. معرفة الذكر

أما الطريقة الأولى (اتباع سنن الله الكونية)، فهذه هي الطريقة التي ربما يعرفها جميع الناس. فطلب المال مثلا يستدعي العمل بالطرق التي تجني لك ذلك المال، وطلب الشفاء من المرض تستدعي منك الذهاب للطبيب المختص وتلقي العلاج الصحيح، وهكذا. وهذه جميعها تتطلب سلوك السبيل الصحيح إلى تحقيق المراد. فلو أخذنا - على سبيل المثال – الآية الكريمة التالية:

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

لوجدنا أن هناك المعاجزين في آيات الله، وهؤلاء هم – برأينا- من يتحجون بالقول "دع ربك ينزل علينا الآن مالا من السماء لأصدق بوجوده"، فنرد عليه بالقول: كيف سينزل الله هذا المال وأنت لم تتبع السنة الإلهية في جني المال؟ وقد يقول معاجز آخر "فلان مريض، فادعو ربك بأن يشفيه في الحال لأصدق أنه موجود"، فنرد بالقول" وهل اتبعت سنن الله الكونية في شفاء المرض؟ 

السؤال: ما هي السنة الإلهية في جلب الرزق مثلا؟

رأينا المفترى: لو دققت عزيزي القارئ في السياق ذاته:

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

لوجدت أن الله يقدم لنا الطريقة في جلب الرزق الذي تطلبه بالسنة الكونية التي كتبها الله، فهذه السنة الكونية تتمثل بالإنفاق.

السؤال: كيف ذلك؟

منطقنا المفترى: لو كنت أنت – عزيزي القارئ- مزارعا، فهل يمكن أن تذهب لتحصد الزرع وأنت لم تزرع أصلا؟ هل يمكن للمزارع أن يذهب في أيام الحصاد إلى الحقل إذا لم يكن قد بذر في أيام الشتاء؟ هل لو رأيت مزارعا يفعل ذلك (يذهب ليحصد وهو لم يزرع أصلا)، ألن تنعته بالجنون؟ 

السؤال: ما علاقة هذا بأن الله يخلف ما أنفق من شيء (وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ

رأينا المفترى: عندما تنفق شيئا من مالك خالصا لوجه الله، فأنت كالمزارع الذي يأخذ القليل من محصوله في هذا العام ليكون بذارا تزرعه، فتجنيه كثيرا في العام القادم. فالذي ينفق قليلا الآن، سيجني الكثير عندما يأتي وقت الحصاد. وهذا يعني أنه من الاستحالة بمكان أن تزرع اليوم وتحصد في اليوم التالي مباشرة. فلابد للبذار أن يمكث وقتا محددا في الأرض حتى تجني ثماره عندما ينضج. وطلب نضوج الثمار قبل موعدها يقع في باب الجنون. لذا، ربما يعاجز هذا المنفق بالقول، لقد تصدقت بالأمس، لكن الله لم يخلفه اليوم. فنرد عليه بالقول، إن مثلك في ذلك كمثل الذي يزرع القمح في الشتاء ويحصده في الربيع قبل أن ينضج. ما دمت أنك قد أنفقت القليل من مالك اليوم، فعليك أن تنتظر الوقت اللازم للحصول على الغلة وفيرة في وقت حصادها الحقيقي. فهذه من السنن الكونية التي لا يطالب تغيّرها إلا الذين يسعون في آيات الله معاجزين:

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

وربما يقول آخر بأني مرضت، ودعوة الله الشفاء، لكني لم أشفى مما دعوت الله به، ويكأن لسان حاله يقول: يجب أن تكون استجابة الله لدعائي في الحال. فنقول له كلا، وألف كلا. فما دمت تطلب الشفاء بسنن الله الكونية، فعليك أن تذهب للطبيب وتتلقى العلاج المناسب، ولن يكون شفاؤك حاصلا إلا بعد أن تنتهي من تلقي العلاج الناجع. فتلك من سنن الله الكونية، ولا يمكن أن يطلب تحققها في الحال إلا الذين يسعون في آيات الله معاجزين:

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38) قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

وهنا قد يرد الكثيرون بالقول: ماذا استفدنا نحن من كلامك هذا؟ أليس هذا ما يقوله حتى أهل الإلحاد؟ أليس هذا ما يدعوننا إليه حتى غير المؤمنين بالله؟

فنرد بالقول: نعم. هو كذلك. لأن هؤلاء يدعونك إلى منطق سنن الله الكونية حتى وإن لم يعترفوا بأنها من الله. 

السؤال: وأين إذا يقع دعاء زكريا؟ ألم يكن قد بلغ من الكبر عتيا؟ ألم يهن العظم منه ويشتعل الرأس شيبا؟ هل سلك زكريا سنن الله الكونية؟ ألم يقضي سنين من عمره يتبع تلك السنن ولم تتحصل له الذرية؟ فكيف تحصلت له بمجرد الدعاء في تلك اللحظة؟

رأينا المفترى: نقول له نعم. لكن دعاء زكريا هذا (ودعاء كل عباد الله الذين جاء ذكرهم في كتاب الله) لم يكن من ضمن الدعاء بسلوك سنن الله الكونية وإنما بالطريقة الثانية بالدعاء وهي الذكر. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا نبدأ قصة دعاء زكريا ربه من أولها كما جاءت في سورة مريم:

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في هذا السياق من أوله، لتجد في الآية الثانية منه قوله تعالى:

ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)

فلو دققنا مليًّا في هذه الآية الكريمة، لوجدنا أن زكريا قد استخدم الذكر لكي يستجيب الله دعاءه (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)، فكيف ذلك؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن ما تطلبه النفس البشرية من تحقق الدعاء على الفور هدفه شيء واحد لا أكثر، ألا وهو عدم الشقاء. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: تخيل عزيزي القارئ – إن شئت- كيف يمكن أن تصبح الحياة لو أنك فعلا استطعت تحقيق مرادك كله بالدعاء؟ ألا تصبح حياتك كلها جنة لا شقاء فيها؟ أليس هذا ما جاء على لسان زكريا نفسه في السياق القرآني السابق ذاته:

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن معرفة الذكر هو السبيل الوحيد لتحقيق المراد على الفور حتى وإن لم تكن باتباع السنن الكونية التي ربما يعرفها الجميع، وليس أدل على ذلك من قوله تعالى:

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

فالإعراض عن ذكر الله هو الذي أوقعنا في الشقاء، ومعرفة الذكر (نحن نؤمن) هو الضمانة الوحيدة في كشف هذا الشقاء. ولو دققنا في هذه الآية في سياقها الأوسع، لوجدناها قد وردت في معرض الحديث عن قصة آدم الأولى في الجنة:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى (126)

نعم، لقد كان آدم يسكن في جنة لا شقاء فيها، وكان ذلك بسبب ما عهد الله عنده (من الذكر)، لكن لمّا أعرض آدم عن ذلك الذكر، كانت النتيجة الشقاء. انتهى.

السؤال: ما هو الذكر الذي أعرض آدم عنه حتى تحولت حياته إلى شقاء بعد أن كانت رغدا؟

رأينا المفترى: إنه علم الأسماء التي علمها الله لآدم:

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)

وعندما نزل آدم عند نصيحة الشيطان، خسر آدم ذلك العلم بسبب وسوسة الشيطان له ولزوجه:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

منطقنا المفترى: بخسارة آدم لعلم الأسماء التي علمها إياه ربه، كان آدم بذلك قد أعرض عن ذكر ربه، فتحصل له الشقاء. ولو لم ينزل آدم عند نصيحة الشيطان، ولو لم يتقبل آدم وسوسة الشيطان، لما خسر تلك الأسماء ولما كان من المعرضين عن ذكر ربه، ولما أصبحت حياته كلها شقاء، ولظلت كل الأمور تتحصل له بالدعاء (الكلمات).

السؤال: وأين الدليل على تخريصاتك هذه؟ يرد محاورنا على الفور.

رأينا المفترى: دعنا نجلب الدليل الذي نظن أنه يثبت افتراءاتنا هذه من قصة زكريا التي هي محل النقاش هنا. ليكون أول سؤال نطرحه هنا هو السؤال التالي: لماذا جاءت الاستجابة الإلهية لدعاء زكريا هناك (على وجه التحديد):

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38)

إن هذه الآية الكريمة (كما نحاول فهمها) تدعونا إلى إثارة تساؤلات كثيرة حولها، نذكر منها:

- لماذا كان دعاء زكريا في ذلك الوقت (هُنَالِكَ

- لماذا كان دعاء زكريا في ذلك المكان (هُنَالِكَ

- لِم لم يدع زكريا ربه من قبل؟

- وهل فعلا لم يدع زكريا ربه من قبل؟

- لماذا تحصلت له الإجابة هنالك فقط؟

- الخ.

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن زكريا كان يدع ربه بأشياء كثيرة، وكانت تتحصل له في حينها، ولم يكن بدعاء ربه شقيا، لكن الدعاء بالذرية لم يتحصل له إلا هنالك فقط.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن سبب دعاء زكريا بالذرية (والاستجابة الإلهية الفورية) هو أن زكريا لم يكن يعرف الذكر في ذلك. فزكريا هنا لا يطلب الذرية باتباع السنن الكونية، لأنه كان حينئذ قد بلغ من الكبر عتيا واشتعل رأسه شيبا، وأصبحت فرصة الانجاب بالطريقة الطبيعية معدومة. فما عاد هناك جدوى بطلبها بتلك الطريقة. لكن تبقى أمامه أن يطلبها بالطريقة الثانية وهي الذكر (خرق السنن الكونية العادية). 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: إن هذا الطرح (ربما المغلوط) يقودنا (حسب المنطق الذي نحاول الترويج له) إلى تقديم الافتراء الخطير جدا جدا التالي: إذا كنت تريد استجابة الدعاء في الحال، فعليك أن تعرف الذكر فيه. انتهى.

السؤال: وما هو الذكر في الدعاء؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: إنه الطلب باستخدام "كلام الوحي" وليس الكلام البشري الذي نعرفه. انتهى.

السؤال: وأين الدليل على ذلك في دعاء زكريا ربه؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق في المشهد الذي يصوره النص لنا فيما جرى من كلام بين مريم من جهة ورسول ربها (روحنا) من جهة أخرى في الحجاب:

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)

فكان كلام مريم هو:

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

وكان جواب الروح هو:

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)

السؤال المحوري: ما ماهية الكلام الذي قاله الوحي لمريم حينئذ؟ هل كان كلاما بشريا أم وحيا؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: بل وحيا، فالروح لا يتحدث لسان قوم بعينهم وإلا لكان له قوم من البشر:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

لكن لما كان الروح لا قوم له من البشر، تحدث "بلسان" غير ألسنة البشر جميعا. 

السؤال: ما فائدة هذا الطرح في قصة زكريا؟

رأينا المفترى: دقق عزيزي القارئ فيما قاله الوحي (روحنا) لمريم، لتجده على النحو التالي:

- أنه رسول ربها (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ)

- الهبة (لِأَهَبَ لَكِ)

- الغلام الزكي (غُلَامًا زَكِيًّا

- المثل (قَالَ كَذَلِكِ)

- سهولة الأمر بالنسبة لله (قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ)

- جعله آية للناس (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ)

- جعله رحمة من الله (وَرَحْمَةً مِّنَّا)

- انقضاء الأمر (وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا)

والآن دعنا ندقق في دعاء زكريا ربه على مساحة النص القرآني:

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38)

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

إذًا، ما كان يريده زكريا هو الذرية، وأن يكون غلاما، وأن يكون هبة، الخ.

السؤال: كيف نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: كان زكريا (في سابق عهده) يدعو ربه بأشياء كثيرة، وما كان بدعاء ربه شقيا، لأنه (نحن نفتري الظن) كان يعرف ذكرها، أي الوحي الحقيقي فيها ليدعو ربه، فكانت تتحقق له في الحال. لكن لم يكن زكريا على علم بالذكر (كلام الوحي) الذي يجلب له الذرية الطيبة (أي كلمات الوحي التي بها يطلب الذرية). لكن تبدلت الحال مباشرة عندما حصل الحمل لمريم في الحجاب.

السؤال: كيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان زكريا يدخل المحراب في كل يوم ليجد رزق مريم يأتيها من عند ربها. فما كان ذلك يثير استغراب شخص من مثل نبي الله زكريا، فهو يعلم أن الله هو من ينبت هذه الأنثى نباتا حسنا:

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ...

لكن حصلت المفاجئة له في فجر يوم من تلك الأيام عندما دخل على مريم المحراب (كالعادة) ليجد (هذه المرة) أن بطنها قد انتفخ بالحمل، فيقع ذاك المشهد على بصره كالصاعقة، فهو قد تركها البارحة لا تظهر عليها علامة من علامات الحمل، وها هو يأتيها اليوم ليجد أنها على وشك أن تضع ما في بطنها. فتأخذه المفاجأة برهة من الزمن، لكن ما يكون من شخص كزكريا إلا أن يستجوب مريم (التي يعرفها حق المعرفة) عن هذا الحمل: 

... قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا 

فزكريا (نحن نفتري القول) يشير هنا إلى ما في بطن مريم (هَذَا). فترد مريم عليه قائلة:

... قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

وهنا يعلم زكريا علم اليقين سبب العناية الإلهية بهذه الأنثى المميزة، ويعلم علم اليقين لم أنبتها نباتا حسنا، ويعلم علم اليقين السر الإلهي بأن يكفلها زكريا نفسه، الخ. فما الذي سيفعله زكريا أمام هذا التدبير الإلهي العظيم؟

رأينا المفترى: لا شك أن شخصا مثل زكريا سيتقبل الحكمة الإلهية في كل ذلك، لكنه لن يفوت الفرصة على نفسه بالاستفادة منها، فهو – لا شك عندنا- سيستفسر من مريم عن تفاصيل ما حدث معها في الحجاب. ولا شك أن مريم قد روت له ما حصل بالضبط، فنقلت له كلام الوحي كما قاله الوحي تماما (أي بصيغة كلام الوحي) الذي فحواه بالضبط:

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا 

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)

وهنا كانت رحمت ربك عبده زكريا: لقد قدم الله لزكريا الذكر (كلام الوحي) الذي به سيُستجاب الدعاء في الحال. فالآن زكريا (نحن ما زلنا نتخيل) يعلم يكيف يطلب الهبة الإلهية (فهو يعلم الآن فكرة طلب "الهبة" بكلام الوحي)، وهو يطلب هبة الذرية (فهو الآن يعلم فكرة الذرية بكلام الوحي)، وهو يطلب تلك الذرية غلاما (فهو يعلم الآن فكرة أن تكون الذرية "غلاما" بكلام الوحي). وبكلمات أكثر بساطة نحن نفتري القول: لقد التقط زكريا شيفرة (هبة الذرية غلاما) مباشرة من كلام الوحي الذي قاله لمريم. فما الذي سيفعله زكريا الآن؟

رأينا المفترى: لم يكن زكريا ليفوت على نفسه تلك الفرصة التي قد لا تكرر، فهو الآن يملك شيفرة الاتصال بالوحي ليوجه رسالة محددة بذاتها، وهي "أن يهب الله له ذرية يكون غلاما زكيا". فما كان من زكريا إلا أن يتوجه في محرابه إلى ربه مقيما الصلاة، مقدما طلبه هذا بتلك الشيفرة الإلهية. فكان نداءه ربه نداء خفيا:

ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

فكانت الاستجابة الإلهية لدعائه هذا مباشرا في الحال:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)

وجاءت الاستجابة بواسطة الملائكة (الذين لا زالوا متواجدين هناك) وهو ما زال قائما يصلي في المحراب:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

ليكون السؤال الآن هو: ما هو ذكر رحمت ربك زكريا؟ أو ما هي تلك الشيفرة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن تلك الشيفرة موجودة في السياق القرآني ذاته. فلنجلب السياق كله:

كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)

دقق عزيزي القارئ في بداية هذا السياق، لنسألك السؤال المثير التالي: لماذا بدأ هذا السياق بهذه الشيفرة العظيمة (كهيعص)؟

جواب مفترى: لا هيك صار الكلام خطير جدا، ولا أظن أنه يمكن متابعة النقاش هنا حتى ياذن الله بذلك.

فالله وحده أسأله أن أكون من أهل الذكر، وأعوذ به أن أكون من المعرضين عن ذكر ربه. وأدعوه وحده أن يعلمني الذكر، فلا أكون ممن ينساهم الله. إنه هو الرحمن الرحيم. 

هذا ما سنتعرض فيه في الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيق منه، سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه لا ينبغي لغيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا. وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، فالله وحده أدعو أن أكون ممن أتوه بقلب سليم، فهداهم الصراط المستقيم، إنه هو العليم الخبير – آمين.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان  & محمد معتصم المقداد

بقلم د. رشيد الجراح

12 أيلول 2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق