تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يونس - الجزء الثامن

قصة يونس – الجزء الثامن

أنهينا الجزء السابق من هذه المقالة بافترائنا الخاص بتسمية يونس بذي النون، فظننا أن الرجل كان عنده الحكم بواحدة من آيات الله المحكمات التي لم يصبر لها وهي آية ن ۚ التي وردت في بداية سورة القلم في قوله تعالى:

ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)

فكان الرجل يسمى بذي النون لحيازته على حكم ن ۚ، فأصبح الظن عندنا أميل إلى القول بأن الرجل كان على علم علّمه الله إياه من لدنه، ويمكن تشبيه ذلك مبدئيا بما كان عند صاحب موسى الذي جاء موسى يطلب صحبته بعد أن وجد موسى أن هذا الرجل قد آتاه الله رحمة من عنده وعلّمه من لدنه علما:

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)

قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66)

فكان صاحب موسى هذا ممن علّمه الله علما عظيما، فصبر له، إلا أن موسى نفسه لم يكن ليصبر مع الرجل كما جاء على لسان الرجل نفسه موجها خطابه لموسى أكثر من مرة:

قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67)

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72)

قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75)

ولو حاولنا عقد مقارنة بين الحالتين، لوجدنا أن ما كان يملكه هذا الرجل (أي صاحب موسى) من العلم كان (نحن نفتري القول) علما عظيما، لدرجة أن رسولا من أولي العزم من الرسل كموسى (وهو من كلّمه الله تكليما) لم يكن ليستطيع أن يصبر مع الرجل على ذلك، لتكون النتيجة التي نحاول الوصول إليه أن ذلك علم عظيم لا يقوى عليه إلا من نفذت مشيئة الله له بذلك. فبالرغم أن موسى قد قطع الوعد على نفسه بالصبر:

قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا

إلا أن النتيجة كانت تتمثل بعدم نفاذ مشيئة الله لموسى بالصبر مع الرجل. فكانت النتيجة النهائية طلب الرجل نفسُه من موسى مفارقته:

قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (78)

نتيجة مفتراة: كان يونس رجلا على علم عظيم، وهو في ظننا العلم بواحدة من آيات المحكمات وهي آية ن ۚ
ولو راقبنا النص القرآني الخاص بذي النون جيدا، لوجدنا أن الرجل كان يحمل بالإضافة إلى اسمه ذي النون:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

مسميات أخرى هي يونس كما جاء في الآيات الكريمة التالية:

فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ (98)

وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139)

وصاحب الحوت كما جاء في قوله تعالى:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

لتكون النتائج على النحو التالي:

- كان الرجل يسمى بيونس في قومه، بدليل أن قومه قد نُسبوا إليه بصيغة الإضافة (قَوْمَ يُونُسَ)

- حصل الرجل على علم عظيم من لدن الله، وهو (في ظننا) حكم واحدة من آيات الله المحكمات ن ۚ، فأصبح يتميز عن جميع خلق الله بهذه الصفة، فجاءت الإشارة إليه في النص القرآني على أنه ذو النون:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

ولو تفقدنا الآية نفسها، لوجدنا أن الرجل قد كان يُسمّى بذي النون قبل أن يذهب مغاضبا، فما ذهب مغاضبا إلا بعد أن أصبح ذا النون (وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا).

- عندما ذهب من عند قومه مغاضبا، كان الرجل غير صابر لحكم ربه ذاك:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

- ما أن ذهب ذو النون مغاضبا حتى كان ظنه أنه لن يقدر عليه، ربما (نحن نظن) لما كان يمتلكه من الحكم:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ

وربما سنرى لاحقا (إن أذن الله لنا بشيء من علمه فيها) كيف يمكن مقارنة ظن الرجل هذا (فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ) بما كان من ظن فرعون عندما طلب من هامان أن يبني له صرحا ليبلغ الأسباب فيطلع إلى إله موسى:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

(فالله أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يزدني علما، إنه هو العليم الحكيم)

- ذهب الرجل متوجها إلى البحر، وكان مغاضبا ظانا أن لن يقدر عليه، فالتقمه الحوت هناك، فأصبح يسمى بصاحب الحوت:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

- في تلك الأثناء كان الرجل مكظوما:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ

باب: مكظوم (إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ)

السؤال: لماذا كان الرجل مكظوما؟ وما معنى أن يكون صاحب الحوت مكظوما؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الرجل كان مكظوما لأنه لم يكظم غيظ قلبه:

الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن مفردة مَكْظُومٌ لها علاقة مباشرة عبارة (الْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ).

ونحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه فلا يمكن لمن كان في قلبه غيظ (نحن نفتري القول) أن يشفى صدره منه إلا بالنصر:

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

ولو تفقدنا هذه الآية الكريمة، لوجدنا أنها تصور لنا قتالا بين فئتين (فئة مؤمنة مقابل فئة غير مؤمنة)، وما أن يتم النصر للفئة المؤمنة على الفئة الأخرى حتى يحصل الشفاء لصدور المؤمنين (الفئة الثانية)، وبعد أن يتحقق النصر وشفاء الصدور هناك (فقط) يذهب الله غيظ قلوبهم.

ثانيا، نحن نظن أنه من الجدير بالإشارة إليه في هذا المقام أيضا هو التفريق بين مفردتين قرآنيتين متقاربتين في هذا المجال وهما مفردة مَكْظُومٌ التي وردت في النص القرآني لتصف حالة يونس (صاحب الحوت):

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ

ومفردة كَظِيمٌ التي جاءت لتصف حالة يعقوب مثلا:

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

لنفتري الظن من عند أنفسنا أن الفرق بينهما هو في القدرة على كتم الغيظ أو عدمها. فلو استطاع ذو النون أن يكتم غيظ قلبه لكان (نحن نفتري) كظيما كما في حالة يعقوب:

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

أو كما في حالة من بشر بالأنثى مثلا:

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (58)

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)

فبالرغم من الحزن الذي أصاب يعقوب، إلا أنه تولى عن من حوله (وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ)، ربما حتى لا تظهر عليه علامات الحزن، وعبر عن أسفه على يوسف (وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ)، فابيضت عيناه من شدة ذلك الحزن (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ)، فكان نتيجة ذلك كله أن أصبح الرجل كظيما (فَهُوَ كَظِيمٌ). إن ما يهمنا قوله هنا هو أن يعقوب كان (نحن نتخيل) يحاول جاهدا أن يكظم غيظ قلبه. لذا لا نجد أن يعقوب قد اتخذ أي قرار من شأنه أن يلحق الأذى بمن سبب له هذا الحزن، وهم أبناؤه. فصبر على ما أصابه مما قدمت أيديهم جميعا، فصبر على ما هو فيه من البلاء، وتوجه إلى ربه ليشكو إليه وحده بثه وحزنه:

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86)

وكذلك هي (نحن نظن) حال من بُشِّرَ بالأنثى، فهو يحاول أن يخفي سواد وجهه بالتواري عن القوم (يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ)، وتبقى الحيرة (أي عدم القدرة على اتخاذ قرار واضح) من أهم مميزات كظمه لغيظه أمام الآخرين (أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ)، وتبقى خصومته مع ربه غير بادية. فبالرغم من الأسف الذي في قلبه لما بُشِّرَ به، إلا أنه يحاول ما استطاع إلى ذلك سبيلا أن يبقى ذلك الأسف في داخله فلا يظهره على من حوله، وتبقى مخاصمته لربه غير بادية، فيكون في خصامه غير مبين (وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ). وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق القرآني نفسه مرة أخرى:

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)

أما من بانت خصومته مع ربه، ولم يكتم غيظ قلبه عن من حوله، فهو - في ظننا- مَكْظُومٌ وليس كَظِيمٌ. فصاحب الحوت كان (نحن نتخيل) معلنا خصومته مع ربه صراحة، فهو من كان قد ذهب مغاضبا، وهو من ظن أن لن يقدر عليه:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

وذلك لأن الرجل ربما لم يكن – برأينا- حزنا آسفا، ولكنه – لا شك- كان مغاضبا. فهناك فرق بين من كان في قلبه بث وحزن (كيعقوب) فيحاول أن لا يعلم به إلا ربه ومن كان غضبان. فيعقوب كان في قلبه بث وحزن لا يستطيع أن يشكوه إلا لله:

قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86)

فكان كظيما. وربما كذلك هي حال من بُشّر بالأنثى، فهو لا يستطيع أن يشكو بثه وحزنه إلا لله لأنه يعلم أن من حوله لا يستطيعون أن يساعدوه، وأن الذي يستطيع أن يساعده للخروج من هذا الذي هو فيه هو الله وحده، لذا فإن الخصومة تبقى دفينة (غَيْرُ مُبِينٍ) في القلب يحاول (من كان كظيما) أن يكتمها حتى لا تبد على وجهه، فيعرفها من كان حوله من الناس.

أما من كان مكظوما، فهو – برأينا- الذي كان مغاضبا وليس فقط آسفا، ومادام أنه قد أظهر غضبه ليراه من حوله، فهو إذا لا يشكو بثه وحزنه إلى الله، وإنما قد يشكوه إلى من هم حوله من الناس، ربما ظانا أنه قد يتلقى المساعدة منهم، علّه يجد منهم ما يذهب غيظ قلبه.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الفرق بين مَكْظُومٌ و كَظِيمٌ هو فرق لغوي له دلالات هائلة في النص القرآن

خروج عن النص في استراحة لغوية قصيرة

حاولنا في واحدة من مقالاتنا السابقة التعرض للفرق اللغوي الظاهر بالرفع والنصب لمفردة (وَالصَّابِؤُونَ وَالصَّابِئِينَ) في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

فافترينا الظن من عند أنفسنا أن الفرق بينهما قد لا توضحه لنا قواعد اللغة التقليدية التي ورثناها من عند الآباء والأجداد، وذلك لأنه في كل الحالات السابقة جاءت المفردتان كـ أسم لـ إِنَّ المشددة (كما يرغب النحويون أن يميّزوها عن غيرها)، لذا من المفترض أن تكون منصوبة كما جاءت في الآيات التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

لكن بالرغم من ذلك، فقد جاءت مرفوعة في الآية التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

حينها طرحنا التساؤل المثير التالي: لماذا جاءت مفردة وَالصَّابِؤُونَ مرفوعة في هذه الآية الكريمة بالرغم أنها (من الناحية القواعدية التقليدية) هي اسم لـ إِنَّ المشددة؟ ألم يكن من المفترض (إن صحت قواعد الآباء والأجداد) أن ترد منصوبة كما في الآيتين السابقتين؟

وكان الافتراء الخطير الذي قدمناه حينئذ يتلخص بدعوتنا إلى طرح جملة القواعد التقليدية التي وضعها الآباء والأجداد جانبا عند التعرض للتراكيب القرآنية، لأن تلك القواعد هي - برأينا ربما المغلوط - عبء على النص القرآني. لذا ظننا أن النص القرآني ليس كتاب قواعد من صناعة البشر، ولا يجوز بأي حال من الأحوال (نحن نظن) إخضاع النص القرآني للقواعد التي هي من صناعة البشرية، ومن ثم محاكمته بناء عليها. فالنص القرآني صناعة إلهية تخلو من العيب:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)

بينما القواعد اللغوية ليست أكثر من صناعة بشرية ما أنزل الله بها من سلطان، تندرج في باب المجادلة:

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)

فهناك (نحن نفتري القول) فرق كبير بين أن يكون القرآن هو ما يحكم القواعد (كما يجب أن تكون عليه الحال) أو أن تكون القواعد هي ما تحكم النص القرآني (كما هو سائد عند سادتنا أهل الدراية). إن ما يؤسف له هو أن القواعد (التي هي من صناعة البشر) قد أصبحت على مرِّ الأجيال المتعاقبة تحكم النص القرآني. فأصبح التفلت من تلك القواعد أشبه ما يكون بالمستحيل حتى وإن وجد ما يخالفها في النص القرآني. وقد كانت الحيلة التي انطلت على الكثيرين من أبناء العربية وأتباع الديانة الإسلامية هي التخريج لهذه الاختلافات تحت مسميات متعددة كغريب القرآن وغيرها. (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة). والآن انظر عزيزي القارئ – إن شئت- في واحدة من أمهات كتب التفسير عن ما جاء فيها حول حالة الرفع في الآية الكريمة لمفردة:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)
... قال : ومنه قوله تعالى : " إن الذين آمنوا والذين هادوا " , وقرأ أبو السمال : " هادوا " بفتح الدال . " والذين هادوا " معطوف , وكذا " والصابئون " معطوف على المضمر في " هادوا " في قول الكسائي والأخفش . قال النحاس : سمعت الزجاج يقول : وقد ذكر له قول الأخفش والكسائي : هذا خطأ من جهتين ; إحداهما أن المضمر المرفوع يقبح العطف عليه حتى يؤكد . والجهة الأخرى أن المعطوف شريك المعطوف عليه فيصير المعنى أن الصابئين قد دخلوا في اليهودية وهذا محال , وقال الفراء : إنما جاز الرفع في " والصابئون " لأن " إن " ضعيفة فلا تؤثر إلا في الاسم دون الخبر ; و " الذين " هنا لا يتبين فيه الإعراب فجرى على جهة واحدة الأمران , فجاز رفع الصابئين رجوعا إلى أصل الكلام . قال الزجاج : وسبيل ما يتبين فيه الإعراب وما لا يتبين فيه الإعراب واحد , وقال الخليل وسيبويه : الرفع محمول على التقديم والتأخير ; والتقدير : إن الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والصابئون والنصارى كذلك , وأنشد سيبويه وهو نظيره : وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق وقال ضابئ البرجمي : فمن يك أمسى بالمدينة رحله فإني وقيار بها لغريب وقيل : " إن " بمعنى " نعم " فالصابئون مرتفع بالابتداء , وحذف الخبر لدلالة الثاني عليه , فالعطف يكون على هذا التقدير بعد تمام الكلام وانقضاء الاسم والخبر , وقال قيس الرقيات : بكر العواذل في الصبا ح يلمنني وألومهنه ويقلن شيب قد علا ك وقد كبرت فقلت إنه قال الأخفش : ( إنه ) بمعنى ( نعم ) , وهذه ( الهاء ) أدخلت للسكت .
أما نحن، فإننا نطالب بدون تردد بقلب الصورة رأسا على عقب. ليصبح النص القرآن هو ما يحكم تلك المسماة بقواعد اللغة، ولا داع للالتفات بأي وسيلة كانت بغية عدم التخلي عن قواعد من صناعة بشرية لا يوافها النص القرآني بأي حال من الأحوال. لذا يجب أن تخضع كل القواعد البشرية للنص القرآني، فما وافق منها النص القرآني أخذناه وما خالف النص القرآني طرحناه أرضا غير مأسوف عليه. لذا يجب علينا أن نتصف بشيء من المرونة فنترك بعض ما ألفيناه من عند الآباء والأجداد خاصة إذا ما وجدنا الدليل القرآني القاطع الذي يكذّبه. فقد تعلمنا (على سبيل المثال فقط) في مدارسنا أن إِنَّ المشددة (وأخواتها) مثلا تنصب الأول ويسمى اسمها وترفع الثاني ويسمى خبرها، أليس كذلك؟

ولكن إن سلّمنا بصحة هذا القول البشري (ربما كما يفعل غالبية أهل اللغة وكثير من أهل الدين)، ألن تشكل الآية الكريمة التالية (التي هي قيد الدراسة هنا) تحد صارخ لمثل هذه القواعد البشرية (التي نظن – نحن- أنها مغلوطة)؟

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

ليكون السؤال المبدئي الذي لا انفكاك عن طرحه هو: لماذا جاء اسم إن المشددة مرفوعا في هذه الحالة (وَالصَّابِؤُونَ) مقابل أنه جاء منصوبا في الحالات المتطابقة الأخرى (وَالصَّابِئِينَ)؟ وانظر – إن شئت- في قوله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

رأينا: نحن نظن (مفترين القول) من عند أنفسنا أن جملة هذه الآيات الكريمة تكذّب ما وصَلَنا من قواعد بشرية لا تمت – برأينا (ربما المغلوط)- إلى النص القرآني بصلة. لقد كان الأولى بشيخنا (أستاذ اللغة ومقعِّدُها) أن ينظر في مثل هذا الاختلاف في النص القرآني قبل أن ينطلق لسانه بتلك "الجواهر المزيفة" التي انطلى بريقها على الناس قرونا من الزمن.

لسؤال: ما المخرج؟
رأينا: نحن نظن (ربما مخطئين) أن المخرج من ذلك يكمن في الالتزام بالمبادئ الجوهرية الحقيقة التي لا يجوز التفريط فيها، فمثلا نحن نظن (كما يظن كل أهل العلم) أن كل اختلاف في الشكل يجب أن يكون مدفوعا باختلاف في الدلالة، وإلا لأصبح أي اختلاف في اللفظ غير مبرر، وهذا ما لا يمكن قبوله. لذا، لمّا كان كل اختلاف في اللفظ يحمل معه (نحن نؤمن) اختلافا في الدلالة، فإن السؤال الحتمي هنا هو: ما دلالة هذا الاختلاف (وَالصَّابِؤُونَ مقابل وَالصَّابِئِينَ) في هذه الآيات الكريمة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الفرق بين الرفع والنصب تكمن في حالة الموصوف، فهم تارة صابِؤُون وهم تارة أخرى صابِئِين.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا: نحن نفتري القول مبدئيا أن هناك الصَّابِؤُونَ وهناك الصَّابِئِينَ، ولابد أن هناك فرق شاسع بين هؤلاء وأولئك بغض النظر عن وجود أو عدم وجود إِنَّ (سواء كانت مخففة أو مشددة).

السؤال: ما الفرق بين أن تكون من هؤلاء (الصَّابِئِينَ) أو أن تكون من أولئك (الصَّابِؤُونَ)؟

جواب مفترى: نحن نظن أن هناك نوعان من الذين صبأ- وا:

- فهناك من صبأ اختيارا من نفسه
- وهناك من صبأ إتباعا لغيره

والمنطق نفسه ينطبق (نحن نظن) على اللذين آمنوا والذين هادوا والنصارى. فهناك من آمن بقرار شخصي وهناك من آمن بقرار غير شخصي، وكذلك هناك من هاد بقرار شخصي وهناك من هاد (أي أصبح من الذين هادوا) بقرار غير شخصي، وهناك من تنصّر (أي أصبح من النصارى) بقرار شخصي وهناك من تنصّر بقرار غير شخصي. ولتوضيح الفكرة، دعنا نطلب من القارئ الكريم أن يتخيل - مثلا- الفرق بين إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من صحابة النبي الكريم وإيماننا نحن من وجدنا أنفسنا مؤمنين دون قرار فعلّي من أنفسنا. ليكون السؤال هو: ما الفرق بين إيمان أبي بكر وإيماني أنا مثلا؟

رأينا: نحن نظن أن أبا بكر قد آمن بمحض اختيار تام من تلقاء نفسه، فهو من اختار طواعية من تلقاء نفسه ترك دين آباءه وأجداده وآثر أن يتبع الرسول الذي بعث فيهم، فهو إذن من طرح دين آباءه وأجداده وراء ظهره وهو من اتخذ القرار الجريء باللحاق بهذا الدين الجديد. لكن – بالمقابل- لم يكن إيماني (أنا) بنفس الطريقة والمنهج. فما آمنت أنا (بذاك الرسول الذي بعث فينا) إلاّ لأني وجدت آبائي على هذه الأمة. وفي نهاية المطاف كنا جميعا (أبو بكر وأنا وأنت) من الذين آمنوا. لكن هل نحن متساوون في الإيمان؟! من يدري؟!!

والمنطق نفسه ينطبق على إيمان الحواريين مقابل إيمان من جاء بعدهم من النصارى. فالحواريون هم من اتخذ القرار بنصرة الله وإتباع المسيح عيسى بن مريم:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)

لكن - بالمقابل - تنصّر من جاء بعدهم فقط لأنهم وجدوا آباءهم على تلك الأمة (النصرانية)، وهكذا.

لتكون النتيجة التي نحاول جاهدين أن نصل إليها هي على النحو التالي: من اتخذ قراره بنفسه فهو يتمتع بحالة الفاعل المبادر بالفعل، أي الرفع: الصَّابِؤُونَ، وهو ما يسمى باللسان الأعجمي (the agent or the doer of the action)، أما من وجد نفسه تابعا من سبقه في قراره فهو يتمتع بحالة المفعول (أو الفاعل المتلقي للفعل أو ما يسمى باللسان الأعجمي بـ the recipient of the action)، لذا فهو يحمل علامة النصب: الصَّابِئِينَ. بغض النظر عن الأداة التي سبقته حتى وإن كانت إِنَّ المشددة التي تنصب الأول وترفع الثاني كما ظن أهل الدراية من قبلنا. والأمثلة التي تكذب دعوى أهل اللغة وافرة في كتاب الله. وانظر – إن شئت- في قوله تعالى:

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)

وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52)

فأي نصب وأي رفع يمكن (نحن نسأل) أن يصمد أمام هذه الآيات القرآنية التي تكذِّب دعوى كل أهل اللغة؟ من يدري؟!!
والآن دعنا نعود إلى الآيات الكريمة السابقة لنرى تداعيات هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا وكيف يمكن أن يختلف الفهم لكل حالة من الحالات الإعرابية (كالرفع أو النصب)، ولنبدأ بحالة الرفع في الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

افتراء خطير جدا: نحن نفتري الظن بأن هذه الآية الكريمة تتحدث عن أولئك الفئة من الناس الذين اتخذوا قرارهم بأن يكونوا من "الذين آمنوا أو الذين هادوا أو النصارى أو الصابئون" بأنفسهم، فهم اللذين التحقوا بالركب ولم يكونوا أصلا منه من ذي قبل، وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري الظن أنهم هم اللذين بادروا بفعل الإيمان بقرار شخصي منهم. فالذين آمنوا (في هذه الآية الكريمة) لم يكونوا مؤمنين ثم ما لبثوا أن تحولوا إلى الإيمان بقرار من أنفسهم (كأبي بكر وعمر وعلي وغيرهم من أصحاب محمد)، وكذلك الذين هادوا، وكذلك النصارى (كالحواريين)، وكذلك (نحن نفتري القول) كان الصابئون.

أما الآيات الكريمة التالية التي جاءت بحالة النصب:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

فهي تتحدث – برأينا- عن الذين آمنوا لأنهم وجدوا آباءهم قد التحقوا بركب الإيمان (من مثلنا)، فما كان إيمانهم نتاج قرار خالص من أنفسهم، وكذلك اللذين هادوا وكذلك الصَّابِئِينَ وكذلك النصارى.

ولو حاولنا تدبّر القرآن الكريم لوجدنا فيه عشرات (بل مئات) الأمثلة على مثل ذلك الاختلاف الظاهري الذي يحمل في ثناياه برأينا معاني ودلالات عظيمة. ولتوضيح الفكرة لأهميتها من الناحية التطبيقية، فإننا سنجلب المثال المثير التالي الذي (نحن نظن) يمكن أن ينطبق عليه المنطق نفسه، فهناك اختلاف ظاهر (يستحيل التحايل عليه) في الآية الكريمة التالية:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

فلو راقبنا العطف في هذه الآية الكريمة جيدا، لوجدنا على الفور أن حالة الرفع هي المسيطرة على المعطوف والمعطوف عليه باستثناء حالة واحدة وهي (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ)، فبالرغم أن كل ما سبقها كان مرفوعا (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا) وأن كل ما لحقها كان مرفوعا أيضا (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) بقيت هي بنفسها منصوبة متوسطة ذلك السياق القرآني. فـ لا يستطيع سادتنا العلماء الملتزمون بقواعد الآباء والأجداد (نحن نظن) الخروج من مثل هذا المأزق متعذرين بقضية الاستئناف (التي غالبا ما أقحموها في مثل هذه المواقف)، فالسؤال الذي يجب أن يطرح فورا هو: لماذا؟ أي لماذا جاءت (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ) منصوبة بالرغم أنها سُبقت بحالة الرفع وأُتبعت بحالة الرفع أيضا؟

جواب: دعنا نبدأ بما وصلنا من عند سادتنا أهل الدرية كما نقله لنا أهل الرواية في تفسير القرطبي مثلا:

والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما

" والمقيمين الصلاة " وقرأ الحسن ومالك بن دينار وجماعة : " والمقيمون " على العطف , وكذا هو في حرف عبد الله , وأما حرف أبي فهو فيه " والمقيمين " كما في المصاحف . واختلف في نصبه على أقوال ستة ; أصحها قول سيبويه بأنه نصب على المدح ; أي وأعني المقيمين ; قال سيبويه : هذا باب ما ينتصب على التعظيم ; ومن ذلك " والمقيمين الصلاة " وأنشد : وكل قوم أطاعوا أمر سيدهم إلا نميرا أطاعت أمر غاويها ويروى ( أمر مرشدهم ) . الظاعنين ولما يظعنوا أحدا والقائلون لمن دار نخليها وأنشد : لا يبعدن قومي الذين هم سم العداة وآفة الجزر النازلين بكل معترك والطيبون معاقد الأزر قال النحاس : وهذا أصح ما قيل في " المقيمين " . وقال الكسائي : " والمقيمين " معطوف على " ما " . قال النحاس قال الأخفش : وهذا بعيد ; لأن المعنى يكون ويؤمنون بالمقيمين . وحكى محمد بن جرير أنه قيل له : إن المقيمين ههنا الملائكة عليهم السلام ; لدوامهم على الصلاة والتسبيح والاستغفار , واختار هذا القول , وحكى أن النصب على المدح بعيد ; لأن المدح إنما يأتي بعد تمام الخبر , وخبر الراسخين في " أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما " فلا ينتصب " المقيمين " على المدح . قال النحاس : ومذهب سيبويه في قوله : " والمؤتون " رفع بالابتداء . وقال غيره : هو مرفوع على إضمار مبتدإ ; أي هم المؤتون الزكاة . وقيل : " والمقيمين " عطف على الكاف التي في " قبلك " . أي من قبلك ومن قبل المقيمين . وقيل : " المقيمين " عطف على الكاف التي في " إليك " . وقيل : هو عطف على الهاء والميم , أي منهم ومن المقيمين ; وهذه الأجوبة الثلاثة لا تجوز ; لأن فيها عطف مظهر على مضمر مخفوض . والجواب السادس : ما روي أن عائشة رضي الله عنها سئلت عن هذه الآية وعن قوله : " إن هذان لساحران " [ طه : 63 ] , وقوله : " والصابئون " في [ المائدة : 69 ] , فقالت للسائل : يا ابن أخي الكتاب أخطئوا . وقال أبان بن عثمان : كان الكاتب يملى عليه فيكتب فكتب " لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون " ثم قال له : ما أكتب ؟ فقيل له : اكتب " والمقيمين الصلاة " فمن ثم وقع هذا . قال القشيري : وهذا المسلك باطل ; لأن الذين جمعوا الكتاب كانوا قدوة في اللغة , فلا يظن بهم أنهم يدرجون في القرآن ما لم ينزل . وأصح هذه الأقوال قول سيبويه وهو قول الخليل , وقول الكسائي هو اختيار القفال والطبري , والله أعلم

دقق عزيزي القارئ فيما وصلنا من هذا العلم العظيم من جهابذة أهل الدراية، والأهم بالنسبة لنا هو ملاحظة كيف أن هذه التخريصات– نحن نظن- تربك أكثر مما توضح، فهناك ستة أقوال مختلفة في القضية، ولو أن المقام هو مجال تفنيدها لكتبت في ذلك عشرات الصفحات التي تكذب دعواهم جميعا، لكن المقام يلزمنا التنبيه فقط لأشد خطورة على الإطلاق وهو الجواب السادس (انظر ما وضعنا تحته خط في الاقتباس السابق)، ألا وهو هذا الكذب المفضوح على لسان من روى عن السيدة عائشة في هذا السياق، والذي نعتقد جازمين بأنه - كما روي عنها - ليس إلا زورا وبهتانا. فالسيدة عائشة – في روايتهم هذه- تقول بأن هذه الاختلافات هي من أخطاء الكُتاب (فقالت للسائل : يا ابن أخي الكتاب أخطئوا). لاحظ عزيزي القارئ هذا القول المزعوم جيدا، وتفكر جيدا فيما يمكن أن تؤول إليه الأمور إن صحّت مثل هذه الرواية التي نظن أنها مكذوبة عن السيدة عائشة.

السؤال الذي لا نتردد أن نثيره طالبين الرد من عند أهل العلم (المؤمنون بما في بطون كتبهم العتيقة): هل فعلا أخطأ الكتاب في رسم مفردات الوحي؟ وإذا كان كذلك، فأين بقيت الأخطاء إذن (يا أهل العلم)؟ نحن نصيح بأعلى صوتنا.

السؤال المقابل: إذا كنت تكذب هذه الروايات – يتساءل صاحبنا- فكيف يمكن أن تخرّج لنا هذا الاختلاف الشكلي في مفردة وَالْمُقِيمِينَ التي سبقت بمرفوع ولحقت بمرفوع في الآية الكريمة قيد البحث؟

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

وهل عندك رأي سابع يخالف أجوبة أهل العلم الستة التي وردت في ذلك التفسير مثلا؟ لازال صاحبنا يسأل.

منطقنا المفترى من عند أنفسنا: لو رجعنا إلى قواعد اللغة التقليدية، لوجدنا عند أهل الدراية ما يشبه التحايل على الذات (أي الضحك على الذقون)، لأنه لم يجد – نحن نظن- من وضع مثل تلك القواعد "العقيمة" بدّا إلا أن يتحدث هنا وهناك عن بعض الاستثناءات لتلك القواعد التي خطها بيمينه، خاصة عندما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع مثل هذه النصوص القرآنية التي تكذّب دعواه بشكل لا يمكن السكوت عنه. لكن كان مما يؤسف له حقا هو أنه بدل أن يتخلى عن القواعد التي خطها بيمينه ويحاول أن يبحث من جديد عن قواعد جديدة لا تتعارض مع صريح اللفظ القرآني، أخذته (نحن نفتري القول) العزة بالإثم عندما صدّق بصحة القواعد التي كتبها، فحلف برأس أبيه أن لا يتركها، ولكنّه حاول – في الوقت ذاته- التحايل على نفسه عندما أصبحت كتبه التي سطر فيها تلك القواعد المكذوبة حبلى بالاستثناءات التي يصعب أن تحصى لكثرتها، فانطلقت ألسنتهم بقواعد "ذهنية" تكذّب قواعدهم اللغوية الفاشلة من مثل: لكل قاعدة استثناء، ويحق للشاعر ما لا يحق لغيره، وهكذا.

على أي حال، أنا لا أريد الدخول في جدلية كهذه هنا، فجل ما أجهد نفسي في الوصول إليه هو محاولة تقديم رأيي المفترى من عند نفسي الخاص بمثل هذه الاختلافات الظاهرة في هذه الآية الكريمة مثلا، ثم أترك للقارئ الكريم مهمة المقارنة بين ما نفتريه نحن من عند أنفسنا من جهة وما وجده من "العلم العظيم" من عند الآباء والأجداد في بطون أمهات كتب التفسير من جهة أخرى، ليكون الحكم الفصل بيننا هو سؤال واحد: لماذا جاءت حالة (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ) منصوبة في وسط الحالات المرفوعة كما هو واضح من صريح اللفظ القرآني؟

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

رأينا المفترى: بداية، نحن نظن أن الرسوخ بالعلم لا يتم إلا بقرار من الشخص نفسه، وكذلك هو الأيمان، وكذلك إيتاء الزكاة. لكن إقامة الصلاة – على وجه التحديد- قد لا تكون بقرار محض من الشخص نفسه. فمن المفروض على الشخص أن يقيم الصلاة شاء أم أبى، فأنت لا تستطيع (كمسلم) أن لا تقيم الصلاة لأن الصلاة - كما نص عليها القرآن- كانت على المؤمنين كتابا موقوتا:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)

السؤال: كيف كانت الصلاة على المؤمنين كتابا موقوتا؟ وما علاقة هذا بالحركة الإعرابية لمفردة وَالْمُقِيمِينَ التي نحاول أن نجد لها تخريجا منطقيا هنا؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن أن كل شخص مطلوب منه إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، أليس كذلك؟ ولكن هناك أمر يدعو للحيرة في هذا الفعل وهو أن الشارع الكريم قد طلب منا إظهار فعل إقامة الصلاة على الملأ. فلو تأملنا هذه العبادة على وجه التحديد جيدا، لوجدنا على الفور أنها فعل تعبدي مطلوب منا أن نبديه على الملأ ليرى ذلك كل من حولنا بأم أعينهم. فإبداء الصلاة (على وجه التحديد) خير من إخفائها على عكس جميع الأعمال التعبدية الأخرى. فصلاة الرجل في المسجد مثلا خير من صلاته في بيته، وصلاة الرجل في المسجد الجامع خير له من صلاته في مصلى حارته، وصلاة الرجل في المسجد الأقصى خير من صلاة الرجل في مسجد مدينته، وصلاة الرجل في المسجد النبوي خير له من صلاته في مساجد بلده كلها، وصلاة الرجل في المسجد الحرام خير له من صلاته في أي مكان آخر على وجه الأرض.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك يكمن في كثرة الشهود وتنوعهم. فكلما كان الشهود على صلاتك أكثر كلما كان أفضل، وكلما تنوع الشهود كان الأجر أكبر. فأكبر تجمع على الأرض وأكبر تنوع في المجتمعين من المؤمنين يكون في البيت الحرام، لذا فإن الصلاة فيه لا تساويها صلاة في غيره. لذا نحن نتجرأ على تقديم الافتراء التالي: أن الأجر في الصلاة مرتبط بعدد وبنوعية الشاهدين عليها.

كما لا يفوتنا التنبيه هنا إلى أن هذا الظن (ربما) هو ما يجعل الصلاة – على وجه التحديد- كبيرة إلا على الخاشعين، كما جاء في الآية الكريمة التالية:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

ليكون السؤال هو: لماذا الصلاة - على وجه التحديد- كبيرة إلا على الخاشعين؟ أليست هي دقائق معدودة؟ هل الصلاة أكبر من الزكاة أو من الصوم أو الحج، وهكذا؟

جواب مفترى: نعم، هي أكبر من ذلك كله، لأن الصلاة هي كتاب موقوت. انتهى.

السؤال: كيف يمكن فهم ذلك؟

رأينا: لما كان فعل الصلاة يجب أن يبدى للجميع، فإن من الأفضل أن يُصلي الإنسان أمام الناس، وكلما كان الجمع أكبر (كما زعمنا) كان الأجر أعظم، وذلك لأن الشهود أكثر.

افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن الشارع قد طلب منا أن نبدي الصلاة حتى يشهدها الناس من حولنا، فأنت تستطيع أن تشهد لمن حولك بالصلاة لكنك لا تستطيع أن تشهد له بإيتاء الزكاة أو بالصيام أو بغيرها.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن الإنسان يستطيع أن يخدع كل من حوله بهذه الأعمال كمّا ونوعا. فأنت لا تستطيع أن تتحقق بأن الشخص (أي شخص) قد قام بإيتاء الزكاة بالكمية المترتبة عليه فعلا، أو أنه قد قام بتوزيعها كما يجب، فذاك فعل متروك لضمائر العباد أنفسهم. أما في حالة الصلاة فإنها (نحن نظن) بمثابة الإقامة الجبرية المفروضة على الإنسان. فأنت مطلوب منك أن تحضر بنفسك لتوقع على السجل خمس مرات في اليوم والليلة، لا بل مطلوب منك أن تسلّم كتابك بنفسك خمس مرات في اليوم والليلة (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا). فالمحافظ على الصلاة مطلوب منه أداءها في أوقات محددة من اليوم والليلة لا يستطيع أن يترك شيئا منها. ويمكن تشبيه ذلك بمن حَكمتْ عليه المحكمة بالإقامة الجبرية، فأصبح مطلوب منه – مثلا- أن يحضر إلى المركز الأمني ليثبت وجوده في الصباح والمساء. فبالرغم أن الفعل قد لا يتطلب أكثر من دقائق معدودة إلا أن الشخص يتضايق ويتثاقل من ذلك كثيرا، لأنها تصبح مقيّدة لحيرته الشخصية.

وكذلك هي الصلاة، تصبح كبيرة إلا على الخاشعين، لأنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، فلابد حتى لمن ترك فرضا واحدا من الصلاة أن يقضيه إن فاته وقت الصلاة متى ما ذكره على الفور. لذا تصبح الصلاة (بهذا المفهوم المفترى من عند أنفسنا) عبئا ثقيلا، فكانت فعلا كبيرة إلا على الخاشعين. فلا يستطيع الإنسان أن يترك كل ما بيده على الفور ويتفرغ لأداء الصلاة في وقتها (خمس مرات في اليوم والليلة) إلا من كان من الخاشعين:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

نتيجة مفتراة 1: كلما أُظهرت الصلاة أكثر (كالصلاة في المسجد مثلا)، كان الأجر (نحن نظن) أكبر

نتيجة مفتراة 2: كلما أخفيت الأعمال الأخرى (كالصدقة والإيمان وغيرها) كان الأجر (نحن نظن) أكبر.

فإخفاء الصدقات خير من إبدائها بصريح اللفظ القرآني:

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

لذا، تنقسم جميع الأعمال التي يقوم بها المؤمن إلى قسمين: قسم يستحسن فيه الإظهار وهي الصلاة فقط وقسم آخر يفضل فيه الإخفاء وهي جميع الأعمال الأخرى. فلا أحد يستطيع أن يقرر أنك صائم أو أنك ليست صائما (حتى في شهر رمضان) إلا أنت. فيكفي أن تشهد لنفسك بالصيام. وهكذا هي الزكاة، فلا أحد يستطيع أن يقرر مقدار الزكاة التي يجب أن تخرجها من مالك وكيفية توزيعها على المستحقين إلا أنت بنفسك، وذلك لأن لا أحد يعلم مقدار ما لديك من ثروة مستحق الزكاة فيها إلا أنت نفسك. لذا تستطيع أن تتحايل كما تشاء. وهكذا هو الإيمان، فقد تظهر لمن حولك من الإيمان ما تشاء، لكن الله وحده هو من يعرف حقيقة ما أظهرت وما أخفيت من إيمان:

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25) وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

وكذلك هي كل الشعائر الأخرى:

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

أما الصلاة، فالأمر فيها مختلف بشكل جذري، فأنت لا تستطيع أن تتحايل في تأديتها لأن الشهود عليك من حولك كثيرون:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

فالإنسان مجبور على فعل إقامة الصلاة حتى وإن كان غير راغب فيها، لذا مطلوب منه (لا بل مفروض عليه) أن يصلي شاء أو أبى، وإن ظهر لمن حوله أنه تارك للصلاة (حتى وإن كان غير راغب بها) لزم على كل من حوله أن يسأله وأن يحاسبه عليها. وهذا لا ينطبق في الأفعال الأخرى التي من المفترض بالمؤمن أن يؤديها. فحتى فريضة الحج فهي ملزمة فقط لمن استطاع إلى ذلك سبيلا:

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

لكن يبقى السؤال: من يملك أن يقرر أنك تستطيع الحج أو لا تستطيعه؟ لذا يستطيع من كان غير راغب في الحج أن يتعذر بعدم الاستطاعة، وحينها لا يكون لأحد الحق أن يتدخل بالأمر مادام أن الشخص نفسه قد قرر بنفسه عدم استطاعته الحج.

لتكون النتيجة الخطيرة المفتراة من عند أنفسنا على النحو التالي:

- الذي يرسخ بالعلم لا يمكن أن يرسخ فيه وهو غير راغب به (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ)

- الذي يؤمن بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله لا يمكن أن يؤمن وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)

- الذي يؤتي الزكاة لا يمكن أن يؤتيها وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)

- الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يمكن أن يؤمن وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)

- لكن، الذي يقيم الصلاة قد يقيمها وهو غير راغب فيها، مجبور عليها (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ)

والآن لاحظ – عزيزي القارئ- كيف اختلفت الحركة الإعرابية للمقيمين الصلاة – على وجه التحديد- في الآية الكريمة قيد الدراسة:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

نتيجة مفتراة 1: لمّا كانت الصلاة على المؤمنين كتابا موقوتا، وجب على كل مسلم أن يؤديها في وقتها شاء أم أبى، وللتأكد من ذلك فقد طلب الشارع الكريم منه أن يظهرها ليكون الناس من حوله شهداء عليه بأم أعينهم، لذا كان عليه أن يؤديها في وقتها حتى وإن كان غير راغب في ذلك.

نتيجة مفتراة 2: لمّا كانت الأعمال الأخرى مفضل فيها الإخفاء، فإن المراقب الفعلي للإنسان على القيام بها هو الإنسان نفسه، لذا ليس لأحد الحق أن يراقبه فيها أو أن يشكك في قيام الشخص بها أو عدم قيامه بها. فالإنسان نفسه هو المسئول الوحيد عنها مادام أن إخفائها (كالصدقات) أفضل من إظهارها، ومادام أن التعذر عن القيام بها (كالحج مثلا) منوط بالشخص نفسه.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: نحن نظن أن معظم الأعمال (باستثناء الصلاة) مفضل فيها الإخفاء، أما الصلاة فمفضل فيها الإظهار، فتصبح ملزمة للجميع ليكون الجميع شهداء على بعضهم البعض في هذه الجزئية بالذات.

سؤال ربما يدعو للحيرة: إذا كانت عبارة "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ" قد وردت في هذه الآية الكريمة بهذه الصيغة، فهل وردت العبارة نفسها في النص القرآني على مساحته بصيغة الرفع "المقيمون للصلاة" في مواطن أخرى؟

جواب: نحن لم نجدها؟
السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن إقامة الصلاة إجبارية، شاء من شاء وأبى من أبى. فالإنسان غير مرتبط بإرادة الشخص لأنه مطلوب منه إقامة الصلاة حتى وإن كان غير راغب في ذلك

سؤال ربما يدعو للحيرة: إذا كانت عبارة وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ قد وردت في النص القرآني بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (المؤتين الزكاة)؟

جواب: نحن لم نجدها.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن إيتاء الزكاة فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار. فالإنسان نفسه هو الفاعل المبادر فيها

سؤال ربما يدعو إلى الحيرة: إذا كانت عبارة (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) قد وردت بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (الراسخين في العلم)؟

جواب: نحن لم نجدها.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن الرسوخ في العلم هو فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار.

سؤال ربنا يدعو إلى الحيرة: إذا كانت عبارة (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قد وردت بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (المؤمنين بالله)؟

جواب: نحن لم نجدها

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن الإيمان بالله (وليس الإيمان المطلق) هو فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار. لتكون الصورة الآن – في ظننا- على النحو التالي:
وردت في النص القرآني بصيغة الرفع لم ترد في النص القرآني بصيغة النصب
الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
الْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ
الْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ

وردت في النص القرآني بصيغة النصب لم ترد في النص القرآني بصيغة الرفع
الْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ

السؤال الكبير: هل جاء هذا من قبيل المصادفة؟

جواب: من يدري؟!! اسألوا أهل العربية ومقعّدوها.

عودة على بدء: مكظوم وكظيم

نحن نظن أن واحدة من أهم الفروقات بين الواو(كـ مكظوم) والياء (كـ كظيم) هي حالة الرفع والنصب. فلو لاحظنا الآيات التي وردت فيها مفردة كظيم كما في حالة يعقوب:

وَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

أو كما في حالة من بشر بالأنثى مثلا:

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (58)

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَٰنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18)

لوجدنا أن الشخص لم يكن ليستطيع غير ذلك، فالقرار ليس قراره، وهو مسلوب الإرادة فيما وجد نفسه فيه، فيعقوب وجد نفسه في موقف لا يستطيع أن يعمل شيئا بحق من هم حوله، وهم اللذين كانوا (ربما) سببا في حزنه، فكتم غيظ قلبه، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يفعل بأبنائه شيئا يذهب غيظ قلبه. وهكذا هي حال من بشّر بالأنثى، فهو يقف في حيرة من أمره يصعب عليه اتخاذ قرار واضح فيما يفعل، فظل وجهه مسودا وهو كظيم، فأخذ يتوارى من القوم من سوء ما بشر به، ولكنه لا يستطيع أن يقرر ما يفعله بتلك الأنثى التي بشر بها:

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (58)

ولو كان هؤلاء أصحاب قرار فيما حل فيهم، ولو كانوا يستطيعون أن يفعلوا ما يحلو لهم بما هم من حولهم لما كان أي منهم كظيما، ولأصبح (نحن نفتري الظن) مكظوما، كصاحب الحوت الذي نادى وهو مكظوم.

نتيجة مفتراة: كان صاحب الحوت في تلك الحالة (وَهُوَ مَكْظُومٌ)، أي لم يكظم غيظ قلبه بالرغم أنه كان يستطيع ذلك، وهناك بالضبط حصل نداءه، فنادى (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)

السؤال الكبير جدا: على من نادى صاحب الحوت عندما كان مكظوما كما جاء في الآية الكريمة التالية؟

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

باب: إِذْ نَادَى

لعل الأغلبية الساحقة ممن يقرءون النص القرآني في هذه الآية الكريمة (سواء العامة أو أهل العلم منهم) ربما يظنون أن صاحب الحوت هنا قد نادى ربه، أليس كذلك؟ وانظر – عزيزي القارئ – إن شئت- في ما جاءنا في واحدة من أمهات كتب التفسير، وهو تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة:


فاصبر لحكم ربك
أي لقضاء ربك . والحكم هنا القضاء . وقيل : فاصبر على ما حكم به عليك ربك من تبليغ الرسالة . وقال ابن بحر : فاصبر لنصر ربك . قال قتادة : أي لا تعجل ولا تغاضب فلا بد من نصرك . وقيل : إنه منسوخ بآية السيف .

ولا تكن كصاحب الحوت

يعني يونس عليه السلام . أي لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة . وقال قتادة : إن الله تعالى يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر ولا يعجل كما عجل صاحب الحوت ; وقد مضى خبره في سورة " يونس , والأنبياء , والصافات " والفرق بين إضافة ذي وصاحب في سورة " يونس " فلا معنى للإعادة .

إذ نادى

أي حين دعا في بطن الحوت فقال : " لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " [الأنبياء : 87 ] .

وهو مكظوم

أي مملوء غما . وقيل : كربا . الأول قول ابن عباس ومجاهد . والثاني قول عطاء وأبي مالك . قال الماوردي : والفرق بينهما أن الغم في القلب , والكرب في الأنفاس . وقيل : مكظوم محبوس . والكظم الحبس ; ومنه قولهم : فلان كظم غيظه , أي حبس غضبه ; قاله ابن بحر . وقيل : إنه المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس ; قاله المبرد . وقد مضى هذا وغيره في " يوسف " .

انتهى
السؤال القوي: هل كان صاحب الحوت مناديا ربه عندما نادى وهو مكظوم؟

رأينا المفترى والخطير جدا جدا: كلا وألف كلا. نحن نظن أن علينا التفريق بين نداء يونس وهو مكظوم كما جاء في الآية الكريمة التالية:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

ونداءه كما جاء في الآية الكريمة التالية:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

لتكون الصورة في ذهننا على النحو التالي: أطلق يونس نداء- ين اثنين. كان أحدهما وهو مكظوم (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ)، وكان الآخر في الظلمات (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ).

السؤال: ما الفرق بين النداءين؟

افتراء خطير جدا 1: نحن نظن أن يونس عندما نادى وهو مكظوم كان ينادي بمن حوله

افتراء خطير جدا 2: نحن نظن أن يونس عندما نادى في الظلمات فقد نادى ربه
الدليل

بداية، لو تفقدنا الآيات الكريمة في سياقها الأوسع لوجدنا أن آية النداء الأول (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ) قد تبعها السياق ليبين لنا أن يونس كاد أن ينبذ بالعراء وهو مذموم، ولم يمنع حصول ذلك إلا أن الله قد تداركه بنعمة منه:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)

ليكون السؤال المطروح هنا: ما قصة أن يكون يونس مذموما؟

أما إذا ما تفقدنا آية النداء الآخر (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، لوجدنا أن هذا النداء على وجه التحديد كان متبوعا بالاستجابة الربانية في الحال:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)

ليكون الافتراء الكبير هو: أن نداء يونس الذي تبعته الاستجابة الربانية هو فقط النداء الذي كان موجها إلى ربه.

ثانيا، أما الدليل اللغوي الذي ربما يصعب المجادلة فيه فيأتي من سياقات النداء الكثيرة في النص القرآني، فدعنا نوردها ثم نتبعها بالتعليق الذي سنفتريه من عندنا:

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ۚ رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193)

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ (58)

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)
وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (52)

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (62)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (74)

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)

وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47)

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (41)

فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29)

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)

فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)

لو تفقدنا صيغة النداء في هذه السياقات القرآنية جميعها لوجدنا أن هناك ثلاثة أركان أساسية وهي:

- المنادي (الفاعل الذي يطلق فعل النداء)
- المنادى (المفعول الذي وجّه إليه النداء فاستقبله)

- فعل النداء

ولو تتبعنا هذه السياقات لوجدنا أن هذه الأركان الثلاثة يجب أن تكون واضحة في السياق ذاته:

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

فالمنادي هنا هو رَبُّكَ والمنادى هو مُوسَى وفعل النداء هو أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

لكن هناك ملاحظات مهمة نظن أن الإشارة إليها ضرورية في هذا السياق.

أولا، أن النداء يجب أن يكون موجها بشكل خاص، فها هم الملائكة تنادي من كان قائما يصلي بالمحراب (زكريا)، لذا نحن نؤمن باستحالة أن يسمع نداء الملائكة هذا شخص آخر غير زكريا نفسه لأن النداء موجه لـ زكريا فقط:

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

السؤال المثير: هل يمكن أن يكون أحد غير زكريا قد سمع نداء الملائكة هذا؟ من يدري؟!

والمنطق نفسه ينطبق على النداء الإلهي لمن أكل من الشجرة (آدم وزوجه):

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)

السؤال المثير: إذا كان نداء الرب هذا موجها لآدم وزوجه (وَنَادَاهُمَا)، فهل يمكن أن يكون أحد غيرهما قد سمع نداء الله هذا لهما؟ من يدري؟!

وهكذا هو نداء أصحاب الجنة موجها لأصحاب النار:

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

وهكذا هو نداء أصحابُ الأعراف أصحابَ الجنة:

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)

وهكذا هو نداء أصحابُ النار أصحابَ الجنة؟

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

وهذا نوح يوجه نداءه لأبنه، فما سمع نداء نوح هذا من البشر أحد غير ابنه:

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)

وها هو نوح هنا يوجه نداءه لربه فقط:

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

وها هو زكريا يوجه نداء خفيا لربه:

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)

وها هو النداء يأتي مريم من المنادي من تحتها:

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)

وهذا النداء ينطلق إلى موسى من جانب الطور:

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

وكذلك فعل أيوب، فخص ربه بنداءه:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)

وكذلك فعل زكريا:

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

وكذلك فعل أيوب:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

السؤال المربك: إذا كان نداء الرسل والأنبياء مثلا موجها لا محالة لله، فلِم يأتي النص القرآني محددا أن النداء لله؟ ألم يكن يكفي أن ترد الصيغة على نحو:

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ ... رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ ... أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

وَنَادَىٰ نُوحٌ ... فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

السؤال: لم جاء النص موضحا المنادى (رَبَّهُ) في كل هذه الحالات؟ ألا ترى عزيزي القارئ أن في صياغة الآية الكريمة التالية على حالها بعض من الزيادة اللفظية غير المرغوب بها (لو أننا سلمنا بصحة ما تلقيناه من تعليم في مدارسنا عن الإيجاز في اللفظ)؟

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

فلم تكون الصيغة على نحو (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ)؟ ألم يكن يكفيه أن يقول (إِذْ نَادَىٰ ... رَبِّ لَا تَذَرْنِي) أو أن يقول (إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ... لَا تَذَرْنِي)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه عندما يبيّن النص القرآني أن النداء موجها لشخص بعينه، فهذا يعني أن من سمع النداء هو ذلك الشخص فقط، قارن ما جاء في الآيات التالية:

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

فلو تدبرنا الآية الكريمة الأولى، لوجدنا أن فعل النداء جاء على صيغة المفرد (نَادَى)، وذلك لأن نوح هو من كان ينادي، ولكن الملفت للانتباه أن فعل الاستجابة قد جاء بصيغة الجمع (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)، أليس كذلك؟ ولو دققنا - عزيزي القارئ- في السياق نفسه، لوجدنا أن السياق يخلو من مفردة رَّبَّهُ؟

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن نداء نوح وإن كان موجها لله، إلا أنه لم يكن خاصا بالله وحده مادام أنه قد سمعه آخرون بالإضافة إلى الله

أما بالنسبة لنداء نوح ربه الذي جاء خاصا بابنه (وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) الذي جاء في الآية الأخرى، فقد كان موجها نوحٌ نداءَه لربه وحده، خاصا بربه به، فما سمعه غيره، فكان الجواب مباشرا من الله بصيغة المفرد، فلم يتدخل الآخرون فيه. وانظر – عزيزي القارئ- في الآية نفسها في سياقها الأوسع، لترى بأم عينك كيف جرى الخطاب بين نوح من جهة وربه من جهة أخرى بصيغة المتكلم المفرد:

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)

ثم لاحظ - عزيزي القاري- كيف تغيّر الخطاب بعد ذلك من الفعل المباشر "قَالَ" إلى الفعل غير المباشر قِيلَ في الآية التي تلت هذا السياق عندما انتهى فعل النداء من نوح والاستجابة من ربه:

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

فبعد أن كان الخطاب خاصا، يجري بصيغة المفرد المعلوم (نوح من جهة وربه من جهة أخرى) تحوّل الخطاب على الفور مع نهاية هذا النداء، ليتدخل آخرون في فعل الطلب من نوح (قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ) بالهبوط بسلام (اهْبِطْ بِسَلاَمٍ) بصيغة الجمع (مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ).

ولتأكيد الفكرة، دعنا نعقد مقارنة بين الآيات الكريمة التالية حيث يرد فعل النداء بصيغة الجمع (نَادَيْنَا) موجها إلى مفرد (موسى):

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

مقابل فعل النداء الذي جاء بصيغة المفرد (نَادَى) من رَبُّكَ إلى مُوسَى مباشرة:

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

السؤال: لماذا هذا الاختلاف؟

رأينا: نحن نظن أنه على الرغم أن النداء في جميع هذه الحالات كان موجها لموسى، إلا أن المنادي في الآيات الأولى كان أكثر من شخص (وَنَادَيْنَاهُ)، أما المنادي في الآية الأخرى فهو ربك نفسه (وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ)، ولو حاولنا مقارنة ذلك بما كان لإبراهيم لوجدنا أن الصيغة كانت على الدوام بصيغة الجمع:

وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104)

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن النداء من الله لإبراهيم لم يحصل مباشرة كما حصل في حالة موسى. فبالرغم أنه تم نداء موسى وتم نداء إبراهيم ، إلا أننا نعلم جميعا أن موسى هو الشخص الوحيد الذي حصل كلام مباشر بينه وبين ربه:

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا (164)

عودة على بدء

إذا كان هذا صحيح (كما تظن)، فما الذي نستفيده بخصوص قصة نداء ذي النون؟ يسأل صاحبنا.

رأينا: لقد افترينا الظن بأن ذا النون قد أطلق نداءين:

1. نداء لكل من هم حوله ويمكن لهم أن يلبّوا دعوته، وهذا ما تصوره الآية الكريمة التالية (كما نفهمها) أحسن تصوير:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

ونحن نفتري الظن بأنه لو كان نداء صاحب الحوت هذا موجها لله لجاء على النحو التالي:

فاصبر لحكم ربك ولا تك كصاحب الحوت إذ نادى ربه وهو مكظوم

2. نداء موجها لله لينقذه مما هو فيه من الكرب:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

السؤال: لماذا جاء النداء الآخر لربه بالرغم أن النداء لا يحمل في ثناياه مفردة ربه؟

جواب: نحن نظن أنه بالرغم أن نداء يونس هذا كان موجها إلى ربه بدليل الاستجابة الربانية المباشرة، إلا أن ذا النون كان يقصد أن يسمع نداءه هذا كل من حوله.

لتكون صورة النداء على النحو التالي:

- المنادي يوجه نداء مباشرا إلى المنادي فلا يسمعه غيره كما في الأمثلة التالية، وهنا يجب أن يذكر المنادى صراحة:

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُم بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَىٰ عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ ۚ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50)

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)

وَنَادَىٰ نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا (52)

إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)

فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)

وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)

وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)

وَإِذْ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰ أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (62)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65)

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (74)

وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (75)

وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ ۚ وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ (47)

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ ۖ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ (77)

إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4)

فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29)

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)

فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21)

إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16)

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)

- المنادي يوجه نداء إلى شخص محدد ولكن يريد أن يسمعه الآخرون بالإضافة إلى الشخص المنادى الموجه إليه النداء، فلا يُذكر المنادى صراحة ولكن الرسالة تبين أنه هو المقصود بالنداء كما في الأمثلة التالية:

وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (41)

- المنادي يوجه نداء عاما، فلا يحدد المنادى الذي سيلبى دعوته، ولكنه يظن أنه سيلبيها كل من يسمع نداءه ويكون مقتنعا بها، كما في الأمثلة التالية:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

والآن لو تفقدنا صيغة النداء الأخيرة هذه، وهي (كما نفتريها) صيغة النداء العام، لما وجدنا أنها قد وردت في النص القرآني على مساحته إلا في موقفين اثنين، وهما:

(1) نداء ذي النون عندما نادى وهو مكظوم:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

(2) نداء فرعون عندما حشر فنادى:

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

السؤال: لماذا؟ أي لماذا جاءت صيغة النداء في هذين الموقفين على وجه الخصوص، تخلو من تخصيص للشخص (أو المجوعة) المنادى عليه (أو عليهم)؟ فلماذا لم يذكر النص القرآني من هو المنادى عليه أو من هم المنادى عليهم في حالة صاحب الحوت عندما نادى وهو مكظوم:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

ولماذا (نحن نتساءل) لم يحدد النص القرآني المنادى عليه أو عليهم في حالة فرعون؟

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

منطقنا المفترى: نحن نظن أن النداء في هاتين الحالتين كان نداء عاما، المراد منه أن يسمعه كل من يستطيع تلبيته، وذلك لقناعته به. فعندما يتم المناداة إلى الصلاة، فإن الذي يلبي نداء الصلاة هو من ظن بأنه مشمول بالنداء، وأن عليه واجب تلبية ذلك النداء. فهناك الكثيرون الذين قد يسمعون نداء الصلاة ولكنهم لا يلبوا النداء، بل على العكس فهم قد اتخذوها هزوا ولعبا:

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ (58)

نتيجة مفتراة: عندما ينطلق فعل النداء العام، ولا يخصصّ به شخص بعينه أو مجموعة محددة، فإن تلبية النداء لا تتم إلا من ظن أن النداء موجه له، وأن عليه واجب تلبيته.

السؤال: من اللذين كان من المفترض بهم أن يلبوا نداء ذي النون؟

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

جواب مفترى: أنهم قومه

السؤال: ومن اللذين كان من المفترض بهم أن يلبوا نداء فرعون؟

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

رأينا: أنهم قومه.

السؤال: لماذا؟

رأينا: عندما يصبح الإنسان مكظوما، فإن ذلك لا يحصل إلا عندما يظن الشخص أنه قد تم الاعتداء عليه، وفي هذه الحالة قد يصيب الغيظ قلبه خاصة إذا ما وجد أنه الطرف المعتدى عليه، وعندها قد يظن أن عليه أن يدافع عن نفسه، ولا يمكن أن يشف صدره ويذهب غيظ قلبه إلا بتحقيق النصر على من سبّب له هذا الغيظ. وإذا لم يستطع هذا الشخص أن يكتم غيظ قلبه، فإنه لا شك سينادى بكل من حوله، القادرين على نصرته، المؤمنين بحقه بالدفاع عن نفسه. لينصروه على من ظن أنه قد اعتدى عليه وسبب له الغيظ، كما نفهم ذلك من الآية الكريمة التالية:

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ ۗ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15)

السؤال كيف حصل ذلك في حالة ذي النون؟

للإجابة على هذا التساؤل، دعنا نطرح السؤال نفسه ولكن في حالة فرعون، وذلك لأن السيناريوهات القرآنية بحق فرعون كثيرة: فكيف إذن حصل ذلك في حالة فرعون؟

جواب مفترى: نحن نعتقد أنه ما أن جاء فرعون الرسولان، حتى كانت ردة فعله هي التكذيب، فما كان منه إلا أن يطلق نداءه الأول في قومه، فجاء على الصيغة التالية:

وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)

ولكن ما تمت المواجهة الحقيقية بين الطرفين حتى أظهر فرعون صراحة حنقه من موسى ومن معه، وجاء ذلك واضحا في رسالته التي بعثها في المدائن، طالبا فيها حضور السحرة:

فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53) إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55)

نتيجة مفتراة: في هذه اللحظة (نحن نتخيل) ملأ الغيظ قبل فرعون من دعوة موسى وأخيه هارون

لتتم المواجهة الحقيقية بين الطرفين بعد ذلك، ولو تمت الغلبة للسحرة، لكان في ذلك – لا شك- ذهاب غيظ قلب فرعون. ولكن لما كانت النتيجة عكسية، وتمت هزيمة فرعون ومن معه على الملأ، لم يتبق لفرعون إلا دعوة واحدة وهو أن يحشر فينادى:

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

السؤال: لماذا حشر فنادى؟ وعلى من نادى فرعون؟

رأينا: لو تدبرنا هذه الآية الكريمة جيدا في سياقها الأوسع لوجدنا أنها تصور هزيمة فرعون النهائية بالتدخل الإلهي المباشر:

فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25)

ليكون الافتراء الذي نحاول جاهدين الوصول إليه هو: أن فرعون قد أطلق نداء عاما لنصرته عسكريا ضد موسى ومن معه. وما لبى نداء فرعون هذا إلا من كان مؤمنا بدعوى فرعون.

السؤال: ومن اللذين سيلبون دعوة فرعون هذه؟

رأينا: إنهم المتضررون من انتصار موسى ومن معه؟

السؤال: ومن هم؟

جواب مفترى: إنهم قوم فرعون (وقليل من بني إسرائيل) اللذين ناصروا فرعون بالرغم من ثبات صدق دعوة موسى بالآيات التي قدمها لهم.

السؤال: لماذا لبى غالبية قوم فرعون نداء فرعون هذا؟

رأينا المفترى: إنها العصبية العمياء. إنها دعوى الجاهلية، إنها دعوى نصرة الدم بغض النظر عن السبب.

تخيلات مفتراة: عندما يجد أي شخص نفسه في موقف الضعف، ويجد أنه لا محالة مغلوب على أمره، فإن واحدة من وسائل الدفاع عن النفس تكمن في إطلاق دعوى الجاهلية، لينصره من هم من قومه على عدوه بغض النظر عن سبب الخلاف. فغالبا ما تجد الناس يصطفون في فريقين ليس إتباعا للحق وإنما معاداة للطرف الآخر. فقوم فرعون مثلا اصطفوا في فريق فرعون ليس لأنهم مقتنعون بصدق دعوى فرعون ولكن لأن نصرة فرعون (هم يظنون) واجب عليهم برابط الدم بينهم. فمعاداة بني إسرائيل هي بالنسبة لهم أكثر أهمية من أي سبب آخر حتى وإن كانت دعوة الحق على لسان نبيين كريمين مثل موسى وأخيه هارون.

افتراء خطير جدا: نحن نفتري الظن بأن الآية الكريمة التالية الخاصة بنداء فرعون:

فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23)

تصوّر لنا (كما نفهمها) نداء فرعون للنفير العام ضد موسى ومن معه. ولما لم يحدد فرعون المنادى عليهم، لم يلبى ذلك النداء (نحن نؤمن) إلا من ظن أن من واجبه نصرة فرعون بغض النظر عن السبب الذي خرج من أجله. ونحن نظن أنه لا يلبي مثل هذا النداء العام إلا من كان مؤمنا بدعوى الجاهلية.

السؤال: كيف يمكن أن نتصور ما حصل في حالة صاحب الحوت؟

رأينا: عندما وجد يونس أنه لا يستطيع أن يكظم غيظ قلبه ، ظن أنه لا محالة مغلوب على أمره إن بقي صامتا لا يحرك ساكنا، فأصبح الرجل مكظوما(وَهُوَ مَكْظُومٌ)، ولما وجد نفسه في هذه الحالة، لم يجد بدا من أن ينادى (إِذْ نَادَىٰ). فأطلق نداء عاما عندما كان في تلك الحالة من عدم كظم غيظ قلبه (إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ):

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

متوقعا أن يلبي نداءه هذا كل من يسمعه ويظن أن النداء يعنيه وأن عليه واجب النصرة ، فخرج لينصر يونس نفر من قومه، ليس إيمانا بوجاهة دعوى يونس حينئذ، وإنما من باب النصرة للدم (القوم). فلحق بيونس نفر من قومه، وكان هدفهم مطاردة عدوهم، وهو – كما زعمنا سابقا- ذلك النبي الذي بعث فيهم. وهو ما أثار غضب يونس، فكان مغاضبا عندما ذهب وظن أن لن يقدر عليه:

وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)

فتوجهوا جميعا إلى البحر، فحصلت المواجهة بين يونس ومن معه من جهة ضد خصمهم وهو (نحن نظن) ذلك الرسول ومن آمن بدعوته من جهة أخرى هناك في البحر، ويمكن تشبيه ذلك بالمواجهة التي حصلت بين فرعون وقومه من جهة ضد موسى ومن معه من جهة أخرى.

الدليل

نحن نظن أن الدليل على أن نفرا من قوم يونس قد خرجوا معه لنصرته متوافر في الآية الكريمة التالية:

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) 

السؤال: إذا كان يونس هو من ساهم، فلم لم يكن مدحضا؟ لم لم يأتي النص القرآني على نحو:

         فساهم فكان مدحضا

التساؤل المثير: لم كان من المدحضين؟ فمن هم اللذين دحضوا معه؟ وكم كان عددهم؟ ومن أين جاءوا؟

ثانيا، لو تفقدنا السياق القرآني لوجدنا أنه بالرغم أنه يونس نفسه كان من المدحضين إلا أنه هو الوحيد الذي التقمه الحوت. وانظر -عزيزي القارئ – إن شئت- في النص القرآني في سياقه الأوسع:

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142)

نتيجة مفتراة: كان هناك مدحوضين كثير، ولكن كان من بينهم جميعا شخص واحد هو من التقمه الحوت، وهو نفسه الذي حصلت له النجاة:

فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)

ولو حاولنا مقارنة ذلك بما حصل لفرعون في مواجهته لموسى ومن معه، لوجدنا أنه على الرغم من أن الغرق قد أصابهم جميعا:

فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا (103)

إلا أن شخصا واحدا من بينهم هو من حصلت له النجاة ببدنه:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)

نتيجة مفتراة 1: كان يونس هو من نجا من بين كل المدحضين معه

نتيجة مفتراة 2: كان فرعون هو من نجا من بين كل المغرقين معه

تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن الذي حصل مع صاحب الحوت كان مشابها تماما لما حصل مع فرعون، فكلاهما وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع الرسول الذي بعث فيهم، ولما يستطيعا أن يكتما غيظ قلوبهم، بعد أن خسروا المعركة الفكرية مع خصمهم، كان الملجأ الأخير لهما هو الدعوة إلى المواجهة القتالية، علها تشف صورهم وتذهب غيظ قلوبهم إن هم انتصروا فيها، وهنا بالضبط كان كل واحد منهما مكظوما، فأطلق النداء، فكان نداء للنفير العام غير محدد من المنادى عليه أو عليهم، موجها لكل من يستطيع نصرتهما على عدوهما. ونحن نفتري القول بأنه ما لبى ذلك النداء إلا من آمن بدعوى الجاهلية. فخرج لنصرة ذي النون (كما خرج لنصرة فرعون) نفر من قومه ليس إيمانا بحقه في المواجهة ولكن نصرة لرابط الدم بينهم. وكذلك (نحن نتخيل) حصل الأمر في حالة نداء فرعون، فعندما أطلق فرعون نداءه العام، لبى دعوته نفر من قومه للحاق بموسى ومن معه، ولا أظن أن من كان في صف فرعون حينئذ كان مؤمنا بأن فرعون على حق، ولكن كان خارجا لينصر فرعون كراهةً بـ بني إسرائيل، فكان المنطلق قومي بحت، مرتبط بدعوى الجاهلية. انتهى.

عودة على بدء: فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

السؤال: كيف نفهم هذه الآية الكريمة حيث الخطاب موجه فيها إلى شخص النبي الكريم تحثه على الصبر لحكم ربه وأن لا يكون في ذلك كصاحب الحوت عندما نادى وهو مكظوم؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا ربما هي غير مسبوقة: نحن نظن أن هذه الآية الكريمة قد نزلت على النبي الكريم في مكة. ونفتري الظن من عند أنفسنا أنها قد نزلت عليه في وقت كان محمد في أشد الحاجة لمن ينصره وينصر دعوته، كما نفتري الظن بأنها نزلت على النبي الكريم في أشد أوقات الضعف التي مرت بها رسالته، عندما تكالبت عليه قريش كلها. ونحن نتخيل أن ذلك قد تم قبيل ما تسميه كتب السيرة بالمقاطعة التي حصلت للنبي ومن معه في شعب بني طالب. حيث وجد النبي الكريم نفسه مقاطعا من كل من هم من حوله. كما وجد نفسه ضعيفا مغلوبا على أمره، فما الذي يمكن لمحمد أن يفعله في مثل هذه الظروف الصعبة؟

جواب مفترى: لا شك عندنا أن النبي الكريم قد تدارس الوضع مع من حوله، وحاول أن يجنب نفسه واللذين أمنوا معه أذى المتآمرين عليه وعلى دعوته، ولكن كيف له أن يفعل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن واحدة من السيناريوهات التي طرقت حينئذ، وربما وجدت في البداية بعض القبول عند محمد تمثلت (نحن نتخيل) في إطلاق النداء العام، أي أن ينادي محمد.

السؤال: ما معنى أن يطلق محمد نداء عاما؟ أو ما معنى أن ينادي محمد؟

رأينا: نحن نظن أن ذلك يعني أن يطلق محمد نداء بالنصرة فيمن حوله، ولو فعل محمد ذلك لوجد النصرة في كثير ممن هم حوله خاصة قومه، وهم بنو هاشم، ولا شك أن ملبي الدعوة من بني هاشم سيلبي نداء محمد ليس قناعة برسالة محمد ولكن بالواجب المفروض عليه (كما يفهمه) بدعوى الجاهلية، أي رابط الدم مع محمد. فليس من الطبيعي أن يطلق محمد نداء الاستغاثة بقومه فلا يلبي أحد منهم ذلك النداء، فلا يجب أن ننسى أن ذلك مجتمع قبلي تحكمه روابط الدم أكثر من أي رابط آخر.

السؤال: ما الذي كان من الممكن أن يحدث لو أطلق محمد نداءه العام، أي لو أن محمد نادى؟

رأينا: لهب بنو هاشم لنصرة محمد على الفور.

السؤال: وما المانع أن يفعل محمد ذلك؟

رأينا: لو فعل محمد ذلك لكان أول من يدافع عن محمد عمه أبو لهب، وهو العدو اللدود لدعوة محمد.

السؤال: ما الذي حصل إذن؟

تخيلات مفتراة: ما أن وصل الأمر بمحمد درجة أن "يكاد" أن يكون مكظوما من الأذى الذي لحق به وبمن معه ممن هم حوله حتى تبادر إلى ذهن محمد (ربما بمشورة ممن هم حوله) أن يلجأ إلى هذا الخيار: أي أن يطلق نداءه العام بالنصرة. وفي هذه اللحظة (نحن لا زلنا نتخيل) جاءه الوحي الإلهي بالتوقف على الفور وبأن لا يفعل ذلك، فرُتلت الآية الكريمة التالية على سمعه:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

ويكأن الله (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) يأمر نبيه بالصبر، وأن يتوقف عن جعل الأمر عشائري قومي بحت. فالله يأمر نبيه (نحن نفتري القول) بأن نصرة هذا الدين لا تكون بدعوى الجاهلية، وأنك يا محمد يجب أن تصبر على هذا الأذى لأن الله يريد أن يمحّص قلوب عباده ليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا حتى وإن كانوا من بني هاشم اللذين يمكن أن ينصروك بدعوى الجاهلية:

وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)

فلربما كانت الرسالة الإلهية – كما نفهمها- على نحو أنه قد ينصرك (يا محمد) نفر من قومك، لكن ذلك لن يكون من باب الإيمان، وإنما من باب النفاق، وهذا ما لا نريده. لذا لا تطلق النداء العام وعليك أن تصبر لحكم ربك حتى وإن كدت أن تكون مكظوما:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

والله أعلم

فالله وحده أسأل أن يعلمني الحق الذي أقوله فلا أفتري عليه الكذب، وأن ينفذ مشيئته بالإذن لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لغيري، وهو أحكم الحاكمين – آمين

المدّكرون رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

27 كانون ثاني 2015


الجزء السابع               الجزء التاسع