تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الحج - رؤية جديدة 9

فقه الحج - رؤية جديدة – الجزء التاسع

تعرضنا في الجزء السابق من هذه المقالة إلى قضية الميزان، وظننا أن الميزان الذي يتحدث عنه النص القرآني هو ميزان الكون، أي هو الأداة التي تحدث التوازن في السماء والأرض، فلا يحدث خلل فيهما مادام هذا الميزان موضوعا. وافترينا الظن بأن الميزان قد وضع مع رفع السماء:

وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

فأصبح الكون كله يسير بنظام لا يختل بسبب التوازن الذي يحكمه هذا الميزان، وقد تجرأنا على الظن بأن مكان البيت هو ميزان السماء والأرض، لذا تعهد الله بأن يكون هذا المكان آمنا:

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)


انتقال مفاجئ

السؤال: لماذا تعهد الله بأن يجبى إلى هذا المكان ثمرات كل شيء؟

جواب مفترى: لأن هذا المكان هو واد غير ذي زرع:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
السؤال: لماذا كان هذا المكان واد غير ذي زرع؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن من خصائص الواد وجود الصخر:

وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)

وهذا موسى يناديه ربه بالواد المقدس طوى:

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)


ولو تفقدنا ما حصل مع بني إسرائيل في ذلك المكان، لوجدنا أن الله قد نزّل عليهم المنّ وسلوى هناك:

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)

ولكن هذا لم يكن ليرضي بني إسرائيل على الدوام، فطلبوا من نبيهم ما هو أدنى، فجاء طلبهم على النحو التالي:

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61)
السؤال الخطير جدا: لماذا لم يجب الله طلبهم بأن يخرج لهم مما تنبت الأرض؟ ولماذا لم يطلب نبي الله موسى من ربه أن يخرج لهم مما تنبت الأرض؟ فهل كان هذا الطلب سيعجز الإله؟ من يدري؟!

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو تفقدنا عبارة "ادْعُ لَنَا رَبَّكَ" على مساحة النص القرآني كله، لما وجدناها قد وردت إلا في سياق الحديث عن موسى وقومه، قال تعالى:

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَٰلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69)

قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ ۖ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)

وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49)


ولو تفقدنا هذه السياقات القرآنية كلها، لوجدنا بأنه ما أن يطلب القوم من موسى أن يدع ربه بشيء حتى يقوم موسى على الفور بطلب ذلك (أي ما سألوه) من ربه (انظر الآيات السابقة كلها)، ليكون السؤال الآن على الفور هو: لماذا لم يدع موسى ربه هذه المرة بأن يخرج لقومه مما تنبت الأرض بالرغم أن الطلب قد جاء بالصيغة نفسها (قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

جواب مفترى: لأنهم كانوا متواجدين في الواد. انتهى.

السؤال: ما معنى ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان المكان واد، كان من أهم خصائصه أنه مكان صخري لا يمكن أن يخرج منه الزرع. فطلب الله منهم أن يهبطوا مصرا بدلا من أن ينتظروا أن يخرج لهم ربهم مما تنبت الأرض في ذلك المكان. فذلك المكان (نحن نتخيل) لا ينبت فيه الزرع، فكان لزاما الانتقال إلى مكان آخر إن هم أصروا على ما يريدون:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ ... (61)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن سؤالهم أن يخرج الله لهم في ذلك المكان مما تنبت الأرض أمر مستحيل مادام أن هذا المكان هو واد. فلقد ضرب موسى بعصاه الحجر في ذلك الواد، فانفجرت منه اثنتا عشر عينا:

وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61)
نتيجة مفتراة (1): يمكن أن يخرج من ذلك الواد (الصخري) الماء

نتيجة مفتراة (2): لا يمكن أن يخرج في ذلك الواد مما تنبت الأرض

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: بداية، لابد من ربط مكان البيت الأول (في الواد المقدس طوى) مع مكان البيت الآخر (في الواد غير ذي الزرع)، فكلاهما واد، وكلاهما لا يخرج ما تنبت الأرض، وكلاهما حصل أن تعهد الله بأن يؤتي من يسكنهما الرزق من لدنه، فأنزل المنّ والسلوى على من سكن الواد المقدس طوى (وهم بنو إسرائيل، أي قوم موسى):

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)

وتعهد الله بأن يجبى إلى مكان البيت الجديد في الواد غير ذي الزرع ثمرات كل شيء:

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)

ولو تفقدنا دعاء إبراهيم ربه لمن سكن هناك في الواد غير ذي الزرع عند بيت الله المحرم، لوجدنا أن إبراهيم نفسه قد طلب لهم الرزق من الثمرات:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

السؤال: لماذا دعا إبراهيم ربه بأن يرزق من سكن هناك عند بيت الله المحرم من الثمرات؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن إبراهيم يعلم يقينا بأن هذا المكان لا يمكن أن يخرج للناس مما تنبت الأرض، لذا كان لابد من طريقة بديلة للرزق غير الطريقة المعهودة (وهي مما تخرج الأرض). فمادام أن تلك الأرض لا تخرج مما تنبت الأرض، كان لزاما البحث عن طريقة أخرى لديمومة التواجد في ذلك المكان. فلا يمكن أن يدوم التواجد في ذلك المكان إلا بتوافر مصادر الرزق لمن سكن هناك، فكان الله هو من تعهد بنفسه بأن يجبى إلى هذا المكان ثمرات كل شيء.

السؤال: لماذا قضت المشيئة الإلهية بأن يكون مكان البيت الأول في الواد المقدس طوى؟ ولماذا قضت المشيئة الإلهية بأن ينقل هذا البيت إلى الواد غير ذي الزرع على وجه التحديد؟

السؤال بطريقة أخرى: ما خصوصية هذان المكانان فيما يتعلق بمكان البيت؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لما كان مكان البيت هو نقطة الارتكاز التي يتم فيها إحداث التوازن في الكون كله، فإن من أبسط مجالات التفكير هو أن البناء يحتاج إلى قاعدة (foundation) صلبة متينة ليتم إنشاءه عليه، ولما كان بيت الله هو البيت الأول على الأرض، فإن الحاجة تتطلب أن يؤسس هذا البيت على قاعدة متينة:

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)

فالبنيان (أي بنيان) لا يمكن أن يدوم إذا ما جاء تأسيسه على شفا جرف هار، لأن النتيجة لا محالة ستكون انهيار ذلك البنيان. فالبنيان الذي لا يؤسس على تقوى من الله، سيبقى دائما ريبة في قلوب الذين شيّدوه:

لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)

وليس أدل على ذلك من مسجد ضرار الذي اتخذه البعضُ كفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله:

وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)
فهؤلاء هم من أمثال من مكروا، فأتى الله بنيانهم من القواعد، فخر عليهم السقف:

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (26)

ولو عدنا إلى قصة أصحاب الفيل، لربما تجرأنا على افتراء الظن بأن القوم قد جاءوا إلى مكان البيت وهدفهم اتخاذ مسجدا جديدا ليكون ضرارا وتفريقا بين المؤمنين أولا، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ثانيا. فلو تمكن هؤلاء القوم من نقل مكان البيت إلى مكان آخر غير ذاك الواد، لنجحت خطتهم في التفريق بين المؤمنين أولا، ومن ثم محاربة الله ورسله جميعا بعد أن يتخذوا مسجدهم الجديد إرصادا لمن حارب الله ورسوله.

السؤال الأول: كيف كان من الممكن أن يكون مسجدهم الجديد (لو نجحوا في تشيده) كفرا وتفريقا بين المؤمنين؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو نجح هؤلاء القوم في بناء مسجدا بديلا للمسجد الأول، لحدثت الفرقة بين المؤمنين، ولظهر بينهم من ينادي إلى أن تهوي أفئدة من الناس إلى هذا البيت الجديد، ولظلت فئة أخرى تنادي بأن تهوي أفئدة الناس إلى المكان الأول. ولو حصل هذا على أرض الواقع، لأصبحت مناسك الحج تقام في مكانين مختلفين. ولكن لما كان البيت الأول حرما آمنا، ظلت مناسك الحج تقام في هذا المكان بغض النظر عن وجود الطوائف والفرق. فبالرغم من ظهور طوائف وفرق كثيرة، إلا أنهم جميعا يؤدون فريضة الحج إلى هذا المكان، فما ظهر عبر الفترات الزمنية المتعاقبة من ينادي بتلبية أي نداء إلى غير هذا المكان. فكان هذا المكان هو الذي يجتمع فيه كل الناس بغض النظر عن انتماءاتهم الطائفية. فكان هو المكان الجامع لكل المؤمنين بالله.

السؤال الثاني: كيف يكون ذلك البيت (المسجد) إرصادا لمن حارب الله ورسوله؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن ذلك البيت هو إرصادا لأنه – برأينا- محطة الرصد (أي المراقبة)، فبوجود ذلك البيت يمكنك أن تقعد لرصد الكون كله. فالمرصد هو المكان الذي تتم فيه مراقبة الآخرين لتجنب وقوع الأذى منهم:

فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)

فالله هو من يطلب من المؤمنين أن يقعدوا للمشركين كل مرصد (وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ)، فلا يصل خطرهم المحتمل إلى المؤمنين، فعند تطبيق هذا المنطق على الناس في الأرض، نجد أن الناس يتخذون أماكن محددة لرصد تحركات بعضهم البعض خاصة في حالة وجود الخصام والعداوة بين الطرفين.

ولازال الناس حتى الساعة يبنون محطات الأرصاد الجوية، ولعل الغاية من تلك المحطات هي مثلا رصد تحركات السحاب المسخر بين السماء والأرض، وبالتالي الخروج بالتنبؤات الجوية التي تفيد الناس في حياتهم اليومية. ولعل مرصد هابل الفلكي، هو المحطة الأرضية التي يراقب من خلالها بعض الناس من أهل العلم ما يجري في الكون الذي يستطيعون الوصول إليه بعدساتهم وأدوات المراقبة الخاصة بهم.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا جدا: إذا كان هناك مراصد كثيرة على الأرض لمراقبة ما يجرى على الأرض من تحركات بشرية (وربما ما يجري بين السماء والأرض)، فإننا نتجرأ على القول بأن البيت العتيق هو المكان الوحيد على الأرض الذي يمكن من خلاله مراقبة الكون كله.

نتيجة مفتراة خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه بالإمكان مراقبة ما يجري في الكون كله من ذلك البيت. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن لا نستبعد أن ينعت البعض كلامنا هذا بأنه ضرب من الجنون، وأن الأمر عندنا قد تجاوز كل الخطوط الحمراء. فلهؤلاء نقول بأنه إن حصل اتهام لنا من قبل البعض، فإن ذلك لن يثنينا عن المضي قدما في التفكر بهذا الاتجاه، ونحن نطلب من الجميع أن يرجعوا إلى الوراء، فلا يتابعوا النقاش معنا ما لم يؤمنوا يقينا بأن هذا الكلام لا يقع في باب الجنون. فهؤلاء فقط هم (نحن نظن) من لا يمكن أن يتهموا محمدا بالجنون لو أنهم عاشوا معه (أرجو عدم اقتباس هذه الفقرة للترويج بين الناس بأني أقارن نفسي بمحمد، فمحمد لا شك رسول لا ينطق عن الهوى بينما أنا لست أكثر من بشر يصيب أحيانا ويخطئ كثيرا). على أي حال، إن ما أحاول أن أجهد نفسي لتبيانه هو أن الأغلبية المطلقة من الناس قد ظنوا بأن محمدا قد وصل به الأمر إلى حد الجنون، فجاء الرد الإلهي عليهم على هذا النحو:

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184)

السؤال: متى أتهم القوم من حول صاحبنا بأن فيه جِنّة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن القوم من حول محمد قد اتهموه بشيء من الجِنّة عندما وجدوا أن محمدا يستطيع أن يراقب ما يجري في الكون كله. فظن القوم أن هذا ليس علما من عند محمد (علمه إياه شديد القوى) وإنما هو من باب ما به (حسب ظنهم) من جِنّة. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: دعنا نضع الآية السابقة قيد التدبر الآن، وهي:

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184)

في سياقها الأوسع، لنجد أن الآية التالية بعدها مباشرة هي قول الله تعالى:

أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)
تخيلات مفتراة من عند أنفسنا حول هاتين الآيتين الكريمتين معا:

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

عندما طلب الله من الذين كانوا حول محمد أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق، فإننا نأخذ الأمر على محمل الجد، ونعتقد جازمين أن هذا أمرا حقيقيا قابلا للحدوث، فهم إذن يستطيعون أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض:

أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

وإذا كان بإمكان هؤلاء الناس (العاديين) من حيث المبدأ أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض، فإن ذلك الأمر لم يكن ليعجز محمدا. فمحمد يستطيع إذن أن ينظر في ملكوت السموات والأرض.

السؤال: ما الذي حصل إذن على أرض الواقع في زمن محمد؟

رأينا المفترى: كان محمد يستطيع أن ينظر في ملكوت السموات والأرض، فكان إذن يستطيع (نحن لازلنا نتخيل) أن يرى ما يجري في الكون كله. ولما كان محمد يستطيع أن يخبر من حوله بما يجري في الكون كله بعد أن ينظر في ملكوت السموات والأرض، وصل الأمر بمن حوله (وهم الذين لا يريدون أن يصدقوه) أن ينعتوا الرجل بأوصاف لا تليق إلا بمن هو على شاكلتهم، فظنوا أن محمدا قد أصابه شيء من الجِنّة، فظنوا أنّ هذا من باب الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجِنّة:

قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَهِ النَّاسِ (3) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
السؤال: هل كان هذا فعلا من باب الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجِنّة والناس؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، فما كان الوسواس الخناس من الجِنّة والناس يستطيع أن يوسوس في صدر محمد، فالله هو من شرح صدر محمد:

أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4) فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6) فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (7) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (8)

لذا، لما كان الله هو من شرح لمحمد صدره، فإن من الاستحالة بمكان (نحن نؤمن) أن يستطيع الوسواس الخناس (سواء كان من الجِنّة أو من الناس) أن يوسوس في صدر محمد.

لكن يبقى السؤال: كيف اتهم القوم محمدا بأن فيه شيء من الجِنّة؟

جواب: لما كان ما أخبرهم به محمد حينئذ يستعص على منطق الناس العاديين، كان لابد من إيجاد التبرير لمثل ذلك، فما وجدوا غير اتهامه بأن فيه شيء من الجِنّة:

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

لكن الله هو من طلب منهم أن يتفكروا، لأن مجرد التفكر ستنتهي بهم (وبغيرهم) إلى النتيجة الحتمية وهي استحالة أن يكون في صاحبنا (محمد) شيء من الجِنّة. وأن صاحبنا ليس إلا نذير، لأنه يستطيع أن يرى ما يجري في الكون، ويستطيع أن يعلم متى يمكن أن يقترب العذاب من القوم.

السؤال: كيف علم محمد ذلك؟

رأينا المفترى: لأنه يستطيع أن ينظر في ملكوت السموات والأرض

الدليل

السؤال الأول: ما هو ملكوت السموات والأرض؟

جواب مفترى: لو تفقدنا السياقات القرآنية الخاصة بملكوت السماوات والأرض، لوجدناها قد وردت في الآيات الكريمة التالية:

قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)


ولو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لربما حق لنا أن نستنبط أن ملكوت السموات والأرض بيد الله وحده، ولكن يمكن لنا أن ننظر في ملكوت السموات والأرض بدليل قوله تعالى:

أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

وقد تحقق النظر في ملكوت السموات والأرض على أرض الواقع لإبراهيم:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: كيف تمت رؤية إبراهيم لملكوت السموات والأرض؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن النظر في ملكوت السموات والأرض هي التي تمكّن من ينظر في ذلك المراقبة عن كثب لما يجري في السموات والأرض.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا: نحن نظن أن ملكوت السموات والأرض موجود في مكان ما، يمكن لنا نحن البشر العاديين (كما حصل مع إبراهيم) أن ننظر فيه، لنرى بأم أعيننا ما يجري في الكون كله.

السؤال: أين هو ملكوت السموات والأرض إذن؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: دعنا ندقق في الآيات الكريمة التالية:

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

لو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لربما وجدنا أن الحديث قد جاء موجها لمن هم حول صاحبنا (محمد) حينئذ، وأن الخطاب بالنظر في ملكوت السموات والأرض لم يأت موجها للناس كافة، وإنما جاء خاصا بمن كان حول محمد بدليل اللفظ (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ)، فلو كان الخطاب موجها للناس كافة، لجاء اللفظ على نحو (أفلم تنظروا)، ولكن لما كان الخطاب خاصا بمن كان حول محمد، فقد جاء اللفظ على نحو (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ)، أليس كذلك؟

السؤال: ما الذي يمكن أن نستنبطه من هذا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن من أراد أن ينظر في ملكوت السموات والأرض، فعليه أن يكون متواجدا في ذلك المكان الذي كان يتواجد به من كان حول محمد حينئذ، أي لابد أن يكون ممن يسكن منطقة البيت الحرام (الكعبة). انتهى.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن النظر في ملكوت السموات والأرض يتم من هناك، أي من عند الكعبة.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن أن في الكعبة نفسها مكانا محددا بعينه، لو نظر الإنسان فيه، لربما استطاع الناظر (نحن نتجرأ على افتراء القول من عند أنفسنا) أن يرى ما يجري في الكون كله، لأنه يكون قد نظر بذلك في ملكوت السموات والأرض.

السؤال: وأين هو ذلك المكان؟

رأينا المفترى الخطير جدا: نحن نطلب من القارئ الكريم أن يتدبر قصة ما يعرف بين العامة وأهل العلم بـ "الحجر الأسود" الموجود في ركن من أركان البيت العتيق، لنطرح من خلال ذلك التساؤلات التالية:

- ما سر الحجر الأسود في الكعبة؟

- ما سر أن يبدأ الطواف حول البيت من هناك؟

- ما الحكمة في أن يقترب الشخص من هذا الحجر باللمس؟

- ما سر أن يقف الإنسان هناك ويطيل النظر في ذلك الحجر؟

- ما سر أن يطوف الناس بذلك البيت سبعة أشواط؟

- الخ.

عودة على بدء: قصة الحج – رؤية جديدة

غالبا ما ظن الناس أن مناسك الحج وشعائره تأتي في باب الإيمان بالغيبيات، وأنها تقع في باب العقائد التي قلما دعت الحاجة إلى تدبرها، فظنوا أنهم بحاجة أن يؤدوا هذه المناسك يقوموا بهذه الشعائر فقط من أجل الإتباع الذي قد لا يقع في باب التدبر الحقيقي الذي يفضي (لا محالة إن صح) إلى نتائج عملية ملموسة على أرض الواقع. فطبق الناس مناسك الحج وشعائره، ورصدوا الأجر في ذلك لما سيتحصل لهم في يوم الدين من الأجر العظيم، فكأن لسان حالهم يقول (نحن نزعم القول) بأننا نقوم بهذه الشعائر مقابل الأجر الذي سنحصل عليه من جراء ذلك في يوم الدين. وأن هذا الحج لن يكون له أثر ملموس في حياتنا الدنيا. ولو تحصل أثر ملموس في الحياة الدنيا، فربما لن يكون أكثر من زيادة في إيمان الشخص الذي يطبق تلك المناسك والشعائر (أي الحاج نفسه) كما طًلبت منه.

الفكر البديل: نحن نظن أنه لو صحّ منطق سادتنا العلماء هذا، لربما انتفت الحاجة إلى المجيء إلى هذا المكان على وجه التحديد، ولربما تحققت هذه العبادة (أي الحج) في أي مكان آخر. لكن هنا يجب أن يثار التساؤل الكبير التالي: ما الحكمة من المجيء إلى هذا المكان على وجه التحديد لأداء مناسك الحج وشعائره؟ وهل يمكن أن تتحقق الغاية المنشودة من الحج في غير هذا المكان على وجه التحديد؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، نحن نظن أنه مادام أن الحج لله وحده، فلا يمكن أن يتم إلا بالقدوم إلى هذا المكان على وجه التحديد:

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

ليكون السؤال الآن هو: ما سر القدوم إلى هذا المكان لأداء مناسك الحج وشعائره؟ أو بكلمات أكثر دقة نحن نسأل: ما الغاية من أداء مناسك الحج وشعائره في هذا المكان على وجه التحديد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو تفقدنا الآيات الكريمة التالية، لوجدنا أن الله قد جعل لكل أمة منسكا هم ناسكوه؟

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)


ليكون السؤال الآن هو: ما هو المنسك؟ ولماذا جعل الله لكل أمة منسكا هم ناسكوه (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ) ؟

رأينا المفترى: قبل محاولتنا الإجابة على هذا التساؤل، فإننا نجد لزاما التعرض لمفردات الآية نفسها، لنتفقدها من خلال ما جاء بها، قال تعالى:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)

فالآية الكريمة تؤكد الحقائق التالية:

1. أن الله جعل لكل أمة منسكا هم ناسكوه (لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ)

2. أن الطلب الإلهي جاء بعدم منازعة الرسول في الأمر (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ)

3. أن الطلب الإلهي جاء لمحمد بالدعوة إلى ربه (وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ)

4. أن التأكيد الرباني جاء لمحمد بأنه على هدى مستقيم (إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ)

لذا، نحن نحاول أن نتدبر هذه الحقائق تباعا. ولنبدأ بالطلب الإلهي بعدم منازعة الرسول في الأمر (فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ). فما معنى ذلك؟ نحن نسأل.

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة المنازعة في السياقات القرآنية، لوجدنا أن الآيات الكريمة التالية (كما نفهمها) ترشدنا بحول الله وتوفيقه إلى مبتغانا، قال تعالى:

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)

فهذه الآية الكريمة تبين لنا (ربما بما لا يدع مجالا للتأويل) بأن المنازعة لا تحصل إلى بوجود أكثر من رأي في قضية مطروحة للنقاش مطلوب فيها اتخاذ قرار كما حصل مع الفريقين اللذين تنازعا في أمر فتية الكهف (إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ):

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (21)

فلقد كانت المنازعة محتملة عندما كان هناك أكثر من رأي في الأمر، مادام أن هناك فريقين: فريق غلب الفريق الآخر، فكان هذا الفريق الغالب هو صاحب القول الفصل، فكان هو صاحب القرار باتخاذ المسجد على فتية الكهف (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا).

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن المنازعة قد حصلت في زمن الرسول فكان هناك من عنه رأي يختلف عن رأي الرسول نفسه. حاول عزيزي القارئ – إن شئت- أن تتدبر الآية الكريمة مرة أخرى من هذا المنظور:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)

والله هو من بيّن لنا بأنه إن حصلت مثل هذه المنازعة، فإن القرار الصائب هو النزول عند رأي الرسول، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)

وبخلاف ذلك، سيكون الفشل هو النتيجة الحتمية:

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)

وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)


وليس أدل على ذلك مما حصل مع من كان في منازعة في زمن نبي الله موسى، قال تعالى:

قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

ومادام أن هؤلاء القوم قد أسروا النجوى، فهم إذن (نحن نتخيل) قد اتخذوا القرار بمعصية الرسول (موسى):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9)

السؤال: ما علاقة هذا كله بالآية الكريمة قيد التدبر:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)

رأينا المفترى: مادام أن الآية الكريمة تتحدث عن المنسك، فإن الخلاف (كما نتخيله) كان بين فريقين، فكان الفريق الأول هو فريق الرسول نفسه وكان الفريق الآخر هو الذي نازع الرسول في الأمر، وكان جل المنازعة (نحن نزعم الظن) حول ذلك المنسك، فكان لابد من اتخاذ القرار الصائب الذي لا شك هو قرار الرسول نفسه.

السؤال: كيف حصلت المنازعة بينهم حول المنسك؟ وما هو المنسك الذي اختلف القوم فيه؟ وكيف فًضّ الخلاف في ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا غريبة جدا: تروي لنا كتب السيرة قصة وضع الحجر الأسود في مكانه، وإذا كنا نصدق الرواية بمجملها، إلا أننا نتجرأ على المخالفة في تفصيلاتها. فنحن نتخيل الأمر قد حصل على أرض الواقع على النحو التالي: كان الحجر الأسود هو المنسك الذي اختلف قوم محمد فيه، وكان الخلاف (على غير ما جاء من عند أهل الدراية) قد دبّ بينهم في المكان المناسب الذي يجب أن يوضع فيه هذا الحجر. فكان لابد من وضع الحجر في مكانه الصحيح، وكان صاحب الحجة الصحيحة في ذلك هو محمد نفسه. فكان لابد للقوم جميعا أن ينزلوا عند قرار محمد في هذا الأمر، وبالفعل عمد محمد بنفسه إلى وضع ذلك الحجر في مكانه الصحيح. وما أن وضع محمد بنفسه ذلك الحجر في مكانه الصحيح (نحن لازلنا نتخيل) حتى جاءه التوجيه الإلهي بأن يدعو إلى ربه، وبذلك كان محمد على هدى مستقيم، قال تعالى:

لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُّسْتَقِيمٍ (67)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن المنسك الذي جعله الله لهذه الأمة هو ذلك الحجر، ويمكن مقارنة هذا الأمر بما جعله الله للأمم السابقة، فمادام أن الله قد جعل لكل أمة منسكا هم ناسكوه، كان لابد من عقد المقارنة بين منسكنا الذي جعله الله لنا ومنسكهم الذي جعله الله لهم . فالطور (أو حائط المبكى) هو - برأينا - المنسك الذي جعله الله لأمة موسى، فكان هو إذن المكان الذي يؤمه أولئك القوم لأداء حجهم. لذا، نحن نتجرأ على افتراء الظن من عند أنفسنا بأن النسك هو أمر خاص بعبادة الحج. انتهى.

الدليل

لو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن النسك تختلف عن الصلاة، بدليل الربط والفصل بينهما في الآية الكريمة التالية:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)

ولو تفقدنا ما جاء في الآية الكريمة التالية أيضا، لوجدنا بأن النسك تختلف عن الصيام وعن الصدقة بدليل الربط والفصل بينهما، قال تعالى:

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

ففعل النسك هو – برأينا- زيارة المنسك الذي جعله الله لكل أمة.

السؤال مرة أخرى: ما هو المنسك؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا هذه السياقات القرآنية جميعا، لوجدنا بأنها تتحدث عن أركان الإسلام الرئيسية وهي:

- الصلاة

- الصدقات

- الصيام

- الحج

ليكون منطقنا المفترى من عند أنفسنا الآن على النحو التالي: إذا كانت الصلاة قد وردت مرتبطة بالنسك (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي)، وإذا كانت النسك مرتبطة أيضا بالصدقات والصيام (مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ)، فإننا نتجرأ على الظن بأن النسك هو فعل خاص بالحج. فكثير من أفعال الحج هي مناسك:

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199) فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200)

ونحن نتجرأ على الظن بأن مناسك الحج هي عبارة عن أماكن محددة بذاتها، وأن الذي يؤدي هذه المناسك هو الذي يقوم بزيارة هذه الأماكن، وليس أدل على هذا – برأينا- من الدعاء الخالد لإبراهيم وولده إسماعيل عندما رفعا القواعد من البيت، فإبراهيم وإسماعيل يطلبان من ربهما أن يريهم مناسكهم:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)
لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن مناسك الحج هي أماكن محددة يمكن أن ترى (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا).

والدقة تستدعي منا أن نتدبر التفريق بين مناسك الحج من جهة وشعائر الحج من جهة أخرى، فلو دققنا في السياقات القرآنية التالية، لوجدنا الفصل واضح بين المناسك والشعائر:

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30) حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)


فهذه الآيات الكريمة ترشدنا بأن الصفا والمروة من شعائر الله (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ)، كما ترشدنا بأن البدن هي أيضا من شعائر الله (وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ).

وتبين لنا الآية الكريمة التالية بأن هناك في الحج ما يسمى بالمشعر الحرام:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198)
ولو دققنا في السياقات القرآنية جيدا، لربما صح لنا أن نقول بأن مناسك الحج هي الأفعال الإلزامية في الحج، بينما الشعائر هي – برأينا- من الأعمال التطوعية التي تجلب لنا الفضل من ربنا، فليس علينا جناح أن نطوف بالصفا والمروة لأنهما من شعائر الله، فهذه أفعال خاصة بالحج والعمرة:

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

وكذلك هي البدن من شعائر الله، فهذه ليست إلزامية على كل حاج، وإنما هي من الشعائر التي لنا فيها الخير:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
وليس علينا جناح أن نذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإفاضة من عرفات:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198)

ولو تفقدنا هذه النصوص السابقة جميعا، لوجدنا بأن الشعائر منسوبة لله (شَعَائِرِ اللَّهِ)، بينما النسك منسوبة لنا (مَنَاسِكَنَا، مَّنَاسِكَكُمْ)

فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ (200)

ولو تفقدنا الآية الكريمة التالية مرة أخرى، لوجدنا بأن الطواف بالصفا والمروة (التي هي من شعائر الله) يقع في باب التطوع:

إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)

لكن بالمقابل فإن زيارة البيت العتيق، والوقوف بعرفات في يوم الحج الأكبر، فهي أفعال (نظن أنها) تقع في باب أداء المناسك، لذا فهي أفعال إلزامية خاصة بالحج، فلا يصح الحج بدونها.

السؤال: ما الغاية من وجود المناسك؟ وما الغاية من وجود الشعائر؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الغاية من الشعائر هو جلب الفضل:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198)

لذا، يقع تعظيم شعائر الله في باب تقوى القلوب:

ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32)

ومادام أن الشعائر لها علاقة بتقوى القلوب، فإن ذلك هو ما يناله الإله منا:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)
لذا، نحن نتجرأ على القول بأن أفعال الحج تنقسم إلى قسمين رئيسيين، هما:

1. أفعال يعود مردودها إلى الله، وهذه هي الشعائر التي ينال الله منا التوى بسببها

2. أفعال يعود مردودها إلى الإنسان نفسه، وهذه هي المناسك

لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن ما يستفيده الإنسان في آخرته هو ما ينتج من تقوى من أداءه الشعائر (لأن الشعائر مضافة إلى الإله نفسه: شَعَائِرِ اللَّهِ). بينما ما يستفيد منه الإنسان في دنياه، فهو ناتج عن ما ينتج من قيامه بتلك المناسك (لأن المناسك منسوبة للشخص نفسه: مَنَاسِكَنَا، مَّنَاسِكَكُمْ)

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: دعنا ندقق في الآية الكريمة التي تتحدث عن البدن، قال تعالى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
فالله إذن يطلب منا أن نأكل من البدن متى وجبت جنوبها، كما يطلب منا أن نطعم منها القانع والمعتر، ليكون السؤال هو: لماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما يكون الناس في حج، فإن من شعائر الحج هي تلك البدن، أي بهيمة الأنعام التي رزقنا الله إياها، فواحدة من موجبات الحج هي شكر الله على ما رزقنا من بهيمة الأنعام:

وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28)

وقد طلب الله منا أن نذكر اسمه عليها مادامت صواف:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

ونحن نفهم ذلك على نحو ذكر اسم الله عليها مادامت لم تسلخ بعد عن جلدها، أي مازالت صواف، ولكن ما أن يتم ذبحها وسلخ الجلد عنها حتى تصبح بدن، أي بدنا خالصا، فقد جاء قول الله بخصوص نجاة فرعون على النحو التالي:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)

فقد نجىّ الله فرعون، فكان بدنا خالصا، فما كان له جسم:

وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)

فمادام الشخص جسما، فهو إذن يستطيع القول، ولكن ما أن يصبح جسدا حتى لا يقوى على الكلام، وإن كان له صوت كخوار العجل الذي لم يكن أكثر من جسد:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148)

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)


والجسد لا يستطيع أكل الطعام:

وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)

فعجل السامري كان جسدا لأن له خوار، لكنه لا يستطيع الكلام (أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ) ولا أكل الطعام مادام أنه أصلا جسدا (جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ)، لذا كان ما ألقي على كرسي سليمان ليس أكثر من جسد:

وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)

فهو إذن لا يستطيع الكلام (وإن كان له صوت كالخوار) ولا يستطيع أكل الطعام (للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته).

لكن ما أن يكون بدنا حتى يكون قادرا على الأكل، لكنه لا يقوى على الكلام حتى وإن كان له خوار، كبهيمة الأنعام مثلا التي تكون صواف. ولكن ما أن يتم ذبحها وسلخ الجلد عنها حتى تصبح قد وجبت جنوبها:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)
وهنا نستطيع أن نأكل منها ونطعم القانع والمعتر. ليكون السؤال هو: لماذا جاء الأمر الإلهي لنا بالأكل من هذه البدن إذا ما وجبت جنوبها؟ ولماذا أمرنا الله أن نطعم منها القانع والمعتر؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن محاولة الإجابة على هذا التساؤل (في نطاق منطقنا المفترى من عند أنفسنا هذا) يعيدنا من جديد إلى قضية فقه الأضحية الذي تعرضنا له سابقا، محاولين أن نسطّر فهمنا المفترى من عند أنفسنا لهذه الشعيرة الكبيرة التي شرعها الله لنا في يوم النحر.

باب الأضحية مرة أخرى

تأتي هذه الشعيرة في يوم العيد الذي يعتبر يوم الجائزة للحاج، فبعد أن يتم الحاج مناسك الحج يقوم بتقديم الأضحية، كشعيرة متوجة لمناسك الحج التي قام بها. ليكون السؤال على الفور هو: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن الأضحية هي عبارة عن شعيرة تتيح للحاج الاحتفال بتلك الجائزة التي قدموا من كل فج عميق للحصول عليها من ربهم مباشرة في أيام الحج. فالله هو من فرض الحج على عباده كفعل تعبدي خاص بالله نفسه، بدليل قوله تعالى بأن لله على الناس حج البيت:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

فيقوم الحاج بزيارة الله في بيته المحرم:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

فيكون الحاج هو الزائر، ويكون الله هو المزور، فيتم الحاج مناسك الحج كلها، وما أن يتمها على الوجه المطلوب حتى تكون النتيجة الحتمية انتظاره الجائزة من ربه مباشرة، وما أن يحصل الحاج على هذه الجائزة في يوم الحج الأكبر:

وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)

حتى تكون الفرحة قد تمت، ويعبر الحاج عن فرحته هذه بالنحر، فيقدم الأضحية التي طًلب منه أن يأكل هو منها وأن يطعم كذلك القانع والمعتر.

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

السؤال: لماذا يطلب من الحاج أن يأكل منها ويطعم القانع والمعتر؟

جواب مفترى: لما كانت الأضحية هي علامة احتفالية بمناسبة سعيدة، فإن الأكل منها لا يقع في باب الصدقات التي تقدم للفقراء والمساكين وغيرهم ممن توجب لهم الصدقات، كما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ (59) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

فمادام أن المناسبة سعيدة، وهي الاحتفال بالفرحة الكبرى، فإن الأكل منها له شرف كبير، فحري بالمسلم أن يشارك أكبر قدر ممكن من الناس فرحه، لذا يحرص على إطعام أكبر قدر ممكن منهم (سواء كان قانعا أو معترا) من تلك الوليمة الاحتفالية. وحري بكل مسلم أن يجتهد بأن يوزعها على أكبر قدر ممكن من الناس، وعلى الجميع أن يحرصوا على الأكل منها، لأنها لا تقع في باب الصدقات، بل هي مناسبة احتفالية على شرف الإله نفسه، فالله لن ينال لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منها. وما دام أن هذه الأضحية قد نال الله منها التقوى من عباده، فهي إذن لا محالة مباركة، والأكل منها فيه خير كبير لا يجب أن يفوته أي مسلم مؤمن بربه.

السؤال: ما هي تلك الجائزة التي نالها المسلم بعد أداء مناسك الحج وتوجها بالأضحية؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: بداية، لابد أن نسطر الافتراء الخطير التالي الذي هو من عند أنفسنا ومفاده أن الله يعطي. انتهى.

السؤال: ما الذي يمكن أن يعطيه الله لنا؟

جواب مفترى: لابد أن نسطر الرأي التالي للتميز بأن العطاء والإتيان، فالله هو من يعطي والله هو من يؤتي، لكن ما الفرق بين أن يؤتيك الله شيئا وأن يعطيك الله شيئا؟

رأينا المفترى: تعرضنا لهذه الجزئية في جزء سابق من المقالة، وزعمنا الظن بأن العطاء يكون دفعة واحدة بينما يكون الإتيان تدريجيا. (للتفصيل انظر الأجواء السابقة)

السؤال: ما الذي يمكن أن يعطيه الله لنا عطاء (أي جملة واحدة)؟

جواب مفترى: لو رجعنا إلى قصة النبي الكريم مع ربه، لوجدنا الآيات التالية تسطر وعدا إلهيا لمحمد بالعطاء المستقبلي، قال تعالى:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

فهذا وعد إلهي لمحمد بأن يعطيه شيئا محددا في المستقبل، ولو تفقدنا هذه الآية الكريمة في سياقها الأوسع، لوجدنا أن محمدا في تلك اللحظة قد كان ضالا عندما وجده الله:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

والله هو من طلب من محمد في هذا السياق القرآني أن يحدث بنعمة ربه:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

ولو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن محمدا لم يكن مجنونا بنعمة ربه:

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)
السؤال: كيف ولماذا ربطت نعمة الله لمحمد بنفي الجنون عنه؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كانت نعمة الله لا تحصى:

وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)

فإننا نتجرأ على الظن بأن نعمة الله كثيرة، بدليل أنها لا تحصى، أليس كذلك؟

السؤال المربك لنا: كيف إذن يطلب الله من محمد أن يحدث بنعمة ربه مادام أن نعمة الله لا تحصى؟

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

جواب مفترى من عند أنفسنا: تعرضنا لهذه القضية في مقالات سابقة لنا، وافترينا الظن بأن مفردة نعمة في السياق القرآني تطلق على النعمة الواحدة والنعمة الكثيرة، فهي إذن مفرد وجمع معا، كما في الجدول التوضيحي التالي:
 
مفرد (نعمة)
جمع (نعمة)
وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (18)

فالنعمة الواحدة تسمى نعمة، والنعمة الكثيرة تسمى نعمة أيضا. وبهذا المنطق المفترى يمكننا أن نفهم (إن صح منطقنا) قوله تعالى:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

فهناك نعمة واحدة محددة طلب الله من محمد أن يحدث بها، وهناك نعمة واحدة ربطت بنفي الجنون عن محمد:

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)

السؤال: ما هي تلك النعمة المحددة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن من بين جميع نعمة الله التي أنعمها على محمد، هناك نعمة واحدة اختص الله بها محمدا، وطلب منه أن يحدث بها، وهي ذاتها (برأينا) التي ارتبط فيها نفي الجنون عن محمد.

السؤال الآن هو: ما هي تلك النعمة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن تلك النعمة يمكن أن يتم التحدث بها، ولا يستطيع أن يتحدث بها على الوجه الصحيح شخص آخر غير محمد، ونفتري أيضا بأنه ما أن يقوم محمد بالتحدث بتلك النعمة حتى تكون ردة فعل من حوله الظن بأن محمدا قد أصابه شيء من الجنون:

مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)

السؤال: ما هي تلك النعمة؟ لقد أهلكتنا بالمراوغة في الكلام ربما يريد صاحبنا أن يقول.

جواب مفترى من عند أنفسنا: لكي تستبين عزيزي القارئ وجاهة ما نحاول الوصول إليه، فعليك أن تأخذ هذه الآية في سياقها الأوسع، قال تعالى:

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

ولو حاولنا تدبر هذا السياق القرآني الذي وردت فيه هذه الآية الكريمة، لوجدنا الحقائق التالية:

- جاءت هذه الآية مسبوقة بالآية الكريمة التالية:

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)

- لحقت هذه الآية الآيةُ الكريمة التي تتحدث عن الأجر غير المنون الذي سيحصل عليه محمد جراء التحدث بهذه النعمة

وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)

- ارتبطت هذه الآية بالخلق العظيم لمحمد

وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)

- ارتبطت هذه الآية بالإبصار المتوقع لمحمد مقابل إبصارهم المتوقع:

فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5)

- ارتبطت هذه الآية بحتمية وقوع الفتنة لطرف دون طرف:

بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6)

- ارتبطت هذه الآية بعلم الله بمن ضل عن سبيله وبعلمه كذلك بالمهتدين:

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)

- ارتبطت هذه الآية بالتوجيه الإلهي لمحمد بعدم إطاعة المكذبين:

فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8)

- الخ

- ارتبطت هذه الآية بتلاوة الآيات من قبل محمد، وهي الآيات التي نعتها من يسمعها بأنها ليست أكثر من أساطير الأولين:

إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

السؤال: ما هي إذن تلك النعمة الخاصة بمحمد التي ربطها البعض باحتمالية أن يكون محمد مجنونا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن تلك النعمة الخاصة التي طلب الله من محمد أن يحدث بها (وربطها البعض باحتمالية حصول الجنون عند محمد) هي العلم الذي أودعه الله في محمد على وجه التحديد.

السؤال: ما هو ذلك العلم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن لهذا علاقة مباشرة بما جاء في الآية الأولى من هذه السورة العظيمة، وهي قوله تعالى:

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)

السؤال: ماذا يعني ذلك؟ لم أفهم، ربما يريد صاحبنا أن يسأل.

رأينا المفترى: نحن نظن أن لهذا علاقة بمباشرة بـ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ). فنحن نفهم أن تلك النعمة لها علاقة أولا بـ (ن) ثم بـ (وَالْقَلَمِ) ثم بـ (وَمَا يَسْطُرُونَ).

السؤال: ما معنى ذلك؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن المقارنة قد عقدت بين محمد من جهة وصاحب الحوت من جهة أخرى:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

ولو دققنا أكثر في السياق القرآني، لوجدنا الآية تحث محمد على الصبر، أي عدم الاستعجال، حتى لا يكون كصاحب الحوت. ولو حاول ربط هذا الكلام بالآية الكريمة التالية التي تتحدث عن صاحب الحوت، لوجدنا بأنه هو نفسه ذو النون:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

فصاحب الحوت هو إذا ذو النون، أليس كذلك؟

ولو دققنا في السياق القرآني أكثر، لوجدنا بأن (ن) قد ارتبطت بـ (وَالْقَلَمِ) وبـ (وَمَا يَسْطُرُونَ):

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله يطلب من نبيه أن يذكر، وفي الوقت ذاته يثبت للجميع بأن محمدا ليس بكاهن ولا مجنون:

فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)

السؤال: ما هي نعمت الله التي يطلب الله من محمد أن يذكر بها، ويثبت لنا بأنه متى قام محمد بذلك لا يجب أن ينعت تذكيره بأنه يقع في باب ما يقوم به الكاهن أو من قبل ما يقوم به المجنون.

فما يقوم به الكاهن يقع في باب التنبؤ بأحداث مستقبلية، وما يقوم به المجنون يحدث بسبب المس من الشيطان، أي من به جنّة. ومادام أن محمدا ليس بكاهن ومادام أن محمد ليس به جنّة، فإن ما يقوله محمد يقع في باب الحق الذي أكثرهم له كارهون:

أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَن ذِكْرِهِم مُّعْرِضُونَ (71)

ولو تدبرنا قولهم بأن في محمد جنّة، لوجدناه قد ارتبط بخسف الأرض أو إسقاط السماء كسفا:

أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (9)

السؤال: ما هي إذن تلك النعمة التي طلب الله من محمد أن يحدث بها، وأن يذكر بها:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29)

جواب مفترى: نحن نظن أنها هي تلك الأعطية التي وعد الله به نبيه من ذي قبل:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

السؤال: ما الذي وعد الله نبيه محمدا أن يعطيه إياها؟ وهل فعلا أعطاه أياها لاحقا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لو تفقدنا القرآن كله لنبحث عن ما أعطاه الله محمد (جملة واحدة)، وجاء بنص اللفظ القرآني بصيغة العطاء، لما وجدنا إلا ما جاء في الآية الكريمة التالية:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر(1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)

تساؤلات

- ما هو الكوثر؟

- لماذا أعطى الله نبيه الكوثر؟

- متى أعطى الله نبيه الكوثر؟

- لماذا طلب الله من نبيه أن يصلي بعد أن أعطاه الكوثر مباشرة؟

- لماذا طلب الله من نبيه أن ينحر بعد أن أعطاه الكوثر مباشرة؟

- لماذا ارتبط هذا العطاء بكل من كان شانئ للنبي؟

- وكيف يكون شانئ النبي هو الأبتر؟

- وهل كان هذا العطاء مرضيا لمحمد كما وعده الله من قبل؟

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

- الخ.

بعيدا عن التأويلات المجازية التي ظهرت مع توالي الأيام عند الفرق الإسلامية المختلفة حول هذه السورة العظيمة (أي سورة الكوثر)، فإننا نحاول افتراء القول بأن الذي وعد الله نبيه به من ذي قبل (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) وبالفعل أعطاه الله لنبيه لاحقا كان هو الكوثر (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر)، وهذا العطاء كان مرضيا لمحمد، ولم يكن محمد ليرضى بأقل من ذلك العطاء الإلهي المباشر له، وأن هذا العطاء هو ما جعل محمدا في صلة دائمة مع ربه، بينما يجعل كل شانئ لمحمد هو الأبتر، أي المقطوع الصلة بربه. وما أن حصل محمد على هذا العطاء العظيم حتى كانت فرحته قد تمثلت بالصلاة لربه (فَصَلِّ لِرَبِّكَ) وبالنحر (وَانْحَرْ).

السؤال: ما هو ذلك الكوثر الذي أعطاه الله لمحمد؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الكوثر الذي أعطاه الله لمحمد هو ليس أكثر من كأس (أو إبريق)، ولكنه كأس الفوز (أي الجائزة الكبرى)، وهو – برأينا- عبارة عن "كأس" يستقي منه محمد العلم الإلهي، أي نافورة العلم الإلهي. فلقد حاز محمد على العلم الإلهي، فمن كان موصولا بذلك الكأس وشرب منه، فهو إذن من الموصولين بربهم، ومن كان شانئ لمحمد، غير راغب بالشرب من ذلك الكأس، فهو لا محالة أبتر.

افتراء خطير جدا من عند أنفسنا: نحن نظن أن ذلك الكوثر هو النعمة المحددة التي طلب الله من نبيه أن يحدث بها:

وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

كما نفتري القول من عند أنفسنا أنه ما أن حاز محمد على تلك النعمة حتى كان قادرا على أن يُذكِّر:

فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) 

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن محمدا كان قادرا على أن يحدث بنعت ربه تلك لأنه قد حاز على الكوثر، فكان قادرا على التذكير، لأن الله هو من نزل الذكر على عبده ليبين لهم ما نزل إليهم من ربهم:

بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)

(دعاء: اللهم أسألك وحدك أن أكون أول من يشرب من ذلك الكأس، فلا يكون أبترا – آمين).

وهنا نتوقف عن قضية مفصلية في التنزيل تعرضنا لها سابقا، ولازلنا نظن أن لها تبعات جمة في التفكير العقائدي المبني على هذا الكتاب العظيم، ألا وهي التمييز بين كل ما أنزل إلى محمد، فنحن نعتقد أن ما أنزل على محمد هو على النحو التالي:

1. الكتاب

2. القرآن

3. الذكر

وهنا يجدر بنا الإشارة إلى أن الكتاب هو ما أنزل على محمد باللغة الإلهية (الوحي). فقام محمد بتفصيل ذلك الكتاب قرآنا عربيا بلسان قومه، ولكن حتى يكون هذا الكتاب وهذا القرآن تبيانا لكل شيء كان لابد من ربط الآيات بعضها ببعض بطريقة محكمة، فكان الذكر. والله هو من يسر الذكر لكل من أراده، فقال تعالى:

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ (17)

فإن أنت كنت من المدكرين، وأردت تبيان أي حقيقة من كتاب الله، فما عليك إلا أن تتبع خيوط الشبكة العنكبوتية في كتاب الله، وذلك بربط الآيات بعضها ببعض، فهذه هي – برأينا - الطريقة المثلى للاستنباط، التي ستبين لك كيف أن هذا القرآن محكم في تفصيله لكل شي:

... مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)

... وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً (12)


مثال: دعنا نطرح التساؤل المبدئي التالي: لماذا لم تتكشف حقائق القرآن الكونية التي تخرجنا من الظلمات إلى النور بعد أكثر من ألف وأربعمائة عام من التنزيل بالرغم أن الله قد بين لنا أنه ما فرط في الكتاب من شيء وبالرغم أن الله قد بين لنا بأن كل شيء مفصل في كتابه تفصيلا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن السبب الذي منعنا من اكتشاف حقائق القرآن العظيمة (كالقضايا الخاصة بالحج التي نتعرض لها في سلسلة مقالاتنا هذه) حتى الساعة لها علاقة مباشرة بالآيات الكريمة التالية:

وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)

فنحن نفهم هذه الآيات على نحو أن الناس قد ضلوا عن الذكر، فلو تتبع الناس الذكر في كتاب الله (كما يجب) لتوصلوا – لا محالة- إلى حقائق عظيمة، ربما يصعب على العقل البشري الحالي أن يتخيلها، فالذين ضلوا عن الذكر هم الذين لم يتخذوا مع الرسول سبيلا (يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا)، وآثروا اتخاذ الخليل الذي أضلهم عن الذكر (يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا)، وهو الذي أضلهم عن الذكر (لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي)، وكان هذا كله يقع في باب خذلان الشيطان لهم (وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا).

ليكون السؤال الآن هو: لماذا ضل الناس عن الذكر؟ وكيف حصل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول بأن الإجابة على هذا التساؤل ربما يمكن استنباطها من الآية الكريمة الأخيرة التي جاءت في هذا السياق القرآني وهي قوله تعالى:

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)
السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: هل هناك أمة على وجه الأرض تحفظ كتابها كما تحفظ هذه الأمة القرآن؟ ألا نجد الأطفال من أبناء المسلمين يحفظون القرآن نصا كاملا من أوله لآخره عن ظهر قلب؟ فهل هناك أمة أخرى تفعل ذلك غير أمة المسلمين؟ ثم، ألا نجد أبناء المسلمين (صغيرهم وكبيرهم، عالمهم ومتعلمهم) يقرؤون كتاب الله ليلا ونهارا؟ ألا نجدهم يستخدمون آيات الكتاب في كل حادثة؟ ألا يقتبسون من القرآن أكثر من أي مصدر آخر للمعلومة؟

منطقنا المفترى: إن كان هذا هو حال أبناء المسلمين مع القرآن، فكيف إذا نجد النبي يشتكي إلى ربه أن قومه قد اتخذوا هذا القرآن مهجورا؟

وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)

السؤال المحوري: هل فعلا هجر قوم الرسول محمد القرآن؟

جواب مفترى: نعم، بالرغم من كثرة أبناء المسلمين الذين يحفظون القرآن، وبالرغم من القراءة المتكررة لهذا الكتاب من قبل الغالبية الساحقة من أبناء الإسلام على مر الزمان، إلا أنهم اتخذوا القرآن فعلا مهجورا.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لكي نفهم شكوى الرسول إلى ربه، فعلينا أن ندقق في مفردات الآية الكريمة نفسها، فالآية الكريمة ترشدنا أن الذين هجروا القرآن هم قوم الرسول (إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)، أليس كذلك؟

السؤال: وما الفرق؟

جواب مفترى: دعنا إذن نطرح التساؤل التالي: من هم قوم الرسول؟ هل هم من بعث لهم الرسول كما يمكن أن نفهم عند قراءة هذه الآية الكريمة الوهلة الأولى؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، نحن نظن أن علينا التمييز بين قوم الرسول من جهة ومن بعث لهم الرسول من جهة أخرى. فالله قد بعث محمدا للناس كافة، مصداقا لقوله تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)

فمحمد إذن مبعوث من الله للناس كافة، أليس كذلك؟ فمن هم إذا قوم الرسول الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا؟

جواب مفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن قوم الرسول هم فقط من كان الرسول يتحدث بلسانهم، مصداقا لقوله تعالى:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)

لتكون النتيجة المفتراة الخطيرة جدا جدا التي سيكون لها تبعات جمة (إن صحت) هي أن الذين هجروا القرآن هم قوم الرسول فقط، أي من كان الرسول محمد يتحدث بلسانهم، أي الأعراب، وليس كل من بعث لهم الرسول.

فالحال التي نحن عليها من هجران للقرآن هي بسبب الأعراب الذين هجروا هذا القرآن، وهم قوم الرسول محمد، فما دام هذا القرآن حبيس سجن الأعراب، ومادام أن الأعراب هم وكلوا أنفسهم مهمة فهم هذا الكتاب ثم تصدير أفهامهم إلى الأمم الأخرى، فسيبقى القرآن مهجورا، لا ينفذ نوره إلى البشرية كلها، لأن من أهم سمات الأعراب هي أنهم الأجدر بأن لا يعلموا حدود ما أنزل الله:

الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97)
نصيحة سريعة: نحن نسدي النصيحة لأنفسنا أولا ولكل من يشاركنا الرأي ثانيا أن نجهد أنفسنا في إخراج هذا القرآن من بين أيدي الأعراب، فمتى خرج هذا القرآن من حبسه (العربي)، فإن العقول البشرية الأخرى قادرة على تدبره بالطريقة الصحيحة، لأنها ستكون قادرة على اتباع الذكر فيه، فهم من سيستطيعون ربط آيات الكتاب الحكيم بعضها ببعض لاستنباط الأحكام التشريعية الصحيحة والحقائق الكونية التي ستملأ الأرض نورا. وحينها فقط (نحن نرى) سيأتي تأويله، وسيقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (53)

عودة على بدء: تساؤلات

- كيف يمكن أن نستنبط الغاية الصحيحة من مناسك الحج التي تعرضنا لها كقضية النظر في ملكوت السماوات والأرض مثلا؟

- وكيف يمكن أن نستنبط الغايات الحقيقة من كل العبادات الأخرى؟

- وكيف يمكن أن نتوصل إلى الحقائق الكونية التي سبقتنا إليها الأمم الأخرى؟

- الخ.

جواب مفترى من عند أنفسنا: ربما أتجرأ على الاعتقاد الجازم بأن قلة من الأعراب يستطيعون ذلك، ولكن الجهد الأكبر يقع على عاتق العالمين جميعا.

(دعاء: اللهم ربنا فاطر السموات والأرض، أعوذ بك أن أكون ممن اتخذوا هذا القرآن مهجورا، أدعوك وحدك أن أكون أول العالمين بتأويل هذا الكتاب، إنك أنت العليم الحكيم – آمين.

وللحديث بإذن الله بقية

(دعاء: فالله وحده أدعوه أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقول عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو السميع العليم – آمين)

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح 14 كانون أول 2016