لماذا نصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟ الجزء الثالث



فقه الصلاة – الجزء الثالث

سنتابع النقاش في هذا الجزء من المقالة في بعض القضايا الخاصة بالصلاة التي نظن أنها ما زالت تحتاج إلى تبيان في أطار منظورنا هذا المفترى من عند أنفسنا، والذي نظن أنه ربما يخالف كل ما ألفينا عليه آباءنا. فلقد كانت الفكرة المحورية الرئيسية التي حاولنا التنظير لها في الجزء السابق مبنية (نحن نفتري القول) على ما فهمناه من منطوق الآية الكريمة التالية:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

فافترينا الظن حينئذ أن الله قد جعل لنا (نحن بني آدم) لباسين ليواري بهما سوءاتنا بعد أن نزع الشيطان عنا اللباس الأول، فأصبحنا (نتيجة غواية الشيطان تلك) مكشوفين له، فأصبح يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)
وبالتالي كنا جميعا بعد ذلك عرضة للضرر الذي قد يحدثه الشيطان وقبيله فينا. ولكي يقينا الله (وهو أرحم الراحمين) ضر الشيطان هذا فقد أنزل علينا لباسا ليواري سوءاتنا، فكان عبارة عن لباسين اثنين، وهما:

1. اللباس المادي الذي يستر عوراتنا عن بعضنا البعض (لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا)

2. اللباس المعنوي الذي يستر عوراتنا عن الشيطان (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ)

وبناء على ذلك، فقد تجرأنا على تقديم الافتراءات التالية:

- في حين أن اللباس المادي يتكون من الثياب المادية التي نعرفها، وهي التي تواري سوءاتنا عن بعضنا البعض (نحن بني آدم)

- كانت الغاية من اللباس الآخر (الذي هو خير) ليوارى سوءاتنا عن الشيطان وقبيله، فلا يستطيع الشيطان إحداث الضرر فينا مادمنا نتسلح بذلك اللباس

- كان لباس التقوى (نحن نرى) يتكون من الماء الذي ينزله الله لنا من السماء فيطهرنا به ويذهب به عنا رجس الشيطان ويربط به على قلوبنا ويثبت به أقدامنا:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

لذا، كان الافتراء الكبير الذي حاولنا تسويقه حينئذ هو أن التطهر بالماء هو الحاجز الحقيقي الذي يصد عنا خطر الشيطان، فلا نكون فريسة سهلة له.

كما افترينا الظن أننا نصبح عرضة للشيطان عندما ينزع عنا لباسنا، ويحصل هذا في الحالات التالية:

1. المجيء من الغائط

2. ملامسة النساء

3. مسّ النساء

أما المجيء من الغائط، فهو يتطلب نزع اللباس المادي لقضاء الحاجة في الحمام، فالإنسان لا يستطيع قضاء حاجته إلا أن ينزع عنه لباسه الذي يكشف جزءا من سوءته، وهذا الكشف الجزئي للسوءة يتطلب التطهر الجزئي (أي التيمم)، فيطلب منا نظافة أعضاء العورة بتنظيفها بالماء حتى تصبح صعيدا طيبا، وإن تعذر وجود الماء لمانع ما، ينوب عن ذلك التراب أو الحجارة أو الورق، ... إلخ. حتى يحضر الماء. وعلاوة على ذلك فإنه لابد من غسل (أو التيمم) أعضاء الجسم المكشوفة من الجسم وهي الوجه واليدين إلى المرفقين والمسح على الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين.

وقد طلب منا (نحن ما زلنا نفتري القول من عند أنفسنا) القيام بنفس العملية في حالة ملامسة النساء، أي الاحتكاك الخارجي بين جسم الرجل وجسم النساء (جميع النساء) بالسلام مثلا أو بالتقبيل. والغاية من ذلك تكمن (نحن نرى) في احتمالية أن تكون تلك النساء حينئذ في حالة المحيض. ولكي نتجنب الحرج عن سؤال من لامسنا من النساء إن كن حينئذ في حالة محيض، فإن الحيطة تتطلب التطهر من أذى الشيطان الذي يصيبهن في مرحلة المحيض. فأنت لا تستطيع أن تسأل كل واحدة من النساء حصلت ملامستك لها إن كانت فعلا في حالة طهارة من الحيض أو أنها قد تطهرت منه من ذي قبل، لذا لا بد من الطهارة من ذلك بالوضوء بعد حصول الملامسة مباشرة، وذلك بغسل (أو التيمم) أعضاء الجسم المكشوفة من الجسم وهي الوجه واليدان إلى المرفقين والمسح على الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين.

أما في حالة مسّ النساء (أي بالجماع)، فإن الجسم ينكشف كله، فيصبح عرضة للشيطان من أعلاه (شعر الرأس) إلى أسفله (أخمص قدميه)، لذا لابد من طهارة الجسم كله بالماء. انتهى.

لكن هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا يدعونا على الفور إلى التفريق بين مفردتي اللمس والمس اللتين جاءتا في سياقات الحديث عن النساء في النص القرآني على مساحته.

أما بعد،

باب ملامسة النساء

جاءت الآيات الكريمة التالية لتبين لنا احتمالية ملامسة النساء:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ


ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا على الفور أن هناك فرقاً بين الطهارة والتيمم، فالطهارة لا تكون إلا بالغسل (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ)، ولكن ملامسة النساء (كمن كان مريضا أو كمن كان على سفر أو كمن جاء من الغائط)، فالطهارة من هذه تتم (في حالة تعذر الوصول إلى الماء) بالتيمم (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا).

وهنا لابد من التفريق أيضا بين الملامسة التي تكون خاصة بالنساء من جهة ولمس الأشياء الأخرى (كالكتاب وكالسماء مثلا) كما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا

فلو دققنا في هذه السياقات القرآنية، لوجدنا أنه من الممكن أن نلمس الكتاب ويمكن أن تُلمس السماء، ولوجدنا أن هذا اللمس يمكن أن يكون بالأيدي كما في حالة لمس الكتاب (وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ)، ويمكن أن يكون بغير الأيدي كما في حالة لمس السماء (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا). ليكون السؤال المحوري الآن هو: لماذا يمكن أن يحدث اللمس لأشياء مثل الكتاب ومثل السماء سواء كان ذلك بالأيدي أو بغير الأيدي؟ فما هو اللمس؟ وكيف يختلف عن الملامسة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن اللمس هو عبارة عن احتكاك خارجي بين جسمين يكون المبادر فيهما الطرف الأول وهو الإنسان أو الجن أنفسهم. فمن يلمس الكتاب بيده هو من يمد يده إلى الكتاب فيلمسه، لكن الكتاب لا يقدم بنفسه على لمس الشخص الذي لمسه، وكذلك هي السماء، فالجن هم من لمسوا السماء مادام أنهم هم من بادروا بأنفسهم إلى فعل ذلك.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: اللمس هو فعل يبادر به طرف واحد، فيحدث اتصالا جسديا مع شيء آخر لا دخل له في ذلك الفعل، فيكون اللمس واقعا من طرف واحد.

أما في حالة ملامسة النساء، فهو فعل يقوم به الطرفان معا، الرجل والمرأة، فيمكن أن يمد الرجل يده بالسلام على المرأة، فلا يحدث ملامسة إلا أن تبادر المرأة هي الأخرى بمد يدها إلى الرجل فتصافحه، فيصبح العمل تشاركيا بين الطرفين.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الملامسة هي فعل يبادر به طرف واحد، فيحدث اتصالا جسديا مع شيء آخر ولا يتحقق فعل الملامسة إلا أن يبادر الطرف الآخر بالفعل نفسه، فيكون فعل الملامسة قد وقع من الطرفين. وهنا يستوجب فعل الملامسة التيمم لما قد يصيب جسم الرجل من الأذى الذي قد يكون موجودا في جسم المرأة خاصة إن كانت في مرحلة المحيض حينئذ.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: ماذا لو حصل اتصال بين جسد المرأة وجسد الرجل دون قصد من الرجل أو من المرأة، كأن يحصل مثلا احتكاك غير مقصود في وقت ازدحام في السوق مثلا، فهل يسمى ذلك ملامسة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: كلا وألف كلا، فذاك برأينا لا يصبح ملامسة وإنما يقع في باب اللمس كما لو أن الشخص قد لمس كتابا مثلا. وهذا برأينا لا يستوجب التيمم، لأن الأذى – نحن نفتري الظن- لا يصيب الرجل الذي لمس جسده جسد المرأة بطريق الخطأ غير المقصود. وهذا يقودنا إلى تقديم الافتراء الخطير جدا الذي هو لا شك من عند أنفسنا والذي مفاده أن الأعمال فعلا بالنيات، فالنفع أو الضر لا يحدث إلا بوجود الإرادة اللازمة لذلك. وسنرى بحول الله وتوفيقه تبعات هذا الظن على قضايا كثيرة جدا تخص إحداث الضرر والنفع للإنسان. فالله وحده ندعوه أن يعلمنا ما لم نكن نعلم، ونعوذ به أن نفتري عليه الكذب أو أن نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو العليم الخبير – آمين.

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الضرر الموجود في جسم المرأة (نتيجة الحيض الذي هو أذى) لا ينتقل من جسم المرأة إلى جسم الرجل ما لم تكن المرأة راغبة في ذلك الاتصال الجسدي الخارجي. فمادام أن الرجل قد مد يده لمصافحة المرأة (في وقت المحيض) ومادام أن المرأة قد وافقت على ذلك فمدت يدها هي الأخرى لمصافحة الرجل، فهنا قد يقع الأذى، فينتقل شيء منه من جسمها إلى جسم الرجل وبالتالي استوجب ذلك التيمم.

وأما إذا ما أصاب الرجل بجسمه شيئا من جسم المرأة بالخطأ ولم تكن المرأة راضية (أو على دراية) بذلك اللمس الذي حصل، فإن الأذى لا ينتقل من جسمها إلى جسم الرجل الذي لمسها.

ولا شك عندنا أن الحالة الإرادية (وبالتالي النفسية) للمرأة تختلف في الحالتين، فالمرأة تكون في حالة وعي تام في حالة الملامسة التشاركية، لكنها تكون غير واعية بذلك في حالة اللمس من طرف واحد. وهذا الشعور الواعي للمرأة (أي الإرادي) هو الذي ينقل شيئا من الأذى الموجود في جسمها (بسبب الحيض الذي هو أذى) إلى جسم الرجل الذي لامسها.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 1: نحن نظن أن عملية اللمس التي هي من طرف واحد لا تستوجب التيمم

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 2: نحن نظن أن عملية الملامسة التي هي تشاركية بين الطرفين هي التي تستوجب التيمم

السؤال: ماذا عن مس النساء؟

باب مس النساء

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن مس النساء هو حصول عملية الدخول أو الإيلاج في المرأة من قبل الرجل، أي الجماع الذي يمكن أن يتحصل من جرائه الحمل في بطن المرأة. قال تعالى:

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ


فعقد النكاح على المرأة يحصل بمجرد الموافقة من الطرفين على ذلك، ويتطلب ذلك موافقة الأهل ووجود الشهداء على عقد النكاح المبرم بين الطرفين. ولكن المس لا يحدث إلا بانتقال المخطوبة من النساء من بيت والدها (أو وليها) إلى بيت زوجها. وما أن تنتقل المخطوبة من النساء بعد عقد النكاح من بيت أهلها إلى بيت زوجها حتى تصبح عرضة للمس، فيمكن للرجل أن يولج فيها، فتكون بذلك قد نكحت ومست معا. وهنا تتحقق لها حصتها من المهر كاملا. لكن إذا حصل النكاح فقط ولم يحصل المس، أي لم تنتقل المخطوبة من النساء من بيت أهلها إلى بيت زوجها بعد إبرام عقد النكاح، وحصل الطلاق قبل أن تنتقل، أي قبل أن تمس، فإن حصتها من المهر المسمى لها في عقد النكاح يتناقص إلى النصف.

نتيجة مفتراة 1: النكاح يتحقق فقط بإبرام العقد بين الطرفين (الذكر والأنثى)، ويتحقق بذلك نصيب الأنثى مما فرض لها في عقد النكاح بمقدار النصف

نتيجة مفتراة 2: المس لا يحصل إلا بانتقال الزوجة المبرم عليها العقد إلى بيت زوجها، وعند ذلك يتحقق لها نصيبها كاملا مما فرض لها في عقد النكاح.

وهذا يقودنا إلى تقديم الافتراء الذي من عند أنفسنا الخطير جدا جدا التالي: لا يجوز للرجل الدخول بالمرأة التي أبرم عليها عقد النكاح إلا بعد أن تنتقل من بيت أهلها إلى بيت زوجها، أي بعد ما يعرف في العرف الشعبي بحفلة الزفاف. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن حصول الأمر بخلاف ذلك ينبني عليه أحكام فقهيه خطيرة جدا جدا، تخص المرأة والرجل وأهل الطرفين والذرية المتحصلة بين الطرفين والمجتمع بأكمله.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق في جميع السيناريوهات الممكنة الحصول في مثل هذه الحالات. وبعدها سنرى ما يمكن أن يفيدنا مثل هذا الفهم المفترى في فضّ الخلافات التي يمكن أن تنشب بين الطرفين في حال حصل المس من قبل الخطيب لمخطوبته التي أبرم عليها عقد النكاح فقط ولم تزف إلى بيته بعد ذلك.

أما بعد،

تطبيقات شعبية في الزواج

نحن نود أن نسأل القارئ الكريم السؤال التالي: تخيل أنه قد تم إبرام عقد النكاح لرجل غريب على أختك أو ابنتك بموافقتك (مادام أنه بيدك عقدة النكاح) وكذلك بوجود الشهود على ذلك، فهل توافق أن يدخل فيها ذلك الرجل مباشرة في بيتك (أي في بيت أهلها) قبل أن تزف إلى بيت ناكحها؟ فلم (نحن لازلنا نسأل) لا يتقبل الناس على اختلاف مشاربهم مثل هذا التصرف؟ ألا يجد معظم الناس (إن لم يكن كل الناس) حرجا في ذلك (إن حصل)؟ لكن – بالمقابل- لم يقوم الأهل (بمن فيهم من بيده عقدة النكاح من أهل العروس كالأب والأخ) بتجهيز وليمة الطعام للعروس والعريس في اليوم التالي من زفاف ابنتهم إلى بيت زوجها؟ أليست النتيجة واحدة؟ أليس هو فعل الدخول نفسه سواء حصل في بيت الأهل قبل يوم الزفاف أو بعد يوم الزفاف في بيت العريس؟ لم إذن لا تقبل النفس البشرية أن يتم ذلك في بيت الأهل قبل يوم الزفاف؟ ولم يسبب ذلك لهم الحرج لو أنه فعلا حصل على أرض الواقع؟ ولم تطيب أنفسهم بذلك في اليوم التالي لليلة الزفاف؟ ولم يحضّر أهل العروس (على الأقل في منطقتنا) الطعام للعروسين في صبيحة ليلة الزفاف؟ ولم لا يسبب لهم مس ابنتهم من قبل زوجها في ليلة الزفاف حرجا؟

افتراءات خطيرة جدا من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذا ليس له علاقة بقضية الحرج (أو خدش الحياء) على الإطلاق، لأن النتيجة واحدة في كلا الحالتين تتمثل بمس رجل غريب لفرج أنثى هي قريبة لك سواء حصل ذلك في بيت أهلها أو في بيت زوجها. وليس أدل على ذلك مما قد يحصل بعد الزفاف. فتخيل عزيزي القارئ – إن شئت- أنك قمت بزفاف أختك أو ابنتك إلى بيت زوجها، وحصل المس لها من قبل زوجها بفض بكارتها، وتخيل في الوقت ذاته أنه بعد عدة أيام أو أسابيع أو حتى أشهر أو سنوات جاءت ابنتك أو أختك التي زوجتها إلى ذلك الرجل في زيارة إلى بيتك (أي بيت أهلها) مع زوجها الذي نكحها ومسها بعد ليلة الزفاف، وتخيل أن الظروف قد سنحت لذلك الزوج أن يجامع زوجته في بيت أهلها، فهل يشكل ذلك حرجا لأهلها؟

رأينا المفترى: لا أظن ذلك، لأن الزوج قد أصبح مؤهلا لمس زوجته في أي مكان من اختيارهما متى رغبا في ذلك. أليس كذلك؟

السؤال: ما العلة إذن من حصول الحرج في أن يحصل المس للمرأة في بيت أهلها فقط قبل أن تزف إلى بيت زوجها؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يكمن في جملة العقائد والتشريعات التي تبنى على ذلك.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا نتخيل جميع السيناريوهات التي يمكن أن تحصل على أرض الواقع ثم نحاول أن نرى رأي الشارع الكريم (كما نفهمه طبعا) في كل واحدة من هذه الحالات.

أولا: باب المهر

لعلنا لا نختلف كثيرا في أن هناك فرقاً في المهر للمرأة التي نكحت فقط مقابل مهرها إذا ما نكحت ومست أيضا. دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية الكريمة السابقة نفسها، وهي قوله تعالى:

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

فهذه الآية الكريمة ترشدنا إلى أن حق المرأة من المهر الذي فرض لها في عقد النكاح هو النصف إذا ما حصل طلاق لها قبل أن تمس (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ)، ولا مانع من العفو من قبل المرأة نفسها أو من قبل الذي بيده عقدة النكاح، فالعفو هو أقرب في هذه الحالة للتقوى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، فذلك يكون من باب الفضل بين الناس (وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ).

ولكن بالمقابل، فإن المهر يصبح كله من حق المرأة التي نكحت ومست أيضا، لا بل يصبح من حقها علاوة على ذلك كل ما أوتيت من قبل زوجها خلال فترة المعاشرة الزوجية بينهما، فلو أن الرجل قدّم لزوجته (نحن نفهم) بعد أن صارت إلى بيته قنطارا، فليس من حق زوجها أن يأخذ منه شيئا إلا عن طيب خاطر منها:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)

فلو أخذ الرجل شيئا مما كان قد آتاه لزوجته ولو كان قنطارا (وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا)، فإن ذلك يقع في باب البهتان والإثم المبين (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)، وذلك لأن هذا الذي آتاه الزوج لزوجته قد حصل بعد أن أفضى بعضهم إلى بعض (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ). فإن من حق المرأة أن تأخذ ليس فقط ما كتب له في عقد النكاح وإنما كل ما آتاه الرجل لزوجته طيلة فترة المعاشرة ولو كان قنطارا.

كما نفتري القول بأنه يجب أن تدفع صدقات المرأة (أي ما كتب لها في عقد النكاح) عاجلا غير آجل، كاملا غير ناقص، في حالة إبرام العقد، وفي حالة عدم حصول الطلاق باستبدال زوج مكان زوج، فلا مانع من أن يأخذ الرجل من صداق زوجته مادام ذلك عن طيب خاطر منها:

وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (4)


ثانيا: باب بيان حالة الأنثى الشرعية

لو تتبعنا السياقات القرآنية الخاصة بالأنثى على مساحة النص القرآني كله، لوجدنا أن هناك تسميات شرعية عديدة أطلقت على الأنثى، فهي أنثى وقد تصبح من النساء، وقد تكون امرأة، وقد تكون محصنة وقد تكون بكرا وقد تصبح ثيبا.

السؤال: كيف يكون ذلك؟ وما الفرق بين هذه الحالات كلها؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الأنثى هي حالة تقابل حالة الذكورة، وهي تتحقق بيولوجيا لحظة الخلق، وتبين جلية لحظة الولادة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا الخطير جدا: نحن نفتري القول أن هناك فروقا جوهرية بين الذكر والأنثى، مصداقا لقوله تعالى:

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)
ونحن نجزم الظن بأن الأنثى هي أقل درجة من الذكر، مادام أن للرجال على النساء درجة، قال تعالى:

وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (228)

فالرجال لا شك قوامون على النساء، فهم مفضلون عليهن:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)
وسبب هذا التفضيل (نحن نفتري الظن) هو أن النساء لسن من الناس:

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)


ملاحظة مهمة: يجب جلب الانتباه هنا إلى أن التفضيل لا يعني الخيرية كما يمكن أن يفهم العقل الشعبي من معنى المفردة، وإنما يعني – نحن نظن- التكليف، فالتكليف الواقع على كاهل الرجال أكبر من التكليف الذي يقع على النساء. وسنحاول تفصيل هذه القضية بحول الله وتوفيقه لاحقا، عندما نتابع الحديث حول مفهومنا لموضوع تفضيل بعض الرسل على بعض كما جاء في قوله تعالى:

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُواْ فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)


ولمفهومنا حول تفضيل بني إسرائيل على العالمين في قوله تعالى:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)

فالله وحده أسأل أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا- آمين.

فالنساء (كإناث) لسن أكثر من شهوة من شهوات الرجال الكثيرة التي هي لا شك عندنا متاع الحياة الدنيا.

ويبين الاختلاف بين الذكر والأنثى في وجوه عديدة، نذكر منها:

أولا، الخلق. فنحن نفهم (ربما مخطئين) بأن خلق الذكر يختلف اختلافا جذريا عن خلق الأنثى، ففي حين أن الناس (أي الذكور) مخلوقون من ذكر وأنثى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

فإن الإناث لم يخلقن من ذكر وأنثى، وإنما جاء خلقهن من نفس أزواجهن:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)


ولتوضيح الصورة أكثر، دعننا نستخدم المفردات العلمية الدارجة عند أهل الاختصاص، ففي حين أن الخلق يبدأ في بطن المرأة الذي يصب فيه الرجل المني، فإن الذكورة تتحقق بتلقيح الحيوان المنوي الذكري (Y) للحيوان الأنثوي (X)، لكن الأنوثة تتحقق - بالمقابل- بتلقيح الحيوان المنوي الأنثوي (X) للحيوان الأنثوي الآخر (X). فتكون النتيجة على النحو التالي:

افتراء 1: الذكورة هي نتاج تلقيح بين ذكر من الذكر وأنثى من الأنثى ((XY، فيصبح الناس (الذكور) منقسمين بين كينونتين غير متجانستين

افتراء 2: الأنوثة هي نتاج تلقيح بين أنثى من الرجل وأنثى من الأنثى (XX)، فهي إذن مخلوقة من نفس الإنسان. فتصبح الأنثى مخلوقة من كينونتين منسجمتين تماما.

وسنرى تبعات هذا على اضطراب الحالة النفسية عند الرجال (بسبب الصراع الذي لا محالة سينشب بين تلك الكينونتين غير المتجانستين)، مقابل الحالة النفسية الهادئة عند الإناث وذلك لانسجام الكينونتين. فالله وحده ندعوه أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يزدنا علما وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، إنه هو الواسع العليم – آمين.

السؤال: ما الذي يمكن أن نفهمه من ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإنسان هو عبارة عن كينونتين، هما الذكر (Y) ونفسه (X)، لذا يمكن أن نفهم قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)

وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)


فهناك إذا الذكر (Y) وهناك نفسه (X). لذا، فالإنسان كينونتان اثنتان، لذا يمكن أن نفهم لم يتبلور حقه في الميراث على أرض الواقع ضعفين:

يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)


وكذلك في الشهادة ضعفين:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)


وفي الطلاق مرتين:

الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229)

لكن بالمقابل فإن الأنثى كلها وحده واحدة هي النفس فقط، لذا يصبح حقها في الميراث وفي الشهادة وفي الطلاق نصف حق الرجل. فهي تأخذ نصف ما يأخذ الذكر في الميراث، وهي تشهد شهادة واحدة مقابل شهادتين للرجل، وهي تكون صاحبة الولاية (أي صاحبة القرار) في النكاح بعد أن يستنفذ الرجل حقه في الطلاق مرتين، فهي من تنكح في المرة الثالثة. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في قوله تعالى:

الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229) فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230)

أما في مرحلة ما بعد الولادة، فإن الفرق بين الذكر والأنثى يتجلى بالشكل، ولا يقتصر ذلك على الأعضاء التناسلية الواضحة المعالم بين الذكر والأنثى وإنما أيضا بالوجه (الذي تظهر فيه تلك النفس جلية). فنحن لا نحتاج أن نرى الأعضاء التناسلية للشخص في كل مرة للتمييز ما إذا كان هذا الشخص ذكرا أو أنثى. فمجرد أن تنظر إلى وجه الشخص تستطيع على الفور أن تميّز فيما إذا كان ذكرا أو أنثى. وربما لا يتحقق مثل هذا الإدراك في الدواب والأنعام. فلو أنت نظرت إلى حمار أو كلب أو قط، فإنك لا تستطيع أن تميّز إذا ما كان ذكرا أو أنثى بمجرد النظر إلى وجهه، بل لابد أن تبحث عن أعضائه التناسلية لتقرر ذكورته من أنوثته.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الذكورة والأنوثة واضحة في وجه الشخص.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: إذا ما نظرت إلى وجه الشخص، فإنك تستطيع أن تقرر فيما إذا كان هذا الشخص متضاربة نفسه أو منسجمة. فالذكر مكتمل لكنه غير منسجم، مادام أنه مكون من جزأين اثنين مختلفين هما (XY)، فوجه الرجل واضح فيه الاختلاف، فلا يتصف بالنعومة والجمال كما في حالة وجه الأنثى الذي لا يظهر فيه هذا الاضطراب مادام أن النفس فيه مكونه من جزئين متطابقين تماما (XX)، فتصبح كتلة واحدة فقط ، فيظهر فيه النعومة والجمال والانسجام. فالجمال الذي لا ينكر في وجه المرأة مصدره (نحن نفتري القول) هذا الانسجام في البناء والتركيب.فكلما زاد جمال الوجه كلما زاد الانسجام، والعكس صحيح، فكلما قل الانسجام، كلما قل الجمال. فالنفس البشرية تستلطف الجمال وتأنس به، وتنفر من القباحة وتتثاقل منها، وربما يفسر مثل هذا الظن ردة فعل الشخص عند رؤية شخص غريب للمرة الأولى، فغالبا ما يكون عنه بمجرد النظر في وجهه صورة حقيقية لماهية هذا الشخص الغريب.

لكن هذه الأنثى (X) المنسجمة مع نفسها تمر بمراحل مختلفة (تختلف فيها التشريعات في كل مرحلة). لذا، لا بد من التعرض لهذه المراحل في الحال لتجلية هذه التشريعات.

أولا، تكون من الإناث لحظة الولادة فيتحقق لها نصيبها من الميراث في الحال على نحو حصة واحدة مقابل حصتين للذكر.

يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

ولا يجوز إبرام عقد النكاح عليها أو مسها ما لم تبلغ مرحلة النساء. فهي تصبح من النساء لحظة بلوغها المحيض:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)


ثانيا، ما أن تبلغ هذه الأنثى المحيض حتى تصبح من فئة النساء، فتصبح حينئذ قابلة لأن تنكح:

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3)

وكذلك تصبح قابلة للملامسة، فيتوجب التيمم عند ملامستها بسبب المحيض:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
وكذلك تصبح قابلة للمس:

لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236) وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

ثالثا، ما أن تصبح الأنثى من النساء حتى تندرج في واحدة من فئات ثلاثة وهي: المحصنة والبكر والثيب

السؤال: ما الفرق بين هذه الحالات الثلاث للنساء؟

افتراء 1: نحن نظن أن المحصنة هي التي لم تنكح قطّ، أي لم يطلع عليها رجل بعد، فما أبرم عليها عقد نكاح، وما مست، وليس أدل على ذلك من حالة مريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (91)


وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: من كانت محصنة من النساء فهي من كانت في حالة كحالة مريم ابنة عمران التي اصطفاها الله على نساء العالمين:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42)


وهذا يقودنا إلى افتراء الظن (ربما مخطئين) بأن المحصنة هي بالضرورة بكرٌ، وذلك لأن كل محصنة (نحن نفتري القول) هي بكرٌ.

نتيجة مفتراة مهمة جدا: مادامت الأنثى من النساء محصنة، فلا يقع عليها التعداد في الزواج، فلا يحق للرجل أن ينكح إلا محصنة واحدة:

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3)


افتراء 2: لكن بالمقابل (نحن نظن) أنه ليس من الضرورة أن تكون البكر محصنة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه يمكن أن يبرم عقد النكاح على من كانت من النساء، فينتفي بذلك عنها صفة الإحصان، لكن لا تنتفي عنها صفة البكارة بعقد النكاح ما لم تمس. فمن أبرم عليها عقد النكاح فقد فقدت إحصانها وإن لم تفقد بكارتها بعد. وتبقى بكرا (غير محصنة) ما لم تمس، أي لم تفض بكارتها بعد. ويمكن أن يحصل طلاقها في هذه الحالة، فتصبح بكرا غير محصنة.

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: في حين أن كل محصنة هي بكرٌ أيضا، لكن ليست كل بكر محصنة. انتهى.

وفي هذه الحالة، يمكن أن يقع عليها التعداد في الزواج. فيمكن للرجل أن ينكح ما طاب له من النساء الأبكار غير المحصنات (بالإضافة إلى الثيبات من النساء)، قال تعالى::

عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)


افتراء 3: أما الثيب، فهي من أبرم عليها عقد النكاح ومست (أي زفت إلى بيت زوجها). فتصبح حالات النساء الثلاثة – برأينا ربما المغلوط- على النحو التالي:

نتيجة مفتراة 1: المحصنة من النساء هي التي لم يبرم عليها عقد نكاح قط.

نتيجة مفتراة 2: البكر من النساء هي التي أبرم عليها عقد نكاح لكنها لم تمس.

نتيجة مفتراة 3: الثيب من النساء هي التي أبرم عليها عقد نكاح ومست.

السؤال: ما علاقة هذا بفحوى النقاش الخاص بمس النساء بشكل عام؟

رأينا المفترى: دعنا نرجع إلى الافتراء السابق الذي قدمناه بخصوص الحذر من أن يجامع الخطيب خطيبته في بيت أهلها قبل أن تزف إلى بيته. فلقد أشرنا إلى أن حصول مثل هذا الأمر سيكون له تداعياته الخطيرة على المرأة وأهلها والذرية التي يمكن أن تتحصل من ذلك المس وكذلك على المجتمع ككل.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا: تخيل عزيزي القارئ أن الخطيب قد قام بمجامعة مخطوبته في بيت أهلها قبل أن تزف إليه، ألا ينقلها ذلك من حالة البكارة إلى حالة الثيبات؟ من يدري؟!!!

السيناريو الأول: تخيل لو أن هذا الدخول (في بيت الأهل) الذي سبق زفاف العروس إلى بيت أهلها قد حصل فعلا على أرض الواقع، ولكن حصلت بعد ذلك مباشرة الفاجعة الكبرى بأن هذا الخطيب قد مات لسبب أو لآخر قبل أن يحصل الزفاف (أي قبل انتقال المخطوبة من النساء إلى بيت خاطبها)، فما الذي سيحدث حينئذ؟ هل يتوجب دفع المهر كاملا لها أم فقط نصف ما فرض لها؟ من يدري؟!!!

السيناريو الثاني: ربما يكون السيناريو الأخطر على الإطلاق هو: ماذا لو أن هذا الجماع (قبل الزفاف) قد نتج عنه الولد، فما حصته من الميراث؟ وهل يعتبر ابنا شرعيا للخاطب الذي وافته المنية قبل أن تزف العروس المخطوبة إلى بيته؟ وكيف لأهل الخطيب أن يقروا بأن هذا الولد هو فعلا نتاج العملية الجنسية بين الخطيب والمخطوبة فعلا؟ ألن تخرج الأصوات من هنا وهناك التي ربما تنادي بأن هذا الولد ربما ليس من صلب الخطيب الذي مات قبل أن تزف إلى بيته مخطوبته تلك؟ ثم ألا يمكن أن يحصل الاعتراض من قبل أهل الخطيب على نسبة الولد إلى الخطيب الذي توفاه ملك الموت؟ وهل يحق لأهل هذا المتوفى (أي الخاطب) أن يتأكدوا من صحة نسب المولود إلى ولدهم المتوفى؟

السؤال: كيف يمكن الخروج من هذه المطبات الممكنة الحصول على أرض الواقع؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لقد حدد الشارع الكريم العلاقة بين الخاطب والمخطوبة بمرحلتين: مرحلة النكاح ومرحلة المس، فالمرأة تكون منكوحة فقط ما دامت لم تزف إلى بيت خطيبها، ولكن ما أن تزف إلى بيت زوجها حتى تصبح منكوحة وممسوسة. وفي كل حالة هناك أحكام فقهية يجب مراعاتها.

السؤال: ما تبعات هذه الافتراءات

جواب مفترى: إياك عزيزي القارئ أن تسمح لابنتك أو لأختك أو لمن كنت أنت وليها أن تمس في بيتك. وعليك أن تحرص كل الحرص أن لا تحدث خلوة بين الخاطب والمخطوبة تسمح بأن تمس قبل أن تزف إلى بيت زوجها. وهذا لعمري ما يفعله الناس بطبعهم وفطرتهم التي فطرهم الله عليها وإن كانوا ربما يجهلون الحكمة من وراء ما يفعلون ويطبقون على أرض الواقع. وإياك أختي الكريمة المخطوبة أن تسمحي لخاطبك أن يمسك قبل يوم الزفاف لأن الخاسر الأكبر في حالة حدوث مشاكل لا قدر الله هو أنت. وبخلاف ذلك، فإنك تفتحين الباب على مصراعيه لأن تنطلق الألسنة من كل حدب وصوب باتجاهك، وستكونين أنت الخاسر الأكبر في الصراع الذي ربما ينشب بعد ذلك، لا بل ستكونين أنت الملومة الوحيدة من قبل الجميع في إحداث هذا الإرباك لك ولأهلك ولأهل خطيبك وللذرية التي قد تتحصل من جراء ذلك لا بل وللمجتمع من حولك بأكمله.

السيناريو الثالث: ماذا لو تقدم أحد لخطبة تلك الفتاة التي نكحت وطلقت أو نكحت ومات عنها خطيبها قبل أن تزف إلى بيته، ألا يتوقع الخاطب الجديد أن هذه الفتاة قد نكحت ولكنها لم تمس (أي لازالت بكرا)، فماذا لو تبين له أن الأمر على غير ما ظن وتمنى؟ ماذا لوجد أن مخطوبته هذه التي نكحت فقط قد مست في بيت أهلها وإن لم تكن قد زفت إلى بيت خاطبها السابق؟ فهل يجب على الخاطب الجديد أن يتقبل ذلك؟ ألا يقع ذلك إذن في باب الغش؟ فكيف يمكن حينئذ فض الخلاف بين الطرفين إن حصل فعلا؟

رأينا المفترى: لمّا كان الإسلام يحرم الغش والتحايل على إطلاقه، ربما وجب أن يكون من حق الخاطب الجديد أن يعرف مقدما فيما إذا كانت مخطوبته هذه قد نكحت فقط (فلازالت بكرا) أو نكحت ومست معا (قد أصبحت ثيبا). وبخلاف ذلك يصبح العقد كله باطلا لوجود شبهة الغش فيه. وبالتالي نحن نرى (ربما مخطئين) أن من حق الخاطب الجديد (إن تبين له عكس ما هو متوقع) أن يفض ذلك العقد دون أي خسارة تذكر من طرفه، لا بل يجب على أهل المخطوبة أن يتحملوا النفقات كلها، لا بل والتعويض للخاطب بسبب الظلم الذي وقع عليه نتيجة الغش الذي وقع في العقد المبرم بين الطرفين.

عودة على بدء

إن ما يهمنا في هذا الخروج الطويل (ربما غير المبرر) عن فحوى النقاش هو التأكيد على أن المسّ يختلف عن اللمس وعن الملامسة. ففي حين أن اللمس يقع من طرف واحد ويصيب الخارج من الجسم، فإن الملامسة تقع من الطرفين. ويبقى اللمس والملامسة خاصا بالجسم من الخارج. لكن المس بالمقابل فهو فعل يصيب الخارج والداخل من الجسم معا، أي هو عملية إيلاج يقوم بها الرجل في فرج المرأة، وليس أصدق على ذلك – برأينا- مما قالته مريم ابنة عمران- عندما جاءها رسول ربها ليهب لها غلاما زكيا:

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الولد لا يمكن أن يتحصل إلا بالمس. فيجب أن تمس المرأة حتى تحمل في بطنها الولد. وهذا بالضبط ما استعجبت منه مريم عندما جاءها رسول ربها ليهب لها غلاما زكيا.

لذا جاء رد رسول ربها على النحو التالي:

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا (21)


نتيجة مفتراة 1: اللمس لا يحتاج إلى تيمم

نتيجة مفتراة 2: الملامسة تتطلب التيمم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

نتيجة مفتراة 3: المس يحدث الجنابة. لذا، يتطلب الطهارة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الملامسة تستدعي التيمم، لأنها خاصة بالنساء، أي كل من بلغت المحيض من الإناث. فإذا ما كانت الأنثى من النساء اللاتي يحضن، فإن ملامستهن تتطلب التيمم من كل ما يمكن أن يسببه هذا الأذى بالشخص الذي يلامسها. ويحمل مثل هذا الظن في ثناياه افتراء الظن بأن الملامسة لا تستدعي التيمم في الحالات التالية:

1. إذا علم الشخص الملامس للمرأة بأن المرأة ليست في حالة محيض كعلم الزوج بزوجته

2. إذا كانت الأنثى لم تبلغ سن المحيض، كالأطفال

3. إذا كانت المرأة من القواعد من النساء اللاتي لا يحضن

4. إذا كانت النساء من أولئك اللائي لم يحضن (سنتعرض لهذه الجزئية لاحقا بحول الله وتوفيقه):

وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)
باب الالتزام بالدور

لما كانت الصلاة هي بمثابة الإقامة الجبرية المفروضة على العباد المؤمنين في الأرض، وجب الحضور للتوقيع في الأوقات المتفق عليها، ولكن يستطيع المؤمن أن يقيمها منفردا إذا أراد هو ذلك، فيكون قد شهد لنفسه بذلك، ولكن من الأفضل – لا شك عندنا- أن يقيم المؤمن الصلاة في جماعة ربما ليشهد له الآخرون بذلك.

السؤال: ماذا يترتب على من يحضر الصلاة في جماعة أن يفعل؟

رأينا: مادام أنك حضرت إلى مكان يتواجد فيه غيرك للقيام بالفعل نفسه، فإن من أبسط السلوكيات التي وجب الالتزام بها (نحن نفتري القول) هو الالتزام بالدور (أو Queue أو Line باللسان الأعجمي).

السؤال: لماذا؟ وأين الدور في إقامة الصلاة؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لا شك عندنا أن هناك ميّزة لمن يحضر مبكرا إلى المسجد من أجل فعل إقامة الصلاة في جماعة، وذلك لأنه (نحن نظن) يستطيع أن يقوم بالتوقيع أولا، فكلما كنت أقرب إلى الصف الأول، كلما حان دورك قبل الآخرين.

السؤال: ما الذي يحصل في مساجد المسلمين؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الفوضى العارمة هي السلوك الواضح في مساجد المسلمين على وجه التحديد. وهذه الفوضى واضحة في دخولهم وخروجهم واصطفافهم للصلاة. ولعلي أستطيع أن أتجرأ – بناء على مشاهدتي لسلوكيات المسلمين في المساجد- على الافتراء الخطير جدا التالي: إن الفوضى التي تعمّ بلاد المسلمين بشكل خاص (من دون معظم شعوب الأرض الأخرى) سببها (أنا أفتري القول) ثقافة الحضور إلى المسجد للقيام بالصلاة في جماعة. ولعلي أكاد أجزم القول أيضا بأن هذه الفوضى العارمة في حياة المسلمين كان جلّها بسبب الخطأ في الفهم لما يسميه أهل العلم بحديث الاستهامّ على الصف الأول، كما جاء في صحيح البخاري:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

فترى كثيرا من المسلمين الذين يحضرون إلى المساجد متأخرين يحاولون الوصول إلى الصف الأول بغض النظر عن وقت حضورهم، فقد يكون هو آخر الداخلين إلى المسجد إلا أنه يتخطى رقاب الجميع بهدف الظفر بالوقوف في الصف الأول، ظانا بأنه بهذه الطريقة إنما يطبق قول رسوله هذا (إن صح بالطبع).

رأينا: إن هذا المسلم الذي دخل المسجد متأخرا وحاول تخطي رقاب المؤمنين الذين سبقوه هو نفسه الذي لا يلتزم بالدور في المخبز وفي موقف الباص ومحطة القطار، وهو نفسه الذي يحاول أن يسبق الآخرين في كل تصرفاته (ويكأنه في ساحة معركة مع الجميع)، ظانا أنه بذلك إنما يظفر بحق له، لا بل وأن هذا العمل – في ظنه- هو من النوع الذي يقربه إلى الله زلفا. فترى المسلم (على وجه التحديد) فوضوياً في حياته اليومية، لا يلتزم بمواعيد، ولا يتقيّد بدور، ولا ينتبه لمشاعر الآخرين.

السؤال: لماذا يحصل هذا في بلاد المسلمين أكثر من بلاد غيرهم؟

رأينا: نحن نظن أن المسلم الذي وجد أن الشرع (كما فهمه من عند أهل الدراية منهم) يبيح له تخطى رقاب الآخرين في الاصطفاف للصلاة جماعة، والوصول إلى الصف الأول حتى لو اضطر للاستهام (أي رمي الآخرين بالسهام)، يجد أنه ربما يشرع له أيضا (حسب منطقه غير المعلن بالطبع) أن يتخطى "رقاب الآخرين" في الأعمال الدنيوية؟ ألا تراه يأكل ما سبقت يداه الآخرين إليه؟ ألا تراه يحاول أن يتخطى "رقاب" زملائه في العمل حتى لو كان كثير منهم أحق منه فيها؟ ولكن هل رأيت كثيرا من أبناء المسلمين يراجعون أنفسهم إذا ما شعروا بأنهم قد أخذوا حقا ربما يكون الآخرون هم أصحابه؟ من يدري؟!

إن ما يهمّني في هذا الطرح هو السلوك الذي يغرزه هؤلاء (بطريقة غير مباشرة) في أذهان الصغار من أبنائهم الذين يحضرون إلى المساجد لإقامة الصلاة فيها.

إن ما يهمّني هو ما يعززه خطباؤهم في أذهان النشء من أبناء لمسلمين بمثل هذه الأحاديث التي يرونها ولا يكادون يفقهون حديثها.

إن ما يهمّني هو أن ما يُغرس في ذهن المسلم الصغير من جراء هذه التصرفات "في المساجد" لا يمكن أن يمحوه التعليم والتثقيف لاحقا. فكم حاولت في حياتي اليومية أن أكون منظما فلا أعتدي على الآخرين! لكن للأسف الشديد، باءت معظم محاولاتي بالفشل، فها أنا أزاحم الناس في المخبز وفي موقف الباص، وفي كل طابور حتى في السيارة على الإشارة الضوئية. وها أنا أزاحم زملائي في العمل لأخرج بمكتسبات ربما غيري هو الأحق بها!

إن ما يهمّني هو هل فكرت للحظة (عندما يطلب مني أن أقوم بعمل ما له مردود معنوي ومادي في وظيفتي) بأن غيري قد يكون أحق به مني؟ هل قلت في نفسي: ألا يمكن أن أكون قد أخذت حق غيري طمعا في بعض المكاسب والمغانم الدنيوية؟ تخيل عزيزي القارئ – إن شئت- ما الذي يمكن أن يفيد بلاد الإسلام لو أن كلاً منا توقف للحظة ليحاسب نفسه لئلا يأخذ حق غيره؟ ألا يساهم ذلك في إنهاء الفوضى التي تعم بلاد الإسلام؟

مثال: عندما يُكلّف الوزير الأول (أو رئيس الوزراء) بتشكيل طاقمه الوزاري، ألا تعلو "زغاريد" الوالدة والأخت والزوجة لمن تم اختيارهم؟ ألا تقام الحفلات بالرقص والغناء في مضارب آباء من وقع الاختيار عليهم؟ ألا تنطلق التهاني من كل حدب وصوب وبكل وسائل الاتصال الجماهيرية الممكنة من عند من ظنوا بأن صاحبهم هذا هو من أصحاب "الحظ العظيم"؟ ألا يمكن تلخيص كل عبارات التهاني والتبريكات التي أطلقوها في قول واحد؟ ألا ترى أن لسان حالهم ويكأنه يقول لصاحب "الحظ العظيم" بأنك الشخص المناسب في المكان المناسب؟ لكن أليس من الواجب على هذا الشخص أن يسأل نفسه: هل فعلا أنا الرجل المناسب (صاحب الحق الشرعي) في المكان المناسب؟ أليس من الممكن أن يكون هناك من هو أحق مني في ذلك؟ ألا أكون بذلك قد أخذت حق غيري؟ من يدري؟!

لذا، يبقى السؤال الذي لابد من طرحه على مسامع الجميع (وخاصة هؤلاء الذين ظنوا أنهم أصحاب حظ عظيم في هذه الحياة الدنيا)، هو: ماذا لو كان هناك من أبناء جلدتك من هو أحق منك بما كسبت يداك؟ ماذا لو تبين أنك قد أخذت ما هو من حق غيرك؟ هل تستطيع أن تتخيل مقدار الظلم الذي أوقعت فيه نفسك بما كسبت يداك؟ من يدري؟!

السؤال: من أين جاءت هذه الفوضى في بلاد الإسلام على وجه التحديد؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذه الفوضى قد نشأت معنا في المساجد. فالذين لم يفهموا ولم يفهموا الناس فحوى ما نقلوه عن محمد في هذا الحديث:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))

هم – لا شك عندنا- المسئولون عن كل هذه الفوضى التي تعم بلاد الإسلام، إنهم أهل الدين، إنهم أصحاب العمائم السوداء والبيضاء، الذين تنفجر حناجرهم على المنابر، فيرددون ما لا يفقهون.

السؤال: ما البديل عن هذا الوضع القائم الذي لا قد يسر كثيراً من أبناء المسلمين أنفسهم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الدين قد حثّ على الإسراع بالمجيء إلى المسجد للظفر بالدور في حفل التوقيع على الإقامة الجبرية المفروضة عليك، فكلما حضرت مبكرا إلى المسجد كلما حان دورك أولا، بغض النظر عن من سبق (في معركة الصف الأول التي ورثناها من أهل الدين). فإذا حضرت إلى المسجد، فانظر عزيزي القارئ المؤمن بربك لترى بأم عينك من سبقك في القدوم، ولا تحاول أن تتخطاه، حاول أن تقدّمه على نفسك إن وجدت أن المكان لا يتسع إلاّ لأحدكما، لأنه هو صاحب الحق في ذلك المكان. وأعلم عزيزي القارئ المؤمن بربك أنه حتى لو اغتصبت حق صاحبك ذاك (لأن سهمك كان أمضى من سهمه)، لما ضاع عليه الأجر، ولما تحصلت أنت على الثواب. لا بل سيكون له (نحن نفتري القول) حق في رقبتك تدين له به إلى يوم الدين، وربما لن يتنازل لك عنه بسهولة إن تمكّن منك هناك. فهل لو أنكما تقابلتما في محطة القطار، وكان هو من وصل قبلك ولو بلحظات قليلة، وكان القطار لا يتسع حينئذ إلا لواحد منكما، فهل لو صعدت أنت في عربه القطار عنوة (لأنك الأقوى مثلا)، فهل سيتنازل لك عن حقه هذا بسهوله لو أنه تمكن منك لاحقا؟

ولعلي أكاد أجزم الظن أن سلبيات هذا السلوك الموروث لا تتوقف عند أخذ الحقوق فقط، بل كانت سببا في وجود الضغينة بين المسلمين حتى لو ظنوا أنهم إخوان. فكم انتابني شعور بالحنق على من كان يطيح بي ليأخذ دوري في الطابور المدرسي، ومن نجح في أخذ دوري في طابور الدوائر الحكومية (غير المنتظم) الذي لا ينقطع في بلاد المسلمين على وجه الخصوص، وفي أولوية العمل، وحتى في الوقوف للصلاة.

السؤال: ما هي عقيدتي في هذه القضية على وجه التحديد؟

عقيدتي: كنت دائما أقول في نفسي (موجها الخطاب إلى كل من تعجل ليأخذ دوري دون وجه حق دون أن يسمعني) أني والله لن أعفو عنك إن كان لي عندك حق حتى لو أن الله نفسه قد غفر لك. فإن غفر الله لك، فذاك حقه، وهو مسئول عنه، فهو الذي لا يسأل عما يفعل، أما إن أخذت أنت حقي، فاقسم بربي الذي أعرفه إني لن أتنازل لك عنه بسهولة؛ فإن كنت لا استطيع أن أتحصل عليه في الدنيا لضعف قدرتي وقلة حيلتي، فلن أتنازل عنه في الآخرة مادام أن الظلم هناك غير وارد. وبالمقابل، فإني أطلق الدعوة واضحة وصريحة لغيري بأن لا يسمح وأن لا يعفو عني إن وجد أني كنت قد أخذت منه حقا هو الأجدر به. فعند الله تجتمع الخصوم، ولا شك أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكن عزيزي القارئ مستعدا لهذا الموقف لتأخذ حقك من غيرك ولتدفع من جيبك للآخرين ما أخذته منهم دون وجه حق.

السؤال: ما الذي كان من الممكن أن يتعلمه النشء من أبناء الإسلام لو أن هذه الفهم المفترى قد أصبح جزءا من عقيدتهم منذ اليوم الأول الذي دخلوا المسجد لإقامة الصلاة فيه؟ وما الذي كان من الممكن أن يتعلمه هؤلاء الصغار لو أنهم رأوا آباءهم يفعلون هذا كلما يدخلون المسجد؟ وما الذي كان من الممكن أن ينغرس في طبائعهم لو أن هذا ما أفهمهم إياه من تصدروا للخطابة على المنابر من أصحاب اللحى الطويلة والثياب القصيرة؟ من يدري؟!

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لو تم غرس هذا السلوك البسيط في أبناء الأمة، لربما تحققت المراقبة الفرية الداخلية للإنسان في كل تصرفاته، ولربما أصبح إنسانا صالحا في المجتمع لا يتعدى على حقوق غيره. وهذا لعمري سيؤدي بالتالي إلى إصلاح النظام الإداري في البلد برمته. فلو أصبح الإنسان لاحقا عضوا في مؤسسة أو شركة، وكان لزاما أن يتم اختيار الشخص المناسب للمكان المناسب، فإن الشخص الذي ربما يكون محط الأنظار لهذا المنصب هو من يراقب نفسه بنفسه، فلو رأى أن هناك من حوله من هو أحق منه بهذا المنصب، لما رضي بأن يتعدى عليه بالطرق الملتوية التي نراها منتشرة في بلادنا الإسلامية. ولكان هو أول م ينادي بأعلى صوته على من يظن بنفسه أن له الأحقية في ذلك أن يتقدم. ولكان هو أول من ينادي (ويقبل) بالمنافسة الشريفة بين المؤهلين لملء المنصب الشاغر. ولو حصل أن كان هو فعلا صاحب الأحقية في ذلك المنصب، لجلس على الكرسي مرتاح الضمير بأنه لم يظلم غيره لأنه ببساطة لم يتخطى رقاب العباد للحصول على مكاسب فردية لا حق له بها، ولكان الجميع مدان له بالطاعة والولاء، ولما خرج من بين الفينة والأخرى من ينادي (سرا أو جهرا) بين الصفوف بالخروج على صاحب المنصب. ولساد النظام بدلا من الفوضى التي نشهدها في أكبر صورها في بلاد الإسلام على وجه التحديد. فتنظيم الصف في الصلاة بناء على الدور هو الضمانة الوحيدة بأن تنظم الصفوف في طابور العمل لاحقا. فهذا – برأينا- هو السلوك الذي يجب أن يجب أن ينغرس في النشأ في المساجد ليؤتي أوكله لاحقا في الحياة العملية.

باب ما يسمى بصلاة "السنة": الفرق بين الصلاة المفروضة والصلاة المندوبة

سنحاول الآن الانتقال إلى جزئية أخرى في فقه الصلاة، ألا وهي مشروعية الصلاة التي عرفت بين الناس (بما أفهمهم إياه أهل الدين) بصلاة "السنّة"، وسنتعرض على وجه التحديد للتساؤلات التالية:

- من أين جاءت؟

- ومتى جاءت؟

- وكيف جاءت؟

- وما هي أوقاتها؟

- وكم عدد ركعاتها؟

- ولماذا جاء الحث على إقامتها في البيت؟

- ولماذا لا تؤدى في جماعة المسجد؟

- ولماذا جاء الحث عليها كصلاة فردية (ليست جماعية) في البيت؟

- وهل هذه فعلا تشريعات حقيقية لها أصل في كتاب الله؟

- وهل هي واجبة أم نافلة؟

- الخ.

لعلي بحاجة في البداية أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى أنني سأتجرأ (بعد قليل) على افتراءات ربما غير مسبوقة في الفكر الديني، لذا أعود إلى تأكيد الفكرة ذاتها التي مفادها أن ما سأقوله لا يخرج عن نطاق قول البشر الذي يتميز بالخطأ والنقص، لذا فهو قابل للتصويب دائما، فإن أنت وجدت الدليل الذي ينقض ما سنفتريه من قول، فلا تتردد أن تضرب بقولنا هذا كلّه عرض الحائط، أو أن تلقي به في سلة المهملات، لأن هذا هو مكانه الصحيح إن ثبت بطلانه. لكن إن لم تجد دليلا ينقض قولنا هذا، فإننا نحتكم جميعا إلى قوله تعالى:

قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)
فالله وحده أدعوه أن يعلمني الحق الذي أقوله فلا أفتري عليه الكذب، إنه هو الواسع العليم – آمين

أما بعد،

دعنا نبدأ النقاش بالافتراء الخطير جدا التالي: ليس هناك في الدين ما يمكن أن يسمى بسنّة محمد. انتهى.

لذا، نحن نتجرأ على القول بأن ما كان محمد يفعله ليس من عنده، وإنما هو تشريع إلهي، وجب على محمد تبيانه للناس، وذلك لأن محمدا لا يتبع إلا ما يُوحى إليه:

قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50)

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9)


ولا ينطبق ذلك على فعل محمد فقط، وإنما ينطبق أيضا على قوله:

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5)

لذا، فإن كل فعل قام به محمد، وكل قول نطق به محمد، لم يكن من عنده، وإنما هو إتباعٌ لما كان يُوحى إليه. انتهى.

السؤال: لماذا؟ وماذا عن ما تناقله الفكر الإسلامي على مدى قرون من الزمن تحت مسمى "السنة النبوية"؟

جواب مفترى: نحن نظن بداية أن مفردة "السنّة" لم ترد في النص القرآني مصاحبة لمحمد إطلاقا. ولكنها جاءت في كل سياقاتها القرآنية لتؤكد أن السنّة هي سنّة الله نفسه، قال تعالى:

مَّا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا (38)

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23)

سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً (77)


نتيجة مفتراة: إن سنّة محمد (وجميع رسل الله من قبله) هي سنة الله نفسه. فمحمد (وكل رسول من رسل الله) لا يشرع للناس إلا ما جاءهم من ربهم:

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55)


(دعاء: اللهم أسألك وحدك أن تعلمني أحسن ما أنزل إلينا منك، وأدعوك أن أكون أول المتبعين، إنك أنت السميع البصير – آمين)

ولعلي أكاد أجزم القول أن هذا الفصل بين ما يسميه علماؤنا الأجلاء بالفرض وما يسمونه بالسنّة كان التخريب الأكبر الذي دخل في هذا الدين، ولعلي أكاد أجزم القول بأن هذا الفصل بين ما جاءنا من عند الله وما بيّنه لنا رسوله الكريم كان الغرض منه واضحا: وهو التفريق بين الله ورسله:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (150)


فالقول بأن هناك تشريع قام به محمد، وهناك تشريع جاءنا من عند الله، لا تعدوا أن تكون – برأينا- أكثر من عقيدة الذين كفروا، وهم الذين يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله.

شهادة مفتراة (1): اللهم أشهدك باني لست من الذين يفرقون بين الله ورسله

شهادة مفتراة (2): اللهم أشهدك بأني أؤمن يقينا بأن محمدا لم يكن إلا متبعا لما كان يوحي إليه

شهادة مفتراة (3): اللهم أشهدك بأني على العقيدة التي مفادها أنّ السنّة هي سنتك التي لا نجد لها تبديلا ولا نجد لها تحويلا

نتيجة مفتراة مهمة جدا وخطيرة جدا: السنّة هي سنّة الله وليست سنّة محمد. انتهى.

مفارقات مضحكة مبكية

جاءنا في الأثر أن الصلاة فرضت في المعراج، وجاءنا في ذلك الأثر (الخيالي) بأنها قد ابتدأت بخمسين صلاة، فعاد محمد من عند ربه (كما تصوره الرواية) مأمورا بخمسين صلاة، وما أن وصل عند موسى حتى نصحه بالعودة إلى ربه ليخفف عنه، ففعل. فبدأت "رحلة المساومات المكوكية" – كما قرأنها في بعض الكتب وكما سمعناها من أهل الين على منابر الخطابة وشاشات الشهرة الجماهيرية- في التخفيف حتى وصلت إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، وهناك استحى نبينا الكريم (كما تصوره تلك الرواية) أن يعود مرة أخرى ليطلب تخفيفا أكثر من ذلك. أليس هذا – يا ساده- ما نخره معلمو الدين في رؤوسنا في المدرسة وثبته خطباء المنابر وشاشات التلفزة المفوهين في عقولنا؟

ما يربكنا: إذا كان محمد قد بذل جهدا لكي يخفف عنا الصلاة المفروضة (كما نقلوا لنا في مؤلفاتهم)، فنجح في تقليصها إلى خمس صلوات بدلا من خمسين (كما أقنعوا العامة من الناس)، رأفة بأمته التي قد لا تطيق ذلك (كما عبرت لنا عن ذلك مشاعرهم)، فما باله يعود من هناك "ليستن" لنا زيادة في تلك الصلوات (كما كذبت علينا ألسنتهم)؟!

السؤال: مادام أنه قد كافح من أجل التخفيف، فلم يعود ليثقل كاهلنا بصلاة من عنده تسمى صلاة السنّة غير الصلاة المفروضة (إن صح ما نقله لنا أهل الرواية)؟ ألا ترى أن قولهم ذاك يناقض بعضه بعضا؟ من يدري؟!

رأينا: المفترى: أنا أعتقد يقينا أن الصلاة كما صلاها محمد (بكل تفاصيلها) هي وحي من الله، لم يكن لمحمد أن يزيد فيها شيئا أو أن ينقص منها شيئا، لأن الله قد توعده بالعقاب المباشر لو أنه فعل ذلك:

تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)


فمحمد (نحن نفتري القول) لم يكن إلا رسول متبع لما يوحى إليه:

قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9)


سواء كان ذلك في الصلاة أو في الصيام أو في الزكاة أو في الحج أو في أي عبادة من العبادات التي فرضها الله على عباده المؤمنين:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)


الحبكة: كفاك فلسفة، ما الذي تريد أن تقوله؟ يرد صاحبنا وقد استشاط غضبا على إرث آباءه الذي سينهار أمام ناظريه (إن شاء الله) قريبا بحول الله وتوفيق منه.

جواب: نحن نريد أن نقول أن فعل الرسول (أو ما يسميه أهل العلم بالسنّة) هو تشريع رباني لا دخل لمحمد فيه.

السؤال: إن صح ما تقول، فأين الدليل على أن ما يُسمى بصلاة السنّة هي تشريع إلهي لم يكن لمحمد دخل فيه؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى من عند أنفسنا: دعنا نطبّق هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا في فعل الصلاة كلها، ثم ننظر ما ستؤول إليه الأمور لاحقا.

السؤال: كيف يمكن تطبيق ذلك في حالة فعل الصلاة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: افترينا القول سابقا أن الصلاة المكتوبة (المفروضة) قد وردت في كتاب الله تحت مسمى "إقامة الصلاة" في الآيتين الكريمتين التاليتين اللتين تحددان (كما نفهمهما) أوقات الصلاة الخمسة في اليوم والليلة:

أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)


وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)


فحددت الآية الكريمة الأولى صلاتين اثنين وهما صلاة الفجر (لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) وصلاة العشاء (غَسَقِ اللَّيْلِ)، وحددت الآية الكريمة الثانية أوقات ثلاث صلوات وهي الظهر والعصر (طَرَفَيِ النَّهَارِ) وصلاة المغرب (وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ). (للتفصيل انظر الجزء الأول من هذا المقالة)

ليكون السؤال الكبير الآن: أين هي الصلاة التي يرغب علماؤنا الأجلاء تسميتها بصلاة "السنة"، والتي ظنوا أنها غير مفروضة وإنما هي زيادة بفعل النبي نفسه؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن هذه الصلاة قد جاء تفصيلها في الآيات الكريمة التالية:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)


السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في قوله تعالى:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)

لنطرح عليك بعد ذلك سؤالا محددا، ألا وهو: لماذا طلب الله منا أن نسبح بحمده قبل طلوع الشمس وقبل الغروب؟ وماذا لو قمت أنا بالتسبيح بعد طلوع الشمس بالرغم أن الطلب جاء أن أسبح بحمد ربي قبل طلوع الشمس (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ)؟ هل يعيب الله عليّ ذلك؟ ثم، ألا أستطيع أن أسبح بحمد ربي متى ما أشاء (بناء على الفهم الشعبي الدارج لمعنى التسبيح)؟ وماذا لو سبحت أنت بحمد ربك بعد غروب الشمس وليس قبل الغروب كما جاء في الآية الكريمة (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ)؟ وماذا لو سبحت أنا بحمد ربي قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها أو قبل غروب الشمس وبعد غروبها؟ هل يُعاب عليّ ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لا، لا تستطيع أن تسبح بحمد ربك متى ما تشاء، لأن التسبيح بحمد الرب كما فصلته الآيات السابقة يجب أن يحصل على أرض الواقع فقط في أوقات محددة بذاتها وهي:

1. قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ

2. وَقَبْلَ غُرُوبِهَا

3. وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ

4. وَأَطْرَافَ النَّهَارِ

5. وَأَدْبَارَ السُّجُودِ


السؤال: لماذا جاء التسبيح بحمد الرب في هذه الأوقات على وجه التحديد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: نحن نفتري القول أن هذه هي الأوقات التي تقام بها ما سماه علماؤنا الأجلاء أهل الدراية كما أوصله لنا أهل الرواية منهم بصلاة السنّة.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن ما يسميه علماؤنا الأجلاء بصلاة السنّة هو في الحقيقة (كما نفهمها بالطبع) ما جاء في كتاب الله تحت لفظ "التسبيح بحمد الرب". انتهى.

رأينا المفترى: حاول الآن - عزيزي القارئ- أن تستبدل عبارة "صلاة السنّة" كما وصلتنا من عند سادتنا أهل الدراية على لسان أهل الرواية بـ "التسبيح بحمد الرب"، كما نحاول أن نروج لذلك نحن في هذه السطور. ثم انظر ما ستؤول إليه الأمور بعد ذلك بحول الله وتوفيق منه.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: صلاة السنّة كما يحب أهل الدين أن يسمونها هي تسبيح بحمد الرب (كما نحب نحن أن نسميها).

ففي هذه الأوقات المحددة وهي قبل طلوع الشمس (أي ما يصاحب إقامة صلاة الفجر) وقبل غروب الشمس (ما يصاحب إقامة صلاة المغرب)، ومن آناء الليل (ما يصاحب إقامة صلاة العشاء) وأطراف النهار (ما يصاحب إقامة صلاتي الظهر والعصر) هي أوقات التسبيح بحمد الرب. ويضاف إلى ذلك كله أدبار السجود. فهناك تسبيح بحمد الرب تسبق إقامة الصلاة، وهناك تسبيح بحمد الرب في أدبار السجود أي بعد انقضاء إقامة الصلاة.

نتيجة مفتراة: يكون التسبيح بحمد الرب في أوقات إقامة الصلاة المفروضة وفي أدبار السجود (أي بعد إقامة الصلاة) كما في الشكل التوضيحي التالي:

التسبيح بحمد الرب
إقامة الصلاة
التسبيح بحمد الرب
قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ
لدلوك الشمس
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ
طرف النهار (1)
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
وَأَطْرَافَ النَّهَارِ
طرف النهار (2)
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
وَقَبْلَ غُرُوبِهَا
زلفا من الليل
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ
وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ
غسق الليل
وَأَدْبَارَ السُّجُودِ


ثانيا، لو تدبرت الآيات الخاصة بالتسبيح بحمد الرب مرة أخرى، لوجدت أنها مبنيّة على أساس الرضا للشخص نفسه، قال تعالى:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

السؤال: ما معنى أن التسبيح بحمد الرب في هذه الأوقات المحددة مرتبط برضا الشخص نفسه (لَعَلَّكَ تَرْضَى)؟

رأينا المفترى: للإجابة على هذا السؤال، لابد (نحن نرى) من طرح سؤال آخر متعلق بفقه هذه الصلاة التي يريد أهل الدين أن يسمونها بالسنّة. والسؤال هو: لماذا نصلي صلاة مفروضة تكون أفضليتها بشكل جماعي في المسجد، بينما نصلي صلاة "غير مفروضة" تكون أفضليتها بشكل فردي في البيت؟

ملاحظة (1): إقامة الصلاة (أي الصلاة المفروضة) في المسجد وبشكل علني يشهده الكثيرون خير من إقامتها في البيت

ملاحظة (2): التسبيح بحمد الرب (أي ما يعرفه الناس باسم صلاة السنّة) بشكل سري في البيت خير من إقامتها في العلانية (كقيام الليل مثلا – من آناء الليل)

إقامة الصلاة والتسبيح بحمد الرب: رؤية جديدة

دعنا نعود لنبدأ النبش في قصة الصلاة كلها من أولها، طارحين تصورنا المفترى من عند أنفسنا لفقه الصلاة برمتها، محاولين أن نتلمس الطريق إلى التشريع الإلهي الحقيقي الذي من أجله تعتبر الصلاة من أركان الدين الأساسية. داعين الله وحده أن يؤتينا رشدنا، وأن يؤيدنا بروح منه إنه هو العلي العظيم.

أما بعد،

نحن نكاد نجزم الظن أن الصلاة بشقيها (إقامة الصلاة المفروضة والتسبيح بحمد الرب المندوبة) هي الصلة الحقيقية التي توطّد العلاقة الصحيحة بين العبد وربه. فأنا على العقيدة التي مفادها أن هناك حكمة في مشروعية كل واحدة من العبادات، فكما أسلفنا سابقا فإن الصلاة هي العبادة التي ينتفع منها الإله نفسه، وأن الصيام هو العبادة التي تفيد الشخص نفسه، والزكاة هي العبادة التي يستفيد منها المجتمع، والحج هي العبادة التي تتوج ذلك كله. فيوم الحج الأكبر هو يوم الجائزة التي تجتمع العبادات فيها جميعا. وسنتعرض لهذه المباحث بالتفصيل لاحقا بحول الله وتوفيقه.

أما الآن، فدعنا نركز على فقه الصلاة كواحدة من أهم العبادات التي يقوم بها الإنسان في هذه الحياة الدنيا. ليكون السؤال الحتمي الذي لا مفر منه هو: لماذا نصلي أصلا؟ لماذا طلب الله منا أن نقيم الصلاة في أوقات محددة؟ ولماذا طلب الله منا أن نسبح بحمده في أوقات محددة من اليوم والليلة؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن أن الصلاة هي العبادة التي قَسَمها الله بينه وبين عباده المؤمنين.

السؤال: كيف ذلك؟

جواب مفترى (1): نحن نفتري القول أن إقامة الصلاة في اليوم خمس مرات (فيما يعرف بين الناس بالصلاة المفروضة) هي حق الله على عباده.

جواب مفترى (2): نحن نفتري القول أن التسبيح بحمد الله في أوقات اليوم والليلة (فيما يعرف بين الناس بصلاة السنّة) هي حق العباد على الله.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك كله يمكن أن يختصر بكلمتين اثنتين كما جاء اللفظ في الآية الكريمة التالية:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

فمن حق الله على العباد أن يعبدوه (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) ومن حق الناس على الله أن يعينهم (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

السؤال: ما علاقة هذا بالفصل بين نوعين من الصلاة (إقامة الصلاة المفروضة) والتسبيح بحمد الرب (ما يسمى بصلاة السنّة)؟

جواب مفترى (1): نحن نقوم بفعل إقامة الصلاة المفروضة بهدف عبادة الله، والشهادة لله بأنه هو الرب الوحيد الذي يستحق أن يعبد. فهي شهادة الوحدانية وعدم الإشراك به شيئا. وذلك لأن الله يغفر الذنوب جميعا إلا أن يشرك به:

إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)

إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا (116)


لذا، نحن نفتري القول بأنه من أقام الصلاة المفروضة خالصة لله، فهو فقط من يشهد بأن الله واحد لا شريك له. وهذه الصلاة لا تسقط عن الشخص حتى لو ارتكب بعض الكبائر ووقع في بعض المعاصي، وحتى لو تعذر الوصول إلى الماء للطهارة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)
نتيجة مفتراة: عندما يقوم الإنسان المؤمن بفعل إقامة الصلاة (أي الصلاة المفروضة) فهو إذن يكون قد أدى حق الله عليه، أي شهد لله بالوحدانية (إِيَّاكَ نَعْبُدُ).

وما أن يؤدي الشخصُ حقّ الله عليه في هذه الصلاة الجماعية حتى ينفرد الإنسان لوحده في فعل التسبيح بحمد الرب (أي فيما يسمى بصلاة السنّة) ليطلب حقه من الله، وهذا الحق هو أن يطلب العون من الله في صلاة تسمى التسبيح بحمد الله (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).

سؤال: لماذا تكون إقامة الصلاة (أي الصلاة المفروضة) جماعية؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن المؤمنين من عباد الله يصطفون معا في فعل جماعي لإقامة الصلاة المفروضة عليهم، لأن الغرض منها واحد، وهو عبادة الله، أي الشهادة بأن ربهم الله، وهو إله واحد يستحق أن يعبد، وأن هذا الإله لا شريك له. فتلهج ألسنتهم جميعا بكلمة واحدة وهي "سبحانك" في ركوعهم وفي سجودهم.

السؤال: ما معنى كلمة "سبحانك" التي يرددها المسلم دائما في الركوع وفي السجود؟

جواب: تعرضنا لهذه المفردة في أوقات سابقة وافترينا الظن أن كلمة سبحانك، هي كلمة تختزل الشهادة لله بالوحدانية، كما جاء على لسان عيسى بن مريم في الآية الكريمة التالية:

وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (116)

لاحظ عزيزي القارئ الحوار الذي يدور بين الله من جهة وعيسى بن مريم من جهة أخرى، فالله يوجه السؤال مخاطبا عيسى ابن مريم على النحو التالي:

... أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ...

فيأتي الرد القاطع من عيسى بكلمة واحدة:

... قَالَ سُبْحَانَكَ ...
ولو دققنا في هذا الحوار لوجدنا أن التساؤل الإلهي كان عن احتمالية حصول الإشراك به باتخاذ عيسى وأمه إلهين من دون الله، فجاء رد عيسى لينفي حصول الإشراك بالقول الفصل، وهو كلمة سُبْحَانَكَ.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: عندما ينحني العبد المؤمن في ركوعه للصلاة ويردد مفردة سبحانك، وعندما يخر على الأرض ساجدا ويردد الكلمة نفسها، فإن أعظم رسالة يؤديها هنا هو أن يفرد الله وحده بالعبودية، فلا إله يعبد من دونه. انتهى.

رسالة قصيرة (1): حاول عزيزي القارئ أن تردد هذه الكلمة (سُبْحَانَكَ) فقط، في ركوعك وفي سجودك بهذه النية، أي إخلاص العبودية لله، مؤمنا بأن الله هو وحده الإله الذي يعبد، فلا يُتخذ من دونه إلها آخر.

نتيجة مهمة جدا: مفردة "سبحان الله" تعني إفراد الله وحده بالعبودية، فلا نتخذ من دونه إلها.

السؤال: لماذا التسبيح بحمد الرب (أي ما يسمى بصلاة السنّة) عمل فردي؟ أي لماذا يذهب كل مؤمن ليصلي لوحده فيما يسمى بصلاة السنّة سواء قبل إقامة الصلاة المفروضة أو بعدها؟

جواب مفترى: مادام أن صلاة التسبيح بحمد الرب (أي صلاة السنّة) هي – برأينا- حق العبد على ربه (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإن لكل شخص حاجته الخاصة التي يطلبها من ربه، فأنا أسبح بحمد ربي لغرض ربما يختلف عن السبب الذي من أجله تسبح أنت بحمد ربك. فكل واحد من المؤمنين له حاجته الخاصة عند ربه، فيلهج لسان كل واحد منهم بحمد ربه لوحده.

السؤال: لماذا يقول المؤمن في ركوعه سبحان ربي العظيم وبحمده؟ ولماذا يقول المسلم في سجوده "سبحان ربي الأعلى وبحمده"؟

رأينا: عندما يقول المؤمن سبحان ربي العظيم أو سبحان ربي الأعلى أو حتى سبحان ربي وكفى، فهو إذن يشهد لله بالوحدانية، ولكن عندما يزيد على ذلك مفردة "وبحمده: فهو إذن يحمد الله على نعمه التي لا يستطيع أن يحصيها:

وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)


وهو بذلك يطلب من الله أن يديم عليه تلك النعمة، لا بل ويزيدها لأن القاعدة الإلهية هي على النحو التالي:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

رسالة قصيرة (2): حاول عزيزي القارئ أن تردد هذه الكلمة (سبحان ربي وبحمده) في ركوعك وفي سجودك في صلاة التسبيح بحمد ربك (أي في صلاة السنّة) بهذه النيّة، مؤمنا بأن ما بك من نعمة فمن الله، وأن الله هو وحده القادر أن يحفظ عليك هذه النعمة وأن يزيدك منها:

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)


نتيجة مهمة جدا: "حمد الله" هو شكر الله على النعمة التي لا نستطيع أن نحصيها.

السؤال: لماذا الخيرية في إقامة الصلاة (المفروضة) يكون بالإظهار (أي إشهارها) على الملأ؟

جواب مفترى: لأن الهدف هو الشهادة لله بأنه هو الإله الذي يعبد، فأنت تشهد الناس جميعا بأنك تشهد أن الله هو الواحد الأحد، الفرد الصمد الذي يستحق العبادة.

مثال: أحيانا يصطف المؤمنون كلهم للصلاة جماعة في غير الصلاة المفروضة، كصلاة الاستسقاء مثلا، أو في صلاة العيد، وهكذا. ليكون السؤال هو: لماذا تقام مثل هذه الصلاة (كصلاة الاستسقاء مثلا) جماعة في حين أنها ليست واجبة من كل مسلم مؤمن بربه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن جميع المصلين (صلاة الاستسقاء مثلا) مشتركون في الغاية نفسها، وهو نزول المطر بعد انحباس طويل. فما دام أن غاية المشاركين في الصلاة واحدة، وهي طلب نزول المطر، لذا لا حاجة (نحن نظن) لأن يصلي كل منهم لوحده. فالغاية هي التي تجمع المؤمنين في الصلاة.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إذا ما اشترك المصلون جميعا في الغاية، أصبح اصطفافهم في جماعة واردا، وإذا ما اختلفت غاية المؤمنين من الصلاة، تفرقوا ليصلي كل منهم لوحده.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): مادام أن الغاية من إقامة الصلاة المفروضة لجميع المصلين هي واحدة تتمثل بعبادة الله (أي الإقرار بأن الله هو الواجد الأحد الذي لا شريك له، فلا ضير في أن يصطفوا جميعا لأداء هذه الصلاة في جماعة.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): مادام أن الغاية من التسبيح بحمد الرب (أي ما يعرف بصلاة السنّة) هو طلب العبد المعونة من ربه، يصبح من الأفضل أن ينفرد كل منهم في صلاته لأن حاجات المؤمنين بربهم تتباين.

ملاحظة: لو راقبت عزيزي القارئ ما يفعله الموحدون في المسجد، لوجدت أنهم يطبقون مثل هذا السلوك لكن ربما من غير دراية منهم بما يفعلون. فما أن يحضر أحدهم إلى المسجد قبل وقت إقامة الصلاة حتى يتخذ لنفسه مكانا فيصلي فيه صلاة فردية، وما أن تنقضي إقامة الصلاة المفروضة جماعة، حتى تجدهم يتفرقون، فيبحث كل واحد منهم عن مكان خاص ليسبح بحمد ربه على إنفراد. ولو راقبت المناطق شبه المنعزلة في المسجد كالزوايا وأطراف المسجد، لوجدت أن من يقف هناك وحيدا هو من يريد أن يسبح بحمد ربه بطريقة متأنية، ربما تختلف عن طريقة المصلين في الأماكن الأكثر ظهورا، والذين غالبا ما يتصف تسبيحهم بالعجلة والروتين. ولعلي أكاد أجزم الظن أنه كلما كانت حاجة العبد أكثر إلحاحا، كلما وجدته يحاول أن ينعزل أكثر عن الناس، ربما ليتقرب أكثر إلى ربه ليشكو له بثه وحزنه:

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84) قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86)


ولعل التسبيح بحمد الرب في آناء الليل (فيما يعرف بقيام الليل) هو التطبيق الفعلي لمثل هذا المنطق المفترى، فكلما وجد العبد المؤمن بربه أن الأبواب قد أغلقت جميعا في وجهه، وأن الكروب قد توالت عليه، وأصبح على يقين بأن من حوله قد عجزوا عن إخراجه مما هو فيه من الغم والهم، تجده قد شعر بالحاجة الماسة أن يقيم الليل في صلاة لا يراه فيها أحد إلا من لجأ إليه وهو رب العالمين، لأنه يعلم أن هذا هو الإله الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم:

اللّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)
فبالرغم أن الناس جميعا من حوله نيام، لا يعيرون انتباها كثيرا لما حل بهذا الشخص، إلا أن هناك إله لا يغفل ولا ينام، فهو ملاذ المؤمنين في كل وقت وحين.

السؤال: لماذا الخيرية في التسبيح بحمد الرب (أي صلاة السنّة) يكون في البيت بدلاً من المسجد؟

جواب مفترى: لأنك تنشد السرية فيما تطلبه من ربك على وجه الخصوص. فالتسبيح بحمد الرب في جنح الظلام يظهر العلاقة الخاصة التي تنشئها بينك وبين ربك، وهي علاقة لا تريد أن يطّلع عليها الآخرون، لأنه لا حاجة لهم بك ولا حاجة لك بهم، وحاجتك فقط عند ربك الذي تعبده وتعلم أنه هو فقط من يستطيع أن يعينك:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)

عقيدتنا: كيف يجب على المسلم أن يفكر في موضوع الصلاة بشقيها (إقامة الصلاة الجماعية) والتسبيح بحمد الرب (الفردية)؟

رأينا المفترى: عزيزي القارئ الكريم، ربما يكون من الأفضل لك أن تنظر لموضوع الصلاة على النحو التالي: أن تؤمن إيمانا مطلقا بأن هناك إلها واحدا يستحق أن يعبد، فلا يُشرك به شيئا، فيجب عليك أن تُشهد الناس جميعا على إيمانك هذا، ولا يكون ذلك بالقول فقط وإنما بالفعل، ونحن نكاد نجزم الظن بأن إقامة الصلاة المفروضة عليك في اليوم والليلة خمس مرات هي التنفيذ العملي لهذه الشهادة. فيجب أن تحرص على أن تأتي إلى المسجد في هذه الأوقات بنيّة الذي يذهب إلى ربه، ليشهد أمامه بأنه هو الإله الأوحد الذي لا يعبد غيره. فتؤدي الصلاة المكتوبة عليك، وتنصرف من هناك فرحا بأنك قد أديت حق الله عليك، فكنت من الذين طبقوا قوله تعالى:

إِيَّاكَ نَعْبُدُ ... (5)

وقبل أن تأتي إلى المسجد وبعد أن تنصرف منه يمكنك أن تسبح بحمد ربك (فيما يعرف بصلاة السنّة)، ويكون ذلك بنية الذي يؤمن أن له حق على ربه، فكما أن لله حق عليّ بأن أعبده فلا أشرك به شيئا، فإن لي عليه حق أن يعينني في كل أمري:

... وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)


(دعاء: اللهم ربي أدعوك وحدك بأن تكون غالب على أمري، فكما كدت ليوسف ودبرت له أمره، أدعوك وحدك أن تكيد لي وتدبر لي أمري كله أوله وآخره، صغيره وكبيره، إنك أنت الغفور الرحيم – آمين)

وبهذه النيّة (نحن نفتري القول) تصلي بشكل فردي، أي بنيّة التسبيح بحمد ربك، لتطلب منه حاجتك التي تريده أن يعينك في قضائها. وهذه الحاجة هي على نوعين اثنين، وهما:
1. أن تشكر الله على نعمه التي أصبغها عليك ظاهرة وباطنة:

أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20)

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)


وهي نعمة لا تستطيع أن تحصيها:

وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (24)

وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)


فشكرك لله على هذه النعمة التي أسبغها عليك ظاهرة وباطنة هو الكفيل الوحيد لديمومتها لا بل وزيادتها:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

نتيجة مهمة جدا: لعلي أكاد أجزم الظن أنه من المفترض أن تشرع -عزيزي المؤمن بالله- قبل إقامة الصلاة المفروضة عليك بالتسبيح بحمد ربك (فيما يعرف بصلاة السنّة) بشكر الله على نعمه بنيّة أن يحفظ الله عليك نعمه جميعا ظاهرة وباطنة، لا بل وأن يزيدك من فضله.

2. أن تطلب من ربك (الذي لا تشرك به شيئا) أن يكشف عنك ضرا قد مسك:

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62)

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53)


ولعلي أكاد أجزم الظن بأنه ما أن ينتهي العبد المؤمن من إقامة الصلاة المفروضة حتى يهرع إلى ربه مرة أخرى في صلاة خاصة تسبح فيها بحمد ربك بغرض أن يكشف عنك أي ضر قد أصابك. فعقيدة المؤمن في هذه الحالة هي ما نجده في قوله تعالى:

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)


فما عليك أنت كشخص مؤمن (بربك الذي تعبده وحده فلا تشرك به شيئا) إلاّ أن تصبر إذا ما أصابتك مصيبة كما قال موسى لقومه عندما أصابهم الأذى:

قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)


وتلجأ إلى الله (في صلاة تسبح فيها بحمده) أن يكشف عنك هذا الضر. مؤمنا بأن الله قادر على أن يكشف عنك أي ضر مسك لأن الله هو أكبر من كل شيء.

سؤال: لماذا نقول في صلاتنا "الله أكبر" للانتقال من كل حركة في الصلاة إلى الحركة التالية؟

جواب مفترى: نحن نقول ذلك لإيماننا بأن الله هو أكبر، فلا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)


ملاحظة مهمة: لو تفقدنا سلوك المصلين في الصلاة، لوجدنا أنه ما أن ينفك الناس من الصلاة حتى يبدءوا بالذكر الذي يتبع الصلاة، فيأخذون بترديد ثلاث عبارات متتالية هي: سبحان الله والحمد لله والله أكبر. وانتشرت بين المسلمين ما تسمى "بالسبحة"، فيبدأ المسلم بتسبيح ربه ثلاث وثلاثين مرة، وحمد الله ثلاث وثلاثين، والقول الله أكبر ثلاث وثلاثين.

السؤال: من أين جاء هذا السلوك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الغاية من ذلك هي تثبيت مقاصد الصلاة بجميع أصنافها، فالصلاة هي:

1. إشهار الوحدانية لله، ويتلخص ذلك بقول المؤمن "سبحان الله"

2. شكر الله على نعمة، ويتلخص ذلك بقول المؤمن "الحمد لله"

3. طلب المعونة من الله على البلاء، ويتلخص ذلك بقول المؤمن "الله أكبر"

باب عدد الركعات فيما يسمى بصلاة السنة
السؤال: لماذا إقامة الصلاة المفروضة محددة بركعات ثابتة لا زيادة فيها؟ ولماذا - بالمقابل- جاء التسبيح بحمد ربك (فيما يعرف بصلاة السنّة) مفتوح السقف في العدد؟

جواب مفترى: لعلي أفتري القول بأن هذا يقع في باب الكرم الإلهي الذي لا نظير له، فالله قد طلب منك أن تعبده في إقامة الصلاة المفروضة عليك في اليوم والليلة خمس مرات، ويكون ذلك بطريقة ثابتة تشمل الجميع، فصلاتي في هذه الحالة لا تختلف عن صلاتك، ونحن نجتمع جميعا في المسجد لنؤديها بالعقيدة نفسها (وهي الشهادة بوحدانية الله) وبالكيفية نفسها، في الركوع والسجود وعدد الركعات. ولم يشرع لنا أن نزيد في ذلك شيئا ولا أن ننقص من ذلك شيئا. فحق الله يطلبه من عباده جميعا بنفس الطريقة والكيفية.

لكن – بالمقابل - فإن من حقك على ربك أن تطلب منه ما تشاء (في صلاة التسبيح بحمده – أي ما يعرف بالسنّة)، ومن حقك على ربك أن لا يرد لك طلبا مادام أنه هو من تعهد بذلك:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)


فمهما كانت حوائجك فإن الله (القادر على كل شيء) هو وحده الذي يتكفل بأن يقضيها لك جميعا. ولو دققنا في الآية الكريمة التي تتحدث عن التسبيح بحمد الرب لوجدناها قد ختمت بعبارة (لَعَلَّكَ تَرْضَى)، قال تعالى:

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)


فهذه الصلاة (أي التسبيح بحمد الرب) مشروطة برضا الشخص المؤمن نفسه. فقد أصلي أنا (كتسبيح بحمد ربي) في آناء الليل عشرين ركعة حتى أشعر بالرضا، لكن قد لا تحتاج أنت لأكثر من ركعتين أو أربعة، وهكذا.

السؤال: وهل أستطيع أنا (كمؤمن بربي) أن أقيم الصلاة المفروضة وكفى؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نعم، تستطيع ذلك، لكن تأكد بأنك أنت من سيخسر في نهاية المطاف. لأنك تكون قد أديت حق الله عليك وحرمت نفسك من أن تتمتع بالكرم الإلهي عليك. فالله هو صاحب المنّة والفضل على العالمين:

قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللّهَ يَمُنُّ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَعلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)


فإن كنت من الذين يشاءون منّة الله عليهم، فما عليك إلا أن تسبح بحمد ربك. ولكن إن شعرت أنك لا تحتاج لهذه المنّة، فلك أن لا تسبح بحمد ربك وتكتفي بإقامة الصلاة المفروضة فقط.

(دعاء: أللهم أسألك أن تنفذ قولك بمشيئتك وإرادتك بالمنّة عليّ، فإني أشهدك أنني ممن يشاءون أن تمنّ عليهم – إنك أنت العزيز الكريم – آمين)

السؤال: كيف أنفذ ذلك على أرض الواقع؟

رأينا المفترى: تخيل عزيزي القارئ أنك استيقظت من نومك في الصباح الباكر قبل إقامة صلاة لفجر، فما عليك أولا وقبل كل شيء إلا أن تبدأ يومك بأن تشكر الله على هذه النعمة، وعلى نعمه الكثيرة التي لا تستطيع أن تحصيها، فتسبح بحمد ربك بهذه النيّة بأن تصلي شكرا لله ركعتين خفيفتين. ولكن تخيل أنك وجدت أنك تريد من الله أن يسبغ عليك نعمة تظن أنها ناقصة عندك كنعمة المال مثلا، فما عليك إلا أن تصلي لله ركعتين خفيفتين بنيّة أن يؤتيك سعة من المال، ولو أنك وجدت نفسك بحاجة أن يسبغ الله عليك نعمة الولد (إن كانت ناقصة أو إن أردت الزيادة منها)، فما عليك إلا أن تصلي لله ركعتين خفيفتين بهذه النيّة. ولو أنك وجدت نفسك بحاجة أن يسبغ الله عليك نعمة إصلاح الزوجة (إن كنت بحاجة لذلك)، فما عليك إلا أن تصلي لله ركعتين بهذه النيّة، وهكذا تصلي ما شئت بمثل هذه النية لكل نعمة تريد من ربك أن يسبغها عليك، وتبقى في مثل هذا الشغل حتى تشعر بنفسك أنك قد رضيت (لَعَلَّكَ تَرْضَى)، فلا حد لكرم الله مادام أنك بحاجة إليه ليعينك في قضاء حوائجك، فربك (الذي تعبده ولا تشرك به شيئا) قريب يجب دعوة الداع إذا دعاه:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

وما أن تنقضي إقامة الصلاة المفروضة حتى تهرع إلى الله (بعد أدبار السجود) طالبا منه بأن يكشف عنك ضرا قد مسك، فلو أنت شعرت أن نعمة الصحة قد أصابها العطب أو بعض الخلل، فربك وحده هو من يستطيع أن يكشف ذلك عنك:

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)

ولا تنسى أن هذه هي صلاة المضطر، فالله وحده هو من يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء:

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62)

حاول عزيزي القارئ – إن أردت – أن تهرع إلى الله بمثل هذا الإيمان، ثم انظر عجائب قدرة ربك.

(دعاء: اللهم فاشهد أني أقيم الصلاة لذكرك، بنيّة من يعبدك وحدك، فأنت وحدك إلهي الذي لا شريك له، وأشهد اللهم أني أسبح بحمدك لتحفظ نعمتك التي أسبغتها عليّ ظاهرة وباطنة والتي لا أحصيها، كما أسبح بحمدك وحدك لتكشف السوء والضر عني، فأنا من المؤمنين بأنه لا يكشف السوء إلا أنت، إنك أنت السميع البصير – آمين)

منطق مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: دقق - عزيزي القارئ- في الآية الكريمة التالية:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

ليكون السؤال الآن هو: لماذا قال الله (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)؟ ألا يكفي أن يكون قول الله (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ) وكفى؟ فما الحاجة أن يتبع ذلك بعبارة (إِذَا دَعَانِ

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن كلّ إنسان يدعو الله هو داع، ولكن لا يتحقق له الاستجابة إلا إذا كان داع يدعو الله كما جاء بصريح اللفظ في الآية الكريمة (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).

السؤال: ومتى يصبح المؤمن بربه داع يدع الله؟

جواب مفترى خطير جدا جدا من عند أنفسنا: لا يكون المؤمن داع يدعو ربه إلا وهو قائم يصلي، وليس أدل على ذلك – برأينا- مما حصل لزكريا:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

نتيجة خطيرة جدا جدا: نحن نظن أن الدعاء لا يتحقق من العبد إذا كان داع فقط، ولكنه يتحقق إذا كان داع يدعو ربه (أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، ولا يتحقق هذا الشرط – برأينا- إلا في فعل الصلاة كما فعل زكريا.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن شعر زكريا بأنه بحاجة إلى نجدة من السماء، وما أن شعر أنه يريد الولد فعلا، ومادام أنه كان مؤمنا بأن الله وحده هو القادر على تحقيق ذلك له، حتى وقف وحيدا ليسبح بحمد ربه، فوجه وجهه في المحراب، ونادى ربه نداء خفيا:

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

فجاءه الرد الإلهي مباشرا على النحو التالي:

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)

وكان ذلك الرد في خلال قيامه في المحراب يصلي:

فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)


رسالة قصيرة (3): حاول -عزيزي القارئ - إذا ما وجدت نفسك بحاجة إلى ربك ليعينك في قضاء شيء من حوائجك، أن تقف وحيدا لتسبح بحمده، فتطلب منه ما شئت أن يسبغ عليك من نعمه، وتأكد بأن الله ربك على كل شيء قدير. مؤمنا بأن ما بك من نعمة هي من الله، وأن الله هو وحده القادر أن يحفظ عليك هذه النعمة وأن يزيدك من نعمه التي لا تستطيع أن تحصيها.

باب قراءة الفاتحة في الصلاة


السؤال: لماذا نقرأ فاتحة الكتاب في كل ركعة من الصلاة سواء المفروض علينا إقامتها أو التي نسبح فيها بحمد ربنا (أي ما يسمى بالسنّة)؟

جواب مفترى: دعنا ندقق في آيات فاتحة الكتاب من هذا الباب، قال تعالى:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)


بداية، لما كانت هذه الآيات هي من القرآن، كان لزاما أن تبدأ القول بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم:

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101)

ويكون الهدف من ذلك أن لا تجعل للشيطان عليك سلطان مادمت قائما في صلاتك. فتبدأ بعد ذلك الصلاة باسم الله (الرحمن الرحيم). ليكون السؤال: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أننا نبدأ باسم الله لأن الله هو الواحد الأحد الفرد الصمد:

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

وهذا – برأينا- هو جوهر النيّة في إقامة الصلاة المفروضة، فأنت تصلي لله، لأن الله ليس له سميّا:

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)


فنحن نعبد الإله الذي نعلم أن ليس له سميّا، فهو الله لأنه هو الوحيد الذي يحق له أن يحمل هذا الاسم، فهو الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد. وهذه هي شهادة التوحيد في أوضح صورها.

ولكننا لا نكتفي بأن نبدأ باسم الله في فاتحة الكتاب بل نتبع ذلك بالرحمن الرحيم:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

وقد افترينا سابقا أن الدعاء (كل دعاء) لا يكون إلا بهذين الاسمين (الله / الرحمن) فقط:

قُلِ ادْعُواْ اللّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110)

نتيجة مفتراة (1): نحن ندعو الله الذي نعبد، وهذا هو جوهر إقامة الصلاة المفروضة.

نتيجة مفتراة (2): نحن ندعو الرحمن الذي يعيننا، وهذا هو جوهر التسبيح بحمد الرب.

ونحن نكاد نجزم الظن – كما افترينا سابقا – أن الله هو الرحمن لأنه القادر على فعل المعجزات التي قد لا تستطيع أن تتخيلها مهما عظمت. فعقيدتك يجب أن تكون مبينة على الإيمان اليقيني أن الله لا يعجزه شيء في السماء ولا في الأرض:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44)


وهذا هو – برأينا- فقه التسبيح بحمد الرب (فيما يعرف بصلاة السنّة)، فأنت تلجأ إلى الله في هذه الصلاة المنفردة لتطلب من ربك الرحمن أن يريك عجائب قدرته في كل شيء. وذلك لأن عبادتك هنا موجهة ليس لله (الواحد الأحد) وإنما لمن خلقك ففطرك، فكان ربك، انظر الآيات التالية في فاتحة الكتاب:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4)


وما أن تصل إلى منتصف تلك السورة العظيمة حتى تجد أن الغاية من الصلاة كلها – كما أسلفنا- قد تجمعت في الآية رقم (5):

إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)


ولعل أهم أنواع الهداية على الإطلاق التي يمكن للعبد أن يطلبها من ربه هي هداية الصراط المستقيم:

اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ (6)


وهو صراط الذين أنعم الله عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين:

صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ (7)


وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم هم من توافرت بهم الصفات التي ترد في قوله تعالى:

وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (69)

أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)


فما دمت أنك تسير على صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، فأنت لا شك على الحق المبين، فتكون بذلك من المسلمين كما جاء في دعاء إبراهيم ربه:

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)


(دعاء: اللهم ربي اجعلني مسلما لك ومن ذريتي، إنك سميع الدعاء – آمين)

تلخيص ما سبق: فقه ما يسمى بصلاة السنة

نحن نفتري الظن بأن فقه ما يعرف بين العامة تحت مسمى صلاة السنة هو في الحقيقة (كما فهمناها) تسبيح بحمد الرب، ويكون ذلك في أوقات محددة كما ورد في آيتين كريمتين تتلاقى في مجملها مع أوقات إقامة الصلاة التي ترد في آيتين الكريمتين، كما في الجدول التالي:

إقامة الصلاة
التسبيح بحمد الرب
أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)
وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)


ويزيد التسبيح بحمد الرب عن إقامة الصلاة في الأوقات التي ترد في الآية الثالثة التالية:

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)

فيصبح الجدول السابق على النحو التالي:

إقامة الصلاة
التسبيح بحمد الرب
أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)
وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)
......................................................................................
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)
فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39)
وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40)

وللحديث بقية إن شاء الله

المدّكرون: رشيد سليم الجراح    & علي محمود سالم الشرمان

آذار 2017







أحدث أقدم