تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

نظرية التطور - نشوء وليس ترقي - الجزء 4


نظرية التطور (نشوء وليس ترقي) – رؤية جديدة

باب: الفرق بين الخلق والإنشاء والإنبات


حاولنا في الجزء السابق التفريق بين مفردات ثلاثة هي الخلق والإنشاء والإنبات.

وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17)

فوجدنا بأن الله قد أنبتنا من الأرض. وهنا يجب أن يثار التساؤلات التالية:

- كيف أنبتنا الله من الأرض؟

- ما هو الإنبات؟

- كيف يختلف الإنبات عن الإنشاء؟

- كيف يختلف الإنبات والإنشاء عن الخلق؟

- الخ

افتراء 1: نحن نفتري الظن بداية بأن مفردة "النبات" (ومشتقاتها) تعني النمو التدريجي الذي يمر به كل كائن حي سواء كان نباتا أو حيوانا أو بشرا (كما نسميها بمفردلتنا الدارجة).

ولكن المشاهد بأنه على الرغم أن كل الثمرات تنبت (أي تنمو) بنفس الطريقة (أي النمو التدريجي)، إلا أنها تختلف عن بعضها البعض، ويفضل بعضها على بعض في الأكل. فما الذي يجعلها تختلف بالرغم أن الأرض واحدة والماء واحد؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: إنه النشوء. وهذا – برأبنا- ما يجعلها متشابهة وغير متشابهة. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نتجرأ على افتراء الظن بأن سبب الإنشاء هو الماء كما نفهم ذلك من الآيات الكريمة التالية:

وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)

فالماء – حسب فهمنا لهذه الآية الكريمة - هو الذي أنشأ الله لنا به الجنات التي فيها فواكه كثيرة منها نأكل.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن عملية الإنشاء هي عبارة عن عملية كتابة الشيفرة الوراثية لكل فصيلة من هذه الفصائل، فكل فصيلة من هذه الفصائل لها شيفرة وراثية على شكل ما يسمى بالمفردات العلمية الدار جة بشريط DNA، وهو الذي – نحن نظن- يجعل كل فصيلة من هذه الفصائل مميزة عن غيرها.

وهنا نصل إلى نتيجة - حسب فهمنا لهذه اللحظة – في ظاهرها متناقضة تماما. ويمكن تلخيصها على النحو التالي:

نتيجة مفتراة 1: الماء هو الذي ينبت الجنات:

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60) أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61)
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)

وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)

أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) 


نتيجة مفتراة 2: الماء هو الذي ينشئ الجنات:

وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)

السؤال: كيف ذلك؟ أي كيف يمكن أن يكون الماء هو سبب الإنبات (وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ)؟ وكيف يكون الماء في الوقت ذاته هو سبب الإنشاء (فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

افتراء خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نفتري الظن بأن للماء وظفتين اثنتين هما:

1. أن ينبت به الجنات. وإنبات الجنات هو الذي يجعل الشجر ينمو شيئا فشيئا. فهناك عنصر محدد في الماء هو (نحن نظن) الذي يجعل الشجر والزرع قادرا على النمو (الإنبات)، فما هو ذلك العنصر؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن مادة الإنبات (أي النمو التدريجي بالمفردات الدارجة) هي عملية التمثيل الضوئي التي تحتاج إلى عنصر الأكسجين.

2. أن ينشئ الجنات. وإنشاء الجنات هو الذي يجعل الشجر يحتفظ بخصاصه الوراثية. فهناك عنصر في الماء هو الذي يجعل الشجر والزرع قادرا على الاحتفاظ بتلك الصفات، فما هو ذلك العنصر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن العنصر المائي الذي ينشئ الزرع كله هو عنصر الهيدروجين. انتهى.

الدليل
لكي نجلب الدليل على افتراءاتنا هذه، علينا أن نحاول التفريق بشكل أكثر دقة بين الإنبات من جهة والإنشاء من جهة أخرى، لنطرح إذا السؤال على النحو المباشر التالي: ما الفرق بين الانبات والإنشاء؟

افتراء خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الانبات والإنشاء هما عمليتا النمو التدريجي، لكن في حين أن الإنبات يكون عاموديا (إلى الأعلى)، فإن الإنشاء يكون أفقيا (على الجوانب). فالفرق بينهما هو كالفرق بين العلاقة العامودية والأفقية

السؤال: وكيف ذلك؟

نتيجة مفتراة: عملية إنشاء الجنات هي عملية أولية أساسية تبدأ بعمل القاعدة اللازمة لبداية الإنبات، وهي العملية اللازمة لتجذر الزرع في الأرض، وذلك بعمل الروابط بين طرفي الشريط الوراثي، الأمر الذي يؤدي إلى فلق الحب والنوى. وهو ما يسمى بالشريط الوراثي أو الحمض النووي الصبغي (DNA). فالله هو من يفلق الحب والنوى، وعملية فلق النوى هو عملية انقسام الخلية الأم.

افتراء 1: الخلق هو عملية تحول من حالة إلى خالة أخرى

افتراء 2: الإنشاء هو عملية ربط أفقية لطرفي الشريط الوراثي للمادة المخلوقة

افتراء 3: الإنبات هي عملية النمو العاموي للمادة المنشأة

السؤال: ما هو هذا العلم الذي تمت بناء عليه عملية إنشاء الخلق الإلهي؟

جواب مفترى من عند أنفسنا لا تصدقوه: إنه الشريط الوراثي (أو ما يسمى بالمفردات الأجنبية DNA)

السؤال: ما هو الشريط الوراثي؟ ومن أين جاء هذا الشريط الوراثي؟

رأينا المفترى: الشريط الوراثي هو نفسه لجميع المخلوقات التي أنشأها الله إنشاء.

السؤال: كيف يختلف الشريط الوراثي من خلق إلى خلق إذا؟

رأينا المفترى: إنه الخلق فوق خلق (أي الإنشاء). انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما خلق الله البعوضة، جاء بعد ذلك عملية إنشاء البعوض، فكتب الله الشريط الوراثي الأولى للبعوض. فكانت خلقا حسنا، فما جرى عليها تعديل، فكانت البعوضة هي البعوضة نفسها منذ أن خلقها الله، فأنشأها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. لكن عندما شاء الإله أن يخلق خلقا آخر فوق البعوضة، قام بتعديل الشريط الوراثي بعمليات ربط (إنشاء) مختلفة، أي أنشأها بطريقة جديدة، فكتبت فيه نتيجة ذلك معلومات جديدة، فكان خلقا آخر. وهكذا بقي الخلق يرتفع بعضه فوق بعض إلى أن وصل إلى الخلق الأخير وهو البشر، فجاء شريطه الوراثي من ذرية قوم آخرين وهم الجن، فأصبح إسمه الجينات الوراثية:

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: يسمى الشريط الوراثي بالجينات الوراثية لأنه أصلا جاء مطورا من الشريط الوراثي للجن، فهم من أنشأنا الله من ذريتهم. ومن هنا – نحن نفتري الظن- جاء التفوق البشري على الجن.

نتيجة مفتراة (1): الجآن خير في الخلق (النار مقابل التراب)

نتيجة مفتراة (2): الإنس خير في النشوء (الجينات متطورة أكثر)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: يتفوق الجن على الإنس في مادة الخلق، لكن الإنس متطور أكثر جينيا (الشريط الجيني).

نتيجة مفتراة (3): الخلق مرحلة سابقة للإنشاء

نتيجة مفتراة (4): الإنشاء يبدأ بعد مرحلة العظام

نتيجة مفتراة (5) الإنبات مرحلة لاحقة للإنشاء

فتصبح الصورة في ذهننا على النحو التالي:

خلق – إنشاء - إنبات

السؤال: كيف تتم عملية الإنشاء؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن الإنشاء يتعلق بالأرض، قال تعالى:

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61)

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)

والنفس، قال تعالى:

وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)

والذرية، قال تعالى:

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)

قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (23)

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)

ولو تدبرنا النص القرآني أكثر، لوجدنا بأن النشأة قد حصلت ثلاث مرات، وهي:

النشأة الأولى:

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)

والنشأة الأخرى:

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47)

والنشأة الآخرة:

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)

افتراء 1: النشأة الأولى (إِذْ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ)

افتراء 2: النشأة الأخرى (كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ)

افتراء 3: النشأة الآخرة (أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ)

إن ملخص الفكرة الأولية التي نحاول الترويج لها هنا هي أن عملية الإنشاء هي بحد ذاتها عملية كتابة الشريط الوراثي التي تميز كل فصيلة عن غيرها من الفصائل الأخرى، وهذا الشريط الوراثي هو الذي يجعل كل الفصيلة (نوع) قادرة على النمو بطريقتها الخاصة. فالشريط الوراثي هو في الأصل واحد لكن عملية ربط (إنشاء) مكوناته بعضها ببعض هو ما يجعل كل فصيلة تختلف عن غيرها.

التساؤلات

- كيف حصل هذا؟

- لماذا حصل هذا كله؟

- ما انعكاسات ذلك علينا نحن الخلق الآخير (الإنس)؟

- الخ

رأينا المفترى: نحن نظن أن مثل هذه التساؤلات تعيدنا على الدوام إلى فهم آلية الخلق الأول، وخاصة قصة خلق آدم واستخلافه في الأرض.

المرحلة الأولى: ما قبل السكن في الجنة

التساؤلات

- لماذا قرر الإله خلق آدم؟

- لماذا احتجت الملائكة على القرار الإلهي؟

- لماذا رفض إبليس على وجه التحديد السجود لآدم؟

- الخ

ليكون السؤال الحتمي هو: ما الذي جعل الإله يشاء أو لنقل يتخذ قراره (المفردات الدارجة) باستخلاف آدم؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الخليفة السابق (وهم الجن) قد أحدثوا فسادا في الأرض، كانت عاقبته المباشرة أن يأتي الإله بخلق جديد يخلفون الجن الذين أفسدوا في الأرض حينئذ:

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133)

فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)

السؤال: وما هو الفساد الذي أحدثه الجن في الأرض كلها حتى تم استخلاف غيرهم (البشر)؟

رأينا المفترى: إنها الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عن الاقتراب منها:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

السؤال: لماذا لم يصلح الله إفساد الجن في الأرض؟ أي لماذا لم يعمد الإله إلى اقتلاع (إي إزالة) تلك الشجرة من جذورها من الجنة وكفي؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الأية الكريمة التالية (كما نفهمها) تجيب على هذا التساؤل:

فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)

نعم. الله لا يصلح عمل المفسدين. فعندما يحدث خلق من خلق الله فسادا في الأرض، لم تكن السنة الإلهية على نحو أن يصلح الله عمل المفسدين. وذلك لو أن السنة الإلهية كانت على نحو إصلاح عمل المفسدين، لما وجد الفساد على الأرض إطلاقا، ولانتفت الحكمة الإلهية في تمحيص العباد ليعلم الله المفسد منهم من المصلح. فالله قد جعلنا خلائف في الأرض للنظر فيما نعمل:

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)

رأينا المفترى: لما أحدث الجن الفساد في الأرض بتلك الشجرة، جاء القرار الإلهي باستخلاف البشر (آدم) عليهم ليذيق من يزغ منهم عن الأمر من عذاب السعير، فكان آدم خليفة، وكانت علامات الخلافة هي تلك العصا التي كانت بيد آدم. فلا يستطيع أحد منهم أن يزغ عن الأمر. وكانت السنة الإلهية تقضي بأن يسخر الجن جميعا (بمن فيهم الملائكة) لأمر آدم، وكانت العصا التي بيد آدم هي التي يذيق بها آدم من يزغ منهم عن الأمر عذاب السعير. فكانت العصا (نحن نتخيل) سوط عذاب مسلط عليهم أجمعين بالضبط كما حصل للجن بسبب منسأة سليمان:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)

وما خرجوا من ذلك العذاب المهين إلا يوم أن أكلت دابة الأرض تلك المنسأة، وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- تتمة السياق القرآني السابق:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13) فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

(للتفصيل حول هذه القضية انظر مقالاتنا السابقة تحت عنوان باب السامري وما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته).

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لم تكن الجن (وخاصة الشياطين منهم) تستطيع أن تزغ عن أمر آدم مادامت تلك العصا بيده، وذلك لأن باستطاعة آدم أن يذيق من يزغ منهم عن أمره عذاب السعير. فكانت خطة الشيطان تقضي بأن ينزع تلك العصا من يد آدم. وبالفعل نجح الشيطان بأن ينزع تلك العصا من يد آدم بمبدأ المقايضة: أن يترك آدم عصا الخلافة من يده في سبيل أن يملك عصا الخلد (عضوه الذكري). فنجحت خطة الشيطان فتمت المقايضة بنجاح للشيطان وخسارة واضحة لآدم.

(للتفصيل حول هذه الجزئية أرجو العودة إلى ما جاء في بعض مقالاتنا السابقة خاصة نظرية الأمانة منها)

لكن دعنا نركز النقاش هنا على قصة الخلق الأول بطرح السؤال التالي مرة أخرى: لماذا أحدث الجن الفساد في الأرض كلها بتلك الشجرة؟

رأينا المفترى: إنها الغواية

السؤال: وكيف ذلك؟

السؤال: كيف نفهم أن الله هو من أغوى إبليس؟

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

رأينا المفترى: إنها سنة الله الكونية بفوقية الخلق

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان الشيطان يعلم بأن سنة الله الكونية تقضي بأن يكون خلقا من بعد خلق، وأن الخلق الجديد سيكون له الأفضلية على الخلق السابق، فالجن لهم أفضلية على الخلق السابق لهم كالطير والدواب مثلا، كانت الخطة الشيطانية - نحن نتجرأ على الظن- تنطوي على محاولة الشيطان أن يوقف هذه السنة الإلهية حتى تصبح الأرض غير صالحة لسواهم فلا يتم إيجاد خلق من فوقهم في هذه الأرض. فيجلب بذلك منفعة له ويوقع ضررا بالخلق الجديد.

وهذا (نحن نتخيل) ما فعله الشيطان مع آدم لتنفيذ خطته تلك: فقد وضعه أمام خيارين: الخلافة (العصا) أو الملك (العضو الذكري). فكان على آدم – بناء على أمر ربه بعدم الاقتراب من الشجرة- أن يسلك الطريق السليمة وهي الخلافة، فيبقى متحكما بالجن. لكن الشيطان قدم له الخيار الثاني الذي جلب له منفعة خاصة (وهو الجنس)، فكان على آدم الاختيار، فما كان من آدم إلا أن غوى:

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

السؤال: أليس في ذلك (من وجهة نظر آدم على الأقل) منفعة له، فما الضرر الذي أوقعه آدم على غيره؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن آدم قد جلب مصلحة ذاتيه لنفسه (أي الجنس) لكن كان ذلك على حساب زوجه. كما أن ذلك كان منفعة للإله نفسهز انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: من أجل الإجابة على هذا التساؤل، علينا أن نحاول البحث أولا في بعض التساؤلات التي يمكن أن يثيرها النقاش السابق الخاص بالغواية، فلقد افترينا القول – بناء على فهمنا للآية التالية- بأن الله هو من أغوى إبليس:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

والآيات ذاتها تبين بأن الشيطان هو من توعد آدم وذريته بالغواية. ولم يمنع الله نفسه إبليس من غواية الناس أجمعين (قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ)، واستثنى من ذلك فقط عباد الله المخلصين (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). لتكون التساؤلات الآن على النحو التالي:

- ما هي الغواية؟

- كيف أغوى الله إبليس؟

- لماذا أغوى الله إبليس؟

- كيف أغوى الشيطان آدم؟

- كيف يغوي الشيطان ذرية آدم؟

- لماذا سمح الله لإبليس أن يغوي الناس أجمعين؟

- وهل الله نفسه يغوي عباده؟

- الخ.

باب الغواية

دعنا نتفقد - بداية- الآيات الكريمة التي وردت فيها مفردة الغواية ومشتقاتهاـ لنحاول من خلالها الوقوف (بإذن الله وحده) على المعنى الحقيقي للغواية كما يبينها النص القرآني ذاته، قال تعالى:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)

فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32)

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)


وبناء على هذه السياقات، نستطيع الانتهاء إلى السيناريوهات التالية:

- الله نفسه هو من أغوى إبليس:

- قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

- الله يغوي الناس:

- وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

- غوى آدم بفعل وسوسة الشيطان له:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

- إبليس يغوي الناس أجمعين ولا ينفذ من ذلك إلا عباد الله منهم المخلصين:

- قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

- موسى وقع فريسة الغواية:

- فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)

- كثير من الناس وقعوا في الغواية، فكانوا هم سببها وكانوا هم ضحيتها في آن واحد:

قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63)

فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (32)

- محمد لم يقع في فعل الغواية اطلاقا:

- مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)

السؤال الرئيسي: ما هي الغواية؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة الغواية (مشتقاتها) بناء على السياقات السابقة، لربما تجرأنا ابتداء على افتراء الظن بأن الغواية تتمثل بتمحيص ما يدور في قلب الشخص الذي يبغي الأمور أن تكون عوجا. انتهى.

ولما كان إبليس أول الغاوين، فهو (نحن نظن) أول من كان يبغيها عوجا، وقد كان هذا (نحن نفتري الظن) من أهم أسباب استخلاف آدم في الأرض. فالله كان يعلم أن إبليس يبغيها عوجا، فآتاه من حيث لا يحتسب عندما طلب منه السجود لم هو أقل منه خيرية في الخلق. (وسنرى تفصيل هذا بعد قليل بإذن الله). لكن، لو دققنا الآن في الآيات التالية جيدا:

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)

لوجدنا بأن موصفات هؤلاء هي على النحو التالي:

1. هم الذين يصدون عن سبيل الله (الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ)

2. وهم الذين يبغونها عوجا (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا)

3. وهم بالآخرة هم كافرون (وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ)

4. وهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ)

والآن دعنا نحاول أن نسقط ذلك تباعا على السياقات القرآنية التي وقع فيها البعض في الغواية.

فهذا إبليس قد كان أول من غوى:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
وكان الله نفسه هو من أغواه:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

فما الذي دفع إبليس أن يغوي؟ ولماذا أغواه الله؟ وهل يعتبر هذا حجة لإبليس على ربه؟

رأينا المفترى، نحن نظن أن إبليس قد غوى لأنه كان يصد عن سبيل الله، وهو ممن استحب الحياة الدنيا على الآخرة، وهو ما كان يبغيها عوجا، وهو من كان بالآخرة من الكافرين. انتهى.

فهو أصلا قد أستحب الحياة الدنيا على الآخرة، وليس أدل على ذلك من طلبه من ربه أن ينظره إلى يوم يبعثون:

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)

ولا شك أنه ممن يصد عن سبيل الله، وليس أدل على ذلك من قوله:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

فهو إذا ممن قعد لعباد الله صراط الله المستقيم، ولا يستطيع النفاذ من شركه إلا قليل من عباد الله المومنين وخاصة المخلصين منهم.

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

ولا شك أنه كان من الكافرين بصريح اللفظ القرآني:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74)

ولو كان إبليس ممن يؤمنون بيوم الدين، لما تجرأ على ألا ينزل عند الأمر الإلهي له بالسجود:

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: لقد آثر إبليس (نحن نفتري الظن) حب الحياة الدنيا (الخلود في الأرض) على الآخرة، وكان من الكافرين.

السؤال: كيف كان إبليس من الكافرين؟ ألم يكن يعترف بالله ربا له؟ أليس هذا ما قاله حتى بعد رفضه السجود لآدم؟

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)

رأينا المفترى من عند أنفسا: للإجابة على هذا التساؤل، دعنا ندقق في السياق القرآني التالي جيدا:

الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (3)

حسب صريح اللفظ في هذه الآية الكريمة، نستطيع أن نفتري القول بأن للكافرين ثلاث صفات رئيسية، ألا وهي: (1) يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة و(2) يصدون عن سبيل الله و(3) يبغونها عوجا:

وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (3)

وهؤلاء هم أنفسهم الذين لا يريدون أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، بل على العكس هم الذين يبغونها عوجا بأن يخرجوا الناس من النور إلى الظلمات. ففي حين أن الله هو وليّ الذين آمنوا فيخرجهم من الظلمات إلى النور، كان الطاغوت (الشيطان) هو وليّ الذين كفروا، فيخرجهم من النور إلى الظلمات.

اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257)

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: نحن نظن بأن واحدة من أهم صفات الكافرين هي أنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة. وبناء على هذا، نستطيع إذا أن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن من أهم صفات من استحب الحياة الدنيا على الآخرة هو أنه ممن يبغونها عوجا. فليس كل ما في الحياة الدنيا هو الطريق المستقيم، فمن سلك الطريق المستقيم، فهو ممن أحب الآخرة على الدنيا، وبالمقابل فإن كل من سلك غير الطريق المستقيم، فهو ممن أحب الحياة الدنيا على الآخرة. ونحن نتجرأ على الظن بأن كل من كان من هؤلاء الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، لا يمكن إلا أن يقع في فعل الغواية. انتهى.

السؤال: لكن كيف ذلك؟ كيف يقع كل من أحب الحياة الدنيا على الآخرة في فعل الغواية؟ وهل هناك أحد لا يحب الحياة الدنيا؟ وما هو معيار حب الحياة الدنيا على الآخرة أصلا؟

رأينا المفترى: نعم. كل من أحب شيئا من الحياة الدنيا على الآخرة وقع – لا محالة- في الغواية شاء أم أبى. ولو استثنيا المسيح عيسى ابن مريم لأنه أصلا كلمة الله وروح منه، ولا يصنف في فئة الناس (للتفصيل انظر سلسلة مقالتنا تحت عنوان كيف تم خلق المسيح عيسى بن مريم)، يبقى شخص واحد فقط من بين العالمين هو الذي لم يقع في فعل الغواية، لأنه ببساطة ما أحب شيئا من الحياة الدنيا على الآخرة.

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)

نغم. محمد هو الشخص الوحيد الذي نفى الله عنه الوقوع في الغواية، وذلك لأن محمدا (نحن نتخيل) قد كان يستطيع امتلاك الأرض وما فيها، لكنه آثر الآخرة على الحياة الدنيا، فما كان في قلبه من حب لشيء في الحياة الدنيا على الآخرة، فما استطاع الشيطان أن يغويه (للتفصيل حول هذا الموضوع، ندعو القارئ الكريم للرجوع – إن هو أراد- إلى الجزء السادس من مقالتنا تحت عنوان "فقه الزكاة).

الدليل

دعنا نستعرض فعل الغواية في قصة الخلق كلها، فلنبدأ بما حصل لآدم نفسه، فهو لا شك قد غوى:

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

ليكون السؤال الفوري هو: ما السبب الذي دفع آدم أن يقع في فعل الغواية؟ أي لم غوى آدم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب الرئيسي الذي دفع آدم لأن يقع في فعل الغواية هو حبه للحياة الدنيا على الآخرة، فهو من اختار الخلد والملك الذي لا يبلى:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120)

وهنا يبرز سؤال مفصلي في النقاش وهو: أليس إبليس هو من أغوى آدم؟

جواب مفترى: نعم، إبليس هو من أغوى آدم، ولكن آدم هو نفسه من غوى، فكيف ذلك؟ هل يكون إبليس هو المسئول عن غواية آدم؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن إبليس لم يكن سبب الغواية ولكنها كان محركها فقط، لأن جل ما فعله إبليس (نحن نظن) هو أنه أظهر ما في نفس آدم من حب للحياة الدنيا على الآخرة، فالشيطان (نحن نعتقد جازمين) ليس مسئولا عما وقع به آدم من المعصية، لأن الشيطان ليس له سلطان على أحد، ولكنه يفضح - بوسوسته لفريسته- ما في قلب ذاك الشخص فعلا، فهو من قال:

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)

فلا يحق للإنسان (أي إنسان) أن يلوم الشيطان على ما يقع فيه من الغواية، لأن الشيطان ليس أكثر من المحرك لما في نفسك فقط. فإن كنت من الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، تأتي وسوسة الشيطان لتفضح ما في نفسك بإخراجه على الملأ، ويكون ذلك ما يناله الله من التقوى التي أخفيتها، فيتحصل العلم الإلهي بها. وهذا بالضبط ما نفهمه نحن من الآيات الكريمة التالية:

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)

فإبليس ليس أكثر ممن يصدق ظنه فيمن اتبعوه (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ)، ولا يستثنى من ذلك إلا فريقا من المؤمنين (إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)، وهو ليس له عليهم من سلطان (وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ)، ولكن إبليس هو محرك ما تفضله نفسك وتشتهيه، ومهمة إبليس ليس أكثر من عامل يحرك تلك الرغبة، فيتحصل العلم الإلهي بمن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ). وفي هذا (محن نرى) رد على كل من حاول أن ينسب الوقوع في المعصية للشيطان. فالشيطان ليس مسئولا عن معصيتك، بل عليك أن تلوم نفسك لأنها هي من جعلت للشيطان عليك سلطان. فطهارة النفس – نحن نفتري الظن- هي الكفيلة بأن تبقي الشيطان مذموما مدحورا. ولا يجعل النفس فريسة سهلة للشيطان إلا حب العاجلة على الآخرة:

مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا (18)

تلخيص ما سبق: كانت رغبة آدم الحقيقة هي تفضيل الحياة الدنيا على الآخرة، ففضل الخلد والملك الذي لا يبلى على الخلافة، فجاء الشيطان فصدق على آدم ظنه، فأخرج ذلك على العلن، فوقع آدم في الغواية:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

سؤال: ما فائدة تلك الغواية؟ أو بكلمات أخرى، لماذا سمح الله للشيطان أن يغوي آدم؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: لحصول العلم الإلهي بما يتقيه الإنسان عن ربه، قال تعالى:

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)

فجل ما يفعله الشيطان هو أن يخرج ما أخفى الإنسان، فأظهرته الغواية – بفعل وسوسة الشيطان- على العلن، فتحصل العلم الإلهي بكل من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.

السؤال: لماذا إذا أغوى الله نفسه إبليس؟

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

رأينا المفترى: لو عدنا إلى قصة غواية الشيطان ذاتها، لوجدنا بأن الله هو من أغواى إبليس فعلا:

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)

قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83)

فكيف نفهم أن الله هو من أغوى إبليس؟ هل يمكن أن نتصور ذلك على نحو ما قد يتبادر لذهن القارئ للنص للوهلة الأولى بأن الله هو سبب معصية إبليس؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا، وذلك لأن الغواية – نحن نظن- ليست أكثر من تحريك ما تفضله النفس وتهواه. فإبليس كان في نفسه (نحن نتخيل) شيئا من السوء، فهو من كان يبغيها عوجا، وهو من كان في نفسه رغبة الصد عن سبيل الله، وهو من كان من الكافرين بالآخرة.

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)

فكان لابد أن يستخرج الله ما في نفس إبليس، فآتاه من حيث لا يحتسب بالغواية التي تحرك وتكشف ما في نفسه من الكبر والاستكبار. فعلم الله قد أحاط بأن في نفس إبليس واحدة من خيارين:

1. إما أنه قد علا

2. أو أنه قد استكبر

السؤال: فكيف سيظهر إبليس ما في نفسه فعلا؟

رأينا المفترى: لما كان هذا – نحن نتخيل- ما يحاك في نفس إبليس ولا يظهره علانية للإله حينئذ، آتاه الله من حيث لا يحتسب، فخلق الله آدم من طين وأمر إبليس بالسجود له، لكن لما كان إبليس لا تطيق نفسه السجود لآدم، لأنه يظن أنه خير منه:

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)

ظهر فورا ما كان يحاول إبليس أن يتقيه عن ربه، فرفض السجود لآدم، فكان من الغاوين.

نتيجة مفتراة: مادام أن الله هو من أغوى إبليس، فهو إذا قد اختبره بما يخرج فعلا ما يجول في نفسه من الكبر. فالله إذا ليس مسئولا عن وقوع إبليس في المعصية، وهو ليس سبب غواية إبليس، ولكنه هو الذي حركها بفتنته بآدم – المخلوق الذي هو أقل خيرية من آدم في الخلق، فتحصل العلم الإلهي لما في نفس إبليس بفعل تلك الغواية. فكان إبليس من الكافرين:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74)


ومادام أن إبليس كان من الكافرين، فهو إذا ممن ينطبق عليهم قوله تعالى في الآيات التالية:

اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ أُولَٰئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (3)

فهو إذا ممن يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، فكان طلبه من ربه موافقا لحقيقة ما في نفسه، فجاء طلبه من ربه أن يكون من المنظرين:

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78) قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81) قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)

وهو لا شك ممن يبغونها عوجا، فهو لا يريد الناس أن تخرج من الظلمات إلى النور ولكن يريد أن يخرجهم من النور إلى الظلمات:

الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1) اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (3)

تلخص ما سبق: بناء على ما سبق، نستطيع تسطير الافتراءات التالية التي هي لا شك من عند أنفسنا:

1. الله هو من أغوى إبليس، لأنه حرك بأمره إبليس السجود لأدم ما في نفس إبليس فعلا من التكبر

2. إبليس هو من أغوى آدم، لأنه حرك بنصيحته لآدم ما في نفس آدم من حب للخلد والملك الذي لا يبلى

3. إبليس هو الذي تكفل بغواية عباد الله (إلا المخلصين)، لأنه سيحرك (وبالتالي اظهار) ما في نفوسهم من سوء

4. الهدف من الغواية كلها هو حصول العلم الإلهي بمن استحب الحياة الدنيا على الآخرة، وبمن يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك.

ولو رجعنا إلى قصة نوح مثلا، لوجدنا الآية الكريمة التالية التي تبيّن لنا عدم فاعلية النصيحة عند كل من كان ممن يبغونها عوجا، لأن هؤلاء لا محالة الله مغويهم:

قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36)

نتيجة مفتراة: النصيحة لن تفيد مادمت مصرا على ما في نفسك من الأضغان. فمادام أن القوم مصرّين على أن لا يتبعوا نداء المرسلين بالنجاة، فهم ممن أرد الله غوايتهم، لاظهار أضغان كل من في قلويهم مرض:

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نفتري الظن بأن الغواية ليست أكثر من الطريقة الفاعلة لإخراج أضغان من في قلوبهم مرض من العباد. فكل ما في قلبك من مثقال ذرية من ضغن، كان الله لا محالة مستخرجها. فالله لن يتركك ما دام قلبك ليس سليما، فاحذر أن تكون من المراوغين، فحتى رسل الله وقعوا في الغواية.

مثال: لو عدنا إلى قصة موسى، لوجدنا النص القرآني – كما نفهمه طبعا- يثبت وقوع موسى بالأمس فريسة للغواية:

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

فالذي حصل مع موسى هو أنه قد عاد إلى المدينة، فدخلها ليكون من المصلحين، ولكن عندما وجد الصراع ناشبا بين من هو من شيعته من جهة ومن هو من عدوه من جهة أخرى، ما كان من موسى إلا أن ينصر من هو من شيعته على الذي هو من عدوه، فوكزه موسى، فقضى عليه. وفي اليوم التالي، كان ذلك الشخص نفسه يستصرخه على شخص آخر من عدوه، فهمّ موسى بأن يبطش بالذي هو عدو لهما، لكن كانت ردة فعل موسى الأولية على استصراخ من هو من شيعته على النحو التالي:

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)

فموسى مقتنع الآن بأن هذا الرجل الذي هو من شيعته هو غوي مبين (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ)، ولكن ذلك لم يمنع موسى من الإقدام على نصرته بدليل أنه أراد أن يبطش بالرجل الآخر الذي هو عدو لهما. وأنظر جيدا عزيزي القارئ – إن شئت- تتمة السياق القرآني السابق:

فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

ولو كان موسى مصرا على فعلته، لما نفعه نصح ذلك الرجل له، لكن لمّا كان موسى من التائبين الراجعين، توقف عن فعلته تلك.

تلخيص ما سبق: نحن نفتري الظن بأن نصرة موسى للذي هو من شيعته في اليوم الأول كان بدافع حبه لشيعته وعداوته لفرعون وقومه. فنفس موسى لم تكن حينئذ (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) صافية تماما، بدليل وجود بعض ما يعيبها من حبه لشيعته وكرهه لعدوه. فوقع في المحظور، وكان الرجل الذي استنصره حينئذ هو من كشف ما يجول في نفس موسى من الضعف، فوقع موسى فريسة لتلك الغواية (قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ). ولكن لما كان موسى من المقرّين بالذنب إذا ما ارتكبه، جاء نصح الرجل له في اليوم التالي ذا فائدة عظيمة بأن منعه من التمادي في الخطأ. فجاء قوله مصدقا الإقرار بالذنب الذي ارتكبه:

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)

وقطع العهد على نفسه مع ربه ألا يكون ظهيرا للمجرمين:

قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17)

ولو طبّقنا هذا على المنطق على ما فعل إبليس عندما رفض السجود لآدم، لوجدنا بأن الله قد استخرج ما كان يحيك إبليس في نفسه من الكبر، لكن إبليس لم يتراجع عن ذنبه، لا بل أصر عليه بدليل أنه قد أبي السجود لآدم:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)

ولو تراجع إبليس عن ذنبه وأقر به، لما كان (نحن نتخيل) من المخرجين، ولما كان (نحن نظن) من الكافرين.

وربما يثبت زعمنا هذا ما فعله آدم عندما أقرّ بذنبه بعد غوايته، فقال:

قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)

وهذا يعيدنا على الفور إلى التمييز بين الفعل من جهة والعمل من جهة أخرى. فما بدر من موسى مثلا يقع (نحن نظن) في باب الفعل ولكن ما بدر من إبليس يقع (نحن نعتقد) في باب العمل

السؤال: كيف ذلك؟

باب الفعل مقابل العمل

تحدثنا في مقالة سابقة لنا عن الفرق بين الفعل والعمل، ومن أراد التفصيل في ذلك، فعليه العودة – إن هو أراد- إلى تلك المقالات. أما هنا، فسنكتفي بتسطير الفكرة الرئيسية التي تخدم طرحنا هنا. وهي – برأينا- على النحو التالي:

- الفعل هو ما يقوم به الشخص عن غير أصرار ولا يكون محركه النفس – وهو ما نسميه بمفرداتنا الدارجة الفعل غير المتعمد (أو الفعل الخطأ)

- العمل هو ما يقوم به الشخص عن أصرار بتسويل وتطويع من نفسه – وهو ما نسميه بمفرداتنا الدارجة (غير الدقيقة) الفعل المقصود.

الدليل
نحن نظن جازمين بأن ما قام به موسى مثلا، كان فعلا (وليس عملا) بدليل ما قاله له فرعون عند لقائهما الأول بعد تلقي موسى الرسالة وعودته إلى مصر:

وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)

ففرعون يعلم يقينا أن قتل موسى للرجل في سابق الزمان كان فعلا وليس عملا، وقد أقر موسى له ذلك، وأكد بأن ذلك الفعل قد حصل عندما كان موسى من الضالين، الباحثين عن هداية الله له الصراط المستقيم.

نتيجة مفتراة: "الفعل" هو ما تقوم به عن غير قصد مسبق، لذا فهو قابل للتوبه مادام أن الشخص قد أقر بذنبه، لأن ذلك يكون عن غير سبق وإصرار منك، فهو أقرب إلى ما نسميه بمفرداتنا الدارجة "الفعل الخطأ"، لذا لا مانع من طلب مغفرة الخطأ:

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

لأن الله لا يؤاخذنا على الخطأ:

ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)

ولكنه يؤاخذنا على ما تعمدت قلوبنا، لأن ذلك يكون عن سبق وإصرار بتسويل وتطويع من النفس.

الدليل

نحن نظن بأن ما فعله إخوة يوسف مثلا كان بتسويل لهم من أنفسهم، فكان عملا مقصودا، لأنهم خططوا للأمر مسبقا:

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

فكان ذلك فعلا مخططا، قد دبّر بليل.

ولو تفقدنا قصة ابني آدم، لوجدنا أن القاتل قد فعل ذلك بعد أن طوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

فالقاتل قد حاك الأمر من قبل، وخطط له حتى نفذه على أرض الواقع. فكان هذا في باب العمل.

لو دققنا في السياقات القرآنية التالية، لوجدنا بأن محرك العمل هي النفس. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآيات القرآنية التالية:

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30)

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (111)

وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)

نتائج مفتراة مهمة جدا جدا: بناء على طرحنا هذا، نستطيع تسطير الافتراءات التالية التي هي - لا شك- من عند أنفسنا:

1. الفعل محركه الشخص، لذا فهو عفوي غير مقصود ولا يأتي عن تخطيط مسبق (كما حصل مع موسى)

2. العمل محركه نفس الشخص، لذا فهو غير عفوي، ولكنه مقصود لأنه يأتي عن تخطيط مسبق (كما حصل مع أبناء يعقوب ومع أبن آدم الذي قتل أخاه)

وبناء عليه، فإن النتائج الأولية هي على النحو التالي:

1. الفعل يمكن مغفرته إن أقر الشخص بذنبه وتراجع عنه

2. العمل يقع عليه العقاب حتى وإن تراجع الشخص عنه وأقر به

ولكن قبل الخوض في هذه النتائج التي نظن أنها مهمة جدا بشيء من التفصيل، علينا أن نحاول التمييز بين نوعين من العمل، بالرغم أن محركهما هي النفس.

فهناك عمل يأتي بتسويل من النفس، وهناك عمل يأتي بتطويع من النفس، ليكون السؤال الآن هو: ما الفرق بين أن تسوّل لك نفسك كما حصل من أبناء يعقوب:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

مقابل أن تطوع لك نفسك كما حصل من ابن آدم الذي قتل أخاه:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

بداية، نحن نظن أن محرك العمل في الحالتين هي النفس، لكن النفس يمكن أن تسول لك، ويمكن أن تطوع لك العمل. لذا علينا أن نبحث بداية في الفرق بين الفعل سوّلت (ومشتقاته) والفعل طوّعت (ومشتقاته).

باب الفعل سوّل مقابل طوّع

عند بحثنا في السياقات القرآنية عن الفعل "طوع" ومشتقاته (مثل أطاع ويطيع وطائع ونحوها) وجدنا السياقات القرآنية التالية:

الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168)

مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

ولو دققنا مليّا في هذه السياقات القرآنية، لوجدنا أن الفعل أطاع هو فعل تشاركي بين طرفين منفصلين، فها هم المنافقون القاعدون يسدون النصيحة لإخوانهم بأن لا يخرجوا للقتال، لكن هؤلاء لم يطيعونهم، أليس كذلك؟

السؤال: ما الذي نستفيده من ذلك كله؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فعل الطاعة يحمل في ثناياه حتمية وجود طرفين، فهناك طرف يقدم مثلا النصيحة لطرف آخر، ولكن لمّا كان العمل اختياريا، يستطيع الطرف الثاني قبول نصيحة الطرف الآخر أو رفضها. فإن هو قبلها يكون هنا قد أطاع الطرف الأول، وإن هو رفضها، لم يكن من الطائعين.

الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (168)

فقول الطرف الأول عن الطرف الثاني، لو أطاعونا، يعني أنهم على أرض الواقع لم يطيعوهم، أليس كذلك؟

ولو طبقنا هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا على السياق القرآني الثاني:

مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)

لوجدنا أن طاعة الرسول ليست إجبارية، وكذلك هي طاعة الله. فالرسول يهديك إلى صراط الله المستقيم، فإن أنت قبلت بها، فالله - لا محالة- سيهديك صراطه المستقيم. ولكن هذا لا يعني أنك مجبر على ذلك، فكثير من الناس لا يطيعون الرسول، وبالتالي لا يطيعون الله. لكن ما نود أن نلفت الانتباه إليه هنا أن طاعة الرسول، وبالتالي طاعة الله، ليست طاعة عمياء بلا دليل ولا برهان، وإلا أصبحت تقليدا واتباعا لنهج الآباء. فالرسول لا يطلب منك طاعته فقط لأنه رسول، فعليه أن يقدم لك البرهان، أي الدليل الواضح الذي يبين صدق رسالته. وهنا يضعك على المحك في أن تطيعه أو لا تطيعه، فإن كنت من أصحاب العقول السليمة، فلا شك أنك ستتبع الدليل الحق، وإن كنت ممن في قلوبهم مرض، فإنك ستحيد عن جادة الصواب، وستكون ممن يبغونها عوجا. وبهذا نصل إلى نتيجة مفتراة مهمة جدا هي من عند أنفسنا: أن الطاعة تحتاج إلى تقديم الدليل والبرهان، ويُترك للطرف الآخر حرية الاختيار بأن يطيع أو لا يطيع.

ولو حاولنا اسقاط هذا الفهم المفترى على السياق القرآني الثالث، لوجدنا (نحن نظن) هذه المعاني – بالنسبة لنا- واضحة تماما:

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

فهذا فرعون (نحن نتخيل) يقدم لقومه الدليل على ربوبيته وإلوهيته لهم، ويطلب منهم أن ينظروا إليه من هذا المنظار:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

ويقدم لهم الدليل على ظنه هذا على النحو التالي:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)

فكانت النتيجة أنه قد استخف قومه، فأطاعوه. وانظر عزيزي القارئ - إن شئت- تتمة السياق القرآني ذاته:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

والسبب في اطاعتهم له هو أنهم كانوا قوما فاسقين:

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

فلو لم يكونوا أصلا قوما فاسقين، لما استطاع فرعون أن يستخفهم، ولما أطاعوه، وليس أدل على ذلك من كلام من كان يكتم إيمانه من قوم فرعون:

وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38)

الذي قدم لهم الدليل على صدق دعوته لهم:

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)

لكن بالرغم من ذلك، آثر قوم فرعون طاعة فرعون على اتباع هذا الرجل.

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الطاعة تتطلب وجود التالي:

1. طرف أول يطلب الطاعة من الطرف الثاني

2. طرف ثان له حرية الإختيار

3. تقديم الدليل الذي من أجله طلب الطرف الأول الطاعة من الطرف الثاني

لكن لو حاولنا الآن البحث عن معنى الفعل "سول" ومشتقاته، لما وجدنا هذه العناصر ظاهرة للعيان. فالفعل "سول" لا يكون الطرف الأول فيه إلا الشيطان:

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)

أو النفس:

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

فإذا كان الشيطان هو محرك الفعل، يحدث النزغ بين الطرفين. لذا، يوسف ينسب ما حصل بينه وبين إخوته إلى نزغ الشيطان:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

بينما يعزي يعقوب العمل ذاته إلى أنفس أبنائه:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

لذا، جاء وصف ما قام به الإخوة بيوسف وأخيه – على لسان يوسف- على أنه فعل:

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)

ولكن يعقوب لم يكن على يقين بأن ذلك بسبب الشيطان، فترك الأمر لربه أن يحكم فيه، فقال (وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ):

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

ولمّا كا يوسف يظن أن هذا من نزغ الشيطان، وأنهم قد فعلوا ذلك وهم جاهلون:

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)

جاء استغفاره لهم في الحال:

قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

ولكن، لمّا كان يعقوب يظن أن المسألة تتعلق بأنفس أبنائه، كان استغفاره لهم مؤجلا حتى يتأكد (نحن نظن) بأن أنفسهم قد طابت وأن قلوبهم قد شفيت تماما:

قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98)

وما أظن يعقوب قد استغفر لأبنائه إلا يوم أن أقروا بأفضلية أخيهم عليه يوم أن خروا له سجدا:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الفعل "سول" لا يكون إلا من النفس أو الشيطان. أما الفعل "طوع"، فيمكن أن يتدخل بها البشر، فأنا قد أطيعك وأنت قد تطيعني، لكني لا أستطيع أن أسول لك كما لا تستطيع أنت أنت تسول لي. انتهى.

السؤال: الآن، ما علاقة هذا بقصة أبناء يعقوب مقابل قصة أبناء آدم بناء على طرحنا المفترى هذا؟

قصة أبني آدم بالحق: نظرة جديدة خيالية جدا وخطيرة جدا جدا

بداية، نحن ندعو الله وحده ألا نكون ممن يفترون عليه الكذب ونعوذ به أن نكون ممن يقولون عليه بغير الحق. كما ندعو القارئ الكريم أن يترك القراءة فورا إن لم يكن مستعدا لسماع ما قد لا تطرب له الآذان عما وصله من عند سادتنا العلماء أهل الدراية وأهل الرواية عن هذه القصة الأقدم في تاريخ البشرية على الأرض.

أما بعد،

لما كان ما فعله أبناء يعقوب قد جاء بتسويل من أنفسهم، فهذا يعني أن المحرك لها كانت النفس (كما صاغها يعقوب):

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

أو بسبب نزغ الشيطان كما نظر إليه يوسف نفسه:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

وما دام أن العمل قد تم بدافع النفس أو الشيطان، فإنه تأثير داخلي لا دخل لأحد من البشر من حولهم بها. فذاك العمل الذي قام به إخوة يوسف لم يكن مدفوعا من قوة خارجية كالأهل أو الزوجات أو الأقارب أو الأصدقاء أو الأعداء المحرضين، ولكنه فعل مدفوع بخوالج أنفسهم الداخلية أو وسوسة الشيطان الداخلية (الذي يوسوس في صدور الناس)، وكلاهما قوة داخلية الله عليم بها.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كان محرك العمل الذي قام به أبناء يعقوب ضد أخوهم مدفوعا من أنفسهم الداخيلة:

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)

أما قصة أبناء آدم، فقد جاءت بلفظ "طوعت له نفسه"، ومادام أن العمل قد تم بطريقة التطويع، فإن العامل المؤثر فيها خارجي وليس داخلي.

السؤال: وكيف ذلك ونفسه هي التي طوعت له؟

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

أليست النفس داخليه؟ أليست هي من طوعت له قتل أخيه؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: نعم هي نفسه، لكن علينا أن ندقق في السؤال التالي على الفور: من هي نفسه التي طوعت له قتل أخيه؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن هذا السؤال ينقلنا إلى ذروة ما نود افتراءه في هذا المقام، فعليك - عزيزي القارئ- إن تتأنى بعض الشيء قبل القفز إلى استنبطات قد لا يحمد عقباها لاحقا (بالنسبة لنا على الأقل).

أما بعد،

لو تفقدنا النص القرآني على مساحته، لوجدنا على الفور أنّ الحديث عن النفس منقسم إلى جزئين هما:

1. الحديث عن النفس الداخلية التي تسوّل لنا عمل السيئات، فنكون محاسبين عليها:

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (23)

2. الحديث عن الأنفس التي تتزاوج:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

فجميع نساء العالمين هن أزواجا لنا خلقن من أنفسنا. وسيتم التزاوج بهذه الأنفس قبل الحساب حتى تعود نفوسا مكتملة:

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7)

(للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)

السؤال: ما علاقة هذا بقصة ابني آدم بالحق؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: آثر آدم الخلد وملك لا يبلى على الخلافة، فنزل عند نصيحة الشيطان، تاركا الأمر الإلهي له ولزوجه بعدم الاقتراب من الشجرة. فنجح الشيطان في أن ينزع عنهما لباسهما، فأصبح التكاثر بالولادة بدلا من النفخ الذي كان ممكنا قبل نزع اللباس عنهما. فأهبطا من الجنة (بيت المقدس) إلى الواد غير ذي الزرع (ببطن مكة). فكان اللقاء الجنسي الأول بينهما في منطقة منى حيث تدفق المني من آدم في رحم زوجه. فوُلِد لآدم الأب ابنه الأول البكر (إدريس)، ثم تكرر الحمل، فولدت زوجه له الابن الثاني (إسرائيل). ووضع لهما البيت العتيق هناك نقلا من مكان المسجد الأقصى إلى بكة:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

(للتفصيل حول الموضوع انظر مقالاتنا السابقة)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن بلغ إدريس وإسرائيل سن الزواج حتى كان آدم وزوجه (نحن نتخيل) قد رحلا عن الدنيا بعد أن قضى عليهما الموت. فكان أول خلاف نشب بين الأخوين على أحقية أحدهما بالبيت، فكان الاتفاق بينهما على آلية حل الخلاف بتقديم القربان، وبالفعل قربا قربانا، فتقبل من إدريس، ولم يتقبل من إسرائيل. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة حول هذه الجزئية)

السؤال: لماذا اختلف الأخوان على ملكية البيت؟ لِم لمَ يتشاركا البيت معا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه بيت واحد، فلا يستطيع الأخوان مشاركة بعضهما البعض ذلك البيت؟

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك هو الزواج والعلاقة الجنسية. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لمّا كانت السنة الكونية قد أصبحت بالتكاثر بالعملية الجنسية، كان لزاما أن تنفذ تحت سقف البيت، فمن سيكون له الأحقية في سكن البيت من زوجه؟

جواب مفترى: نحن نتخيل أن ابنا آدم لم يستطيعا حل الخلاف بينهما بالطريقة الطبيعية، فكان لابد من تقديم القربان ليأتي القرار بذلك من الله. وبالفعل اتفقا على الآلية واختلفا على النتيجة، ففي حين كانت النتيجة لصالح إدريس (الإبن البكر لآدم)، كان الحنق والغضب قد سيطر على الإبن الثاني (إسرائيل). فتوعد أخاه بالقتل:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29)

وفي حين أن الأخ الأكبر (إدريس) كان من المتقين، لم يكن الأخ الأصغر كذلك، فما كان من نفسه إلا أن طوعت له قتل أخيه، فقتله:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

السؤال: كيف طوعت له نفسه؟ ولِم لم تسول له نفسه (كما هي الحال بالنسبة لإبناء يعقوب مثلا)؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو جاء النص على نحو سولت له نفسه، لكان محرك الفعل داخلي، إما النفس الداخلية أو الشيطان، وذلك لأن النفس الداخلية تسول كما كان من أمر أبناء يعقوب ضد أخيهم يوسف:

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18)

أو ما كان من السامري:

قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)

ولأن الشيطان يسول:

إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)

لكن لمّا كان ما حدث هو أن النفس هي التي طوعت له قتل أخيه، كان التأثير قادما من النفس الخارجية:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

السؤال: وكيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو عدنا إلى القصة كما تروى في تراث أهل الكتاب، لوجدنا أن الصراع بين الأخوين كان على الزواج. ونحن إذ لا ننفي القصة بكليتها، فإننا نؤكد أن ديدين أهل الكتاب هو تحريف الكلم عن مواضعه، وهذا يعني أن القصة صحيحة من حيث المبدأ، لكن تفاصيلها مشوهة في رواياتهم، ولما كان هذا القرآن يقص علينا أكثر الذي هم فيه مختلفون:

إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76)

نجد أنفسنا ملزمين أن نبحث عن التفاصيل الصحيحة لتلك القصة بين آيات هذا الكتاب العظيم.

وقبل أن نحاول تسطير افتراءتنا في هذا المقام، نجد لزاما أن نذكّر الجميع بأن هذا لا يعني أننا تراثيين نتمسك بتلك الروايات، ولا يعني في الوقت ذاته أننا حداثيين لنتركها جملة وتفصيلا، ولكننا نحاول أن نتأكد من مصداقيتها بعرضها على كتاب الله. وفي هذا المقام نجد لزاما التأكيد أيضا على أننا لا نتحدث عن الروايات في التراث الإسلامي، لأننا نعتقد جازمين بأن كل تلك الروايات مأخوذة أصلا من تراث أهل الكتاب بعد اجراء بعض التعديلات عليها. لذا، نحن لا نرد على أهل الدراية والرواية من أهل مذاهب الإسلام، وإنما نحاول أن نتحقق من روايات أهل الكتاب الأصلية بعد تمحيصها بناء على ما جاء في الكتاب العظيم الذي جعله الله مهيمنا على ما بين يديه من الكتاب:

وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48)

على أي حال، فالقصة التوراتية كما نقلت في تراث أهل الكتاب تؤكد على وجود صراع بين الإخوة في الزواج. فكيف حصل ذلك من منظورنا الجديد المفترى – لا شك – من عند أنفسنا.

إن محاولة وضع هذه القضية على طاولة النقاش والبحث الجاد تتطلب بداية طرح جملة التساؤلات التي قد تثار في ذهن القارئ للقصة، نذكر منها:

- لماذا كان لآدم وزوجه ابنين اثنين؟

- هل كان لهما ذرية من الإناث؟

- كم عددهن (إن وجدن)؟

- لماذا لم يذكرهن القرآن بصريح اللفظ؟

- كيف حدث التزاوج مع بداية انطلاق الحياة على الأرض؟

- كيف أصبح الزواج لاحقا؟

- ما هي الظروف التي أحاطت بتلك القصة حينئذ؟ متى قضى الموت على آدم وزوجه؟ وكيف حصل ذلك؟ وماذا حصل لسؤتهما؟ هل تم التخلص منها بالدفن؟

- هل كان آدم وزوجه على قيد الحياة عندما حصل الخلاف بين الأخوين؟

- لماذا عمد الأخ القاتل على مواراة سوءة أخيه؟ هل كان ذلك ضروريا في تلك البقعة الممتدة من الأرض الفسيحة؟

- لماذا قربا القربان؟

- ما هو القربان الذي قرباه؟

- كيف تم تقديم القربان؟

- كيف تم قبول القربان

- الخ

باب القربان

دعنا نبدأ القصة من هنا بطرح التساؤل التالي: لماذا قربا القربان؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن القربان هو الطريقة الإلهية لحل الخلاف بين المتخاصمين. وفيه غواية للذين يحبون الحياة الدنيا على الآخرة. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن القربان هو شعيرة "الأضحية" ذاتها التي لا زلنا نطبقها حتى يومنا هذا. فأصل هذه الشعيرة قد جاءت منذ أول خلاف نشب على الأرض بين ابني آدم. فقد قدما القربان لحل مشكلة عائلية نشبت بينهما. وهذا يعني – بمفرداتنا الحالية- أن الشعيرة (أصل الشعيرة) لا تعود (كما صورها الفكر الدارج) إلى قصة إبراهيم عندما أُمر أن يذبح ولده اسماعيل. ولكن كان جلّ ما فعله إبراهيم هو (نحن نرى) أنه قد طبق الشعيرة ذاتها التي بدأت مع ابني آدم عندما نشب الخلاف العائلي بينهما.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأن مشكلة عائلية قد نشبت في بيت إبراهيم، فكان على إبراهيم أن يحل تلك المشكلة، وما كانت المشكلة ستحل بغير هذه الطريقة الإلهية (القربان) لكشف أسباب المشكلة والمفتعلين لها، وطريقة حلها على أرض الواقع، والأهم من ذلك كله التقوى التي نالها الله من المتخاصمين جميعا. (للتفصيل حول ماهية المشكلة التي نشبت في بيت إبراهيم، فإننا ندعو القارئ – إن هو أراد- للعودة إلى مقالاتنا السابقة)

أما ما يهمنا هنا فهو تسطير الافتراءات التالية التي سندافع عنها تباعا:

- الأضحية شعيرة من شعائر الله

- الأضحية تقدم من أجل حل مشكلة اجتماعية بين المتخاصمين

- الأضحية تطرد شياطين الإنس والجن

- الأضحية تؤدي إلى حل الخلاف بين المتخاصمين

- الأضحية تكشف ماهية المشكلة

- الأضحية تكشف دور كل طرف فيها

- الأضحية تكشف حجم المشكلة

- الأضحية تبين طريقة حل المشكلة

- حجم الأضحية يجب أن يكون بحجم المشكلة

- الأضحية فيها غواية من يحبون الحياة الدنيا على الآخرة

- الخ.

وسنحاول في السطور التالية تبيان روايتنا المفتراة من عند أنفسنا هذه حول فقه الأضحية (القربان)، سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، فلا نفتري عليه الكذب، ولا نقول عليه ما ليس لنا بحق، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يزدنا علما، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

لنبدأ النقاش في هذه القضية منطلقين من الآيات الكريمة التي وردت في السياق القرآني التالي، وهذه الآيات هي التي ستكون محور النقاش هنا، قول تعالى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

لعل القارئ الكريم قد أدرك أن السياق القرآني هنا يتحدث في الآية الأولى رقم (36) عن واحدة من شعائر الله، وهي البدن. وأن لنا فيها خير، وعلينا أن نذكر اسم الله عليها صواف، ومطلوب منا أن نأكل منها إذا وجبت جنوبها وأن نطعم منها القانع والمعتر، ولهذا سخرها الله لنا، وهذا يستوجب شكرنا لله على ذلك. وانظر عزيزي القارئ في الآية ذاتها مرة أخرى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

فتكون التساؤلات ذات العلاقة التي يجب أن تثار هنا هي على النحو التالي:

1. لماذا البدن من شعائر الله؟

2. لماذا لنا فيها خير؟ وما هو ذلك الخير الذي فيها لنا؟

3. وكيف نذكر اسم الله عليها صواف؟ ولماذا؟

4. وكيف سنأكل منها إذا وجب جنوبها؟

5. لماذا نطعم منا القانع والمعتر؟

6. كيف سخرها الله لنا؟

7. لماذا يتوجب شكرنا لله على ذلك؟

8. الخ

وتبين لنا الآية الكريمة التالية (37) في السياق ذاته بأن الله لن يناله لحوم هذه البدن ولا دماؤها، ولكن يناله من ذلك شيء واحد، ألا وهو التقوى، وهذا مدعاة لأن نكبر الله على ما هدانا، وفي الوقت ذاته هي بشارة للمحسنين:

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

فتكون التساؤلات التي يجب أن تثار هنا هي:

1. لماذا لا ينال الله لحومها ولا دماؤها؟

2. كيف يناله التقوى منا؟

3. كيف نفهم أنه قد سخرها لنا لذلك؟

4. كيف يكون تسخيرها لنا مدعاة لأن نكبر الله على ما هدانا؟

5. وما هي الهداية التي تحصلت لنا من جراء ذلك؟

6. كيف يكون ذلك بشارة للمحسنين؟

7. الخ.

وفي الآية الثالثة (38) من السياق ذاته، نجد ارتباط ذلك بدفاع الله عن الذين آمنوا، وانتفاء حب الله لكل خوان كفور.

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

فتكون التساؤلات التي يجب أن تطرح هنا هي على النحو التالي:

1. كيف يدافع الله عن الذين آمنوا؟

1. ما علاقة هذا بالبدن التي هي من شعائر الله؟

2. ما علاقة هذا بأن الله لا يحب كل خوان كفور؟

3. الخ.

ويكون السؤال الجامع (overarching question) هنا هو: كيف يمكن ربط جميع الأسئلة السابقة التي أثرناها حول كل آية من هذه الآيات الثلاثة المجتمعة معا في السياق القرآني ذاته لنخرج بتصور واضح يجيب عليها جميعا؟

رأينا المفترى: إنها شعيرة الأضحية (القربان). انتهى.

نحن نظن – مفترين القول من عند أنفسنا- بأنه لو فهمنا فقه الأضحية كقربان يقدم من أجل حل مشكلة ما، وكشف من يحب الحياة الآخرة ومن يحب الحياة الدنيا على الآخرة، فإننا سنتمكن بحول الله وتوفيق منه الإجابة على جميع الأسئلة السابقة بسر وسهوله، فالله وحده نسأل أن يعلمنا وأن يزدنا علما وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

لقد حاولنا في مقالات سابقة لنا في مقالتنا تحت عنوان فقه الحج تبيان بأن البدن هي الأنعام التي سلخ عنها جلدها بعد أن تم ذبحها. وأن هذه الأنعام يجب أن تكون حيّة بدليل أن علينا أن نذكر اسم الله عليها صواف، أي ما دام صوفها يغطيها، فالقربان – نحن ظن بداية- لا يمكن أن يتم بمجرد توافر لحومها، أي لا يجوز أن نشتريها لحما أو أن نُحْضِرها لحما جاهزا من السوق، بل يجب أن تُحضَر كأنعام حية، وأن تذبح، ليسيل دمها، وأن تسلخ (إزالة الجلد عن اللحم)، وما أن توجب جنوبها، أي تصبح جاهزة للأكل كوجبات طعام (للتفصيل حول هذا الموضوع، انظر مقالاتنا السابقة في فقه الحج)، فعلينا أن نأكل منها بأنفسنا وأن نطعم منها القانع والمعتر، وكان هذا هو أحد الأسباب التي من أجلها سخرها الله لنا، وذلك يستوجب منا شكر الله على هذه النعمة التي أنعمها الله علينا.

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

السؤال: كيف نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن واحدة من الأسباب التي من أجلها سخر الله لنا الأنعام لتكون (كبدن) واحدة من شعائره هو لحل مشكلة قد نشبت بين أفراد الأسرة أو العائلة أو العشيرة أو البلدة أو حتى المجتمع كله. فالبدن لنا فيها خير (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ).

السؤال الأول: كيف نفهم أن البدن فيها خير لنا؟ وما هو ذلك الخير الذي جعله الله لنا في هذه الشعيرة؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة الخير في سياقات القرآن المختلفة، لوجدنا على الفور بأن الخير يتحصل مما قد لا تريده النفس وتهواه. فقد تكره امرأتك أو أحد نسائك لكن هذا لا ينفي أن يجعل الله فيه خيرا كثيرا:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)

وعلى الرغم من أن طلب موسى من قومه أن يقتلوا أنفسهم هو - لا شك - مما يكرهون وقد يشق عليهم، إلا أن ذلك كان فيه خير لهم:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

وعلى الرغم من مشقة الصيام على الذين يطيقونه، لكنه خير لنا:

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

واخفاء الصدقات (بالرغم من شهوة النفس في الظهور)، إلا أن ذلك هو خير لنا:

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

والتصدق بمالك على من عسر عليه سداده خير لك، بالرغم من حب الشخص لماله وتعلقه به:

وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280)

والنفور خفافا وثقالا والجهاد بالأموال والأنفس في سبيل الله خير لنا، على الرغم من المشقة المالية والنفسية التي يتكبدها النافر في سبيل الله:

انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41)

وعلى الرغم من ظاهر الشر في حديث الإفك، إلا أن حقيقته هو ليس شرا وإنما هو خير لنا:

إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

وحتى ترك ما تطلبه النفس وتتمناه وهو الكسب في التجارة، إلا أن الخيرية تتحصل بترك ذلك كله لتلبية نداء الصلاة من يوم الجمعة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس هو لا شك خير لنا بالرغم من صعوبة ذلك على النفس في تنفيذه.

تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)

الافتراء الأول الخطير جدا جدا: لو حاولنا ربط قضية الخيرية هذه بموضوع البدن، سنجد على الفور أن فيها خير، لأنها – نحن نفتري الظن من عند أنفسنا- تجعل الإنسان يتكبد جهادا بنفسه وماله، لكن ذلك سينعكس عليه إيجابيا رغم الصعوبة في تنفيذها على أرض الواقع. انتهى.

السؤال: لماذا يجب أن نشكر الله على تلك الشعيرة؟

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن الأضحية (كقربان) هي شعيرة تجلب لنا الخير بالرغم أنها تكبدنا جهادا بأنفسنا وأموالنا. والخير الذي يُجلب لنا من تطبيق هذه الشعيرة هو ما يستوجب شكرنا لله. فكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: لو تابعنا الحديث في السياق نفسه، لوجدنا أن الله يبين لنا أنه لن يناله لحومها ولا دماؤها، فالقضية ليست جلب لحم أو إراقة دم للإله كما جرت العادة في الديانات الوثنية التي كانت تقدم القرابين من أجل إسكات غضب الرب، ويكأنه إله دموي يحب إراقة الدماء باسمه. وهنا يبرز التساؤل التالي: مادام أن الله لن يناله لحومها ولا دماؤها، فلم طلب منا القيام بذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الهدف الأول الذي من أجله طلب الله منا تنفيذ شعيرة الأضحية (القربان) كبدن هو الخير الذي سيصيبا من جراء ذلك. وهو ما سنتحدث عنه بعد قليل بإذن الله. لكن هذا لا يعني بأن الله لن يناله شيء على الإطلاق، فالنص القرآني يبين بأن الله لن يناله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله لتقوى منا (وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ). وهذا سبب آخر لم سخرها الله لنا.

ولو دققنا مليّا في النص ذاته، لوجدنا أن مفردة التسخير في هذا السياق القرآني قد وردت مرتين، فجاءت في المرة الأولى على نحو "كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ " وفي المرة الثانية على نحو "كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ"، ليكون السؤال الحتمي هنا هو: لماذا؟ أي لماذا تكررت عبارة التسخير مرتين في هذا السياق القرآني؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن البدن قد سخرها الله لنا كقربان لهدفين اثنين، وهما:

1. منفعة (خير) لنا (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)

2. منفعة للإله (يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ)

ولو دققنا في اللفظ أكثر، لوجدنا بأن العبارة قد وردت في سياق الحديث عن الخير الذي يكون لنا في البدن بصيغة الجمع (كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ)، لكنها وردت بصيغة المفرد العائد على الله نفسه في سياق الحديث عن التقوى التي ينالها الله منا (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ)، ليكون السؤال الآن على النحو التالي: لماذا جاءت في المرة الأولى بصيغة الجمع بينما جاءت في المرة الثانية بصيغة المفرد؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب (ربما مخطئين) أن الخير الذي سيكون لنا من البدن هو خير جماعي، يحدثه الله وجنوده (أكثر من طرف)، ويتشارك فيه كثير من الناس، لذا كان التسخير جمعيّا، فكان اللفظ بصيغة الجمع (سَخَّرْنَاهَا). أما التقوى التي يناله الله، فهي خالصة له وحدة ولا ينتفع بها إلا هو، ولا يشاركه في ذلك أحد غيره، لذا جاءت بصيغة المفرد (سَخَّرَهَا). انتهى.

تلخيص ما سبق: نحن نفتري الظن بأن الله قد جعل لنا البدن واحده من شعائره (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ)، ليتحصل منها منفعتين اثنتين، أحدهما الخير الذي سيعود علينا جراء تنفيذها كما أمر الله على أرض الواقع (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ)، والأخر منفعة للإله وحده فلا يشاركه بها غيره (يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ).

وهنا يبرز التساؤلين التاليين:

1. ما هو الخير الذي ستحدثه البدن للناس كشعيرة من شعائر الله (لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ

2. ما هي المنفعة التي ستتأتى للإله من جراء تنفيذنا لأمره بتقديم هذه الشعيرة (يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ

دعنا نحاول الإجابة على هذين التساؤلين تباعا، ولنبدأ بالتساؤل الأول الخاص بالخير الذي سيتحصل لنا من جراء تقديم البدن كشعيرة من شعائر الله.

أما بعد،

لو دققنا في السياق القرآني ذاته، لوجدنا أن البدن هي واحدة من شعائر الله:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

والحالة هذه، فإنه قد استوجب علينا الآن أن نجلب السياقات القرآنية التي تتحدث بالتفصيل عن شعائر الله كلها، فكان أول ما وجدنا في النص القرآني على مساحته الآيات الكريمة التالية:

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا على الفور بأن تعظيم جميع شعائر الله هي من تقوى القلوب (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ)، كما أن لنا في جميع شعائر الله (والبدن لا شك واحدة منها) منافع (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى)، وهذا يتطلب منا طرح سؤالين اثنين، وهما:

1. ما هي تلك المنافع؟

2. لماذا هي إلى أجل مسمى؟

من أجل الإجابة على هذه التساؤلات، وجدنا لزاما علينا أن نحاول أولا فهم مفردة "منافع" ومشتقاتها كما بيّنها النص القرآني ذاته، طارحين التساؤل المبدئي التالي: فما هي المنافع وخاصة منافع الأنعام (البدن)؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن المنافع ليست دفء، فالدفء شيء والمنافع شيء آخر. ونظن أيضا بأن المنافع ليست طعاما يؤكل، بدليل التجاور اللفظي بين هذه الأشياء الثلاثة (الدفء والمنافع والأكل) في الآية التالية ذاتها:

وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)

ومنافع الأنعام ليست الجمال وحمل الأثقال. انظر الآية السابقة في سياقها الأوسع:

وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأَنفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (7)

ومنافع الأنعام ليست شيئا يشرب، بدليل التجاور اللفظي بين ما نشرب من بطون الأنعام والمنافع:

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)

ومنافع الأنعام ليست بيوتا ولا أثاثا من أصوافها وأوبارها وأشعارها:

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)

ومنافع الأنعام ليست الركوب:

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نستفيد من الأنعام ما يلي:

1. الدفء

1. الجمال

2. الأكل

3. المشارب

4. الركوب

5. حمل الأثقال

6. البيوت

7. الأثاث

8. المنافع

سؤال محوري: مادامت المنافع ليست من الطعام أو الشراب أو حمل الأثقال أو صناعة الأثاث والبيوت أو حتى الجمال والدفء، فماذا تكون؟ أي ما هي منافع الأنعام؟

رأينا المفترى: حاولنا في أكثر من مقالة سابقة لنا التعرض لمعنى مفردة المنافع، وجلبنا السياقات القرآنية التي ترد فيها مفردة المنافع ومشتقاتها، مثل هذه التي تبين استخدامات الخمر والميسر:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

أو هذه التي تتحدث عن منافع الحديد:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

أو هذه التي تتحدث عن الإبقاء على حياة موسى في بيت فرعون:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

أو تربية يوسف كغلام في بيت الذي اشتراه من مصر:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

وخلصنا إلى افتراء القول حينئذ بأن المنفعة هي التي تليّن (أو لنقل تسهّل) كل ما يتصف بالقسوة. فالحديد فيه منافع لأنه هو الذي يقطع الصخر والشجر وحتى الحديد نفسه، فيستحيل تليين الصعاب دون استخدام الحديد. والخمر فيه منافع، لأنه كمادة مخدرة تمكّن الطبيب من إجراء العملية الجراحية للمريض بيسر وسهوله على الطرفين (الطبيب والمريض نفسه)، فإجراء عملية جراحية دون اللجوء إلى استخدام المخدر (الخمر) سيكون فيه مشقة على الطبيب والمريض معا.

وكان الإبقاء على حياة الطفل موسى في بيت فرعون هو ما ليّن (أو لنقل خفف وطء) العلاقة المتشنجة بين فرعون من جهة وامرأته من جهة أخرى، وكذلك كانت المنفعة التي جناها الرجل الذي اشترى يوسف من مصر وامرأته، فقد ليّنت العلاقة المتشنجة بينهما. ومن أراد التفصيل في هذا، فإننا نحيله إلى مقالتنا السابقة على الرابط التالي:

https://www.dr-rasheed.com/2015/04/blog-post.html

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن المنافع تمتد لتشمل الأنعام، فما هي منافع الأنعام في ضوء هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا عن معنى مفردة المنافع؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن منافع الأنعام هي هذه بالضبط: تليين (أو لنقل تسهيل) العلاقة المتشنجة بين المتخاصمين من الناس. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى، افترينا آنفا بأن الله قد سخر لنا الأنعام من أجل الخير الذي يكون لنا فيها:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

وهذا الخير هو ما يتوجب علينا أن نشكر الله من أجله، وذلك لأن العلاقات الاجتماعية المتشتجة بين المتخاصمين من الناس لا يمكن أن تليّن (أو أن يخفف وطء تشنجها) إلا بالأنعام. انتهى.

ولو دققنا بالنص مرة أخرى، لوجدنا بأن هذه المنافع هي إلى أجل مسمى:

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33)

ليكون السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن منافع الإنعام (والتي هي – برأينا- تليين العلاقة المتشنجة بين المتخاصمين من الناس) محدودة الأجل، أي أن فاعليتها تكون محدودة بالزمن. فهي (نحن نظن) لا تحلّ المشكلة مرة واحدة وإلى الأبد، ولكنه حلٌّ مؤقت، قد يتكرر نشوبه على فترات زمنية متفاوتة. لذا يجب استخدامها واللجوء إليها كلما دعت الحاجة إلى ذلك. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: كلما نشبت مشكلة جديّة بين طرفين (كما حصل في حالة ابني آدم)، وجب اللجوء إلى استراتيجية تقديم القربان، بهدف فض الخلاف بين المتخاصمين.

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن فقه الأضحية مبني على مبدأ جلب الخير لنا، ألا وهو حل مشكلة في العائلة، ومعرفة الطرف الذي سببها والأطراف الراغبة والمستعدة لحل المشكلة والاطراف غير المستعدة لحل المشكلة الراغبين في دوام نشوب المشكلة وتفاقمها. وهؤلاء هم من سيقعون في الغواية وذلك بسبب أنهم يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: حتى نبين لكم رأينا في ذلك بوضوح أكثر، وجب علينا أن نتعرض قبل ذلك إلى الهدف الثاني من تسخير البدن لنا كشعيرة من شعائر الله. فقد ذكرنا أن الله جعل منها تسخيرين اثنين، أحدهما للخير الذي يتحصل لنا منها وهي المنافع، وكذلك للتقوى التي ينالها الله منا جراء تقديم البدن كقربان. فيكون السؤال الآن هو: ما هي التقوى التي ينالها الله منا جراء تقديم البدن قربانا كشعيرة من شعائر الله؟

رأينا المفترى: نعود الآن إلى الآية الكريمة الموجهة لنا وهي قوله تعالى:

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

تساؤلات:

- كيف ينال الله التقوى منا بالأضحية (البدن)؟

- ما هي التقوى؟

- كيف يكون ذلك من أجل أن نكبر الله على ما هدانا؟

- ما هي تلك الهداية التي تتحصل لنا جراء هذا الطقس الشعائري؟

- وما علاقة ذلك ببشارة المحسنيين على وجه التحديد؟

- الخ

باب التقوى

لابد لنا - بداية - من تعريف مفردة التقوى ذاتها، فغالبا ما جُبِل الفكر الشعبي على الظن بأن التقوى هي حالة إيمانية متقدمة، وكفى. وهو ما يجعلنا نشكك بدقة الفهم هذا، لأنها تتقاطع بذلك مع مفردات قرآنية أخرى، والأهم من ذلك هو صعوبة فهم آلية تحقيق التقوى على أرض الواقع. فمتى يمكن أن يقال عني من المؤمنين أو من المتقين أو من المحسنين التي سترد (أو مشتقاتها) جميعها في الآية التي تليها مباشرة. وانظر السياق القرآني كله مرة أخرى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

فهنا نجد التقوى، ونجد المحسنين، ونجد الذين آمنوا، ونجد ونجد الخوان، ونجد الكفور، فيكون السؤال الجامع هو: لم تجاورت هذه الألفاظ جميعا في السياق الواحد؟ فهل من آثارة من علم تبين لنا ماهية هذا التجاور اللفظي كله؟

رأينا المفترى: لو عدنا إلى مفردة التقوى بحد ذاتها، لوجدناها قد وردت في السياقات القرآنية التالية:

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لاَ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)

ولو دققنا في هذه السياقات جميعها، لوجدنا بأن التقوى هي حالة ايجابية، فلا يوجد ذم لمن اتقى، فالتقوى هي خير، فهو زاد يتزود به الإنسان:

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197)

ونحن مأمورون أن نتعاون على البر التقوى، ولا نتعاون على الإثم والعدوان:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

لكن نبقى بحاجة أن نتفهم ما هي التقوى أصلا التي طلب الله منا أن نتعاون عليها. ونحن نفتري الظن بأن التقوى هي النقيض المقابل للعدوان. وليس أدل عندنا على هذا من التوازن اللفظي بين طرفي المعادلة في الآية السابقة، فالله أمرنا بأن نتعاون على شيئين اثنين: البر والتقوى.

وبالمقابل نهانا أن نتعاون على الإثم والعدون. ولو وضعنا طرفي المعادلة في الميزان، لوجنا بأن ما يناقض البر هو الإثم، وما يناقض التقوى هو العدوان.

                   وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى                      وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ

افتراء خطير جدا جدا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن كل فعل ينقصه شيء من التقوى سيتأتي فيه شيء من العدوان. وهذا يعني أنه كلما زادت التقوى قلّ العدوان، وكل ما قلّت التقوى زاد العدوان. وإن انعدمت التقوى تجلى العدوان بكل صوره وأشكاله، وإن حضرت التقوى كلها، اختفى العدوان كله. فالعلاقة بين التقوى والعدوان هي علاقة عكسية تماما.

الدليل

فحتى الصدقات يمكن أن تبدى ويمكن أن تخفى، لكن إخفاءها خير من أن تبدى، قال تعالى:

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) 

السؤال: لماذا يكون إخفاء الصدقات خير من أن تبدى؟

رأينا المفترى: لأن إخفاء الصدقات بشكل كامل، ينتفي فيه وجود شيء من العدوان على المتصدق عليه. فإبداء الصدقات مهما عظمت قد يترتب عنه شيء من الأذى على المتصدق عليه، فالله هو من أرشدنا بقوله:

قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263)

ولو تابعنا ما جاء في هذا السياق القرآني، لوجدنا بأن الصدقات يمكن أن تبطل تماما بالمن والأذى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)

نتيجة مفتراة: إن إبداء الصدقات قد يتبعه شيء من المنّ والأذى، وهذا فيه – لا شك عندنا- عدوان على المتصدق عليه. فحتى نستطيع أن نزيل هذا العدوان (من المنّ والأذى) مهما صغر، فالتقوى هي الحل.

لكن يبقى السؤال: ما هي التقوى؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن التقوى ليست حالة إيمانية فقط، وإنما هي طريقة إيمانية.

السؤال: وما الفرق؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه من أجل تحقيق الحالة الإيمانية من التقوى علينا أن نسلك الطريقة الصحيحة في إحداثها على أرض الواقع، ولو دققنا في النص القرآني التالي، لوجدنا بأن التقوى ليست أكثر من لباس (أي غطاء)، قال تعالى:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

فالتقوى – بصريح اللفظ القرآني- هي لباس (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ)، وذلك هو الخير (ذَلِكَ خَيْرٌ) وهو من آيات الله (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ)، والغاية أن يكون هناك احتمالية أن نتذكر ذلك الخير (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ). لنصل إلى النتيجة المفتراة المهمة جدا جدا، ألا وهي: كل فعل يكون مغطى بلباس التقوى فهو خير. انتهى.

فمفردة التقوى كلباس واضحة في السياقات القرآنية التالية:

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)

فالله هو من جعل لنا سرابيل لتقينا الحر، وهو من جعل لنا سرابيل لتقينا بأس بعضنا بعضا.

السؤال: ما علاقة هذا كله بشعيرة البدن (الأضحية) التي ينال الله التقوى منا؟

رأينا المفترى: عندما ينشب خلاف بين الناس، يكون هناك محرك لهذا الخلاف وهم شياطين الإنس والجن. لكن هناك بالمقابل من يقع ضحية هذا الخلاف ولا يدري عن تفاصيل ومحركات هذا الخلاف. فالذين افتعلوا هذا الخلاف، قد بدءوا ذلك من قلوبهم، فأخرجوه إلى صدورهم، فدبروا الأمر بليل وحركوه. وهؤلاء – لا شك عندنا- لا يخفى أمرهم على الله، لأن الله يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور:

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)

وهؤلاء – لا محالة – الله يعلمهم، فهم منافقون، وقد يكونون ممن مردوا على النفاق:

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)

فحتى محمد نفسه لم يكن يعلمهم (لاَ تَعْلَمُهُمْ)، لكن الله (وجنوده) يعلمونهم (نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). فلا يخفى أمرهم على الله.

لكن يبقى هناك بالمقابل الذين لا يوجد في قلوبهم مشكلة، فما ظهر في صدورهم شيئا من النفاق. لكنهم - لا شك- متفاوتون في الإيمان حتى وإن كانت قلوبهم تخلو من النفاق. وهنا تأتي شعيرة البدن (كأضحية) لتبين ما في قلوب هؤلاء من التقوى. فيعلمها الله:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

السؤال: وكيف ذلك؟

لا شك عندنا أن هؤلاء المؤمنين جميعا ليسوا هم السبب في إحداث المشكلة، لكن بالرغم من ذلك هم متفاوتون في الرغبة في حل المشكلة التي نشبت من حولهم. فالله قدم لهؤلاء الهداية في حل تلك المشكلة، ألا وهي الأضحية (البدن). لكن ربما لن تجد أكثرهم مستعدا أن يضحى بالنفس والمال. فربما تجد بعضهم يبقى صامتا لا يحرك ساكنا، ينأ بنفسه عن المشكلة، بينما تجد آخرين يجاهد بنفسه بالإصلاح بين الناس، فيبذل الجهد بالتقريب الكلامي بين المتخاصمين، ويبقى نوع ثالث من المؤمنين وهم المستعدون لحل المشكلة بالجهاد النفسي والمادي. فيكون المؤمنون – حسب فهمنا المفترى هذا - على أنواع ثلاثة، ألا وهي:

- المؤمنون الصامتون

- المؤمنون الذين يبدلون الجده النفسي في حل المشكلة، فهؤلاء من يجاهدون بأنفسهم

- المؤمنون الذين يبذلون الجهد النفسي والمادي في حل المشكلة. وهؤلاء الذين يجاهدون بأموالهم وأنفسهم.

السؤال: ما علاقة هذا بفقه الأضحية؟

رأينا المفترى: عندما تنشب المشكلة في الأسرة أو العائلة، يكون هناك دائما طرف يحاول أن يفض الخلاف بين المتخاصمين. وهؤلاء هم الذين لم يكن لهم يد في نشوب المشكلة، لكنهم وجدوا أنفسهم واقعين فيها بسبب علاقاتهم العائلية مع أفراد العائلة الذين أحدثوا تلك المشكلة. وتأتي الشعيرة الإلهية بتقديم القربان لتبين مقدار التقوى التي في قلوب هؤلاء المؤمنين من عباده الذين لا يحبون الفساد في الأرض. فالذي يبقى صامتا منهم هو في أدنى سلم درجات الإيمان، والذين يبدل الجهد النفسي (فيجاهد بنفسه) في حل المشكلة هو في وسط ذلك السلم، لكن الذي يبذل الجهد النفسي والمادي (فيجاهد بماله ونفسه) هو في أعلى ذلك السلم الإيماني، وهم المحسنون، وهولاء من جاءت لهم البشارة صريحة في الآية الكريمة ذاتها:

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

تساؤلات:

- من هم المحسنون؟

- لماذا لهم البشارة هنا؟

- الخ

رأينا المفترى: لو تفقدنا السياقات القرآنية التي وردت فيها مفردة "المحسنين"، لوجدنا على الفور أنها تختم الآيات التي تتحدث عن المنفقين في سبيل الله، قال تعالى:

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236)

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَىٰ وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91)

فالذي ينفق من ماله (مهما قلّ) ابتغاء وجه الله، فهو لا شك من المحسنين، فربما سبق دينار (كما قال السلف) ألف دينار. فمن أنفق دينارا واحدا ابتغاء رضوان الله ومغفرة منه – لا شك- هو خير ممن أنفق ألف دينار رياء الناس وغاية في نفسه.

ولو تابعنا البحث عن المحسنين في آيات الكتاب الحكيم، لوجدناهم هم الذين لا يبغون الإفساد في الأرض:

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ (56)

ولو تدبرنا الآية التالية، لوجدناهم هم الذين يعفوا ويصفحوا:

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

والآية الكريمة التالية تجمع لنا صفات المحسنين كلها: المنفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

ولو تدبرنا الآيات أكثر، لوجدنا بأن يوسف كان هو النبي الذي كثر وصفه بأنه من المحسنين:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)

قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)

فبالرغم من كل المشاكل التي أحدثها له كل من حوله من إخوته في صغره، وامرأة العزيز ونسوة المدينة في شبابه، وصاحباه السجن اللذان كان سببا في سجنه، إلا أنه كان من المحسنين لهم جميعا، فهو من تصدق عليهم، فأنفق من ماله:

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

وهو من صفح وعفا عنهم عندما تجمعوا عنده:

قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

وهو من أحسن إلى صاحبيه السجن، فقدم لهم المساعدة النفسية في السجن، فما بخل عليهم بما عنده من العلم:

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

وهو من لم يمس شرف امرأة العزيز بكلمة سوء حتى وإن كان مكرها ومكر نسوة المدينة قد كلفه سنين من عمره في السجن. ولم يحاول الانتقام من أي أحد منهم بعد أن مكّن الله له في الأرض وأصبح عزيز مصر. فكان فعلا محسنا بكل ما في الكلمة من معنى. فكانت خاتمة ذلك أن الله كان معه على الدوام، قال تعالى:

إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ (128)

السؤال: ما علاقة هذا بفقه الأضحية كشعيرة يبشر الله بها المحسنين؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية السابقة جيدا، لوجدنا التجاور واضحا بين الذين اتقوا والذين هم محسنون (إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ). فما دلالة هذا التجاور هنا عندما نربطها بالآية التي تتحدث عن تقديم البدن (كأضحية) في قوله تعالى:

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن الإحسان حالة متقدمة من الإيمان تتجلى بالتضحية بالنفس وبالمال. ولو عدنا إلى شعيرة الأضحية كطريقة إلهية في فض الخلاف وإرساء قواعد المحبة في العائلة وفي البيت الواحد، لوجدناها تكشف لنا عن هؤلاء المؤمنين المتقين الذين هم محسنون. فعليك عزيزي القارئ أن تتخيل – إن شئت- مقدار الأجر والثواب العظيم الذي تناله من الله عندما تتبرع بجهدك ومالك لكي تفض الخلاف الناشب بين أفراد أسرتك بهذه الشعيرة العظيمة. ولك أن تتخيل الأجر والثواب العظيم الذي تناله من الله عندما تكون أنت من تأذى من جراء هذا الخلاف، لكن بالرغم من ذلك تكون من الذين يصفحون وينفقون في السراء والضراء وممن يكظمون غيظهم ويعفون عن الناس:

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13)

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

(دعاء: اللهم أسألك وحدك أن تجعلني من عبادك المخلصين إنك أنت السميع البصير)

السؤال: ما الذي سيحققه لك كل ذلك؟

رأينا المفترى: لو عدنا إلى السياق القرآني الأول الذي كان محور النقاش عن فقه الأضحية، لوجدنا الآية الأخيرة تبين لنا نتيجة هذا الفعل من الإحسان، فلننظر في السياق مرة أخرى في محاولة منا لتلخيص النقاش السابق كله، قال تعالى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

فالمتدبر للآية الأخيرة (38)، سيجد على الفور أن عمل الإحسان هذا ستكون له نتيجة وعاقبة. أما النتيجة فهي أن يدافع الله عن الذين آمنوا (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)، وأما العاقبة، فإن الله لا يحب كل خوان كفور (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ).

السؤال: كيف نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: عندما تنشب مشكلة، يكون هناك دائما من هو مؤمن لا يحب الفساد في الأرض، ويكون هناك بالمقابل من هو خوان كفور (وهو الذي يحب أن يحدث الفساد في الأرض). فإن أنت أردت أن تكون من عباد الله المخلصين، فما عليك إلا أن تبذل طاقتك في حل الخلاف لكي لا يحدث الفساد، ويتجلى ذلك بأن تنفق من مالك ومن جهدك (بتقديم الأضحية لهذه الغاية)، وأن تكون مستعدا لأن تصفح وتكظم غيظك وتعفو عن الناس إن أنت تضررت من جراء فعل المفسدين في الأرض. وأن يكون ذلك خالصا لوجه الله لا تريد ممن حولك جزاء ولا شكورا. وأن تترك الأمر لرب السماوات والأرض أن يتولى أمرك، فيكون هو وليك في ذلك. وعليك أن تتيقن - رأي العين- أن الله سيدافع عن الذين آمنوا إن أنت أخلصت ذلك لوجهه، فتكون مؤهلا أن ينطبق عليك قوله تعالى:

وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)

وتأكد أيضا بأن الله لا يصلح عمل المفسدين. وأن حالهم لن تنصلح مادامت قلوبهم لا تتقي، أي ما دامت لا تخفي التقوى. وأن هذا العمل على أهميته وفاعليته، سيكشف هؤلاء الشياطين الذين يفسدون في الأرض ويبغونها عوجا، فهم من سيكون للشيطان عليهم سلطان، فيغويهم.

آآآآآآآآآآه. شو دخل هذا الكلام بالغواية اللي بدأنا الحديث به عن قصة آدم مع الشيطان وغواية الله للشيطان وغواية الشيطان لآدم وذريته؟

- خلينا نلخص ما افتريناه في فقه القربان أولا، ثم نعود بعد ذلك لنتابع من جديد الحديث في قصة ابني آدم وقربانهم الذي قدماه عندما قتل إسرائيل أخاه إدريس بعد أن طوعت له نفسه (ما خلق الله لهم من أزواج) في الأجزاء القادمة بإذن الله. فالله وحده نسأله أن يؤتينا رشدنا وأن يعلمنا ويزدنا علما، إنه هو العليم الحكيم.

أما بعد

تلخيص فقه الأضحية (القربان)

لما كان الله لا محالة سيعلم ما في قلوبنا (من تقوى)، جاءت الأضحية كشعيرة إلهية لتكشف ما في قلوب المؤمنين من عباده من مقدار تلك التقوى فعلا. فظننا أن من يريد أن يقدم الأضحية، فعليه أن يضحي (يجاهد) بالنفس وبالمال. فيكون هو الشخص الراغب في حل المشكلة التي نشبت بين أفراد العائلة. فهو الشخص الصادق الباحث عن حل المشكلة الذي يبذل من جهده ويدفع جيبه، ليجلب المنفعة (تليين قلوب المتخاصمين). فيطعم منها القانع والمعتر، فيحضر تلك الأضحية وجهاء القوم (القانعين) كما يحضرها فقراءُهم والمحتاجين منهم (المعتر). فيكون المتقبلون أن يحضروها والمستعدون أن يأكلوا منها هم فعلا الراغبون في حل المشكلة، وإنهاء حالة التشنج والتوتر وبالتالي إنهاء حالة الفساد في الأرض. وبالمقابل، يكون الرافضون حضورها، الممتنعون عن الأكل منها، هم سبب المشكلة المصرّون على عدم حلّها، وبالتالي إحداث الفساد في الأرض.

فالأضحية فيها خير لنا، والخير يتمثل - نحن نفتري الظن – في جلب المنافع ودرء الفساد. لذا، فإن المنفعة التي تجرها الأضحية – نحن نفتري الظن- لا تكون عائدة على الأموات، ولكن منفعتها تتأتى مباشرة للأحياء، لأنها وسيلة لحل الخلافات بين المتخاصمين في العائلة الواحدة. لذا يجب أن تذبح بنية المنفعة (تليين العلاقة بين المتخاصمين)، وكشف التقوى التي في قلوب عباد الله المؤمنين. وبناء عليه، نحن نتجرأ على تقديم الافتراءات التالية:

- يجب أن تذبح في المكان المتضرر من المشكلة

- يجب أن تجهز ويدعى إلى حضورها جميع من لهم علاقة بالمشكلة (أفراد الأسرة الواحدة جميعا)

- يجب أن يدعى لحظورها عِلية القوم المعروف عنهم بالإصلاح بين الناس (القانع) كما يجب أن يدعى لحظورها فقراءهم والمحتاجين منهم (المعتر)

- من حضرها وأكل منها، فهو على استعداد للحل

- من رفض حظورها وأبى الأكل منها، فهو من أحدث المشكلة، وهو من يصر على استمرارها

- اراقة الدم في مكان المشكلة كفيل بطرد الشياطين منه، فمن حضر الأضحية وأكل منها فهو (وإن كان ممن شارك الشياطين في إذكاء نار الفتنة) إلا أنه مستعد لإنهاء المشكلة وفض شراكته مع أولئك الشياطين (الإنس منهم والجن)، أما من رفض الحضور عليها أو الأكل منها فهو الشيطان نفسه، مشغل المشكلة ومحركها. (وسنتحدث عن هذه الجزئية بالتفصيل إن أذن الله لنا بشيء من علمه فيها لاحقا إن شاء الله)

وأخيرا، نحن نظن أن تطبيق شعيرة الأضحية بمثل هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا (بعد تصويبه واظهار نقاط ضعفه) كفيل بأن يخرج هذه الشعيرة من أطار وثنية اتباع دين الآباء. فالمطبق لهذه الشعيرة اتباعا لدين الآباء لا يلمس – ابتداء - المنفعة المتحصلة منها، وربما من هنا يأتي هجوم المنكرين لهذه الممارسات الدينية على أنها طقوس وثنية لا طائلة منها. فلابد لأهل العلم (نحن نطالب) أن يبينوا الأصل العقائدي الصحيح من مشروعية هذه العبادة (وغيرها) للناس أجمعين. ولو فهم الناس (كل الناس) فقه العبادة (أي عبادة) كما شرعها الله، لسدت أفواه الكثيرين، ولتحصل للمؤمنين منفعة عظيمة، تنعكس إيجابيا على حياتهم العملية.

إن أول تبعات هذا الافتراء هو تنظيم هذه العبادة، ونحن نقترح التالي:

- الكف عن جعلها تبدو وكأنها ميدان لذبح الكائنات الحية من الأنعام

- اتباع سبل النظافة بأن يتم الذبح في البيت وليس في الشوارع ودكاكين الجزارين

- اعلان النية للاضحية، فيكون ذلك خبر يتناقل في المجتمع المحلي، فتكون الأضحية عند فلان من الناس خبرا بأن هناك مشكلة عالقة تحتاج حلا

- يسمع المجتمع المحلي، فيتبارى إلى حظورها القانع والمعتر

- سيعلم الجميع (الحاضر منهم والغائب) بمن هو مستعد لحل تلك المشكلة، وسيعلم كذلك بمن أشعلها ويصر على استمرارها

- يتبين المضحي منفعة الأضحية على الفور

- يترتب عليه أن يعمل على استمرار العلاقة الايجابية مع من تقبلوها والإعراض عمن رفضها بالهجر الجميل

- يترتب على المضحي أن يوكل لله الدفاع عنه ولا يتولى ذلك بنفسه، بعد أن يكون قد أنفق وصفح وكظم غيظه وعفا عن الناس

- أن يوقن ذلك المؤمن المتقي المحسن بأن الله يدافع عن الذين آمنوا

- وليعلم ذلك المنافق المفسد في الأرض (المشعل للفتن بين الناس) أن الله لا يحب كل خوان أثيم

- الخ

(دعاء: اللهم أدعوك وحدك أن أكون ممن علمتهم من لدنك علما لا ينبغي لغيري إنك أنت العليم الحكيم. وأدعوك وحدك أن تعلمني ما لم أكن أعلم، وأن تزدني علما وأن تهديني لأقرب من هذا رشدا. وأدعوك وحدك أن تؤتيني رشدي، فأكون من عبادك المحسنين. وأعوذ بك أن أكون ممن يفترون عليك الكذب، أو ممن يقولون عليك ما ليس لهم بحق. وأسألك وحدك أن لا يكون أمري كأمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد، إنك أنت العليم الخبير).

وللحديث بقية بإذن الله

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

26 آب 2019

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق