تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

حديث الإفك -الجزء السادس: كيف كان حديث الإفك خيرا للمؤمنين في كل وقت وحين؟



حديث الإفك- الجزء السادس: كيف كان حديث الإفك خيرا للمؤمنين في كل وقت وحين؟


كانت بعض التساؤلات التي أنهينا بها الجزء السابق من هذه المقالة ووعدنا القارئ الكريم متابعة النقاش فيها من وجهة نظرنا المفتراة من عند أنفسنا في هذا الجزء من المقالة هي:

- كيف حاك عبد الله ابن سلول حديث الإفك؟
- كيف روّج له بين صفوف المسلمين؟
- من الذي شاركه في ذلك؟
- كيف أوقفه النبي عند حده؟
- لماذا سكت النبي عليه؟
- ما علاقة هذا كله بحديث الإفك نفسه؟
- كيف كان في ذلك خير للمؤمنين حينئذ؟
- كيف أصبح في ذلك خير للمؤمنين في كل وقت وحين؟
- الخ.

وكان الهدف الرئيس في الجزء السابق من هذه المقالة منصبا على تبيان وجهة نظرنا في كيفية وصول أبي بكر إلى الخلافة بعد وفاة النبي الكريم بالموت، وأن وصوله للخلافة كان خيرا للمؤمنين لأنه كان (نحن نظن) الشخص الأجدر بالمنصب لما يتمتع به من القوة اللازمة لإيقاف خطر فئتين من الناس من حوله، وهم:

1. المسلمون الذين لم يدخل الإيمان في قلوبهم بعد، وهم اللذين كانت تجرهم بعضُ الأطماع الدنيوية كعدم دفع الزكاة مثلا

2. المنافقون اللذين كان هدفهم الأول والأخير هو نسف هذا الدين من جذوره

وقد افترينا الظن أيضا بأن جدارة أبي بكر بالمنصب كانت من أجل تثبيت أركان هذا الدين بعد وفاة النبي الكريم بالموت، كما زعمنا الظن بأن النبي هو من كان يحضِّر الصديقَ لهذا المنصب، وقد بدأ تحضير الصديق للخلافة (حسب زعمنا) منذ تلك اللحظة التي قرر فيها النبي الكريم أن يصحبه معه في هجرته إلى المدينة، وذلك لأن السيناريوهات المحتملة والتي كانت متاحة أمام النبي في هجرته هي على النحو التالي:

1. أن لا يصحب النبي أحدا معه في هجرته، فيخرج سرا دون علم أحد من الناس مادام أن الله - لا شك- معه
2. أن يصحب أكثر من شخص معه، ليكونوا درعا له في مواجه أهل الكفر إن هم همّوا اللحاق به
3. أن يختار محمد شخصا واحد فقط ليكون صاحبه في تلك الرحلة
4. الخ.

لمّا كان الذي اختاره محمد من جميع هذه السيناريوهات المحتملة هو السيناريو الثالث، وهو صحبة شخص واحد فقط في رحلته إلى المدينة، فسيكون السؤال التالي المطروح للنقاش هو: لماذا اختار النبي الكريم أبا بكر على وجه التحديد في تلك الصحبة؟

رأينا المفترى: لما كان إيماننا يقينيا بأن جميع أفعال النبي ليست عشوائية، ولكنها أفعال مقصودة بذاتها، مادام أن النبي هو وحي يوحى، لذا نحن نعتقد جازمين بأن هناك مبررا يمكن لنا أن نتوصل إليه مما فعل النبي الكريم. والحالة هذه، فإن منطقنا المفترى هو: لابد أن هناك حكمة محددة من قرار محمد أن يصحب أبا بكر على وجه التحديد في هجرته إلى المدينة؟ فما الذي دفع محمد لفعل ذلك؟

افتراءات ربما غير مسبوقة

أولا، نحن نؤمن يقينا بأن صحبة النبي لأبي بكر لا يمكن أن تقع في باب كف الأذى عن النبي، لأن الله هو من يكف عنه أذى المشركين، ولأن نصر النبي يأتيه من الله مباشرة بصريح اللفظ في الآية الكريمة التي تتحدث عن صحبة النبي لأبي بكر في الغار نفسها:

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)


فمحمد لا يحتاج إذن لبشر أن ينصره مادام أن نصره يأتي مباشرة من الله، أليس كذلك؟

ثانيا، نحن نعلم عن طريق سادتنا أهل الدراية بما نقله لنا عنهم أهل الرواية أن أبا بكر لم يكن من المشهود لهم بفنون القتال الجسمي، فالجميع يشهد على نحالة جسم الصديق، ولو كان الأمر يحتاج إلى قوة جسمية قتالية، لوجد محمد في أصحابه الكثيرين ممن سيعجبه أجسامهم أكثر من الصديق نفسه. فنحن لا نكاد نجد في كتب السيرة أو حتى في كتب التاريخ مواقف قتالية ملفته للنظر لهذا الرجل.

ثالثا، نحن نؤمن يقينا بأن صحبة النبي للصديق لم تكن لتقع في باب التسلية، لأنه لو كان كذلك لربما اختار محمد أحد زوجاته لصحبته، أو لربما اختار شاعرا متمرسا بفنون الشعر يسامره في ليل الصيف طوال طريقه الطويلة إلى المدينة، ولا أظن أن الموقف يحتمل مثل هذا الظن.

رابعا، نحن نؤمن أيضا أن صحبة النبي للصديق في الهجرة لم تكن لتقع في باب صلة القرابة، وذلك لأنه لو أراد ذلك لكان علي – مثلا- هو الأولى بتلك الصحبة

الخ.

السؤال: لماذا إذن اتخذ النبي قراره بأن يصحب الصديق في تلك الرحلة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل ربما تتأتي لنا بعد طرح تساؤل آخر أكثر غرابة من سابقه، ألا وهو: لماذا قرر النبي أن يمكث مع صاحبه في الغار فترة من الزمن في رحلته تلك؟

جواب مفترى: لعل أكثر كتب السيرة تجمع على أن ذلك كان تكتيكا حربيا من النبي، لغرض التخفي عن الأنظار بعض الوقت، فيكف عنه أذى قريش اللذين خرجوا لمطاردته، أليس كذلك؟

رأينا المفترى: أما نحن فإننا لا نجد ذلك صحيحا إلا عند مخرج فلم الرسالة الذي كان يبحث عن الإثارة كما في الأفلام الهندية، فهو يوصل الخطر إلى أقصى درجاته، ليحبس المشاهدُ أنفاسه خوفا على البطل، ثم ما يلبث أن ينجو البطل من الموقف بطريقة عجيبة، فيبقى المشاهد على أعصابه حتى اللحظة الأخيرة بالرغم أن النتيجة معلومة مسبقا وهي استحالة موت البطل لأنه إن مات البطل انتهى الفلم عند ذلك الحد، وهو ما لا يريده المخرج أو المشاهد.

السؤال: لماذا إذن قرر النبي أن يمكث في الغار مع صاحبه؟ يسأل صاحبنا مستعجلا الرد.

رأينا: نحن لا نؤمن إذن بأن قرار النبي المكوث في الغار كان من أجل درء خطر من كان يطارده من قريش حينها، وذلك لأن النبي يعلم أن الله معهما سواء مكث هو وصاحبه في الغار فترة من الزمن أو تابعا سيرههما تجاه المدينة في الحال، فالرواية التاريخية تقول أن محمد بدأ هجرته عندما خرج من بيته بعد أن حنث التراب على رؤوس الفتية اللذين كانوا ينتظرونه عند الباب ليضربوه ضربة رجل واحد، ليكون التساؤل هو: إذا كان النبي قد خرج من بينهم وحنث التراب على رؤوسهم (كما تقول الرواية) فما استطاعوا رؤيته، فهل يحتاج بعد ذلك أن يواري نفسه عن الأنظار؟ من يدري؟!!

جواب مفترى: لا أظن أن محمدا يحتاج أن يواري نفسه عن أنظار أحد، وليس أدل على ذلك من رواية أهل العلم التاريخية مما حصل من أمر سراقة بن مالك عندما استطاع أن يقتفي أثرهما في الصحراء. ليكون منطقنا المفترى من عند أنفسنا هو: إذا كان رب محمد قد دفع عن النبي وصاحبه خطر سراقة بن مالك عندما غارت (كما تقول الرواية) قدما فرسه في التراب، ألم يكن يستطيع رب محمد أن يحميهما من كل اللذين طاردوهما بأن تغير أقدام خيولهم جميعا في التراب؟ وإذا كان سراقة بن مالك (طالب دم محمد) هو من توسل إلى محمد (كما تقول الرواية) أن ينجيه من الغرق في رمال الصحراء، فما الذي كان يمنع أن يحصل ذلك لكل من لحق بمحمد حتى لو كان جيشا من المقاتلين؟ ألم ينجِّ الله موسى ومعه بني إسرائيل من فرعون وجيشه؟ من يدري؟! لعلها ضرورة درامية للعقاد (مخرج فلم الرسالة).

السؤال مرة أخرى: ما الذي دفع بالنبي الكريم أن يمكث في الغار مع صاحبه في طريقه إلى المدينة؟ ما الذي تريد أن تقوله؟ كفاك لف ودوران، ربما يقول صاحبنا.

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن مكوث محمد في الغار مع صاحبه كان مقصودا لذاته. فمحمد كان يريد أن يمكث فترة من الزمن في الغار مع صاحبه أبي بكر من أجل هدف محدد بعينه.

السؤال: ما هو ذلك الهدف؟

رأينا: نحن نظن أن الهدف ربما ندركه لو أننا طرحنا تساؤلا آخر نظن أن له علاقة بفحوى النقاش وهو: أين نزلت الرسالة الإلهية على محمد أساسا؟ ألا تقول روايات أهل العلم بأن الوحي بدأ يتنزل على محمد في الغار؟

جواب: نعم، لكن ذلك كان غار حراء، وهذا (كما تقول الرواية) هو غار ثور.

السؤال: وما الفرق بين غار حراء وغار ثور؟

جواب: لو تدبرنا ما حصل في هذا الغار الذي مكث فيه محمد وصاحبه، لوجدنا أن الاتصال مع السماء قد حصل هناك أيضا، ألا تصور الآية الكريمة قيد البحث ما حصل هناك في غار ثور فعلا؟

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن هناك في الغار، حيث كان الصديق بصحبة محمد حدث اتصال مباشر بين الأرض والسماء، وحصل تنزيل من السماء إلى الأرض. فهناك أنزل الله سكينته (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ)، وهناك أيّد الله محمدا بجنود لا ترى (وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا)، وهناك جاءت محمد البشرى بالنصر بأن الله جاعل كلمةَ اللذين كفروا السفلى لتبقى كلمتُه هو فقط هي العليا (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا). وانظر مرة أخرى– إن شئت- في الآية الكريمة السابقة نفسها من هذا الجانب.

السؤال: لماذا إذن اتخذ محمد أبا بكر صاحبا له في هجرته إلى المدينة؟

رأينا المفترى الخطير جدا: نحن نظن أن النبي محمد قد كان يخطط لذلك، ولربما كان أحد الأسباب وراء ذلك هو ليرى الصديق (نحن نفتري القول) بأم عينه عملية الاتصال المباشر بين السماء والأرض (أي الوحي).

الدليل

تخيلات بعيدة جدا: خرج الفتية اللذين آمنوا بربهم وزادهم ربهم هدى من المدينة، فتوجهوا إلى الكهف من أجل أن ينشر لهم ربهم من رحمته وأن يهيئ لهم ربهم من أمرهم رشدا:

مِّرْفَقًا وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم (16)

فآووا إلى كهفهم فترة من الزمن، فكان من أمرهم ما كان. ليكون القول الذي ننوي افتراءه هو أن الدخول في الكهف (أو في الغار)[1] كان من أجل الإيواء، أي المكوث فترة قصيرة محددة حتى يقضي الله أمرا. فالله هو من آوى مريم وابنها إلى ربوة ذات قرار ومعين، والفتية هم من آووا إلى كهفهم، وربما لمثل هذا السبب آوى محمد مع صاحبه إلى الغار في طريق هجرته إلى المدينة، ربما لكي يهيئ لهما ربهما من أمرهما رشدا. وهناك في هذا المكان حصل (نحن نظن) اتصال مباشر بين الأرض والسماء. وقد تحدثنا في الجزئين السابقين من هذه المقالة أن مجرد نزول السكينة كانت كافية أن تخرج أبا بكر من الغار شخصا مختلفا عن أبي بكر الذي دخل في الغار، فلقد دخل أبو بكر في الغار وما كان من أولياء الله لأنه ببساطة قد حزن (إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ)، وأولياء الله لا يحزنون بصريح اللفظ القرآني (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، ولكنه خرج من الغار وقد أذهب الله عنه الحزن، فأصبح من أولياء الله اللذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (للتفصيل انظر الجزء الرابع والخامس السابقين).

السؤال: هل كان هذا هو السبب الوحيد الذي من أجله اتخذ النبي أبا بكر صاحبا له في هجرته إلى المدينة؟

رأينا: نحن نظن أن هناك دوافع أخرى كانت محرك هذا القرار. فما الذي دفع محمد أيضا أن يصحب أبا بكر في الهجرة؟

رأينا: لعلي أجزم الظن أن النبي الكريم كان يريد أن يوصل رسالة محددة بعينها لأهل المدينة (الأنصار) كافة. فكيف ذلك؟

رأينا: لا أظن أن محمدا قد صحب أبا بكر من أجل أن يخرج أهل المدينة في استقبالهما مرددين أنشودة الأطفال طلع البدر علينا، لأن تلك "القصيدة المكذوبة" لم تكن أكثر من ضرورة درامية أخرى للعقاد في فلم الرسالة، لزيادة عامل الإثارة والتشويق عند المشاهد، فأهل العلم يعلمون متى تم تأليف هذه القصيدة، وهم يعلمون أيضا أن النبي لم يكن ليرضى أن يستقبله الناس بالغناء والرقص، ومن أراد المجادلة فليرجع فينبش في بطون الكتب عن تاريخ تأليف تلك القصيدة التي أشغلت العامة (وربما بعض أهل العلم) أكثر من البحث عن التفاصيل الحقيقة في قصة هجرة النبي الكريم وفي أسبابها ودوافعها ونتائجها. لكن ما يهمنا هنا هو السؤال التالي: ما الرسالة التي كان محمد يريد أن يوصلها لأهل المدينة عندما يرونه مع واحد من أصحابه وهو أبو بكر على وجه التحديد؟

رأينا المفترى: لعل أهل مكة (المهاجرون) لا يحتاجون أن يتعرفوا على هذه الشخصية التاريخية لأن سيرة رسالة النبي في مكة على مدار الثلاثة عشر سنة الأولى من بعثته كانت معروفة لديهم تماما بجميع تفاصيلها، ولعل سيرة أبي بكر كانت من أبرز تفاصيلها التي لا تخفى على أحد من أهل مكة. لكن الرسالة الآن انتقلت إلى يثرب، وأهل هذه المدينة لم يكونوا يعلمون كل تفاصيل تلك السيرة، فما الذي سيفهمه أهل المدينة متى ما رأوا الرسول الكريم في صحبة شخص واحد من بين جميع أصحابه اللذين ساندوه في مكة؟

رأينا المفترى: نحن نكاد نجزم الظن بأن صحبة النبي لواحد من أصحابه على وجه التحديد وهو أبو بكر ستترك الانطباع الأول والأخير في ذهن القوم جميعا، ألا وهو: أن هذا الرجال ( أي أبا بكر) يقع من الرسالة الإسلامية ومن صاحب هذه الرسالة (وهو النبي الكريم) في مكانة لا يدانيها أحد غيره، لذا يجب على الجميع (مهاجرين وأنصار) أن يضعوا هذا الرجل في المكان الذي يلق به، سواء أثناء حياة النبي أو ربما بعد وفاته بالموت. فنحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن المنطق الذي لم يكن ليخطئه أحد من أهل المدينة متى ما راءوا أبا بكر في صحبة النبي هو أنه لولا مكانة هذا الرجل في الرسالة لما اختاره صاحبها ليكون رفيقه على وجه التحديد من دون أصحابه جميعا.

لذا، عندما حدث بعض الخلاف على الخلافة في سقيفة بني ساعده، لم يكن من نقاط هذا الخلاف هو من يتولى الأمر من المسلمين، فما أن تم تسوية الخلاف مع سعد بن عبادة حتى كان القرار الجماعي الذي لم يعارضه أحد (سواء كان من المهاجرين أو الأنصار) هو أن الخليفة الأول بعد محمد هو أبو بكر الصديق.

السؤال: لماذا رضي الأنصار جميعا بأن يكون أبو بكر هو الخليفة؟ لِم لم تحصل مناقشات حول شخصية من يخلف محمد؟ نحن نسأل.

رأينا: لا أظن أن الصورة التي طبعت في ذهن أهل المدينة منذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها محمد مع صاحبه عليهم قادما من مكة قد تلاشت أو اضمحلت في ذاكرتهم، بل على العكس فهي لازالت حاضرة قوية في أذهان الأنصار كما بقيت كذلك في أذهان المهاجرين، فصحبة النبي لأبي بكر في تلك الرحلة كانت (نحن نفتري الظن) تدبيرا حكيما من محمد نفسه لمثل هذا الموقف. فالنبي الكريم هو (نحن نفتري القول) من كان يحضّر الجميع (المهاجرين والأنصار) لخلافة هذا الرجل من بعده.

نتيجة خطيرة جدا جدا جدا لا أريد من أحد أن يتبناها لأنها لا تعبِّر إلا عن وجهة نظر كاتب هذه السطور: نحن نظن أن الخلافة في التاريخ الإسلامي كله لم تكن إلا لأبي بكر فقط. فعمر وعثمان وعلي لم يكونوا خلفاء للنبي. انتهى.

الدليل

من هو الخليفة؟

نحن نظن أن قصة الخلافة قد بدأت منذ اللحظة الأولى للخلق. فالله خلق آدم ليكون خليفة في الأرض:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
وقد زعمنا الظن في أكثر من مقالة سابقة لنا بأن هذا القرار الإلهي كان على نحو أن يحلّ آدم (وذريته) أي الإنس مكان إبليس (وذريته)، أي الجن. وقد سبب هذا القرار الإلهي بعض الخصام في الملأ الأعلى:

مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)






وليس أدل على هذا الخصام من محاولة الملائكة إبداء قلقهم من خلافة آدم كما جاء في آية الخلافة نفسها. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية الكريمة مرة أخرى

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)
لتكون النتائج الأولية التي نفتريها من عند أنفسنا والتي نظن بأنه لا يمكن المجادلة فيها هي:

1. أن الله هو من اتخذ القرار بالخلافة

2. أن آدم هو من كان صاحب هذه الخلافة

ويتكرر مثل هذا السيناريو في النص القرآني التالي:

يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)

ليكون الله هو من اتخذ القرار بأن يكون داوود هو الخليفة، وليكون داوود هو الخليفة (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ). ولكن الملفت للانتباه هنا هو أن من مهام الخليفة هو الحكم بين الناس بالحق وعدم اتباع الهوى (فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ).

نتيجة مهمة جدا: لكي يكون شخص ما خليفة يجب أن يكون اختياره لتلك المهمة مباشرا.

السؤال: إذا كان آدم أو داوود خليفة لأن الله هو من اتخذ القرار المباشر بخلافتهم في الأرض، فكيف نكون نحن (ذرية آدم) هل نحن أيضا خليفة؟

جواب: كلا، نحن لسنا خليفة ولكننا خلائف كما بصريح اللفظ في الآيات الكريمة التالية:

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165)ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73)هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)
السؤال: ما الفرق بين أن نكون خليفة أو أن نكون خلائف؟

رأينا: نحن نظن أن اختيار الخليفة يجب أن يكون مباشرا من صاحب القرار، فهذا موسى يطلب من أخيه هارون أن يخلفه في قومه (أي في قوم موسى)، فكان هارون هو خليفة موسى في قوم موسى:

وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

نتيجة مفتراة: لم يكن هارون خليفة موسى في قوم هارون وإنما كان خليفة موسى في قوم موسى بدليل أن موسى قد طلب من هارون أن يخلفه في قومه على وجه التحديد (وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي)، كما أن موسى قد حدد لهارون ما يجب عليه أن يفعله في خلافته، ويتمثل ذلك في الإصلاح وعدم اتباع سبيل المفسدين (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).

نتيجة مفتراة: عندما يكون شخص ما هو خليفة فيجب أن يأتي القرار بخلافته مباشرة من صاحب القرار، كما أن صاحب القرار يحدد لخليفته ما يعمل خلال مدة خلافته، وعادة ما تكون الإصلاح وعدم اتباع الهوى.

السؤال: هل حدد النبي الكريم من يخلفه في قومه؟

رأينا: إن كان فعل، فهو قد اختار شخصا واحدا فقط لهذه المهمة، ولا أخال أن هناك بين المسلمين كافة شخصا أحق أو أجدر بهذه الخلافة من أبي بكر، لذا كان أبو بكر هو خليفة رسول الله فقط، أي هو من اختاره محمد نفسه ليخلفه مباشرة في قومه، فكان من مهمته الإصلاح، بالحكم بين الناس بالحق وعدم اتباع الهوى.

نتيجة مهمة جدا جدا: كانت فترة خلافة أبي بكر الصديق هي الفترة التي اتسمت بالحكم بين الناس بالحق وعدم اتباع الهوى بامتياز.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن كل من جاء بعد أبي بكر ليكون خليفة المسلمين لم يكن بقرار محمد أو باختيار محمد، لأن ذلك لم يكن اختيارا مباشرا. لذا فهم وإن كانوا خلائف لكنهم ليسوا (نحن نفتري القول) خليفة لمحمد. انتهى

الدليل

الفرق بين الخلائف والخلفاء:

ورد في كتاب الله أننا نحن البشر قد نكون خلفاء كما في الآية الكريمة التالية:

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
وقد نكون خلائف كما في الآيات الكريمة التي أوردناها سابقا، ونعيد بعضها هنا لأغراض النقاش الحالي:

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165)
ليكون السؤال الذي يجب إثارته على الفور هو: ما الفرق بين أن نكون خلفاء أو أن نكون خلائف؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول أن مفردة خلفاء تعني انتهى الذرية السابقة واستبدالها بذرية (أو قوم آخرين). فنحن خلفاء من بعد قوم نوح:

أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

ونحن خلفاء من بعد عاد:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
فاستبدال قوم حاليين بقوم السابقين، تجعل القوم الحاليين خلفاء الأرض:

أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (62)
وعملية ذهاب القوم السابقين وحلول القوم الحاليين مكانهم واضحة في السياقات التالية:

فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا الْأَدْنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ۚ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَّا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ ۗ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169)
فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
فالذين أضاعوا الصلاة قد جاءوا من بعدهم (أي لم يعاصرونهم) وذلك لو أنهم عاصروهم لما أصبحوا قومان: قوم يقيم الصلاة وقوم أضاعوها واتبعوا الشهوات، ولظلوا قوما واحدا لأن القوم الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات كانوا يفعلون ذلك بمجموعهم، وهم الذين سيلقون جميعا الغي الذي يتوعدهم ربهم به.

ولكن – بالمقابل- نصبح خلائف بعضنا البعض حتى في وجود القوم الحاليين معاصرين للقوم السابقين، فعميلة الاستبدال التام (نحن نفتري الظن) ليست ضرورية هنا. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت في السياقات القرآنية الخاصة بمفردة خلائف مرة أخرى من هذا المنظور:

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165)

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ (73)

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا ۖ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كان أبو بكر خليفة من بعد محمد، وكان عمر خليفة من بعد أبي بكر، وهكذا. لذا يستحيل أن يكون عمر هو خليفة محمد، ولكنه خليفة أبي بكر، وهكذا.

الدليل
لو تتبعنا الروايات التاريخية جميعها لوجدنا فيها أن أبا بكر كان هو الوحيد الذي أطلق عليه مسمى خليفة رسول الله فقط، فلم يطلق عليه أي لفظ آخر كأمير المؤمنين مثلا حتى من قبل أعداء أبي بكر أنفسهم، فالجميع يقولون بملء أفواههم (عن قصد أو عن غير قصد) بأنه الخليفة الأول، أو خليفة المسلمين. ولكن الجدير بالملاحظة في هذا المقام أنه ما أن انتهت خلافة أبي بكر حتى تغيّر ذلك اللقب فورا من مسمى الخليفة إلى مسمى الإمارة. فعمر يسمى تارة بالخليفة وتارة أخر (وربما في أغلب الأوقات) بأمير المؤمنين. وكذلك كان عثمان وعلي.

نتيجة مفتراة: نحن نريد أن نسأل المجادل السؤال التالي: لِم لم يرد مسمى "أمير المؤمنين" بحق أبي بكر قط حتى على ألسنة أشد الناس عداوة له؟ لم ينعت الصديق بأنه خليفة رسول الله على الدوام؟ وبكلمات أخرى نحن نسأل: لماذا لم يطلق لفظ أمير المؤمنين على أبي بكر الصديق على وجه التحديد في حين أن جميع من جاءوا بعده (كعمر وعثمان وعلي) حملوا هذا اللقب؟

رأينا المفترى: لأن اختيار أبي بكر (فقط) هو من جاء مباشرا من صاحب القرار حينها (أي محمد). فالنبي محمد هو (نحن نفتري الظن) من هيأ الصديق ليخلفه في قومه، فكان الصديق خليفة رسول الله، وهو من حكم الناس بالحق وهو الذي لم يتبع الهوى وهو الذي لم يتبع سبيل المفسدين.

نتيجة خطيرة جدا: فإلى الباحثين عن عودة الخلافة الإسلامية نقول أنها لم ولن تكون خلافة حتى ولو زعمتموها كذلك، لأنها لا شك إمارة، فالذي يتولى أمر المسلمين هو أميرهم وليس خليفة فيهم إلا أن يكون قد جاء اختياره مباشرة من محمد. وهذا ما لا يمكن. فالخليفة هو (نحن نظن) خليفة لمن أخلفه في القوم. فأبو بكر هو خليفة محمد لأن محمدا هو من أخلفه في القوم. وإذا كان عمر خليفة فهو خليفة لأبي بكر ولكنه ليس خليفة لمحمد، وهكذا كان عثمان وهكذا كان علي.

السؤال: لماذا توقف لفظ الخلافة في زمن علي؟ لماذا أصبح علي معروف بأنه أمير المؤمنين أكثر من أنه خليفة المسلمين؟

جواب: إنه الانقسام الذي حصل في زمنه، ففي تلك الفترة من الزمن استطاع معاوية أن يدعي الخلافة، وجمع حوله من المؤيدين ما استطاع بهم أن يطيح بخلافة علي. فلم يحظ علي بإجماع الأمة طوال فترة حكمه، لذا أصبح أميرا لطائفة من المؤمنين وأصبح خصمه معاوية أمير لطائفة أخرى، فأصبح لفظ الخلافة مستحيلا مادام أن اتفاق الأغلبية قد نزع عنه.

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن أن من حظي بخلافة من سبقه يجب أن يكون قد اكتسب الشرعية ممن سبقه كما يجب أن يكون قد حصل على تأييد الأغلبية الساحقة التي تحقق له الثبات في الحكم، فلا يتم منازعته على السلطة، ولو حصل ذلك لاستطاعت الأغلبية أن توقف الأقلية المنتفضة عند حدها.

السؤال: لماذا توقفت لفظة الخلافة تماما عند معاوية؟

رأينا: لأنه وصل إلى السلطة دون اكتساب شرعية ممن سبقه فيها. فكيف كان ذلك؟

رأينا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا أن محمدا لم يكن ليعترض على وصول أبي بكر إلى السلطة، فكان أبو بكر هو خليفة محمد، ولم يكن أميرا للمؤمنين. وبالمنطق المفترى نفسه نقول بأن أبا بكر لم ليعترض على وصول عمر إلى السلطة فكان عمر أمير المؤمنين وخليفة أبي بكر في الوقت نفسه، ولم يكن عمر ليعترض على وصول عثمان على السلطة، فكان عثمان أمير المؤمنين وخليفة عمر كذلك. وربما لم يكن عثمان ليعترض على وصول عليّ إلى السلطة، فظل علي أمير المؤمنين وخليفة عثمان حتى نازعه معاوية عليها. وهناك تزعزعت لفظة الخلافة حتى طغت عليها لفظة الإمارة (أي أمير المؤمنين). لأن معاوية استطاع (نحن نفتري القول) أن ينزع عن علي الشرعية التي أضفاها عليه عثمان عندما نازعه على مسألة الإسراع في الأخذ بثأر عثمان ممن قتله. ويكأن معاوية يقول للناس بأن علي لا يحمل الشرعية التي اكتسبها من عثمان مادام أنه "يتلكأ" بالأخذ بالثار من قاتليه. ولكن لما كان علي سيعترض تماما على وصول معاوية إلى السلطة، ولما لم يضفي علي أي شرعية على معاوية، كان معاوية أميرا للمؤمنين ولم يكن خليفة لعلي. وهناك توقفت لفظة الخلافة تماما.

ولو تدبرنا التاريخ الإسلامي لوجدنا أن تولي أمر المسلمين قد ترك مفتوحا على مصراعيه لأن ذلك من شأن المسلمين أنفسهم. فالمسلمون هم من يتخذوا القرار بمن يتولى أمرهم، وهذا ليس قرارا يتخذه شخص محدد، لتتحمل تبعاته الأمة بأكملها، لأنه عندما أسند الأمر إلى شخص محدد بذاته انتقل الأمر من الإمارة (أي من يتولى أمر المسلمين) إلى الوراثة، فأصبح ملكا لا يفني في بني أمية وفي بني العباس، وهكذا. لذا فحتى يستمد لفظ الخلافة الشرعية على الحاكم، فلابد من توافر ثلاثة شروط على الأقل، وهي:

1. عدم اعتراض من سبقه حتى يكون خليفة له
2. أن لا يكون وريثا، أي أن لا يكون ملكا عاضا. فالوريث لا يكون خليفة إطلاقا.
3. الرضا من قبل الغالبية (أي الأكثرية) من أبناء الأمة حتى تستطيع تثبيت الحكم، وإيقاف الأقلية عند حدها إن هي خرجت على الحاكم الشرعي

وهذا في ظننا ما لم تفعله الأمة التي تدعي الإسلام دينا لها منذ صدر الدولة الإسلامية الأولى. فلقد أصبح الحكم فيهم وراثيا بدل أن يكون خليفيا، أميريا بقرار الأمة بأكملها.

السؤال: من الذي فعل هذا بالإسلام؟ من الذي نقل الأمر من خلافة الحكم ليكون من يتولي أمر المسلمين (الإمارة) أميرهم باختيار المسلمين ورضا من سبقه إلى الوصاية على المسلمين بالوراثة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن شخصين اثنين هما من أوقعا المسلمين جميعا في هذا المطب: إنهما أبو سفيان والعباس بن عبد المطلب.

الدليل
نحن نظن أن هذا الكلام الذي نفتريه من عند أنفسنا ربما لن يرضي أحدا من أفراد قطبي الإسلام الرئيسيين (السنة والشيعة)، ولكننا كباحثين عن الحقيقة، نجد لزاما أن توضع الأمور كلها، جلّها ودقّها، على طاولة البحث للتدبر والتمحيص، ومن ثم الخروج بافتراءات قد تصيب وقد تخطئ. ومادام أن الهدف المنشود هو الوصول إلى الحقيقة، فإننا نستـأذن الناس عامتهم وخاصتهم بأن يمنحونا فرصة المكان والزمان للخوض بهذه القضايا ربما من منظور جديد، ثم الحكم على نتائج البحث بعد ذلك بالطريقة التي يرونها مناسبة.

أما بعد،
لو تدبرنا تاريخ الرجلين (أبا سفيان والعباس) في الإسلام لربما وجدنا تطابقا عجيبا بينهما، فالرجلان لم يكونا من السبّاقين في الإسلام، والرجلان لم يكونا من أنصار محمد في مكة بالرغم أنهما من ساداتها، وفي الوقت ذاته نجد أن الرجلان لم يناصبا محمدا العداء الواضح كأبي جهل وأمية ابن خلف أو كأبي لهب عبد العزى بن عبد المطلب (عمّ النبي). فلقد كان محمد متزوجا بابنة أبي سفيان، وقد كان العباس (حتى قبل إسلامه) هو من مهر بعض نساء محمد. والأهم من هذا كله أنهما لحقا بركب المسلمين في يوم واحد: يوم أن عاد محمد فاتحا مكة، فلقد خرج الرجلان ليلا للقاء محمد في بطن مكة (كما تعلمنا من روايات أهل العلم).
السؤال: لماذا؟ لماذا جاءا مسلمين هناك؟ وهل كان قدومهما معا من باب المصادفة؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. نحن نظن أن الرجلين كانا يعيان تماما ما يفعلان. والأهم من هذا كله أنهما كانا صاحبي حنكة ودراية سياسية ربما لا يجاريهما في ذلك أحد من أهل مكة حينئذ. فهما لم يراهنا يوما على حصان خاسر. فالملفت لتاريخ الرجلين أنهما كانا (نحن نزعم الظن) يدوران حيث تدور كفة القوة، ليكونا على الدوام في طرف الصف الأقوى. فهما كانا في صف المشركين يوم أن كان المشركون هم الأقوى عسكريا، وها هما ينقلبان اليوم ليصبحا في صف محمد لأن الرحى قد دارت، وبان لهما أن الغلبة - لا محالة- لمحمد وأصحابه.

نتيجة مفتراة: لمّا وجد العباس وأبو سفيان أن الغلبة لا محالة لمحمد، وأنه لم يعد هناك قوة تستطيع أن تقف في وجه محمد وجيشه، اتخذا قرارهما البراغماتي (المنفعي) باللحاق بصف الغالب. لكن هذا لم يكن ليجعل منهما مؤمنين ممن دخل الإيمان في قلبيهما حقا. فحب السيادة والتملك (نحن نزعم الظن) لم تفارقهما يوما، لذا كان القرار الذي اتخذاه هو اللحاق بهذا الركب ومحاولة ركوب موجه وتسخيره لخدمة بعض أطماعهم الشخصية بالسيادة والملك بدلا من الوقوف في وجهه ومحاربته. ولو دققنا في أحد المشاهد التي جمعتهما معا في تلك الليلة التي التقيا فيها في بطن مكة (كما تنقله لنا روايات أهل العلم) لوجدنا أن أبا سفيان لم ينظر إلى ما أصبح عليه محمد بأكثر من أن يكون ملكا عظيما.

رأينا المفترى: منذ تلك اللحظة كان التنافس على الملك بين الرجلين واضحا. فكل منهما يظن أن ما جاء به محمد ليس أكثر من ملك عظيم يمكن استغلاله لتحقيق مآرب خاصة، فلا يجب أن يفوتا هذه الفرصة الذهبية لأن جزيرة العرب لم ولن تجتمع مرة أخرى كما هي مجتمعة الآن مع محمد. لذا، يمكن أن تتحقق السيادة بالملك من خلال هذه الرسالة، فلا ضير إذن من اللحاق بالركب مادام أن الهدف يمكن انجازه من خلال هذا الركب نفسه.

تخيلات مفتراة كاذبة من عند أنفسنا: نحن نتجرأ على الظن بأن الرجلين حاولا إيصال الرسالة الواضحة لذريتهم بأن هذه فرصة تاريخية يستحيل أن تتكرر إن كانت دماء السادة لازالت تجري في عروقهم. ولما كان كل واحد منهم يعي مطامع الآخر، لم يكن ليتركها فريسة سهلة له، فلابد أن ينافس عليها بكل ما أوتي من قوة. ولعلي أتجرأ على الظن بأن رغبة أبي سفيان كانت أكثر جموحا من رغبة العباس، فالعباس (نحن نفتري الظن) كان يحاول أن يوقف أبا سفيان عند حده، لذا بدأت الفرقة من هناك. فكيف حصل ذلك؟

رأينا: رضي المسلمون جميعا بأبي بكر خليفة للمسلمين، وأجمعت الغالبية الساحقة على أن يكون عمر أميرا للمؤمنين ولم يكن أبو بكر ليعارض خلافة عمر له، ولكن ما أن اتخذ القرار بإمارة عثمان حتى بدأ آل العباس (أحفاد العباس وتلاميذه) يبدون خشيتهم من سطوة بني أمية (أحفاد أبي سفيان وتلاميذه) على الإمارة خصوصا بعد أن عهد عثمان إلى معاوية ابن أبي سفيان نفسه إمارة الشام. ولما انتهت جهود آل العباس بانتقال الإمارة كلها إلى أحد أفرادهم وهو علي بن أبي طالب (وإن كان على حساب دم عثمان في بعض تفاصيلها)، هنا ثارة ثائرة بني أمية جميعا، فما هدأ لهم بال حتى استطاعوا الإطاحة بعلي وآله، لتنتقل الإمارة إلى بني أمية وللأبد في ملك عاض ينتقل بالوراثة بدل الإمارة، فأصبح أمر المسلمين ينتقل في كل مرة من الأب إلى الابن ومن الأخ إلى أخيه، فأصبح وراثيا مقيتا، لا يرضي المسلمين جميعا. وكان من أبرز المناهضين لهذا الحكم الأموي الوراثي هم بنو العباس، وما هدأ لهم بال حتى استطاعوا الإطاحة ببني أمية وإلى الأبد، وأعملوا فيهم الذبح والتقتيل في واحدة من أبشع صور إراقة الدماء في تاريخ البشرية.

متى اشتعلت جذوة الخلاف بين الطرفين؟ ومن الذي أشعلها؟ وكيف استطاع ذلك؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن معاوية ابن أبي سفيان هو من أشعل فتيل الخلاف. فكيف كان ذلك؟
رأينا المفترى: عندما أُسند أمر الشام إلى معاوية في زمن عثمان بن عفان، عمل الأول على تأسيس ملك له ولبني أمية هناك، وقد كان لدهاء الرجل وحكمته السياسية بالغ الأثر في تحقيق مآربه، فاستتب له الأمر في الشام كما خطط له، وما أن وصل علي إلى الخلافة حتى كان معاوية محكما قبضته على الشام كلها، ولما رأى علي ما كان من معاوية في الشام لم يكن ليسره بقاء بني أمية في السلطة هناك، فاتخذ قراره (أو كاد) بإعفاء معاوية من ولاية الشام.

تخيلات مفتراة: لمّا وجد معاوية أن أمر الملك الذي خطط له في الشام قد أصبح (أو كاد أن يصبح) في مهب الريح بوصول علي إلى الحكم عمد إلى التمرد على عليّ. ولكن كان لابد أن يفعل ذلك بكل ذكاء ودهاء سياسي ممكن، فكيف سيستطيع ذلك؟

رأينا المفترى: كان لابد لمعاوية أن يكتسب شرعية دينية تمكِّنه من بسط نفوذه والتمرد على عليّ، فهذا (أي علي) شخص لا يستهان به بين المسلمين، والخروج عليه ليس بالأمر السهل، فكيف سيستطيع معاوية أن يقف ندا عنيدا وخصما شرسا في وجه عليّ؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأنه لابد له من استثارة واستمالة شخص آخر له من المكانة الدينية ما تستطيع أن تقاوم مكانة علي نفسه، وربما تستطيع استمالة قسط كبير من الصحابة إلى جانبها. فمن - يا ترى- سيكون ندا قويا وخصما ليس سهلا في هذه المواجهة المرتقبة مع عليّ؟ ربما خطر في بال معاوية.

جواب مفترى: لم يكن ليخطر ببال معاوية أن يستميل أحدا من كبار الصحابة ضد عليّ لأن الأمر يحتاج إلى المسوّغ الحقيقي الذي يجعله يتخذ قرارا صعبا كهذا، فلا يوجد من بين الصحابة من يمكن استثارته ضد علي دون سبب وجيه يتم من خلاله تسويق عداوة علي له. فما الذي سيفعله معاوية إذن؟

رأينا المفترى الخطير جدا: بعد أن حاول معاوية تدوير الأمر في ذاكرته التاريخية لم يجد (نحن نتخيل) في جمع المسلمين إلا شخصا واحدا يمكن أن يسوق عداوة علي له: إنها السيدة عائشة.

السؤال: لماذا؟ لماذا كانت عائشة هي الوحيدة من بين جميع المسلمين والمسلمات التي كان يمكن استثارة عداوة علي لها؟

رأينا: أنه حديث الإفك.

السؤال: كيف تم ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو رجعنا إلى حديث الإفك نفسه لنبحث فيه عن ما جاءنا عن العلاقة بين عليّ من جهة وعائشة من جهة أخرى، لوجدنا النص التالي:

... فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد , حين استلبث الوحي , يستشيرهما في فراق أهله ; قالت : فأما أسامة , فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي في نفسه من الود , فقال : يا رسول الله , هم أهلك , ولا نعلم إلا خيرا . وأما علي فقال : لم يضيق الله عليك , والنساء سواها كثير , وإن تسأل الجارية تصدقك...

ولو دققنا في النص لوجدنا أن ذلك الكلام قد نُقل عن لسان عائشة نفسها، فهي من كانت تعلم موقف عليّ منها في حديث الإفك. فلقد كان عليّ (كما تقول رواية أهل العلم) يرى أن الرسول يستطيع أن يفارقها حتى بعد أن ثبتت براءتها. ليكون التساؤل الذي أشكل على عائشة حينها هو: لماذا اتخذ عليّ مثل هذا الموقف في حديث الإفك؟

رأينا: نحن نعلم جميعا أن عليّا كان صاحب علاقة الدم الأقوى مع النبي الكريم، فهو ابن عمه، كما أنه كان صاحب علاقة النسب الأقوى مع النبي، فهو زوج ابنته الكبرى فاطمة. ولو حاولنا أن نتخيل السيناريو لوجدنا أن فاطمة ربما كانت تكبر عائشة في العمر. ولما كانت فاطمة شديدة الحب لوالدها الذي تراه متزوجا من فتاة لازالت صغيرة السن، كانت المفارقة (التي نحاول تسويقها هنا) هي أن فاطمة قد أصبحت ترى المكانة المميزة لهذه السيدة الجديدة (أي عائشة) في بيت النبوة، ولعل فاطمة (بفطرتها الأنثوية) لم تكن تعي أن ذلك يقع في باب العدل من النبي مادام أن عائشة هي المرأة الوحيدة التي نكحها النبي وهي لازالت محصنة، أي لم تنكح من ذي قبل. ولعلي أجزم الظن أن حديث الإفك كان مناسبة مهمة لفاطمة لتبدي قلقها من المكانة التي أصبحت ترى عليها عائشة في بيت النبوة، فلربما أصبحت تظن أن مكانة عائشة في بيت النبوة أصبحت تشكل خطر على المكانة التي كانت عليها خديجة (والدة فاطمة) عندما كانت على قيد الحياة، فما الذي فعلته فاطمة حينها؟

تخيلات مفتراة: لما وجدت فاطمة أن الناس أخذوا يطعنون في والدها من خلال حديث الإفك الذي – في رأيها- قد تسببت به عائشة، كانت تميل إلى الدفاع عن والدها حتى وإن كان على حساب عائشة. وقد كان في سكوت والدها فترة من الزمن بالغ الأثر في إحداث القلق عندها. لذا ربما رأت فاطمة (نحن نتخيل) أن سد باب الفتنة هذه يكمن في فراق النبي لعائشة، وربما كان هذا هو رأي علي (زوج فاطمة)، وما أن طلب الرسول المشورة من علي وأسامة بن زيد في ذلك، حتى كان رأي عليّ واضحا لا لبس فيه: فراق عائشة – يرى علي- أنه الأمثل.

رأينا المفترى: نحن نجزم الظن بأن رأي علي هذا لم يكن مبنيا على اتهام لعائشة بالخيانة وإنما دفاعا عن النبي الذي أخذت ألسنة المتربصين به وبهذا الدين تطاله من كل حدب وصوب بسبب عائشة (كما يظن علي وزوجه فاطمة).

السؤال: ما علاقة هذا كله بمخططات معاوية للإطاحة بعلي؟

تخيلات مفتراة: لمّا كان معاوية رجل سياسة من الطراز الأول، ولمّا وجد أن عليّا لا محالة مقصيه عن ولاية الشام ربما عاجلا غير آجل، ولمّا كان يظن أن في ذلك نهاية لمطامع بني أمية بالإمارة وإلى الأبد، لم يكن ليدع الفرصة لتفوته، فأخذ يفعل كل ما يمكنه من أجل تقليب قلوب المسلمين على عليّ. وقد كان لذاكرته التاريخية كبير الأثر في إيقاظ جذوة فتيل الخلاف بين عائشة وعلي. فكيف فعل ذلك؟
رأينا: كانت حجة معاوية تتمثل في أن على عليّ (كخليفة لعثمان لم يصبح بعد أميرا للمؤمنين مادام أنه لم تتم له البيعة الجماعية بعد) أن يسرع في القصاص من قتلة عثمان قبل مبايعته، فيجب عليه – بمنطق معاوية- أن يقوم بواجباته كخليفة لعثمان قبل أن يرضى المسلمون به كأمير لهم جميعا. وقد استطاع بهذه الحجة أن يستميل كثير من كبار الصحابة كطلحة والزبير وعمار بن ياسر، فوقفوا في صف المطالبين بالقصاص لعثمان الذي خلفه علي، فما حصلت البيعة لعلي كأمير للمسلمين من كافة المسلمين.

السؤال: ما الذي كان معاوية يخطط له من خلال ذلك؟

رأينا: أن ينزع الخلافة عن علي مادام أن الإمارة (البيعة الجماعية) لم تتحصل له بعد. فكيف سيفعل ذلك؟

جواب مفترى، لما كان معاوية يهدف إلى ذلك، كان تفعيل القصاص العاجل في قتلة عثمان الوسيلة لتحقيق غايته الكبرى، وهي الإطاحة بعلي وبالتالي الإطاحة بحكم بني العباس وإلى الأبد. وليس أدل على ذلك من أنه لم يحرك ساكنا عندما قتل عمر مثلا. لذا كان هدف معاوية هو (نحن نجزم القول) تأليب قلوب الناس ضد علي حتى لا يزيحه عن إمارة الشام أولا، وحتى لا تكون الإمارة في بني العباس ثانيا، لأن معاوية كان يخشي أن أمر الإمارة كلها قد انتهى إلى بني العباس بتولي عليّ للسلطة، وهو ما حصل بالفعل، فلقد انتقل الحكم من علي إلى ولديه لاحقا حتى تنازل الأول عنها وقتل الآخر دفاعا عنها. وقد كان لموقف معاوية من خلافة علي أكبر السبب (نحن نزعم القول) في أزاحتهم جميعا عن السلطة. فمعطيات الموقف حينها تشير جميعها إلى احتمالية أن تكون مخاوف معاوية حقيقية، فينتهي أمر الإمارة إلى بني العباس، وتضيع أطماع بني أمية فيها وإلى الأبد، فحاول تدبير الأمر من باب الحنكة السياسية لإضعاف بني العباس، والحيلولة دون أن ينتهي الملك (كما صوره والده في بطن مكة للعباس نفسه عندما رأى جيش محمد القادم لفتح مكة حينئذ) إلى بني العباس. فكيف سيوقف هذا الزحف العباسي؟

رأينا: استطاع معاوية أن يوقع المسلمين في إشكالية جدلية إدارية بحتة وهي: أيهما الأولى بالنسبة للخليفة علي: المبايعة أم القصاص من قتلة عثمان؟

وبمثل هذه الحجة استطاع معاوية أن يثير القلاقل حول شرعية خلافة علي وبالتالي إيقاف تفعيل الإمارة إلى إشعار آخر غير معلوم. وبمثل هذه الحجة استطاع أن يجتذب مجموعة من كبار الصحابة إلى صف المطالبين بالقصاص كأولوية قصوى تقدّم على المبايعة. وفي هذا الشرك وقع علي ومن معه في الفخ الذي نصبه لهم معاوية. فبدلا من القبول بالأمر أصبح الخلاف هو سيد الموقف، فانتقل الأمر من المطالبة بالمبايعة (الإمارة) إلى شخصنة الخلاف حول الخلافة. فلربما كان منطق معاوية حينها هو أن الذي لا يقتص لدم عثمان في الحال ربما لا يستحق خلافته. ولما لم يكتم المؤيدون لعلي (الملتفون حوله حينئذ) قلقهم من شخصية معاوية نفسه، ومن معرفتهم لحبه في الإمارة، أصبحوا من المروجين لفكرة أن معاوية يريد الوصول إلى الحكم مكان علي بأي وسيلة كانت. فأظهروا الأمر ويكأنه انقلاب على الشرعية (كما فعل السيسي مثلا بمرسي مصر). ففي حين أن أنصار مرسي أصبحوا يدافعون عن صاحبهم بحجة أن خصمه السيسي راغب في الحكم، كان أنصار السيسي يبدون قلقهم من سياسة مرسي. فما الذي يمكن فعله بعد أن تفاقمت الأزمة السياسية بين الطرفين؟ هذا مثال للتوضيح وليس للمقارنة (الكلام هنا موجه لمن برعوا في اجتزاء النصوص من سياقاتها للتشهير بأعراض الناس على المنابر).

السؤال: كيف نفذ معاوية خطته؟

رأينا: لعل أهل العلم لم يختلفوا في طلب معاوية نفسه من علي قبول التحكيم في الأمر، وبالرغم من مشورة بعض أهل علي أنفسهم وبعض مؤيديه بعدم الرضوخ لطلب معاوية وعدم الخروج للتحكيم، لشعورهم بأن مكيدة ما تفوح روائحها في الآفاق، إلا أن عليّا قد وقع في الفخ عندما قبل بمبدأ التحكيم، عندها كان معاوية يرى أنه لابد من تدبير الأمر بطريقة تنتهي إلى شق عصا الطاعة على علي، فكيف سيفعل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نرى أن معاوية لم يكون ليرضى بأقل من وجود كبار الصحابة في حادثة التحكيم، فقد استطاع حتى الساعة أن يجلب في صفه طلحة والزبير، وهم من المطالبين فعلا بأخذ القصاص العاجل من قتلة عثمان. ففي حين أن طلحة والزبير كانا يريان أن عليّا قد تقاعس فعلا عن الأخذ بثأر عثمان من قتلته، كان معاوية يستخدم ذلك حجة لإضعاف بني العباس، الغريم التقليدي لبني أمية في تولي إمارة المسلمين قاطبة. لكن وجود بعض الصحابة كطلحة والزبير لم يكن ليحقق مآرب معاوية كما يريدها، فما الذي سيفعله؟

تخيلات مفتراة لا تصدقوها: لم يكن معاوية – نحن نظن- ليترك الفرصة تفوته، فقد أرسل إلى عائشة طالبا منها التدخل في التحكيم لما لها من مكانة عند المسلمين كواحدة من أمهاتهم، وكشخصية معتبرة من أولي الأرحام بعلي نفسه مروجا للأمر من باب منطوق الآية الكريمة التالية:

النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ۖ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ۗ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَن تَفْعَلُوا إِلَىٰ أَوْلِيَائِكُم مَّعْرُوفًا ۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)
وقد كانت موافقة عائشة على الخروج إلى موقع التحكيم يقع – نحن نفتري القول- تندرج في باب الإصلاح بين الطائفتين المتقاتلتين:

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)
لكن هل كان هذا فعلا ما يريده معاوية؟ وهل هذا فعلا ما كان معاوية يخطط له؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا. فما أن ركبت عائشة جملها وخرجت بناء على طلب مباشر من معاوية، وما أن أدرك معاوية أن عائشة قد أصبحت في منتصف الطريق، لم تصل بعد إلى الموقع التحكيم وتحاول درء الفتنة الكبرى، ولما أدرك أنها لا تستطيع الآن العود إلى الوراء، حتى عمد إلى فعل أمرين اثنين متزامنين:

1. الإشاعة بين الناس أن خروج عائشة قد جاء بطلب منه

2. إحداث الاقتتال قبل وصول عائشة إليهم

السؤال: لماذا فعل معاوية ذلك؟

رأينا: لم يكن معاوية (كسياسي يخطط لينجح) ليخطئ هدفه، فهو يعلم العلاقة التاريخية السابقة بين عائشة وعلي، وهو يستطيع الآن ترويج الشائعات كما يحلو له، ولن يجد كثير عناء في إقناع كثير من الناس (خاصة العوام منهم) على أن عائشة (مادام أنها قد وافقت على الخروج بطلب من خصم علي وهو معاوية نفسه) فهي إذن تناصب عليا العداء، فالعامة من الناس لم ينسوا بعد موقف عليّ من عائشة في حديث الإفك. فانطلت الخطة المحكمة التي دبّرها معاوية على عامة المسلمين، ولازالت تنطلي عليهم حتى يومنا هذا. فهم لازالوا يدافعون عن معاوية ويكأنه صاحب حق تاريخي في خصامه مع عليّ.

السؤال: من الذين لم تنطلي عليهم "خطة معاوية هذه"؟

رأينا المفترى: نحن نكاد نجزم الظن أن الذين لم تنطلي عليهم خطة معاوية وأدركوا على الفور مقصده من وراء ذلك كله هم بعض كبار الصحابة اللذين كانوا في صفه من ذي قبل كطلحة والزبير وعمار.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لمّا كان طلحة والزبير صادقين في مسعاهما، ولما كانا من المسلمين الذين دخل الإيمان في قلوبهم حقا، ولمّا كانا يظنان صادقين أن على عليّ أن يسرع في أخذ القصاص العادل من قتلة عثمان، فهو بالنسبة لهم من كبار الصحابة اللذين لا يجب التهاون في دمهم، خرجا فعلا في بداية الأمر على عليّ، ولكن لما وجدا بعد ذلك أن الأمر لم يعد عفويا صادقا، وإنما أصبح مدبرا من أهل الدهاء في السياسة كمعاوية، تراجعا إلى الوراء على الفور، ولكن كان ذلك قد حصل – للأسف- بعد فوات الأوان، أي بعد أن أعمل السيف بالسيف، وحصل الاقتتال بين الطرفين.

ما الذي فعلته عائشة؟

رأينا المفترى: نحن نظن جازمين أن عائشة لم تكن خارجة مع معاوية (بطلب منه) لتناصب عليّا العداء، وإنما خرجت (نحن نؤمن) بطلب من معاوية لحضور التحكيم في الأمر بهدف الإصلاح بين الطائفتين من المؤمنين. ولكنها ما أن وجدت نفسها في ذلك الوادي حتى أدركت المنزلق الخطير الذي نصبه لها ابن أبي سفيان، خاصة عندما عمد نفر من الصحابة إلى تذكيرها بما قاله النبي يوما من أمر خروجها في جيش الفئة التي ستقاتل عليّا، عندها فقط أدركت أن الخدعة قد انطلت عليها، كما انطلت من ذي قبل على كثير من صحابة الرسول كأمثال طلحة والزبير وعمار بن ياسر، فلقد استطاع معاوية (بدهائه وذكائه السياسي) أن يوقعهم جميعا في شرك لم يستطيعوا الخروج منه إلا بعد فوات الأوان. فحاولت الرجوع إلى الوراء إلا أن ذلك لم يعد ضروريا بالنسبة لمعاوية، فالغاية قد أدركت والوسيلة قد نفذت، وما عاد رجوعها أو تقدمها يفيد في شيء، فقد أصبحت المعركة هي معركة جملها، وقت أصبحت المعركة هي صفينها الذي بلغته.

السؤال: دعنا نصدّق هذه التخيلات التي افتريتها من عند نفسك، يقول صاحبنا، فهل كان في ذلك خير للمؤمنين حينئذ؟ وهل كان في ذلك خير للمؤمنين في كل وقت وحين؟ كيف سنقتنع أن في ذلك خير للمؤمنين وقد قُتل في تلك المعارك (كما تقول بعض روايات أهل العلم) أكثر من سبعين ألفا من المسلمين؟

جواب: نعم. نحن نظن أن ذلك هو الخير كل الخير، وأن هذه هي حكمة الله في فتنة الناس في كل وقت وحين. فكيف ذلك؟

رأينا المفترى: غالبا ما تساءل كثير من الناس عن الفرق بين العيش في زمن الأنبياء أنفسهم والعيش في زمن غير زمن الأنبياء، فغالبا ما ظن العامة من الناس أن من عاشوا في زمن الأنبياء كان لهم ميّزة على من لم يدركهم، وقلّ من يدرك الحكمة الإلهية من وراء ذلك، وكثيرا ما سمعنا من يجهر بالقول: لِم لم أتواجد في زمن الرسول مثلا؟ ألن أرى بأم عيني معجزات تصدق ظني بمحمد؟ فما بال قوم موسى مثلا يرون الآيات التي جاء بها موسى بأم أعينهم بينما حُرِمنا نحن منها؟ وما بال بعض بني إسرائيل يسمعون المسيح يحدثهم في المهد؟ وما بال البعض الآخر منهم يرون بأم أعينهم كيف كان يحيي الموتى بإذن الله ويشفي الأبرص والأكمة وينبئهم بما يدخرون في بيوتهم؟ أليست تلك ميّزات لهم علينا نحن اللذين لم نراها بأم أعيننا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن من العدل الإلهي أن يتساو الناس جميعا، فلا يكون لمن عاصر رسولا (أي عاش في زمنه) فضلا أو ميزة على من جاء بعده. فكيف سيتحقق العدل الإلهي في ذلك؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا: إنها الفتنة.

أما بعد،

نحن على العقيدة التي مفادها أن الله هو الفتّان (جملة ذهبية لأهل السرقات الأدبية اللذين يلصقون العبارات المسروقة خارج سياقها الذي وردت فيه)، فانظر – إن شئت- في الآيات الكريمة التالية:

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53)
إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ (40)
قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24)
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)
وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

فنحن نفتري الظن إذن بأن الله هو من يحدث الفتنة، كما نفتري القول بأن الإله يحدث الفتنة في كل وقت وفي كل حين، وأن ذلك يصيب الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، فحتى موسى نفسه أصابته فتنة الله (وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا)، وربما حصل ذلك لداوود وسليمان كما حصل لآل فرعون.

ونحن على العقيدة التي مفادها أن الهدف من إحداث الفتنة هو ابتلاء ما في الصدور وتمحيص ما في القلوب:

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ۖ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (154)
وأن هذا التمحيص يكون للمؤمنين حقا:

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ

وأن السنّة الإلهية مطلقة العدل تقتضي أن لا يترك أحدا دون هذا التمحيص، ليحصل العلم الإلهي بالجميع:

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16)

وأن هذا التمحيص لا شك يحصل سواء كان الرسول موجودا بين ظهرانيهم أم لم يكن متواجدا فيهم. فالله هو من فتن بني إسرائيل في غياب موسى ووجود هارون بين ظهرانيهم:

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)

وهذه الفتنة قد حصلت للجميع مادام أن الغرض هو واحد: أن يعلم الله. قال تعالى:

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)

السؤال: كيف لازالت فتنة الله جارية حتى يومنا هذا ليعلم الذين صدقوا ويعلم المنافقين؟

رأينا: إنه حديث الإفك. نعم نحن نفتري الظن بأن حديث الإفك هو فتنة الله لهذه الأمة بأكملهما منذ أن جاءت الرسالة الخالدة وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. فكيف يكون ذلك؟

رأينا: بداية، لابد من أن نلفت انتباه القارئ الكريم إلى جملة من الثوابت نلخصها بما يلي:

أولا، ما سنفتريه بعد قليل من قول لا يتعدى أن يكون أكثر من رأي فكري شخصي قابل للتصحيح إن ثبت خطأه. لذا يجب أن يُفهم كلامُنا كلُّه في سياق البحث الأكاديمي، وليس في سياق تشريع العقائد للناس.

ثانيا، نحن نرى أن لا يُلزم القارئُ الكريم نفسَه بما نفتري من قول من عند أنفسنا، لأننا ببساطة غير مسئولين عمن يتخذ من كلامنا هذا منهجا، فهو نفسه من يتحمل تبعات القرار الذي يتخذه.

رابعا، نحن نرى ضرورة عدم الترويج لهذا المنطق المفترى من عندنا بين الناس، فمن أحب الإطلاع على رأينا فعليه أن يقرأه كما نسطره بأيدينا، لأننا غير مسئولين عمّا يخرج من أفواه من ينقل هذا الكلام بلغته الخاصة.

الخ.

أما بعد،

السؤال الأول: أين العدالة الإلهية في الفتنة في ضوء وجود أو عدم وجود الرسول بين ظهرانينا اليوم؟

رأينا: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية التي نقلت عن لسان نوح:

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5)

لوجدنا أن النتيجة ربما لم تكن مرضية تماما: لأنه ما آمن معه إلا قليل:

حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية التي تصور ما كان لإبراهيم من المنّة الإلهية، لوجدنا أن الله هو من آتى إبراهيم رشده:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)

ولو عززناها بالآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله هو من آتى إبراهيم حجته على قومه:

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)

ولو ربطناها بالآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله قد أرى إبراهيم ملكوت السموات والأرض:

وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

لكن السؤال الحتمي هو: ما الذي حصل على أرض الواقع بعد كل هذه الميزات التي أظهرها إبراهيم لمن حوله؟ وما الذي بدر من قومه بعد ذلك؟

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26)

ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله هو من أرسل موسى بآياته وسلطان مبين:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (96)

ولو تدبرنا الآيات الكريمة الكثيرة في كتاب الله التي تتحدث عن قصة موسى مع آل فرعون ومع بني إسرائيل، لوجدنا أن موسى قد فعل كل ما يمكن فعله لهداية قوم فرعون ولهداية بني إسرائيل إلى صراط الله المستقيم (كشق البحر بالعصا وإدخال يده في جيبه لتخرج بيضاء من غير سوء، وتفجير عيون الماء من الحجر والآيات التسعة التي جاء بها آل فرعون، الخ). لكن السؤال الحتمي هو: ما الذي حصل على أرض الواقع بعد كل هذه الآيات المرئية التي أظهرها موسى لمن حوله؟ وما الذي بدر من قوم فرعون أو من بني إسرائيل لاحقا؟ فهل آمن به آل فرعون؟ وهل آمن به كل بنو إسرائيل؟

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (23)

قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24)

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)


ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن المسيح هو نفسه كلمة الله وروح منه.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)
ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن المسيح قد كلّم الناس في المهد وكهلا:

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)

ليبرز السؤال نفسه مرة أخرى: ما الذي حصل على أرض الواقع بعد أن أظهر المسيح لمن حوله ما يملك من الآيات التي تثبت صدق رسالته لهم؟ وما الذي بدر من بني إسرائيل الذين كان المسيح رسول الله إليهم؟

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

السؤال المنشود: هل تعتقد – عزيزي القارئ- أن وجود نوح أو إبراهيم بين ظهراني قومه أو وجود موسى أو عيسى أو حتى محمد بين ظهراني الأقوام اللذين أرسلوا إليهم قد أحدث فعلا فرقا كبيرا فيهم حينئذ؟

رأينا: لا أظن ذلك.

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ۚ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ ۚ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ۚ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (145)

السؤال الثاني: ما فائدة الفتنة إذن؟

رأينا المفترى: ليعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين:

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3)

السؤال: ما الفرق في العدد بين الفئتين (الذين صدقوا مقابل الكاذبين)؟

رأينا: نحن نظن أن الغالبية الساحقة ستكون في الطرف الآخر (الكاذبين)، لأن عباد الله قليل، بينما الغالبية العظمى ستقع فريسة سهلة لإبليس وجنوده:

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)
يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)

نتيجة مهمة جدا جدا: نحن نعتقد أن الذين صدقوا هم اللذين نجوا من فتنة الله لهم في كل وقت وفي كل حين، وهم الذين لم يستطع الشيطان أن يوقعهم في شركه، وهم – لا شك- قليل.

السؤال: ما علاقة هذا بما نحن عليه من حديث الإفك؟

رأينا: نحن نؤمن أنه من المنطقي لا بل من بديهيات التفكير أن لا ننظر إلى الأمر ويكأننا استثناء عن الخلق أجمعين. فهذه المعادلة تنطبق علينا كما انطبقت على غيرنا: فعباد الله الشاكرين هم قليل، والغالبية الساحقة من الناس هم من الفئة التي يستطيع الشيطان أن يسقطهم في شراكه بكل يسر وسهولة.

السؤال: كيف يمكن ربط هذا الكلام بواقع الأمة التي تظن أنها تنتمي إلى الإسلام الآن؟ أليس هناك ملايين الملايين ممن يظنون أنهم ينتمون إلى الإسلام؟ هل فعلا هؤلاء هم مؤمنون صادقون؟

رأينا: كلا وألف كلا. فالغالبية الساحقة قد وقعت فريسة سهلة لمكيدة إبليس وجنوده، أما من نجا من براثن الشيطان فهم قليل.

السؤال: لماذا؟ لماذا تظن أن الناجين ممن يظنون أنهم ينتمون إلى الإسلام قليلون جدا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لأنه ببساطة ليسوا مسلمين

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: لأنهم اختاروا لأنفسهم تسميات غير أن يكونوا مسلمين. فبعضهم ينتمي إلى ... وبعضهم ينتمي إلى ...، الخ. وهؤلاء هم (نحن نفتري القول) الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا، فكل حزب بما لديهم فرحون:

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)

وهؤلاء هم الذين أعلن الله براءة محمد منهم تماما:

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)

السؤال: كيف يمكن التمييز؟

جواب خطير جدا جدا جدا: إنه حديث الإفك

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن المؤمنين الصادقين هم كل من نأى بنفسه عن حديث الإفك تماما، وهم من ظنوا بأنفسهم خيرا:

لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ (12)
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)

السؤال: وما علاقتنا نحن اليوم بحديث الإفك الذي حصل في الأمس؟ وأين هم اللذين لازالوا يخوضون في حديث الإفك؟

رأينا المفترى: إنهم اللذين اتخذوا عقيدتهم بناء على القسمة التي حصلت بسبب حديث الإفك.

السؤال: وأين اللذين لا يخوضون في حديث الإفك؟

رأينا: إنهم فئة قليلة من الناس، وهم اللذين لا يرضون أن يسمّوا أنفسهم أكثر من أنهم مسلمون وكفى: أنهم الذين ينعتوا أنفسهم بكلمة واحدة: مسلم. انتهى.

السؤال: وأين هم الآن؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأنهم اللذين لا يضعون أنفسهم في فرقة لتهاجم عائشة وهم في الوقت ذاته اللذين لا يضعون أنفسهم في الفرقة الأخرى التي تدافع عن عائشة. فالله هو من تكفل بالدفاع عن أهل البيت:

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

لذا، فإننا نفتري القول بأن أهل البيت لا يحتاجون مدافعا عنهم، وكل واحد منهم أكبر وأجل من يلقي سفيها عليهم كلاما لا ينم إلا عن ما وقر في قلبه من البغضاء والحسد. لذا نحن نكاد نجزم القول بأن كل من نصب من نفسه مهاجما لعائشة وكل من نصب من نفسه مدافعا عن عائشة فهو من اللذين لازالوا يخوضون في الإفك، وهؤلاء جميعا(نحن نفتري القول) اللذين لا ينطبق عليهم قول الحق:

وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)

السؤال: من هي الفرقة الناجية إذن؟

منطقنا المفترى الذي لا نطلب من القارئ الكريم أن يتخذه عقيدة له ما لم يجد أنه قادر على تحمل تبعات قراره: نحن نرى أن الحكمة تكمن في أن لا نستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير كما فعلت الأمم السابقة من قبلنا:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الْأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا ۖ قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَىٰ بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ ۚ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ ۗ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)

لأنه ليس من الحكمة أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، أليس كذلك؟

السؤال: كيف يمكن تطبيق هذه المعادلة الإلهية في وضعنا الحالي؟

رأينا: نحن نظن أن الاستنباط الذي نُجهد أنفسنا للوصول إليه يمكن أن نروّج له على النحو التالي:

أولا، إن الدين عند الله الإسلام، أليس كذلك؟

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

ثانيا: إبراهيم هو الذي سمّنا المسلمين:

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

ثالثا: الله هو من أتمم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا، أليس كذلك؟

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ۚ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (3)
رابعا: الله هو من بيّن لنا أنه لن يقبل ممن يبتغي غير الإسلام دينا:

وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85)

فلقد كان إبراهيم وذريته من بعده مسلمين:

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)

وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)

أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)


وعلى ذلك الدين اختار يوسف أن يموت:

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)

وكذلك كان موسى وهارون ومن آمن معهم:

وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (84)

وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا ۚ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)


وكذلك كان داوود وولده سليمان وكل من آمن معهما:

أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)

قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38)

فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42)


وكذلك كان الحواريون:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

وكذلك كان محمد وصحبه الصادقين:

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (64)

وكذلك كان جميع رسل الله:

قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (84)

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)

وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)


السؤال: ماذا كان محمد وأهل بيته وصحبه إذن؟

رأينا المفترى: مسلمين:

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)

قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12)


النتيجة مفتراة: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية تصف عقيدة من كان من الفرقة الناجية:

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33)

السؤال الذي أوجهه لنفسي بعد هذا الاستطراد هو: إذا كان الدين عند الله هو الإسلام، وإذا كان إبراهيم هو من سمّانا كذلك، وإذا كان رسل الله جميعا مسلمين، وإذا كان الله هو من رضي لي الإسلام دينا، وإذا كان الله لن يقبل مني إن لم أكن مسلما، وإذا كان محمد قد أُمر أن يكون أول المسلمين، فلم إذن (أنا أتسال) اختار لنفسي أن لا أكون مسلما؟ ولِم اختار أن الحق نفسي بمجموعة لا أعرف من أين جاءت تسميتهم؟ ولم اختار مجموعة تتخذ اسما لا أعرف من الذي سمّاهم إياه؟ ولِم التحق بركب لا أعرف من أين اكتسبوا الشرعية له؟ أليست تلك إذن مسميات هي من عند أنفسهم أو هي ما وجدوا آباءهم عليها؟ ولم التحق بأي جماعة لا أعرف متى بدأت ومتى يمكن أن تنتهي؟!

رأينا: أنا افتري الظن بأن أي تسمية غير الإسلام هي من الأدنى الذي لا أرضى به، لأنني اعتقد جازما أنها جميعا مسميات لا تعدو أكثر مما وجدونا عليها آباءنا عليه.

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن هناك فرق كبير بين من يدافع عن الإسلام ومن يدافع عن ما وجدوا آباءهم عليه. فغالبا ما تجد كل حزب (وكل طائفة وكل فرقة) يدافعون عن الموروث ليس لأي سبب إلا لأن هذا ما ألفوا عليه آباءهم. وهم لا يؤمنون بأكثر مما وجدوا آباءهم يفعلون.

أما أنا فإني لا أدافع عن ما وجدت عليه آبائي ولكنني أدافع عن عقيدتي التي ألخصها بما يلي: اللهم أشهدك أني قد وجهت وجهي إليك مسلما حنيفا، وأعوذ بك أن أكون ممن رضي بغير الإسلام دينا، وأبرئ إليك من كل من ينسبني لأي طائفة أو أي فرقة كانت. وأسألك وحدك أن أكون من حزبك الحق، وليس ممن يتستر تحت مسميات لتمرير عقائد ألفوها من آبائهم، وهم لا يفقهون عواقب ما يفعلون:

لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ۖ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ اللَّهِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)

آمين، آمين، آمين.

والله أعلم

وللحديث بقية إن شاء الله

فالله وحده أسأل أن يهدينا رشدنا وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، وأن يزدنا علما، إنه هو الواسع العليم – آمين. وأعوذ بالله أن أكون قد افتريت عليه الكذب أو أن أكون قد قلت عليه ما ليس لي بحق – آمين

والله أعلم

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم: د. رشيد الجراح

4 تشرين الثاني 2014







[1] للتفريق بين الغار والكهف انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: كيف تم خلق عيسى بن مريم؟ الجزء السابع