قصة داوود - الجزء 22

 

قصة نبي الله داوود - الجزء الثاني والعشرون

من هو داوود - 22

ما زلنا نتحدث في هذا الجزء من المقالات الخاصة بقصة نبي الله داوود - وتقاطعاتها مع قصص الأنبياء والرسل السابقين واللاحقين - عن الفرق بين الفعل والعمل، وهو الموضوع الجانبي الذي ابتدأنا حديثنا فيه في الأجزاء السابقة الأخيرة، ظانّين أنه ما يزال في جعبتنا ما نودّ البوح به في هذا المقام. لكن لابد من المرور سريعا على أبرز الافتراءات السابقة حتى يصبح النقاش متصلا. فالمعلومة الجديدة (أي الخبر) يجب أن يبنى على معلومة قديمة (أي المبتدأ). فما سنخبر به تاليا مبني – برأينا- على ما ابتدأناه سابقا. لذا، دعنا نذكر القارئ الكريم - إن أراد- على عجل بنبأ ما ابتدأناه سابقا، ثم ننطلق تباعا لنقدم ما نظن أنه جديد عندنا حول الموضوع ذاته، سائلين الله وحده أنّ يعلّمنا من لدنه وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، فلا نفتري عليه الكذب، ولا نقول عليه ما ليس لنا بحق، فندعوه طامعين أن يهدينا الصراط المستقيم، فلا نبقى في ضلال مبين، أنه هو السميع البصير.

ولكن - كالعادة - دعنا نطلب من القارئ الكريم إلى عدم المضي قدما في قراءة ما عندنا في هذه المقالة، لأنه لن يجد فيها ما قد يعوضه عن إضاعة وقته وجهده فيما قد لا يضيف إلى مخزونه الفكري شيئا جديرا بأن يكون محط أهتمام أو حتى انتباه. ولاختصار الجهد على القارئ الكريم، فإني أجد من الضرورة بمكان التنويه إلى أننا سنقدم في هذا الجزء من المقالة رأينا (ربما المغلوط) عن كيفية حصول الإرادة الإلهية لفئة قليلة بالنصر على فئة كبيرة بإذن الله. طارحين التساؤلات التالية:

  • لماذا كان الله على الدوام مع الفئة المؤمنة القليلة (كما في حالة المواجهة بين طالوت وجالوت)؟

  • متى يكون الله مع الفئة القليلة (في كل وقت وحين)؟

  • متى يكون النصر بتأييد من الله (في أي مواجهة بين فئتين)؟

  • متى يكون النصر محسوما بقوة السلاح (في أي مواجهة بين فئتين)؟

  • كيف نستطيع أن نتحقق أن الله مع فئة دون أخرى وأن النصر كان بإذن الله أو أنه كان بقوة السلاح المادي؟

  • كيف نستطيع أن نعرف أن الله يتدخل (أو لا يتدخل) في اقتتال دائر بين طائفتين مهما كانت مسوغات وحجج كل واحدة منهما؟

  • الخ

أما بعد،

باب الفرق بين الفعل والعمل (تكملة)

فلقد افترينا القول سابقًا بأن واحدة من أهم الفروقات الرئيسية بين الفعل من جهة والعمل من جهة أخرى تتمثل في أنّ الأول (أي الفعل) صادر من الذات تحت ظرف الإلزام (أو لنقل الضرورة)، بينما الآخر (أي العمل) متعلق بالرغبة التي يكون محركها وجود الإرادة الحرة في الاختيار. ولو دققنا في المفردتين أكثر، سنجد أن ذاك جار على ألسنة العامة من الناس، فقد يسأل شخص ما شخصا آخر، قائلا: ماذا تعمل؟ أو ما هو عملك؟ ليرد عليه قائلا: حدادا، أو نجارا، أو طبيبا، أو مهندسا، أو ربما عاطلا عن العمل (انتبه وليس عاطلا عن الفعل). فالمهنة هي في نهاية المطاف عملا، لأنها (نحن نظن ربما مخطئين) من اختيار الشخص نفسه. فأنت من اخترت أن تكون طبيبًا أو مهندسا أو نجارا، أو ربما أن تبقى عاطلا عن العمل. لكن عندما تحضر إلى ورشة النجار، فإنك لن تساله "ماذا تعمل؟"، لأنه ربما يجيبك بسخرية قائلا: ماذا ترى؟ ألستَ في ورشة نجار؟ لذا، فأنت تسأله هناك قائلا: ماذا تفعل؟ فيرد عليك قائلا: أصنع كرسيا، وذلك لأن صناعة الكرسي من متطلبات (أو لنقل الواجبات الأساسية) لأن تكون نجارا، فلا يمكن أن تكون نجارًا ما لم تكن قادرًا على صناعة الكرسي أو ما يشبه ذلك. فأنت كنجار تحتاج (أو أنك ملزم) أن تصنع كرسيا. فهل يمكن أن تكون نجارا (نحن نسأل) ولا تصنع كرسيا؟ من يدري؟!

فالفعل إذًا يكون إلزاميا مادام أنّ هناك حاجة ملحّة لوقوعه، لذلك نجد القاعدة الفيزيائية الشهيرة قد صيغتْ على نحو: "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار معاكس له في الاتجاة". ولا نجد مثل تلك القاعدة بلفظ العمل. فليس لكل عمل (نحن نظن ربما مخطئين) رد عمل مساو له بالمقدار معاكس له في الاتجاه. لذا، يمكنني أن أترجم الفعل إلى اللغة الإنجليزية على نحو أنه (ACTION) مقابل العمل الذي يمكن أن يترجم على نحو أنه (ACTIVITY).

نتيجة مفتراة: مادام أن الفعل يولّد فعلا، فهو إذًا خاضع لقانون السبب والمسبب. فهناك إذا (نحن نستنبط) سبب لكل فعل أدى إلى وقوعه، أو أن هناك - لنقل - ما استوجب حدوثه. لذا علينا دائما أن نبحث عن السبب الذي استوجب حدوث الفعل. ويصعب أن ينطبق ذلك على العمل، لأن موجب العمل هو الرغبة أو الإرادة الشخصية التي ربما لا تكون (تلك الإرادة) مبررا حقيقيا لما تعمل. فأنت لا تستطيع أن تربط العمل بسبب حقيقي موجب له على الدوام، بقدر ما هو خاضع لهوى النفس ورغبة الشخص فيه. فالشخص يأكل ليعيش، فهذا فعل لازم مبرر، لكن أن يأكل خبزًا أو لحما، فذاك تابع لما تشتهي النفس وتحب، وليس بالضرورة أن يكون مبررا. ولهذا نجد أن الشيطان يزيّن للناس ما يعملون كما حصل مع قوم المرأة في سبأ:

وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (27:24)

أو ما حصل مع كل الأقوام السابقة التي حقّ عليها العذاب:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (29:38)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (6:42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (6:43)

نتيجة مفتراة 1: مادام أن الشيطان قد زيّن لهم أعمالهم، فالسبب الذي سيسوقونه لتبرير أعمالهم هو سبب مزيف مهما زُيّنت صورته (Bogus, fake, baseless, not real, not legal, fictitious, etc.).

نتيجة مفتراة 2: الأفعال – بالمقابل - يمكن تبريرها بأسباب حقيقية (authentic, real, genuine, bona fide)، وبالتالي يمكن تبريره (verifiable).

ولو جلبنا الآية الكريمة الخاصة بالذات الإلهية، وهي قوله تعالى:

لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (21:22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (21:23)

لوجدنا أنّ ما يصدر عن الإله هو فعل، وأنه لا يُسأل عن أي فعل يحدثه، وذلك لتوافر السبب الحقيقي الذي يبرر حدوث ذلك الفعل. فلن تجد للناس على الله حجة مادام أن ما يصدر عن الله هي أفعال:

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (4:165)

فما جاء به الرسل من عند الله يبيّن لنا تلك الأفعال وأسباب حدوثها. وبالتالي لا يبقى للناس على الله حجة بعد الرسل. ولكن بالمقابل نُسأل (نحن البشر) عما نفعل. فإن كانت أسبابا موجبة لحصول الفعل كانت مغفرة الله حاضرة حتى لو كان الفعل فيه ظلم للنفس (كما حصل مع موسى عندما قتل الرجل)، وإن لم تكن هناك أسباب موجبة، كانت حجتهم داحضة:

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (42:16)

نتيجة مفتراة: الفعل ينتج عن سبب موجب، جعله حتمي الحدوث. وبهذا تجد لك العذر على ما فعلت. وبالتالي تصبح إرادتك الحرة معطلة في الفعل. ولهذا (نحن نرى) بأنه إن كان ما قمت فيه في غياب الإرادة الحرة (أو تحت ضغط عامل الضرورة) فعلا سيئا، فإنه ينتج عن فعلك ذاك ذنبا أنت تدعو الله أن يغفره لك (مادمت لم تملك خيارا حرا عندما أقدمت عليه).

وهنا يجب أن يطرح السؤال التالي: كيف تعرف أن ردّ الفعل الذي نتج عن الفعل "صحيحا حقيقيا" وليس كاذبًا مزيفا؟

رأينا المفترى: لو دققنا فيما حصل ببني إسرائيل في أرض مصر تحت حكم فرعون، لربما استطعنا أن نتلمس الآلية السليمة في الحكم على ردة الفعل المناسبة. فكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نعلم ما حلّ ببني إسرائيل من الاستعباد في أرض مصر زمن حكم فرعون، فقد كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم، وكان ذلك من البلاء العظيم كما جاء وصفه في كتاب الله:

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (2:49)

وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ۖ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (7:141)

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (14:6)

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (44:30) مِنْ فِرْعَوْنَ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (44:31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (44:32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (44:33)

ليكون السؤال الآن هو: ماذا فعل بنو إسرائيل جراء ذلك الاستعباد؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نسأل: ماذا كان يستوجب على بني إسرائيل أن يفعلوا (كردة فعل) جراء ذلك البلاء العظيم الذي رزحوا تحته سنين عديدة في أرض مصر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الاجابة على ذلك قد جاءت على لسان نبيهم موسى عندما اشتكوا له ضعف حالهم وقلة حيلتهم على النحو التالي:

قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ ... (7:129)

فكان جواب موسى في تتمة السياق القرآني على نحو:

... قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (7:129)

وقد كان جلّ ما طلبه منهم موسى في ذلك الحين هو الاستعانة بالله والصبر، مذكّرا إياهم في ذات الوقت بالسنة الإلهية المتمثلة بأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده المتقين:

قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (7:128)

لذا، كان على بني إسرائيل أن يستعينوا بالله وأن يصبروا لينظر الله كيف يعملون. وبالفعل استعان بنو إسرائيل حينها بالله وصبروا على ذلك البلاء العظيم حتى كانت النتيجة على النحو التالي:

وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (7:130)

إن مراد القول هو أن الاستعانة بالله المحفوفة بالصبر هي ردة الفعل الصحيحة على الاستعباد في الأرض. لذا، لم نجد أن بني إسرائيل قد رفعوا السلاح في وجه فرعون وقومه للخروج من الاستعباد، منتظرين الأمر الإلهي بعد أن ينظر الله كيف يعملون. فكان أمام بني إسرائيل الخيار أن يعملوا ما يشاءون، لكن القوم لم يعملوا شيئا غير أنهم صبروا (كردة فعل) واستعانوا بالله (كردة فعل). ليكون السؤال هو: لماذا لم يُقدم بنو إسرائيل على رفع السلاح في وجه فرعون للخروج من الاستعباد؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه لمّا كان بنو إسرائيل من المؤمنين الذين يظنون أن الله ربهم، كان عليهم أن يتّبعوا الأمر الإلهي المتمثل بعدم الاعتداء:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (2:190)

ولما كان بنو إسرائيل متواجدين في أرض مصر، لم يكن لهم حق (نحن نظن) في رفع السلاح ضد فرعون وآله الذين هم أصحاب الحق الشرعي في أرض مصر، فكان طلب موسى من فرعون عندما جاءه بالرسالة على النحو التالي:

وَقَالَ مُوسَىٰ يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (7:104) حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (7:105)

فكان طلب موسى يحمل في ثناياه اقرارا بأحقية فرعون وقومه في أرض مصر، ولكن كان على فرعون أن يتوقف عن الاعتداء على بني إسرائيل بالتعبيد.

السؤال: ما الذي كان يستوجب على فرعون فعله حتى لا يكون من المعتدين؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه لو نزل فرعون عند طلب موسى بإرسال بني إسرائيل معه، لما كان من المعتدين، ولما وقع (نحن نظن) عذاب من الله على فرعون وقومه. لكن لمّا رفض فرعون طلب موسى، وأصر على إبقاء بني إسرائيل في الاستعباد كان من المعتدين.

نتيجة مفتراة 1: لما رفض فرعون طلب موسى بإرسال بني إسرائيل مع موسى، ولما أصر على استعباد بني إسرائيل فقد كان من المعتدين

منيجة مفتراة 2: لما لم يرفع بنو إسرائيل شعار المقاومة المسلحة ضد فرعون، ما كانوا من المعتدين.

نتيجة مفتراة 3: لما تبين بأن فرعون هو المعتدي وأن بني إسرائيل ليسوا من المعتدين، كان الله في صف المستضعفين في الأرض، فكانت منّة الله حاضرة عليهم:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (28:4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (28:5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (28:6)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: استحق بنو إسرائيل أن يكونوا هم الوارثين، وبالتالي تمكينهم في الأرض، لأنهم لم يكونوا من المعتدين، وذلك لأنهم حققوا الشرط الأول لأن يكون الله معهم، فيدافع عنهم، ألا وهو أن يكونوا من الذين يقاتَلون (أي مدافعين) وليس يقاتِلون (أي مهاجمين):

أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (22:39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (22:40)

السؤال: ماذا لو رفع بنو إسرائيل شعار المقاومة المسلحة ضد فرعون، هل كان الله سيكون معهم في ذلك الصراع؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه إذا أقدم المظلوم على جلب حقه بيده، فإن الله سيتركه يفعل ذلك، لكن الله لن يتدخل في ذلك النزاع، لأن الله يكون على الدوام في صف المدافع وليس في صف المهاجم مهما كانت المسوغات. قال تعالى:

إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (22:38)

نتيجة مفتراة: نحن نظن بأن الله في صف الذين لا يعتدون، وذلك لأن الله هو من يدافع عن الذين آمنوا ولم يكونوا من المعتدين.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إذا وجدت نفسك مظلوما (مستضعفا)، فإنك تكون من المؤمنين الذين سيتولى الله الدفاع عنهم إذا أوكلت أمرك إلى الله ليتصرف نيابة عنك:

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (3:173)

وهناك دعوة واضحة صريحة من الله للمؤمنين أن يدعوا أذى الكافرين والمنافقين وذلك بالتوكل على الله:

وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (33:48)

نتيجة مفتراة: عندما تجد أنك صاحب حق، ولكن ربما يلحق بك ضرر من طرف آخر، فما عليك إلا أن توكل أمرك إلى الله كما فعل يعقوب مع أبنائه عندما جعل الله وكيلا على ما تم الاتفاق عليه بينهم:

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (12:66)

فالتمكين في الأرض من نصيب من أوكل أمره إلى الله ولم يُقدِم على أخذ حقه بيده، وليس أدل على ذلك مما حصل مع يوسف. فالله قد مكّن له في الأرض مرتين، فكانت الأولى بعد أن تآمر الإخوة عليه، وبيع بثمن بخس دراهم معدودة، فكانت النتيجة أن مكّن ألله له في بيت ذلك الرجل:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (12:21)

وحصل له التمكين الثاني في الأرض بعدما تآمرت النسوة عليه وأدخل السجن:

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (12:55) وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (12:56)

فكان الله غالبا على أمر يوسف، لأنه هو من كان يدبر له هذا التمكين بالرغم من تآمر الآخرين به. ففي حين أن الآخرين كانوا يردون به سوءا، كانت العاقبة لصالح يوسف مادام أن الله هو من توكل تدبير الأمر له.

وقد كان هذا ما فعله بنو إسرائيل في صراعهم مع فرعون في أرض مصر عندما اتخذوا الله وحده وكيلا:

وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (17:2)

فكانت النتيجة الحتمية هو نجاتهم من عدوهم:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ (20:80)

واستخلافهم في الأرض:

قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (7:129)

والتمكين لهم في الأرض:

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (28:5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (28:6)

ليكون السؤال التالي هو: كيف يمكن أن نتعرف على المعتدي؟ وكيف لنا أن نعرف المؤمن الذي لا يعتدي؟

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا: عندما يكون لك الحق، فأنت أمام خيارين اثنين، متاح لك حرية الاختيار بينهما، ألا وهما:

  • أن تأخذ حقك بيدك

  • أن توكل أمرك إلى الله، ليتصرف هو في الأمر كما يشاء

السؤال: أي الخيارين أسلم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الخيار الثاني هو الأسلم، وذلك لأنك إن آثرت الخيار الأول، فإنك ستخسر أن يكون الله معك في ذلك النزاع، لأن الله (نحن نظن ربما مخطئين) لا يكون في صف المبادر بالفعل، خاصة إن كان ظنه أنه يستطيع أن يستجلب حقه بيده. فكيف لك (نحن نسأل) أن تؤمن أن الله يجلب لك حقك ولا تكون عندك الثقة المطلقة بأن الله قادر على ذلك وفي ذات الوقت لا تترك له تدبير بالأمر كما يشاء؟ من يدري؟ّ!

رأينا المفترى العجيب الغريب: إن مجرد مبادرتك لأخذ حقك بيدك تحمل (نحن نظن) في ثناياها العقيدة التي مفادها أنك لم تصبر حتى يدبر لك الله ذلك، ربما لأنك تخشى أن لا يأتيك حقك كاملا إن أنت صبرت (حتى يدبر الله الأمر بيده)، فالإنسان مجبول على العجلة من أمره:

وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (17:11)

لكن - بالمقابل - فإن الذي يظن بربه ظنا يقينيا، فهو الذي يترك الأمر برمته لله لأن يدبره كيفما يشاء، ولا يعدم الإيمان المطلق بأن النتيجة سيتكون في صالحه مهما طال الزمن. وذلك مصداقا لقوله تعالى:

... وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ ۚ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (65:3)

فتدبير الأمر من الله يحتاج إلى وقت حتى يبلغ الله أمره. وهذه لا شك قضية كبيرة جدا سنتعرض للحديث عنها إن شاء الله متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه في ذلك. (فالله أدعوه وحده أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو العليم الحكيم)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن أبسط أبجديات عدم الاعتداء هو عدم المبادرة في الفعل، فأنت عندما تكون في موقف يتطلب وجود ردة فعل، عليك أن لا تكون مبادرا في ردة الفعل خاصة تلك التي يمكن أن تكسبك إثما أو ذنبا. ولنبدأ جلب الدليل على هذا الافتراء العجيب الغريب الذي قد يبدو للوهلة الأولى بأنه رد سلبي (وربما انهزامي)، وسنحاول جلب الدليل بالتعرض من جديد لما حصل مع ابني آدم في الصراع الأقدم على الأرض. فعندما نشبت مشكلة بين الأخوين لسبب ما (انظر المقالات السابقة)، كان حلّها يتمثل في أن يقربا قربانا، لفض الخلاف بينهما، فكانت النتيجة في صالح أحدهما. لكن أحد الأخوين لم يتقبل النتيجة التي كانت لصالح أخيه، فكان المبادر في ردة الفعل، فتوعد أخاه بالقتل، قائلا:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (5:27)

لكن على الرغم أن الحق كان إلى جانب الأخ الآخر، إلا أن هذا الشخص (صاحب الأحقية في موضوع الخلاف بين الطرفين) لم يعمد إلى أن يأخذ حقه بالقوة، بل آثر أن لا يبسط يده لقتل أخيه، وكان ذلك مخافة الله رب العالمين، قائلا:

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (5:28)

وهنا نجد أنفسنا أمام السيناريو الأول وهو أن تكون صاحب حق، لكن خصمك يرفض الاعتراف لك به، لا بل ويصر على سلبك ذلك الحق بالقوة. فتجد نفسك هنا أمام خيارين اثنين، أحلاهما مر، وهما:

  • أن تضطر إلى أخذ حقك بقوة منك، فتضطر إلى الحاق الضرر بخصمك لتنال حقك، مادام أن خصمك مصرا على سلبك ذلك الحق

  • أن تؤثر أن لا تأخذ حقك بالقوة، وتدع خصمك يلحق بك الضرر، ويسلبك ذلك الحق، وتوكل أمرك إلى الله وحده.

السؤال: ما الذي ستفعله حينها؟

رأينا المفترى: لو حاولنا أن نبحث عن هاتين الحالتين في النص القرآني، لوجدناهما قد حصلا فعلا على أرض الواقع:

  • مرة مع ابني آدم،

  • والآخرى مع موسى وعدوه عندما دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، واضطر إلى قتال مع عدوه. فماذا كانت ردة فعل كل واحد من المؤمنين في كلا الموقفين.

رأينا المفترى: في أي صراع محتدم يجد الإنسان نفسه مضطرا للقتال، عليه أن يوزن الأمور بين أن يكون مبادرا في ردة الفعل، فيَقتل (فيكون قاتلا كموسى) أو أن لا يبادر بردة الفعل، فيُقتل (فيكون مقتولا كابن آدم).

التساؤلات:

  • لماذا آثر المؤمن من ابني آدم أن يكون مقتولا وليس قاتلا؟

  • لماذا اختار موسى أن يكون قاتلا وليس مقتولا؟

رأينا المفترى: دعنا نبدأ أولا بقصة ابني آدم، فنحن نظن بأن ابن آدم (صاحب الحق) قد آثر أن يكون مقتولا، لأنه لا يريد أن يبوء بإثمين اثنين:

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (5:29)

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كانا ابنا آدم هما المتواجدين على الأرض حينها فقط، كانت النتيجة أن الحياة ستستمر بأحدهما، فالمؤمن منهما يرى أنه سواء كان قاتلا أو أنه كان مقتولا، فلن يؤثر ذلك على استمرارية الحياة على الأرض. لذا عندما وازن المؤمن من ابني آدم خياراته المتاحه، وجد (نحن نتخيل فقط) أنه لن يكون لحالته (قاتلا) أثرا ايجابيا على فعلته، وإنما سيكون الأثر كله سلبيا عليه شخصيا وعلى ذريته من بعده. فصحيح أنه سيكون مستفيدا ببقائه شخصيا على قيد الحياة، لكن غيره لن يستفيد من ذلك، لا بل سيكون لفعلته أثر سلبي على غيره (أي ذريته من بعده). (وسنتحدث عن ذلك إن شاء الله لاحقا عندما يأذن الله لنا بشيء من علمه في ذلك. فالله أسأل أن يعلمني علما لا يكون لأحد غيري، إنه هو العزيز الوهاب).

ولتوضيح الصورة أكثر، دعنا نتخيل أن ابن آدم المؤمن اختار أن يقتل آخاه الآخر (غير المتقي). فما الذي كان سيجنيه من ذلك القتل الذي أضطره أخوه إليه؟

رأينا المفترى: لو أقدم المؤمن من ابني آدم على قتل أخيه للحصول على حقه الشرعي، لكانت النتائج – في ظننا- على النحو التالي:

أولا، أن يبوء باثمين (اثمه واثم أخيه)

ثانيا: أن يظلم نفسه فيكسب ذنبا، يضطره إلى أن يلجأ إلى ربه ليغفره له، كما حصل مع موسى عندما قتل عدوه ليحصل على حقه في البقاء حيا. وهذا الأمر ينقلنا مباشرة إلى حالة موسى. فما الذي حصل في حالة موسى؟

رأينا المفترى 2: لمّا كان المتواجدون على الأرض في حالة موسى أناس كثيرون، كان لحادثة الاقتتال تلك تاثير ليس فقط على الشخصين المتصارعين (موسى وعدوه)، وإنما على الآخرين من حوله (وهم بنو إسرائيل المستعبدين في الأرض آنذاك). فلو أن موسى آثر (نحن نرى) أن يكون مقتولا، لكان لذلك تبعات جمة (وخيمة) على قومه (بني إسرائيل)، ولربما أصبح (نحن نظن) من الاستحالة بمكان على بني إسرائيل أن يخرجوا من الاستعباد من أرض مصر لو أن حادثة الاقتتال قد أسفرت عن قتل موسى شخصيا. لذا، نحن نظن بأن موسى قد اختار أن يكون قاتلا، فيظلم نفسه، لكنه لا يكون ظالما لبني إسرائيل الذين هم في أمس الحاجة إليه. فكانت تكلفة أن يكون موسى قاتلا أقل ضررا من أن يكون مقتولا. ولا ننسى (كما حاولنا تصوير ذلك سابقا) بأن قيادة بني إسرائيل كانت ستؤول (في غياب شخص موسى) إلى قارون الذي هو من قوم موسى، فبغى عليهم.

نتيجة مفتراة: لو أن موسى اختار أن يكون مقتولا، لظل بنو إسرائيل إلى الأبد تحت قيادة قارون وأمثاله من الذين سيكرسون استعباد بني إسرائيل في مصر. وسيطول بقاؤهم في أرض مصر تحت حكم فرعون وملئه.

لكن يجب جلب انتباه القارئ الكريم – إن أراد- إلى ملاحظة بسيطة تتمثل في أنه عندما اختار موسى أن يأخذ حقه بيده ويقتل عدوه، فقد كسب ظلما لنفسه، فخسر بذلك أن يكون الله في صفه حينها، لأن موسى اضطر أن يخرج من المدينة خائفا، ويمكث في مدين مدة عشرة حجج مستغفرا لذنبه، وما عاد الله في صف موسى إلا بعد أن غفر له ذلك الذنب بعد عملية الاستغفار التي كلفت موسى عشر حجج من الزمن. وكان ذلك في الواد المقدس في لقائه الله بربه، عندما ناداه الله، وجعله من الآمنين:

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (28:31)

السؤال: عندما تجد نفسك في حالة من الاضطرار لأن تأخذ حقك بالقوة الذاتية، فما الذي عليك أن تفعله؟

نتيجة مفتراة: عندما تكون صاحب حق، ويفرض عليك القتال، عليك أن توازن بين خياراتك، سائلا نفسك السؤال التالي: أيهما أكبر ضررا وأقل نفعا أن تكون قاتلا أو أن تكون مقتولا؟ فإن أنت وجدت أن كونك قاتلا أقل ضررا من أن تكون مقتولا (كما في حالة موسى)، فعليك أن تختار أن تكون قاتلا. لكن إن وجدت أن كونك مقتولا أقل ضررا وأكثر نفعا (كما في حالة ابن آدم)، فالأفضل أن تكون مقتولا، ناشدا حقك عند ربك الذي لن يبخسك ذلك الحق. وفي هذه الحالة الأخيرة ستكون ممن يقتلون في سبيل الله، فتكون النتيجة على نحو ما جاء في قوله تعالى:

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (3:169) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (3:170) يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (3:171)

لذلك، نحن نظن أنه لمّا اختار الابن المؤمن من ابني آدم أن يكون مقتولا في سبيل الله، كانت نتيجة ذلك أن رفعه الله إليه مكانا عليا:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (19:56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (19:57)

(للتفصيل في هذا الباب، انظر مقالاتنا السابقة تحت عنوان: لماذا قدم نبي الله لوط بناته بدلا من ضيوفه؟ حيث تجد النقاش المفصل حول فكرة أن المقتول من ابني آدم هو نبي الله إدريس الأخ الشقيق لإسرائيل الذي هو الأخ القاتل)

السؤال: كيف لي أن أعرف توزين هذه الخيارات (أن أكون قاتلا أو أن أكون مقتولا)؟

رأينا المفترى: دعنا نبحث في ماهية الصراع الذي يمكن أن يكون فيه أحد طرفي النزاع ظالما أو أن يكون مظلوما. ولنبدأ بقوله تعالى:

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (49:9)

لعلنا لا نختلف كثيرا إن قلنا أن الخلاف عادة ما يقع بين طرفين (أو طائفتين). وهناك سيناريوهين اثنين لهذا الخلاف، وهما:

- أن تكون الطائفتان معا على غير حق

- أن تكون أحدى الطائفتين على حق والأخرى على على غير حق

ويستحيل (نحن نظن ونفتري) أن تكون الطائفتان معا على حق، وذلك لو أنهما كانتا معا على حق، لما وقع الاقتتال ابتداء. فالحق واحد لا يمكن أن يسبب خلافا بين طرفين كلاهما على حق.

ونحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه عندما تكون الطائفتان على غير حق، فذلك صراع لا يتدخل الله فيه، وتحسمه القوة السياسية والعسكرية للطائفتان. ولكن عندما تكون احدى الطائفتين على حق، فهناك احتمال أن يكون الله في صف هذه الفئة. ليكون السؤال هو: متى يتدخل الله في ذلك الصراع لصالح الطائفة التي على حق؟

فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (47:35)

رأينا المفترى: علينا أن نتعرف ابتداء على تلك الطائفة التي تكون على حق حتى نستطيع أن نكون في صفها، ونؤمن كذلك أن الله يمكن أن يكون معهم في ذلك الصراع. وعلينا أن نتعرف كذلك على الطائفة الباغية حتى لا نكون في جانبها، ونؤمن أن الله لن يكون معهم في ذلك الصراع.

السؤال: كيف نعرف حقيقة كلتا الطائفتين؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن استكشاف حقيقة كل طائفة في اي نزاع هي عملية غاية في السهولة، تتمثل بأن الطائفة التي على حق هي التي تقبل بمبدأ التحكيم بين الطرفين من قبل فئة محايدة. وبالمقابل فإن الفئة الباغية هي التي قد لا تقبل – ابتداء- بمبدأ التحكيم في فض الخلاف. لذا، عندما يكون هناك خلاف بين طرفين يكون اللجو إلى التحكيم هو الخطوة الأولى لفض ذلك الخلاف بين المتخاصمين. فمبدأ التحكيم قائم بين الأفراد كالزوج والزوجة وبين الجماعات كطوائف متصارعة، قال تعالى:

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (4:35)

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (49:9)

ففكرة الصلح بين المتخاصمين (أفرادا أو جماعات) هي أساس العلاقة بين المؤمنين:

إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (49:10)

نتيجة مفتراة: نحن نستطيع أن نستطلع ابتداء حقيقة طرفي الخلاف عند فرض مبدأ الصلح على المتخاصمين. فالطرف الذي يرفض مبدأ الصلح ابتداء هو الطرف المعتدي مهما كانت مسوغاته وأسباب رفضه. والطرف الذي يقبل بمبدأ التحكيم في الخلاف هو طرف يسعى إلى حل الخلاف، وهو الطرف غير المعتدي مهما كانت حالة الخلاف التي وقع فيها.

نتيجة مفتراة 1: إذا حصل خصام بين طرفين، فالباغي هو الذي يرفض مبدأ التحكيم في الخلاف من قبل طرف ثالث محايد

السؤال: ماذا لو قبل الطرفان بميدأ التحكيم بين الطرفين؟

رأينا المفترى: في هذه الحالة، يبقى معرفة الطرف الباغي معلقة حتى ظهور نتيجة التحكيم بين الطرفين. فعندما يمتخض عن التحكيم قرار يحسم الخلاف لصالح أي طرف من الأطراف، يتحتم على المتخاصمين القبول به (مهما كانت صيغته). ويكون الطرف الرافض لقرار التحكيم هو الطرف الباغي الذي يجب مقاتلته من قبل الجميع:

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (49:9)

نتيجة مفتراة 2: إذا حصل خصام بين طرفين، فالباغي هو الذي يرفض نتيجة التحكيم بين الطرفين

ولو دققنا في قصة ابني آدم، سنجد بأن الأخوين قبلا - ابتداء - بمبدأ التحكيم لفض النزاع الناشب بينهما حينئذ، فكانت الطريقة المتفق عليها هي تقديم القربان:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ ... (5:27)

لكن كانت المفاجأة أن أحد الأخوين رفض نتيجة التحكيم، وأصر على سلب أخيه الآخر حقه، فكانت ردة فعله على النحو التالي:

... قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (5:27)

فكان هو المعتدي، فكان من الخاسرين:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (5:30)

التطبيق العملي: الخلاف بين طرفين

دعنا نتخيل وجود خلاف بين زوجين، عندها يصبح الموقف يحتاج إلى عملية تحكيم على النحو التالي:

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (4:35)

وهنا نبدأ مع أول مراحل استكشاف حقيقة المتخاصمين (الزوج والزوجة)، فلو أن أحدهما رفض مبدأ الصلح بالتحكيم، فهو الذي يجب أن يتحمل كافة الخسائر التي يُمنى بها الطرف الآخر. فإذا كان الزوج هو الرافض لمبدأ الصلح، فعليه أن يدفع كافة حقوق الزوجة غير منقوصة. أما إذا كانت الزوجة هي التي ترفض مبدأ التحكيم، فعليها أن تدفع للزوج كل ما له من حقوق عليها.

أما إذا قبل الطرفان بمبدأ التحكيم، فقد انتقلنا إلى المرحلة الثانية من عملية الصلح، وهي أن يقبل الطرفان بقرار التحكيم بينهما. وإذا تبين أن أحد الطرفين يرفض قرار التحكيم، فهو الذي يكون من المعتدين، وعلى الجميع أن يكون في صف الطرف الآخر القابل بقرار التحكيم. ويصبح الطرف الرافض هو الطرف الذي نعته الله في كتابه بصفة الباغي. ويجب أن يطبق على الطرف الباغي مبدأ التعويض للطرف الآخر، وإلا فإن على الجميع أن يكونوا في صف الطرف الآخر (أي غير المعتدي) لمقاتلته (أي لمقاتلة الطرف الباغي)، وإرغامه على قبول النتيجة ولو بالقوة (أي الاقتتال)، مصداقا لقوله تعالى:

وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (49:9)

ولهذا تصبح مقاتلة الطرف الباغي واجبة على الجميع حتى يفيء إلى أمر الله. فأمر الله مبني على مبدأ القبول بقرار التحكيم بين الطرفين المتقاتلين الذي يقوده فريق المصلحين بين المتخاصمين.

التطبيق العملي: الخلاف بين الجماعات (أو الدول)

لو طبقنا المنطق السابق (على ركاكته) على حالات الصراع بين الأطراف المتصارعة في أي قضية ناشبة، سنجد أن المبدأ ذاته ينطبق بخطوطه العريضة بشكل تام. فلو كان هناك صراع بين دولتين مثلا، فعلى كل واحدة منهما أن تقبل – ابتداء- بمبدأ التحكيم في الخصومة، وعلى كل طرف منهما أن يقبل بقرار المحكمين في النزاع.

ولا شك عندنا أن عملية التحكيم هي عملية غاية في الدقة من حيث المضمون والشكل والإجراءات. فعلى المحكّمين أن يطّلعوا على تفاصيل القضية، وعليهم أن يسمعوا للاطراف المتنازعة، وعليهم أن يأخذوا الوقت الكافي للاطلاع على حيثيات القضية، فيقدّم كل طرف حجته. وبناء على المعطيات والظروف، يستطيع المحكمون أن ينتهوا إلى قرار قطعي ليكون قرارا معلنا على رؤوس الأشهاد. وذلك لكي تتم عملية الوقوف في صف صاحب الحق، ومقاتلة الباغي من الطرفين.

السؤال: متى يحق لك أن تتصرف؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه لا حق لأحد اتخاذ قرار بالتصرف في حالة الخصام إلا بعد انتهاء عملية التحكيم وبيان رأي المحكمين في النزاع. فأنت لا تستطيع أن تعتبر نفسك مظلوما في أي خصام لمجرد أنك ترى ذلك بنفسك. فالنفس البشرية بمجملها جُبلت على أن تظن أن الحق معها في كل وقت وحين. فالزوج – في حالة الاختصام - يرى نفسه محقا ويرى الخلل في زوجته، والعكس صحيحا. والرجل يرى نفسه محقا، ويرى الخلل – عند نشوب المشكلة – في جاره أو في أخيه أو ابنه، والمدرس يرى الخلل عند طلابه، والوزير يرى المشكلة في الشعب الذي لم يرى الحكمة في قرارته، والشعب ما كفّ يوما أن يُلقي باللائمة على المسئول، وهكذا.

السؤال: ما الذي يجب أن تفعله إن رفضت الفئة الباغية قرار التحكيم وأصرت على ظلم الطرف الآخر الذي قبل بمبدأ التحكيم وبنتيجته؟

رأينا المفترى الخطير جدا: نحن نظن (ربما مخطئين) أن للطائفة التي تبين أن الحق إلى جانبها أن تقاتل الفئة الباغية تحت شرط واحد، ألا وهو وجود القائد الشرعي الذي يحق له اعلان القتال ضد الفئة الباغية.

الدليل

لو عدنا إلى قصة بني إسرائيل في صراعهم على الأرض، سنجد الآيات الكريمة التالية:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (2:246)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة من هذا المنظور، لربما حقّ لنا أن نطرح التساؤل المثير التالي، ألا وهو: لماذا طلب الملأ من بني إسرائيل من ذلك النبي أن يبعث لهم ملكا ليقاتلوا في سبيل الله؟ ألم يكن بمقدورهم – نحن نسأل – أن يقاتلوا دون أن يبعث لهم ملكا؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه لو أقدم بنو إسرائيل على القتال دون ذلك الملك، لما تحقق لهم النصر، ولما استطاعت الفئة القليلة أن تهزم الفئة الكبيرة. والأهم من ذلك لما كانت غلبتهم بإذن الله. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن القتال دون وجود الملك سيكون قتالا دون توافر الإذن الإلهي به. لذا، نحن نتجرأ على افتراء الظن من عند أنفسنا (ربما مخطئين) بأن الإذن الإلهي بالقتال يتطلب وجود الملك. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات الكريمة التالية، لربما تحصل لنا ما نبغي قوله في هذا الصدد. قال تعالى:

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (2:251)

فالمدقق في هذا السياق القرآني سيجد أن انتصار الفئة القليلة وأن هزيمة الفئة الباغية كانت قد حصلت بالإذن الإلهي.

السؤال: كيف نفهم أن هزيمة المعتدين على يد الفئة القليلة كانت بإذن الله (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ)؟

رأينا المفترى: قبل محاولتنا الإحابة على هذا التساؤل علينا أن نثبت الافتراءات التالية:

  • يمكن أن يحصل انتصار لفئة وغلبة لفئة أخرى دون الإذن الإلهي

  • يمكن أن يحصل انتصار لفئة وهزيمة لفئة أخرى بالإذن الإلهي (فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ)

فكم من المعارك حصلت على مر التاريخ، لكن هل نستطيع أن نقول بأن النصر فيها كلها كان بالإذن الإلهي؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. فمعظم معارك الأمم عبر التاريخ كانت تحسمها قوة السلاح. لكن هناك معارك فاصلة قليلة كانت الغلبة فيها للفئة القليلة وكان ذلك بالإذن الإلهي كتلك التي حصلت بين طالوت (ومعه ثلة من المؤمنين) ضد جالوت (ومعه الجيش العرمرم).

السؤال: كيف تحصلت تلك الفئة القلية على الإذن الإلهي بالقتال وبالتالي تحققت لهم هزيمة الطرف الآخر بالإذن الإلهي؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك قد حصل بسبب وجود الملك (طالوت) الذي قاتل بنو إسرائيل تحت لوائه ضد الفئة الكبيرة بقيادة جالوت وجنوده.

السؤال: لماذا كان الإذن الإلهي حاضرا في هذا القتال؟

رأينا المفترى مكررا (لتثبيت الفكرة في الأذهان): نحن نظن أنه عندما تبغي طائفة على أخرى، يحق للطائفة غير الباغية القتال شريطة أن يكون هناك قائد شرعي هو من يطلق قرار الاقدام على القتال.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الملأ من بني إسرائيل كانوا يعلمون يقينا بأن قرار القتال يحتاج إلى وجود قائد شرعي يعلنه. فلا حق لأحد أو لمجموعة من الاشخاص (نحن نرى) اتخاذ قرار القتال إذا لم يكن هناك قائد له شرعية القيادة للطائفة المظلومة التي تريد استرداد حقها من الطرف الذي بغى عليهم. لهذا (نحن نظن) جاء طلب الملأ من بني إسرائيل من ذلك النبي أن يبعث لهم ملكا ليقاتلوا في سبيل الله. فالقتال في سبيل الله ضد الطائفة الباغية يجب أن يكون تحت لواء الملك الذي تكون له شرعية اتخاذ القرار في القتال.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا ومهمة جدا: نحن نتجرأ على الظن (ربما مخطئين) بأنه في حالة القتال الذي لا يوجد فيه ملك شرعي، فإن الغلبة في الصراع تكون لقوة السلاح بين المتخاصمين، ونؤمن يقينا بأن الله لا يكون مع أي طرف منهما ضد الطرف الآخر.

السؤال: ما الحاجة إلى وجود الملك الشرعي صاحب الحق في اتخاذ قرار القتال؟ وبكلمات أخرى: ما فائدة وجود الملك الذي يقود القتال مادام أن تلك الفئة صاحبة حق شرعي لابد من استرداده؟ وهل يتوجب على الطائفة المظلومة (مسلوبة الحق) أن لا تبدأ القتال (لاسترداد حقها) إذا لم يكن لها ملك شرعي يقود ذلك القتال ويأمر به؟

رأينا المفترى: نعم، نحن نظن أنه على الفئة المظلومة أن لا تلجأ إلى خيار القتال مهما طال الزمن مادامت لا تجد القائد الشرعي لها. فوجود القائد الشرعي هو - برأينا- مقدمة الحصول على الإذن الإلهي لهم بالقتال. فلو دققنا في قصة بني إسرائيل في أرض مصر تحت الحكم الفرعوني، لوجدنا بأنهم لم يلجأوا إلى القتال ضد المعتدي فرعون وملئه بالرغم من طول الفترة الزمنية التي كانوا فيها معبدين في أرض مصر وبالرغم من قساوة الاستعباد. ولكنهم صبروا منتظرين وصول قائدهم (موسى) ليتخذ هو بنفسه ذلك القرار، كما جاء على لسانهم ذات مرة، موجهين شكواهم موسى الذي طال انتظارهم له:

قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (7:129)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه على الرغم من طول الفترة الزمنية التي رضخ فيها بنو إسرائيل للاستعباد في أرض مصر، وعلى الرغم من قساوة الاستعباد، إلا أنهم لم يقدموا على اتخاذ قرار المواجهة في غياب موسى عنهم. انتهى.

السؤال مرة أخرى: ما فائدة وجود القائد الشرعي حتى يأذن الله بحصول القتال؟ وبكلمات أكثر دقة، لماذا لا يحصل الإذن الإلهي للطائفة المستضعفة بالقتال إلا بوجود الملك؟

رأينا المفترى: لا شك عندنا أن هناك موجبات كثيرة لهذا الأمر، لكننا سنركز على سبب واحد في هذا النقاش، ألا وهو عدم حصول الاقتتال الداخلي (الذي لا محالة حاصلا في حالة عدم وجود الملك الشرعي).

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما يكون هناك قتال بين طائفتين، فعلى الطائفة صاحبة الحق أن لا تنقسم فيما بينها في حالة اتخاذ قرار قتال الطائفة الباغية الخارجية (أي العدو الخارجي). ولا شك أن أول أسباب الانقسام الداخلي بين الناس في كل حالة (مهما بدت محقة) هو عدم وجود القائد الذي يتفق الجميع على شرعية قيادته للجميع. فلو دققنا في السياق القرآني الخاص بقصة طالوت، سنجد أنه على الرغم من عدم رضا جمع كبير من بني إسرائيل عن القتال، وبالرغم من احتجاجهم على أن يكون طالوت هو الملك عليهم، إلا أن أحدا منهم لم ينبري ليدعي شرعية القيادة بعد أن ثبتت شرعية قيادة طالوت بآية ملكه.

وبالتالي فقد تخلف كثير منهم عن القتال، وظهرت النوايا السيئة عند بعضهم إلا أنه لم يحصل انقسام في صف الطائفة المؤمنة. فلم يلجأ البعض منهم إلى شق الصف بادعاء القيادة على مجموعة من المخالفين. فقرار القيادة قد حسم لصالح طالوت، وما عاد أحد من المخالفين (حتى وإن كان طامعا) يستطيع أن يشق صف المجموعة المؤمنة. فأي شخص منهم يستطيع أن يتلكأ عن القتال، لكنه لا يستطيع أن يشق صف المؤمنين. ولو دققنا في السياق القرآني التالي الذي يصور لنا سيناريو قتال المؤمنين ضد عدوهم، لوجدنا الأمر الإلهي واضحا لا لبس فيه:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (8:45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (8:46)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لا يجوز اتخاذ قرار القتال ضد طرف خارجي قبل أن تسوى شرعية القائد للفئة المؤمنة حتى لا يتنازع المؤمنون فيما بينهم وبالتالي يفشلوا وتذهب ريحهم. لذا، إذا حصل خلاف بين المؤمنين على قيادة الفئة المؤمنة، فالأولى حلّ هذا الخلاف بمبدأ التحكيم الداخلي فيما بينهم قبل اللجوء إلى اتخاذ قرار القتال ضد الطرف الخارجي.

السؤال: ما فائدة حل الخلاف الداخلي قبل المواجهة مع العدو الخارجي؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأنه لو حصل أن اتخذ أحد (أو مجموعة من الأشخاص) قرار القتال قبل حسم شرعية الملك، فإن الله لن يكون في صفه، وأن الغلبة ستكون لقوة السلاح.

نتيجة مفتراة 1: لا قرار بالقتال قبل حسم قضية الملك

نتيجة مفتراة 2: الملك الشرعي هو الذي يتخذ قرار القتال

نتيجة مفتراة 3: يستطيع أي شخص (أو مجموعة) أن تختار أن لا تقاتل، لكنها لا تستطيع شق صف الطائفة المؤمنة التي اتخذ ملكها الشرعي قرار القتال.

السؤال: لماذا؟ لماذا نطلب وجود الملك (كما فعل الملأ من بني إسرائيل) قبل الاقدام على قتال الفئة الباغية الخارجية؟

رأينا المفترى: نحن نرى أن هناك على الأقل سببين حقيقيين لضرورة حسم الخلاف على الملك قبل الشروع بقتال العدو الخارجي. أولهما عدم المنازعة على السلطة بين أفراد الطائفة المؤمنة. فلا شك - عندنا - أن الطامعين في القيادة سيكونون متواجدين في كل زمن ومكان. لذا، عندما يصار إلى حسم قرار شرعية الملك، لن يستطيع أحد المنازعة على السلطة، بادعائه الأحقية في ذلك، وبالتالي جر مجموعة من الناس من خلفه، لقسمة المجموعة الواحدة إلى فرق وأحزاب متفرقة متشتتة، وبالتالي تكون النتيجة الفشل بذهاب ريح الطائفة المؤمنة بأكملها. وثانيهما كشف المنافقين والكاذبين من بين افراد الطائفة المؤمنة كلها، وتصفية الفئة المؤمنة حقا التي سيكون الله في صفهم لحظة حصول القتال. فهذه العملية لن تبقى في صف الفئة المؤمنة إلا المؤمنين الصادقين حقا، الذين يستطيعون تحقيق النصر لأن الله سيكون حينها معهم. فالله (نحن نتجرأ على افتراء الظن من عند أنفسنا) لا يكون مع أي فئة مادام فيها ولو شخصا واحدا من المنافقين أو الكاذبين الذين علم الله ما في قلوبهم من رجس ونفاق.

نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نظن أن عملية اختيار الملك الشرعي ستظهر الفاسقين عن الأمر الإلهي. فمن لا ينصاع للأمر الإلهي، أو لصاحب الشرعية في الحكم، فهو إذا من الفاسقين، الذي لا يستحق النصر وإنما يستحق العقاب. فهاهم بنو إسرائيل يفسقون، فيحرم عليهم دخول الأرض المقدسة أربعين سنة يقضونها تائهين:

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (5:25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (5:26)

وذلك لأن الشرعية عهد بين المومنين، ومن ينقض ذلك العهد فهو من الفاسقين:

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ ۖ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (7:102)

ولا شك أن سنة الله قد قضت بأن لا يهدي القوم الفاسقين:

قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (9:24)

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (61:5)

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (9:80)

وهم الذين استحقوا دارا في الآخرة محلها الجحيم:

وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (7:145)

ولا شك أن موقف القتال هو الموقف الذين ستبين فيه النوايا الحقيقة للفاسقين مهما حاولوا اخفاءها والتستر عليها بالحلف الكاذب:

سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ۖ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ۖ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (9:95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ۖ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَىٰ عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (9:96)

وهؤلاء هم المستكبرون في الأرض بغير الحق، وذلك لأن غايتهم متاع الحياة الدنيا فقط:

وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (46:20)

وبالتالي فإن قضية حسم شرعية الملك، وظهور صاحب الشرعية في القيادة كفيلة بأن تخرج الفئة المؤمنة حقا من بين الجمع كله، وهذه الطائفة المؤمنة هي التي سيلهج لسان حالها بما في قلوبهم من صدق، قائلين:

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (2:250)

وتلك هي الفئة التي سيكون دعاؤهم مستجابا، فيكون الله معهم، ماداموا أنهم سيكون من المؤمنين حقا:

إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (8:19)

وسيكونوا من الصابرين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (2:153)

فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (2:249)

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (8:46)

الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (8:66)

وسيكونوا من المتقين ومن المحسنين:

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (2:194)

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (9:36)

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (16:128)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (9:123)

وستكون النتيجة النهائية على النحو التالي:

فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (47:35)

نتيجة مفتراة 1: عندما يحصل الاقتتال، فإن الله سيكون في صف الفئة المؤمنة الصابرة المتقية الذين هم محسنون:

نتيجة مفتراة 2: لن يكون الله في صف أي طائفة فيها منافقين وكافرين.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: عندما يكتب على طائفة من المؤمنين القتال، فلابد أن يتم تصفية تلك الطائفة من الشوائب العالقة بها من المنافقين والكاذبين، لأنه في حالة أن يكتب القتال على طائفة تحت قيادة ملك شرعي سيتولى - لا محالة - الذين في قلوبهم مرض:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (2:246)

وذلك لأن ديدين هؤلاء الحقيقي هو ما جاء في قوله تعالى:

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (4:77)

فهؤلاء المتقاعصون عن القتال المكتوب عليهم هم الذين يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وهؤلاء هم الذي يريدون متاع الحياة الدنيا. ولو دققنا في أوصافهم كما جاء في الآيات الكريمة التالية، لوجدنا بأن وجودهم في صف المقاتلين المؤمنين سيكون عبئا ثقيلا، لأنهم لن يزيدوا المؤمنين إلا خبالا:

انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (9:41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ ۚ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (9:42) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (9:43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (9:44) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (9:45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (9:46) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (9:47)

فالدقق في هذه الآيات الكريمة سيجد الأمور التالية:

  • أن هؤلاء يبغون عرضا قريبا وسفرا قاصدا

  • أنهم يحلفون وهم كاذبون

  • أنهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر

  • أنهم ممن ارتابت قلوبهم

  • أنهم لا يعدون للخروج عدة

  • أنهم ممن كره الله انبعاثهم فثبطهم

  • أنهم لن يزيدوا المؤمنين إلا خبالا

  • أنهم سيكونون سببا في أن يوضعوا خلال المؤمنين

  • أنهم الذين سيكون لهم تأثير على بعض المؤمنين خاصة من كانوا سماعين لهم

  • أنهم الذين علم الله أنهم ظالمون

  • الخ

السؤال الأخير في هذا الجزء من المقالة هو: لماذا كان داوود خليفة في الأرض؟

المدّكرون: رشيد سليم الجراح وآخرون

بفلم: د. رشيد الجراح



أحدث أقدم