تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (6): باب النمل


حاولنا في الجزء السابق من مقالتنا هذه التفريق بين  ثلاث مفردات قرآنية هي الإنابة، والاستغفار، والخرور راكعاً، وكان القصد مدفوعاً بالرغبة المرجوة أن نفهم من خلال ذلك سبب تأخر سليمان في الإنابة بعد أن حصلت له الفتنة ووجد الجسد ملقىً على كرسيّه، وقادنا الحديث عندئذ إلى تقديم الافتراء الذي مفاده أن فتنة سليمان كان سببها حبه للخير من الصافنات الجياد (أي مداعبة النساء) عن ذكر ربه (أي التسبيح) في وقت العشي الذي كان من المفترض أن يخصصه سليمان للتسبيح كما كانت شريعة والده داوود من قبله، وكان همنا هو إثبات أنه لمّا أناب سليمان من فتنته تلك، جاءه الكرم الإلهي على نحو أن يمْنن أو أن يمسك بغير حساب، فخضنا في معنى الآية الكريمة (هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)، وحاولنا عقد مقارنة بين ما حصل لسليمان بعد إنابته تلك مع ما تحصّل لمحمد بعد حادثة التزويج الإلهي له بزينب كما جاء في الآية الكريمة (لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا). (للتفصيل انظر الجزء السابق مع الرجاء بعدم الاقتباس، فالنص يؤخذ كتلة واحدة أو أن لا يؤخذ أبداً، والله أسأل أن لا يعفو عن من يجتزئ شيء منه دون إذن مسبق مني).

وقد توقفنا في الجزء السابق عند هذه الأعطية الربانية الكريمة لسليمان بأن يمْمن أو أن يمسك بغير حساب، وزعمنا الظن أن كل ذلك حصل في واد النمل عندما أوقف سليمان جيشه بأكمله من الجن والإنس والطير ليتيح المجال للنمل بأن يدخلوا مساكنهم حتى لا يحطمنهم سليمان وجنوده[1]، وحيث وجد الجسد ملقىً على كرسيه، فحاول أن يفهم كيفية وصول الجسد إلى كرسيه بنفسه، فأخطأ سليمان الاستنتاج – نحن نفتري القول- عندما ظن أن الهدهد هو من قام بفعل الإلقاء (أو أنه قد قصّر في مهمته في حراسة الكرسي من أعلى)، فخرج باحثاً عنه، مهدداً له بالذبح أو متوعداً إياه بالعقاب الشديد، ولمّا استطاع الهدهد أن يقدّم لسليمان الدليل على أنه لم يكن موجوداً في المكان كله لحظة أن ألقي الجسد على كرسيه، فهو كان يستطلع خبر ملكة سبأ، أسكت ذلك غضب سليمان من الهدهد بعض الشيء، ولكنه أرسله في مهمة إلقاء رسالته إلى تلك الملكة، طالباً فيها أن تأتيه وقومها مسلمين قبل أن يأتيهم سليمان بجنود لا قبل لهم بها.
ولمّا كان الحديث عن قصة سليمان لم يصل إلى نهايته بعد، ظننا أن التساؤلات التالية ستكون محور نقاش في الأجزاء القادمة من مقالتنا هذه:
-        ما هو النمل؟ ولم النمل؟ وما هي تلك النملة التي تحدثت باسم جنسها؟ وأين هو واد النمل ذاك؟ وكيف هي مساكن النمل؟ وكيف دخل النمل إلى مساكنهم؟ الخ؟
-        ما هو الهدهد؟ وكيف أوصل الهدهد الرسالة للملكة؟ كيف عاد بالرد؟ الخ؟
-        من هي تلك الملكة؟ وأين هي مملكتها؟ ولماذا كانت امرأة هي التي تحكمهم؟ لم لم يكن الذي يحكمهم رجل منهم؟ ولم استجابت لطلب سليمان؟ وما هي الهدية التي أرسلتها لسليمان؟ لماذا ردّ سليمان هديتها إليها؟
-        كيف تم إحضار عرشها إلى سليمان؟ ولماذا العرش؟ وما هو العرش الذي أحضر؟ ومن الذي أحضره؟ وما هو عفريت الجن الذي تبرع بإحضار العرش لسليمان قبل أن يقوم من مقامه؟ ومن هو "الذي عنده علم من الكتاب" الذي كان حاضراً في ملأ سليمان؟ وكيف استطاع أن يحضر العرش قبل أن يرتد لسليمان طرفه؟
-        كيف تعرفت المرأة الملكة على عرشها؟
-        لماذا أُمرت أن تدخل الصرح؟ وما هو ذلك الصرح؟
-        لماذا كشفت عن ساقيها عندما رأت الصرح؟
-        الخ.
وسنتابع في هذا الجزء من المقالة الحديث عن قصة سليمان مع النمل فقط، مبرزين التساؤلات التالية:
-        ما هو النمل؟ ولم النمل؟ وما هي تلك النملة التي تحدثت باسم جنسها؟ وأين هو واد النمل ذاك؟ وكيف هي مساكن النمل؟ وكيف دخل النمل إلى مساكنهم؟ ولم ذهب سليمان إلى واد النمل أصلاً؟ وهل فعلا دخل سليمان وجنوده واد النمل؟ الخ؟
دعاء: اللهم رب أنفذ قولك بمشيئتك وإرادتك لي الإحاطة بشيء من علمك لا ينبغي لأحد غيري إنك أنت العلي العظيم، وأسألك ربي أن تؤتيني كفلين من رحمتك وأن تجعل لي نورا أمشي به وأن تغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم
أما بعد،
النمل
ربما يثور الاستغراب لدى الكثيرين إن نحن طرحنا التساؤل البسيط التالي:
-        ما هو النمل؟ أو ما معنى مفردة النمل التي وردت في كتاب الله؟ وهل هي فعلاً تلك الحشرة التي نعرفها؟[2]
ولكننا نستطيع بحول الله وتوفيقه أن نلقي بظلال الشك على كل ما جاء به المفسرون حول هذه القصة القرآنية عن النمل عندما نطرح التساؤلات التالية:
-        أولاً، ألم يُعلَّمْ سليمان منطق الطير (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ)؟ فكيف إذاً بسليمان الذي كان قد عُلِّمَ منطق الطير يتخاطب الآن مع حشرة تزحف على الأرض؟ أي كيف يمكن أن يستقيم المعنى عندنا إن نحن فهمنا أن سليمان قد تعلم منطق الطير وها هو يفهم خطاب حشرة تزحف على الأرض؟
رأينا: ربما لا يستقيم المعنى عندنا إلا بواحدة من طريقتين:
1.     أن يكون سليمان قد تعلم منطق تلك النملة التي هي ليست من الطير الذي تعلم منطقه
2.     أو أن تكون تلك الحشرة (التي نعرفها على أنها هي النمل) من فصيلة الطير الذي تعلم سليمان منطقه
-        ثانياً، ألم يكن الحوار قد جرى في واد النمل (حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)؟ فكيف نفهم أن لذاك النمل واد خاص به، ونحن نعلم أن النمل الذي نعرفه منتشر في كافة أرجاء المعمورة؟ فكيف إذاً بذاك الواد يكون هو "واد النمل" على وجه التحديد؟
-        ثالثاً، ألم يجري الحوار في واد النمل؟ ألم تطلب النملة من رفيقاتها أن يدخلوا مساكنهم؟ فإذا كان النمل قد دخل مساكنه التي – ظن علماؤنا- أنها في باطن الأرض، ألن يسبب مرور سليمان وجنوده في ذلك الوادي فوق مساكنهم (حسب فهمهم بالطبع) تدميراً أشد مما لو بقوا متواجدين فوق الأرض؟ فأين كانت مساكن النمل التي دخلوها؟ وكيف تجاوز سليمان وجنوده (إن كانوا قد فعلوا أصلاً) ذلك الوادي دون أن يسببوا أذى لجموع النمل فيه؟
-        رابعاً، ألم تكن النملة تخشى من التحطيم من قبل سليمان وجنوده (الإنس والجن والطير)؟ فكيف يمكن أن يشترك جنود سليمان كلهم في تدمير النمل في ذاك الواد إن كان هو النمل الذي نعرفه؟ ألا يجب علينا أن نفهم كيف يمكن أن يشارك الطير (مادام أنه جزء من جنود سليمان) في تدمير النمل؟ أليس حريّ بنا أن نفهم كيف يمكن أن يشارك الجن في ذلك؟ إنّ جل الصورة التي رسمتها لنا التفسيرات القديمة هي صورة مشاركة الإنس فقط في التحطيم. ولو كان الأمر على تلك الشاكلة، لربما حصل التحطيم لذاك النمل من قبل الإنس حتى بعد أن تدخل إلى مساكنها (هذا إن كانت مساكنها موجودة في باطن الأرض كما صورته التفسيرات القديمة)، وهل يمكن أن يكون المسكن أصلاً في باطن الأرض؟ وما الفرق إذاً بين المسكن والبيت؟ فلم كان للنمل مساكن ولم لم يكن لها بيوت كالنحل أو كالعنكبوت مثلاً؟
رأينا: نحن نظن أن رأي من سبقونا هو رأي مغلوط بكل تأكيد، لا يرقي أن يكون أكثر من إتباع للظن والأماني، وتنقصه الحجة الدامغة المستنبطة من الكتاب نفسه. ونحن نفتري الظن أن شواهد القرآن نفسه ربما تبطل (حسب زعمنا) ما ذهبت إليه هذه الأمة الأميّة قروناً من الزمن. لذا لابد من إعادة النبش في مفردات الآية الكريمة، علّنا نستطيع – بحول الله وتوفيقه- أن نرسم صورة أكثر وضوحاً للمشهد كما يصوره القص القرآني نفسه، مؤكدين في الوقت ذاته على إتباعنا منهج أهل العلم، ولا نحمل من منهج الأمة الأميّة إلا الاعتقاد اليقيني بأن نسلم لربنا:
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ ۗ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ ۚ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا ۖ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)
محاولين (ما استطعنا إلى ذلك سبيلا) أن نترك الأماني والظنون التي قد لا تسمن ولا تغني من جوع:
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)

استراحة قصيرة
نجد لزاماً هنا التأكيد على فكرة حاولنا تمريرها مرات ومرات، ألا وهي ظننا بأن من الخطأ الجسيم أن نسقط فهمنا الشعبي على ما في كتاب الله، فلقد كانت الطّامة الكبرى – في رأينا- عند علمائنا من أهل العلم والدراية تتمثل في أنهم لم يحاولوا تهذيب معرفتهم بالحجة من الكتاب، فلقد أسقطوا الأفهام الشعبية على النص القرآني دون تمحيص للمعلومة ودون تهذيب لمعرفتهم، فخرجوا بتفسيرات أشد ما تكون غرابة، وأسهل ما تكون للدحض والتبطيل. وسأحاول في عجالة أن أقدم مثالاً غالباً ما تغنى به أهل العلم والدراية وخاصة المروجون منهم لنظريات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، والمثال الذي أقدمه يثير سؤالاً  بسيطاً حول ما جاء في واحدة من الآيات الكريمة التالية التي تتحدث عن قصة سيدنا يونس (صاحب الحوت):
فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَىٰ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147)                                                 الصافات
فعندما تصدى أهل للعلم للحديث عن شجرة اليقطين التي أنبتها الله على يونس، ذهبت جل تفسيراتهم إلى ذلك النوع من النباتات الذي يعرفونه هم أنفسهم باسم اليقطين، وما يعرف باللسان الإنجليزي بمسميات مثل Zucchini (courgette) أو marrow (squash) كما في الشكل التالي:
                          





Sources: http://www.google.jo/imgres?imgurl=http://www.v
ectorstock.com/i/composite/40,35/vegetable-marrow-squash-vector-1004035.jpg&imgrefurl=http://www.vectorstock.com/royalty-free-vector/vegetable-marrow-squash-vector-1004035&h=400&w=380&sz=58&tbnid=bqYQaTat5S-sTM:&tbnh=80&tbnw=76&prev=/search%3Fq%3Dsquash%2Bvegetable%2Bimages%2Bfree%2Bdownload%26tbm%3Disch%26tbo%3Du&zoom=1&q=squash+vegetable+images+free+download&usg=__OJRVXRRQMqrx2LPi04eM_HNMJXc=&docid=JZ3Cf6o1sE_8mM&hl=en&sa=X&ei=5LagUNHyJ5CKhQeW-oCYBw&ved=0CDIQ9QEwBg&dur=0
http://www.google.jo/imgres?imgurl=http://www.springhillcommunityfarm.com/recipeImages/zucchini.jpg&imgrefurl=http://www.springhillcommunityfarm.com/shcfRecZucchini.htm&h=162&w=187&sz=1&tbnid=X-fKVOySapASsM:&tbnh=162&tbnw=187&prev=/search%3Fq%3Dzucchini%26tbm%3Disch%26tbo%3Du&zoom=1&q=zucchini&usg=__zjvPCKhbSg-PhyUSxwTiovOjoTw=&docid=3eNCk1fSk5taOM&itg=1&hl=en&sa=X&ei=GrigUOT5Gc_Hswb5zYGgAw&ved=0CHYQ_B0wCg

وذهب بعضهم إلى أن تلك النبته من اليقطين هي من الأنواع التالية (pumkin):
                    



     







Source: http://www.123rf.com/stock-photo/squash_vegetable.html
http://www.google.jo/imgres?imgurl=http://static.ddmcdn.com/gif/how-to-bake-pumpkin-seeds-1.jpg&imgrefurl=http://tlc.howstuffworks.com/family/how-to-bake-pumpkin-seeds.htm&h=162&w=137&sz=1&tbnid=ek5ihbN4-19R7M:&tbnh=162&tbnw=137&prev=/search%3Fq%3Dpumpkin%26tbm%3Disch%26tbo%3Du&zoom=1&q=pumpkin&usg=__HC8f7ltJWwqagAXcElSzd3HFBYY=&docid=AmwQdaFuj5I95M&itg=1&hl=en&sa=X&ei=mbqgUOL3JIfOswa2xYCYCw&ved=0CIUBEPwdMA0

أما استغرابنا فيأتي من الحقيقة التالية: كيف يمكن لتلك الأنواع من النباتات أن تكون شجرة؟ والأهم من ذلك كيف يمكن أن تكون شجرة يستظل الرجل بظلها؟ فالقرآن الكريم  يثبت أن الله قد أنبت تلك الشجرة عليه:
وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (146)
فدلوني (بالله عليكم) كيف يمكن أن تكون تلك شجرة قد نبتت على الرجل؟ هل يمكن لتلك الأنواع من النباتات أن تنمو لدرجة أن تكون بحجم شجرة يستظل بظلها رجل؟ من يدري!!![3]
رأينا: لابد قبل أن نغوص في الاعجازات العلمية، وقبل أن نقع فيما قد لا يحمد عقباه لاحقاً، لابد أن نهذب ما تحصل لنا من معرفة بعلم اليقطين الذي نعرفه بعرضها على كتاب الله، فيحق لنا أن نتساءل أولاً وقبل كل شيء: هل فعلاً أن شجرة اليقطين التي أنبتها الله على صاحب الحوت بعد أن نبذ بالعراء من بطن الحوت هل فعلاً هي نفسها اليقطين الذي نعرفه في مطابخ أمهاتنا وزوجاتنا؟! أم أن للنص القرآني خصوصية لا يجب أن نتعدى عليها بالظن والأماني؟ والسؤال الأكبر الذي يجب على أهل العلم أن يحسموا أمرهم فيه هو: هل نسقط معرفتنا البشرية على النص القرآني؟ أم هل علينا أن نهذب معرفتنا بالعلم الموجود في النص القرآني؟ هل نصدر نحن معرفتنا الحياتية بحِلوها ومرِّها، بصحيحها وخطئها، إلى النص القرآني دون تمحيص أو تدقيق؟ أم هل يجب علينا أن نهذب معرفتنا تلك بما في القرآن من علم وفير صحيح؟
رأينا: لمّا كان موقفنا العقائدي يتمثل في أننا لا نصدّر المعرفة إلى النص القرآني بل نستورد العلم منه، كان لزاماً علينا أن نسأل: ما معنى مفردة النمل التي وردت في قصة نبي الله سليمان؟ هل هي النمل الذي نعرفه من كلام جداتنا؟ أم هل هو شيء ربما يكون مختلفاً عن ما ألفنا للكلمة من معنى في كلام أهل العربية؟

أما بعد
السؤال: ما هو النمل؟
رأينا (1): ربما يكون النمل نوع من الطير؟
منطقنا المفترى: مادام أن سليمان قد عُلِّم منطق الطير، فهو إذن يستطيع أن يفهم وربما يخاطب الطير، ولمّا كان سليمان قد سمع قول تلك النملة وفهمه، فلابد إذن أنه قد فهم قول من تعلم منطقه. فيستحيل أن تعلم أنت منطق الإنجليز فتفهم خطاب الروس، أو أن تتعلم منطق أهل الصين لتفهم ما يقوله الأرجنتينيون أو البرازيليون؟ ولا ننسى أن سليمان قد تبسم ضاحكاً من قولها، فكيف ولماذا تبسم من قولها؟

ما هو منطق النمل؟
إن هذا النوع من التحريف (أو التخريف) الذي هو من عند أنفسنا يدعونا على الفور للتدبر بمعنى المنطق، لنسأل: ما هو المنطق؟
رأينا: غالباً ما تبادر لذهن القارئ للنص القرآني أن المنطق هو اللغة نفسها، فسليمان عندما تعلم منطق الطير، فهو إذن قد تعلم لغتها، أليس كذلك؟
السؤال: ما علاقة المنطق باللغة؟ هل فعلاً المنطق هو اللغة نفسها؟ وإن كان كذلك، فلم لم يتخاطب سليمان مع تلك النملة التي تحدثت بالنيابة عن زميلاتها؟ ولِم تخاطب سليمان من بعد ذلك مع الهدهد؟ وكيف يمكن أن يختلف منطق النملة عن منطق الهدهد؟ إن جل الذي حصل بين سليمان وتلك النملة هو أن الرجل قد سمع قولها ففهمه:
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ                           النمل (19)
ولكن المتدبر للسياقات القرآنية الخاصة بسليمان يجد أن سليمان لم يجري حديثاً معها كما فعل عندما خاطب الهدهد، أليس كذلك؟
السؤال: لماذا لم يجري سليمان حديثاً (بالأخذ والرد) مع تلك النملة؟
رأينا: كان سليمان يفهم منطقها لكنها (أي النملة) لم تكن تفهم منطقه. ولكن لماذا؟
رأينا: تحدثنا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان "علم اللغة" عن هذه الجزئية، ولا نجد ضيراً في إعادة صياغة بعض الأفكار التي وردت هناك لتخدم غرضنا هنا في هذه المقالة التي تتحدث عن قصة سليمان مع تلك النملة.
فلقد ورد في القرآن الكريم في أكثر من موضع الحديث عن "اللغة"، فجاء ذكر اللغة في القرآن الكريم – نحن نفتري الظن- بمفردة "لسان" وهو ما يستخدمه أهل اللغة الإنجليزية بـ "Mother tongue":
          وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ         مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ                    آل عمران 78
          مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن          لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً                                               النساء 46
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ                                                                                  إبراهيم 4
          وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ                                                                                                 النحل 62
          وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ                                                                                                       النحل 103      
          وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ         يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ                                                         النحل 116
          وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا                                مريم 50         
          فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا                             مريم 97
          وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي                                                                طه 27
          إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ                                                                                                           النور 15
          يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ                        النور 24        
          وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ                     الشعراء 13
          وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ                                                 الشعراء 84
          بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ                                                          الشعراء 195   
          وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ                                                                                                                القصص 34     
          وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ                                                                                                            الروم 22        
          فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ                                                  الدخان 58
          وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى     لِلْمُحْسِنِينَ                                                                             الأحقاف 12
          سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي    قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا                                                                                 الفتح 11
          إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ                                                                                                                الممتحنة 2
لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ   إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)                                                                             القيامة 16-19
          أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)                البلد 8-10
نتيجة مفتراة: اللسان كينونة خاصة بالبشر، فتدبر الآيات الكريمة السابقة التي جاء فيها ذكر للسان يدلّنا على أنّ الحديث كان خاصاً بنا نحن البشر، ولم يشمل الكائنات الأخرى كالجن أو الطير مثلاً.
ثانياً، جاء الحديث عن اللغة كذلك بذكر الأسماء "Naming Theory":
          "وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ                                                                                                                        البقرة 31
          قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ                                                  البقرة 33
          قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا         نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ                      الأعراف 71
مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ      يوسف 40
          إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا        تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى                                           النجم 23
ثالثاً، جاءت اللغة بمعنى النطق (والمنطق):
          قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ                                الأنبياء 63      
          ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ                                الأنبياء 65
          وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ                المؤمنون 62
          وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ                                                                             النمل 16        
          وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ                                        النمل 85        
          مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ                                                                     الصافات 92    
          وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                                                                                  فصلت 21       
          هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ                       الجاثية 29       
          فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ                               الذاريات 23    
          وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى                                                                النجم 3
          هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ                                                                   المرسلات 35
واختص الله سبحانه اللغة العربية بالذكر في أكثر من موضع:
          إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ                                                 يوسف 2
          وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن  وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ                                                                                   الرعد 37       
          وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ                                                                                                       النحل 103      
          وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا                                                                                                                   طه 113
          نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)                                                                                          الشعراء 193-195
          قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ                                              الزمر 28
          كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ                                         فصلت 3        
          وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ       فصلت 44
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ   فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ                                                                     الشورى 7
          وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ         حَكِيمٌ (4)                                                                                               الزخرف 2-4
          وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى     لِلْمُحْسِنِينَ                                                                             الأحقاف 12
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن أن هذه المفردات (اللسان والنطق والأسماء) وإن دلت جميعها على اللغة لا تعني الشيء نفسه، فلكل منها مدلولاته التي لا تتطابق تماما مع الأخرى، فهي مفردات متشابهة لكنها بكل تأكيد ليست متطابقة، لذا نحن نبحث عن الاختلاف بينها، وحتى يتبين القارىء وجاهة ما نقول ندعوه إلى تدبر الآيات الكريمة التي تتحدث عن النطق مثلاً ليجد أن جميعها تتحدث عن ما يسميه البعض "بالجمادات" "والحيوانات" كأصنام قوم إبراهيم، والكتاب، والطير، والجلود، وهكذا، ولكنها تتحدث عن البشر في حالات قليلة جداً، وهي:
فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ                                الذاريات 23     
          وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى                                                                 النجم 3
          هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ                                                          المرسلات 35
وتساؤلنا البسيط هو: لماذا؟ ما الذي يجمع بين هذه الآيات التي تتحدث عن البشر وتلك التي تتحدث عن غير البشر حتى يستخدم لفظ "النطق" على وجه التحديد؟ نقول أنّ المتفحص لهذه الآيات يدرك أنّ الذي "ينطق" لا شك يقول الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. فالكتاب ينطق بالحق، ونبينا لا ينطق عن الهوى، ولو تحدثت أصنام قوم إبراهيم لنطقت بالحق كما ستنطق جلودهم يوم أنْ يأذن الله لها:
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                                                                                               فصلت 21       
وهم لا يستطيعون النطق لأنهم لا يستطيعون قول الحق، فمن لا يقول الحق لا يستطيع النطق:
وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ                                         النمل 85        
          مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ                                                                     الصافات 92
نتيجة مفتراة (1): نحن نفتري الظن أن الذي ينطق لا يحتاج إلى لسان، فالكتاب الذي ينطق عليهم، وجلودهم التي نطقت لتشهد عليهم، ليس لها لسان لتستخدمه حتى تقوم بفعل النطق.
نتيجة مفتراة (2): أما الذي ينطق وعنده لسان، فلا يمكن أن يستخدم لسانه ليفتري الكذب، فرسولنا – لا شك- لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
نتيجة مفتراة (3): نحن نعتقد أن اللسان هو سبب المشكلة، فلو تدبرنا الآيات الكريمة التي يرد فيها ذكر اللسان، لربما وجدنا أن اللسان هو من يحاول تزيف الحقائق:
ففريق منهم قد يلوون ألسنتهم بالكتاب كذباً:
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ         مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ                    آل عمران 78
          مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن          لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً                                               النساء 46
ولا شك أن اللسان هو القادر على وصف الكذب:    
وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ                                                                                                 النحل 62
          وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ         يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ                                                         النحل 116
          إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ                                                                                                           النور 15
وقد خاف موسى أن يكذبه القوم بما ينطق لسانه، فطلب من الله أن يؤيده بمن هو أفصح منه لساناً: 
          وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ                                                                                                                القصص 34     
فالقول باللسان ربما يغطي على ما في القلب:
          سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي    قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا                                                                                 الفتح 11
          إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاء وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ      الممتحنة 2
وقد طلب إبراهيم من ربه أن يجعل له لسان صدق:                                                           
وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ                                                 الشعراء 84
فتحصل له ولذريته من بعده ما طلبه من ربه:
وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا                                مريم 50
نتيجة مفتراة: اللسان هو اللغة التي يمكن أن ينطق بها لسان الشخص ليقول الحق أو ربما ليقول الكذب. وكان اختلاف الألسنة آية من آيات الله:
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ الروم 22
فكيف تختلف ألسنتنا؟ هل اللسان الذي يوجد داخل فم الإنسان يختلف من قوم إلى قوم؟
رأينا: نحن نفتري الظن أن اللسان هو اللغة، وليس العضلة التي توجد داخل الفم. فتلك العضلة – كما أعضاء النطق الأخرى كالشفتين والأسنان والحنجرة- جميعها تساهم في النطق، ولتقريب الصورة فإننا نقول أن العين هي العضلة التي تقوم بعملية الرؤيا، وكذلك هو اللسان فهو العضلة التي تقوم بعملية الكلام.
فكل ما له لسان – نحن نفتري القول- ربما يقول الحق وربما يقول بلسانه ما ليس في قلبه (الكذب).
عودة على بدء
والآن لننظر إلى ما قاله سليمان للهدهد عندما جاءه بالنبأ اليقين من سبأ:
          قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ                                           النمل (27)
نتيجة مفتراة: لما كان الهدهد – حسب رأي سليمان- ربما يقول الحقيقة وربما لا يقول الحقيقة، فإننا نستنتج أن للهدهد لسان (لغة)، فتخاطب سليمان مع الهدهد بتلك اللغة، فكان الخطاب بينهما على نحو أخذ ورد (بالقول ورد القول)، فتلك هي اللغة (اللسان). فذلك الهدهد هو أمة مثلنا، لذا تمكن سليمان من فهم خطابه والحديث معه بالقول ورد القول:
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ                                                           الأنعام (38)
ولكن الحال بالنسبة للنمل، فقد كان – حسب ظننا - مختلفا بعض الشيء، فلم يجري بين سليمان وذلك النمل الخطاب بالأخذ والرد، وجل ما كان من أمر سليمان هو أنه فهم ما قالت النملة، فتبسم ضاحكاً من قولها، ولكنه لم يتخاطب معها، وذلك لأنها قالت بأفواهها ولم تنطق بلسانها (فليس لها لغة وإن كان لها منطق):
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
نتيجة مفتراة: في الوقت الذي فهم سليمان قول تلك النملة (منطقها)، لم تكن تلك النملة لتفهم خطاب سليمان لو أنه خاطبها (لأن ليس لها لسان: لغة). وجل ما فعل سليمان أنه تبسم ضاحكاً من قولها، ولكنه لم يتخاطب معها كما فعل في حالة الهدهد.
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
وذلك لأن تلك النملة هي من النوع الذي تقول بأفواهها (منطق)، وليس لها لسان (لغة). ولا ننسى كذلك أن تلك النملة قد خاطبت كل النمل المتواجد في وادي النمل، فسمع صوتها، ولم يتوقف صوتها عند ذلك الحد، بل تعدى صوتها إلى ما هو أبعد من واد النمل حتى وصل سليمان نفسه الذي لم يكن قد دخل واد النمل بعد، فكيف أسمعت صوتها للجميع لو لم يكن صوتها مرتفع جداً.
نتيجة مفتراة: تلك النملة هي من الكائنات ذات الأفواه (التي تقول بأفواهها وليس بلسانها)، فهي من الكائنات التي لها منطق ولكنها ليست أمة مثلنا مادام أن ليس لها لسان (لغة). وهي من النوع الذي يصدر أصواتاً عالية جداً لدرجة أن يسمعها من هو خارج الواد.
سؤال: لماذا لم يكن ذلك النمل جزء من جيش سليمان؟
جواب: لما كان ذلك النمل لا يفهم خطاب سليمان، لم يلبي نداء الحشر الذي أطلقه سليمان في البداية:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ                      (17)
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن الذي حصل هو على النحو التالي: يطلق سليمان دعوته للجميع بأن يحشروا له طواعية أو كرها ليكونوا جزءاً من جيشه، فلا يفهم النمل دعوة سليمان تلك، فيتخلف عن الحضور، وربما يؤكد ظننا هذا إن نحن استطعنا الإجابة على التساؤل التالي: ما الذي أتى بسليمان وجنوده أصلاً إلى واد النمل؟
جواب مفترى: ربما ظن الكثيرون أن مجيء سليمان إلى واد النمل كان عارضاً في طريقه إلى سبأ، ولكننا نود أن نجلب انتباه القارئ إلى جزئية ربما تكون غاية في الأهمية وهي أن مجيء سليمان إلى واد النمل كان مقصوداً لذاته، وما جاءت قصة ملكة سبأ إلا على سبيل المصادفة. فسليمان قد خرج بجيشه – في رأينا- قاصداً واد النمل، ولنقرأ النص القرآني بشيء من التدبر:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
ونحن نرى الدليل على زعمنا هذا متوافر في مفردتين وردتا في النص القرآني نفسه وهما: وَحُشِرَ و أَتَوْا، ولكن كيف؟

الحشر
1.     الحشر للجميع، فمتى حصل حشر كان المقصود مجيء الكل:
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ۚ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ                                       البقرة (203)
وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ                                                 آل عمران (158)
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ ۚ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا                                                                    النساء (172)
وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ    الأنعام (22)
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ ۚ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ                                                                    الأنعام (38)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ                                                                        الأنعام (128)
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا الكهف (47)
2.     يكون الحشر طواعية أو كرهاً: فها هم الكفار يحشرون على وجوهم، ولا أظن أن من حشر على وجهه قد جاء طواعية وهو يعلم إلى أين سيكون مصيره:
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُولَٰئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا             الفرقان (34)
3.     يكون الحشر لتصفية الحسابات:
قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا ۖ وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَىٰ (126) وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ ۚ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ (127)
4.     وكما أن الحشر يكون في نهاية الأمر لله، فإنه يكون في الدنيا للناس، فهذا فرعون يرسل (يبعث) في المدائن حاشرين بكل سحار عليم:
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112)     الأعراف
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38)                                                                             الشعراء
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53)  
فلماذا حشر لسليمان جنوده؟ وما الدافع أن يحشر لسليمان جنوده؟
رأينا: لمّا كان جنود سليمان قد حشروا له، فلابد أن الدعوة قد انطلقت للجميع بأن يأتوه طواعية أو كرهاً، لذا نحن نفتري الظن أنه عندما لم يجد سليمان أن النمل قد لبى دعوته بالحشر ليصبح جزءاً من جنوده، ذهب هو بجنوده قاصداً واديهم، ظاناً أنهم لم يلبوا نداء الحشر الذي أطلقه ويكأنهم قد تعالوا عليه وخرجوا عن ملكه، ولما كان هذا هو ظن سليمان (كما نتخيله بالطبع)، خرج بجنوده جميعاً قاصداً واد النمل ليلقنهم الدرس الذي لابد لهم أن يتعلموه وهو أن لا أحد يستطيع الخروج على سليمان. ولكن كانت المفاجأة لسليمان أنه ما أن وصل واديهم حتى أدرك أن ذلك النمل لم يكن من النوع الذي يمكن أن يفهم دعوة سليمان (لسان سليمان) بالحشر، ووجد سليمان أن ذلك النمل لا يستطيع أن ينضوي تحت حكمه، ليس خروجاً على أمره، وإنما لأنه لم يفهم لسان (لغة) سليمان، فذاك نوع خاص من الكائنات لا تستطيع الانضواء تحت حكمه لأنها ببساطة ليست أمم أمثالنا مادام أنه يمكن أن تنطق (تقول) ولكنها لا تستطيع أن تخاطب غيرها.
أما الدليل على أن ذلك النوع من الطير لم يكن ليتخلف عن أمر سليمان لو أنه فهم منطقه، وأنه لم يخرج عن أمر سليمان هو ردة فعله الأولى عندما رأى جنود سليمان:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
السؤال: لماذا طلبت تلك النملة من النمل كافة في ذلك الواد أن يدخلوا مساكنهم حتى لا يحطمنهم سليمان وجنوده؟
رأينا: إن دخول أحد أطراف الحرب (خاصة المُحَارَب) إلى مساكنهم يعني بكل تأكيد الاستسلام للمحارب، فمن أحس بأن البأس لا محالة نازل به، ستكون ردة فعله أن يركض ليدخل في مسكنه:
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)
فلقد فهم سليمان من ردة فعل النمل تلك (الركض إلى مساكنهم خوفاً من بأس سليمان) أنهم قوم لم يخرجوا عن دعوته ولكنهم فقط لم يفهموها، لذا جاء تبسم سليمان من قولها، ولكنه لم يتخاطب معها:
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
نتيجة مفتراة: لقد أطلق سليمان دعوته أن يحشر إليه جنوده من الجن والإنس والطير، فحضر الجميع، وغاب النمل، فتوجه سليمان بجنوده قاصداً واد النمل ليطلع على سبب غيابهم، وليحضرهم كراهية إن هم رفضوا أن يأتوه طواعية، فلا ننسى أن من كان في جند سليمان لم يكن جميعهم راغبين بالحضور، وليس أدل على ذلك مما فعل الجن لحظة أن علموا خبر موت سليمان:
فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ                                 سبأ (14)
وما أن وصل سليمان إلى واد النمل حتى وجد أن ذلك النمل قد غاب عن الحضور إلى سليمان لينضوي تحت لواءه ليس خروجاً عن أمره ولكن لأنه من النوع الذي لم يفهم دعوة سليمان في الأساس، فهو نوع من الكائنات الحية التي لم تكن من الأنواع الثلاثة النقية كالإنس أو الجن أو الطير التي سارعت لتلبية نداء سليمان طواعية أو كرهاً. وكان هذا – في رأينا- سبباً أن ينفجر سليمان بالضحك من قولها:
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
نعم، نحن نفتري أن تلك النملة قد سببت لسليمان الضحك لأنه علم أنها ليست من الكائنات التي لها لسان، لتقول به الحق أو لتكذب به، كما الحال بالنسبة للطير أو للجن التي هي مخلوقات مكلفة مثلنا. (انظر مقالتنا السابقة)
أَتَوْا
أما دليلنا  الثاني على أن سليمان قد ذهب قاصداً واد النمل فيأتي من مفردة " أَتَوْا":
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
فنحن نفهم من السياقات القرآنية العديدة أن الإتيان لا يكون إلا إلى مكان مقصود لذاته ومصداق ذلك ما نجد في الآيات الكريمة التالية:
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ ۚ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70)
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ۗ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189)
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ۖ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ۚ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
نتيجة مفتراة: لما كان سليمان قد أتى بجنوده إلى الواد النمل، فهو إذاً كان قاصداً الذهاب إلى ذلك المكان بحد ذاته.
تساؤلات: فما هو النمل؟ وأين يوجد ذلك النوع من الكائنات؟
رأينا: لا نظن أن ذلك النوع من الكائنات يمكن أن يكون موجوداً في كل مكان، وإلا لمّا كان له واد خاص به، فوجود واد لذلك الكائن يدل على أن حياته مرتبطة بظروف ذلك الوادي.
سؤال: كيف يعيش ذلك الكائن؟
رأينا: أنه يعيش في جماعات، فتلك النملة قد خاطبت زميلاتها محذرة إياهن من بأس قد أحست به؟
سؤال: أين يعيش ذلك الكائن؟
رأينا: هو كائن يعيش في مساكن، بدليل أن النملة طلبت من زميلاتها أن يدخلن مساكنهن؟
المسكن
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17) حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)
كيف استطاع النمل تجنب الهلاك من قبل سليمان وجنوده؟
جواب: إن دخول المسكن كما ذكرنا سابقاً هو إشارة بإلاحساس بالبأس القادم:
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
نتيجة مفتراة: لقد كان دخول النمل مساكنهم استسلاماً لسليمان وجنوده، فلم يقع عليه التحطيم، ولكن ما معنى التحطيم؟
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
نحن نفتري الظن أن طلب النملة من زميلاتها أن يدخلوا مساكنهم يدلنا على أنها كائنات مهددة بالزوال، فالأقوام التي كانت تسكن المساكن هي أقوام أبيدت بأكملها[4]:
وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ                                                                                                       إبراهيم 45
أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ                                                                                             طه 128
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَىٰ مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ                       الأنبياء 13
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ۖ فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا ۖ وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ                                                                                     القصص 58
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ                                                                      العنكبوت 38
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ ۖ أَفَلَا يَسْمَعُونَ                                                                                      السجدة 26
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ                                                                                                      الأحقاف 25
نتيجة مفتراة: مادام أن تلك الكائنات قد اتخذت لنفسها مساكن، فلا شك أن الدمار قد حل بها ولو بعد حين، أي لقد انقرضت ليس على يد سليمان وجنوده، وإنما تلك سنة كونية تصورها الآيات الكريمة، فما من أمة اتخذت مساكن لها حتى فنيت تلك الأمم وبقيت مساكنهم شاهدة على وجودهم القديم. ولو حاولنا التمييز بين المساكن والبيوت، ولجدنا أن العنكبوت قد اتخذت بيتاً:
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا ۖ وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ ۖ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
وكذلك النحل:
وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ       النحل (68)
ولو كان النمل الذي تحدثت عنه قصة سليمان هو النمل (الحشرة) التي نعلم لأمرت تلك النملة شقيقاتها بأن يدخلوا بيوتهن (وليس مساكنهن). فنحن نفهم أن المسكن لا يكون على سبيل الدوام، ومن هنا ربما جاء الحديث على أن الأزواج يسكنون إلى من أزواجهم، فالعلاقة بينهما لابد أنها إلى زوال مهما استمرت. فهي استمرارية محتومة بنهاية مؤكدة. (للتفصيل حول الفرق بين المسكن والبيت أنظر مقالتنا تحت عنوان لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه؟)
ثانياً، مادام أن تلك الكائنات كانت تعيش في مساكن، فإن ذلك يشير بما لا يدع مجالاً للشك أن مساكنهم ترى بالعين:
تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَىٰ إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ                                                                                                                الأحقاف 25
نتيجة: يستحيل – نحن نفتري الظن- أن تكون مساكن تلك النمل باطن الأرض (كما ظن معظم من سبقونا)، لأنه لابد للمساكن أن ترى.
ثالثاً، لقد كان خوف تلك النملة من سليمان وجنوده، أليس كذلك؟
حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18)
لذا، نحن نفتري الظن أن تلك النملة كانت على علم أن جنود سليمان جميعاً سيشاركون في تحطيمهم، فالخطاب كان خاصاً بسليمان وجنوده، أليس كذلك؟
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ               النمل 17
ولما كانت النملة تخشى من سليمان وجنوده، لذا فهي تعتقد أن جنود سليمان سيشاركون جميعاً في تحطيمها وأخواتها من النمل، فيكون السؤال على النحو التالي: كيف يمكن أن يشترك جنود سليمان من الجن والأنس والطير في تحطيم تلك النملة وأخواتها في واد النمل.
رأينا
- الإنس سيحطم من تلك الكائنات ما يمشي على الأرض لأن الإنس لا يستطيع أن يصل إلا لما هو موجود على الأرض.
- والطير سيحطم من تلك الكائنات ما يطير في جو السماء
- أما الجن فسيحطم منها ما يقفز بين السماء والأرض، لأن الجن يهتز اهتزازاً بما يشبه حركة عصا موسى:
وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)
نتيجة مفتراة يصعب تصديقها: النمل هو كائنات زاحفة قافزة طائرة، تتواجد في بيئة جغرافية محددة (تقطن مساكن لها)، تخشى على نفسها هلاك جنسها، ذات أفواه، تصدر أصوات مرتفعة جداً، فما هي؟
جواب مفترى:  هي كائنات تشبه ما هو موجود في الصور التالية:

             

















Source: http://www.google.jo/search?q=flying+vertebrates&hl=en&prmd=imvns&tbm=isch&tbo=u&source=univ&sa=X&ei=FrKfUO8OyMC0BqqrgOAP&ved=0CEEQsAQ&biw=1646&bih=870

وللحديث بقية بحول الله وتوفيقه، فالله أسأل أن يأذن لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيري، إنه هو السميع المجيب.

المدّكرون:        رشيد سليم الجراح
                   علي محمود سالم الشرمان

بقلم      د. رشيد الجراح
13 تشرين ثاني 2012




[1] وسنرى لاحقاً أن دخول النمل مساكنهم كانت علامة على استسلام النمل لسليمان وجنوده لأن سليمان كان أصلاً قاصداً واد النمل في حملته العسكرية تلك.
[2] للتفصيل حول النمل انظر ما جاء في الوكيبيديا حول هذا الكائن:
http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%86%D9%85%D9%84

[3] وربما تكون الصورة على نحو أن تلك النبتة قد التفت حول جسمه حتى غطته بالكلية، فلا ننسى أن آدم وزوجه طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، فمفردة "عليه" وعليهما تستدعي جلب سياقات قرآنية عديدة لفهم ماهية العلو هنا. وهذا ما سنتحدث عنه بحول الله وتوفيقه في مقالات منفصلة قادمة إن أذن الله لنا بشيء من علمه.
[4] نحن نظن أن هناك فرق كبير بين المساكن في الدنيا والمساكن في الآخرة، فالله تعالى قد وصف مساكن الآخرة على أنها مساكن طيبة:
وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ                                                                                                    التوبة 72
يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ  الصف 12
وتوعد الله من يركن إلى مساكن الدنيا بأن يأتيه بأمر من عنده:
قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ                         التوبة 24