قصة داوود - الجزء العاشر



من هو داوود؟ الجزء العاشر

تحدّثنا في الجزء التاسع السابق عن "ما ترك الله" على بعض عباده المحسنين، وقد افترينا الظن بأنه على الرغم من وجود الكثير من عباد الله المحسنين المؤمنين، إلا أن "ما تركه الله" كان على خمسة منهم، جاء ذكرهم في سياقات قرآنية أربعة، وهم:

-          نوح (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (37:78))

-          إبراهيم (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (37:108))

-          موسى وهارون (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِمَا فِي الْآخِرِينَ (37:119))

-          إلياس (وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (37:129))

فزعما القول (ربما مخطئين) بأن التركة تقع على الممتلكات الخاصة التي تكون في ذرية الشخص حتى آخرها، ويستطيع ذلك الشخص أن يختصّ بها واحدًا من ذريته دون الباقين. كما افترينا الظن بأنّ هذه المقتنيات تتناقل بين عباد الله المحسنين، فيستفيدون منها، فكما استفاد بنو إسرائيل من تالبوت آل عمران الذي كان بحيازة داوود حتى عادوا إلى الأرض المقدسة على يد طالوت، استفاد آل داوود من بقية ما ترك آل موسى وآل هارون في ذلك التابوت (المنسأة). لكنها تبقى ملكيّة خاصة في ذريتهم جيلًا بعد جيل حتى تصل إلى نهاية ذرية ذلك الشخص، صاحب تلك التركة.

وبناءً عليه، كانت الافتراءات الرئيسية في هذا الصدد هي على النحو التالي:

-          كانت تركة نوح هي الفلك، فكانت من نصيب واحد من أبنائه بعد أجيال من الزمن، ألا وهو يونس

-          كانت تركة إبراهيم هي القميص، وكانت في واحد من أبنائه وذريته من بعده، وهو إسحاق (فيعقوب فيوسف)

-          كانت تركة موسى وهارون هي العصا

-          كانت تركة إلياس تتمثل في التابوت

السؤال: أين انتهت تلك التركة؟ من كان آخر من وصلته تلك التركة من ذرية هؤلاء المحسنين من عباد الله المؤمنين؟

رأينا  المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا - ابتداء- أن تلك المقتنيات قد تمّت مناقلتها جيلًا بعد جيل، على النحو التالي:

- أما سفينة نوح فكانت عند من كان من ذرية نوح، لكن الله جعلها آية للعالمين (فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (29:15)) – وسنكمل الحديث عنها في قصة نوح إن أذن الله لنا بشيء من علمه فيها لاحقا إن شاء الله.

- وأما قميص إبراهيم فكان عند يوسف (وسنكمل الحديث فيه عندما متابعتنا لتفاصيل قصة يوسف إن شاء الله)

- أما عصا موسى فكانت منسأة بيد سليمان، فأكلتها دابة الأرض – فانتهت هناك

- وأما التابوت، فكان في ذرية إلياس، فكان في آل عمران حتى مريم (وهذا ما سنتابع بحثه هنا في قصة داوود – فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، وأن يزدني علما، فلا أفتري عليه اكذب، ولا أقول عليه ما ليس لي بحق، إنه هو العليم العظيم).

أما بعد،

كانت واحدة من الافتراءات الأساسية التي قدمناها في الجزء السابق من هذه المقالة حول التابوت تتمثل في ظننا بأن التابوت الذي كان في حيازة داوود كان سببًا مباشرًا في إلانة الحديد لداوود، الذي تعلّم صنعة لبوس، تقي من بأس الناس. وكان أبرز ما افتريناه حينئذ هو أن تلك الصنعة كانت عبارة عن ما يشبه الدرع الواقي الذي يحفظ لابسه من بأس الحديد. ويتمثل ذلك باستحداث مجال مغناطيسي يجعل من يحاول الاقتراب منه يصدف عنه، أي يتنافر معه، فلا يتمكن المعتدي (كجالوت مثلا) من النيل من صاحب ذلك الدرع الواقي (كداوود مثلا). وحاولنا الترويج لهذه الفكرة من خلال ما فعل ذو القرنين عندما ساوى بين الصدفين اللذين ظننا (حسب فهمنا طبعا) بأنهما القطبان المغناطيسيان. فكان منطقنا على نحو أن الذي يُحدِث الصدف، هو كمن يحاول أن يخلق وقاية من التأثيرات الخارجية. وما زلنا حتى اليوم ننعت بعض الكائنات الحيّة (خاصة البحرية) بالصدفيات. ولو حاولنا دراسة هذه الكائنات، لوجدنا أنّ أهم ما يميّزها هي أنها تطوّر ما يشبه الدرع الذي يحفظها من الأخطار الخارجية. وربما لا أحتاج لجلب صورة لهذه الكائنات، لأن الجميع ربما يعرفها. فالذي يريد المزيد من المعلومات عن هذه الكائنات، فيستطيع البحث عن ذلك في كتب أهل الاختصاص.

ولعل أهم ما يمكن أن نجلب انتباه القارئ الكريم له هنا هو أن ذلك التابوت هو بمثابة أداة الشحن لمن يستطيع الاستفادة منه. وبهذا المنطق المفترى، سنتجرأ على البوح بأن من يستفيد من الطاقة الكامنة في ذلك التابوت، لا يحتاج إلى مصدر طاقة خارجي، فهو يستفيد من الطاقة الكامنة في ذلك التابوت بدلًا من الطاقة التي يمكن أن يستمدها من مصدر خارجي. وبناء عليه، يمكن لنا أن نعيد تصورنا للسيناريوهات التالية:

-          لو أن آدم وزوجه لم ينزلا عند نصيحة الشيطان، ولو أن الشيطان لم يتمكن من أن ينزع عن  آدم وزوجه لباسهما، ولو أن الذرية تحصلت لهما في الجنة، لوضع مولودهما في ذلك التابوت، وعندها لن يكون ذلك المولود بحاجة أن يرضع من ثدي أمه.

-          لما وضعت أم موسى رضيعها في التابوت، ما عاد يحتاج إلى من ترضعه (وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (28:12)).  

-          عندما قبض السامري قبضة من أثر الرسول، فأخذ جزء من تلك العصا التي فعّلت في النار في الواد المقدس، تم وضع بقية العصا في ذلك التابوت حتى أُعيد شحن ما تبقى منها، فوصلت منسأة إلى آل دوود كبقية مما ترك آل موسى وآل هارون.

-          عندما وضعت امرأة لقمان وليدها (داوود) في التابوت الذي تقاذفته الأمواج حتى حطت به في تلك الغابة بعيدا عن أعين الناظرين، ما كان بحاجة إلى من ترضعه.

-          عندما وضعت مريم ابنها المسيح في ذلك التابوت، جاءها الأمر الإلهي بأن تهزّ إليها بجذع النخلة، فتأكل وتشرب هي بنفسها، لكن لم تكن لترضع ذلك المولود أو تطعمه مادام أنه قد وضع في ذلك التابوت الذي أمده بالطاقة اللازمة ليبقى حيا، لا يعتمد على ثدي أمه كمواليد الناس العاديين.

-          وسنتحدث لاحقا - بإذن الله - عما حلّ بذلك التابوت بعد أن توفى الله عيسى بن مريم، ورفعه إليه (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (3:55))

ولعل أغرب ما يمكن أن نفتريه في هذا الصدد (ونترك لخيال القارئ أن ينشغل به فترة من الزمن) هو ظننا بأن من يوضع في ذلك التابوت سيكون عنده (لنقل تجاوزا) مشكلة في اللسان. وبكلمات أكثر دقة نقول: أن لسان من وضع في ذلك التابوت سيكون مختلفا عن لسان العالمين. فدعنا نجلب الملاحظات التالية في هذا النقاش الغريب العجيب:

-          لو حصلت الذرية لآدم وزوجه في الجنة، ولو وضع مولودهما في ذلك التابوت، لما تحدث ذلك المولود بلسان الناس الذي نعرفه اليوم، ولظل ذلك المولود يتحدث بالأسماء التي علمها الله لآدم:

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (2:31)

-          عندما أرضعت أم موسى وليدها فترة من الزمن، ثم عمدت إلى وضعه في التابوت، تأثر لسان موسى من ذلك، فأصبح عنده عقدة في اللسان، فاصبح من الصعب أن يفقه الناس قوله:

وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (20:27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (20:28)

قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (26:12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ (26:13)

وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي ۖ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (28:34)

-          عندما وضعت امرأة لقمان وليدها (داوود) في ذلك التابوت، أصبح عنده مشكلة في الكلام، فجاءت موعظة والده لقمان له بأن يصبر على ما أصابه:

يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (31:17)

لذا، عندما عاد داوود للعيش بين الناس، كان عليه أن يبدأ رحلة تعلم لسان الناس من حوله في سن متأخرة، فكان ذلك من عزم الأمور.

-          عندما وُضِع المسيح في التابوت منذ اليوم الأول لوالدته، لم يحتاج إلى من ترضعه، فكان لسانه مختلفا، فما تحدث بلسان الناس من حوله اطلاقا، فكان بحاجة إلى من ينقل كلامه إلى الناس من حوله، فكان له حواريون، أوحى الله إليهم، فكانوا هم رسل المسيح إلى الناس:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (5:111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ۖ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (5:112)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: إن السبب الرئيسي الذي يمكّن الناس من اكتساب اللسان (أي القدرة على الكلام) بالطريقة البشرية التي نعرفها هي الرضاعة. فالرضاعة هي - برأينا ربما المغلوط - التمرين الأول لعضلات اللسان حتى تصبح قادرة على العمل بالطريقة المعتادة التي نعرفها عن اللسان، الذي هو - لا شك - العضو الأهم في النطق. ولهذا، لمّا كان عيسى وداوود – من دون العالمين- هما الصبيان الوحيدان من البشر اللذان لم يلتقما ثدي والدتهما، كان لهما لسان خاص بهما يختلف عن لسان العالمين أجمعين:

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (5:78)

السؤال: كيف يمكن أن نتخيل كيفية عمل لسان عيسى ولسان داوود؟

رأينا المفترى: لا شك عندنا أن اللسان واحدا من أهم الأسباب التي تجعل الشخص قادرا على الكذب:

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (3:78)

وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَىٰ ۖ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (16:62)

وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (16:116)

واللسان أداة أساسية في تحريف الكلم عن مواضعه:

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (4:46)

كما هو أداة تمكن صاحبه من ابطان شيء في قلبه غير ما ينطلق على لسانه:

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (48:11)

كما هو أداة للبسط بالسوء

إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (60:2)

ولعل المشاهدة البشرية البسيطة تتمثل في أن الذي يستخدم لسانه أكثر مما يجب يقع كثيرا في المغالطات. بينما الحافظ للسانه، هو من يمكن أن يتقي كثيرا من الشرور، فكانت واحدة من نعم الله على بعض عباده أن جعل لهم لسان صدق عليا:

وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (19:50)

وكانت هذه واحدة مما دعا به إبراهيم ربه:

وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (26:84)

ولعل كثير من لغات الأرض تستخدم الجذر "لغو" لتصف اللسان، كما في الانجليزية مثلا. فمفردة (LANGUAGE)  مشتقة من مادة (LANG, LANGE, LANGUE, LINGUA) ، أي لغو بعد أن تم تحريف بعض أصواتها في اللغات الأوروبية المتعددة، وحتى كلمة TONGUE، فهي – كما يعرف أهل اللغة- مشتقة أساسا من الجذر ZUNGA  و LINGUA

السؤال: كيف يمكن أن نتصور لسان عيسى بن مريم ولسان داوود؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نسأل: كيف كان يستخدم عيسى بن مريم لسانه؟ وكيف كان داوود يستخدم لسانه؟

رأينا المفترى: لا شك بأن هذا موضوع هائل، له تبعات جمّة، ربما لم يحن الوقت بعد لطرحها على مسامع الناس، خاصة الذين يظنون أننا نهرف بما لا نعرف. أما نحن، فإننا نعتقد جازمين بأننا بحاجة إلى كثير من المقدمات للوصول إلى مبتغانا في هذا الجانب، فالله وحده نسأل أن ياذن لنا بشيء من علمه فيه لا يكون لأحد من العالمين غيرنا، إنه هو السميع البصير.

لكن دعنا نعود الآن إلى قصة داوود، لنذكّر القارئ الكريم – إن أراد طبعا- بأهم التقاطعات (التي تعرضنا لها) بين قصة هذا النبي الكريم (أي داوود) وغيرها من القصص القرآني. فحتى الآن حاولنا ايجاد التقاطعات بين داوود من جهة وآدم من جهة أخرى في قضيتين رئيسيتين:

-          الخلافة

-          اللباس

وقد قادنا النقاش في قضية اللباس إلى البحث في التقاطع بين داوود من جهة وذي القرنين من جهة أخرى، وظننا أن واحد من العوامل المشتركة بين الشخصيتين هو استخدامها لزبر الحديد، الذي هو بمثابة الدرع الواقعي لصد خطر خارجي. ففي حالة داوود كان الهدف من ذلك هو الوقاية من بأس الناس، أما في حالة ذي القرنين فكانت الغاية هي صدّ خطر يأجوج ومأجوج عن الأرض حتى لا يفسدوا فيها كما كانوا يفعلون من ذي قبل.

وسنتابع في هذا الجزء - بإذن الله - البحث عن تقاطعات قصة داوود مع غيرها من قصص القرآن، والهدف من ذلك هو محاولة تجلية بعض جوانب قصة هذا النبي الكريم التي تحفّها كثيرٌ من الألغاز المحيّرة التي ربما ما زالت عصية على الأفهام. سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، فلا نفتري عليه الكذب ولا نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

داوود وعيسى بن مريم

عند محاولتنا تدبّر الآيات الكريمة التي جاء فيها ذكرٌ لنبي الله داوود صراحة، وجدنا أنه لزاما علينا التعرض لبعض خيوط الترابط بين داوود من جهة وعيسى بن مريم من جهة أخرى، وذلك لأن الآية الكريمة التالية تجمع الشخصيتين معا بطريقة ملفتة للانتباه. قال تعالى:

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (5:78)

ليكون السؤال (الذي نريد من القارئ الكريم أن يبقى دائم التفكر فيه) هو: لماذا كان هناك لسان خاص بداوود كما كان هناك لسان خاص بعيسى بن مريم على وجه التحديد؟

إن مجرد طرح هذا السؤال سيجلب معه عشرات الأسئلة التفصيلية ذات العلاقة، نذكر منها:

-          ما هو لسان داوود؟

-          ما هو لسان عيسى بن مريم؟

-          ما وجه الشبه بين لسان داوود ولسان عيسى بن مريم؟

-          ما هو وجه الاختلاف بين لسان داوود ولسان عيسى بن مريم؟

-          ما الذي يميّز لسان هذين النبيين الكريمين عن سائر خلق الله أجمعين؟

-          ما أهمية أن يكون لهذين الرسولين الكريمين لسان خاص بكل واحد منهما؟

-          ما علاقة هذين الرسولين ببني إسرائيل حتى جاءت لعنة الكافرين منهم على لسانهما فقط؟

-          لماذا لُعِن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان هذين النبيين الكريمين؟

-          ماذا كانت عاقبة لعنة الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان هذين النبيين الكريمين؟

-          الخ

باستخدام استراتيجية المقابلة بين الشخصيات الواردة في كتاب الله، يمكننا الاستفادة من تفاصيل بعض جوانب حياة أحدهما المفصّلة في كتاب الله في فهم جوانب شخصية الآخر التي عُمِيت علينا. فمهمة فهم الكتاب تكمن في القدرة على الخروج باستنباطات يدعمها الدليل. فإذا صحّ الاستنباط من عند أحدهما، استطعنا إلقاء الضوء على جانب من جوانب شخصية الطرف الآخر، وهكذا.

لذا، سنبدأ النقاش هنا باستعراض بعض الافتراءات السابقة التي توصلنا إليها (ربما مخطئين) حول قصة نبي الله عيسى بن مريم. وسنقدم تاليًا من جوانب قصة عيسى أهم ما نظن أنه قد يسعفنا في الطرح هنا حول قصة نبي الله داوود، نذكر منها:

         · لم يكن عيسى رسولًا من بني إسرائيل، ولكنه رسولًا لهم

         · لا ينتمي عيسى بن مريم بيولوجيًا إلى قوم بعينهم

         · لم تخلو ولادة عيسى بن مريم من الغرابة في تفاصيلها

         · لم تكن حياة عيسى بعد ولادته واضحة المعالم لمن كان متواجدًا حينئذ في بني إسرائيل

         · لم يظهر عيسى بن مريم على الساحة ليكلم الناس إلا مرتين: في المهد وفي كهولته

         · غابت الفئة العمرية الوسطى بتفاصيلها عن مسرح الأحداث

         · تكلم عيسى بن مريم من اليوم الأول من ولادته، فكان له لسان خاص به، غير لسان القوم من حوله

         · أُحيطت حياة عيسى بن مريم بما يسميه العامة من الناس "بالمعجزات" العصيّة على الفهم العادي

         · ارتبطت قدرة عيسى بخلق الطير من الطين

         · كان لعيسى بن مريم حواريون، وهم من كانوا قادرين على فهم لسانه، وبالتالي محاورته، ونقل رسالته إلى الناس بلسان القوم من حوله

         · وجد عيسى الصدّ من قبل الذين كفروا من بني إسرائيل، وذلك لأن عيسى لم يكن رسولًا منهم (وإن كان رسولًا إليهم)

         · الخ.

وبناءً على ذلك، سنتجرأ على الظن بأن:

-          عيسى بن مريم قد ولد في مكان ما – فكانت ولادته (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) في القدس (الأقصى)

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (19:22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (19:23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (19:24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (19:25)

-          نشأ عيسى بن مريم حياته الأولى في مكان آخر – فكان في بيت لحم (ما يعرف اليوم بكنيسة المهد)، بعيدا عن أعين الناس

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (3:46)

 

-          كانت نهاية مهمة عيسى بن مريم في مكان ثالث – فكان في الناصرة

 

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (3:52)

-          كان لعيسى بن مريم لسان خاص به، لم يكتسبه من الناس

-          لم يكن عيسى بن مريم رسولًا من بني إسرائيل (ولكن كان رسولًا لبني إسرائيل)

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (61:6)

-          الخ

ولو حاولنا - ابتداءً - الربط بين شخصية عيسى من هذه الجوانب مع شخصية داوود، لوجدنا تقاطعات كثيرة، وجب (نحن نظن) التنبه لها، نذكّر القارئ الكريم ببعضها كما افترينا ذلك في الأجزاء السابقة من هذه المقالة:

         · كانت طفولة داوود غاية في الغرابة، ويحيطها الغموض، فولد في مكان نحن نفتري الظن بأنه سبأ.

         · كانت نشأته في صباه يميزها عنصر الانعزال عن العالمين، فعاش في مكان منعزل عن الناس (في الغابة)

         · انتقل داوود بعد ذلك إلى مكان آخر بين الناس

         · كان لداوود لسان خاص به، يميزه عن لسان من حوله من الناس

         · لم يكن داوود رسولًا من بني إسرائيل (وإن كان رسولا لهم)

         · أُحيطت حياة داوود بما يسميه العامة من الناس "بالمعجزات" العصيّة على الفهم العادي (والتي سنحاول التعرض لها لاحقًا إن أذن الله لنا بشيء من العلم فيها)

         · تعلم داوود منطق الطير

         · وجد داوود الصدّ من قبل الذين كفروا من بني إسرائيل، فكانت اللعنة لهم على لسانه كما كانت على لسان عيسى من بعده.

السؤال: ما هو لسان داوود؟ وما هو لسان عيسى؟

رأينا المفترى: بعيدا عن تفصيلات الموضوع، فإن النتيجة التي نحاول جاهدين الوصول لها تتلخص بما يلي: لم يكن عيسى يتكلم لسان القوم من حوله، وذلك على الأقل للأسباب التالية:

-          لم يكن عيسى بن مريم من الناس

-          لم يرضع عيسى بن مريم من أمه

-          لم يتعلم عيسى بن مريم الكلام من الناس مادام أنه تكلم منذ اليوم الأول لولادته

-          لم يتعلم عيسى بن مريم لسان الناس في لاحق الأيام وذلك لأنه كلمة الله

نتيجة مفتراة: كان لعيسى بن مريم لسان خاص به، وكذلك كان لداوود لسان خاص به، يميّزه عن لسان القوم الذين كانوا من حوله.

السؤال: من أين تعلم عيسى ذلك اللسان؟

رأينا المفترى: لما كان عيسى ابن مريم يتكلم منذ ولادته، فقد جاء لسانه معه، فهو من كانت كلماته الأولى على النحو التالي:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (19:30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (19:31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (19:32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (19:33) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (19:34)

الأمر الذي دعنا منذ زمن بعيد أن نتجرأ على افتراء الظن بأن لسان عيسى هو لسان من أيده الله به، إنه روح القدس:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (2:87)

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (2:253)

استراحة قصيرة

عندما نقرأ في كتاب الله قصة عيسى بن مريم، نجد في بعض تفصيلاتها (نحن نظن)  ما نظن أنه يسعفنا في فهم ماهية لسان عيسى بن مريم. ونحن ندعو القارئ إلى أن يتدبر معنا الآية الكريم التالية التي تتحدث عن ما قاله المسيح عيسى بن مريم عندما أشارت أمه إليه. فالله هو - ابتداءً - من أمر مريم أن تنذر للرحمن صومًا، فلا تكلم إنسيا في ذلك اليوم:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (19:26)

وها هي تحمله وتعود به إلى قومها، فيتفاجأ القوم (مستغربين من، مستفسرين عن) ما كانت تحمل عندما أتت به قومها:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (19:27)

فالسؤال الذي سيبرز هنا على الفور هو: هل حصل خطاب (نحن نسأل) بين مريم من جهة وقومها من جهة أخرى في ذلك الموقف؟ ألم تكن مريم مأمورة أن لا تكلم اليوم إنسيا؟ فكيف نفهم إذًا قوله تعالى:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (19:29)

إن ما نحاول جاهدين أن نصل إليه هنا هو الافتراء الغريب التالي: لم تكن مريم مخاطبة قومها عندما أشارت، وذلك لأن إشارتَها كانت (نحن نظن) موجهةً لابنها فقط  بدليل اللفظ ذاته (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ). فغالبا ما ظن القارئ للنص القرآني أن تلك الإشارة من مريم قد كانت عبارة عن مخاطبة غير كلامية للقوم من حولها، وهذا ما ننفيه جملة وتفصيلا، وذلك لأن مريم كانت مأمورة أن تنذر للرحمن صوما، فلا تكلم اليوم إنسيا.

... فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (19:26)

فالأمر إذًا قد جاءها بعدم تكليمها القوم بأي طريقة كانت قبل أن تأتي قومها، فحتى المخاطبة غير اللفظية لكل من كان إنسيا حولها كانت (نحن نرى) ممنوعة على مريم. لذا، فالإشارة التي قامت بها مريم لم تكن (نحن نرى) جزءا من حوار لها مع قومها، ولكنها كانت (نحن نظن) طريقة تخاطب بينها من جهة وابنها المسيح من جهة أخرى. فمريم تستطيع اليوم أن تكلم عيسى لأنه (نحن نظن) ليس إنسيا، ولكنها لا تستطيع أن تكلم من كان إنسيا (أي القوم من حولها). إن لب القول هو لربما فهم القوم من إشارة مريم لإبنها بأن يخاطبوه هم بأنفسهم، لكن مريم كانت في الحقيقة تخاطب وليدها الذي انطلق لسانه مباشرة بعد إشارة أمه:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (19:30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (19:31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (19:32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (19:33) ذَٰلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (19:34)

ولو دققنا في السياق القرآني ذاتها، لما وجدنا أن القوم قد وجهوا أي نوع من الخطاب لذلك الصبي الذي كان متواجدا أمام ناظريهم في المهد. فقد انطلق لسان الصبي مباشرة دون أن يعطي للقوم الفرصة أن يسألوه بأنفسهم.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نعتقد (ربما مخطئين) بأن المسيح الذي كان في المهد لم ينتظر أن يخاطبه القوم حتى يتكلم، فما وجدنا القوم يسألونه أو يوجهون له كلاما من أي نوع (لفظيا أو غير لفظي)، ولكنه تكلم – نحن نظن- مباشرة ردا على إشارة أمه له (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ).

خيال مفترى عجيب غريب: تأتي مريم قومها تحمل شيئا مختلف، يحاول القوم الاستفسار عمّا كانت تحمل، توجه مريم الخطاب لابنها لأنه كان محظورا عليها أن تكلم اليوم إنسيا، يفهم المسيح ما أشارت به أمه إليه، ينطلق لسانه على الفور، مبينا هويته الحقيقة.

نتيجة مفتراة: كانت فحوى الإشارة التي وجهتها مريم لابنها المسيح (نحن نتخيل) على نحو: قل لهم من أنت.

السؤال: ما هي تلك الإشارة التي وجهتها مريم لإبنها حتى كان رده على تلك الشاكلة؟

نتيجة مفتراة: مادام أن مريم قد نذرت للرحمن صوما ألا تكلم اليوم إنسيا، فهي إذا لن تجري أي نوع من الاتصال مع القوم بأي شكل، لفظيا كان أو غير لفظي. لذا، نحن نكرر افتراءنا بأن الإشارة التي قامت بها مريم لم تكن جزءا من حوار لها مع قومها، ولكنها كانت جزءا من حوارها مع ابنها.

لكن كان ما أشار به زكريا – بالمقابل- جزءا من حوار له مع القوم، فما كان حوارا لفظيا، وإنما حوار غير لفظي، نفذه بالرمز.

السؤال الآن مرة أخرى: ماذا كانت تلك الإشارة التي وجهتها مريم لإبنها المسيح الذي كان في تلك اللحظة موجودا في المهد؟

رأينا المفترى:  إن معرفة تلك الإشارة تتطلب النظر إلى الرد الذي قاله المسيح، فالإشارة كانت (نحن نظن) طلبا من مريم ليفصح هذا الصبي الذي كان في المهد عن هويته. لذا جاء رده عبارة عن تعريف بنفسه. وبناء عليه، فإننا نفتري الظن بأن إشارة مريم كانت تفيد التالي: قل لهم من أنت.

السؤال: كيف قالت مريم ذلك للمسيح؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن إشارة مريم لابنها المسيح كان من نوع الخطاب المفهوم لعيسى. فذلك إذا (نحن نظن) من لسان عيسى.

الدليل

لو دققنا فيما فعل زكريا الذي كان مطلوب منه ألا يكلّم الناس ثلاث ليال سويًا، سنجد بأن زكريا قد أوحى للقوم، وذلك بمخاطبتهم بالرمز:

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (3:41)

السؤال: ما الفرق بين حالة مريم وحالة زكريا؟

جواب مفترى: لو دققنا في النصين في سياقهما القرآني، سنجد أن هناك فرقًا واضحًا يتمثل بوجود مفردة الصوم في حالة مريم، وغيابها في حالة زكريا، فمريم قد نذرت للرحمن صوما ألا تكلم اليوم إنسيا:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (19:26)

بينما لم ينذر زكريا للرحمن صومًا (كما فعلت مريم)، ولكنه أُمر ألا يكلّم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا:

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (3:41)

ولو دققنا أكثر في حالة زكريا، لوجدنا فرقا بين ما كان زكريا مأمورا به في الليل مقابل ما كان مأمورا به في اليوم. فالأمر لزكريا جاء مرتين، جاء الفرق بينهما جليا في كتاب الله. قال تعالى:

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۖ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا ۗ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (3:41)

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً ۚ قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (19:10)

فالمدقق في هذين السياقين، سيجد أن زكريا مأمور بأن لا يكلم الناس اطلاقا ثلاث ليال سويا (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا)، لكنه يستطيع أن يكلمهم في اليوم رمزا (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا). فكان هناك استثناء لزكريا بأن يكلم الناس بالرمز فقط في اليوم. فعلينا أن نتخيل فرقا في حالة زكريا في اليوم (أي من الفجر إلى المغرب) مقابل حالته في الليل (من المغرب حتى الفجر).

ولو عدنا لحالة مريم، لوجدنا بأن مريم كانت ممنوعة أن تكلم إنسيا في ذلك اليوم الذي أتت به قومها. ليكون السؤال المطروح هو: لم جاء منع مريم فقط في اليوم (من الفجر إلى المغرب) بينما جاء المنع لزكريا في اليوم والليل؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك ربما يعود إلى أن مريم (نحن نظن) قد غادرت قومها إلى مكان آخر في نهاية ذلك اليوم، فما عادت على اتصال معهم بعد ذلك، وإلا لربما عاد القوم في اليوم التالي ليتبينوا حقيقة ذلك الصبي مرة أخرى.

السؤال: أين ذهبت مريم في نهاية ذلك اليوم الذي أتت به قومها تحمله؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأن مريم قد عمدت إلى الذهاب بذلك الصبي بعيدًا عن أعين الناظرين، فما أعطت لأحدهم الفرصة أن يحتك بذلك الصبي حتى أصبح كهلا.

الدليل

دعنا نقرأ اولا قوله تعالى:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (3:45) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (3:46)

فالمدقق في هذا السياق، سيجد بأن العلم قد جاء لمريم منذ أن بُشرت بذلك الصبي بأنه سيكلم الناس في المهد فقط وسيكلمهم كهلا، فكان عليها (نحن ما زلنا نتخيل) أن تبتعد به عن أعين الناس بعد أن يكلمهم في المهد، ليعود فيكلمهم من جديد عندما يصبح كهلا.

ولو دققنا في السياق التالي، سنجد بأن الله قد كفّ بني إسرائيل عن عيسى (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ):

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (5:110)

ونحن نفهم (ربما مخطئين) بأن الكف لا يتوقف على عدم قدرتهم ايقاع الأذى به (كما ربما يفهم القارئ للنص للوهلة الأولى)، ولكنه يتعدى إلى منع وصولهم إليه طوال فترة من الزمن حتى عادهم مبلغا برسالته:

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (61:6)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن ظن بأن الله قد كف بني إسرائيل عن عيسى بن مريم بعد أن كلمهم في المهد

فالدقة القرآنية تلزمنا التفريق بين الكف بشكل عام وكف الأيدي بشكل خاص كما جاء في قوله تعالى:

وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (48:24)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (5:11)

وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَٰذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (48:20)

لنخرج من هنا بالحاجة إلى التفريق بين كف الأيدي (الذي نظن أنه يحمل معه معنى الاعتداء المادي) من جهة، والكف بشكل عام من جهة أخرى. ونظن (ربما مخطئين) بأن الكف يتمثل بعدم التواصل اطلاقا. لذا، سنتجرأ على القول بانه عندما كف الله بني إسرائيل عن عيسى، فهو قد قطع اتصال بني إسرائيل مع عيسى بعد أن كلمهم في المهد حتى عاد إليهم بنفسه ليكلمهم عندما أصبح كهلا. ليكون السؤال الآن هو: لماذا كف الله بني إسرائيل عن عيسى بن مريم فترة طويلة من الزمن؟

رأينا المفترى: لو جلبنا السياق القرآني ذاته، لوجدنا السبب في ذلك. فدعنا نجلب الآية الكريمة ذاتها مرة أخرى، لنحاول تدبرها من هذا الجانب:

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (5:110)

فالمتدبر لمفردات الآية ذاتها سيجد (إن صح افتراؤنا) بأن السبب هو أن يجيئهم عيسى بالبينات (وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ). فعندما جاء عيسى بن مريم بني إسرائيل بالبينات، كانت ردة فعل من كفر منهم على نحو (فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ). ليكون السؤال الآن: ما هي البينات التي جاء بها عيسى بن مريم (كما جاء بها رسل كثيرون من قبله)؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن واحدة من أهم خصائص البينات التي تميزها عن غيرها (كالآيات والذكر والزبور والفرقان والكتاب، الخ) هو أن البينات تطبيقات عملية على أرض الواقع (demonstrations) أمام أعين الناظرين. وربما يدل على ذلك ما قاله السحرة في خطابهم مع فرعون بعد المواجهة التي احتدمت بينهم من جهة وموسى وهارون من جهة أخرى في تلك الواقعة الشهيرة. فهذا فرعون يتوعدهم بالعذاب:

قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ (20:71)

فيأتي ردهم على النحو التالي:

قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (20:72)

فالذي كان في يد موسى (العصا) هي آية، لكن ما فعلت عصا موسى بعصا السحرة وحبالهم كانت بينات كما وصفها السحرة في خطابهم مع فرعون (قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ)، وذلك لأنهم شاهدوا بأم أعينهم ما فعلت تلك العصا الحقيقية بعصيهم وحبالهم الوهمية التي عجزت عن مقارعة عصا موسى.

ولو طبقنا المنطق ذاته في حالة المسيح، لربما حق لنا أن نظن (ربما مخطئين) بأن ما كان يقوم به المسيح من تطبيقات عملية  أمام أعين الناظرين (Demos) هي بينات ثتبت لهم بما لا يدع مجالا للشك حقيقة ما كان يملك المسيح من الآيات. فالآيات البينات هي إذا تلك التي يمكن أن تطبق على أرض الواقع، فقد نلمسها بأيدينا ونشاهدها بأعيننا، كما جاء في قوله تعالى:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (3:96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ۗ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (3:97)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَىٰ مَسْحُورًا (17:101)

وبمثل هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا، نحن نظن بأن ما أنزل الله لنا ربنا من الآيات البينات يمكن أن تطبق عمليا على أرض الواقع:

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (2:99)

وَكَذَٰلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (22:16)

وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (29:48) بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (29:49)

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (57:9)

إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (58:5)

استراحة قصيرة

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية التي وردت في بداية سورة النور،

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (24:1)

سنجد بأن هذه السورة العظيمة قد جاء فيها فيها آيات بينات. ليكون السؤال المحير هو: مادام أن الله قد أنزل الكتاب آيات بينات، فلم يذكرنا بأن هذه السورة العظيمة على وجه التحديد فيها آيات بينات (سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)؟ أليست آيات الكتاب كلها آيات بينات؟

رأينا المفترى: لو دققنا في هذه الآية الكريمة في سياقها الأوسع، لوجدنا أن بدايتها تتحدث عن بعض "الأحكام" التي وجب علينا تطبيقها على أرض الواقع. فأول ما تحدثت عنه هو ما يجب علينا تطبيقه من "حد" (أو لنقل مجازا عقوبة) بحق الزاني والزانية:

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (24:1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (24:2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ ۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (24:3)

ثم تتحدت بعد ذلك مباشرة عن الحد الذي يجب أن نوقعه بحق الذين يرمون المحصنات:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (24:4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (24:5)

ثم عن الذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم:

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (24:6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (24:7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (24:8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (24:9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (24:10)

ثم عن الذين جاءوا بالإفك:

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (24:11) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (24:12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ ۚ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (24:13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (24:14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (24:15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (24:16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (24:17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (24:18)

ثم تخبرنا عن عذاب الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا:

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (24:19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (24:20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (24:21) وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (24:22)

ثم عن عذاب الذين يرمون المحصنات الغافلات:

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (24:23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24:24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (24:25)

ثم عن مآل الخبيثين والخبيثات:

الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ۖ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ۚ أُولَٰئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ۖ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (24:26)

ثم عن ما يجب علينا فعله لدخول البيوت الآخرين أو البيوت غير المسكونة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (24:27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤْذَنَ لَكُمْ ۖ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (24:28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (24:29)

ثم عن ما نحن مطالبين به من غض البصر كسلوك للمؤمنين والمؤمنات:

قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (24:30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (24:31)

ثم تأتينا بالتوجيه الصحيح في النكاح:

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (24:32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (24:33)

وتختم كل هذه الآيات المتتالية السابقة جميعا بقوله تعالى:

وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (24:34)

فتنتهي هنا الآيات البينات التي جاءت في هذه السورة العظيمة، تلك الآيات التي أخبرنا عنه في الأية الأولى منها:

سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ

لأن الحديث بعد ذلك ينتقل مباشرة إلى آيات ربما يصبح من المستحيل علينا تطبيقها على أرض الواقع، وهي قوله تعالى:

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ۖ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ۚ نُورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (24:35)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن هناك فرقا واضحا بين الآيات من جهة والآيات البينات من جهة أخرى. لنفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الآية تصبح بينة إذا تم تطبيقها (كعرض) على أرض الواقع أمام أعين الناظرين.

ولو دققنا في بعض ما جاء به المسيح عيسى بن مريم، لوجدنا بأن البينات كانت مصاحبة له على الدوام:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (2:87)

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (2:87)

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (5:110)

ليكون السؤال هو: لماذا جاء ذكر البينات صراحة في السياقات التي جاء بها عيسى بن مريم أكثر من أي رسول آخر؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن عيسى هو الرسول الذي طبق على أرض الواقع أمام أعين الناظرين كثيرا مما جاء به. فهو من طبق أمام الناظرين خلق الطير من الطين والنفخ فيه، وهو من كان يبرئ الأكمه والأبرص، وهو من كان يخرج الموتى، وهو من كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم:

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (3:49)

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (5:110)

ولو دققنا بالسياق أكثر، لوجدنا بأن هناك ملاحظة مهمة وجب التنبه لها، ألا وهي أن عيسى يقول لهم بأنه قد جاءهم بآية من ربهم، لكنه يبين لهم بأن التطبيق العملي كان بينات كثيرة. وبكلمات أخرى نحن نقول: بالرغم أن عيسى قد جاءهم بآية واحدة (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)، كان تطبيق تلك الآية على أرض الواقع نحو بينات كثيرة:

... أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (3:49)

السؤال: لماذا كان ما جاء به عيسى بن مريم آية واحدة ولكنها بينات متعددة؟

جواب مفترى خطير جدا: نحن نظن أن السبب في ذلك كله هو طبيعة لسان عيسى بن مريم

السؤال: ما هو لسان عيسى؟

جواب مفترى: إنه لسان روح القدس الذي أيد الله به المسيح. إنه لسان الروح الذي خاطب مريم في الحجاب:

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (19:17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (19:18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19:19) قَالَتْ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (19:20) قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (19:21)

السؤال: كيف يمكن أن نتصور الحوار الذي دار بين رسول الله (روح القدس) من جهة ومريم من جهة أخرى في ذلك الحجاب؟ فهل جرى بينهما الحوار بطريقة الحوار العادي الذي يعرفه الناس ويستخدمونه في حياتهم اليومية؟ لو كان الحوار كذلك، كيف لمريم أن تقتنع بأن هذا هو رسول ربها؟ ولماذا استعاذت مريم منه بالرحمن إن كان تقيا؟

رأينا المفترى: إن هذه التساؤلات تدعونا إلى البحث أكثر في طريقة كلام الوحي (كروح القدس الذي جاء مريم)، طارحين السؤالي المبدئي التالي: ما هو لسان روح القدس؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن روح القدس لا يتكلم اللسان البشري العادي الذي نعرفه، ظانين أن له لسانه الخاص الذي يجعله مختلفا عن غيره، ليكون السؤال مرة أخرى: ما هو لسان روح القدس الذي خاطب به مريم في الحجاب:

جواب مفترى: لو دققنا في قوله تعالى:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (42:51)

سنجد أن كلام الله يصل للبشر بطرق ثلاث، ألا وهي:

-          وحيا (إِلَّا وَحْيًا)

-          أو من وراء حجاب (أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)

-          أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه (أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ)

ولما كان روح القدس قد كان رسول من رب مريم كما جاء في قوله:

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19:19)

ربما يصح لنا أن نفتري القول (ربما مخطئين) بأن ما حصل مع مريم هي الطريقة الثالثة، التي تتمثل في أن أرسل الله رسولا (روح القدس) فأوحى بإذنه، لنخرج بالاستنباط المهم جدا التالي: كان روح القدس يخاطب مريم وحيا، أي لم يخاطبها بالطريقة البشرية العادية.

السؤال: ما هو ذلك الوحي الذي خاطب به روح القدس مريم في الحجاب؟

رأينا: نحن نظن بأن ذلك هو ما نجده في الآيات الكريمة التالية:

حم (42:1) عسق (42:2) كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42:3)

فالمدقق في هذه الآيات الكريمة، سيجد بأن الوحي يتم باستخدام هذه الرموز اللفظية مثل حم عسق، الخ

السؤال: ما هي هذه الطريقة التي نسميها وحيا؟

رأينا المفترى: إنه اللسان المحكم الذي لا يدخله اللغو.

الدليل

لو تدبرنا الآيات الكريمة التالية:

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ (53:23)

الأمر الذي يدعونا إلى التفريق بين الاسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان من جهة والاسماء التي نزلت بالحق من ربك:

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ ۗ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (17:105) وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (17:106)

فما نزل به الروح الأمين على قلب محمد كان وحيا:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ ۚ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (4:163)

 وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (35:31)0

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (42:13)

وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (42:52)

نتيجة مفتراة: ما جاء وحيا من عند الله هو الحق، الذي لا يمكن أن تطاله شائبة، فلا يكون ظنا، ولا يكون هوى.

السؤال: وكيف نستطيع أن نتعرف عليه؟

السؤال: وما هي طبيعة لسان الوحي؟

رأينا المفترى (لا تصدقوه): إنه ما يشبه هذا:



السؤال: ما هذا؟

جواب: شو دخلني؟! من يدري!

خلص بكفي اليوم

 

المدّكرون: رشيد سليم الجراح وآخرون

بقلم: د. رشيد سليم الجراح

تاريخ النشر:      آيار 2023

 

 

 

 

 

 

 

 

 


أحدث أقدم