تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الصيام - الجزء الرابع


فقه الصيام: الجزء الرابع

خلصنا في الجزء السابق من هذه المقالة إلى افتراء الظن من عند أنفسنا بأن فرعون قد استطاع أن يقنع قومه بأنه هو ربهم الأعلى وأنه هو إلههم الأوحد بالرغم أنه سيصيبه الموت، وذلك – برأينا- لسبب بسيط وهو وجود فهم مغاير (عما عندنا) لفلسفة الموت والحياة عند فرعون وقومه. فالحياة بالنسبة لهم هو أن يقضي الناس الأجل المسمى فلا يصيبه مرض ولا نصب ولا عذاب في هذه الحياة، فيصبح من الفاكهين:

كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)

بالضبط كما هي حياة الداخلين في جنات النعيم عند ربهم:

فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (19)

ونحن نفهم مفردة فاكهين على أنه النعيم الذي لا ينغصه النصب والعذاب والخوف من الموت. ولتبرير هذا الافتراء الذي هو لا شك من عند أنفسنا، علينا أن نحاول التمييز بين لفظتين متقاربتين وردتا في النص القرآني، وهما مفردة فَاكِهِينَ هذه مقابل مفردة فَكِهِينَ التي ترد في السياق القرآني التالي:

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)

ففي حين أن مفردة فَاكِهِينَ تصور حياة الرغد في الجنة، حيث التلذذ بما فيها من أكل دون أن يصبهم ما يعكر صفوة الحياة فيها، كما بدأت حياة آدم وزوجة في جنة المأوى:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

فإن مفردة فَكِهِينَ تصور – بالمقابل- جانبا من تصرف المجرمين تجاه المؤمنين حيث الاستهزاء من الطرف الأول (الذين أجرموا) بما كان يعمل الطرف الثاني (الذين آمنوا):

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)

نتيجة مفتراة 1: نحن نظن أن لمفردة فَاكِهِينَ معنى إيجابي، فمن كان من الفاكهين، فهو في نعيم

نتيجة مفتراة 2: نحن نظن بأن لمفردة فَكِهِينَ معنى سلبي، فمن كان من الفكهين، فهو من الذين أجرموا

ولتبسيط الصورة، فإننا نظن (ربما مخطئين) بأن مفردة فاكهين لها علاقة بمفردة الفاكهة التي وردت في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57)

هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51)

يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)

وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)

فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)

فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)

وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21)

وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)

فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

كما نظن بأن لها علاقة بمفردة "الفواكه" التي وردت في السياقات القرآنية التالية:

فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)

أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43)

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنينَ (44)

أما مفردة فَكِهِينَ، فلها (نحن نفتري الظن) علاقة بالفكاهة، المصاحبة للتندر والضحك من تصرفات الآخرين، فهؤلاء الذين أجرموا فكهين (أي يتندرون) من أعمال الذين آمنوا عندما يمرون بهم:

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)

ولا شك – عندنا- أن الفواكه (كطعام) ليس من أساسيات الحياة، فالإنسان يستطيع العيش بدون تلك الأطعمة طوال حياته، لكن وجود الفاكهة (وأنواعها من الفواكه) في البيت علامة دالة على رغد الحياة فيه، فالبيت أو لنقل الشقة السكنية التي عادة ما تخلو منها الفاكهة (كشقتي التي أسكن فيها في الجامعة التي أدرس فيها) هو أساسا بيت يكتفي بمقومات الحياة البسيطة (كالخبز واللبن وبعض الخضار وقليل من اللحوم)، أما البيت الذي تكثر فيه الفواكه (كبيت رئيس الجامعة التي أدرس فيها)، فهو لا شك بيت فيه من مقومات رغد الحياة ما يدل على الفساد المالي في الجين العربي. فلا غرابة في بلاد الأعراب أن يكون الفرق بين ما يتقاضاه رئيس الجامعة (كأستاذ جامعي - بصفته الوظيفية وليس بشخصه طبعا) وما اتقاضاه أنا (كأستاذ جامعي بصفتي الوظيفية) في الجامعة نفسها عشرات الأضعاف. لذا، تكثر الفاكهة في بيته حتى تكاد تملأ سلال المهملات، بينما لا تجده في بيتي إلا في المناسبات من الوزن الثقيل. والغريب المريب في ذلك، أني كشخص (أحاول جاهدا أن أكون محترما) لا أسرق الناس بالقانون (ربما لأني لا أستطيع، يعني مش كلها نزاهة)، بينما لا يجد المسئول العربي (كشخص محترم طبعا) أن يلجأ إلى قوننة سرقاته المالية. ففي حين أني لا أجد ضيرا في أن أكشف للجميع عن مقدار ما اتقاضاه من الجامعة كدخل سنوي حتى أن المارة في الطريق يستطيع أن يجد كشف راتبي الشهري تذروه الرياح في الطرقات، يحرص السئول العربي (المحترم طبعا) أن يخفي عن أعين الناظرين (حتى المقربين منه) ما يتقاضاه من دخل سنوي ومن راتب شهري. فحتى لا يطلع عليه أحد، يحاول المسئول العربي أن يخفي الأوراق والمستندات (القانونية طبعا) التي تفصل ما يتقاضاه من المؤسسة التي يرأسها كدخل سنوي وكراتب شهري. ولو مررت من أمام منزلة الذين تزين مدخله بلاطة مكتوب عليها "هذا من فضل ربي"، لربما خطر ببالك السؤال التشكيكي التالي: هل يمكن لموظف حكومي يتقاضى راتبا شهريا (يسمى معاشا) أن يبني مثل هذه القصور ويركب مثل هذه السيارات الفارهة التي تصطف في كراجات منزله وأمام مداخله؟ من يدري؟!!!

ألست أنا أستاذ جامعي مثله؟ ألم أتخرج من جامعات عالمية ربما أفضل من الجامعات التي تخرج منها هو؟ ألم يكن تحصيلي العلمي والأكاديمي ربما أفضل من تحصيله؟ أليس انتاجي العلمي ومهارتي في التدريس تجاري انتاجه ومهارته في التدريس وربما تفوقه (طبعا زي ما قال لي الطلبة الذين أدرسهم)؟ فما بالي إذا لا أجد ما وجد ولم أحصل إلا على كسر عشري مما يحصل عليه هو؟ من يدري؟!!!

على أي حال، ربما يكون هو قد ورث عن آبائه ما لم أرث أنا عن آبائي، لكن لم كان في يوم من الأيام مثلي، يسكن شقة مجاورة لشقتي التي تتهددها الجرذان وتتسرب إليها الحشرات القوارض من كل شق فيها؟ ثم باله ما أن بدأ يتقلب (كسابقيه) على كراسي المناصب حتى بدأت الفواكه تكثر في بيته؟! من يدري؟!!!

إن ما يهمنا قوله هو أنه لو لم يكن في الأمر ريبة وشك كبيرين، لما كان الفارق بيننا (كأستاذين جامعين) شاسعا لهذه الدرجة، والأهم من ذلك لما تردد هو (كما لا أتردد أنا) أن يقول للناس هاؤم أقرأوا كتابيه، ليكون السؤال الذي تكاد تطير بسببه عصافير رأسي (كما يقول المثل) هو: لم يحرص المسئول من بني الأعراب على عدم اظهار ما تطوله يده من أموال الناس ما دام أنه يأخذ تلك المكاسب بالقانون؟ وبكلمات أكثر تفصيلا نحن نسأل: إذا كان دخلهم من المال العام يجري ضمن إطار القانون المعمول به، لم يحاولون أن يحجزوا المعلومة عن الآخرين، فلا يطلع عليها أحد إلا من ارتضوا من مارق مثلهم؟ أليست الشفافية التي يتغنون بها على شاشات التلفزة ومحطات الإذاعة والصحافة الورقية والالكترونية ليل نهار تلزمهم (لو كانوا فعلا صادقين) أن يكشفوا على رؤوس الأشهاد ما كسبوا عندما تولوا مناصبهم كما كانوا يكشفونها قبل أن ينعم عليهم ربهم (ولي نعمتهم) بهذه المناصب الرفيعة؟ أم تراهم هم الذين كتبوا تلك القوانين الجائرة الظالمة بأيدهم وسطروا لأنفسهم فيها من المكاسب الشخصية ما يجعلهم يخجلون منها أمام العامة؟ ألا نجد أن رؤساء أكبر دول الأرض (كالرئيس الأمريكي والروسي والصيني والياباني والألماني والبريطاني والفرنسي وغيرهم) وحتى رؤساء دول أدغال إفريقيا وأدغال الأمازون يكشفون للناس عما يكسبون من مناصبهم كدخل سنوي يخضع للضريبة العامة للدولة؟ لم لا نستطيع نحن (الأعراب الأجراب) الوصول إلى كشف حساب شهري لمدير الأحوال المدنية أو رئيس بلدية في قرية نائية في بلاد من كانوا خير ( بل شر) أمة أخرجت للناس؟! لم يحصل المسئول في هذه البلاد المنكوبة بفكرها على مكاسب تمكنه من أن يعيش في هذه البلدان البائسة حياة البذخ الذي لا نجد مثيلا له إلا في بلاط الملوك في قصص ألف ليلة وليلة، بينما ترزخ شعوبهم المستحمرة تحت وطأة الجوع والفقر المدقع الذي لا نجد تصويرا له إلا في روايات تشارلز ديكنز وفكتور هيغو؟ من يدري؟! 

إن مراد القول هو أن الفاكهة التي تتواجد بكثرة في بيوت هؤلاء "الفاسدين المارقين على الحضارة البشرية" هي علامة من علامات البذخ والترف، فالفاكهة لا تؤكل لسد جوع البطون، وإنما للمتعة والتلذذ برغد الحياة ونعيمها. وعندما نقرأ لفظة الجنة في القرآن الكريم، نجدها مقرونة بوجود الأصناف الكثيرة من الفاكهة:

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)

وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4)

إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (55) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِؤُونَ (56) لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ (57)

هَذَا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ (49) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ (50) مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51)

يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73)

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِّن رَّبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57)

وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23)

فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12)

فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52)

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68)

وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ (21)

وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33)

فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32)

ولا شك أن الأرض المزروعة بالمحاصيل الحقلية لا تسمى جنة ما لم تكن الفاكهة وفيرة على أطرافها:

وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33)

نتيجة مفتراة 1: تدل مفردة فاكهين على أن من يتصف بها يعيش حياة الترف الواضح والنعيم ربما غير المنقطع

لكن بالمقابل، تدل كلمة فكهين (كما أسلفنا) على التندر والسخرية التي تثير الضحك والاستهزاء. فلا شك أن المؤمنين يقومون بأعمال جدية، جديرة بالملاحظة والاهتمام، ولكن عندما يمر المجرمون بهؤلاء المؤمنين، يكون تصرفهم على نحو الاستهزاء والضحك والتندر منهم، كما تصور ذلك الآية الكريمة نفسها أحسن تصوير:

إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ (31)

فالذين أجرموا دائمو الضحك من الذين آمنوا. وإذا حصل اللقاء بين الفئتين، كان الذين أجرموا هم الذين يتغامزون، أي يشيرون بطرق مباشرة وغير مباشرة إلى التقليل من شأن عمل المؤمنين. ,إذا ما انقلبوا إلى أهلهم، أصبح حديثهم عن الذين آمنوا يتصف بالفكاهة، أي التندر بكل ما فعله المؤمنين، فيقلبوا عمل الذين آمنوا من الجدية إلى الاستخفاف الذي يثير الطرفة والغرابة والضحك. فكانوا بذلك فكهين.

نتيجة مفتراة: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن مفردة فكهين تدل على أن من يتصف بها هو ممن يثير السخرية والتندر من الآخرين، بهدف تقليل أهميتها.

ولعل الرابط (بسبب التقارب اللفظي) بين المفردتين (فاكهين وفكهين) هو أن كلاهما (نحن نفتري الظن) يقع في باب الإضافات والكماليات، أي ما يضفي صبغة الترف واللهو والزينة على الحياة. فالذي يأكل الفاكهة هو من كان قد سد حاجته الأساسية من الطعام، فيأخذ يلهو بالفاكهة في أوقات الراحة من قبيل جلب المتعة والرغد في الحياة. 

وكذلك هي الحال بالنسبة لمن كان من الفكهين، فهو الذي يعرض عن الأمور الاساسية الجدية التي كان من المفترض أن تلجب اهتمامهم بها، فتكون من الأساسيات عندهم. لكنهم تركوا هذه الاساسيات لأنها لم تكن تهمهم، فانشغلوا بالفرعيات التي تجلب لهم متعة ورفاهية مزعومة، ظنوا أنها أهم من الانشغال بالجديات. فتراه ينصرف إلى السخرية والتندر من أجل إراحة نفسه من ثقل المسئولية التي كان من المفترض أن تلقى على عاتقه لو أنه فعلا انشغل بتلك الأمور الأساسية المهمة. 

نتيجة مفتراة: الفاكهة من الطعام تجلب المتعة الزائدة لأن حاجة الشخص من الطعام الأساسي قد قضيت، فما عادت ملحة

نتيجة مفتراة: الفكاهة في الكلام تجلب المتعة الزائدة لأن حاجة الشخص من مواضيع الكلام الجدية غير ملحة

إن ما نود الوصول إليه هو أن قوم فرعون كانوا فاكهين:

كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) 

والسبب في ذلك هو بظننا (ربما مخطئين) أن القوم كانوا في مأمن من الأخطار التي تهدد حياتهم بانتهاء الأجل المقضي قبل الأجل المسمى. فكان القوم لا يخشون المرض الذي ينغص الحياة الكريمة، مادام أن إلههم فرعون هو ربهم الذي يتكفل لهم بما يتكفل به من كان فعلا ربا:

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81)

لكن الفرق الوحيد الذي يثبت عدم ألوهية فرعون كإله حقيقي هو أن الإله الحقيقي هو الذي يهدي من خلقهم، لكن فرعون هو من أضل قومه وما هدى:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

فبالرغم أن فرعون كان بشخصه قادرا على هداية قومه، إل أنه هو من اختار أن يضلهم ولا يهديهم، وذلك لأن نقمة فرعون على قومه كانت شديدة، لدرجة أن هدفه الحقيقي من كل ما فعل لهم في الحياة الدنيا هو - برأينا- أن يوردهم النار:

يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

(للتفصيل انظر الجزء السادس من فقه الزكاة)

وقد كان فرعون على علم بما يعمل، لذا، جعل أرض مصر جنات وعيون، وزروع ومقام كريم، وكنوز وفيرة أهلك كثيرا منها في سبيل أن يضل قومه:

لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)

وقد كانت التقنية التي استخدمها فرعون في أن يجعل قومه فاكهين هي مصانع الخلد التي دمرها الله كلها:

فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137)

فما كان يصنع فرعون وقومه هي عبارة عن مصانع الخلد التي أخذ تقنيتها من آثار قوم عاد:

أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)

فهذه هي مصانع الخلود التي هي موجودة ليومنا هذا في أرض مصر، إنها الأهرامات العملاقة التي تقبع في أرض الجيزة. فهي ليست أكثر من محطات أرضية تستقبل الطاقة الكونية، وتخزنها في غرف خاصة في باطن الهرم، تستخدم لأغراض انتاج الطاقة النظيفة متعددة الاستخدامات. 

ولما كان فرعون على علم تام بالتقنية التي تعمل بها هذه المصانع، فقد نشر في بلاده تقنية صناعة مثل هذه المصانع لغايات محددة، فأصبحت هذه المصانع شائعة في البلاد، وكانت كفيلة بأن تبث الحياة من جديد فيمن أصابه المرض من قومه، فكانت بمثابة المشافي العلاجية التي تتكفل بأن يكون الناس تحت حكم فرعون فاكهين. فلا خوف ولا قلق من المجهول، مادام أن الموت لا يقضي عليها إلا حين بلوغ الأجل المسمى. فأصبحت فلسفة الموت ليست أكثر من عملية انتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى. فقوم فرعون يظنون (نحن نتخيل) أن الحياة هي خلود إلى الأرض، فما أن ينتهي الأجل المسمى كله في هذه المرحلة حتى تبدأ الحياة من جديد في مرحلة أخرى. فالموت بالنسبة لهم ليس فناء تاما، وإنما انتهاء مرحلة ثم انطلاق إلى مرحلة جديدة. ويكأن لسان حالهم يقول: نحن جميعا نركب في قطار واحد، وما تنتهي المحطة الأولى حتى يصبح لزاما النزول من هذه العربة لينتقل إلى المرحلة الثانية (أي المحطة الثانية)، فيخلد فيها إلى الأرض كما خلد في المرحلة السابقة، وهكذا. ولعل فرعون نفسه يركب القطار ذاته الذي سينقله من المرحلة الأولى كإله إلى المرحلة الثانية كإله أيضا. وهكذا. 

نتيجة مفتراة: كانت الأمراض العضوية التي تصيب قوم فرعون يتم التغلب عليها بتقنية مصانع الخلد (الأهرامات). انتهى.

أما مسببات الأمراض العضوية (كالسرطان) وكذلك الأمراض النفسية، فكان يتم التغلب عليها بالمعدن النفيس، ألا وهو الذهب. انتهى.

باب الذهب

السؤال المحوري: لماذا يسمى هذا المعدن النفيس بالذهب؟ وما هو الذهب أساسا؟

رأينا المفترى: لو دققنا في مفردة الذهب على وجه التحديد، لوجدناها على الفور مشتقة من الفعل الثلاثي (على رأي أهل اللغة) شائع الاستخدام وهو الفعل ذهب. ليكون السؤال الآن هو: ما معنى ذهب كما ترد في جميع السياقات القرآنية؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن مبدئيا بأن الفعل ذهب (ومشتقاته) يحمل في ثناياه معنى "عدم وجود الشيء بعد ذهابه في مكانه الذي كان متواجدا فيه من ذي قبل"، فعندما طلب إخوة يوسف من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم ليرتع ويلعب، جاء رد يعقوب على النحو التالي:

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)

وهذا يعني بأبسط الكلمات أن يوسف سينتقل من المكان الذي كان يتواجد فيه مع أبيه يعقوب إلى مكان آخر لن يكون يعقوب موجودا فيه هناك. أليس كذلك؟

وبالفعل ذهبوا به، وحصل الكيد له من أخوته، فما كان يعقوب حاضرا ذلك المشهد حينئذ:

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (15)

وهذا لا يتوقف فقط على الأشياء الحسة كالأشخاص والأشياء، وإنما يتعدى إلى الأشياء غير الملموسة كغيظ القلوب مثلا:

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

فالقلوب التي يملأها الغيض، يمكن أن يذهب غيضها هذا بمجرد أن يحصل أمر ما كالنصر مثلا. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- الآية نفسها في سياقها الأوسع:

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

وكذلك الرجس، يمكن أن يذهب عمن كان موجودا فيه:

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

فالرجس إذا موجود، لكن هي الإرادة الإلهية بأن يذهب ذاك الرجس عن أهل البيت، ولو فعلا حصل ذلك، لما بقي فيهم رجس ولتطهروا تطهيرا.

وكذلك الروع:

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

فالروع كان موجودا في إبراهيم بسبب ما رءاه من أمر ضيوفهم عندما قدم لهم العجل الحنيذ، لكن ما هي إلا فترة وجيزة حتى ذهب عن إبراهيم ذاك الروع، فما عاد موجودا، عندها فقط بدأ إبراهيم يجادل ضيوفهم في قوم لوط.

نتيجة مفتراة: عندما يذهب الشخص أو الشي سواء كان ماديا أو غير مادي (بالمفردات الدارجة)، فإنه يزول من المكان الذي كان يتواجد فيه من قبل. 

السؤال: إذا كان الفعل ذهب يحمل هذا المعنى (زوال الشيء من المكان الذي كان يتواجد فيه)، فما هو الذهب (المعدن) إذا؟ وما علاقته بالفعل ذهب؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الذهب هو معدن (مادة)، لكنه يسمى ذهبا لأنه – نحن نفتري القول من عند أنفسنا - قادر على أن يذهب بالشيء من المكان الذي كان يتواجد فيه. انتهى.

السؤال القوي جدا: ما هو الشي الذي يكون الذهب قادرا على أن يذهِبه من المكان الذي يتواجد فيه؟

رأينا المفترى الخطير جدا: إنه الشيطان. انتهى.

افتراء خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الشيطان (وبالتالي الشياطين) تذهب من المكان الذي يتواجد فيه الذهب لأن الذهب بحد ذاته يسبب لهم الأذى، فلا يستطيعون البقاء في المكان الذي يتواجد فيه الذهب. انتهى.

السؤال: ما فائدة الذهب في العلاج من الأمراض؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الذهب قادر على الشفاء من كل الأمراض التي يكون سببها الشيطان، وذلك لأن فاعلية الشيطان تخف وربما تنعدم بوجود هذا المعدن النفيس. فالشيطان لا تستطيع مقاومة فاعلية الذهب فيهم. 

السؤال: وما هي هذه الأمراض التي تسببها الشياطين وبالتالي يمكن مقاومتها بهذا المعدن النفيس؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مرض السرطان (بأنواعه) يقبع على رأس قائمة الأمراض التي يسببها الشيطان. انتهى.

السؤال: لماذا يسمى هذا المرض الخبيث بالسرطان؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن سبب تسميته بهذا الاسم (سرطان) لأنه مرض سببه الشيطان (سرطان = شيطان). فالشيطان هو مفتعل هذا المرض الذي صعب على العلماء حتى اللحظة معرفة سر حدوثه عند بعض الاشخاص دون أشخاص آخرين حتى وإن كانوا جميعا يعيشون الظروف البيئية ذاتها. انتهى

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في آليه حصول هذا المرض، لوجدنا أن الخلل يبدأ بالدم، فما أن يصاب شخص ما بهذا المرض حتى يتأثر على الفور دمه بذلك، فيهبط هبوطا شديدا مفاجئا. ويصاحب ذلك تغيرات في عمل الخلية، حيث تبدأ بالانقسام بشكل غير منضبط. وهذا ما حصل مع أيوب مثلا عندما مسه الشيطان بنصب وعذاب:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

ومادام أن فعل الشيطان كان مسا، فقد كان على نحو طائف كما جاء في الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (201)

ولا شك أن الطائف إذا أصاب شيئا، فإنه يعطبه حتى يصبح كالصريم، كما حصل مع أصحاب الجنة عندما طاف عليها طائف من ربك:

فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20)

السؤال: كيف طاف هذا الطائف على الجنة: 

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإعصار الذي فيه نار هو الذي يكون سببا في إشعال النار ليحرق تلك الجنة.

السؤال: ما علاقة هذا بمرض السرطان الذي يكون سببه الشيطان؟

رأينا المفترى: عندما يدخل الشيطان في الدم، فإنه يقوم برفع حراته. فالأصل أن يكون القلب مخبتا، فلا ترتفع حرارته، وتصيبه الطمأنينة التي سببها الإيمان:

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)

وقد ذكرنا في الجزء السابق بأن النار إذا تسعر (ترافع) وتخبت (وتنخفض):

وَمَن يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97)

ويكون محل ذلك هو القلب: 

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (54)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: القلوب يمكن أن تسعر (ترتفع حرارتها) ويمكن أن تخبت (فيخف حرارتها)، وهنا نطرح التساؤل التالي: ما السبب الذي يجعل القلوب ترتفع حرارتها وتخبت؟

رأينا المفترى: إنه القرين (شيطان قيّضه الله لمن يعش عن ذكره)

وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)

فالقرناء هم من يزينوا:

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاء فَزَيَّنُوا لَهُم مَّا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25)

فالشيطان الذي يؤثر على القلب يعمل على رفع درجة حرارته، فهو إذن يسعر نار القلب. أما إذا كان الشخص ممن إذا ذكر الله وجلت قلوبهم فهو إذا من المخبتين. 

وتشعيل نار البطون يشبه ما يفعله الاعصار في الجنة كما في الشكل التالي:
وهذا الإعصار فيه النار، وهي تشبه النار التي تسعر في البطون:

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)

ولو دققنا في الآية جيدا، لوجدنا بأن ذلك مرتبط بالأكل، فأكل أموال اليتامى ظلما (مثلا) يودي إلى إيقاد تلك النار.

ولو عدنا إلى فقه الصيام، لوجدنا بأنه عبارة عن التوقف عن الأكل والشرب لغاية التقوى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

فحتى من كان عنده عذر لعدم الصيام، فإن الصيام هو خير من التعذر (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، ليكون السؤال الآن هو: لماذا يكون الصيام خير حتى لمن كان عنده عذر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك يؤدي إلى تضييق الخناق على الشيطان، لأن الشيطان لا يستطيع العمل إلا بمجرى الدم، وكلما خبتت القلوب وهدأ مجرى الدم، فإن ذلك يحقق التقوى، أي الوقاية من تأثير عمل الشيطان. 

نتيجة مفتراة 1: الصيام هو كابح لعمل الشيطان، فهو وقاية منه، وبالتالي وقاية من سرطانه

نتيجة مفتراة 2: الذهب هو معالج لعمل الشيطان، فهو يطهر سرطانه

باب مهر العروس

للتدليل على صحة افتراءنا هذا، فإننا سنجلب الدليل عليه من مكان آخر وهو فقه مهر العروس حيث نطرح السؤال القديم الجديد، ألا وهو: ما سر أن يكون مهر العروس مصاغا ذهبيا؟

لو عدنا إلى تشريع الزواج، لوجدنا بأن العلاقة بين الرجل والمرأة يحكمها عقد الزواج الذي ينقسم إلى ثلاثة أنواع وهو عقد نكاح وعقد مكاتبة وعقد استمتاع، لكنها جميعا تقع في باب الزواج (للتفصيل انظر مقالة ثلاثية المرأة). لكن بالرغم من ذلك، فإن عقد الزواج (بغض النظر عن نوعه) يشترط فيه مهرا للعروس يكون في غالب الأحيان عبارة عن مساغ ذهبي. فما الحكمة في ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الإجابة على هذا السؤال تتطلب فتح ملف المهر بكل تفاصيله من أوله إلى آخره. 

تساؤلات

- ما هو المهر؟

- لماذا المهر؟ 

- كم هو المهر؟

- الخ.

بداية، يجد الناظر في التطبيق الشعبي لهذه المسألة بأن الرجل يدفع للمرأة أجرا (يسمى مهرا) عند عقد الزواج بين الطرفين عند كثير من أمم الأرض، وغالبا ما ظن الكثيرون بأن هذا ليس أكثر من عادة اجتماعية تفرضها الظروف المحيطة، فتختلف من ثقافة إلى أخرى، وقد انسلخت هذه العادة الاجتماعية عن جذورها التاريخية وربما العقائدية، فغالبا ما غفل الكثيرون عن طرح التساؤل التالي: لماذا وجد هذا التطبيق الاجتماعي في القدم عند كثير من شعوب الأرض؟ ولم كان الذهب هو المعدن الذي يفرض للمرأة في عقد الزواج؟

رأينا المفترى: قبل أن نخوض في تقديم افتراءاتنا عن الحكمة من ذلك، دعنا بداية نعيد النظر في تشريع المهر كله من منظور جديد نظن أنه غير مسبوق، لذا سنتجرأ على جملة من الافتراءات التي سنعارض بها جل الموروث السائد في هذه الجزئية، فعلى القارئ أن يكون رابط الجأش، فلا يتسرع في إطلاق الاحكام قبل الانتهاء من قراءة الطرح المفترى حتى نهايته، فإن هو وجد أن طرحنا هذا لا يتعارض مع التشريع الإلهي كما نستنبطه (ربما مخطئين) من كتاب الله، فله أن يأخذ به، ويتحمل هو بنفسه تبعات قراره هذا، وإن وجد أنه يخالف التشريع الإلهي، فليضرب بطرحنا كله عرض الحائط، وليبحث عن ضالته في مكان آخر، وبالتأكيد لن نعيب عليه أن يتمسك بالموروث بالنواجذ، فهو في نهاية المطاف المحاسب على أفعاله أمام ربه. ولا يسعنا هنا إلا أن ندعو الله وحده أن يؤتينا رشدنا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، وأن يزدنا علما، إنه هو العليم الحكيم – آمين.

أما بعد،

لنبدأ النقاش بالسؤال التالي: لمن يدفع المهر؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن المهر يدفع لولي العروس وخاصة والدها. انتهى.

السؤال: أين الدليل على ذلك؟

جواب مفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن هذا بالضبط ما كان يفعله عباد الله الصالحون. فهذا موسى يرد ماء مدين، ويجد عليه أمة من الناس يسقون، ويجد في الوقت ذاته من دونهما امرأتين تذودان، فسقى لهما وتولى الظل، داعيا الله أنه فقير لما ينزل إليه من خير:

وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)

وبالفعل تأتيه إحداهما تمشي على استحياء لتدعوه إلى بيت أبيها، ليجزيه أجر ما صنع لهما:

فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25)

وبعد أن قص عليه القصص، جاء العرض لموسى من ذلك الرجل الصالح على النحو التالي:

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) 

فكانت النتيجة أن موسى قد اشتغل أجيرا عند والد المرأة التي زوجها أبوها له مدة عشر حجج. ليكون السؤال المحوري هنا: لماذا اشتغل موسى هذه المدة الطويلة عند الرجل (والد المرأة التي نكحها موسى)؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك كان مهر العروس الذي دفعه موسى لوالد تلك المرأة.

السؤال: من الذي أخذ المهر؟ أو من الذي استفاد من المهر؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن والد المرأة التي نكحها موسى هو من استفاد من المهر الذي دفعه موسى لقاء أن نكحه ابنته تلك.

السؤال: لماذا طلب ذلك الرجل مثل هذا المهر من موسى؟ ألا نجد بأنه مهر مرتفع بعض الشيء؟ فمن يقدر أن يشتغل أجيرا مدة عشر حجج لقاء نكحه امرأة كهذه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مثل هذا السؤال يقودنا على الفور إلى طرح تساؤلات أخرى لها علاقة مباشرة بالموضوع قيد البحث، نذكر منها:

- كم هو المهر؟ 

- ما مقدار المهر الذي يجب أن يدفعه الرجل لقاء نكحه إحدى النساء؟ 

- هل يجب أن يكون المهر محددا؟ 

- وهل تكون البركة فعلا في النساء الأقل مهرا كما جاءنا في التراث؟ 

- الخ.

رأينا المفترى: لعل العرف السائد بيننا الآن هو أن تحديد كمية المهر مرتبط بالأعراف والتقاليد في المجتمع الواحد، وغالبا ما يتحدد المهر بظروف ذلك المجتمع، فترتفع المهور في المجتمعات الغنية وتنخفض في المجتمعات الفقيرة، وتتأرجح في المجتمعات المختلطة، ويكون لها طابعا مميزا في الطبقات الاجتماعية المتفاوتة في الثراء، وهكذا. 

لكن ألا يخطر ببالنا أحدنا التساؤلات التالية: 

- لِم لَم يأت تشريع واضح ينظم هذه العلاقة الاجتماعية؟ هل نساء الطبقة الغنية أجدر بالمهر المرتفع من نساء الطبقة الفقيرة؟ 

- وهل المهر من الإضافات التي لا يجب أن تشغل بال الناس، وبالتالي تركت للتقاليد والأعراف السائدة في كل مجتمع؟ 

- وماذا لو كان الزواج بين رجل من طبقة فقيرة مع امرأة من طبقة غنية أو العكس؟ 

- ما الذي يحدد قيمة المهر في كل حالة من هذه الحالات التي لا يمكن أن تغيب في أي مجتمع من المجتمعات؟

ثم ألا يمكن أن نجد الإرباك في تحديد كمية المهر في الحالات التالية:

- ماذا لو كانت المرأة من طبقة اجتماعية غنية لكنها لم تكن على درجة عالية من الجمال؟ 

- ماذا لو وجدنا العكس: فتاة فائقة الجمال من طبقة اجتماعية فقيرة؟ 

- ماذا عن بنات العائلة الضيقة الواحدة (أي الأخوات)؟ 

- هل يجب أن يكون مهر الاخت كمهر أختها الأخرى (كما هو سائد في المجتمع الأردني الذي أعرفه مثلا)؟

وبناء على ذلك، تظهر التساؤلات الحتمية التالية: 

- ما الذي يحدد مهر الفتاة في كل الأحوال وتحت جميع الظروف؟ 

- وهل نجد تشريعا إلهيا يجيب على هذا التساؤل بشكل مرضي للجميع بحيث يحقق العدالة ولا يجد الناس حرجا في تطبيقه؟

رأينا المفترى: نعم. نحن نظن أن هناك عاملا واحدا فقط هو ما يحدد مهر كل فتاة عند نكاحها من قبل أي رجل في جميع المجتمعات البشرية. ونحن نظن أن هذا العامل هو فقط ما يحقق العدالة للجميع، بحيث لا يجد الناس حرجا من تطبيقه.

السؤال: ما هو هذا العامل؟

رأينا المفترى: إنها الفتاة (المرأة المنكوحة) نفسها. انتهى

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بداية أنه ليس هناك تحديدا لكمية المهر مهما ارتفع، بدليل قوله تعالى:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)

نعم، فالرجل يمكن أن يعطي المرأة ما قد يصل إلى القنطار ولا يحق له أن يأخذ منه شيئا، لأن ذلك يقع في باب البهتان والإثم المبين (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً). ولو دققنا في هذه العبارة (بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)، لوجدناها قد وردت فقط في السياقين القرآنين التاليين:

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (58)

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (112)

الأمر الذي يجعلنا نؤمن بأن هذا الأمر من الأمور الواجب مراعاتها والحرص عليها لأن عاقبتها (لا شك) وخيمة، ففي ذلك أذى للمؤمنات، لأن ذلك حق مشروع لهن لا يجب التلكؤ أو المماطلة في دفعه.

ولا يحق للرجل أن يأخذ إلا نصف الفريضة في حال أن عقد النكاح قد أبرم ولكن لم يتم الدخول، مصداقا لقوله تعالى:

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

نتيجة مفتراة: يمكن أن يكون مهر المرأة عاليا جدا، فقد يصل إلى القنطار. لذا، لا يجوز أن يتم تحديده بمبلغ شبه ثابت في المجتمع الواحد. وهذا يعني أن المرأة قد يصل مهرها إلى القنطار لكن ذلك لا يكون لجميع النساء بالتساوي أو التقارب، بدليل مفردة إحداهن في الآية الكريمة نفسها:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (20) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (21)

فما قد تؤتي إحداهن قد لا تؤتي الأخرى مثله. ولو كان الكم يتساوى عند كل النساء لما وردت مفردة إحداهن في الآية، ولربما جاء النص على النحو التالي:

وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وآتيتموهن قِنطَارًا

السؤال مرة أخرى: لماذا يجب أن يتفاوت المهر بين النساء؟ ولماذا يجب أن يتفاوت المهر حتى بين الأخوات؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن ما يجعل المهر متفاوت بين النساء (حتى بين الأخوات أنفسهن) هو المرأة المنكوحة نفسها.

سؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن كل امرأة يجب أن يفرض لها مهرا خاصا بها، كما نظن بأن الشخص الوحيد القادر على أن يحدد كمية المهر الذي يجب أن يفرض للمرأة المنكوحة هو من بيده عقدة النكاح، وخاصة والدها كما فعل نبي الله شعيب مع موسى:

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) 

فلو دققنا في هذا السياق القرآني، لوجدنا بأن الذي فرض مهر تلك المرأة هو أبوها، فعندما طلبت تلك المرأة من أبيها أن يزوجها ذلك الرجل:

قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26)

جاء خطاب ذلك الرجل الصالح لموسى محددا قيمة المهر الذي يطلبه لابنته من الرجل الذي سينكحها (أي موسى):

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27) 

وبالفعل كان والد الفتاة هو من قدّر قيمة المهر اللازم لابنته لقاء أن ينكحها موسى. ولا نشك قيد أنملة أن ذلك الرجل لم يكن ليبغي على موسى، لكنه في الوقت ذاته لم يكن ليفرط في حقه شخصيا وحق ابنته من تلك الصفقة الاجتماعية (الزواج). وهذا ما جاء على لسان موسى:

قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28)

فذلك الرجل الصالح لن يبغي على موسى، ولا شك أن موسى نفسه لم يكن ليقبل ذلك الشرط لو أنه وجد فيه إجحاف في حقه، فالعقد مبرم بين هذا الرجل الصالح (شعيب) من جهة وموسى من جهة أخرى، وكان الله هو الوكيل على قوليهما. فيستحيل إذن أن يقع فيه ظلم من طرف على الطرف الآخر. 

ولو تدبرنا هذه القصة العظيمة، لوجدنا فيها الخير الكثير لنا، لأنها تنظم العلاقة الاجتماعية في حالة المصاهرة بين الطرفين. لذا، علينا (نحن نفتري الظن) أن نتخذ منها إنموذجا للقياس في كل الحالات التي يحصل فيها مصاهرة بين طرفين.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: إن من أول أبجديات هذا الطرح هو أن نحاول الإجابة على التساؤل التالي: ما الحاجة لوجود المهر في حالة الزواج؟ ألا يشكل المهر بحد ذاته عائقا للرجال عن الزواج؟ ألا يصبح الزواج ميسرا للفئة الغنية من المجتمع معقدا ومربكا لأفراد الطبقة الفقيرة؟ أليس من باب أولى تيسير الأمر خاصة على الفئات الفقيرة في المجتمع؟

رأينا المفترى: إن الخروج من هذا المأزق يتمثل في الطرح التالي الذي مفاده بأن المهر ينقسم (كما هو شائع في معظم المجتمعات الإسلامية) إلى قسمين: مهر معجل ومهر مؤجل.

السؤال: وكيف يحل ذلك الإشكالية السابقة (أي إشكالية زواج الرجال من الطبقات الفقيرة)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن جل المهر يجب أن يكون مؤجلا وليس معجلا. انتهى.

السؤال: ما الذي نستفيده من ذلك في حل إشكالية زواج الرجال من الطبقات الفقيرة؟

رأينا المفترى: إن قيمة المهر المعجل يتحدد بالحالة الاقتصادية للرجل، فلا ضير في أن يدفع الرجل الميسور مهرا معجلا كبيرا وأن يدفع الفقير مهرا معجلا قليلا، وبالتالي لا يشكل ذلك (أي المهر المعجل) عائقا لأي منهما في إبرام عقد الزواج. فموسى كان حينئذ رجلا فقيرا، لكن حالته المادية تلك لم تكن عائقا في إبرام صفقة الزواج تلك. 

لكن تكمن المعضلة كلها في المهر المؤجل، فسواء كان الرجل ميسورا (كحالة سليمان الذي آتاه الله ملكا عظيما) أو فقيرا (كحالة موسى الغريب في بلاد لا يعرف فيها)، فعلى كل منهما أن يفرض للمرأة ما تستحق حتى لو بلغت قيمته قنطارا. انتهى.

السؤال: ما الذي نستفيده من هذا الطرح إذا، مادام أن مهر المرأة المؤجل قد يصل إلى القنطار حتى وإن كان ناكحها فقيرا كحالة موسى مثلا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن المهر هو حق مكتسب للمرأة يأخذه وليها. انتهى.

السؤال: كيف يكون المهر حق للمرأة لكن والدها هو من يأخذه؟ أليست تلك أحجية؟ ما الذي تقوله يا رجل؟ أيعقل هذا؟ ربما يتساءل صاحبنا مستغربا ومتعجلا التوضيح في الوقت ذاته.

رأينا المفترى: نعم، نحن نظن أن المهر حق للمرأة المنكوحة لكن والدها هو الذي يحدده وهو الذي يأخذه (ويستفيد منه).

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن أن الحكمة من فرض المهر للمرأة المنكوحة هو العدالة في توزيع تركة الرجل (الوالد).

السؤال: ما علاقة المهر بالتركة؟ ألا ترى أنك تهذي؟ يسأل صاحبنا مرة أخرى.

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. بل هو رأينا المفترى الذي نظن أننا نستطيع الدفاع عنه أمام العالمين أجمعين.

أما بعد،

لعل من الأمور الواجب على الوالد أن يحرص عليها في حياته، ويأخذ الاحتياطات الضرورية والاجراءات اللازمة على تنفيذها بالعدالة في حياته وحتى بعد موته هو مسألة توزيع التركة بالعدالة بين أولاده جميعا (ذكورا وإناثا). فالوالد هو المسئول الأول والأخير أمام الناس أولا وأمام الله ثانيا في التوزيع العادل لثروته على المستحقين لها في حياته وبعد موته. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق أولا في طبيعة الحياة البشرية على أرض الواقع. لنفهم منها آلية توزيع الميراث من قبل الآب بين أبنائه والمستحقين لها من أولي القربى واليتامى والمساكين. 

هات ما عندك. يستعجل صاحبنا بالرد 

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن عملية الانجاب التي تحتمها الطبيعة البشرية تتم بشكل تدريجي، فلا يمكن أن تأتي جملة واحدة في كل الحالات. فالله هو من يهب الوالدين الذرية (ذكورا وإناثا) على مدى فترة طويلة من الزمن، وفي أغلب الأحيان يبدأ الإنجاب بعد الزواج مباشرة، فياتي الولد الأول ثم الثاني والثالث وحتى ربما العاشر أو العشرين، أليس كذلك؟

لكن ذلك يتطلب (لا شك) فترة طويلة من الزمن. لذا، ربما يصل الفارق العمري بين الولد الأول (ذكرا كان أم أنثى) والولد الأخير (ذكرا كان أم أنثى) عشرات السنين، فربما يكون عمر الولد الأول ثلاثين عاما ويكون عمر الولد الأخير عاما واحد أو ربما بضعة أيام أو أشهر، أليس كذلك؟

نتيجة مفتراة: تتفاوت ذرية الوالدين في العمر، وربما يكون الفارق بين الولد الأول والأخير سنين كثيرة.

السؤال: ما الذي يحصل على أرض الواقع عندما يتفاوت الأولاد في العمر في العائلة الواحدة؟ ثم، ما تأثير ذلك على المهر (موضوع البحث هنا) أصلا؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق فيما يفعله الآباء تجاه أولادهم في حياتهم الدنيا في ضوء هذا التفاوت العمري بين أولاده (ذكورا وإناثا). فما أن يرزق الأب بالمولود الأول (ذكرا كان أم أنثى) حتى يبدأ الأب بالإنفاق عليه، فيتكفل بأكله ولبسه ومعيشته ومصروفه الشخصي ودراسته وربما زواجه حتى تجهيز بيت جديد له، وهكذا. لكن كيف يطبق ذلك على أرض الواقع؟

رأينا المفترى: غالبا ما نجد عند كثير من العائلات أن الولد الأول (وربما الثاني) يحصل على نصيب الأسد من معونة الوالد. فيتكفل الوالد (بكل سرور) بدراسة ولده الأول مثلا في أحسن الجامعات (لأنه أول البشارة) حتى يتخرج منها طبيبا أو مهندسا أو محاميا. وإذا كان الأب ميسور الحال، ربما يشتري له السيارة، وقد يزوجه، وربما يجهز له بيتا جديدا، وهكذا. وقد يحصل كل هذا والولد الأخير (ذكرا كان أم أنثى) لازال في السرير يحتاج إلى تغيير فوطته من التغوط والتبول على حاله. 

السؤال المربك: ماذا لو حصلت الوفاة للأب عند ذلك، أي عندما أنفق ما يكفي من المال على الولد الأول بينما لازال الولد الأخير (ذكرا كان أم أنثى) لا يستطيع أن يتناول طعامه بيده؟

السؤال الأقوى: ماذا يحصل على أرض الواقع الآن (حسب الشرع السائد طبعا) عندما يأتي موعد توزيع تركة الأب؟ هل تؤخذ هذه الأمور بعين الاعتبار؟ ألا يتنمر الولد الأكبر (في بعض العائلات) على جميع إخوته فيطلب توزيع ما تبقى من تركة والده (إن تبقى منها شيء أصلا) بالتساوي شرعا بين الجميع؟ ألا نجد أن كثيرا من هؤلاء قد لا يتردد أن يأخذ مما تبقى من التركة كما يأخذ من لازال في سريره من إخوته؟! هل ترون يا ساده أن هذا من العدل في شيء؟! هل من العدل أن يكون أبي قد أنفق ما يكفي على أخي الكبير، فدفع لدراسته وزواجه ومسكنه وربما لهمالاته (باللسان الأردني) وصياعاته (بالمصري)، وفي الوقت ذاته لم يدفع عليّ أكثر من ثمن فوط الأطفال ثم ما أن جاء موعد تقسيم التركة حتى أصبحنا متساويين في الحقوق أمام القاضي الشرعي الذي يحكم باسم الرب؟ أي رب هذا الذي يحكم ذلك القاضي بلفته التي على رأسه وبلحيته الوقورة ولباسه المحتشم باسمه؟ كيف يتجرأ هذا القاضي أن يعطي باسم الرب لأخي الكبير مقدار ما يعطيني أنا في الوقت الذي كان أبي قد أنفق جلّ ما يملك (في غالب الأحيان) على هذا الأخ الأكبر؟ من يدري؟! 

ألم يدفع أبي على أخي الأكبر حتى أصبح مهندسا ماهرا أو نطاسا بارعا من المال الذي كان يجب أن يدفعه علينا جميعا؟ ألم تقتصد أمي حتى في وجبات الطعام للعائلة كلها لتوفر مصروف أخي في بلاد الغربة وبين شقراوات بني الأصفر؟! ألم يكن كل قرش أنفقه أخي الأكبر من مصروف العائلة كلها؟ ألم نتحمل (كعائلة) بعض العوز من مأكل وملبس (وربما مصروف يومي) في سبيل أن يصبح الأخ الأكبر اسما كبيرا في عالم الطب والهندسة والتجارة وربما السياسة والاقتصاد؟ فما باله بعد كل ذلك يأتي ليقاسمنا ما تبقى من فتات بعد موت الأب؟ ألا تراه يفعل ذلك مرتاح الضمير بسبب الشرع البشري البائس الذي لم يراع ظروف العائلة في أيام الوفرة والعوز على حد سواء؟ 

السؤال: كم من العائلات بيننا قد أهلكتها الظروف الاقتصادية من أجل أن يدفعوا على الابن الأكبر ليصبح رقما صعبا في العائلة كلها؟

عزيزي القارئ الكريم، يجب أن لا يؤخذ كلامي هذا بأنه موجها ضد الولد الأكبر على وجه الخصوص، فربما تكون الصورة معكوسة تماما. فكثيرا ما يكون الابن الأكبر هو الضحية، فقد يكون الوالد عاجزا عن تقديم ما يكفي من سبل العيش الكريم لعائلته، وما أن يصل الابن الأكبر سن الانتاج حتى يبدأ هو بتحمل مسؤولية كبرى تجاه أبيه وأمه وإخوته جميعا. فيبدأ بالإنفاق عليهم مما كسبت يده، وربما يكون هو سببا في تعليم إخوته الأصغر سنا منه حتى يصبح بعضهم ذا شأن بسبب ما أنفقه عليه أخوه الأكبر من عرق جبينه. ثم تكون النتيجة ذاتها عند تقسيم التركة في حالة وفاة الأب، فيهرع الجميع لأخذ حقوقهم بالتساوي (شرعا) ناسين أو ربما متناسيين ما فعله أخوهم الأكبر تجاههم، فهو الذي أرهقت الحياة كاهله من أجل رفاهيتهم. لكن هل - يا ترى - يأخذون ذلك بعين الاعتبار عند توزيع الثركة بعد وفاة الأب؟ 

ولو دققنا في ظروف العائلات المختلفة، لوجدنا أن كثيرا من أفرادها قد لا يعتبرون أنفسهم جزءا من العائلة إلا عند توزيع التركة، فيهرع مسرعا لينادي بتطبيق الشرع في أخذ ما يظن أنه حق له، لكن تراه إن أصاب العائلة العوز يركض مسرعا في الاتجاه المعاكس يتنصل بكل الحيل الممكنة لديه من الالتزامات المالية المترتبة عليه تجاه عائلته. فهو شريك فقط في كشوفات البنك الدائنة (وليس المدينة) كما أنه شريك في سجلات الأرض والعقارات التي تدر الدخل فقط، أي هو جزء من العائلة في المغنم وهو متنصل متبرئ منها في المغرم. 

السؤال: كيف يمكن ضبط هذه التصرفات البشرية التي تثقل على كاهل البعض على حساب رفاهية البعض الآخر؟ ومن الضابط الحقيقي لهذه التصرفات حتى يسود العدل وينتفي الظلم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الكافل الحقيقي لهذه التصرفات هو من يتحقق فيه شرطان اثنان، ألا وهما:

- معرفة ظروف العائلة معرفة حقيقية لأنه مطلع عليها من ألفها إلى يإها

- الذي لا يحب ظلم أحد على حساب أحد آخر

السؤال: من الذي يتوافر فيه هذا الشرطان؟

جواب مفترى: إنه الأب (رب الاسرة)، فهو ربها لأنه هو المسئول عن جميع أفرادها بطريقة تضمن توافر العدالة والقسط وانتفاء الجور والظلم بين أفرادها. انتهى

السؤال: وكيف يستطيع الأب فعل ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: إنها الوصية. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات الكريمة التالية، لوجدنا فيها ما يدعو فعلا إلى التدبر، قال تعالى:

يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُوَاْ أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاء فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12)

إن ما نود أن نجلب انتباه القارئ له في هذه الآيات الكريمة هو عبارة (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا) وعبارة (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَآ)، ليكون السؤال المحوري الآن هو: ما هي هذه الوصية التي يوصي بها صاحب المال؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن طرح هذا السؤال يثير في جنباته تساؤلات كثيرة أخرى لابد من طرحها في محاولة لفهم ظاهر النص القرآني، نذكر منها:

- من الذي يوصي؟

- لماذا يوصي؟

- لمن يجب أن تكون الوصية؟

- ما مقدار الوصية من قيمة التركة كلها؟

- من المسئول عن تنفيذ هذه الوصية؟

- متى تنفذ هذه الوصية؟

- كيف تنفذ هذه الوصية؟

- الخ.

دعنا نبدأ النقاش في ذلك بما جاءنا من عند أهل الدراية كما نقله لنا أهل الرواية في بطون أمهات كتب التفسير كتفسير الطبري مثلا:

من بعد وصية يوصي بها أو دين 

القول في تأويل قوله تعالى : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } .يعني جل ثناؤه بقوله : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } أن الذي قسم الله تبارك وتعالى لولد الميت الذكور منهم والإناث ولأبويه من تركته من بعد وفاته , إنما يقسمه لهم على ما قسمه لهم في هذه الآية من بعد قضاء دين الميت الذي مات وهو عليه من تركته ومن بعد تنفيذ وصيته في بابها , بعد قضاء دينه كله . فلم يجعل تعالى ذكره لأحد من ورثة الميت ولا لأحد ممن أوصى له بشيء إلا من بعد قضاء دينه من جميع تركته , وإن أحاط بجميع ذلك. ثم جعل أهل الوصايا بعد قضاء دينه شركاء ورثته فيما بقي لما أوصى لهم به ما لم يجاوز ذلك ثلثه , فإن جاوز ذلك ثلثه جعل الخيار في إجازة ما زاد على الثلث من ذلك أو رده إلى ورثته , إن أحبوا أجازوا الزيادة على ثلث ذلك , وإن شاءوا ردوه ; فأما ما كان من ذلك إلى الثلث فهو ماض عليهم. وعلى كل ما قلنا من ذلك الأمة مجمعة . وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك خبر , وهو ما : 6951 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : أخبرنا سفيان , عن أبي إسحاق , عن الحرث الأعور , عن علي رضي الله عنه قال : إنكم تقرءون هذه الآية : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } إن رسول الله قضى بالدين قبل الوصية. * - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا يزيد بن هارون , قال : ثنا زكرياء بن أبي زائدة , عن أبي إسحاق , عن الحرث , عن علي رضوان الله عليه , عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله. * - حدثنا أبو السائب , قال : ثنا حفص بن غياث , قال : ثنا أشعث , عن أبي إسحاق , عن الحرث , عن علي , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله . 6952 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا هارون بن المغيرة , عن ابن مجاهد , عن أبيه : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } قال : يبدأ بالدين قبل الوصية . واختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة والعراق : { يوصي بها أو دين } , وقرأ بعض أهل مكة والشام والكوفة : " يوصى بها " على معنى ما لم يسم فاعله. قال أبو جعفر : وأولى القراءتين بالصواب قراءة من قرأ ذلك : { من بعد وصية يوصي بها أو دين } على مذهب ما قد سمي فاعله , لأن الآية كلها خبر عمن قد سمي فاعله , ألا ترى أنه يقول : { ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد } ؟ فكذلك الذي هو أولى بقوله : { يوصي بها أو دين } أن يكون خبرا عمن قد سمي فاعله ; لأن تأويل الكلام : ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد , من بعد وصية يوصي بها , أو دين يقضى عنه 

السؤال: افهمتوا إشي؟ أنا لا.

إذن، نحن بحاجة إلى إعادة النظر في ذلك، علّنا نصل إلى ما قد يأذن الله لنا به من علمه في ذلك، سائلينه وحده أن لا نفتري عليه الكذب وأن لا نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

باب وصية المتوفى

لو دققنا في الآية الكريمة نفسها لوجدنا أن الوصية سابقة للدين، قال تعالى:

يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

السؤال: لماذا؟

للإجابة على هذا التساؤل، علينا أن نطرح السؤال التالي: ما الفرق بين الوصية والدين؟

رأينا المفترى: بعد التدقيق في الموروث الشعبي عن هذه القضية، وجدنا أن أقلام أهل الدراية قد خطت القاعدة الفقهية التالية: لا وصية لواريث، مستندين في ذلك على حديث جاء في الترمذي، وهذا نصه:

عن عمرو بن خارجة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب على ناقته فسمعته يقول : " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث 

(حديث حسن صحيح )

وللأمانة العلمية، علينا أن نذكر رأي بعض أهل العلم بأن هذا الحديث لم يصح عند البخاري، لكن الجمهور ذهبوا إلى أن الوصية لا تجوز للوارث. واعتبر معظمهم أن الآية الكريمة التالية آية منسوخة:

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

ونحن لا نريد الدخول في هذه الجدلية، لأن ذلك من شأن أهل العلم غيرنا. لكن ما يقلقنا هو سؤال واحد: لمن تكون الوصية؟ هل فعلا لا وصية لوارث؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: كيف يمكن أن لا يكون هناك وصية للأولاد، والآية الكريمة التي تفصل الميراث نفسها قد بدأت بالوصية للأولاد؟

يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

وكيف لا يكون هناك وصية للأبناء، وهذا إبراهيم ويعقوب يوصون أبناءهم؟

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاًّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)

وكيف لا يكون هناك وصية للوالدين (وهم من الذين لهم حق في الميراث) والآية الكريمة توصي بهم؟

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

وكيف لا يكون هناك وصية للأزواج (وهم من الذين يرثون) والآية الكريمة توصي بذلك؟

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)

فأي دين واي شريعة قد خطها هؤلاء وصريح اللفظ القرآني يبين – برأينا- بطلانها؟ 

السؤال: ما الذي تريد أن تقوله يا رجل؟ هات ما عندك.

رأينا المفترى: نحن نظن أن الوصية يجب أن تكون في الذين جاء ذكرهم في آيات الوصية على مساحة اللفظ القرآني، وهم:

- الأولاد

- يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

- الآباء والأقربون بالمعروف

- كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180)

- الأزواج

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241)

السؤال: فيما عدا هؤلاء، ماذا تكون؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الكتابة لغير هؤلاء يقع في باب الدين وليس الوصية. انتهى.

السؤال: هل من توضيح أكثر؟

رأينا المفترى: إذا كان لأحد حق لازم في مال الرجل، فهذا يقع في واحد من بابين:

- إما أن يكتب ذلك كوصية، إذا كان هذا المال حق للأولاد أو للأزواج أو للآباء أو لذوي القربى

- أو أن يكتب ذلك دينا لغير هؤلاء.

مثال

إذا كان لولدي علي حق في مال (أو العكس)، فهذا لا يكون دينا، لذا عندما يُكتب هذا الحق ليستطيع صاحبه استرداده، فإنه يكون في باب كتابة الوصية ولا يقع في باب الدين. أما إذا كان للغريب عليّ حق في مال، فهذا يقع في باب الدين ولا يقع في باب الوصية.

نتيجة مفتراة 1: الحق في المال للأبن والزوج والوالد وذوي القربي يكتب كوصية

نتيجة مفتراة 2: الحق في المال لغير هؤلاء يقع في باب الدين

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا آية الدين من جديد، لوجدنا أن لكتابة الدين شروط يجب توافرها في عقد الدين. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية نفسها: 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَاء إِذَا مَا دُعُواْ وَلاَ تَسْأَمُوْاْ أَن تَكْتُبُوْهُ صَغِيرًا أَو كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلاَّ تَرْتَابُواْ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوْاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

وقد تعرضنا لتلك الشروط الواجب توافرها عند كتابة الدين في سلسلة مقالات فقه الزكاة، وذكرنا حينئذ بأن كتابة عقد الدين يتم عن طرق كاتب العدل بحضور الشهود، والهدف من ذلك (بالإضافة لضمان الحق في المال) هو تحديد قيمة الفائدة التي سيتلقاها صاحب المال من المدين (للتفصيل انظر تلك المقالات).

لكن ما يهمنا طرحه هنا هو أنه في حال كان المال قد أخذه الأب من أحد أولاده أو من أحد أزواجه أو من أبيه أو من ذوي القربى، فإن ذلك لا يقع في باب الدين، فلا يحتاج إلى وجود كاتب العدل ولا يحتاج إلى وجود الشهود، ويكون الأب بنفسه هو الذي يكتبه حسب معرفته وتقديراته للأمر، ويقع ذلك كله في باب الوصية. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الفرق الرئيس بين الوصية من جهة والدين من جهة أخرى هو درجة القرابة بين الدائن (صاحب المال) والمدين (المقترض للمال)، فإذا كانت العلاقة بينهما علاقة أسرية، فإن ذلك يقع في باب الوصية، أما إذا كانت علاقة غير أسرية، فإن ذلك يتطلب كتابته كدين. انتهى.

السؤال: ما علاقة هذا كله بالمهر وخاصة المهر المؤجل؟

رأينا المفترى: عندما تحدث المصاهرة، فإن فردا جديدا (ذكرا) من خارج الأسرة يدخل فيها، ويصبح له صوتا يجب أن يسمع في الاسرة بسبب المصاهرة. فعندما تتزوج المرأة ، فلابد أن يكون زوجها من عائلة أخر. ولا شك أن هذا الرجل (الغريب في اشرة زوجته) يصبح له حق في أموال هذه الاسرة عن طريق زوجته. ومادام أن الرجال (لا شك) قوامون على النساء، فإن تأثيره على زوجته، ربما يلحق ضررا في اسرة زوجته، وقد يكون سببا في افتعال صراعات ونزاعات غير متوقعة بين أفرادها، ربما تؤدي في نهاية المطاف إلى مشاكل عائلية تعقد الأمور على أرض الواقع. فالنفس البشرية (لا شك) تحب المال حبا جما، لذا قد يصبح هذا المال (بسبب الصراع المحتمل بين مستحقيه) نقمة على أفراد الأسرة كلها إن لم يراع فيه العدالة (وبالتالي انتفاء الظلم) بين أفرادها.

السؤال مرة أخرى: ما علاقة هذا بالمهر خاصة المهر المؤجل الذي يفرض للمرأة في عقد نكاحها؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن بأن المهر المؤجل يجب أن يدخل في مال التركة عند تقسيمها.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الأب يجب أن يحرص على كتابة الوصية (التي هي عبارة عن ما له وما عليه لورثته)، حيث يسجل فيها كل ما تلقاه أي واحد من الأبناء بطريقة إضافية لم يتلقاها أفراد الأسرة الأخرين، وكذلك كل ما تلقاه الأب من أحد أفراد اسرته وأنفقه على الآخرين منهم. فالأب يجب أن يبدأ بكتابة المصروفات الإضافية التي أنفقها على (أو تلقاها من) أي فرد من أفراد الاسرة في الحال. فبعد أن يبلغ أي واحد منهم رحلة الاستقلال عن العائلة (ولنقل نهاية المرحلة المدرسية مثلا)، تبدأ حاجته الخاصة تزداد عن حاجات بقية أفراد الاسرة من المأكل والملبس، كحاجات التعليم والزواج والاستقرار في بيت جديد. فلو أن أحد أفراد الاسرة قد بدأ رحلته الدراسة في الجامعة مثلا، فإنه قد يحتاج إلى تكاليف إضافية ربما تثقل كاهل العائلة بأسرها، عندها يبدأ الأب بتوفير هذه التكاليف من مجموع المال المستحق للأسرة كلها، فربما يضطر إلى الضبط في النفقات، وقد يحتاج إلى الاستدانة لغايات تسديد فواتير دراسة هذا الولد، فما الواجب على الأب فعله في هذه الحالة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن على الوالد أن يفتح سجلا خاصا يثبت فيه جميع النفقات التي أنفقها على هذا الولد كتكاليف إضافية لم تنفق على غيره، ويستمر في تسجيل ذلك لكل فراد من أفراد الاسرة تلقى معونة من والده لم يتلقها جميع أفرادها الأخرين بالتساوي. وتسمى تلك (نحن نفتري القول) وصية الوالد. 

السؤال: ما فائدة هذه الوصية؟

رأينا المفترى: عند عملية توزيع التركة بعد وفاة الأب، يجب أن تؤخذ هذه الوصية بعين الاعتبار قبل عملية توزيع ما تبقى من تركة الأب على جميع مستحقيها من ورثته، أي يجب أن يتم حساب كل ما يتلقاها أحد الأفراد كمصروف إضافي لم يتلقاه الآخرون كجزء من التركة. فإذا ما تبين أن هذا الشخص قد كانت حصته من التركة تفوق ما أخذ، فإنه يُعطى منها مقدار ما نقص عنده، لكن إذا تبين أن هذا الولد قد أخذ أكثر مما يستحق من ورثه، فيعتبر ذلك ذمة في رقبته عليه تسديدها لبقية أفراد الأسرة ليتم توزيعها كجزء من تركة الأب، وهكذا.

مثال

تخيل أنني كنت أنا أحد أفراد الاسرة (ولنقل الابن الأكبر)، وتخيل معي أن أبي قد أنفق على دراستي وزواجي واستقراري في بيت جديد مبلغ مئة ألف دولار، وتخيل أني أنا الوحيد الذي تلقيت هذا الدعم المادي من والدي من دون أفراد الاسرة الآخرين (إما لأنهم لازالوا صغارا أو أنهم لم يوفقوا في الدراسة مثلي). فما الواجب عليّ فعله عند تقسيم التركة؟

تخيلات مفتراة خطيرة جدا من عند أنفسنا: علينا أن نبدأ بتقسيم ما تبقى من تركة الأب بين جميع أفراد الاسرة، كل حسب نصيبه الشرعي فيها. لكن إذا تبين أن حصتي مما تبقى من تركة والدي هي حوالي خمسين ألف دولارا، فإني أكون بذلك مدين لبقية أفراد الأسرة بخمسين ألف دولار (أي ما تبقى من قيمة الفاتورة المسجلة عليّ في وصية أبي). فالوالد قد أقر في وصيته بأني قد تلقيت دعما ماليا خاصا بقيمة مئة ألف دولار لكن حصتي من التركة عند تقسيمها قد بلغت خمسين ألفا فقط. إذن أنا مدين بخمسين ألف للآخرين. 

لكن بالمقابل، لو أن قيمة حصتي من التركة كانت (بعد تقسيمها) مئة وخمسين ألف دولار، فإن نصيبي مما تبقى من التركة سيكون فقط خمسين ألفا، وهو ما تبقي لي في ذمة الآخرين. فأنا قد وصلني مسبقا (بناء على وصية والدي) مبلغ مئة ألف. لذا لا يحق لي المطالبة بالمبلغ كاملا (أي مئة وخمسين ألف دولار) ولكن بما تبقى منه (أي خمسين ألف دولار)، وذلك لأني كنت قد أخذت جزءا كبير من حصتي (مئة ألف دولار) في حياة والدي. 

نتيجة مفتراة: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن كتابة الوصية للذين لهم حق في الميراث يضمن العدالة للجميع، ويتم التغلب على ظروف العائلة الاجتماعية التي يعرفها الوالد نفسه معرفة حقيقية أكثر من معرفة القاضي الشرعي الذي سيوزع التركة بينهم فيما بعد. ونحن نتجرأ على الظن بأنه لا يمكن أن تراعي حقوق جميع أفرادها بعدالة شبه مطلقة دون وجود الوصية. 

لذا، لما كان الاب (كرب الاسرة المسئول عنها) لا يحبذ أن يسود الظلم في عائلته باعتداء طرف قوي على طرف ضعيف فيها، كانت وصيته هي السلاح الواقعي القوي الذي يضمن حقوق الجميع بناء على معرفة حقيقة لظروف العائلة الاجتماعية ذاتها.

زمادام أن الأب لا يستطيع أن يضمن أن يعيش حتى يعطي جميع أولاده بالقسط لأن الموت قد يباغته في أي ساعة، فعليه أن يضمن أن لا تضيع حقوق الضعيف في اسرته في وجه تغول من تسول له نفسه الاعتداء عليهم من إخوانهم الأقوياء. وهذا (نحن نفتري الظن) هو القول السديد الذي تتحدث عنه الآية الكريمة التالي:

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9)

ولو حاولنا تدبرها في سياقها الأوسع لوجدنا تتوسط آيات تقسيم الميراث، قال تعالى:

لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (8) وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10) يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَآؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيما حَكِيمًا (11)

ولا شك عندنا أن عاقبة هذا القول السديد هو أمران اثنان لا ثالث لهما: إصلاح العمل وغفران الذنوب كما جاء في الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: نحن نظن أن كتابة الوالد لوصيته تقع في باب القول السديد، لأن كلمته ستكون مسموعة حتى بعد موته، وستكون عاقبة ذلك صلاح الأعمال وغفران الذنوب

ولعلي لا أتردد أن افتري الظن بأن صلاح الأعمال التي ترد في هذه الآية الكريم لها علاقة مباشرة بما جاء في الآيات الكريمة التالية:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)

فهذه الآيات تشير بما لا يدع مجالا للشك عندنا بأن صلاح الأعمال له علاقة بالذرية. وانظر الآية السابقة الأولى في سياقها الأوسع:

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الوالد هو سبب رئيس في صلاح أبنائه، ولا يكون ذلك – برأينا- إلا بالوصية. انتهى.

وسنتعرض لاحقا للفكرة الغريبة جدا التالية: أن نبي الله صالح (رسول ثمود) كان نتيجة عمل والديه. 

رسالة مهمة جدا للآباء: عزيزي الأب الكريم، لا يمكن أن تصلح أبناءك بالتعليم والجهد والمثابرة في جلب الثروة لهم، ما لم تكن من الذين يقولون قولا سديدا، فعليك أن تحاول ما استطعت إلى ذلك سبيلا أن تتوخى أقصى درجات الحيطة والحذر في نشر العدل بين أبناءك، خاصة في توزيع ثروتك بينهم، وبخلاف ذلك، تأكد أن النتيجة ستكون كارثية في جلب الشحناء والبغضاء بينهم، وبالتالي فناء الثروة بسبب الخلاف بين الابناء. والأهم من هذا أنك لن تكون مؤهلا لأن يغفر الله لك من ذنوبك ما لم تراع حق الله فيهم:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)

فالقول السديد في وصيتك لأبنائك هو الضامن الحقيقي أن تكون ممن يطع الله ورسوله، ويكون من الفائزين فوزا عظيما.

(دعاء: اللهم رب أنت وحدك من تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فأسألك وحدك أن أكون من عبادك الصالحين الذين يقولون قولا سديدا، فيستحقون بذلك أن يكونوا ممن يصلحون أعمالهم ويفوزون فوزا عظيما، إنك أنت الغفور الرحيم – آمين)

السؤال: ما علاقة هذا بالمهر خاصة المهر المؤجل؟ يسأل صاحبنا مرة أخرى.

جواب مفترى: قلنا بأن المصاهرة تتيح لشخص غريب عن العائلة الدخول فيها، وقد يصبح لهذا الشخص تأثير على زوجته في المستقبل ربما أكبر من تأثير أبيها أو أخيها أو أمها عليها، وربما تسول له نفسه التعدي على ممتلكات العائلة بدعوى الحق الشرعي.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان هذا الشخص غريبا أصلا عن العائلة، فقد لا يقر بوصية الوالد مادام أنها لا توثق (كدين) عند كاتب العدل وبحضور الشهداء. وقد لا يتردد البعض منهم أن يطعن في ذلك بدعوى أنها ملفقة من قبل الابناء لحيازة الثروة وحرمان الآخرين منها. وقد يطالب عندئذ بتقسيم الميراث حسب الشرع الذي يفهمه هو، ضاربا عرض الحائط بكل تقاليد وأعراف العائلة التي دخل بها. ليكون السؤال الآن هو: كيف يمكن السيطرة على بعض الأنفس المريضة التي قد تتعدى على حقوق الآخرين بدعوى الشرع الزائف الذي يريد تفصيله حسب ما يجلب له المنفعة الشخصية؟

رأينا المفترى: عند إبرام عقد النكاح، على الولي (خاصة الأب) أن يحسب بالتفصيل مقدار ما تلقت ابنته التي ينوي تزويجها من هذا الزائر الجديد من دعم مالي منه. فقد تكون إحدى بناته قد أنفق عليها أكثر مما أنفق على إخونها وأخواتها الأخريات، لذا عليه أن يجعل ذلك مسجلا في عقد النكاح كمهر مؤجل يستحق الالتفات إليه وأخذه بعين الاعتبار عند توزيع التركة. انتهى.

مثال

تخيل معي – عزيزي القارئ- أن ابنتي الكبرى (واسمها زينب) قد أنهت مرحلة الدراسة المدرسية للتو، وهي الآن على أبواب القبول في الجامعة في كلية الطب بإذن الله. وتخيل معي أن أختها الأخرى (رغد) لا زالت في الصف الثامن الأساسي، وتخيل أن إخوتها الآخرين (الحارث وإبراهيم وأحمد) لازالوا في الصف الرابع والثاني ورياض الأطفال على التوالي. والآن، تخيل معي عزيزي القارئ – إن شئت- أن البنت الكبرى (زينب) تحتاج الآن إلى حوالي خمسين ألف دولار لإنهاء دراستها الجامعية في كلية الطب في الجامعة. وما أن تنهي زينب تلك المرحلة حتى تكون رغد على أبواب تلك المرحلة، فهي ستحتاج أيضا إلى مبلغ مشابه وربما اكثر من ذلك بسبب التضخم في فاتورة الجامعة مع مرور الزمن. فقد تحتاج (لنقل) إلى ثمانين ألف دولار لتتخرج طبيبة كأختها السابقة بإذن الله. لكن هذا يعني أن بناتي (زينب ورغد) ستتخرجان من الجامعة كطبيات في حين أن أولادي الصغار (الحارث وإبراهيم وأحمد) لازالوا على مقاعد الدراسة في المدرسة. فما الذي سيحصل لو أن الموت (لا قدر الله) قد جاءني قبل أن أتمكن من إنفاق مثل تلك المبالغ على أبنائي الصغار (الحارث وإبراهيم وأحمد) كما فعلت مع بناتي الاثنتين (زينب ورغد) من ذي قبل؟

السؤال: ماذا لو أني قد زوجت ابنتي بعد تخرجهن لرجلين غريبين عن العائلة قبل أن يأتي موعد دراسة أبنائي (الحارث وإبراهيم وأحمد) في الجامعة؟

السؤال الأكبر: ما الذي قد يحصل عند تقسيم التركة حينئذ؟ هل سيأتي من سيتزوج بناتي اللاتي تخرجن كطبيبات من الجامعة بعد أن أنفقت عليهن قسطا كبيرا من ثروتي لم أنفق مثله على أبنائي فيطالبوا بحقهم في الميراث بالتساوي الشرعي؟ هل هناك ضامن أن يأخذ أزواج بناتي بعين الاعتبار ما أنفقته عليهن دون إخوأنهن اللذين لم يبلغوا مرحلة الدراسة الجامعية في حياتي؟ وماذا سيحصل لو كتبت ذلك في وصيتي؟ هل من المؤكد أن يقر أزواج بناتي بوصيتي حينئذ؟ 

جواب مفترى: الاحتمال في كلا الاتجاهين وارد، فقد يقرا بذلك وقد لا يرضيان بذلك، وقد يرضى بعضهم وقد لا يرضى البعض الآخر. فكيف لي أن أتأكد بأن ذلك سينفذ على أرض الواقع سواء رضوا بذلك أم لم يرضوا؟ وكيف سيتحقق العدل بين جميع أفراد الاسرة كبيرهم وصغيرهم، ذكرهم وأنثاهم حتى بعد وفاتي؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: إنه المهر المؤجل.

السؤال: وكيف ذلك.

رأينا المفترى: يتوجب عليّ أنا ( كأب) أن أطلب حق بناتي في ميراثهن من أزواجهن، ليوزع بالقسط بين الجميع عندما يحين توزيع بقية التركة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما سيقدم الخاطب لابنتي (بإذن الله)، فإني لن أتردد أن أطلب منه مهرا مؤجلا لابنتي بمقدار ما أنفقته عليها من مال العائلة كلها. فإذا كانت نفقاتي الخاصة على ابنتي هذه بمقدار خمسين ألف دينار مثلا، فسأطلب (لا محالة) من خاطبها تسجيل ذلك في عقد النكاح كمهر مؤجل لها، يخصم من قيمة نصيب هذه البنت من التركة التي تبقت عندي عند توزيعها. فالمهر المؤجل (البالغ خمسين ألف دينار مثلا) ليس مقدارا ماليا أطالب به في الحال من خاطبها، ولكنه مقدار من المال يخصم من قيمة حصة البنت هذه عند توزيع ما تبقى من التركة عندئذ. فإذا تبقى لها شيء في التركة، فلها أن تأخذه وزوجها وليأكلوه هنيئا مريئا، وإذا تساوت حصتها من التركة مع قيمة المؤجل، فلا طالب ولا مطلوب ولا عدوان عليهما، وإذا قلت حصتها من التركة عن المبلغ المعجل المكتوب على زوجها، فعلى هذه البنت (التي أصبحت طبية بسبب ما دفعا عليها) أن تدفع لإخوتها الآخرين ما زادت به عنهم رضي زوجها بذلك أم لم يرضى (فهو في نهاية المطاف محكوم بعقد قد وقع على بنوده عندما تمت صفقة المصاهرة (أي عقد النكاح). فهذا حساب يحقق العدالة للجميع، وعلى الجميع أن يرضون به، شاءوا أم أبوا. فالحق أحق أن يتبع.

السؤال: لماذا؟

دعنا ندقق فيما يحصل عند كثير من العائلات كما نجدهم في مجتمعاتنا كلها. فمثلا، عندما يصيب الكبر الأبوين أو أحدهما، فإن كثير من الأصهار (أزواج البنات) يعتبرون أن حق رعاية الأبوين في الكبر يقع على عاتق الأبناء الذكور، ويعتبرون أنفسهم غرباء عن العائلة في هذه الحالة، لكن عندما يأتي موعد تقسيم التركة، فإن كثير منهم (وخاصة ضعفاء النفوس المحبين للمال حبا جما) يعتبرون أن حصتهم في الميراث واجب شرعي مقدس لا يجوز المساس به. فهم - كما أسلفنا القول سابقا- شركاء في المغنم فقط، لكنهم غرباء عن العائلة في المغرم. فأي منطق واي عدالة تلك؟ من يدري؟!

وقد أصبح سائدا في كثير من المجتمعات الإسلامية أن تقوم العائلة بتربية البنت وتدريسها وتجهيزها حتى يقدم سي السيد ليأخذها على فرسه الأبيض، فيأخذ الجمل بما حمل (كما يقول المثل الشعبي)، فالوالد هو الذي دفع على تدريس ابنته، لكن سي السيد هو الذي بجيبه بطاقة الصراف الآلي لراتب زوجته الآن. فهو إذن محاسب مالي، يملأ جيوبه مما تكبده الآباء في تجهيز ابنته. والغريب المريب في الموضوع أن كثيرا من الذكور (ولا أقول الرجال طبعا) يعتبرون أن ذلك حقا لهم، لا يجب منازعتهم عليه، فلو أن بعض النساء حاولن تقديم بعض المساعدة للأهل (من مالها الخاص) لكشر سي السيد عن نابيه معتبرا ذلك تصرفا أرعنا في ماله. والأكثر غرابة هو في حين أنه يتصرف كذلك مع زوجته ويرضى به، قد يشعر بالحنق والغضب لو أن زوج أخته أو ابنته قد تصرف معه بنفس الطريقة. فكثيرا ما نجد أن من الذكور من يتعدون على حصة أخواتهم في ميراث عائلته ويأكلون كثيرا من حقوقهن لكنهم لا يرضون ذلك مع زوجاتهم. فهم يريدون من زوجاتهم أن يأتوا لهم بالغالي والنفيس من بيت أهلهن، لكنهم لا يسمحون لبناتهم وأخواتهم أن يأخذن شيئا من بيوتهم لبيوت أزواجهن. ولعل هذا الانفصام الاقتصادي في الشخصية لا تجده بهذه الشراسة إلا بمجتمعات الأعراب. من يدري؟!

لكن لما جاء الشرع لينظم حياة كل المسلمين عربهم وعجمهم، فإنه لا شك ينظم العلاقة بين أفراد الاسرة بالقسط، حتى ينتفي الظلم فيها، فلا يبغي طرف منهم على الطرف الآخر. ونحن نرى (ربما مخطئين) بأن الوصية وعقد النكاح هما الضامنان القانونيان الوحيدان اللازمان لتنظيم هذه العلاقة بين افراد الأسرة الذين تربطهم رابطة الدم (الوصية) والدخلاء عليها من الأصهار (عقد النكاح). 

نتيجة مفتراة: الوصية هي كتابة الدين بين أفراد الاسرة، يكتبها الأب فسيجل فيها ما لكل ولد من أولاده سواء عطاء أو أخذا، يحضر أداءه عند توزيع التركة

نتيجة مفتراة: المهر المؤجل هو كتابة ما أنفقه الاب على ابنته بشكل خاص، يحضر أداءه عند توزيع التركة.

باب تفاوت المهر

نحن نظن أن من أبجديات هذا الفهم هو أن المهر يتفاوت من حالة إلى حالة حتى بين الأخوات أنفسهن. فمقدار ما يكتب للمرأة من مهر مؤجل يتم تحديده عن طريق الأب الذي يعلم تماما ما أنفق من ماله على ابنته هذه على وجه التحديد. فقد يكون المهر المؤجل لواحدة منهن مئة الفا فين حين يكون للأخرى لا شيء لأنه لم ينفق عليها شيئا يزيد عن ما أنفقه على الأخريات، وهكذا.

لكن - بالمقابل – فإن جميع الإناث يتساوين في المهر المعجل، أي ما يجب على الخاطب أن يوفره لخطيبته من أجل تجهيزها كعروس جديدة، وهم جميعا محكومون بقوله تعالى:

لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)

فمادام أن المخطوبة قد قبلت به كزوجا لها، فعليها أن تقبل أيضا بظروفه الحالية. ولو دققنا في الآية السابقة في سياقها الأوسع، لوجدنا أنها مرتبطة بحياة الأزواج مع بعضهم بعضا:

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6) لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)

فالمرأة لا يجب أن تطلب من زوجها أكثر من سعته، كما على الزوج أن لا يضيّق الخناق عليها مادام أنه يستطيع التوسعة، فلا الاسراف مطلوب ولا التبذير مرغوب:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

لكن بالرغم أن على المرأة أن تقبل بظروف زوجها المادية، فلا يجب على وليها (وخاصة والدها) أن يفرط في حقها في مهرها المؤجل، وذلك لأنه ليس ضمانا لحقها وحدها عند زوجها (كما يظن الغالبية الساحقة من الناس عالمهم ومتعلمهم حسب الشرع السائد) وإنما ضمانا لحقوق الآخرين من أفراد أسرتها. فإن كان مهرها يغطي مقدار حقها في التركة، فهي إذا سواء معهم، فلا تأخذ ولا يؤخذ منها. وإن كان حقها في التركة يزيد عن مقدار مهرها المؤجل، فلها أن تطالب بذلك من أهلها، ولا يجب أن يبخسوها منه شيئا. وإذا كان مقدار مهرها المؤجل يفوق حصتها في التركة، فعليها أن تدفع لهم ذلك الفرق رضي زوجها بذلك أم لم يرضى. فهذا يقع في باب القسط الذي يرضى به صاحب القلب السليم، ولا يرفضه (نحن نرى) إلا من كان في قلبه مرض من حب المال. 

تساؤلات جديدة

- متى يجب كتابة الوصية من قبل الأب؟

- كيف تكتب؟

- لماذا يجب أن يكون المهر المؤجل مسجلا بقيمة الذهب؟

- ماذا عن بقية الورثة كالأب والأم والزوجة؟

- متى توزع التركة؟

- من الذي يجب أن يحضر توزيعها؟

- كيف يمكن تحديد درجة القرابة (قربى، أولي القربى، ذوي القربي، الخ)

- ما علاقة هذا كله بالجن والشياطين والدم؟

- الخ

جواب مفترى: هذا ما ستناوله بالتفصيل بحول الله وتوفيق منه في الجزء القادم من هذه المقالة إن أذن الله لنا بشيء من علمه فيها، فالله وحده أسأل أن يعلمني، وأن يزيدني علما، وأن يهدين لأقرب من هذا رشدا. وأعوذ به وحده أن أكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو العليم الحكيم – آمين.


المدكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

15 أيلول 2018