هل هناك ترادف في مفرادت القرآن؟ الجزء 1



الترادف والتطابق 

باب تعريف الترادف 

السؤال المحوري: هل مفردات النص القرآني مترادفة؟ 

جواب مفترى من عند أنفسنا: نعم. كل مفردات القرآن في آياته المتشابهات مترادفة. انتهى. 

الدليل 

اختلف أهل اللغة وأهل الدين حول قضية الترادف في المفردات خاصة في كتاب الله، فالبعض أثبتها، بينما نفاها آخرون نفيا قاطعا. وكان لهذا الاعتقاد المبدئي تبعات جمة على طريقة فهم كلمات القرآن الكريم. فاختلفت الأفهام، وتشعبت الآراء، حتى أنتجت في نهاية المطاف فرقا ونحلا وطوائف تتصارع حول افتراءات لا تعدو أكثر من أفهام بشرية للنصوص الدينية. والقارئ المتابع لآراء أهل العلم يقع في حيرة إلى أي الفريقين ينتمي. لكن ما يشغلنا هنا هو قضية مبدئية نظن أن الفريقين قد أخطأوا فيها، ألا وهي فهم الطرفين لمعنى الترادف في المقام الأول. ففي حين أن الذي أكدها قد قصد (بوجه علم) وجود مفردات متعددة للمسمى واحد، مثل مفردتي الجبال والرواسي أو الفلك والسفينة أو السنة والعام، وهكذا، أكد الرافضون لهذا المنطق أن هذه المفردات هي مفردات مختلفة، لا تقع في باب الترادف اللفظي. فالفريق الأول يثبت الترادف بينما ينفيه الفريق الثاني نفيا قاطعا. 

أما نحن، فإننا نتخذ موقفا مبدئيا يعارض الطرفين معارضة تامة، وذلك لظننا أن الطرفين (نكرر القول) قد أخطأوا في تعريف (وبالتالي فهم) معنى الترادف. فقراءتنا لأدبيات الطرفين تبين لنا (ربما مخطئين الفهم) بأنهما قد قصدا بالترادف التطابق في المعنى. وهذا ما نظن أنه قد أوقع الطرفين في إشكالية فهم المفردات كما جاءت في كتاب الله. ولتبيان الأمر من وجهة نظرنا علينا أن نعيد فتح الملف من أوله، طارحين التساؤل المبدئي التالي: ما هو الترادف؟ 

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون الترادف يعني التطابق، فعلينا أن نفرق إذا بين التطابق (sameness of meaning) من جهة والترادف (similar meaning) من جهة أخرى. فالتطابق (نحن نفتري الظن) يعني أن المفردتين لهما المعنى ذاته، وهذا – برأينا- يستحيل من منظور لغوي بحت، فلا يمكن (نحن نرى) أن تجد مفردتين )في أي كلام حتى في اللغة البشرية) تتطابقان تماما في المعنى، ولو حصل هذا، لانتهى الأمر (مع مرور الوقت) إلى اختفاء واحدة منهما على حساب الأخرى. لكن مادام أن المفردتين متوافرتان في اللغة الواحدة جنبا إلى جنب، فهذا يعني (برأينا) أنهما غير متطابقتين، فهناك – بالضرورة- اختلاف (مهما كان قليلا) بينهما. فنحن في اللغة العربية – على سبيل المثال- نستخدم على الأقل مفردتين للتعبير عن الشك، هما "قد" و "ربما"، لكن على الرغم أن كلاهما يلقي ظلال الشك على الفعل المتحدث عنه، إلا أنه يبقى هناك فرق بين المفردتين، فـ "قد" تحمل بعض المعاني والاستخدامات التي لا تحمله "ربما"، والعكس صحيح. وبخلاف ذلك، تنتفي الحاجة إلى أن يتواجدا معا في اللغة الواحدة الشرية ناهيك عن اللسان المبين الذي جاء به القرآن الكريم. 

نتيجة مفتراة: التطابق يعني أن المفردتين يحملان المعنى ذاته، وهذا من الاستحالة بمكان أن يوجد في اي لسان حتى وإن كان غير مبين 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه كان لزاما على أهل الكلام أن ينكروا مفهوم التطابق بين المفردات، بمعنى أنه لا وجود لمفردتين في الكلام تتطابقان تماما في المعنى. 

أما الترادف فهو – بالمقابل- لا يعني التطابق بأي حال من الأحوال، وإنما يعني الاشتراك في المعنى. فمفردتا الجبال والرواسي مترادفتان، لكنهما ليستا متطابقتين. فهما يشتركان في معنى (ربما جوهري)، لكنهما يختلفان في معان أخرى. ومهمة أهل الكلام تتمثل في النبش في الفرق بينهما، لاستخراج دقائق المعاني التي ترشد في الوصول إلى الحقائق التي يبينها النص الديني للناس أجمعين. ولا يجب بأي حال من الأحوال نفي أنهما تشتركان ببعض المعاني، وتختلفان في معان أخرى. فكلاهما (أي الجبال والرواسي) تتحدثان عن تلك الكينونة التي نعرفها نحن (العامة) تحت مسمى الجبل، لكن الدقة اللفظية المعهودة في كتاب الله تلزمنا أن نفهم أن الجبال شيء والرواسي شيء آخر وإن كانتا تشيران إلى الكينونة ذاتها بعموم اللفظ، وتفرقا بينهما بخصوص اللفظ (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، على الرابط التالي: 


والمنطق نفسه، ينسحب (نحن نفتري الظن) على مفردتي العام والسنة، فهما مترادفتان، لكنهما ليستا متطابقتين. فالعام شيء، والسنة شيء آخر، وإن كانتا كلاهما – في الوقت ذاته- معياريين لقياس الزمن (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: كم لبث نوح في قومه؟ على الرابط التالي: 


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): نحن نظن بأن التطابق يعني أن المفردتين لهما نفس المعنى (أو ما يسمى بالمفردات الأجنبية sameness of meaning)، وهذا – لا شك عندنا- يستحيل وجوده في الكلام حتى البشري منه، ناهيك عن كلام العزيز الحكيم. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): نحن نظن بأن الترادف هو اشتراك المفردتين في بعض المعاني (بعموم اللفظ والمعنى)، واختلافهما في البعض الآخر. والاختلاف بينهما جوهري (بمقصود اللفظ والمعنى)، وهو ما نحتاج النبش فيه لفهم النص القرآني على مقصده، وهذا ما يسمى بالمفردات الأجنبية (similar meaning)، أو التشابه في المعنى (كما نسميه نحن). 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن ننفي وجود التطابق في المفردات ولكننا نثبت التشابه بينها، وهذا التشابه هو ما يسمى بالترادف (synonymy) في النظريات اللغوية العالمية. 

ومما لا شك فيه – عندنا- أن الترادف (أو التشابه) متوافر بكثرة في كتاب الله، ودليلنا قوله تعالى: 

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ الزمر (23) 

فأحسن الحديث (الذي أنزله الله) كله متشابه (أي مترادف بمصطلحاتنا الحالية). فالمفردات تترادف (أي تساند) أو لنقل تعاضد بعضها البعض لتشكل في نهاية المطاف شبكة متكاملة من المعاني الحقيقية التي من خلالها نستطيع فهم السياقات القرآنية على مقاصدها اللفظية الحقيقية. فاللفظ مقصود بذاته، ويستحيل أن تبدل كلمة في كتاب الله بغيرها في السياق ذاته. فالمفردات المترادفة تتقاطع مع بعضها البعض في بعض المعاني، لكن حجم هذا التقاطع يختلف من حالة إلى أخرى. 

مثال 

لو أخذنا مفردتين مثل "جاء" و "أتى"، ربما نجد أن التقاطع بينهما كبير، لكن هذا لا ينفي أن تبقى بينهما بعض الاختلافات الجوهرية التي تحددها السياقات التي تستوجب استخدام المفردة أو الأخرى. ولتبسيط الصورة إلى ذهن القارئ الكريم، دعنا نتخيل أن كل مفردة تشكل دائرة من المعاني، كما في الشكل التالي: 




لكن، مادام أن المفردتين مترادفتان (أي متعاضدتان)، فهما إذا ليستا منفصلتين تماما عن بعضهما البعض، بل تتداخلان (فتتقاطعان) بشكل كبير، لكن هذا التداخل لا يصل إلى درجة أن تتطابقا تماما، فيبقى هناك دائما حيز (أو لنقل مساحة) من الاختلاف مهما صغر أو كبر بينهما، فيصبح الشكل التوضيحي على النحو التالي: 

والمنطق نفسه ينطبق في حالة وجود أكثر من كلمتين تترادف مع بعضها، فقد نحتاج – على سبيل المثال – أن نميّز بين "جاء" و"أتى" و"حضر"، فتكون صورة الترادف بين هذه المفردات على نحو الشكل التوضيحي التالي: 

فمفردة "أتى" تتقاطع مع "جاء" و "أتى" معا من جهة، وتتقاطع مع كل واحدة منهما من جهة أخرى، لكن يبقى لها من المعاني ما يميزها عن الاثنتين معا، والمنطق نفسه ينطبق على "جاء" وعلى "أتى". 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: المفردات تتشابه (تترادف) لكنها لا تتطابق. 


باب تحديد معنى المفردة 

لكن يبقى التساؤل المطروح الآن هو: كيف تكتسب كل مفرده معناها الكلي (المتمثل بالمعنى الذي تتقاطع به مع غيرها والمعنى الذي يميزها عن غيرها)؟ 

رأينا المفترى: غالبا ما سوّق أهل الكلام (الرافضون لـ والمنادون بـ الترادف) فكرة السياق، على نحو أن المفردات تكتسب معناها من السياقات التي ترد فيها، ويكأن لسان حالهم يقول بأن المفردة (أي مفردة) تكتسب معناها من السياق الذي ترد فيه، وهم بذلك (نحن نظن) يروّجون لفكرة مفادها أن المفردة الواحدة لها أكثر من معنى. وهذا افتراض نظري – برأينا- مرفوض تماما. فنحن نؤمن أن المفردة الواحدة لا تحمل أكثر من معنى واحد، هو المعنى الأساسي القطعي للمفردة. ونظن أيضا (ربما مخطئين) أن ورود الكلمة في أكثر من سياق ليس أكثر من استخدامات متعددة للمفردة ذاتها، تجتمع كلها عند المعنى الحقيقي للمفردة. لذا، نحن نقترح بأن تكون مهمة أهل الكلام هو محاولة تحديد المعنى الحقيقي لكل مفردة. والغريب في هذا الطرح (ربما غير المعهود) أن معرفة المعنى الحقيقي للمفردة سينسحب على كل السياقات التي ترد فيها تلك المفردة، أي يمكن اسقاط هذا المعنى الحقيقي على السياق (إن صح استنباطه) لدرجة أن لا تجد في ذلك غرابة. فالسياقات المتنوعة تتقبل المعنى الحقيقي لكل مفردة ترد فيه. وبهذا نصل إلى النتيجة المفتراة من عند أنفسنا الخطيرة جدا جدا التالي: السياقات تكتسب معانيها من الألفاظ وليس العكس. 

تلخيص ما سبق: إن أبسط ما يمكن استنباطه من هذا الطرح هو أن نظرية السياق (ذائعة الصيت بين أهل الكلام) تحتم علينا الفهم الشائع بأن المفردات تكتسب معانيها من السياقات الواردة فيها، وهذا ما ننفيه جملة وتفصيلا، لأن هذا يعني بأبسط التعابير أن للكلمة الواحدة أكثر من معنى واحد بناء على عدد السياقات التي ترد فيها تلك المفردة، ويكأن لسان حالهم يقول بأنه غذا وردت مفردة ما في عشر سياقات قرآنية مختلفة، قد يكون لها عشر معان مختلفة (وإن كانت متقاربة)، بينما غذا وردت مفردة أخرى في سياق قرآني واحد فقط، يكون لها معنى واحد. فبالنسبة لهم يكون عدد معان المفردة تقريبا بعدد سياقاتها الواردة فيها (one-to-many). وهذا الافتراض هو الذي نرفضه جملة وتفصيلا. وبالمقابل، فإننا نحاول تسويق الافتراض البديل التالي: أن نطرح نظريات السياق (أو context-driven meanings) كلها جانبا عند محاولتنا البحث عن المعاني الحقيقية للمفردات القرآنية، وأن نحاول أن نتفهم الأمر بالطريقة المعكوسة تماما، ألا وهي أن السياقات تكتسب معانيها من مجمل (أو لنقل مجموع) معاني مفرداتها (compositionality approach). فسواء وردت المفردة مرة واحدة في كتاب الله (كمفردة الماعون مثلا) أو وردت عشرات المرات (مثل مفردة قال)، فإنه لا يكون لكل واحدة منها إلا معنى حقيقي واحد. فعلاقة بين المفردة ومعناها هي علاقة واحد إلى واحد (one-to-one) انتهى. 


تبعات هذا الظن 

نحن نظن أن أول انعكاسات هذا الفهم يتمثل بالاعتقاد الجازم بأن المفردات القرآنية (كجزء من اللسان المبين) هي مفردات حقيقية ذات دلالات محددة بعينها بعيدا عن سياقاتها، وما أن ترد المفردة في أي سياق قرآني حتى تشارك بمعناها الحقيقي مع المفردات الأخرى الواقعة في السياق ذاته ليتجلى معنى ذلك السياق حقيقة واضحة للعيان. ولتبسيط الصورة بالمثال، نحن نظن بأن معنى "جاء" هو المعنى ذاته حيثما وردت في السياقات القرآنية، فاختلاف السياق (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) لا يغير من معنى المفردة، وإنما يتغير معنى السياق بتغير مفرداته. فالأصل هو الكلمة، والسياق ليس أكثر من تطبيق فعلي لهذه المعاني الحقيقية للمفردات الواردة فيه. وحتى يستبين القارئ الكريم -إن أراد- وجاهة ما نفتري من عند أنفسنا من ظن، دعنا نحاول تطبيق ذلك على المفردات الثلاث المترادفة، أي المتشابهة والمتقاطعة (ولكن غير المتطابقة) في المعاني، وهي "جاء" و "أتى" و "حضر". 
باب: جاء وأتى وحضر 

نحن نفتري القول بأن هناك فروقا جوهرية بين هذه الألفاظ (أو لنقل الأفعال) الثلاثة المترادفة ولكن غير المتطابقة، نذكر منها ما يلي: 

أولا، نحن نظن بأن الفعل جاء – مثلا- يحمل في ثناياه (حيثما ورد في النص القرآني) معنى المفاجأة، على عكس الفعل أتى الذي يكون تدريجيا متوقعا لا يُحدِث عنصر المفاجأة عند الطرف الآخر، وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- التناوب اللفظي بين الفعلين في الآية التالية من قصة مريم: 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) 

ففي حين أن مريم قد أتت قومها، وذلك لأن قدومها بنفسها إلى قومها لم يكن يشكل (نحن نظن) مفاجأة لهم، إلا أن مجيئها بشيء تحمله هو الذي سبب المفاجأة عندهم (لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا). لذا، نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الإتيان لا يحدث على عجل، وإنما على التراخي، فهذه مريم قد أتت قومها بمولودها، وذلك لأنها لم تكن (نحن نظن) متحمسة جدا أن تصل إليهم بسرعة: 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) 

ولو تدبرنا قصة حضور إخوة يوسف عند أخيهم في أرض مصر للمرة الأولى، لوجدناها قد وردت بفعل المجيء: 

وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58) 

فنحن نتخيل أن الإخوة حينئذ كانوا في عجلة من أمرهم، والأهم من ذلك أن مجيئهم قد أحدث مفاجأة عند يوسف نفسه. فلم يكن يوسف – نحن نفتري القول- يظن أنه سيرى إخوته من جديد في ذلك الوقت بالذات (من خلال هذا التدبير الإلهي). (للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة يوسف) 

ثانيا، على عكس الفعل "أتى" الذي يحمل في ثناياه عنصر التدرج والتراخي، فإن الفعل "جاء" يحمل - نحن نزعم - في ثناياه بالإضافة إلى عنصر المباغتة والمفاجأة عنصر السرعة: 

وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا ... (143) 

بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) 

ففي حين أننا نعلم أن مجيء موسى لميقات ربه كان على عجل: 

وَمَا أَعْجَلَكَ عَن قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) 

فإن نقصان الأرض من أطرافها يحدث بطريقة تدرجية بطيئة (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: لماذا نصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟). 

وليس أدل على أن الفعل "أتى" يدل على البطء في الحركة (نحن نظن) مما جاء في قوله تعالى: 

أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) 

ثالثا، نحن نظن أيضا بأن الفعل أتى مقصود لذاته، فهذا سليمان – مثلا- قد أتى (أي ذهب قاصداً) واد النمل مع جنوده: 

حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) 

(للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته: باب النمل على الرابط التالي: https://www.dr-rasheed.com/2014/02/6_16.html

وربما يصدق ظننا هذا (أن الإتيان لا يكون إلا إلى مكان مقصود لذاته) السياقات القرآنية العديدة (كما نفهمها): 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) 

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) 

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) 

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) 

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189) 

نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223) 

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) 

وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) 

وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) 


رابعا، نحن نظن بأن أحد الفروقات الأخرى بين أن "يأتي شي ما" و "أن يجيء" ربما يكمن في حالة الوصول، فإذا ما أتى شيء ما، فليس بالضرورة أن يكون قد وصل إلى نهايته بعد: 

أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1) 

فبالرغم أن أمر الله قد أتى، إلا أنه لم يصلنا بعد بدليل أننا لا يجب أن نستعجله. ولكن – بالمقابل- عندما يجيء الشيء فإن ذلك يدل – لا شك- على الوصول المباغت والكلي. وانظر – إن شئت- عزيزي القارئ في السياقات القرآنية التالية: 

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) 

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) 

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) 

فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) 

فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) 

دعنا نطبق هذه المعاني السابقة كلها على سياق واحد لنرى كيف تجتمع كل هذه العناصر معا لتشكل المعنى الحقيقي للمفردة، ولنأخذ الآية الكريمة التالية على سبيل المثال للتدليل على هذا المنهج: 

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) 

عندما رجعت مريم بعد أن وضعت مولودها إلى قومها بعد غياب قصير، كانت قاصدة قومها بذاتهم (لذا فهي قد أتت)، وقد كان قدومها إليهم غير مفاجئ لهم (لذا فهي قد أتت)، ولما كانوا يرقبون قدومها إليهم من بعيد، استغرق ذلك وقتا من الزمن لتصل إليهم، فشاهدوا قدومها منذ أن لاحت هيئتها لهم من بعيد، لكنهم (نحن نتخيل) لم يميزوا عن بعد ما ما كانت تحمله حتى وصلت إليهم. أي لم يتحقق لهم معرفية ماهية ما تحمله حتى وصولها إليهم، فكان ما تحمله هو ما سبب لهم عنصر المفاجئة، لأنهم لم يكونوا يتوقعونه. 

ولا يتقاطع الفعل جاء مع آتي فقط، ولكنه يتقاطع مع أفعال أخرى مثل حضر، الذي يتقاطع بدوره مع الفعل أتى الذي تقاطع معه الفعل جاء من ذي قبل. فما هي خصائص هذا الفعل لنميزه عن الفعلين الآخرين؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن الفعل "حضر يحمل في ثناياه المعاني التالية مجتمعة: 

· أن الذي يحضر في مكان ما لا يكون متواجدا فيه من قبل 

· أن الذي يحضر في مكان ما لا يبقى متواجدا فيه بعد ذلك إلى الأبد 

· أن الذي يحضر إلى مكان ما يصل إلى المكان من أجل إتمام مهمة محددة بعينها 

· الخ 

دعنا نبدأ بتقديم الدليل على هذه الافتراءات بالآية الكريمة التالية: 

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133) 

فما دام أن الموت قد حضر يعقوب (إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ)، فهو إذن قد وصل إلى المكان الذي كان يعقوب متواجدا فيه حينئذ، ولكن الموت – لا شك عندنا- لا يسكن ذلك المكان ذاته قبل أن يحضر يعقوب، كما أنه لن يمكث فيه بعد أن يقضي على يعقوب. فالموت إذًا قد حضر ليعقوب لأنه جاء إليه في مهمة خاصة ومحددة، أليس كذلك؟ 
فلو تفقدنا الآية الكريمة التي تتحدث عن حضور الموتُ يعقوبَ، لوجدنا أن هذه الافتراءات جميعها متوافرة معا: فالموت حضر يعقوب من مكان آخر، والموت حضر يعقوب في مهمة خاصة (وهي أن يقضي على يعقوب)، والموت لم يبقى متواجدا في ذلك المكان بعد أن أنهى مهمته فيه. ولا ينطبق هذا المشهد على يعقوب وحده، وإنما ينطبق على كل من حضره الموت، قال تعالى: 

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180) 

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (18)

فالموت إذن (نحن نستنبط) ينتقل من مكان إلى مكان آخر مادام أن مهمته القضاء على كل من حضره، أليس كذلك؟ 
وربما ترشدنا الآية الكريمة التالية (إن صح فهمنا لها): 

فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) 

أن الحشر يتم في مكان غير المكان الذي تتواجد فيه جهنم، وذلك لأنه ما أن يتم حشرهم في ذلك المكان حتى يتم إحضار جزء كبير منهم بعد ذلك حول جهنم (ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا).

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية: 

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (30)

لوجدنا أن هذا المنطق لا ينطبق على الأشخاص فقط بل ينسحب على الأفعال كذلك، فأعمال العباد تُحضر في يوم الحساب من مكان آخر (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ). 

والآن، لندقق في الآية الكريمة التالية ربما لتتأكد لدينا هذه الافتراءات التي قدمناها عن معنى الإحضار، قال تعالى: 

وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) 

فهل كان الجن متواجدون عند محمد على الدوام أم أن قدومهم كان من مكان آخر إلى هذا المكان الذي كان يتواجد فيه محمد ليستمعوا هناك القرآن؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن بأن من يحضر مكانا ما، فهو الذي يأتي (أو يؤتي به) إلى ذلك المكان من مكان آخر. وليس أدل على ذلك – برأينا- مما جاء في نهاية الآية الكريمة نفسها. فالجن قد صُرفوا إلى محمد ليستمعوا القرآن، وما دام أنهم جاءوا إلى هذا المكان من مكان آخر، فهم إذن قد حضروه، فظلوا حاضرين ما داموا ينصتوا للقرآن، وما أن انتهت مهمة سماعهم للقرآن حتى كان الأمر قد قضي (فَلَمَّا قُضِيَ)، وما أن قضي ذلك الأمر حتى ولوا إلى قومهم منذرين، فما استمروا في المكوث في المكان نفسه الذي حضروا فيه لسماع القرآن. 

(للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان فقه الحج- رؤية جديدة (الجزء السادس) على الرابط التالي: 


ولو دققنا في المفردة ذاتها، لوجدنا بأن الحضور لا يشكل مفاجأة لمن يتم الحضور إليه، فالمدرّس يتفقد قائمة الحضور للطلبة، ولا يشكل قدوم أي منهم إلى غرفة الدرس مفاجأة له، والطالب يحضر الدرس لأن هناك مهمة يجب انجازها، لذا نحن نقول "حضر الطالب الدرس" ولا نقول "جاء الطالب الى الدرس" إلا إن كان من المتوقع أن لا يأتي أو أنه قد غاب فترة طويلة من الزمن، وقدم إلى الدرس بعد انقطاع، وكان قدومه غير متوقعا في تلك اللحظة. ولو كان هناك اجتماعا مجدولا من ذي قبل، فكل المشاركين المتوقع قدومهم، يحضرون الاجتماع حضورا، لكن لو حدث أن دخل الاجتماع ممن ليس متوقعا حضوره، لقلنا جاء فلان إلى الاجتماع . 

ولو دققنا في فعل الإتيان (أتى ومشتقاتها)، لوجدنا أنه يتقاطع على الفور مع فعل آخر جديد، وهو فعل العطاء (اعطى ومشتقاتها). وقد حاولنا في مقالات سابقة لنا التفريق بين هذين الفعلين (فعل الإتيان وفعل العطاء)، فخرجنا بتصورات جديدة عنهما. فالله قد آتى قارون الكنوز إتيانا، ولم يعطه ذلك عطاء. ليكون السؤال: ما الفرق بين أن تعطي وأن تؤتي؟
ولا يتوقف التقاطع بين هذه المفردات الثلاثة، بل تتقاطع كل واحدة منها مع غيرها بطرق مختلفة، فالفعل أتى – مثلا – يتقاطع مع الفعل أعطى بطريقة مختلفة عن الفعلين السابقين (أتى وجاء). 

فعلى الرغم أن كلا الفعلين (آتى وأعطى) يحملان في ثناياهما الحصول على شيء ما، إلا أن طريقة الحصول على الشيء بفعل الإتيان يختلف عنه بفعل العطاء. فالعطاء (نحن نظن ربما مخطئين) يكون دفعة واحدة بينما يكون الإتيان (كما ذكرنا سابقا) تدريجيا. قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)

فالشجرة لا تعطي أكلها عطاء ولكنها تؤتي أكلها إتيانا، وذلك لأن ثمار الشجرة (نحن نرى) لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يكون ذلك تدريجيا. أي شيئا فشيئا. 

وبنفس المنطق (نحن نفهم) أتت الآيات الإلهية الأقوام، فكانت تباعا، أي جاءت بطريقة الإتيان وليس بطريقة العطاء:

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)

وكذلك هي الحال بالنسبة لما آتاه الله لآل إبراهيم مثلا، فلم يتحصلوا عليه دفعة واحدة:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)

والقرآن العظيم جاء محمدا بطريقة الإتيان:

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)

فما كان لمحمد أن يعجل به:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)

وكذلك هي طريقة الحصول على الحكم والعلم، بالإتيان:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)

فالعلم لا يتحصل دفعة واحدة، لأن الحصول عليه يكون بطريقة الإتيان.

والله هو من آتى إبراهيم رشده:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ (51)

فلا يمكن أن نتصور أن ذلك قد حصل دفعة واحدة، وإنما هي هبة تدريجية، تحصّل عليها إبراهيم شيئا فشيئا.

والله هو من كشف عن أيوب ضره وآتاه أهله:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

فلا يمكن أن نتصور أن ذلك قد حصل دفعة واحدة.

ونحن نتصور فعل الإتيان بالمشهد الذي حصل مع مريم، فهي من أتت قومها تحمل المسيح:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

لذا، يستحيل أن تكون قد حضرت في قومها فجأة، فها هي (نحن نتخيل) قادمة إليهم من بعيد، يرونها بأعينهم، فتحققوا من شخصيتها بعدد أن اقتربت، حتى وصلت إليهم، وتيقنوا أنها هي مريم نفسها.

لكن العطاء، بالمقابل، فإنه يحصل (نحن نفتري الظن) دفعة واحدة، وبطريقة (وقد تكون مفاجئة أحيانا)، قال تعالى:

فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5)

فأنت عندما تعطي شخصا شيئا ما، فإن ذلك يحصل مرة واحدة، فأنت لا تجزء الشيء الذي تعطيه، فإذا ما كان بيدي رغيفا من الخبز، وأردت أن أنقله من يدي إلى يديك، ليصبح ملكا لك بعد أن كان ملكا لي، فإن ذلك يكون عطاء، فأقول أعطيت فلانا رغيفا من الخبز، ولا يمكن أن أقول بأني قد أتيتك رغيفا من الخبز. لأن الرغيف انتقل مني إليك كله مرة واحدة.

فالله هو من وعد محمدا بالعطاء:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

فكان عطاءه هو:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) 

فالكوثر تحصل لمحمد جملة واحدة، فكان عطاء غير مجذوذ (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان) 


تلخيص ما سبق: إن ما يهمنا من هذا السرد المطول هو أن الألفاظ تترادف (أي تتشابه)، فتتقاطع مع بعضها البعض ببعض المعاني، لكن تبقى لكل واحدة منها خصوصية، تبقيها مميزة بحد ذاتها، فتصبح الصورة على النحو التالي: 
ولا شك عندنا أن حجم الاختلاف في المعنى بين المفردات يتناسب طرديا مع حجم الاختلاف في اللفظ، فكلما كانت الألفاظ متقاربة في الشكل أكثر، كلما تقاربت أكثر في المعني. وهذا ما سنحاول تبيانه في الأجزاء القادمة بإذن الله. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يزدن علما، وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو العليم الحكيم. 

وللحديث بقية بإذن الله 

بقلم د. رشيد الجراح 

18 أيار 2020
أحدث أقدم