قصة يوسف - 27 باب كتابة الأرض المقدسة لبني إسرائيل


قصة يوسف – الجزء السابع والعشرون (باب كتابة الأرض المقدسة لبني إسرائيل(

تساؤلات:

-          هل فعلا كتب الله الأرض المقدسة لبني إسرائيل؟

-          متى كان ذلك؟

-          لماذا؟

سنحاول في هذا الجزء الجديد من قصة يوسف التعرض لقضية كتابة الأرض المقدسة لبني إسرائيل، ظانين بأن في تفاصيل قصة يوسف من الأحداث (كما نفهمها) ما قد يساعد في فهم هذه القضية التي ربما سببت إشكالات نظن أنها متناقضة في فكر المتدينين من أتباع  العقائد المختلفة؛ فكل أهل عقيدة يذهبون بالآيات الخاصة بهذه القضية بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم ويحقق مآربهم الشوفانية الطائفية. وسنبدأ الطرح هنا باستعراض ما عند هؤلاء الطوائف من الأثر الذي يرتكزون عليه ليروجوا لفهمهم الذي يظنون أنه الحق المطلق. وسنتبع ذلك برأينا المفترى من عند أنفسنا الذي نظن أنه لا يتوافق (من حيث المبدأ) مع ما عند أهل هذه العقائد، لأنها برأينا (ربما المغلوط) لا تعدو أكثر من تحريفات مقصودة للنص الديني. ونترك للقارئ الكريم نفسه أن يتبنى ما يظن أنه أقرب إلى الصواب بناء على وجود الدليل (أو عدمه) في كل جزئية من البحث. ونجد لزاما هنا أن نؤكد على موقفنا الذي لا نملّ من تكراره، ألا وهو أن ما نقدمه يقع في باب الافتراءت التي لا تثبت إلا بالدليل. لذا، يمكن ردها كذلك بالدليل، فمن يجد عنده الدليل على ردها، فسيجد بأننا كلنا آذان صاغية لما يقول. ونحن على استعداد للتخلي عنها متى وجد الدليل على تكذيبها.

أما بعد،

المشهد الأول: تركز كاميرا المصور على "إسرائيل يصارع الرب" كما جاء في تراث الأمم السابقة من أهل الكتاب - لينتزع منه اعترافا بأحقية ذريته بالأرض المقدسة، فالمشهد في الكتاب المقدس – كما شرحه لنا أهل تلك العقائد- على نحو أن إسرائيل هو  يعقوب نفسه، وأن الصراع قد حصل في الواد المقدس، وأن الهدف من ذلك الصراع هو أن ينتزع إسرائيل اعترافا من الرب بوراثة ذريته الأرض المقدسة.

ونجد عند الطرف الآخر قولا خجولا باعترافهم بأحقية بني إسرائيل بوراثة الأرض المقدسة، فتجد التفسيرات الكثيرة التي تلوي عنق النص الذي يقرأونه في أكثر من مكان في كتابهم، من مثل:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (5:20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (5:21)

فيظن بعض هؤلاء أن ذلك كان مرحليًا، مشروطًا بأولئك الذين كانوا مع موسى حينئذ، ولا ينسحب (هم يظنون) على من جاء منهم بعد ذلك. و يشترط بعضهم الآخر وجود عنصر الإيمان عند بني إسرائيل لحيازة الأرض المقدسة، فلسان حال هؤلاء يقول: مادام أن بني إسرائيل ما عادوا مؤمنين، فلا حق لهم بالأرض المقدسة، وهكذا.

لكن يبقى السؤال قائما: هل لبني إسرائيل حق في وراثة الأرض المقدسة في كل زمن؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن الإجابة على هذا السؤال هي بالإيجاب شريطة التعرض لمجموعة من الأسئلة الرئيسية حول هذه القضية الكبيرة جدًا، ألا وهي:

                     · من هم بنو إسرائيل؟

                     · متى كتب الله الأرض المقدسة لبني إسرائيل؟

                     ·كيف كتبها لهم؟

                     · لماذا كتبها لهم؟

                     · الخ

رأينا المفترى: نحن – ابتداء- لا ننكر أحقية بني إسرائيل بوراثة الأرض المقدسة في كل وقت امتثالا لما جاء في كتاب الله في قوله تعالى:

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (5:20) يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (5:21)

كما نظن (ربما مخطئين) بأنهم قد تحصلوا على هذا الحق فعلا زمن نبي الله يعقوب، وأن ذلك كان بسبب الاجتباء الإلهي ليوسف على إخوته، وخروجه من الأرض المقدسة إلى مصر، لكن يبرز السؤال الآن على نحو: كيف حصل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان ليعقوب النبي أثنا عشر ولدا، وكان من بينهم يوسف الذي كاد له إخوته كيدا، وطرحوه أرضا، ليتخلصوا منه، فيخلو لهم وجه أبيهم، ويكونوا من بعده قومًا صالحين:

 اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

وكان يعقوب -كما افترينا في هذه السلسلة من المقالات حول قصة يوسف- هو من رسم لأبنائه خطة التخليص من يوسف، فأرشدهم إلى طريقة الخلاص من يوسف بأن يلقوه في غيابت الجب، ثم يدّعون بأن الذئب قد أكله. وبالفعل ينفذ الأولاد (نحن مازلنا نتخيل) الخطة التي رسمها لهم أبوهم بحذافيرها وهم لا يشعرون. فيلقوا يوسف في غيابت الجب. وتأتي السيارة، فيسرّوه بضاعة، ويخرج يوسف من تلك الديار سالمًا من بين أيدي الإخوة الذين كادوا له. (للتفصيل انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة)

ونحن نفتري الظن هنا بأن خروج يوسف من الأرض كان أمرًا متفقا عليه بين يعقوب من جهة مع أحد أبنائه الأثني عشر من جهة أخرى. فبنود الاتفاق كانت (نحن نظن) على نحو أن يكون ميراث النبوة ليوسف بينما تكون وراثة الأرض المقدسة لأخيه وذريته من بعده. وبالتالي، تم إخراج يوسف من تلك الأرض ومعه بعض ميراث بيت النبوة، ألا وهو القميص باتفاق مسبّق بين يعقوب وواحد من أبنائه الإثني عشر. ليكون السؤال الآن:  كيف تم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الإجابة على هذا السؤال المفترى من عند أنفسنا يتطلب طرح سؤال آخر مفاده: كيف استطاع يوسف الخروج بشيء من ميراث النبوة (القميص) دون أن ينتبه لذلك إخوته المتآمرين عليه؟

رأينا المفترى: كان ليوسف أحد عشر أخ، عشرة منهم غير أشقاء (أي من أبيه فقط)، وواحد فقط أخ شقيق له (من أبيه وأمه). فتآمر العشرة (كعصبة)  على يوسف، محاولين التخلص منه ليخلو لهم وجه أبيهم، ويكونوا من بعده قومًا صالحين. فالأبناء لن يقروا بأفضلية يوسف عليهم، لأنه (نحن نظن) ليس أكبرهم سنا، وبالتالي ليس هو – برأيهم- صاحب الحق الشرعي في وراثة بيت النبوة.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن احتجاج الإخوة على أفضلية يوسف عليهم في هذا الوقت كان مدفوعًا بالرأي الذي مفاده أن ميراث الأب يكون في الإبن الأكبر سنا. لذا، ما أن يتخلصوا من يوسف حتى تكون الشرعية بوراثة بيت النبوة لواحد منهم هو في نظرهم- صاحب الحق الشرعي في ميراث النبوة. ليكون السؤال الآن هو: من هو ذلك الأخ الذي كان من المفترض أن يكون له الحق في ميراث النبوة إن لم يكن يوسف؟

جواب مفترى: إنه الأخ الأكبر سنا بينهم. فالإبن الأكبر هو – على الدوام- صاحب الحق الشرعي الذي يتولى الأمر بعد والده. فهكذا درج الناس في كل زمان ومكان. فالإبن الأكبر للملك – مثلًا- هو من يتسلم مقالد الحكم بعد والده، ولن يستطيع بقية الأبناء الاحتجاج على شرعيته، وينتقل الحكم بطريقة سلسلة لا تؤجج الخلاف بين الإخوة جميعا. لكن لو حصل أنْ آل الأمر إلى غير الإبن الأكبر، لربما احتج الإبن الأكبر نفسه على ذلك، ولربما سانده في هذا الاحتجاج كثير من الآخرين من حوله. فإخوة يوسف أحد عشر شخصا، فيستحيل أن يكون الأمر لهم جميعا بعد والدهم، ولكن لابد أن يكون لواحد منهم. ولابد أن يكون هذا الشخص هو  (نحن نظن) كبيرهم حتى لا يتنازعوا الأمر بينهم.

السؤال: ومن هو الأخ الأكبر؟

جواب مفترى: إنه إسرائيل. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان ليعقوب اثنا عشر ولدا، وكان أكبرهم هو "إسرائيل"، وكان من المفترض (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) أن يكون هو صاحب الحق في إرث النبوة من بعد والده يعقوب، وهذا ما كان يظنه جميع الإخوة. فكان من المتوقع أن يحظى هذا الشخص على مكانة خاصة عند أبيه يعقوب، تحضيرًا له لتولى الأمر من بعد والده. لكن يعقوب علم مما علّمه الله أن ذلك الإرث لن يكون في ولده الأكبر (إسرائيل هذا)، وأن الاجتباء الإلهي قد يكون في واحد من أثنين من أبنائه الآخرين: إما يوسف أو أخيه الشقيق، فولى وجهه شطر الإثنين، فظن الإخوة أن الأب يحبهما أكثر من البقية:

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (12:8)

ولكن عندما رأى يوسف تلك الرؤيا وقصّها على أبيه، ثبت ليعقوب النبي (والأب) بأن ميراث النبوة من حق يوسف فقط، فوجّه وجهه شطر يوسف، تاركا الأخ الشقيق الآخر ليكون في زمرة بقية الإخوة الآخرين، فجاء قرار الإخوة بالتخلص من يوسف فقط، بعدما أيقنوا أن والدهم يعقوب مؤثرا يوسف على وجه التحديد على الجميع، فقالوا:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

السؤال: لماذا كان في علم يعقوب (قبل أن يأتيه يوسف بخبر الرؤيا) أن إرث بيت النبوة سيكون في يوسف أو وأخيه الشقيق هذا، فكان مولي وجهه شطر الاثنين دون بقية الإخوة الآخرين؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن علم يعقوب المسبق في أن إرث بيت النبوة سيكون في واحد من ولديه هذين (يوسف أو أخيه) لأنهما إخوة غير أشقاء للآخرين؟

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: كان يوسف وأخوه أشقاء (من نفس الأب والأم)، بينما كان الإخوة الآخرين غير أشقاء ليوسف وأخيه لأنهما كانا يشاركانهما الأب فقط. فهم إخوة لهم من أبيهم، كما جاء على لسان يوسف لاحقًا عندما طلب من إخوته الآخرين يوم كان عزيز مصر أن يأتوه بأخ لهم من أبيهم:

وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (12:59)

نتيجة مفتراة: كان يوسف وأخوه أشقاء يتشاركون الأب والأم، بينما كان بقية الإخوة يشاركونهم الأب فقط (اي إخوة غير أشقاء ليوسف وأخيه الشقيقين).

السؤال: ما علاقة ذلك بعلم يعقوب المسبق بأن إرث النبوة سيكون في يوسف أو أخيه، فولى وجهه شطرهما؟

جواب مفترى خطير جدا: لأن ميراث النبوة ليوسف جاءه ليس فقط من خلال أبيه يعقوب وإنما أيضا من خلال أمه. فوالدة يوسف هي من بيت فيه "جينات" النبوة. انتهى.

تخيلات مفتراة: نحن نفتري الظن بأن النبي يكتسب ميراث النبوة من خلال والده، ويحظى بالاصطفاء الإلهي من خلال أمه. فللأم – نحن نظن- دور محوري في الاجتباء الإلهي بالرسالة.

نتيجة مفتراة: نحن نظن بأن علم يعقوب المسبق بأن الاجتباء الإلهي سيكون في يوسف أو أخيه بسبب معرفته بأن لهذين الولدين من أبنائه ميزة على بقية الإخوة بسبب أمهم. فالإخوة جميعا يتشاركون بجينات الأب، فيتساوون في ذلك، لكنهم يختلفون في جينات الأم. ولذا، وجه يعقوب في الفترة السابقة لرؤيا يوسف وجهه تجاه هذين الإخوين، فما كان ليخفى هذا التصرف على بقية الأبناء، فقالوا:

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (12:8)

لكن ما أن جاء يوسف أباه بخبر الرؤيا قائلا:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (12:4)

حتى تأكد ليعقوب ظنه في واحد منهما وهو يوسف على وجه التحديد، فولى وجهه شطر يوسف تاركًا الأخ الشقيق ليوسف لينظم إلى بقية الإخوة الآخرين. وفي هذه اللحظة أدرك جميع إخوة يوسف (نحن نظن) أن التخلص من يوسف على وجه التحديد هو الحل لمعضلتهم مع أبيهم، فقالوا:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

فبدأ الإخوة يدبرون الكيد ليتخلصوا من يوسف فقط. وفي خضم المؤامرة التي أخذ الإخوة يحيكونها ضد أخيهم يوسف، يخرج صوت من بينهم يدعوهم ألا يقتلوا يوسف بل يجعلوه في غيابت الجب ليلتقطه بعض السيارة، ويظهر لهم بأنه غير راض عما يفعلون:

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (12:10)

فلو دققنا في هذا النص جيدًا، سنجد بأن هذا الصوت (غير المتوقع) يقدم لهم المشورة بأن لا يقتلوا يوسف، ويقترح عليهم أن يلقوه في غيابت الجب، مبررا عدم موافقته التامة بقوله (إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ). ويكأن لسان حاله يقول لهم بإنه إن كان لابد من التخلص من يوسف، فالطريقة الأمثل هي إلقائه في غيابت الجب، ويكأنه يقول بطريقة غير مباشرة بأن هذا خيار أفضل من قتله. ونحن نظن (ربما مخطئين) بأن هذه هي الإشارة النصية الأولى التي تبين "انفصاله غير المعلن" عمّا يخطط له الإخوة بحق أخيهم يوسف. فالمشهد يمكن تصويره على نحو حصول اجتماع مغلق بين الإخوة للتشاور بكيفية التخلص من يوسف، فكان اجماعهم على قتله ليخلو لهم وجه أبيهم، فيخرج هذا الصوت في الاجتماع ليقدم اقتراحًا بديلًا عن قتل يوسف، ألا وهو أن يلقوه في غيابت الجب ليلتقطه بعض السيارة. وأظن أن هذا الأخ قد قدم لهم مبررات هذا المقترح على نحو أن أقنعهم بأن هذا هو الخيار الأمثل. لذا، نزل جميع الإخوة عند اقتراحه – برأينا- لسببين اثنين:

أولا، أنه كبيرهم، وهو المتضرر الأكبر من اجتباء يوسف عليهم. فهو – برأيهم جميعا- الخاسر الأكبر من وجود يوسف

ثانيا، أن لديه الحجة على أن هذا الخيار (أي القاء يوسف في غيابت الجب ليلتقطه بعض السيارة) أفضل من خيار قتله.

ونحن نظن بأن الأخ الأكبر قد أقنع بقية الإخوة بأن خيار قتل يوسف سيكلّف الجميع خسارة كبيرة تتمثل بظهور الفساد في الأرض، الأمر الذي قد ينتهي بهم جميعا إلى خسران ميراث النبوة كله. فهو يعلم بأن إراقة الدم بين الإخوة سبب كاف لظهور الفساد، وخسران الصلاح الذي ينشدونه من جراء التخلص من يوسف، والمتمثل بأن يكونوا من بعده قوما صالحين:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

السؤال: من هو صاحب هذا الصوت الذي ظهر في تلك اللحظة؟ ولماذا نزل الإخوة جميعا عند قراره؟

رأينا المفترى: إنه الأخ الأكبر لهم، وهو (نحن نظن) الشخص نفسه الذي رفض لاحقًا أن يبرح أرض مصر إلا أن يأذن له أبوه أو أن يحكم الله:

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (12:80)

الدليل

لو دققنا فيما قاله كبيرهم هذا، لوجدنا بأنه يخرج نفسه تمامًا من المؤامرة الأولى ضد يوسف، ويلقي باللائمة فيما حصل عليهم جميعًا، قائلا:

... وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ...

فالرجل الآن يستخدم ضمير المخاطب (فَرَّطْتُمْ)، ملقيًا باللائمة على التفريط بيوسف من قبل عليهم، وينأى بنفسه عن تلك المؤامرة الأولى التي حيكت ضد يوسف؛ فهو لم يستخدم ضمير الجمع الذي يشمل المتكلم مع المخاطبين، فهو لم يقل – مثلًا- (من قبل ما فرطنا بيوسف). لنستنتج (ربما مخطئين) بأنه لم يكن شريكًا لهم في ذلك الكيد ليوسف، وبالتالي لم يشاركهم التفريط بيوسف من قبل. ليكون السؤال الآن هو: لماذا لم يفرط هذا الأخ الكبير بيوسف من قبل؟ وكيف يمكن تبرير هذا الافتراء الخطير الذي هو – لا شك- من عند نفسي؟

جواب مفترى خطير جدًا (لا تصدقوه): لأنه هو  (نحن نظن) من كان ينفذ الخطة التي رسمها هو شخصيا مع والده يعقوب في الواد المقدس لإخراج يوسف سالمًا من بين أيدي إخوته الذين كادوا ليوسف. فلا يراق دم يكون سببًا في فسادهم أجمعين.

السؤال: كيف ذلك؟

المشهد الثاني:  دعنا نحاول أن نتخيل – ابتداءً- نبي الله يعقوب حائرًا ، متسائلًا مع نفسه، في كيفية تنفيذ القرار الإلهي بأن لا يكون ميراث بيت النبوة في  يوسف وليس في إبنه الأكبر (إسرائيل هذا)، فيقلقله الأمر فترة من الزمن، ويعلم أن ذلك سيكون سببًا كافيًا في إثارة كيد الأخوة لأخيهم يوسف. فقد كان يعقوب (كأب) يتمنى نحن نظن- أن يكون ميراث النبوة في ابنه الأكبر، وهذا الشعور عند يعقوب والذي نحاول الترويج له هنا (ربما مخطئين) مدفوعا بأمرين اثنين:

-          أن الطبيعة النفسية للأب تميل - في العادة  - للأبن الأكبر. فالأب (أي أب) يشعر الاستمرارية له في ولده الأكبر من بين جميع أبنائه الآخرين

-          أن تغيير هذه الطبيعة البشرية سيؤدي إلى خلق مشاكل بين الإخوة جميعا. فليس من المتوقع أن يحتج بقية الإخوة إذا ما كانت الوراثة في الإبن الأكبر، فالسلطة تنتقل بسلالة إلى الإبن الأكبر، لكن إن حصل أن انحاز الأب إلى غير الإبن الأكبر، فربما سيرى كل واحد من الآخرين بأن له أحقية في ذلك. فسيكون لسان حال كل طامع منهم في ذلك هو طرح السؤال التالي: لماذا فلان من بيننا جميعا؟

لكن لمّا كان القرار ليس بيد يعقوب، كان عليه أن ينزل عند الاجتباء الإلهي في غير الإبن الأكبر. فكيف سينفذ ذلك بأقل الخسائر الممكنة؟ وكيف سيكبح جماح كل الطامعين؟ وكيف سيكف نزغ الشيطان بين الإخوة جميعا؟

رأينا المفترى: كان يعقوب يعلم أن الأمر - لا محالة- سيكون من بعده ليوسف، لكن كيف سيجمع الأبناء معا، فلا يلحقوا الضرر بيوسف أولا؟ ولا يراق الدم بين الأبناء فلا يعودوا قومًا صالحين ثانيا؟ فيعقوب على يقين بأن الخلاف بين الإخوة سيغذيه الشيطان بالنزغ بينهم، وبالتالي سيتفرقون وتذهب ريحهم إنْ لم يعمد إلى حلّ الخلاف بطريقة ذكية جدًا، فكيف سيحافظ على إرث النبوة بالرغم من ظهور بوادر الخلاف الأولى بين الإخوة فلا يتفاقم الخلاف بينهم ويستعصي حلّه بعد ذلك؟

المشهد الثالث: تتراى الآن أمام عيني صورة يعقوب (النبي والأب) وهو على تلك الشاكلة، وأراه يحيك في نفسه (في مكان محدد بذاته سنتحدث عنه لاحقًا متى ما أذن الله لنا بذلك) كل الخيارات الممكنة، فما يجد بدّا من التسليم بالاجتباء الإلهي ليوسف على إخوته لأن تلك هي المشيئة الإلهية التي لا يستطيع إلا أن يتقبلها، لكن عليه الآن أن يجد الطريقة المثلى لتنفيذ تلك المشيئة على أرض الواقع بحنكة وذكاء، فيقلل الضرر الذي ربما يعصف ببته كله جراء ذلك، لأنه يعلم يقينًا بأن الإخوة - لا محالة- سيكيدون لأخيهم (الذي ما يزال طري العظم، قليل الحيلة والتجربة). فكان أول ما يتوجب على يعقوب أنا أفتري الظن من عند نفسي- أن يرى بأم عينه ردة فعل إبنه الأكبر  - على وجه التحديد- على تلك المشيئة الإلهية التي قضت باجتباء يوسف عليه وعلى بقية إخوته، وهو الإبن الذي كان من المفترض أن يكون هو صاحب الحق الشرعي – في ظن الجميع من حوله- في إرث بيت النبوة. فالمنطق المفترى من عند أنفسنا مفاده – كما نتخيله في ذهن يعقوب- هو على النحو التالي: إن استطاع الأب يعقوب أن يضمن قبول هذا الإبن بواقع الحال (أي بالاجتباء الإلهي ليوسف عليهم)، فلن يكون هناك خطر محدق من قبل الآخرين من أبنائه. فهو يعلم أن الآخرين من أبنائه لا يطمعون بأن يكونوا هم ورثة بيت النبوة كأشخاص مستقلين، ولكنهم بمجموعهم مدافعين حتى الساعة عن شرعية انتقال الإرث إلى صاحبه الذي هو – برأيهم – أخوهم الأكبر صاحب الأحقية في ذلك. فما الذي سيفعله؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن يعقوب قد عمد إلى عقد اجتماع خاص وسري بولده الأكبر على انفراد، ليختبر ردة فعله على القرار الإلهي باجتباء يوسف على الإخوة جميعا. فكيف سيفعل ذلك؟ وأين سيعقد ذلك الاجتماع المصيري الخطير جدا جدا؟

المشهد الرابع: نحن نتخيل بأن يعقوب قد اختار الواد المقدس ليكون هو مكان اجتماعه الإنفرادي بإبنه الأكبر "إسرائيل". ونظن (ربما مخطئين) بأن اختياره لهذا المكان قد كان مدفوعًا بطبيعة الحدث الذي يتطلب أن يعرض يعقوب فيه على هذا الإبن الأكبر عدة سينوريوهات سابقة، ليختار ابنه هذا واحدة منها. فكانت السيناريوهات التي عرضها يعقوب على ابنه الأكبر في الواد المقدس بعد أن أخبره بالاجتباء الإلهي ليوسف عليهم جميعا (وبعد أن هدأت نفسه من هول الصدمة والمفاجأة) على النحو التالي:

السيناريو الأول: يُذكّر يعقوبُ ولدَه إسرائيل بقصة إسرائيل الأول (ابن آدم) الذي قتل أخاه:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (5:27)

السيناريو الثاني: يُذكّر يعقوبُ ولدَه إسرائيل بقصة ابن نوح الذي رفض الركوب مع والده:

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (11:42)

السيناريو الثالث: يُذكّر يعقوبُ ولدَه إسرائيل بقصة أبيهم الأكبر إيراهيم مع ولده اسماعيل في حادثة الذبح الشهيرة:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ...

نعم، فانظر ماذا ترى؟ هذا (نحن نتخيل) ما قاله يعقوب لابنه إسرائيل في ذلك المكان بعد أن صعقه بخبر الاجتباء الإلهي ليوسف على إخوته.

السؤال: ماذا تتوقع – عزيزي القارئ- أن تكون ردة فعل الإين إسرائيل على الخبر الذي فاجاءه به والده يعقوب في تلك اللحظة؟ وما القرار الذي سيتخذه ذلك الإبن بعد أن عرض عليه أبوه السيناريوهات السابقة في قصص الأنبياء السابقين من عباد الله الصالحين؟ فهل سيفعل إسرائيل هذا ما فعل إسرائيل ذاك (ابن آدم) بأخيه، فيقدم على قتل أخيه؟ وهل سيتصرف كما تصرف ابن نوح الذي رفض دعوة والده بالركوب معهم؟ أم هل ستكون ردة فعل هذا الإبن ما كانت عليه ردة فعل إسماعيل (الأقرب زمنيًا وعرقيًا لهذه العائلة الكريمة) حينئذ؟

قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (37:102)

تلخيص الافتراءات المفتراة من عند نفسي في هذه القضية: يذهب يعقوب إلى الواد المقدس مصطحبًا معه واحدًا من أبنائه، وهو الإبن الأكبر الذين نظن أن اسمه إسرائيل، وهناك في ذلك المكان (نحن نظن) يصارح يعقوب هذا الإبن بالاجتباء الإلهي ليوسف، وبأحقية يوسف في ميراث بيت النبوة، فتثور (نحن نتخيل) ثائرة ذلك الإبن من هول الصدمة. ولك أن تتخيل – عند سماعه الخبر المفاجئ- كل ردة فعل من غضب ونقمة وعدم رضى، لكن ما الذي يستطيع أن يفعله؟ وما هو إلا وقت قصير (نحن مازلنا نتخيل) حتى تهدأ ثورة الإبن ليفكر بطريقة أخرى بعد أن تركه والده يعقوب يعبر عمّا أحدث ذلك الخبر في نفسه من صدمة مفاجئة. ليجد الإبن نفسه بعد أن هدأت ثورته الأولى- أمام واحدة من خيارين اثنين لا ثالث لهما، وهما:

                     · إما أن يثأر لنفسه، فيصر على أحقيته (كأكبر أبناء يعقوب سنا) في وراثة بيت النبوة من بعد والده يعقوب، فلا يكون أمامه خيار إلا أن يقتل يوسف (كما يخطط لذلك بقية الإخوة)، فينحاز إلى إخوته، ويبتعد بالتالي عن والده يعقوب، فاقترابه من مخطط إخوته يعني بالضرورة ابتعاده عن والده. وبالتالي حصول الفساد – لا محالة- في الأرض، فلا يعودوا قومًا صالحين، مادام أن الدم قد أريق على تلك الأرض، وتتكرر  - مرة أخرى- قصة إسرائيل الأول (ابن آدم) على يد إسرائيل الثاني (ابن يعقوب) ويكون بعد ذلك من النادمين، أو

                     ·أن يتقبل الأمر ولو على مضض، لكن ربما مقابل أن يكسب شيئا، فلا يكون من الخاسرين.

تخيلات من عند أنفسنا: تتجول الصور القديمة كلها أمام عيني إسرائيل هذا وفي مخيلته، ويذكره والده يعقوب – أكثر من مرة- بتلك الصور، وتفاصيلها وتداعياتها، ويناقش معه تفاصيلا ربما تغيب عن ذهن غيره، ثم يدع له القرار فيما سيختار.

الصورة الأولى: ها هي صورة ابني آدم تلوح أمام عينيه، فما الذي سيفعله؟ هل يفعل ما فعله القاتل (إسرائيل) ابن آدم، فيكون من الخاسرين ومن النادمين بعد أن يقتل أخاه؟

الصورة الثانية: وهذه صورة ابن نوح تلوح في مخيلته، فهل سيرفع صوته فوق صوت أبيه ويرفض الذهاب معه في سفينة النجاة؟

الصورة الثالثة: وهذه صورة أبيهم الأكبر إبراهيم وولده اسماعيل تلوح أيضا في مخيلته. فهل سيكون كإسماعيل الذي نزل عند القرار الإلهي ليصدق رؤيا والده إبراهيم أم سيرفض ويكون بالتالي من الخاسرين لهذا الإرث العظيم؟

تخيلات من عند أنفسنا: بعد أن لاحت كل تلك الصور في مخيلة ذلك الفتى، وبعد أن عززتها مصارعته لأبيه (ربه) يعقوب في ذلك الواد المقدس: نطق الإبن قائلا لوالده (نحن ما زلنا نتخيل طبعا): أقبل بذلك - يا أبت - لكن ما الذي سيعوضني عن تلك الخسارة؟ وبكلمات أخرى نحن نتخيل الإبن يسأل أباه: وماذا سيكون لي (أنا شخصيا) إن كان ميرات بيت النبوة في يوسف؟

رأينا المفترى: تدور في هذه اللحظة رحى معركة المفاوضات بين الإبن إسرائيل من جهة "وربه" يعقوب من جهة أخرى. وتنتهي بالموافقة المشروطة بأن تكون لذرية إسرائيل هذا وراثة الأرض المقدسة. انتهى.

تخيلات مفتراة من عندنا: في هذه اللحظة ترتسم الابتسامة على وجه يعقوب عند سماعه هذه الكلمات من فم ابنه الأكبر، وتنفرج سرائره، وينزاح جزء كبير من الحمل الذي كان يثقل كاهله: لقد وافق الإبن أن يستمر ميراث النبوة في هذا البيت الطاهر.  وينتهي الصراع بين الإبن (إسرائيل) من جهة وربه (أي والده يعقوب) من جهة أخرى في الواد المقدس بتوقيع اتفاقية ثنائية تنص على أن تكون وراثة الأرض المقدسة من نصيب ذرية الإبن الأكبر (إسرائيل).

السؤال: كيف ستتحق وراثة الأرض المقدسة لذرية إسرائيل؟

جواب مفترى: أن يخرج يوسف من الأرض المقدسة كلها.

سؤال مفترى: لماذا سيخرج يوسف من الأرض المقدسة؟

جواب مفترى: لكي لا تكون وراثة الأرض المقدسة ليوسف.

السؤال: وكيف ستتم وراثة الأرض المقدسة لذرية إسرائيل؟

جواب مفترى: بمفتاح الأرض المقدسة، ألا وهو التابوت. انتهى.

نتيجة مفتراة: كان من بنود تلك الصفقة (كما رسمناها من مخيلتنا المهترئة) أن يخرج يوسف ببعض ميراث النبوة، تاركًا الأرض المقدّسة كلها لذرية أخيه إسرائيل، فلا يرجع إليها أبدًا. وهو ما حصل بالفعل، ونحن ندعو القارئ - إن أراد- أن يتساءل عن السبب في عدم مجيئ يوسف (الإبن قوي البنية والسلطة) لأبيه يعقوب (الشيخ الكبير) بعد أن أصبح عزيز مصر؟ ولماذا طلب يوسف أن يحضروا جميع أهل إخوته إلى مصر حينئذ بدلًا من أن يذهب هو إليهم؟ لكن كيف تم تنفيذ الخطة على أرض الواقع؟

رأينا المفترى: كان الاتفاق بين يعقوب (الرب) وولده إسرائيل (الإبن) تتمثل بأن يقنع الأخ الأكبر إخوته بأن لا يقتلوا يوسف وأن يلقوه – بدلًا من ذلك - في غيابت الجب، فجاء قوله لهم على نحو:

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (12:10)

فهذا القائل منهم، ينأى بنفسه عن التفريط بيوسف، ويُلقي بفعل التآمر (اللائمة) على يوسف على إخوته الآخرين وذلك بأن أَتبع اقتراح طرح يوسف أرضا قائلا: إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ، لكنّه يلتزم معهم لئلا تنفك عصبتهم، وبالتالي يذهب ريحهم. لذا، فهو بمثابة صمام الأمان الذي يضبط تلك العصبة في العلن، لكنه في الخفاء يحافظ على أخيه يوسف، وينفّذ خطة أبيه يعقوب بكل حنكة وذكاء. فكيف سينفذ لك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما ذهب الإخوة بأخيهم وجعلوه في غيابت الجب، هناك جاء الوحي الأول ليوسف على النحو التالي:

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (12:15)

السؤال: لماذا جاء الوحي ليوسف هناك عندما أجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب؟

جواب مفترى خطير جدا (لا تصدقوه إن استطعتم): هناك استلم يوسف القميص (إرث النبوة) من أخيه إسرائيل (كما خطط والده) دون أن يشعر الإخوة الآخرون بذلك. فمجرد أن تلقّى يوسف "القميص" من أخيه إسرائيل دون أن يشعر بذلك بقية الإخوة الآخرين، بدأت رحلة الوحي ليوسف. فالوحي كان – نحن نفتري الظن من عند أنفسنا- ملازمًا لذلك القميص. وما تفعل ذلك الوحي إلا لحظة أن استلم صاحب الاجتباء الإلهي ذلك القميص. فكان الوحي.

فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَٰذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (12:15)

السؤال: كيف تمت الخطة؟

المشهد الخامس: كانت خطة الأب يعقوب تتمثل بأن يجعل الأخ الأكبر إسرائيل القميص في رحل أخيه (الذي لا محالة ستأخذه السيارة) دون أن يشعر بذلك بقية الإخوة. وكان ذلك على شكل اتفاق بين الأب يعقوب وابنه إسرائيل. فالمشهد السينمائي يكون على نحو أن يقوم هذا الأخ (صاحب خطة القاء يوسف في غيابت الجب) بانجاز المهمة بنفسه، فهو الذي اقتاد يوسف بطريقة عنيفة ليظهر (أمام بقية الإخوة) جديته في تنفيذ الخطة، فلا يشعر بقية الإخوة بوجود شبهة فيما يفعل، فأشغل إخوته كلهم بفعل القاء يوسف في غيابت الجب، فيصرف انتباههم عن الرحل الذي كان ليوسف، ليجعل القميص الذي عهده أبوه إليه في رحل يوسف، ويلقي به مع ذلك الرحل في غيابت الجب. ولو حاولنا أن نسقط هذا المشهد السينمائي (المفتعل في مخيالنا) على ما فعل يوسف لاحقًا مع أخيه عندما أخذه بتهمة السرقة في أرض مصر، لوجدنا السناريو ذاته. فهو نفسه من وضع السقاية في رحل أخيه دون أن يشعر الآخرين، حتى أذّن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون. فبان الأمر على العامة بأن ذلك سرقة، لكنها في الحقيقة كيد عظيم. ولو ركزنا بما قاله الإخوة هنا، لوجدناهم يعقدون مقارنة لحادثة "السرقة المفتعلة" في أرض مصر مع السرقة التي حصلت من قبل:

قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (12:77)

السؤال: لماذا شبّه الإخوة ما يجري الآن في أرض مصر بما حصل من قبلُ عندما كان يوسف بينهم؟

رأينا المفترى: لقد أدرك الإخوة بأن هذا الأخ المتهم بالسرقة في أرض مصر قد أخذ شيئًا لا حق له فيه (وهو السقاية)، كما فعل (هم يظنون) أخوه يوسف من قبل، فهم يصفون ما أخذه يوسف (وهو القميص) على نحو أنه يقع في باب سرقة شيء ظنوا أنه لا حق له فيه. وسنحاول أن نبين لاحقًا - إن شاء الله - كيف كان ما فعله يوسف من تدبير حادثة السرقة المفتعلة في مصر هو الإشارة القوية -والرسالة الضمنية - لأبيه يعقوب بأن هذا من فعل من كان عليمًا. فيوسف يقوم بتدبير  كيد يظهر للناس من حوله بأنها "سرقة" في أرض مصر بالطريقة ذاتها التي دبّرها يعقوب نفسه لإخراج يوسف من بين أيدي إخوته ومعه إرث النبوة (القميص).

فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (12:76)

لكن ما يهمنا الآن هو ردة فعل أحدهم، وهو كبيرهم:

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (12:80)

لنطرح هنا سيلًا من التساؤلات:

                     · لماذا رفض كبيرهم هذا العودة دون إذن أبيه أو حكم الله؟

                     · لماذا قدم إذن أبيه على حكم الله؟

                     · من هو هذا الأخ الأكبر؟

                     · لماذا علّل ذلك بتفريط إخوته بيوسف من قبل؟

                     · لماذا تحدث عن التزامه بالموثق؟

                     · ما هو ذلك الموثق؟

                     · الخ

المشهد السادس: تعود بنا كاميرا تصوير أحداث القصة إلى يعقوب، لنجده قد التقط الرسالة القادمة له من أرض مصر على الفور، فعلم أن ما يحصل لإبنه المأخوذ في دين الملك في مصر هو كيد لا يقدر عليه إلا من كان قد فعل ذلك من قبل، خاصة إذا اتفقنا بأن يعقوب كان على ثقة تامة باستحالة أن يكون ابنه من السارقين، فكان ما قاله لأبنائه الآخرين هو:

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (12:87)

التساؤلات

- لماذا طلب الأب من أبنائه أن يذهبوا فيتحسسوا من يوسف وأخيه؟

- لماذا وافق الأبناء على الذهاب فورا بالرغم أنهم هم من أخبروه منذ سنين خلت بأن يوسف قد أكله الذئب؟

- هل ذهب جميع الأبناء ليتحسسوا من يوسف وأخيه؟

- الخ

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن رجع الأبناء من رحلتهم الأولى من أرض مصر، محاولين مراودة يعقوب عن ابنه بطلب من عزيز مصر:

وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (12:59)

أصر يعقوب على موقفه بأن لا يبعثه معه، معللًا ذلك بتفريطهم من قبل بيوسف:

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ ۖ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (12:64)

لكن ما أن فتحوا متاعهم، ووجدوا بضاعتهم قد ردت إليهم داخل رحالهم، حتى أدرك يعقوب (نحن نفتري الظن) بأن هناك كيد يدبر في أرض مصر له علاقة به وبأبنائه، فلن يفوت يعقوب أن وضع المتاع في رحل الأبناء أمر لا يمكن أن يكون عفويا، فجاءت موافقته على إرسال ولده الآخر إلى أرض مصر مع إخوته بعد أن أخذ من أبنائه موثقا من الله:

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ ۖ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (12:66)

فيعقوب على يقين (نحن نرى) بأن الإخوة لن يمسوا أخاهم بسوء في طريق الذهاب إلى مصر، ربما لقناعته بأن على الإخوة أن يصلوا بأخيهم إلى عزيز مصر، فهم لن يقربوا عزيز مصر إذا لم يكن أخوهم هذا معهم. فهذا ما قاله لهم عزيز مصر من ذي قبل:

فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (12:60)

لكنه يخشى على الإبن هذا من كيد الإخوة في طريق العودة من أرض مصر. لذا، عندما عاد الإخوة إلى أبيهم في الرحلة الثانية ليخبروه بأمر السرقة كما شرحها كبيرهم:

ارْجِعُوا إِلَىٰ أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (12:81)

وعلم أن كبير الإخوة قد رفض العودة لأبيه بسبب ما حصل، مذكرا إخوته بالموثق الذي أخذه أبوهم منهم:

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (12:80)

تأكد ليعقوب - بعد كل هذه الأحداث غير العادية - بأن هناك أمر جلل يدبر في أرض مصر، فما كان منه إلا أن قال:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (12:83)

فهذا يعقوب يدعو الله أن يأتيه بهم جميعا، أي بجميع أبنائه المفقودين حتى الساعة، وهم:

-          يوسف المفقود منذ زمن بعيد

-          كبيرهم الذي رفض الرجوع إلا بإذن من أبيه أو بحكم من الله

-          الإبن الثالث الذي أُخِذ في دين الملك، وهو المتهم الآن بسرقة صواع الملك

السؤال: ما الذي سيفعله يعقوب الآن؟ هل سينظر إلى هذه الأحداث على أنها مجريات وقعت بمحض الصدفة؟

المشهد السابع: نحن نتخيل يعقوب يأخذ وقته ليتدبر كل المجريات حتى الساعة بعيدا عن الجميع، وليتدبر الأمر من كل جوانبه، ولن تنقصه الفراسة بأن يربط الأحداث بعضها ببعض منذ ولادة يوسف وأخيه مرورا بكيد الإخوة له وانتهاء بهذا الحدث الذي اتهم به هذا الإبن بجرم السرقة في أرض مصر. وهنا ربما يحق لنا أن نجلب الآية القرآنية التي فصلت لنا عزلة يعقوب بنفسه بعيدا عن الجميع:

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (12:84)

فنحن نتخيل وجود يعقوب الآن بعيدا عن الآخرين في مكان خاص به، يقلب الأحداث من أولها إلى آخرها، ويحاول ربطها معا، ليخرج بتصور متكامل عمّا جرى في سابق الأيام وما يجري الآن في أرض مصر. فكان أول ما فعل هو التعبير عن أسفه على يوسف على وجه التحديد. فبالرغم من فقدانه ثلاثة من أبنائه الآن، إلا أنه يذكر يوسف فقط، فكانت ردة فعل بعض من حوله على النحو التالي:

قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (12:85)

ليكون السؤال الآن هو: لماذا ذكر يعقوب يوسف في هذا المقام بالرغم من أن الحدث الآن يخص اثنين من أبنائه الآخرين؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن يعقوب قد علم يقينا بأنه من الاستحالة بمكان أن يكون ما يحصل في أرض مصر بعيدا عن يوسف، لذا جاء رده على قول أبنائه على النحو التالي:

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (12:86)

نعم، يعقوب يعلم من الله ما لا يعلم أبناؤه، فيعقوب على يقين بأن سجود الإخوة ليوسف لا محالة سيتحقق، فذلك وعد إلهي لا محالة سيحصل في يوم من الأيام، وأنه سيشهد هو بنفسه على ذلك الحدث. ولنقرأ رؤية يوسف التي قصها على والده في سابق الأيام:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (12:4)

وأن قصة أكل الذئب ليوسف قصة مفبركة لم يصدقها يعقوب أصلا منذ أول لحظة قيلت، فهو نفسه من دبرها ومررها لأبنائه من خلال ابنه الأكبر إسرائيل. لذا، نحن نرى بأن يعقوب كان على الدوام موقنًا بأن يوسف حي يرزق في مكان ما من الأرض. وتتأكد الظنون عنده الآن بعد كل مجريات الأمور التي بين يديه، فيكون أول طلب له من بعد عزلته عمن حوله لفترة من الزمن هو على النحو التالي:

يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (12:87)

ليكون السؤال المربك الآن: لماذا لم يتردد الأبناء في تنفيذ طلب أبيهم بالذهاب إلى مصر والتحسس من يوسف وأخيه؟ لماذا لم ينبري من بينهم صوت يذكّره بأكل الذئب ليوسف؟ وبكلمات أخرى نحن نسأل: لماذا ذهب الأبناء ليتحسسوا من يوسف وأخيه بطلب من أبيهم؟

رأينا المفترى: للإجابة على هذا التساؤل، لابد من إثارة تساؤل آخر وهو: هل ذهب جميع الأبناء ليتحسسوا من يوسف وأخيه؟

رأينا المفترى: لا، لم يذهب جمبع الأبناء ليتحسسوا من يوسف وأخيه، بل ذهب (نحن نظن) بعضهم، وظل بعضهم الآخر عند أبيهم، بدليل أنه لما فصلت العير، وذكر يعقوب ريح يوسف:

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ ۖ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (12:94)

كانت ردة من حوله على النحو التالي:

 قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (12:95)

وبدليل أنه عندما تأكد صدق قول أبيهم بخصوص ريح يوسف خاطب بعض أبنائه قائلا:

فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا ۖ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (12:96)

وهنا نجد الأبناء يقرون بخطئهم ويطلبون منه أن يستغفر لهم:

قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (12:97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (12:98)

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأنه عندما طلب الأب من أبنائه الذهاب ليتحسسوا من يوسف وأخيه، لم يذهبوا جميعا. فذهب نفر، وظل نفر آخر منهم عند أبيهم يعقوب.

تساؤلات

                     ·لماذا ذهب بعضهم؟

                     ·لماذا لم يذهب بعضهم الآخر؟

                     ·كم عدد الذين ذهبوا؟

                     ·كم عدد الذين لم يذهبوا؟

                     ·من الذين كانوا خاطئين؟

                     ·الخ

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه من أجل الإجابة على هذه التساؤلات، فلابد من محاولة إعادة حبك قصة هذه العائلة الكريمة من بداياتها. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يزدني علما، وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، وأعوذ به وحده أن أفتري عليه الكذب أو أن أقول ما ليس لي بحق، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

كان هناك في قديم الزمان رسول كريم، اسمه إبراهيم، وهو الذي حاول أن يثني قومه عن عبادة الأصنام، فكادوا به، فجعلهم الله الأسفلين:

فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (37:98)

وأخرجه الله من النار سالمًا، لابسًا ثوبًا (قميصا) يستر عورته، ويقيه نار القوم الظالمين، فكان ثوب النبوة. وذهب إلى ربه طالبًا الهداية:

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (37:99)

وظل (نحن ما زلنا نتخيل) لابسًا ذلك الثوب حتى غدا شيخًا كبيرًا. فما تحصلت له الذرية، وذلك لأن من يلبس هذا القميص (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) لن تتحصل له الذريه إلا بالهبة الإلهية، وسيكون من الصديقين:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (19:41)

كما كان إدريس من قبل:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (19:56)

وكما أصبح يوسف من بعد:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (12:46)

وكما كانت مريم:

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (5:75)

وما أن بلغ إبراهيم من الكِبر عتيًا حتى جاء قراره بأن يكون له ذرية من الصالحين، يعهد إليهم بميراث بيت النبوة الكريم، فخلع  إبراهيم (نحن نظن) ذلك القميص عنه، ووضعه في مكان ما كإرث لبيت النبوة، وتوجه إلى ربه بالدعاء بأن يهب له من الصالحين:

رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (37:100)

فكان له على الكبر إسماعيل وإسحاق:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (14:39) رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي ۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (14:40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (14:41)

وقد كانت قصة هبة الله إسحاق لإبراهيم مختلفة بطبيعتها، لأنها جاءته بشرى على لسان رسل الله إليه (أي على لسان ضيوفه المكرمين):

وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (37:112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَىٰ إِسْحَاقَ ۚ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (37:113)

فكان مستغربا من تلك البشارة بسبب بلوغه الكبر:

قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (15:54)

وكانت المفاجأة الأكبر (نحن نظن) أن البشارة بإسحاق قد صاحبتها البشارة (لواحدة من نساء إبراهيم) بيعقوب من وراء إسحاق:

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (11:71)

وكانت تلك المرأة التي بشرتها رسل الله بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب عجوز عقيم:

قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (11:72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (11:73)

فكانت ولادة إسحاق قد حصلت في بطن تلك المرأة العجوز التي – لا محالة- قد انقطع عنها المحيض منذ زمن بعيد. فتكوّن إسحاق في بطن تلك المرأة التي لا تحيض، فما مسه أذى المحيض، فكان غلامًا عليمًا:

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (51:28)

فأصبح العلم متوارثا جينيا في إسحاق وذريته من ورائه (للتفصل في هذا الموضوع، انظر مقالاتنا الأخرى).

نتيجة مفتراة 1: كان إسحاق غلامًا عليمًا لأنه تكون طفلا في بطن امرأة لا تحيض، فما مسه أذى المحيض

نتيجة مفتراة 2: أصبح العلم متوارثا في ذرية إسحاق التي جاءت من ورائه

ولما كان إسحاق غلامًا عليمًا بسبب طبيعة ولادته في بطن امرأة لا تحيض، لم يكن ليعيش فترة طويلة من العمر، فتوفاه الله بالموت بعد ولادة يعقوب مباشرة (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة حول هذه الجزئية). فنشأ يعقوب يتيم الأب، لكنه محمل جينيا بالعلم، ولديه جزء من ميراث بيت النبوة الكريم:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (4:54)

فكان آل إبرهيم من المصطفين، الذين هم أصلا ذرية بعضها من بعض:

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (3:33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (3:34)

عندما بلغ يعقوب (ولد إسحاق) سن الزواج، كان عليه أن يتخذ قرارًا حاسمًا  يتعلق بميراث بيت النبوة، وخاصة القميص. فكان (نحن نفتري الظن) أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما:

-          أن يلبس القميص فلا ينجب، أو

-          أن لا يلبس القميص، فتمسه بركة ذلك القميص، فينجب ما يشاء من البنين والبنات.

السؤال: ماذا كان قرار يعقوب (إن صح منطقنا المفترى هذا)؟

تخيلات مفتراة: لما كان يعقوب مدركا أهمية استمرار هذه الذرية الطيبة التي تتصف بالعلم الوراثي، اتخذ قراره بأن لا يلبس ذلك القميص، لتكون له ذرية كثيرة من الأبناء العالمين. فيعقوب (نحن نفتري الظن) يريد أن لا تندثر ذرية العلماء الذين هم من نسل هذا البيت الطيب، فالرجل يعلم أهمية الجين الوراثي في ذرية والده إسحاق العليم. فكيف سيحقق ذلك على أرض الواقع؟

رأينا المفترى: كان هناك خيار واحد أمام يعقوب وهو كثرة الإنجاب، فكان له أثنا عشر ولدا.

السؤال: كيف تحصلت ليعقوب هذه الذرية الكثيرة من الأبناء؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن ذلك قد تحصل له بالزواج من أكثر من امرأة واحدة.

السؤال: كم تزوج يعقوب من النساء؟ يسأل صاحبنا متعجبا

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأنه كان ليعقوب ثلاثة من النساء. انتهى.

الدليل

عندما حصلت المشكلة بين يوسف وإخواته، انقسم الإخوة إلى فريقين، فكان الفريق الأول المُتآمَر عليه يتكون من يوسف وأخيه:

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (12:8)

فكان يوسف وأخوه أشقاء من نفس الاب والأم. بينما كان البقية هم إخوة لهما غير أشقاء، يشاركونهما الأب ولا يشاركونهما الأم، بدليل ما قاله يوسف لهم لاحقا في أرض مصر:

وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (12:59)

السؤال: ماذا عن بقية الإخوة غير الأشقاء، فهل كانوا جميعا من نفس الأب والأم؟ أم هل كانوا هم أيضا إخوة غير أشقاء؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الإخوة العشرة الآخرين كانوا غير أشقاء بدليل أنهم عصبة:

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (12:8)

وقد حاولنا في أكثر من مقال سابق الترويج لفكرة أن العصبة هي المجموعة المتكونة من فريقين اثنين، في كل فريق خمسة من الأشخاص، كحال الذين قد يحملون مفاتيح كنوز قارون:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (28:76)

فمشهد حمل المفاتيح من قبل عصبة من الرجال لا يمكن (نحن نتخيل) أن يتبلور للخيال العادي إلا بوجود طرفين متساويين متقابلين، يحمل كل طرف بمجموعة المفاتيح من أحد الجهتين. فهم كحال أصابع اليدين الاثنتين، في كل يد خمسة منها. فيتكاتفون معا، ليشكلوا معا اتحادًا واحدًا لغاية محددة بذاتها. فكان إخوة يوسف العشرة مكونين (نحن نفتري الظن) من فريقين، في كل فريق خمسة منهم. وكان هذا الإنقسام مبني على مبدأ الإخوة. فكل فريق منهم إخوة أشقاء (يتشاركون الأب والأم). وهم مع المجموعة الأخرى إخوة غير أشقاء (يتشاركون الأب فقط). ونحن نكرر القول هنا لأهميته على النحو التالي: كل مجموعة تتكون من خمسة أفراد يتشاركون الأب والأم معا. وهم يتشاركون الاب فقط مع المجموعة الأخرى. فكان الترتيب (كما نتخيله طبعا) على النحو التالي:

-          يعقوب والزوجة الأولى (خمسة أبناء أشقاء)

-          يعقوب والزوجة الأخرى (خمسة أبناء أشقاء)

-          يعقوب والزوجة الثالثة (اثنان من الأبناء أشقاء، هم يوسف وأخوه)

ونحن نفتري الظن بأن الإخوة جميعًا كانوا متقاربين في العمر، وذلك لأنهم خرجوا ليلعبوا ويرتعوا معا.

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12:12)

فلو كانوا من أم واحدة، لأصبح (نحن نرى) هناك فارق عمري كبير بينهم، ولربما أصبح من المتعذر أن يلعب أكبرهم سنا مع أصغرهم سنا.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الذرية من الأبناء كانت تتحصل ليعقوب من أكثر من زوجة واحدة من ذات الوقت.

السؤال: ماذا يفيد النبش في هذه الجزئية من قصة يوسف؟هل لهذا تبعات مهمة على تطور مجريات الأحداث من أوّلها إلى آخرها؟

رأينا المفترى: نعم، نحن نظن أن لهذا الافتراء تداعيات جمّة على تطور مجريات أحداث القصة كلها، أولها التنبه بأن الأكبر سنا فيهم هو كبيرهم. فهناك كبير لهؤلاء الإخوة كما فُصِّل ذلك في قوله تعالى:

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (12:80)

وكان كبيرهم هذا (نحن نكاد نجزم الظن)  هو من كان من المفترض أن يكون وريث بيت النبوة  لولا الاجتباء الإلهي ليوسف، فالطبيعة والنفس والبشرية تقضيان أن يؤول الأمر إلى الإبن الأكبر سنا بعد والده.

السؤال: ما أهمية هذا الظن في قصة الكيد ليوسف؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الإبن الأكبر ليعقوب قد وُلِد له من الزوجة الأولى، فكان هذا الإبن يظن – موقنا- أنه هو الوريث الشرعي لبيت النبوة من بعد والده، وأنه سيكون سيد إخوته جميعا في غياب والدهم يعقوب. ونحن نظن بأن إخوته الأشقاء من أمه يقرون له بذلك، ولا ينازعونه في الأمر. فالقضية بالنسبة لهم محسومة بأن يكون أخوهم الشقيق الأكبر هو وريث أبيهم يعقوب، وهو سيدهم من بعده. لذا، فهم يحرصون على الشرعية لأنهم (نحن نظن) الأكثر انتفاعا بها مادام أن أخوهم الشقيق الأكبر  هو صاحب حق وراثة بيت النبوة. لذا، كان هؤلاء على وجه التحديد هم الأحرص على أن يكونوا قوما صالحين، فلا يراق الدم بين الإخوة، وذلك لأنهم يعلمون العواقب الكارثية لو أن ذلك حصل على أرض الواقع. فهم أشد المطالبين بالانتقال السلمي "للسلطة" (إن صح القول) من بعد والدهم يعقوب.

لكن - المقابل - كان هناك خمسة من الأبناء ليعقوب من الزوجة الثانية الذين يعلمون يقينا بأنه من الاستحالة بمكان أن تؤول وراثة بيت النبوة لأحد منهم. فسواء كان يوسف هو الوريث الشرعي أو كان أخوهم غير الشقيق (الأكبر) هو وريث بيت النبوة، فالأمر بالنسبة لهم سيان. ففي كلا الحالتين هم ليسوا أكثر من جمهور متفرج، سيُطلَب منهم الخصوع لمن كان له الحق في وراثة بيت النبوة من الطرفين الآخرين. فماذا ستظن هؤلاء فاعلون؟

المشهد الثامن: لما كان هؤلاء غير مستفيدين من وراثة بيت النبوة بأي اتجاه كان، خرج (نحن نفتري الظن) من بينهم من ينزل عند نزغ الشيطان:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (12:100)

نعم، من هذا الباب (نحن نتخيل) دخل الشيطان بينهم، فنزغ بين الإخوة. فماذا كانت خطة الشيطان؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن خطة الشيطان - على الدوام - هي واحدة: ايقاع الفتنة بين الناس. انتهى

السؤال: كيف نزغ الشيطان بين الإخوة في قصة يوسف؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نعتقد بأن الشيطان كان يحاول – ما استطاع إلى ذلك سبيلا- أن يوقع الفتنة بين الإخوة، فينزع عنهما لباسهما، فيخسروا ما وعدهما ربهما به:

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (7:27)

نعم، لقد كانت خطة الشيطان تتلخص بأن ينزع ذلك القميص (إرث النبوة) من بين يدي تلك العائلة الكريمة، فيحدث بينهم الفتنة التي تؤدي إلى خسارتهم وراثة بيت النبوة كله. فكيف حصل ذلك على أرض الواقع؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن الشيطان قد عمد إلى ذلك بالكيد، فهذا يعقوب يحذر ولده يوسف من أن يقص على إخوته رؤياه، لانهم لا محالة سيكيدون له كيدا:

قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (12:5)

والمدقق في قول يعقوب ليوسف هنا سيجد أن يعقوب يحذر يوسف من كيد إخوته له، ويربط ذلك بعداوة الشيطان للإنسان.

نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نظن بأن يعقوب يعلم يقينا بأن الإخوة سيكيدون ليوسف، كما يحذره بأن ذلك الكيد سيغذيه الشيطان نفسه.

تخيلات مفتراة من عن أنفسنا: لما كان أبناء الزوجة الثانية يعلمون يقينا بأن الأمر لن يكون فيهم، وأنه سيكون في غيرهم، استغل الشيطان الضعف عند هؤلاء (وخاصة أحدهم)، خاصة عندما وجدوا أن الأب يعقوب يولي وجهه شطر يوسف وأخيه:

إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (12:8)

فقد سنحت الفرصة للشيطان الآن أن يشق صفهم، وبالتالي اضاعت الفرصة على الجميع. فكيف سيفعل ذلك؟

المشهد التاسع: نحن نكاد نرى صورة الشيطان تتراى للفريق الثاني من الإخوة الذين هم غير مستفيدين من وارثة بيت النبوة في أي اتجاه ذهبت. فساند هذا الطرف الفريق الأول المطالب بالشرعية المعهودة فيهم، ليكونوا ظاهريا مساندين لشرعية الوراثة في الأخ الأكبر الذي يبدو أنه لا محالة سيخسر ميراث بيت النبوة ليوسف، ولكنهم باطنيا مظاهرين لنزغ الشيطان حتى يخسر الجميع وينتفي الصلاح. فأصبحت الصورة (كما تتطاير أجزؤها في مخيلتنا) على النحو التالي:

-          الفريق الأول: خمسة من الأخوة هم الأحق بالشرعية ولكنهم سيخسرونها

-          الفريق الثاني: خمسة من الإخوة ليس لهم حق بالشرعية سواء كانت في إخوتهم غير الأشقاء من الفريق الأول أو في إخوتهم غير الاشقاء من الفريق الثالث)

-          الفريق الثالت : اثنين من الإخوة الأشقاء الذين سيكسبون وراثة بيت النبوة والذين هم في نظر الباقين لا حق لهم فيها

السؤال: كيف تطورت مجريات الأمور على أرض الواقع؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لمّا بان للجميع بأن أباهم يعقوب مولّ وجهه شطر يوسف وأخيه، علم الجميع بأن هناك كلاما آخر عند يعقوب فيما يتعلق بوراثة بيت النبوة، وأن الأمر لن يكون انتقالًا طبيعًا إلى أكبرهم (كما كانوا يتوقعون). فبدأ الشيطان ينشط عند الطرف الخاسر بكل السيناريوهات المحتملة، فوجد بعضهم (بمعاونة من الشيطان) الفرصة سانحة لاستغلال الظرف وإفساد الأرض كلها، وخسارة الجميع مادام أنهم هم أنفسهم غير رابحين مهما كانت طبيعة انتقال وراثة بيت النبوة. فانعقد الاجتماع الأول بين أفراد الفريق الثاني لتدارس الأمر، فجمعوا كيدهم (بمشورة من الشيطان) وجاءوا صفا، فكان قرارهم هو قتل يوسف ولا خيار آخر. ودخلوا بذلك المشروع المقترح من باب حرصهم على الشرعية. فظهروا لمن حولهم ويكأنهم مناصرين لإخيهم غير الشقيق الأكبر، مدافعين عن الشرعية أمام العامة من الناس. ولقي هذا الخيار صدى عند بعض الإخوة من الفريق الأول (وهم أصحاب الشرعية في وراثة بيت النبوة). فما الذي حصل بعد ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لم يكن ذلك الكيد ليخفى على يعقوب، فعلم أن الفتنة لا محالة قادمة، وأن الخطر المحدق بإرث النبوة عظيم، وأن المشغل لهذه الفتنة هو الشيطان نفسه. لكنه يعلم أن كيد الشيطان كان على الدوام ضعيفا:

الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (4:76)

فعليه إذًا أن يتصرف على الفور، فيكبح كيد الشيطان من بدايته، قبل أن تهب العاصفة الكبرى، فلا يستطيع أن يطفئ نيرانها بعد ذلك. فكيف تصرف ذاك الشيخ الحكيم الحائر؟

رأينا المفترى: كان على يعقوب (نحن نظن) أن ينبّه الفريق الأول من أبنائه عما يدبر له الفريق الثاني (الذي يسانده الشيطان)، وكان يعلم بأن مفتاح الحل بيد ابنه الأكبر الذي كان من المفترض أن يكون هو صاحب الشرعية في إرث بيت النبوة، فما وجد يعقوب (نحن نتخيل) بدّا من الاجتماع به على انفراد واطلاعه على تفاصيل مجريات الأمور التي يعلمها الشيخ الكبير وما زال ابنه الأكبر غير متيقظ لها. فماذا فعل يعقوب؟

المشهد العاشر: نحن نرى الآن يعقوب مصطحبا ابنه الأكبر هذا في رحلة خاصة إلى الواد المقدس بعيدا عن أعين الناظرين. وهناك بدأ يعقوب حديثه مع هذا الإبن الأكبر مبينا له أمرين اثنين:

-          الاجتباء الإلهي ليوسف على إخوته جميعا. فيحاول يعقوب النبي جهده أن يوضح لهذا الإبن الأكبر بأن هذا قرار إلهي لا يملك هو فيه من الأمر شيئا. ويبدا يعقوب (الأب) حديثة مصارحا هذا الإبن الأكبر بأن رغبته الشخصية (مثل كل آباء العالمين) بأن تكون الوراثة في ابنه الأكبر ، لكن المشيئة الإلهية التي هي لا محالة نافذه جاءت على غير ما يتمنى ويرغب. وبكلمات أخرى، يجتهد يعقوب ليوصل الرسالة واضحة وجلية لهذا الإبن بأن القرار ليس قراره، وأنه لا يملك إلا أن يقبل بالمشيئة الإلهية التي قضت باجتباء يوسف على جميع إخوته بمن فيهم الأخ الأكبر هذا.

-          اطلاع يعقوب ابنه الأكبر على ما يخطط له إخوته غير الاشقاء من الفريق الثاني الذين يظهرون في العلن مساندين له، لكنهم في الخفاء معادين له، يساندهم الشيطان بكيده لينزغ بين الإخوة، وذلك بإحداث الفتنة، وبالتالي خسارة إرث النبوة عن بكرة أبيه.

السؤال: ما الذي سيفعله هذا الإبن الأكبر جراء ما علم من أبيه يعقوب فيما يتعلق بتفاصيل ما يجري على الساحة من حوله؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: بعد جولات مضنية من المفاوضات والمناقشات بين الإبن المصدوم وابيه (ربه) في الواد المقدس، سوّي الأمر بين الطرفين بأن يتقبل الإبن الأكبر تنفذ المشيئة الإلهية فيكون ميراث بيت النبوة في يوسف مقابل أن تكون وراثة الأرض المقدسة لذرية إسرائيل هذا (أي لبني إسرائيل). فكيف سيتم تنفيذ ذلك على أرض الواقع؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما رجع إسرائيل (الإبن الأكبر ليعقوب) إلى إخوته الأشقاء عقد معهم اجتماعًا خاصا، وشرح لهم تبعات الموقف. فاجتهد معهم بأن لا يكونوا في صف من ينادي بإراقة الدم بين الإخوة، لأن الخسارة ستكون محدقة بالجميع. فخرج معهم من ذلك الاجتماع بموقف موحد مفاده طرح يوسف أرضا، أي إخراجه من البلاد كلها. فظن هؤلاء الإخوة بأن ذلك سيضمن ألا يراق الدم بين أبناء يعقوب، فلا تكون الخسارة محدقة بالجميع، كما اعتقدوا بأن في طرح يوسف أرضا انقاذ للموقف، فتكون وراثة بيت النبوة في أخيهم الأكبر. فأصبح الموقف بين الطرفين على النحو التالي:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

تخيلات مفتراة: ما أن جاء يوسف أباه بخبر الرؤيا حتى علم يقينا بأن وراثة بيت النبوة هي من حق يوسف فقط، وأنه ليس لأخيه الذي ظنوا أنه يحبه كما يحب يوسف حق في ذلك. فكان ذلك (نحن نظن) سببا في تغير سلوك يعقوب تجاه هذا الأخ الشقيق ليوسف، فأصبح مع البقية في عداد الذين لا يولوا يعقوب وجهه شطرهم. وما عاد مولّ وجهه بعد خبر الرؤيا إلا ليوسف، فبان للإخوة جميعا بأن المشكلة منحصرة فقط في يوسف. فكان اجتماعهم لتدارك الأمر يتنازعه رأيان اثنان لا ثالث لهما:

-          قتل يوسف: يناصره الفريق الثاني الذي يغذيه نزغ الشيطان

-          اطرح يوسف أرضا: يؤيده لفريق الأول

السؤال: كيف سيحسمون الخلاف بينهما هنا؟

رأينا المفترى: لمّا كان هؤلاء هم ورثة الأنبياء، ولهم حظ من العلم عظيما، حلوا الخلاف بينهم (نحن نتخيل) بطريقة علمية رصينة، يقبل بنتائجها الجميع ويرضون بها، ألا وهي التصويت الفردي، الذي سيفضي إلى ثلاث سيناريوهات محتملة:

-          أن يفوز رأي القائلين بقتل يوسف

-          أن يفوز رأي القائلين بطرحه أرضا

-          أن يتعادل رأي الفريقين

والمنطق عندهم (نحن نرى) يقضي بأنه لا مجال لأن يتنصل أي منهم من القرار في الحالتين الأولى أو الثانية. فعلى الفريق الخاسر أن يقبل بخيار الفريق الرابح. لكن في حالة أن تساوى رأي الطرفين (خمسة مقابل خمسة)، فهناك آلية متفق عليها يعلمها الجميع ويقبلون بها، ألا وهي الصوت المُرجِّح. انتهى

السؤال: لمن سيكون الصوت المرجح في حالة التعادل بين الفريقين في عملية التصويت على القرار؟

رأينا المفترى: لكبيرهم. فالطرف الذي سيكون معه كبيرهم هو الذي سيؤخذ بقراره، لسببين اثنين:

-          لأن كبيرهم هو قائد المجموعتين الاثنتين،

-          ولأن كبيرهم صاحب الشرعية والمتضرر الأكبر من انتقالها إلى أي شخص آخر غيره. انتهى.

السؤال: كيف جرت عملية التصويت؟

رأينا المفترى: لو دققنا في السياق القرآني ذات العلاقة، وهو قوله تعالى:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

لوجدنا بأن خيار قتل يوسف قد جاء سابقا لخيار طرحه أرضا، أليس كذلك؟

ولو دققنا في السياق القرآني اللاحق لذلك، وهو قوله تعالى:

قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (12:10)

لوجدنا بأن النتيجة النهائية كانت على نحو حسم الخلاف على لسان ذلك القائل منهم. ليكون السؤال هو: كيف نستطيع أن نتخيل ما حصل بهذا الترتيب الذي يفصّله كتاب الله؟

المشهد الحادي عشر: يتم تحديد وقت ومكان الاجتماع. فيحضر العشرة من الإخوة، فيقف أفراد الفريق الأول إلى يمين كبيرهم، ويقف أفراد الفريق الثاني إلى شماله، وتبدأ مراسيم عملية التصويت. ولما كان هذا الأخ الأكبر قد اتخذ جميع التدابير لانجاح الخطة التي رسمها والده في الواد المقدس معه، بدأ الخطابة فيهم، مركزا (نحن نتخيل) على أهمية الشرعية في ميراث بيت النبوة وضرورة مناصرتها. كما بدا للجميع – قولًا وشكلًا- بأنه متمسك بحقه فيها بكل الوسائل الممكنة، موضحًا في الوقت ذاته من خطر انتهاك تلك الشرعية وعواقبها الوخيمة عليهم جميعا. فتحدث بلهجة القائد المتمرس الذي يستحق أن يكون هو سيد القوم وكبيرهم، الجامع لهم على الصلاح إذا ما انتقلت وراثة بيت النبوة بالشرعية المعهودة، وبالتالي استمراها فيهم من بعدهم جميعا. فعزز كلامه ذلك موقف الفريق الآخر القائل بقتل يوسف لفكرة مناصرة الشرعية، والوقوف صفا واحدا إلى جانبه، وهم في حقيقة الأمر مناهظين له وليوسف معا، طامعين في إفساد الأمر على الفريقين الآخرين. فكان مما قاله لهم (أنا أرى):

يا إخوتي جميعا، يا أبناء يعقوب، يا ورثة بيت النبوة، أنتم اليوم أمام مسئوليتكم التاريخية في الحفاظ على انتقال ميراث بيت النبوة بالشرعية التي نعرفها ونناصرها جميعا. وأنا أعلم يقينا موقف إخوتي الاشقاء الواقفين على يميني من هذا الأمر، فهم مناصرون لي جميعا، متمسكين برأيهم في أن يكون ميراث بيت النبوة لي، فأنا سيدهم، وأنا كبيرهم، وأعلم أنهم ينزلون عند قراري. ثم (أراه) يولي وجهه شطرهم، طالبًا موافقتهم على ما يقول، مؤكدين الرأي في أنه هو فعلا كبيرهم جميعا. فتتحرك الرؤوس كلها على يمينه إلى الأسفل، لتشير إلى نزولهم عند رأيه، وليسمع منهم جملة واحدة (نعم أنت كبيرنا وصاحب الحق الشرعي في وراثة بيت النبوة)

في هذه الأثناء يولي كبيرهم وجهه (أنا ما زلت أتخيل المشهد) شطر إخوته غير الأشقاء من الفريق الثاني قائلا: أنا أحب أن أسمع من إخوتي غير الأشقاء الواقفين على شمالي إن كانوا فعلًا سيساندونني في دعواي هذه، أم تراهم يخذلونني ويقفون في صف يوسف الذي يفضّله أبونا (يعقوب النبي والأب) علينا جميعا، ويوجه لهم السؤال قائلًا: هل ستكونون إلى صف يوسف الذي هو أصغر مني سنا وأصغر من بعضكم سنا، والذي لا شرعية له علينا جميعا؟ فأروني ماذا ترون؟

في هذا الوقت بالذات (نحن نتخيل) يقف أكبر الإخوة من الفريق الثاني، وهو الذي (نحن نظن) يسانده الشيطان لينزغ بين الإخوة، فيثني على كلام أخيه الأكبر، وينطلق لسانه بكل عبارات الثقة والجزم بأنه (وإخوته الأشقاء الآخرين) إلى جانبه إلى نهاية الطريق، مهما كلف الأمر حتى لو انتهى بهم المطاف إلى قتل يوسف. فقال:

اقْتُلُوا يُوسُفَ ...

وهنا يتدخل كبيرهم صاحب الشرعية مولّ وجهه شطر أفراد هذا الفريق ليسمع منهم إن كانوا يؤيدون هذا الرأي الذي قال به أحدهم، سائلا: هل أنتم (يا اخوتي غير الأشقاء) مع هذا الرأي: قتل يوسف؟

فيرد الجميع بالإيجاب. وبهذا تحسب خمسة أصوات للاقتراح القاضي بقتل يوسف.

في هذه اللحظة، يتوجه الأخ الأكبر إلى إخوته الأشقاء، طالبا منهم النصيحة والتأييد ثم التصويت. فما الذي حصل؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: في اللحظة التي ظن الإخوة غير الإشقاء بأن قتل يوسف سيكون هو المقترح الحائز على كل الأصوات، يخرج صوت متلعثم متردد من بين أفراد المجموعة الأولى (أي الإخوة الأشقاء لكبيرهم)، تشعر فيه لهجة التردد في القول ويؤكده التلعثم في الكلام، وتحس منه حرارة الخوف ومرارة الحيرة والارتباك، فينطلق لسانه قائلا: أنت تعلم يا أخى أنك منا ولنا، وأنك كبيرنا، وصاحب الحق الشرعي الذي نسانده بكل حزم وقوة في وراثة بيت النبوة، وأننا على الدوام ننزل عند قرارك، فأنت الخاسر الأكبر فينا لو – لا قدر الله- انتقلت الشرعية إلى غيرك. لذا، لن نكون إلا يدك التي تبطش بها، ولكنّا لن نكون أكثر حرصا منك، ولا أكثر حكمة منك، فانظر أنت بنفسك ماذا ترى، فأمامك خياران اثنان لا ثالثل لهم:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا ...

ونحن لا محالة مناصرين لك بأي الاتجاهين ذهبت. وإننا نتخذ موقفنا هذا هنا، لنثبت لك بأنك أنت كبيرنا وصاحب القول الفصل فينا. وحتى لا تحملنا – يابن أم- تباعت الأمر لاحقًا. فمن هذه اللحظة نحن ننصبك سيدًا لنا وصاحب الحق في شرعية وراثة بيت النبوة. فاتخذ القرار بما شئت، ونحن لك طائعين راضين. فلا تثقل كاهلنا بما قد لا نقدر عليه لاحقًا، فما دمت أنت كبيرنا، فاتخذ أنت في هذه اللحظة قرارك، ونحن من ورائك سائرون، ولك طائعون. ولتعلم يا كبيرنا بأننا نجتمع الآن للتخلص من يوسف لهدف نبيل، ألا وهو أن يخلو لنا وجه أبينا ونكون من بعده قوما صالحين:

اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (12:9)

السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟ ماذا فعل الأخ الأكبر فيهم بعد أن السمع الرأي من الفريقين؟

تخيلات مفتراة من عند نفسي: يسود الصمت المكان من كل اتجاه. فتسكت الألسن، وتفتح الآذان لما سيقوله كبيرهم هذا، وتتجه العيون كلها صوب هذا الذي هو كبيرهم. وهم الآن يعلمون أن التصويت سيكون للرأي الذي يتخذه كبيرهم حتى لو تساوت الأصوات (خمسة * خمسة). فماذا قال ذلك الكبير؟

تخيلات مفتراة: بعد أن أطبق الصمت على المكان برهة من الزمن. وبعد أن أصبح الجميع يعلمون أن القرار بيد كبيرهم نفسه، وبعد أن أظهر كل طرف حجته، نطق الرجل قائلا: ما دمت أني أنا صاحب القرار، فاعلموا يا إخوتي أني لن أكون سببا في إراقة الدم بين أبناء يعقوب اين اسحاق ابن إبراهيم. لذا، فإني أرى:

... لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (12:10)

وبهذا القرار الذي خرج من ذلك الاجتماع كانت الجولة الأولى من المواجهة الشرسة لصالح يعقوب النبي ضد الشيطان الذي كاد أن ينزغ بين الإخوة:

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (12:100)

والله أعلم

بقلم: د. رشيد الجراح

تاريخ النشر وليس الكتابة: 18 كانون ثاني 2023

 

 


أحدث أقدم