تطرح هذه المقالة فرضية جريئة تحدد الموقع الجغرافي الذي كلم الله فيه نبيه موسى بأنه نفس موقع المسجد الأقصى في القدس. وتربط هذا المكان المقدس بأحداث محورية أخرى، كجنة آدم ولقاء موسى الثاني بربه ورحلة الإسراء، معتبرة إياه "محطة عبور" أرضية مباشرة إلى السماء. كما تنتقد المقالة الفهم السائد بأن الله موجود فيزيائيًا في كل مكان، مستخدمة حاجة الأنبياء للانتقال إلى هذا الموقع كدليل على وجود نقطة اتصال فيزيائية محددة بين الأرض والسماء.
فهرس المقالة
أين حصلت المناداة الربانية لموسى؟
نتعرض في هذه المقالة إلى سؤال واحد وهو: أين حصلت المناداة الربانية لموسى؟ أي أين هو ذلك الوادي المقدس الذي حصل به اللقاء الأول بين موسى وربه؟
جواب: نحن نزعم أن المتتبع للسياقات القرآنية التي تتحدث عن قصة اللقاء الشهير لموسى مع ربه ربما يستطيع أن يحدد بالدقة المنشودة المكان الذي تم فيه اللقاء، فهو بلا شك المكان الذي تتوافر به العناصر الجغرافية التالية:
العناصر الجغرافية للموقع
أ. الوادي
﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ ﴿٩﴾ إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى ﴿١٠﴾ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ ﴿١١﴾ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى ﴿١٢﴾﴾
(طه: ٩-١٢)
ب. الطور
﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾
(القصص: ٢٩)
ج. شاطئ الوادي الأيمن
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
(القصص: ٣٠)
د. البقعة المباركة
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ...﴾
(القصص: ٣٠)
ز. الشجرة
﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ...﴾
(القصص: ٣٠)
وتوافرت عوامل لحظية كالنار.
نستنتج إذًا أن المناداة كانت: في الوادي المقدس عند الشجرة في البقعة المباركة من الشجرة، أليس كذلك؟ فأين ذلك المكان جغرافيًا على سطح الكرة الأرضية؟
الفرضية الأساسية: وحدة المكان المقدس
لقد تحدثنا في مقالة أخرى عن موضوع الشجرة، وقد بيّنّا أن الحوار الإلهي مع البشر لم يحدث إلا مرتين، مرة مع آدم والأخرى مع موسى. وقد حصل ذلك عند الشجرة، وبينّا كذلك أن جنة آدم لم تكن في السماء وإنما على سطح الكرة الأرضية.
افتراء من عند أنفسنا: نحن هنا نفتري الظن أن المكان الذي حصل فيه اللقاء الرباني مع موسى هو نفسه المكان الذي حصلت فيه فتنة الشيطان لآدم وزوجه، وهو نفسه الذي تمت فيه المخاطبة الربانية مع آدم. وسنحاول هنا تحديد المكان الذي تم فيه اللقاء (لقاء موسى مع ربه) بشيء من الدقة.
نقد فكرة الوجود الإلهي الفيزيائي في كل مكان
ولكننا قبل الولوج في هذا المبحث نجد لزامًا إعادة التأكيد على عقيدتنا الخاصة بالتواجد الإلهي الفيزيائي... أما نحن فإن عقيدتنا تقضي بضرورة التمييز بين وجود الله في كل مكان بعلمه ووجود الله فيزيائيًا في مكان معين.
سؤالنا الذي نطرحه على كل من ظن أن الله موجود في كل مكان بالمعنى الفيزيائي لكلمة الوجود هو: أليس الله موجود في كل مكان؟ فلم إذًا يضطر موسى للذهاب إلى مكان ما للقاء الله؟ ألا يمكن أن تتم الملاقاة في أي مكان؟
رأينا: كلا وألف كلا، إنّنا نظن أن في مجيء موسى إلى ربه (وليس العكس) ما يثبت صحة ما نقول ونزعم هنا، لقد تمت الملاقاة في مكان معين، فأين هو ذلك المكان؟
الدليل: تكرار اللقاء في نفس المكان
لاحظ - عزيزي القارئ- أن اللقاء الثاني لموسى مع ربه قد تم بعد خروج موسى مع قومه من أرض مصر، أليس كذلك؟ بينما تم اللقاء الأول عندما كان موسى عائدًا إلى أرض مصر مع أهله من أرض مدين.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نعتقد أن لقاء موسى الأول مع ربه ولقاءه الثاني مع ربه حصلا في المكان نفسه.
الدليل: لو تأملنا النص القرآني الذي يتحدث عن لقاء موسى الثاني مع ربه لوجدنا أن موسى قد ذهب مسرعًا إلى ذلك المكان، في الوقت الذي لا نجد أن موسى قد أعطي معلومات حول المكان الذي سيجد عنده ربه، لنستنتج القول بأن موسى إذًا يعلم المكان الذي سيجد به ربه فذهب مسرعًا إلى ذلك المكان، وذلك لأنه المكان الذي وجد عنده ربه في لقاءه الأول وهو قافل العودة من مدين إلى أرض مصر بصحبة أهله: فالمكان إذًا يقع على الطريق بين مدين ومصر، ولكن أين هو ذلك المكان؟
خروج عن النص: قصة الإسراء ودلالة الانتقال
سيبادرنا صديقنا المعهود بالسؤال عن هذا الانتقال العجيب قائلًا: وما دخل قصة الإسراء بهذا الموضوع؟ فنرد بالقول أننا أمام لفتة غريبة في قصة الإسراء نظن أن الفكر الإسلامي قد مر عليها مرور الكرام، ولم يعطها حقها من البحث، ونحن نعتقد جازمين أن ربط تلك الحادثة مع قصة لقاء موسى مع ربه ربما يفتح آفاقًا جديدة في الفهم، ولكن كيف؟
نقد إخفاء التفاصيل في الفكر الإسلامي
فلقد أسهب الفكر الإسلامي في الحديث عن مرحلة معينة في قصة الإسراء و"المعراج"، وقفز عن مرحلة معينة، وعاود الحديث عن مرحلة ثالثة بشيء من التفصيل، وأخشى ما أخشاه أن الفكر الإسلامي – في مثل هذه التصرفات- ربما يقع كما وقع الفكر اليهودي والمسيحي من قبل في محظور كبير حذّرنا الله منه في كتابه العزيز ألا وهو ما تتحدث عنه الآية الكريمة التالية، وهو أن نبدي ما نريد وأن نخفي ما نريد:
﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا...﴾
(الأنعام: ٩١)
موقفنا: إننا لا نضع أنفسنا في موقع الحامي لهذا الدين خوفًا من إثارة الشبهات حوله، فنطرح ما نريد ونتجاهل ما نظن أنه من الغيبيات التي لا يمكن للعامة الإطلاع عليه أو حتى إثارة النقاش حوله، بل على العكس تمامًا، إننا نؤمن أنّ هذا الدين (بكلياته وجزئياته) هو حق وملك للجميع.
إشكالية غياب ذكر "المعراج" في سورة الإسراء
ولكن ألم يستوقفك - عزيزي القارئ- السؤال التالي في قصة الإسراء و"المعراج": أين الحديث عن المعراج في تلك القصة؟ فإذا ما قرأنا سورة الإسراء (لاحظ الاسم عزيزي القارئ) لا نجد على الإطلاق ذكر لقصة المعراج، فالسورة الكريمة تقص الحدث على النحو التالي:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ...﴾
(الإسراء: ١)
تساؤل: لِمَ تتحدث السورة بصريح اللفظ عن الرحلة من البيت الحرام إلى المسجد الأقصى بصريح اللفظ بينما لا تذكر شيئًا عن المرحلة الثانية في الرحلة وهي التي رغبوا بتسميتها بـ "المعراج" إلى السموات العلى؟
لماذا كان الانتقال إلى بيت المقدس ضروريًا؟
السؤال الأكبر: لم يضطر النبي صلى الله عليه وسلم للذهاب إلى بيت المقدس ليعرج إلى السماء أصلًا؟ لم لا تتم الرحلة (express) إلى السموات العلى من هناك؟
جواب: نحن نظن أننا نتحدث عن موضوع الانتقال في الحالتين: الانتقال من مكان إلى مكان لملاقاة رب السموات والأرض. فموسى يقفل عائدًا إلى مصر من أرض مدين وفي الطريق يذهب إلى مكان جغرافي محدد فيجد الله عنده مناديًا إياه في ذلك المكان. وتتكرر الحادثة فينتقل موسى من المكان الذي كان فيه مع بني إسرائيل بعد خروجهم من مصر ليذهب إلى مكان ليلاقي ربه.
هذا بالنسبة لانتقال موسى لملاقاة ربه، أما بالنسبة للرسالة الخاتمة فتحدث القصة المشهورة وهي ما تسمى بحادثة الإسراء و"المعراج" فينتقل محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم من أرض البيت الحرام إلى بيت المقدس (كما أظن) قبل عروجه إلى السماء (كما ظن كثير من أهل الدراية والرواية)، وهنا نعود لنطرح السؤال السابق نفسه: لم هذا الانتقال؟
إن الجواب الذي نقدمه لهذا التساؤل يتمثل بالفهم البسيط التالي: دقق النظر -عزيزي القارئ- بمفردات هذه الآيات متسلحًا بالإيمان والاعتقاد الجازم أن كلام الله يجب أن يؤخذ على محمل الجد، فهو دقيق مقصود بلفظه، فالإله يعي ما يقول، فلقد انتقل محمد في حادثة الإسراء إلى المسجد الأقصى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ونادى الله موسى قائلًا ﴿أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، وتأكدت المباركة حين قال له ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾، وتحدد المكان في قوله ﴿نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾.
الدليل القرآني: الأرض التي باركنا فيها وحولها
ربط البركة بالمسجد الأقصى ومكان تكليم موسى
لو حاولنا البحث عن المكان الذي بارك الله حوله لوجدناه في موقعين اثنين، أولهما المكان الذي انتقل إليه نبينا محمد في حادثة الإسراء، وثانيهما، المكان الذي تم فيه لقاء موسى ربه. وهي نفسها الأرض التي ورثها القوم الذين استضعفوا، وهي نفسها التي توجه إليها إبراهيم ولوط، وهي نفسها التي كانت تجري فيها الرياح مسخرة لسليمان.
ولا أظن أن الناس يختلفون في تحديد تلك الأرض التي يتحدث عنها النص القرآني، فهي الأرض التي تواجد فيها إبراهيم ولوط وسليمان وموسى، أليست هي إذًا أرض فلسطين؟
القدس: محطة العبور الأرضية إلى السماء
نعم إنه مكان المسجد الأقصى الموجود حاليًا في أرض القدس، فنحن نفتري الظن أنه هناك حدث لقاء موسى الأول بربه، وإلى هناك أسرع موسى وترك قومه خلفه ليلاقي ربه مرة أخرى، وإلى هناك أنتقل محمد في حادثة الإسراء ليعرج منها إلى السماء لملاقاة ربه، وهناك كان أصلًا وجود آدم الأول في الجنة، فتلك هي جنة آدم الأولى، ومن هناك هبط آدم وزوجه بعد المعصية.
افتراء من عند أنفسنا: إننا نعتقد أن السبب هو ما قدمناه سابقًا في أن موضع المسجد الأقصى الحالي هو نقطة الانطلاق إلى السماء، فهي محطة الحوار مع السماء، وهي محطة العبور إلى السماء.
إننا نزعم أن جميع رحلات جبريل إلى الأرض تمت بتلك الطريقة: النزول إلى المحطة الأرضية الأولى (بيت المقدس) ثم الانتقال بعدها إلى أي مكان على سطح الأرض. إن بيت المقدس هو محطة السيطرة الأولى على هذه الأرض، فما ينزل من السماء وما يعرج فيها لا بد له من المرور بتلك المحطة.
خاتمة: قدسية المكان وسر خلع النعلين
ونعود لقصة موسى لنطرح سؤالًا آخر غريبًا لكنه يلفت الانتباه، ألا وهو: عندما ذهب موسى ليستطلع خبر النار، ناداه ربه على النحو التالي:
﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾
السؤال: لماذا طلب الله من موسى أن يخلع نعليه؟ ويأتي الجواب معللًا في الآية نفسها على نحو "إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى"، فهل يا ترى من كان في ذلك الوادي عليه خلع نعليه؟ ولماذا؟
افتراء من عند أنفسنا: إنها – برأينا- قدسية المكان، فلقد كان موسى في مكان لا يدخله الناس بنعالهم، فهو المكان الذي منه تبدأ الرحلة إلى السماء، وهو المكان الذي يشكل المحطة الأرضية الأولى لمن ينزل من السماء إلى الأرض، ولا ننسى أن محمدًا عليه أفضل الصلاة وأتم السلام قد قام من فراشه ليركب البراق في رحلته إلى المسجد الأقصى، فلا أظن أنه قد كان لابسًا نعليه في تلك الرحلة.
تموز 2007
وللكلام بقية...
بقلم: د. رشيد الجراح
مركز اللغات
جامعة اليرموك