تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

سفينة نوح ونظرية تكوّن القارات من منظور قرآني


ملاحظة:
نشير للقارئ الكريم أنّ هذه النظرية هي في أطوارها الأولى، لذا فمن أحب أنْ يشارك الكاتب بأفكار تساعد على بلورتها على شكل نظرية قرآنية منافسة للنظريات الوضعية فله من الله الأجر ومنا الشكر والثناء، ومن أراد أنْ ينسب هذه النظرية بكليتها أو بجزئياتها له، فهو لن ينال إلا عقوبة السارق (فنحن نؤمن أنّ الله يعلم من دفع ثمن الأضحية)، أما نحن فلن نلاحقه لا قضائياً ولا أكاديمياً، وأما من ظن أنّ كلامنا لا يعدو أكثر من هراء، فهو بلا شك لم يجاوز الحقيقة وليرسل هذا الملف بأكمله إلى recycle bin على جهازه.

نوح يبني السفينة
لقد وردت قصة نوح مع قومه بشكل عام وقصة بناء سفينته بشكل خاص في أكثر من موضع في القرآن الكريم، ولعلي أهدف في عجالة أنْ أبين أنّ الإشارات النصية داخل السياق الواحد وكذلك الإشارات النصية في نصوص سابقة وأخرى لاحقة تسعفنا في فهم الموقف الذي يصوره القرآن الكريم بشكل أكثر شمولية. إنّ جمع الأدلة على المعاني المستقصاة لا يمكن أنْ يحدده سياق واحد، فنحن نعلم أنّ الموقف قد يذكر في القرآن الكريم عشرات المرات، وكذلك تتكرر الألفاظ، وما نحن بصدده هو تبيان كيف تسعف الألفاظ بعضها بعضاً في تشكيل تصور أوسع وأعمق للموقف.

لعل الشروحات الكثيرة لقصة بناء سفينة نوح لم تعطي صورة متكاملة للحدث، فبقيت على شكل أفكار متناثرة هنا وهناك، ونحن ننوي أنْ نقدم قراءة –كما نعتقد- أكثر شمولية لقصة السفينة، لربما تلبى إلى حد ما شغف القارئ للقرآن الكريم وذلك باستغلال الإشارات النصية، فكثيراً ما تردد في ذهن القارئ للقرآن الكريم التساؤل الكبير التالي: هل يورد القرآن الكريم إجابات لكل ما أحاط بقصة سفينة نوح مثلاً؟ وغالباً ما ورد في الفكر الديني قولاً صريحاً أو ضمنياً الاعتقاد أنّ كثيراً من الأسئلة التي قد تدور في ذهن القارئ لا ترد إجابات لها في كتاب الله لأنها لا تعنينا أو ربما لا تقدم ولا تؤخر معرفتها في شيء، فما الداعي لذكرها؟! إننا نخالف من يقف هذا الموقف في أمور ثلاث: أولاً نحن نؤمن أنّ كتاب الله كامل ففيه المعرفة بأكملها وهو بذلك لا يقدم شيئاً مبتورا، ثانياً لا يمكن لأي شخص مهما بلغ علمه أنْ يدعي المعرفة الكاملة بكتاب الله، فحقيقة أننا لم نستطع لغاية الآن فهم أمر ما لا يعني أنه لا يمكن تأويله على الإطلاق، فالله قال في كتابه الكريم:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ الأعراف (53)
بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ يونس (39)
فأسرار هذا الكتاب لا تنفك عن التجلي يوماً بعد يوم، فكيف إذاً بنا نصدر أحكاماً مسبقة على ما نجهل؟ فحتى يتجلى تأويل هذا الكتاب كلياً نبقى على اليقين أنّ فيه العلم الوفير الذي نعرف قليله ونجهل كثيرة. وثالثاً، والحالة كذلك تبقى المعرفة (وبالتالي الأسئلة التي تدور في ذهن القارئ) ليس فيها ما يمكن أنْ يعتبر زيادة وغير مهم، فمهما كبرت المعرفة أو صغرت فهي مفيدة وقد تسعف في الفهم العام، فلربما ساهمت فكرة بسيطة جداً في حل إشكالية أمر جلل، وهنا نؤكد أنْ لا حدود لطرح الأسئلة إنْ كان المقصود منها زيادة الفهم وتوسيع الإدراك، وإذا كان هذا صحيحاً فمن حقنا أنْ نطرح الأسئلة التالية عن سفينة نوح؟
  1. من الذي بنا السفينة؟
  2. كيف بناها؟
  3. كيف كان شكلها وحجمها؟
  4. أين بناها؟
  5. كم استغرق بناؤها؟
  6. من أي مادة بناها؟
حتى لربما وصلنا إلى
  1. ماذا كان لونها؟
نعم كل هذه الأسئلة وغيرها أسئلة مشروعة نحن بحاجة أنْ نبحث لها عن إجابات، وسنحاول تبيان أنّ القرآن الكريم يقدم لنا إجابات كافية ووافية عنها، ولكن ما هو مطلوب هو أنْ نرصد الإشارات النصية في السياق الواحد ونربطها مع السياقات السابقة واللاحقة لألفاظ القرآن الكريم لندرك كيف يقدم القرآن الكريم الآيات مفصلة غير منقوصة.

  1. من الذي بنى السفينة؟
أما بالنسبة للسؤال الأول، فإننا نعتقد أنّ القرآن الكريم يبين أنّ من قام ببناء السفينة هو نوح نفسه ولم يساعده في بناءها إلاّ قلة ممن اتبعوه، لربما ليس بالحرفة وإنما بالجهد البدني، لذا جاء الخطاب الرباني بالصنع موجهاً لنوح على وجه التحديد:
َأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ المؤمنون (27)
وجاءت جميع السياقات التي تتحدث عن نوح وهو يبني السفينة مفردة نوحاً لا يشاركه أحد في الأمر:
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38) هود 37-38
ولنرقب الدقة اللفظية هنا، فلقد جاء الأمر من الله لنوح بصنع السفينة على شكل الخطاب للمفرد وَاصْنَعِ، وجاء الفعل من نوح في صنع الفلك على شكل الفاعل المفرد وَيَصْنَعُ، وقد جاء خطاب الله لنوح وقومه موجهاً إلى شخص نوح وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ،
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لقد قام نوح نفسه بفعل صناعة السفينة
ولعل الجميع يدرك أنّ السفينة (ومن ثم النجاة من الغرق) لم تكن تحمل فقط شخص نوح، ولكن جاء الخطاب من الله في موضع من القرآن الكريم على نحو:
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ القمر (13)
ولكنّ النجاة كانت له ومن معه:
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ العنكبوت (15)
ولكن السؤال الذي يتبادر للذهن هو: لِمَ جاء الخطاب من القوم مع نوح على صيغة المفرد "وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ"، ولم يأت على نحو "سخروا منهم" مثلاً؟ فنقول أنّ ذلك معلل في كتاب الله، فالقوم بنص القرآن لم يكونوا يأخذوا بالحسبان سوى نوح بشخصه، أما القوم الذين آمنوا معه فقد كانوا بالنسبة لعِليَة القوم المتكبرين على نحو ما قالوا هم بألسنتهم:
فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ هود (27)
ولهذا جاء رد نوح على عِليَة قومه فيما يخص من اتبعه من المؤمنين:
وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ هود (29)
وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30) وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)   هود 30-31
إذاً فالذين كانوا يمرون على نوح لم يكونوا حتى يكلّفوا أنفسهم عناء النظر أو مخاطبة هؤلاء القوم وذلك لأنّ أعينهم تزدريهم، ولعل هذا هو ديدن المتكبرين المتجبرين، تأخذهم العزة بالإثم حتى أنْ يعطوا أدنى اعتبار لمن هم في أعينهم "من أراذل القوم".
ولعل الآيات السابقة تؤكد كذلك أنّ نوح كان هو الصانع الفعلي للسفينة وما كان تواجد من معه في موقع السفينة إلاّ على سبيل الانقطاع، فإن حظر بعضهم بناء السفينة يوما غاب أيام، وبالتالي كان المتواجد على الدوام في موقع البناء هو نوح بنفسه. ولعل التعبير القرآني "وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ" تفيد بلا شك التكرار، فهذه الحادثة لم تحصل مرة واحدة بل حصلت مرات ومرات وذلك بدليل اللفظ "وَكُلَّمَا"، وبالتالي فإنّ الحاضرين عند نوح لم يكونوا نفس الأشخاص في كل مرة، فنوح لم يشكل فريق عمل لبناء السفينة، وإنما كان هو من يقوم بهذا العمل، ولا أخال أنّ نوحاً كان سيرد من جاءه معاوناً في بناء السفينة.
حجم السفينة
ولنتذكر كذلك أنّ سفينة نوح كانت كبيرة جداً في حجمها، وربما نستطيع أن نستنبط ذلك من الأسباب التالية:
أولا، لقد طلب الله من نوح أنْ يحمل فيها من كل زوجين اثنين، وهذا بلا شك يتطلب بناء سفينة بحجم ضخم لتستطيع أنْ تحمل مثل تلك الشحنة الكبيرة، ونستدل كذلك على عظم حجم السفينة من قوله تعالى:
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ القمر (13)
فالسفينة ذات الألواح والدسر لا شك أنها سفينة عملاقة لأنّ الخشب المستخدم في بناءها هو "ألواح ودسر"، فالألواح هو – برأينا- الخشب المسطح الحجم، والدسر هو الخشب الأسطواني الطويل، فالسفينة بذلك كبيرة في مسطحها "بالألواح" وعظيمة في ارتفاعها "بالدسر".
ثانياً، وربما نستطيع أيضاً أن نستدل على ضخامة السفينة من قوله تعالى:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
فالسفينة التي تجري في موج بارتفاع الجبال لا بد أنْ تكون عملاقة في حجمها حتى تستطيع مقارعة الأمواج، وهذا دليل على صلابة ومتانة وإحكام بناءها، فهي بنيت من مواد قادرة على التحمل وهي كذلك صنعت بأيد ماهرة، فمادة الصنع وكيفية الصنع كانتا الضمانة الحقيقية لتحمل حجم العقاب الرباني على القوم.

كيف كان شكلها وحجمها؟
وهنا يبرز التساؤل التالي: كيف كان شكل تلك السفينة؟ إننا ندّعي أنّ القرآن الكريم يبين لنا ليس فقط حجم تلك السفينة بل ويصور لنا شكلها أيضاً. إننا نفهم أنّ تلك السفينة كانت تتألف من طابقين وسطح علوي، ودليلنا على ذلك ربما يستنبط من الآيات التالية في كتاب الله:
أولاً، لقد طلب الله من نوح وجميع من ركب السفينة الدخول في جوف السفينة، وذلك بدلالة حرف الجر "فِيهَا":
"... فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ ..." المؤمنون (27)
فلربما الجميع يعرف أنّ من استخدامات حرف الجر "في" عند الحديث عن المكان هو للدلالة على التواجد بداخل المكان، فأنت إنْ قلت "في الدار" فإنك بلا شك تعني داخل الدار، فالناس والدواب كانوا جميعاً في داخل السفينة، ولكنّ السؤال المثير هو: هل يعقل أنْ يكون الناس وجميع الدواب في نفس المكان في السفينة؟ أي كيف بنوح يضع في نفس المكان المخلوقات التي لربما لا تستطيع التعايش مع بعضها ولو للحظة؟ فلنكف عن الجواب الملجم أنّ الله سخرها كذلك، ولنكف كذلك عن بعض الإسرائيليات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ولنتدبر ما في كتاب الله لنفهم القصة كما حصلت فعلاً، ويأتي الجواب في كتاب الله بالنفي، فيصور لنا القرآن الكريم أنّ البشر الذين ركبوا في داخل السفينة لم يكونوا في نفس المكان مع الدواب، ودليلنا على ذلك الآية التالية:
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ المؤمنون (28)
فـ لنرقب مرة أخرى استخدام حرف الجر هنا، فلقد خاطب الله نوحاً أنْ يسكن هو ومن معه "عَلَى الْفُلْكِ"، ومما لا شك فيه أنّ "على" المكانية تفيد الارتفاع، فأنت عندما تقول "على الدار"، فإنك لا شك تقصد غير جوف طابقها الأول، فنوح ومن معه "أي من الناس" كانوا في السفينة و على السفينة، أما الحيوانات فكانت فقط في السفينة، وربما يرد البعض على أنّ المقصود بقوله "أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ" ليس فقط الناس بل الحيوانات كذلك، فنقول كلا، بدليل قوله تعالى:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فحرف الجر "مع" أُستخدم للدلالة فقط على الناس الذين آمنوا مع نوح، وهذا يعني أنّ الاستواء على السفينة كان فقط للذين آمنوا مع نوح، أما السلوك في السفينة فكان للناس وللحيوانات على حد سواء.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كانت سفينة نوح تتألف من طابقين، لقد استوى نوح ومن معه على السفينة (أي في الطابق العلوي)، وحمل نوح من كل زوجين اثنين في السفينة (في الطابق السفلي).
ونحن نظن أنّه بالإضافة للطابق الثاني، كان نوح يستخدم السطح العلوي للسفينة بدليل:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
ولعل من الضروري أنْ ندرك أنّ الموجود داخل السفينة وفي خضم ذلك الفيضان لا يستطيع أنْ يرى من هو خارجها أو أنْ ينادي عليه، فحتى يسمعك ويجري حوار بينك وبين من هو خارج السفينة لابد من طريقة تمكنك من التواصل، ولعلنا ندرك كذلك أنّ الإنسان بطبعه يحب الفضول، فلا أخال أنّ نوحاً قد أقفل نفسه داخل السفينة ونام، بل لا بد أنّه ترك لنفسه فرصة أنْ يرى ما سيحلّ بالقوم، فلقد صمّم السفينة بطريقة تمكنه من متابعة الأحداث، إما باستخدام النوافذ أو إمكانية الصعود على ظهرها، وهذا مثبت لأنّ نوحاً قد أجرى خطاباً (وهو على الفلك) مع أبنه (وهو خارجها)، وتم الخطاب ليس بالحوار وإنما بالمناداة (أي الصوت المرتفع):
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ المائدة (58)
فالمناداة للصلاة تكون بصوت مرتفع، أليس كذلك؟، وهذا يعني البعد المكاني بين المنادي والمنادى عليه، ولعلنا ندرك أنّ المناداة قد حصلت في خضم تلاطم الأمواج:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
فالمناداة حصلت في تلك الحالة، مما يؤكد البعد المكاني بين نوح وابنه، وهذا كله يشير إلى صعوبة أنْ يحدث خطاب ونوح داخل السفينة، ولكنّنا نعتقد أنّ ذلك الخطاب حصل ونوح على سطح طابقها العلوي. ولو راقبنا النص القرآني جيداً لربما تحصل لنا الفهم أن نوحا كان يرى ابنه في تلك اللحظة:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
فعندما رفض الولد مصاحبة "أبيه"، حال بينهما الموج "أي تعذر معها التواصل حتى بالمخاطبة بصوت مرتفع"، وقد يبادرنا البعض بالقول أنّ المناداة قد تتم دون أنْ يري المنادي والمنادى عليه بعضهم كما في قوله تعالى:
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ الأعراف (50)
ولكننا نقول أنّ من يظن ذلك قد غفل عن ملاحظة مهمة في حالة نوح وابنه، فاللفظ القرآني يشير إلى أن الحيلولة كانت بين المخاطِب والمخاطَب وهما نوح وأبنه فقط، لذا جاء اللفظ بصيغة المثنى "وَحَالَ بَيْنَهُمَا"، ولو كان نوح متواجدا في تلك اللحظة في داخل السفينة مع من ركب معه لجاء اللفظ على نحو "وحال بينهم" بصيغة الجمع كما هو الحال بين أصحاب النار الذين ينادون على أصحاب الجنة، لأنه في تلك اللحظة لن يبتعد الغلام عن مدى الإدراك الحسي لوالده وإنما عن مدى الإدراك الحسي للجميع.

كيف بنيت السفينة؟
والسؤال التالي هو: كيف استطاع نوح (إلى حد كبير بمفرده) أنْ يبني سفينة عملاقة كهذه، سفينة تقارع موجاً كالجبال وتحمل من كل شيء اثنين، سفينة تتكون من طوابق ومعدة للتواصل مع العالم الخارجي؟"
إنّ هذا السؤال يقودنا إلى الاستنتاج التالي: لقد توافر لنوح ليس فقط القوة الجسمية لتحمل مثل هذا العمل الشاق وإنما التقنية التي تسهل عليه عمله، إننا نعتقد أنّ نوحا قد استخدم طريقة في العمل سهلت عليه إنجاز ذلك العمل الضخم، والسؤال هو: ماذا كانت تلك التقنية؟ نقول لقد استفاد نوح من جغرافية المكان لبناء تلك السفينة العملاقة، إننا ندعي أنّ بناء السفينة قد تم في مكان تكثر فيه الأشجار والأنهار، وكان موقع البناء مكاناً منخفضاً (ولنقل كالوادي أو ضفة نهر منخفض مثلاً) ومحاطاً بالجبال الشاهقة من أكثر من جهة، وقد
يرد البعض على الفور بالقول: وهل هذا مذكور في كتاب الله؟ فنقول نعم، وسنحاول تبيان ذلك حالاً.
مكان بناء السفينة
لعل طلب الله من نوح ببناء السفينة وقيام نوح ببنائها من ألواح ودسر تؤكد إمكانية توافر المادة الخام في ذلك المكان، فلا أخال أن الله سيأمر نوح ببناء سفينة في الوقت الذي لا يمكن أن يتواجد في مكان تواجده المادة الخام التي يستخدمها نوح في عملية صنع السفينة.
نتيجة مفتراة: لقد كان مكان تواجد نوح متوافر فيه المادة الخام اللازمة لصنع السفينة
ولعل حصول الزيارة السريعة من قوم نوح له على موقع العمل تؤكد أنّ نوحاً لم يبني السفينة بعيداً عن قومه وإنما على مرأى منهم ومسمع، فالقوم إذاً كانوا يقطنون منطقة مليئة بالأشجار التي يصلح خشبها لبناء السفن العملاقة، وهذا يؤكد أنّ المنطقة شجرية من الطراز الأول.
ولعلي أظن أن نوحا قد اختار قعر الوادي (أو لنقل مكاناً منخفضاً نسبياً) كموقعاً للبناء، والدليل على ذلك في كتاب الله قوله تعالى:
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ هود (38)
فالقوم إذاً كانوا يمرون عليه، وهذا يعني أنّ القوم كانوا في موقع مرتفع بالنسبة لنوح، فنحن نعرف كما ذكرنا سابقاً أنّ "على" المكانية تفيد الارتفاع، ولو كان القوم في مكان مواز بارتفاعه موقع بناء السفينة الذي كان يتواجد به نوح لجاء الخطاب على نحو "وكلما مر به ملأٌ من قومه"، وقد ورد هذا التركيب في موضع آخر في كتاب الله:
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) المطففين 29-30
فالعربية تجيز استخدام حرف الجر على وحرف الجر بـ في قولنا "مررت على فلان" و"مررت بفلان"، ولعل استخدام "على" في هذا المقام يفيد على الأقل أمرين، أولهما أنّ المرور كان من مكان مرتفع، وثانيهما أنَ المرور كان سريعاً ومقصوداً. وهذا ربما يؤكد ما زعمناه في مقالة أخرى بأن على تفيد أن طرف واحد على الأقل كان يرى الطرف الآخر، فلا أخال أن نوحاً كان يرى كل من يمر عليه من قومه، ولكن لا شك عندنا أن من كان يمر على نوح كان يراه. (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان معنى حرف الجر على في العربية).
أما الدليل الآخر على افتراضنا أنّ نوحا قد اختار قعر الوادي لبناء السفينة فيأتي من رد ابنه على طلب والده ركوب السفينة معهم، فجاء على نحو:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
والسؤال البسيط جداً هو: ما دام أنّ الطوفان قد حصل في مكان بناء السفينة فأين كانت تلك الجبال التي كان يظن الغلام أنها ستنقذه من الغرق؟ والدقة تستلزم أيضاً تدبر قول الغلام "سَآوِي إِلَى جَبَلٍ"، وهذا يعني أنّ تلك المنطقة فيها أكثر من جبل واحد، فظن الغلام أنّ واحداً من تلك الجبال سينقذه من الغرق يدلنا على جغرافية المنطقة بشكل جلي. ولعل من الواجب ملاحظته أيضاً أنّ القرآن يصور تلك الجبال على أنّها شاهقة جداً وذلك بدليل قوله تعالى:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
فبالرغم من أنّ الموج نفسه كان بحجم الجبال (وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ)، إلاّ أنّ الغلام كان لازال يرى بأم عينه الجبال الحقيقية التي كان يظن حتى الساعة أنّ باستطاعته الوصول إلى قممها لتنقذه من الغرق، وما كان الغلام سيقول ذلك أو حتى يظن به لو لم تكن الجبال الحقيقية في نظره لا زالت أعظم بكثير من جبال الماء التي شكّلها الطوفان، فتلك لحظة الموت، ولا أخال أنّ أحداً سيكذب على نفسه في تلك اللحظة.
الدليل
وهنا نتوقف عند نقطتين أساسيتين وهما:
أولاً، لقد سخر قوم نوح من نبيهم وهو يبني السفينة ولم يسخروا منه من قبل، بل على العكس تماماً فلقد أخذوه على محمل الجد في بداية الأمر:
قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ هود (32)
وما جاءت سخريتهم منه إلاّ وهو قائم يبني السفينة:
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ هود (38)
ونتساءل هنا: لم جاءت السخرية في هذا الوقت بالذات؟
رأينا: إننا نزعم القول أنّ هذا التساؤل يدعم الافتراض الذي نقدمه هنا والذي فحواها أن نوحاً كان يسكن مع قومه منطقة مليئة بالجبال شاهقة الارتفاع، والسبب في ذلك أنّ القوم ما كانوا ليصدقوا أنْ يحصل طوفان في تلك المنطقة، فهي منطقة جبلية لا يمكن – في نظرهم- أنْ يشكل فيها الماء مهما عظم ما يشبه الطوفان، فجاءت سخريتهم – برأينا- من إقدام نوح على الإيمان والعمل بما لا يمكن أنْ يصدقه العقل والمنطق، فالذين سخروا من نوح هم الذين جادلوه في بداية الأمر، فحصول طوفان في هذه المنطقة ذات التضاريس الجبلية هو أمر لا يمكن أنْ تقره قلوبهم (ولا عقولهم) التي لم تؤمن، ولكن لنتذكر أنّ حكمة الله في إيقاع العقاب على قوم كانت على الدوام على نحو (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا):
هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ..." الحشر (2)
وكانت تلك – في مخيلتنا- هي الصورة بالنسبة لقوم نوح، لقد ظنوا أنّ بلادهم (حصونهم) مانعتهم من الله، وهو بالضبط ما ذكره ابن نوح عندما طلب منه "أبوه" اللحاق بهم على ظهر المركب، لقد ظنّ الغلام (كظن قومه) أنّ جبالهم ستحميهم من الطوفان، ولذا جاءت سخريتهم من صنع نوح، فما الحاجة- في ظنهم- لبناء سفينة في منطقة لا يمكن أنْ يغرقها طوفان. ولهذا جاءت سنة الله لمثل من ظن ظنهم على النحو التالي:
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون الأنبياء (41)
ثانيا: يأتي الدليل على زعمنا حول جغرافية المنطقة من حقيقة سرعة غيضان الماء بعد حصول الطوفان، فالطوفان – نحن نفتري الظن- لم يدم طويلاً، لأنّ الماء في منطقة كهذه لا يدوم طويلاً، فهو بلا شك سريع "الغيضان":
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود (44)
ودليلنا على سرعة غيضان الماء هو تسلسل الأحداث كما ترد في سورة هود:
(1) حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
(2) وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41)
(3) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)
(4) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
(5) وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
(6) وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)
(7) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)
إن مراقبة تسلسل الأحداث في الآيتين 44 و 45 تشير بما لا يدع مجالاً للشك بأن مناداة نوح ربه بشأن ابنه قد حصلت بعد أن بلعت الأرض ماءها وأقلعت السماء وغيض الماء واستوت السفينة على الجودي: فانظر عزيزي القارئ الآيات مرة أخرى:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
فما معنى ذلك؟
فلو افترضنا أنّ الأحداث كلها حصلت على نحو ذلك الترتيب الزمني لوجدنا أنّ غيضان الماء قد تم قبل مناجاة نوح ربه بشأن ابنه (أنظر الآيتين 44 و45)، ولا أخال أنّ نوحاً قد انتظر سنوات أو حتى أشهرا أو أياماً كثيرة حتى يناجي ربه بشأن ابنه بعد الطوفان، بل على العكس تماماً، فنحن نظن أن أول ردة فعل لنوح على حجم الدمار الذي سببه الطوفان ربما كان "معرفة ما حصل بابنه" وأظن أن ذلك كان قد حصل في غضون الساعات – أو على أكبر تقدير- الأيام الأولى للطوفان،
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أنه مادام أن نوح قد نادى ربه بشأن ابنه بعد أن استوت السفينة على الجودي، إن الأمر الإلهي للأرض بابتلاع ماءها وللسماء بالإقلاع وللماء بالغيضان قد حصل على الفور، فما كان للأرض ولا للسماء أن تتباطأ في تنفيذ أمر ربها، وإن صح زعمن هذا، يكون الطوفان قد لبث ساعات أو على أعظم تقدير أياماً قليلة.
ولنتذكر كذلك جغرافية المكان التي ساعدت في غيضان الماء، فالله قد أمر الأرض بابتلاع ماءها (فالأرض قد ابتلعت ما أخرجت من ماء) وأمر السماء بالإقلاع عن إنزال المطر، ولكن يبقى تساؤل غاية في الأهمية يتعلق بغيضان الماء وهو – بمنطقنا الركيك -على النحو التالي: لِمَ جاء في كتاب الله تعبير "وغيض الماء" أصلاً ما دامت الأرض قد ابتلعت ماءها وما دامت السماء قد أقلعت عن إنزال الماء؟
رأينا: نحن نظن أن في تلك العبارة القرآنية دليل آخر على سرعة انقضاء الأمر، فالقصّ القرآني غاية في الدقة لتصوير المشهد، فلم يقل الله في كتابه " وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي" وكفى، بل زاد على ذلك بالقول "وَغِيضَ الْمَاء"، فالماء الذي خرج من الأرض ابتلعته الأرض فوراً، مصداقاً لقوله تعالى:
وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ القمر (50)
فما يكون للأرض أنْ تتباطأ في تنفيذ أمر ربها، فكما نستطيع أن نتخيل سرعة السماء بالإقلاع عن إنزال المطر بأمر ربها نستطيع كذلك أن نتصور سرعة الأرض في ابتلاع ماءها بأمر ربها.
ولكن ما الذي حصل للماء الذي نزل من السماء؟ لما جاء الخطاب القرآني على نحو "يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي" فهمنا أنّ الأرض قد ابتلعت الماء الذي تفجر منها" وذلك بدليل قوله "ابْلَعِي مَاءكِ"، ولم يقل مثلاً "ابلعي الماء"
نتيجة مفتراة: لقد بلعت الأرض ما أخرجت من ماء فقط (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ)
وهذا لا شك يثير التساؤل التالي: ما الذي حصل للماء الذي نزل من السماء؟
رأينا: نحن نظن أنه مادام أن الأرض لم تؤمر بابتلاع الماء الذي نزل من السماء وإنما أمرت فقط بابتلاع ماءها الذي أخرجته من داخلها، لذا نحن نفهم أنّ الماء الذي نزل من السماء بقي على سطح الأرض، لذا جاء التصوير الإلهي (وليس الأمر إلهي)  لهذا الماء بأن يغيض، أي يتم التخلص منه بشكل طبيعي بفعل العوامل الطبيعية كالجريان والتبخر مثلاً، والدقة تستدعي الانتباه إلى الألفاظ نفسها، ولكن كيف؟
نحن نظن أن الله قد ذكر لنا في كتابه الكريم طريقة أخرى لذهاب الماء وهو الغيضان "وَغِيضَ الْمَاء"، فكيف كان الماء سيغيض؟ هل بالتسرب في جوف الأرض؟
رأينا: كلا، لأنّ تسرب الماء إلى داخل الأرض هو "ابتلاع وليس غيضان"، فالأرض أُمرت بابتلاع الماء وليس بغيضان الماء (يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ). وليرقب القارئ الكريم الدقة المتناهية في استخدام الأفعال، فلقد جاء حدث ابتلاع الماء بصيغة الأمر "ابْلَعِي" وجاء حدث إقلاع السماء بصيغة الأمر كذلك " أَقْلِعِي"، أما حدث غيضان الماء فلم يأتي بصيغة الأمر ولكن بصيغة فعل الماضي "وَغِيضَ"، فلماذا؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن أبسط ما يمكن أنْ يستنتج من ذلك أنّ الحدث الأول (الابتلاع) والثاني (الإقلاع) كانا فورياً لأنهما كانا أمراً إلهياً، أما الفعل الثالث (الغيضان) فكان طبيعياً، لذا فإننا نزعم القول أنّ غيضان الماء هو نقص الماء بالجريان الطبيعي، فالماء الذي نزل من السماء جرى على سطح الأرض وذلك بفعل جغرافية المنطقة من الارتفاع نحو المنحدرات، فتكوّم الماء "أو حتى السوائل" يغيض إنْ هو تناقص بالجريان، ونحن نظن أن بإمكاننا أن نستنبط الدليل على زعمنا هذا من قوله تعالى:
اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ الرعد (8)
فكذلك – برأينا- هو غيض الأرحام، فما يتكون من سوائل داخل رحم المرأة ليشكل ما يشبه الطوفان حول الجنين لا شك أنّه يتناقص بالغيضان حتى يخرج الجنين من بطن أمه.
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتصور المشهد على النحو التالي: لقد شكل الطوفان حول القوم ما يشبه ما تشكله السوائل حول الجنين في بطن أمه، ولا ينفك الرحم عن الغيضان حتى يخرج الجنين، فذلك هو – برأينا- الغيضان، أما في حالة قوم نوح فقد قضى عليهم الغيضان وذلك لأنّه جرفهم في طريقه نحو المنحدرات، ولم يخرج سالماً من ذلك الطوفان إلا جنين واحد وهو سفينة نوح بما كانت تحمل فيها من الذين لحقوا بنبيهم.
والجميل في التصوير القرآني للغيضان هو - في رأينا- أنّ ذاك الغيضان كان ضرورياً جداً بعد حصول الطوفان، وإلاّ لبقيت المنطقة التي حصل بها الطوفان مغطاة بالجثث التي أهلكها الطوفان، ولتسبب ذلك حينئذ بكارثة بيئية كان يصعب على نوح ومن معه "على قلتهم" أنْ يتعاملوا معها، فكيف سيستطيع هو ومن معه أنْ يتخلصوا من كثرة الجثث التي لا شك كانت ستتعفن بعد ذلك الطوفان العظيم (هذا إن كانت أصلا قد استقرت في مكان حصول الطوفان)؟ لقد جاء غيضان الماء – برأينا- لينظف المنطقة بأكملها من كل ما يمكن أنْ يسبب فيها الأذى لنوح ومن معه، ولعل البعض يقول وأين ذلك في كتاب الله؟ فنرد على ذلك بالتذكير بالآية التالية:
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ هود (48)
والسؤال المشروع الذي نود أنْ يتفكر به القارئ هو: ما معنى قوله تعالى "يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا"؟ أي لم ذكرت لفظة السلام هنا؟ لعلنا نظن أنّ السلام تعني بأبسط معانيها "عدم حدوث أذى للقوم"، فربنا يخاطب النار لتكون برداً وسلاماً على إبراهيم:
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ الأنبياء (69)
فما تأذى إبراهيم من تلك النار، وكذلك هبط نوح ومن معه بسلام على الأرض فما تأذوا مما حلَ بالقوم.
نتيجة مفتراة: إننا نزعم إذاً أنّ جغرافية المنطقة قد ساعدت على أنْ يهبط نوح ومن معه بسلام فلا يتأذوا من تراكم الجثث الهالكة، ولعل الدقة تستدعي أيضاً أنْ نشير أنّ تلك الجثث لم تبتلعها الأرض وذلك لأنّ الأمر الإلهي للأرض جاء على نحو" وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ"، فلم تؤمر الأرض بابتلاع شيء غير الماء الذي أخرجته من داخلها، وهذا يقودنا إلى التساؤل التالي: أين ذهبت تلك الجثث التي أهلكها الطوفان على كثرتها؟ رأينا: نحن نظن هو أنها ذهبت مع السيول الجارفة بفضل حركة "غيضان الماء" وليس ابتلاع الماء.
وهذا يقود إلى افتراض ربما يكون أكثر إثارة وهو: لربما أنّ نوحا قد هبط بمنطقة غير تلك التي حصل فيها الطوفان، فأين يا ترى استوت سفينة نوح؟
رأينا: نحن نزعم القول أن سفينة نوح قد استوت في بلاد القوم أنفسهم، لأن سرعة حدوث الطوفان وانقضاء الأمر بالسرعة التي تصورها الآيات القرآنية (كما نفهمها نحن) يشير إلى أنّ السفينة لم تقطع مسافات طويلة،
الدليل
أولاً، لنتذكر أنه عندما جرت السفينة جرت في نفس المنطقة التي حصل بها الطوفان وذلك بدليل أنّ نوحاً قد نادى ابنه في خضم جريان السفينة، أي عندما كان الماء يشكل ما يشبه الجبال حول السفينة:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
وقد ذكرنا آنفاً أنّ مناجاة نوح ربه بشأن ابنه قد سبقها توقف الطوفان وانقضاء الأمر برمته واستواء السفينة:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47) هود (44-47)
فما هي إذاً المسافة التي يمكن أنْ تقطعها السفينة في فترة وجيزة كهذه؟ فلقد استوت السفينة على الجودي قبل أنْ ينادي نوح ربه بشأن ابنه، وإنْ صح هذا التصور يكون الجودي "منطقة استواء السفينة" جزءا من منطقة سكن نوح وقومه، وما دام أنّ الماء كان يغيض، فيكون الجودي هو المكان الذي استوت عليه السفينة بمجرد ابتلاع الأرض ماءها، ويكون ما غرق من الجثث قد نزل إلى ما دون ذلك المكان بسبب غيضان الماء.
افتراء من عند أنفسنا: كان الجودي المكان الآمن الذي استقرت عليه سفينة نوح ومن معه ليهبطوا بعدئذ بسلام من ربهم وبركات جزءاً من منطقة سكن القوم.
الدليل
لعلنا بحاجة هنا إلى مراقبة الألفاظ بدقة لنسأل: لم جاء لفظ الجودي بالاسم مقروناً بأداة التعريف؟ فنحن نظن أن هذا الاستخدام في العربية يمكن إجازته في حالة أنْ يكون المكان معروفاً للقوم، فاستخدم الاسم معرّفاً دونما صفته يعني أنه معروف، فلو لم يكن المكان معروفاً بالنسبة للقوم لجاء القول بالصفة الملازمة له كأن يكون مثلاً جبلاً أو وادياً أو نهراً أو بلداً وهكذا، أي لجاء اللفظ مثلاً على نحو "جبل الجودي" أو بلد الجودي أو نهر الجودي وهكذا، ولكن لما حذفت الصفة واستخدم الاسم معرفاً بالـ التعريف، فإنه يحق لنا أن نظن أن المكان معروف للقوم، فتكون السفينة قد استقرت في مكان مألوف بمجرد ذكر اسمه مقترناً بأداة التعريف، ويكون بذلك قد هبط نوح ومن معه في مكان معروف بالنسبة له ولقومه، فهم لم يبتعدوا كثيراً عن المكان الذي كانوا يقطنونه قبل حصول الطوفان، وبمقارنة هذه الصيغة مع صيغة مشابهة تتأكد الفكرة نفسها:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
فتدبر صيغة "وَفَارَ التَّنُّورُ" تؤكد أنّ التنور كان- بلا شك= معروفاً للقوم، وكذلك كان الجودي، ففي كلا الحالتين أستخدم الاسم مقروناً بالـ التعريف دونما صفته، فكما لم تذكر صفة التنور (على أنه نبع ما، أو نهر أو حتى عين ماء أو حتى فرن خبز كما أخطأ الكثيرون في ظنهم) لم تذكر صفة الجودي (على أنه سهل أو وادي أو حتى جبل أو نهر)، ولكنّ المتدبر للسياق يدرك أنّ الطوفان –كما ذكرنا سابقاً- بدأ من أخفض نقطة (التنور) فأخذت السفينة بالارتفاع، وانتهى عند أعلى نقطة، واستقرت السفينة بينهما (الجودي) عندما أخذت بالاستواء، وهذان المكانان كانا – في ظننا- من أشهر المناطق المعروفة للقوم في مكان سكناهم، لذا فقد وردا في كتاب الله دونما الصفة الدالة على كل منهما، وبالتمثيل البياني باستخدام أرقام الآيات للتدليل على الفكرة نجد الشكل التالي: (ذروة الطوفان)
                                                           
    44 (منطقة استواء السفينة)
40 (بداية فوران التنور)
ومما يدل أيضاً على أنّ التنور (كما الجودي) كان معروفاً للقوم هو الصيغة التي ورد فيها في الآية نفسها، ولنتدبر الآية نفسها  مرة أخرى مركزين على قوله تعالى "وَفَارَ التَّنُّورُ":
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
وهنا نجلب انتباه القارئ إلى التساؤل التالي: لِمَ استخدمت الواو في صيغة "وَفَارَ التَّنُّورُ"؟ لِمَ لَمْ ترد الصيغة القرآنية على نحو "حتى إذا جاء أمرنا فار التنور" دون وجود الواو مثلاً؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أنّ فوران التنور كان حدثاً مصاحباً وإشارة دالة على أنّ أمر الله قد جاء ، فيكون بذلك فوران التنور حدثاً منفصلاً وليس جزءاً من أمر الله، لذا جاءت الصيغة على نحو (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ). ولكن لو جاءت الصيغة على نحو "إذا جاء أمرنا فار التنور" فإن فوران التنور سيكون – لا شك عندنا- جزءاً من الأمر الإلهي الذي جاءهم في تلك اللحظة، ويترتب على هذين السياقين معان جمة.
أولاً، إنّ ورود واو المعية (المصاحبة) تعني أنّ حدث فوران التنور لم يكن جزءاً من الأمر الإلهي الذي جاء القوم في تلك اللحظة، وبالتالي يكون فوران التنور أمراً معلوماً لنوح وقومه من ذي قبل، فالقوم قد اعتادوا على ذلك التنور يفور، فكان الأمر الإلهي الذي جاء لنوح على نحو أن التجهز والدخول في الفلك موعده فوران التنور.
ثانياً، لمّا كان الأمر كذلك (أي أنّ فوران التنور أمر معلوم للقوم من ذي قبل) كان ظنهم أنّ ذلك لن يكون طوفانا عظيما، فعندما دعا نوح ابنه للركوب معهم في السفينة، كان الغلام لازال يظن أنّ ذلك من قبيل فوران التنور الذي اعتادوا عليه في أعوامهم وسنينهم السابقة، لذا جاء رده " قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء" ولم يعلم أنّ الأمر اليوم مختلف، فجاء رد والده على نحو "قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ"، وهنا نثير تساؤلاً آخر وهو: لم استخدم نوح في رده على قول ولده لفظة "اليوم"؟ لِمَ لَمْ يقل مثلاً " لا عاصم من أمر الله إلا من رحم" وكفي، ويكون بذلك المعنى أشمل على نحو قانون إلهي يصلح في جميع الأوقات والأحوال؟ رأينا: لقد وردت لفظة "اليوم" – في ظننا- لينبه نوح ولده إلى الأمر التالي: إنّ فوران التنور هذه المرة وما سيحصل بالتحديد في هذا "اليوم" مختلف عن ما عهدنا من الأمر سابقاً، أي أنّ الأمر هذه المرة "اليوم" ليس كما تظن، وهذا بالضبط ما قالته الأمم الأخرى عندما كانت ترى للوهلة الأولى العقاب الرباني قادم إليهم:
"فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا ..." الأحقاف (24)
فالقوم ظنوا أنّ ذلك عارض كالذي كانوا يعهدونه من قبل، ولكن لم يكونوا يدركون أنّ الأمر هذه المرة مختلف، فجاء التحول بقوله تعالى:
"... بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ" الأحقاف (24)
وكذلك هو الأمر – في ظننا- بالنسبة لقوم نوح "لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ"، فمغزى القول أنّ ذلك الحدث وهو "فوران التنور" كان أمراً معلوماً للقوم، لذا جاءت الصيغة على نحو "حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ" ولم ترد على نحو "حتى إذا جاء أمرنا فار التنور"، فلو جاءت هذه الصيغة لكان فوران التنور جزءاً من الأمر الإلهي ولأدرك القوم منذ اللحظة الأولى أنّ الأمر مختلف، ولحملوه على محمل الجد منذ البداية، ولكنّ الله لم يكن ليقدّم لهم الآيات لتكون سبباً في هداية من لم يكن آمن من ذي قبل، ولنتصور الموقف من خلال السؤال التالي: كيف بالقوم يرون آيات الله أمام أعينهم (الطوفان) فلا تتسبب تلك الآيات في هداية حتى شخص واحد؟! ألم يخطر ببال أحدهم أنّ الأمر فعلاً على نحو ما قال نوح؟ لم لم يقل واحد منهم في نفسه "تعال ننجو مع الرجل فلربما أنّ الأمر جد خطير"؟
رأينا: كلا وألف كلا، لقد آتاهم الله من حيث لم يحتسبوا لأنّ الله قد علم ما في أنفسهم فوجه الخطاب لنوح حتى قبل الأمر ببناء السفينة، فقال تعالى:
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ    هود (36)
وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُون    هود (37)
لذا جاء الأمر الإلهي لهم – برأينا- على نحو ما يمكن أن يزيد في إصرارهم على المكابرة والمفاجرة، فتلك القلوب لم تكن لتؤمن حتى ترى العذاب الأليم:
إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (97) يونس 96-97
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201) فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202) الشعراء 201-202
ولا ننسى أنّ فرعون نفسه لما أدرك انّ الأمر واقع لا محالة تلفظ بتلك الكلمات:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ _ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
نعم لقد حقت كلمة الله على قوم نوح، فجاءهم العذاب الأليم بغتة وهم لا يشعرون، فلو علموا به قبل ذلك لربما حاولوا النجاة حتى بأجسادهم ولا ننسى أنّ نوح قد بدأ بتحميل السفينة مع فوران التنور، فلب القول أنّه لو أدرك القوم أنّ فوران التنور أمر خطير هذه المرة "اليوم" لربما كانت ردة فعل بعضهم كردة فعل فرعون، ولكنّ بقي القوم (لربما حتى ذهبت السفينة ولم يكن بالإمكان اللحاق بها) يكابروا ويكذّبوا.
والملحوظ الآخر الذي يدل على أنّ أمر الله أتاهم من حيث لم يحتسبوا هو – برأينا- توقيت الطوفان، فمتى حدث الطوفان؟
نحن نظن أن الطوفان قد حدث مع فوران التنور، ونحن ندرك أنّ فوران التنور تعني خروج الماء من أسفل إلى أعلى، أي خروج الماء من باطن الأرض، ولعلنا نفهم كذلك أنّ الفوران يعني ازدياد كمية الماء المخزون في باطن الأرض وبالتالي تدفقه إلى أعلى، ولعلنا ندرك كذلك أنّ فوران التنور (سواء كان ينبوع ماء أو سيل ماء أو عين ماء أو حتى نهرا) قد لا يحدث إلاّ في أوقات المطر، وهذا يعني أنّ باطن الأرض أخذ يخرج الماء منه عندما زادت الكمية الممكن تخزينها في داخلها، وإنْ صح هذا الاستقراء يكون الطوفان قد حصل في فصل المطر، لذا ظن القوم (ممثلين بولد نوح) أنّ المطر في هذا الوقت من السنة هو أمر متوقع قد لا يثير الاستغراب أو الهلع، فجاء رد ابن نوح بنبرة المتيقن مما يستطيع فعله:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
مما يدل على أنّ الغلام كان لا زال يظن أن باستطاعته النجاة من طوفان كهذا، ولا أظن أنّه كان سيرد بتلك الطريقة لو لم يكن الأمر بالنسبة له من الأمور المتوقعة في ذلك الوقت من العام، فلو كان الطوفان قد حصل في وقت غير وقت سقوط المطر الطبيعي لربما ظن البعض (ولو نفر قليل منهم) أنّ ذلك من صدق نبوءة نوح ولربما كانت ردة فعلهم على نحو غير ما علمنا.
وهذا التصور شامل لكل أنواع العقاب الرباني الذي كان يحل بالأمم والأقوام السابقين. فلقد ذكرنا الآيات التالية سابقاً ولكنا نعيدها هنا لتأكيد الفكرة التي نناقشها في هذا السياق:
فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ الأحقاف (24)
فالقوم قد رأوا المطر قادماً فظنوا أنه المطر الذي اعتادوا عليه سابقاً، ولكن أمر الله جاءهم من حيث لم يحتسبوا:
"... فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا ..." الحشر (2)
ثانياً، لنتدبر الآيات التالية التي استخدمها نوح في دعوة قومه:
ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8)
ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10)
يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11)
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12) نوح 8-12
والسؤال البسيط هو: لِمَ استخدم نوح تلك الحجج في دعوة قومه؟ إننا نزعم الظن أنّ نوحاً لم يكن ليستخدم دليلاً إلا ما لا يستطيع قومه تكذيبه، فهم لا يستطيعون إنكار أنّ الله ينزل عليهم السماء مدرارا، ولا يستطيعوا تكذيب أنّ الله قد أمدهم بالبنين، وأنّ الله قد جعل لهم جنات، وأنّ الله قد جعل لهم أنهاراً، وذلك لأنّ جميع هذه الأمور كانت متوافرة لهم قبل حصول الطوفان، أليس كذلك؟ وبالتالي فالمنطقة التي كانوا يسكنوها كانت تتميز - بالإضافة لما ذكرناه سابقاً- بغزارة أمطارها، وكثرة جناتها وأنهارها، فالمطر الغزير وفوران التنور (فيضان النهر) هي من الأمور المتوقعة جداً خصوصاً في فصل المطر، وبهذا يكون العقاب الرباني قد نزل على القوم من حيث لم يحتسبوا. فالمتدبر لقول نوح "يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا" يدرك أنّ المطر الغزير لم يكن استثنائياً في تلك المنطقة، فالقوم قد اعتادوا على غزارة الأمطار حتى أصبحوا يتمتعوا بالنعم من الجنات، فخلاصة القول هي أنّ المطر الغزير هو أحد سمات تلك المنطقة. وسنعرض لاحقاً كيف أنّ منطقة سكن قوم نوح (عندما نحددها على الخريطة) تمتاز بطبيعتها بكثرة حصول الفيضانات فيها.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لقد كان نوح يسكن مع قومه في منطقة تمتاز بغزارة الأمطار (يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا)
ولعلنا بحاجة أيضاً أنْ نتوقف هنا لنطرح الفكرة التالية: لم صاغ نوح الفكرة على نحو: وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا؟ فلعل فكرة تعدد المال والبنين سهلة الاستيعاب، فقد يتحصل للشخص الواحدة أموال كثيرة وأكثر من ولد واحد:
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا الكهف (46)
يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ الشعراء (88)
فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ الصافات (149)
أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ الطور (39)
زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ آل عمران (14)
وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ الأنعام (100)
وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ النحل (72)
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا الإسراء (6)
أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا الإسراء (40)
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ المؤمنون (55)
أَمَدَّكُم بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ الشعراء (133)
أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ _ الصافات (153)
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ _ الزخرف (16)
أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ القلم (14)
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) المدثر 12-13
وكذلك فكرة تعدد الجنات، فقد يتأتى للشخص الواحد أو للقوم بمجملهم أكثر من جنة:
وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الرعد (4)
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148)              الشعراء 146-148
وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34)      يس 33-34
كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28) الدخان 25-28
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ق (9)
وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاء ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) النبأ 14-16
ولكن السؤال هو: كيف يمكن تفسير فكرة تعدد الأنهار؟
رأينا: إننا نزعم الظن أيضاً أنّ المنطقة التي كان يقطنها القوم كان يجري بها أكثر من نهر، وإلا لجاء خطاب نوح على نحو "ويجعل لكم نهرا" بدلاً من " وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا"، فلقد وردت لفظة المفرد "النهر" في مواطن أخرى في كتاب الله:
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ البقرة (249)
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا _ الكهف (33)
فالذين كانوا مع طالوت ابتلاهم الله بنهر وليس بأنهار، فالقول ليس على المجاز وإنما على الحقيقة، فلم يكن في تلك المنطقة إلاّ نهراً واحدا، وكذلك الحال بالنسبة لصاحب الجنتين، فبالرغم أنهما جنتان (لا جنة واحدة) كان هناك نهر واحد فقط يتفجر خلالهما، فالنهر نفسه كان يخترق الجنتان، ولم يأتي الخطاب على نحو "وفجرنا خلالهما أنهارا" لأنه ببساطة كان هناك فقط نهر واحد.
والآن دعنا نُطبّق المنطق نفسه في حالة نوح عندما قال لقومه "وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا"، ألا يدلنا ذلك على أنه كان هناك أكثر من نهر واحد؟ ربما يرد البعض بالقول أنّ الكلام هنا كان من باب التعميم، فالأنهار موجودة على وجه الأرض بكثرة وبالتالي هي نعمة من نعم الله على البشر بشكل عام، فنرد بالقول أنّ هذا منطق جميل، فصحيح أنّ الأنهار كثيرة وهي من نعم الله ولكن السؤال البسيط لم جاء اللفظ على نحو " وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا"، أي لم وردت لفظة لَّكُمْ هنا على وجه الخصوص؟ فمن هم المخاطبين هنا؟ أليس هم قوم نوح؟ فكيف إذاً بنوح يقول للقوم أنّ الله يجعل لكم أنهارا وهم لا يوجد عندهم أنهارا؟ أو كيف به يقول للقوم أنّ الله يجعل لهم أنهارا وهم لا يملكون إلاّ نهراً واحدا مثلاً؟
رأينا: إننا نزعم القول أنّ نوحاً قد قال ما قال على وجه الحقيقة، فالقوم كانوا يملكون أكثر من نهر، ونحن نزعم الظن أنه ما جاء الطلب الإلهي من نوح إلاّ ببناء الفلك على واحدة منها وهو التنور:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
افتراء من عند أنفسنا: التنور هو واحدة من الأنهار التي كانت تجري في موطن سكن قوم نوح
الدليل
لنتدبر مفردات الآية الكريمة التالية مرة أخرى:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود (44)
فلقد ذكرنا أنّ الأرض قد أمرت بابتلاع ماءها، أي ما خرج من بطنها ولم تؤمر بابتلاع كل الماء وإلاّ لكان ذلك يعني جفاف حتى الأنهار والينابيع وبالتالي صعوبة الحياة بعد الطوفان، وذهاب الجنات والأنهار التي تحدّث عنها نوح كنعم الله على القوم، والسؤال البسيط هو: ألم يكن الطوفان عقاباً للذين هلكوا؟ فلِمَ يكن عقاباً لمن تبقى من المؤمنين بعد الطوفان؟ كلا، لم يكن الطوفان عقاباً للمؤمنين بدليل أنّ الله وعدهم بالتمتع بعد حصول الطوفان:
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ هود (48)
فلقد استمر قوم نوح بالتمتع بما أنعم الله عليهم من الجنات والأنهار، وقد تحدثنا سابقاً عن غيضان الماء، وزعمنا أنه الجريان الطبيعي المستمر للماء، فكيف إذن يمكن أن نفهم قوله تعالى أنّ الأمر قد قضي والماء لازال يغيض:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ هود (44)
رأينا: نحن نظن أن الأمر غاية في البساطة إنْ نحن ربطنا هذا الأمر بما كان نوح قد حدّث قومه به من قبل حتى حصول الطوفان:
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا (12)
فلقد غاض الماء في الأنهار الجارية وبقيت الجنات وبقيت الأنهار كما كانت قبل حصول الطوفان، وهبط نوح بسلام (كما أوضحنا سابقاً) ولكنه هبط أيضاً ببركات، وهنا نتوقف لنسأل عن سبب ورود هذه اللفظة في هذا المقام، فما معنى أنْ يهبط نوح ببركات عليه وعلى من معه من الله؟
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ هود (48)
إننا نظن أنّها بركات السماء (الماء، الأنهار) وبركات الأرض (الجنات)، وهذا بالضبط ما نفهمه من قوله تعالى في موطن آخر من القرآن الكريم:
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ الأعراف (96)
وكذلك نفهم تلك البركات من الله على آل إبراهيم:
قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ    هود (73)
فنحن نفهم رحمة الله على آل إبراهيم ولكن ما هي البركات؟
جواب: نحن نفهم البركات على آل إبراهيم على النحو الذي وردت به في مكان آخر من كتاب الله:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ البقرة (126)
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا النساء (54)
فلقد توافر لمن آمن مع إبراهيم (كما توافر لم آمن مع نوح) بركات من الله (أي الرزق الوفير من الثمرات)، وقد تمتع من كفر بما جاء به إبراهيم (كما تمتع من كفر بما جاء به نوح) ببركات الأرض والسماء بعضاً من الوقت حتى اضطروا إلى عذاب الله في الدنيا وفي الآخرة.
فقوم نوح كانوا من أهل القرى الذين كانوا يتمتعون ببركات السماء والأرض، ولكنهم لما كذّبوا رسولهم أخذهم الله "بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ". نعم، لقد أخذ الله قوم نوح بما كانوا يكسبون، فهم قد عمروا الأرض وكسبوا من بركاتها ولكنّ ذلك لم يغني عنهم من الله شيئاً:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ غافر (82)
وكذلك كانت سنة الله في جميع الأمم:
وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ فصلت (17)
وهذا يعني أنّ قوم نوح كانوا "يكسبون" من بركات السماء والأرض، فحرفتهم الرئيسية هي – بسبب جغرافية الأرض وغزارة الأمطار وفيضان الأنهار – الزراعة. والفرق الوحيد بين البركات على قوم نوح وتلك التي كانت على آل إبراهيم، هو أنها كانت تجبى لآل إبراهيم من مناطق أخرى بينما كانت متوافرة في نفس مكان سكن قوم نوح ودليلنا يأتي على النحو التالي:
فلقد دعا إبراهيم ربه بهذا الدعاء:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ البقرة (126)
وكان سبب الطلب هو تواجد أناس من ذريته في ذلك المكان:
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم (37)
ولكن الملحوظ البسيط هنا هو حتى تتوافر الثمرات فلا بد من تواجد الأمطار والأنهار وذلك لقوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأعراف (57)
اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ إبراهيم (32)
هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنبِتُ لَكُم بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11) النحل 1-11
فكيف إذاً سيتحقق لسكان البيت الحرام الحصول على الثمرات ما دامت أرضهم لا تتوافر بها الأنهار ولا الأمطار الغزيرة، فالجواب يأتي في مكان آخر من كتاب الله حيث كان ذلك المكان (وهو البيت الحرام) تجبى إليه الثمرات:
وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ القصص (57)
ولا شك أن التعبير "يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ" يعني أنّ الثمرات لم تكن تستنبت في ذلك المكان، ولا أخال أنّ مكاناً واحداً ربما ينبت "ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ"، ولهذا كان لا بد من استيراد تلك الثمرات من أماكن مختلفة"، فجاءت رحلة الشتاء والصيف:
لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)
فكانت بذلك حرفتهم "التجارة"، أي جباية تلك الثمرات من كل مكان دونما انقطاع صيفاً أو شتاءاً، ولكن تلك الثمار وتلك البركات لم تكن تجبى جباية لقوم نوح لأنهم أنفسهم كانوا يستنبتونها، فآل إبراهيم اشتغلوا بالتجارة لأنّ المكان الذي كانوا يسكنوه لم يكن تتوافر به عوامل نجاح الزراعة كما كانت تتوافر لقوم نوح.
تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ هود (49)

كيف بنيت السفينة
ربما يحل مثل طرحنا هذا إشكالية التقنية التي استخدمها نوح في بناء السفينة، فلنتصور جغرافية المكان على النحو التالي: منطقة منخفضة محاطة بالجبال الشاهقة التي تكثر فيها الأشجار والأنهار، ونوح يختار منطقة منخفضة نسبياً (كقعر الوادي مثلاً) موقعاً للبناء، وبالتالي كانت التقنية – كما نتخيلها- بسيطة جداً: نوح يقطع الأشجار التي على سفوح الجبال المحيطة ويرسلها (مستفيداً من مبدأ الجاذبية) لتتدحرج إلى قاع الوادي، ولا ننسى كذلك أنّ المنطقة كانت مليئة بالأنهار الجارية، فاستخدمها نوح في نقل المادة الخام إلى مكان صنع السفينة، فنقل الأخشاب في الأنهار أمر غاية في السهولة يستطيع الجميع تخيله، فيصبح العمل سهلاً في نقل المادة الخام إلى موقع العمل (عند الأخذ بعين الاعتبار قلة الأيدي العاملة المتوافرة له آنذاك)، وعندها يكون جل العمل هو ربط تلك القطع الخشبية (الألواح والدسر) مع بعضها بعضا، وهنا يأتي دور نوح وهو صاحب حرفة النجارة (كما تصورها تفسيرات من سبقونا من أهل الدراية).
ودليلنا على أنّ السفينة جهزت بأكملها في قعر الوادي وعلى ضفة نهر جاري ربما يمكن استنباطه من الآيات الكريمة التالية:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ المؤمنون (27)
ونحن نفهم أنّ فوران التنور هو فيضان النهر الذي يسمى "التنور"، خصوصاً إذا كان منبع النهر أصلاً من مكان بعيد وتساقط المطر في تلك المنطقة يحدث بغزارة، وكذلك إنْ كان مصدر النهر الجبال العالية المحيطة، فسقوط الأمطار على أعالي الجبال يعني ارتفاع منسوب مياه الأنهار التي تتغذى من تلك المنطقة، ولا شك أنّ قمم الجبال العالية غالباً ما يكسوها الثلج وتزداد كميات المياه الساقطة من قمم تلك الجبال في فصل الصيف عندما تأخذ تلك الثلوج بالذوبان، فيزداد منسوب المياه في الأنهار التي تتغذى منها، فتفور تلك الأنهار. وهذا يعني أنّ الطوفان قد بدأ مع الأرض وهي تخرج ماءها قبل أنْ ينزل الماء من السماء في منطقة الفيضان، والفوران يعني ارتفاع الماء من أسفل إلى أعلى:
وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) الملك 6-7
والفرق – في ظننا- بين الفوران في حالة نوح والفوران في النار هو بالتأكيد درجة الحرارة، ولكنّ الفكرة بسيطة: يبدأ الطوفان بالتنور يفور، أي يخرج الماء من أسفل إلى أعلى، فتزداد كميات المياه على جانبي النهر، وما دام البناء تمّ في قعر الوادي بجانب النهر ، تبدأ السفينة بالارتفاع شيئاً فشيئا كردة فعل طبيعية على فوران التنور، فكلما ازداد الفوران ارتفعت السفينة إلى أعل. وهذا بلا شك ضرورة حتمية كان لابد من حصولها قبل أن تبدأ السماء  بإنزال مطرها الغزير، لأنه لو نزل الماء الغزير قبل أن ترتفع السفينة على الماء لتشكلت السيول الجارفة من أعالي تلك الجبال الشاهقة المحيطة ولربما تسببت في تحطم السفينة قبل أنْ تستطيع أنْ تطفو على سطح الماء، ولكن الماء خرج من الأرض بفضل ازدياد منسوب مياه النهر أولاً حتى ارتفعت السفينة وجرت بالماء كما تجري السفن في البحار، ولما نزل المطر غزيراً ونزلت السيول الجارفة من أعالي الجبال ما كانت ستتسبب في تحطم السفينة.
ولو راقبنا النص القرآني جيداً لوجدنا أن تحميل السفينة قد جاء مع بداية فوران التنور:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فالناس كانوا إذاً لا يقطنون قعر الوادي وإلاّ لجاء الأمر بالتحميل قبل فوران التنور، وإلاّ لغرق من كان هناك قبل أنْ يتمكن من الصعود على السفينة، ولكننا نظن أنّ المشهد كان على النحو التالي: السفينة ترتفع إلى أعلى بفضل فوران التنور، والناس كانوا في تلك اللحظة يجهزون أنفسهم فيلتحقون بمن في السفينة عندما تصل السفينة إلى مستواهم، وهم القاطنون سفوح وأعالي الجبال، وليس أدل على ذلك كما ذكرنا سابقاً من أن القوم كانوا يمرون على نوح:
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ ۚ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ هود (38)
فهم بلا شك متواجدون في مكان مرتفعاً في جغرافيته عن المكان الذي كان يصنع فيه نوح سفينته. وقد تمّ كل ذلك مع فوران التنور، أي قبل أنْ تتفجر ينابيع الأرض وقبل أنْ تنزل السماء بالماء المنهمر، وربما يفسر مثل ظننا هذا بعض ما جاء في قوله تعالى:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ هود (42)
فلو كان الماء نازلاً من السماء في تلك اللحظة بالغزارة الشديدة لتعذر أنْ يكون الغلام في معزل، وقد يرد البعض بالقول لربما كان الغلام مختبئاً في كهف في بطن الجبل، فنرد بالقول لو كان هذا صحيحا فكيف سيُجري حوارا مع والده؟ فلربما تعذرت الرؤية وذلك لأنّ المطر عندما نزل كان غزيراً جداً منذ بدايته:
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ القمر (11)
والغلام كذلك يقول "سَآوِي"، وهذا يعني أنّه حتى اللحظة لم يلتجئ إلى ذلك المخبأ في الجبل بعد،
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
وهو كذلك لا زال يظن أنّ المطر لم ينزل من السماء بعد بالشدة التي يمكن أن تسبب طوفاناً في تلك المنطقة حيث الجبال الشاهقة جداً:
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ القمر (11)
وهنا لا بد من التوقف وإعادة صياغة الفكرة لأنّ هناك دليل ربما ظن البعض أنّه ينقض الافتراض السابق برمته. لقد ذكرنا أنّ الطوفان قد بدأ من الأرض ولم ينزل المطر الشديد من السماء إلا بعد الحوار الذي جرى بين نوح وولده، أما الدليل الذي قد يسوقه البعض لنقض هذا الافتراض فهو تسلسل الآيات التالية في سورة القمر:
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11)
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
وهنا قد يظن البعض أنّ الترتيب كما يتضح من هاتين الآيتين هو: نزول الماء منهمراً من السماء ومن ثم تفجر الماء عيوناً من الأرض، وهذا بالضبط عكس افتراضنا السابق، فنرد على ذلك بالقول أنّ المدقق المتفحص لسياق تلك الآيات القرآنية يلمح بما لا يدع مجالاً للشك أنّ التسلسل الزمني (chronological order) في تلك الآيات هو العكس تماما: لقد تفجرت عيون الماء أولاً ومن ثم نزل الماء من السماء وهو بالضبط افتراضنا السابق، ولكن السؤال هنا هو: كيف ذلك والتسلسل غاية في الوضوح في الآيتين السابقتين؟ رأينا: حتى نفهم الأمر على حقيقته، نحن نظن أن الحاجة ملزمة أن تدبر الآيتين السابقتين في سياقهما الأوسع، ولنورد الآيتين مع الآية التي تليهما مباشرة كما جاءت جميعها في سورة القمر:
فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11)
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13)
فكل ما هو مطلوب من القارئ الآن هو أنْ يربط التسلسل الزمني في الآيات الثلاث، فلو بدأنا من الآية (11) لكان التسلسل على نحو:
  • نزول المطر من السماء منهمرا (11)
  • تفجر عيون الماء من الأرض (12)
  • حمل نوح ومن معه في الفلك (13)
فيكون السؤال عندها: هل فعلا تم حمل نوح في الفلك بعد نزول المطر من السماء وبعد تفجر عيون الماء من الأرض، أي بعد أنْ التقى ماء السماء مع ماء الأرض؟ الجواب بكل تأكيد كلا.
والآن ندعو القارئ الكريم إلى ترتيب تلك الأحداث عكسياً، أي قراءة الآية (13) أولاً والعودة بعد ذلك إلى الآية الثانية عشر وأخيراً الآية الحادية عشر، عندها يكون ترتيب الأحداث على النحو التالي:
  • حمل نوح ومن معه في الفلك (13)
  • تفجر عيون الماء من الأرض (12)
  • نزول المطر من السماء (11)
وهنا نسأل القارئ سؤالاً بسيطاً: أي ترتيب يمكن أن يكون أكثر وجاهة؟
رأينا: نحن نزعم القول أنّ الترتيب الزمني في سورة القمر قد جاء معكوساً، فالله يرجع الأحداث إلى الوراء، فيبدأ بالحدث الأحدث زمنياً وهو نزول مطر السماء منهمراً ثم يذكر الحدث الذي جاء قبله وهو تفجر عيون الماء من الأرض ثم يذكر الحدث الأقدم وهو حمل نوح ومن معه على الفلك، ولكن لماذا؟
جواب: نحن نظن أنه لا بد أولاً من مراقبة بعض ألفاظ القرآن التي تحدثت عن تفجر ماء الأرض، ففي موطن من القرآن الكريم يقول تعالى:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ المؤمنون (27)
وهذه الآيات تتحدث عن فوران التنور، لكن جاء في موطن آخر:
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاء عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
فالسؤال الآن هو: ما الفرق بين فوران التنور وتفجر عيون الماء من الأرض؟
جواب: نحن نزعم أنّ فوران  التنور هو بداية الطوفان أو هو بكلمات أخرى الإنذار من الله لنوح ومن معه أنّ الطوفان قد بدأ بالفعل وبالتالي التجهز بركوب السفينة، ولكن الدقة تستلزم أيضاً القول أنّ مع لحظة فوران التنور يبدأ نوح بحمل من كل زوجين اثنين وأهله ومن آمن معه:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فتحميل الشحنة سيستغرق بلا شك وقتاً، وما كان ذلك سيحصل بلمح البصر، فالقوم سيحملون بالإضافة لأنفسهم متاعهم الذي سيكفيهم ومن معهم من الحيوانات فترة من الزمن، والآن لنعود إلى تدبرنا ترتيب الأحداث في الآيات السابقة في سورة القمر.
نحن نزعم الظن أنّ الترتيب جاء معكوساً في سورة القمر وذلك لأنّ الحمل في السفينة كان أطول فترة من تفجر عيون الماء ومن نزول المطر منهمراً من السماء، وتفجر عيون الماء هو أطول زمنياً من نزول مطر السماء، ولو استخدمنا أرقام الآيات فقط كدلالة لوجدنا أنّ نزول مطر السماء كان (11) وتفجر ينابيع الماء كان (12) وحمل نوح ومن معه كان (13)، ولو افترضنا أنّ تلك كانت فترة زمنية كاليوم مثلاً، لقلنا لقد نزل المطر من السماء أحد عشر يوما وتفجرت ينابيع الماء اثنا عشر يوما وحُمل نوح على الفلك ثلاثة عشر يوما.
أما الفوران الفعلي للتنور وتحميل الشحنة فقد ورد في الآية رقم (40) في سورة هود:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)
وكان انطلاق الرحلة في الآية (41):
وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41)
وجرت السفينة على الماء الصاعد من الأرض حتى نادى نوح ابنه للركوب معهم في الآية (42):
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)
وحال الموج بينهما في الآية (43):
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
وجاء الأمر الإلهي للأرض بابتلاع ماءها وللسماء بالإقلاع (أي توقف الطوفان)، فاستوت السفينة في الآية (44):
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
ونادى نوح ربه في شأن ابنه في الآية (45):
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
وجاء الأمر بالهبوط من السفينة (أي النزول على الأرض اليابسة) في الآية (48)
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)
فإذا افترضنا مرة أخرى (نقول فقط على سبيل الافتراض لتوضيح الصورة) أن هذه الأرقام تعبر عن فترات زمنية فتكون الصورة على النحو التالي: لقد فار التنور مدة أربعين يوما، وجاء الانطلاق (بعد تمام الحمولة) في اليوم الحادي والأربعين، وبقي الغلام في مجال رؤية والدة حتى اليوم الثالث والأربعين عندما حال بينهما الموج، وقضي الأمر فاستوت السفينة على الجودي في اليوم الرابع والأربعين، وجاء نداء نوح ربه في شأن ابنه وهو لا زال داخل السفينة (وأظن أنه كان في تلك اللحظة على سطح السفينة يتأمل المنظر الرهيب للطوفان) بعد انقضاء الأمر في الآية (45)، وبقى نوح ومن معه في داخل السفينة مدة أربعة أيام حتى جاء له الأمر بالهبوط (أي الانتقال) من السفينة إلى اليابسة في اليوم الثامن والأربعين.
وهذا الطرح يؤكد أنّ الحدث كان تدريجياً، فقد جاء الركوب في السفينة مصاحباً لفوران التنور، فلا يعقل إذاً أنّ فوران التنور قد حدث بشكل هائل لدرجة أنْ يعيق عملية الشحن، وهنا لا بد من التوقف عند التساؤل التالي: لِمَ فار التنور فترة طويلة؟
افتراءات من عند أنفسنا:
  1. لإعطاء الفرصة لمن آمن مع نوح ركوب السفينة، فهم بحاجة أنْ يحملوا ليس فقط أنفسهم بل أيضاً ما استطاعوا حمله من متاعهم الذي كان بلا شك سيقضي عليه.
  2. إعطاء الفرصة لحمل من كل زوجين اثنين، وتنظيم عملية الشحن، فلا أخال أنّ الناس (حتى المؤمنين منهم) سيعتادون بسهولة على الركوب مع شتى أصناف الدواب والحيوانات والقوارض الأليف منها والمفترس، وقد يقول قائل ولكن ذلك كان بتسخير من الله، فنقول حتى لو كان كذلك يبقى الإنسان بطبعه إنسان.
  3. لإعطاء فرصة للحيوانات حتى تدرك بفطرتها التي فُطرت عليها أنّ الأمر مختلف، ولذا يتوجب عليها البحث عن ملجأ (كما تفعل معظم الحيوانات التي تدرك بفطرتها تقلب عوامل المناخ)، وعندما كانت تبحث عن ذلك الملجأ لا شك أنها وصلت إلى السفينة، لذا اقتصر دور نوح على تنظيم تواجد تلك الحيوانات "في الفلك".
  4. حتى يتبن لهم-كما أسلفنا- أنه أمر طبيعي كالذي اعتادوا عليه: ففوران التنور بالنسبة للقوم كان أمراً مألوفا لا يستلزم معه كل هذا الهلع، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار جغرافية المنطقة وطبيعتها المناخية، ولكن ما هي إلاّ سويعات ويدرك القوم أنّ الأمر ليس كما ظنوا وأن "لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ"، ولا أظن أنّ الذين رفضوا الركوب مع نوح كانوا من بين من شملتهم رحمة الله في ذلك اليوم.


من ركب في السفينة؟
لعل الجميع يدرك من صريح النص القرآني أنّ الذين آمنوا مع نوح ركبوا معه في السفينة، فكانت السفينة تحمل هؤلاء المؤمنين على قلتهم:
حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ هود (40)
فالذين ركبوا السفينة كانوا أهل نوح والقوم الذين آمنوا معه، ولكن يجب أنْ نتوقف هنا عند الاستدراك التالي (وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)، فمن من أهل نوح كان قد سبق عليه القول؟ لقد ورد بصريح اللفظ أنّ ولد نوح كان من المغرقين لأنه رفض الركوب بالسفينة:
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43) هود 42-43
ولكن السؤال الأكثر إثارة هو: وماذا عن زوجته؟ هل ركبت معه في السفينة؟ فلربما ظن البعض أنْ ليس هناك في كتاب الله ذكر لزوجة نوح في حادثة الطوفان، فيكون سؤالهم على النحو التالي: أين هي وقد علمنا من السياقات القرآنية أنها كانت خائنة لزوجها؟
رأينا: إننا نزعم الظن أنّ زوجة نوح لم تركب السفينة مع القوم لأنها كانت آنذاك متوفية، فنحن نظن أن المرأة قد ماتت قبل حادثة الطوفان، وسنحاول تبيان ذلك من كتاب الله.
أولا، نحن نعلم جميعاً أنّ الله قد ضرب للذين كفروا مثال امرأة نوح وامرأة لوط، قال تعالى:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ التحريم (10)
فلا شك أنّ امرأة نوح كانت من الكافرين، ولكنّ السؤال هو: هل كانت من المغرقين؟ فعندما تحدث الله عن ابن نوح قال عن نهايته (فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ):
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
فلِمَ لَمْ يذكر القرآن الكريم شيئاً عن نهاية زوجة نوح على الرغم أنها كانت من الكافرين كما ذكر عن نهاية ابن نوح؟ للإجابة على هذا التساؤل نتصور أن واحداً من السيناريوهات التالية هو ما حصل فعلاً:
  1. أنها ركبت السفينة فلم تغرق
  2. أنها غرقت بالطوفان كما غرق ولدها
  3. أنها لم تكن زوجة لنوح في تلك اللحظة فلم تعد جزءاً من أهله، إما لأنّ نوحا كان قد تركها أو لأنها هي كانت قد تركته من قبل
  4. أنها كانت زوجة لنوح ولكنها كانت متوفية بالموت قبل يوم حصول الطوفان.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نزعم الظن أنّ الاحتمال الأخير هو الأكثر وجاهة، وسنحاول تفنيد الاحتمالات الأخرى السابقة تباعاً.
السيناريو الأول
أما بالنسبة للاحتمال الأول (أنها ركبت السفينة فلم تغرق) فهو مرفوض بنص القرآن الكريم، فالذين ركبوا مع نوح هم (1) الذين أمنوا معه (وزوجته لم تكن منهم) و (2) أهله إلاّ من سبق عليه القول (وزوجته وولده كان قد سبق عليهم القول)، وقد يتساءل البعض هنا وكيف ذلك؟ فنرد بالقول أننا بحاجة أنْ نفهم أولا معنى "وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ"، فما هو القول الذي سبق؟ فإذا استطعنا أنْ نثبت أنّ زوجة نوح (كابنه) قد سبق عليها القول، نكون بذلك قد أثبتنا أنها قد استثنيت من ركوب السفينة. فلنعد إذاً لطرح السؤال نفسه: ما هو القول الذي سبق؟
جواب: إنّ المدقق في سياق الآيات يدرك أنّ القول الذي يسبق هو بلا شك قول الله، فما هو قول الله الذي سبق في حالة نوح؟ ولابد أن ندرك كذلك أنّ قول الله يسبق على الكافرين، فيكون السؤال على وجه الدقة ما هو قول الله الذي سبق على الكافرين في حالة نوح؟ قال تعالى:
وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ هود (36)
أليس هذا هو قول الله الذي سبق على الكافرين من قوم نوح؟ ألم يسبق قول الله على زوجة نوح كما سبق على قومه وكما سبق على ابنه؟ نستنتج إذاً أنّ هؤلاء جميعاً قد سبق عليهم قول الله وبالتالي كانوا من الذين لم يركبوا الفلك مع نوح.  
السيناريو الثاني
وقد يرد البعض بالقول، لقد هلكت زوجة نوح بالطوفان إذاً (ما دام أنها لم تركب الفلك مع زوجها)، فنرد بالقول كلا، لم تهلك بالطوفان لأنها لو هلكت به لجاء ذكرها مع الهالكين كما كان الحال بالنسبة لابنها، وقد يرد البعض بالقول أنّ ذلك ليس بالضرورة، فقد تكون هلكت بالطوفان ولم يأت ذكرها في ذلك المقام، فنرد على ذلك بالقول أنه لو حصل ذلك لكان القرآن – على زعمنا- يمتاز بعدم الإنصاف، وهذا لا شك هو أبعد ما يكون في عقيدتنا، ولكن لماذا؟
جواب: لنتذكر أنّ امرأة نوح قد كانت مثالاً للخيانة كما كانت امرأة لوط، أليس كذلك؟ وهنا يأتي سؤالنا على النحو التالي: لِمَ تُذكر امرأة لوط عندما حل بالقوم العذاب (فيصرح القرآن الكريم بنهايتها الوخيمة) بينما لا يأتي ذكر لـ امرأة نوح في نفس الحالة، لا بل وفي نفس السورة (سورة هود)؟ قال تعالى:
قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ هود (81)
وتكرر ذكرها أكثر من مرة، فورد في سورة الأعراف قوله تعالى:
فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83)
لا بل تكرر ذكر عذابها في سورة الحجر:
إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)
فكيف إذن تذكر امرأة لوط (وهي من أهله بنص الآيات السابقة) في كل مرة يأتي فيه ذكر لهلاك قوم لوط ولا تذكر امرأة نوح ولو مرة واحدة في معرض الحديث عن هلاك القوم؟ فهل امرأة لوط من أهله وامرأة نوح ليست من أهله؟ ومتى تعتبر الزوجة جزءا من أهل الزوج؟
رأينا: إننا نزعم الظن أنّ زوجة نوح (كزوجة لوط) هي من أهل زوجها، فما دام أنه قد حصل ذكر لعذاب زوجة لوط (وهي التي خانت زوجها) كان لابد من ذكر زوجة نوح (وهي التي خانت زوجها كذلك)، لذا نحن نفتري الظن أنّ غياب ذكر زوجة نوح في خضم الحديث عن الطوفان الذي أصاب القوم كان بسبب غيابها عن مشهد العذاب كلياً.

السيناريو الثالث
وقد يرد البعض بالقول، لربما أنّ نوحاً كان قد ترك زوجته بسبب خيانتها فلم تعد بعد جزءً من أهله، ولا تصبح الحاجة ملحة عندئذ أن يذكر مصيرها صراحة في كتاب الله، فنرد على ذلك بالرفض لأسباب ثلاثة على الأقل. أولهما، أنّ ذلك لم ولا يكن من خلق الأنبياء، فلنتذكر أنّ لوطاً (على الرغم أنّ الملائكة قد أخبرته بخيانة زوجته وبهلاكها) لكنه لم يمنعها أنْ تهرب معه، فترك لخالقه حق التصرف بعذابها، ، فعندما هربت زوجة لوط مع زوجها بقطع من الليل كان طلب الملائكة من نوح إخبار أهله أنّ لا يلتفت أحد منهم وراءه، فكان هلاكها من هذا القبيل لأنّ امرأة مثلها لا يمكن إلاّ أن تلتفت وراءها، فقلبها لا شك معلق مع القوم وإن كان جسدها حاضرا مع زوجها:
قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ هود (81)
لذا نحن نفتري الظن أنه لو كانت امرأة نوح لا زالت على قيد الحياة آنذاك لكان تصرف نوح مشابهاً لتصرف لوط، أي لترك الأمر لخالقها أنْ يتكفل بعذابها حتى وإنْ لحقت بزوجها جسدياً.
ثانياً، يجب أن لا ننسى أنّ نوحاً قد طلب في اللحظة الأخيرة من ابنه الركوب معهم، فلم لم يطلب ذلك من زوجته؟
ثالثاً، نحن نفتري الظن أن نوحاً كان يشك بخيانة زوجته ولكنه لم يتأكد من ذلك إلاّ وهو داخل السفينة عندما نادى ربه بشأن ابنه وذلك بعد حصول الطوفان:
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)
فكان الرد الإلهي على مناداة نوح في الآية التالية هو:
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
فما دام أنّ نوحاً حتى تلك اللحظة كان يظن أنّ ابنه من أهله، فهل يمكن لنبي أنْ يتخذ قراراً بترك امرأته  بناءاً على شك يخالج نفسه؟ ثم لنتذكر أنه في تلك اللحظة التي علم فيها نوح بخيانة امرأته وبأنّ ذلك الغلام ليس ابنه لم تتحصل لديه ردة فعل على زوجته، فلو كانت امرأته تركب السفينة معه آنذاك وعلم بخيانتها، فهل كان سيترك الأمر دونما أدنى ردة فعل؟ إننا نزعم الظن أنّ نوحا لم تتولد لديه ردة فعل تجاه امرأته عندما علم بخيانتها وهو لازال على الفلك لأنها أصلاً لم تكن موجودة معه آنذاك.
وهنا قد يرد البعض بالقول لربما كان الأمر مختلفاً بعض الشيء كأن تكون امرأة نوح لازالت على قيد الحياة وهي (وليس هو) من تركت زوجها وبالتالي لم تعد بمحض إرادتها من أهل بيته، فكانت من المغرقين ولم يكن هناك داع لذكرها. فنرد بالقول: لربما يكون هذا افتراض أكثر وجاهة من سابقه، ولكننا ندحضه لسبب بسيط وهو: لو كانت هي من تركت زوجها لأنها آثرت خيانته، لما كانت ستترك ولدها،أليس كذلك؟ فحتى لو آثرت أنْ لا تركب السفينة مع زوجها لربما آثرت أنْ تبقى مع ولدها، فالزوج من جهة والزوجة وولدها من جهة أخرى، وحتى لو افترضنا أنها لم ترغب أنْ تكون مع ولدها، فهل كان الولد سيترك أمه كما ترك أباه؟! لقد آثر الولد أنْ لا يصاحب والده لأنه كان على طرف نقيض مع والده من الناحية الإيمانية، ولكن ما الداعي أنْ يترك والدته في مثل ذلك الظرف وهو (كما هي) على طرفي نقيض مع والده، ألم يكن ذلك الطوفان سيجمعهم في صف واحد ضد الأب الذي اختاروا ألا يصاحبوه؟!
وأخيراً لنتذكر أنّ نوحاً قد لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15) العنكبوت 14-15
ولعلنا نتفق أنّ الطوفان قد حصل على أقل تقدير في سنته الخمسين بعد التسعمائة، والسؤال البسيط هو: هل ذكر القرآن الكريم كم لبث نبي في قومه عدد سنين سوى نوح؟ وإذا كان الجواب بالنفي قطعاً، فلم يذكر نوح على وجه الخصوص؟ إننا نعتقد – كما يظن الجميع- أنّ الجواب هو لأنّ نوحاً عاش في قومه فترة زمنية طويلة جداً مقارنة بفترة الأنبياء الآخرين ومقارنة بالأفراد من قومه، أي لقد كان نوح نبياً معمّرا، ولقد ذُكِر ذلك في كتاب الله، ففترة ما يقرب من الألف سنة تعني أنّ الشخص كان من المعمرين، قال تعالى:
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ البقرة (96)
وهذا يعني بأبسط معانيه أنّ نوحاً كان شخصا معمراً في قومه، فحتى لو افترضنا أنّ نوحاً كان يعيش بين أقوام يعمروا طويلاً فهذا لا ينفي أنْ يكون نوح من أكثرهم تعميراً، فهو قد قارب من الألف سنة، وإلاّ لما جاء ذكر عمره كدليل على طول الفترة التي قضاها نوح في الدعوة إلى الله بين قومه، وإنْ صحً هذا الافتراض، فإننا نخلص إلى نتيجة مفادها أنه في السنة الألف إلا الخمسين عاماً التي قضاها نوح بين ظهراني قومه يستحيل أنْ تكون زوجته لازالت على قيد الحياة وإلاّ لانتفى أنّ يكون نوح من المعمرين بين قومه.
ولنتذكر كذلك أنّ القرآن الكريم لا يذكر أنّ نوحاً قد تزوج بأخرى، وإلاّ لما ضربت زوجته مثلاً للذين كفروا لانّ الإبهام كان سيطغى على المعنى وعندها لا نعلم أي زوجة كانت مثال الكفر. فإذا كانت زوجته هي التي صاحبته منذ شبابه فلا يمكن أنْ تكون قد عمّرت كزوجها (أي قاربت الآلف سنة إلا خمسين عاما).
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نخلص إلى القول أن السيناريو الرابع المتمثل في وفاة زوجة نوح بالموت هو الاحتمال الذي يمكن أن يكون أكثر وجاهة في تصوير مصير المرأة.
أين كان يعيش نوح عليه السلام؟
لقد ذكرنا أنّ مجتمع نوح عليه السلام كان مجتمعاً زراعياً من الطراز الأول، فلم تكن تجبى إليه الثمرات من كان آخر، لا بل لقد كانت الثمرات متوافرة في المكان نفسه، ولقد كان المكان تكثر فيه الجبال الشاهقة التي ظن القوم أنها يمكن أن تنقذهم من عقاب الله:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ هود (43)
والمكان غزير المطر بطبيعته:
يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا نوح (11)
والمكان يتوافر فيه الرزق الكثير:
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا نوح (12)
ونسبة السكان  مرتفعة فيه:
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا نوح (12)
وتكثر فيه الجنات من الثمار والزروع:
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا نوح (12)
يكثر في المكان نفسه الأنهار العديدة:
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا نوح (12)
وبالإضافة إلى الجبال فهناك الطرق الواسعة التي تفضي إلى الأرض الواسعة الفسيحة، فنوح قد ذكر قومه بنعم الله التالية على قومه:
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) نوح 19-20
ولا ننسى أنّ الأرض المنبسطة الفسيحة لا يمكن أنْ تثبت دونما وجود الجبال التي تعمل عمل الرواسي:
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الأنبياء (31)
فالأرض الواسعة التي جعلها الله بساطاً لقوم نوح كانت الجبال الرواسي تثبتها، وسؤالنا هنا يكون على النحو التالي: كيف نفهم أنّ ولد نوح يقول أنه سينجو من الطوفان لأنّه سيأوي إلى جبل يعصمه من الماء وفي الوقت ذاته يخاطب نوح قومه على أنّ الله قد منّ عليهم أنْ جعل لهم الأرض بساطا؟
رأينا: إننا نعتقد أنّ الإجابة غاية في البساطة، فهم إذاً كانوا – في ظننا- يسكنون المنطقة التي تتلاقى فيها الجبال الشاهقة مع الأرض المنبسطة، ولا شك أنّ وسيلة التنقل بين المنطقة الجبلية والمنطقة المنبسطة كانت "سُبُلًا فِجَاجًا"، أي الطرق الفسيحة، وهذا يتأكد بقوله تعالى الذي يبين أنّ الأرض إذا كانت واسعة منبسطة فلابد من وجود الجبال "الرواسي" التي تثبتها:
وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ النحل (15)
وهي الأرض ذاتها التي وصفها الله بقوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ الرعد (3)
وهذا يقودنا إلى السؤال الحتمي التالي: أين حدث طوفان نوح؟
*** *** ***
أين حدث الطوفان؟
بداية لابد أن نشير إلى القارئ الكريم موقفنا العقائدي فيما يخص هذا السؤال والذي مفاده: أن من الاستحالة بمكان أن تكون أرض العرب أو ما يجاورها هي موطن نوح وقومه أو أن تكون مسرحاً لطوفان نوح وذلك لأن المنطقة تخلو من الجبال التي تحدث عنها ابن نوح، وتخلو من الأنهار والجنات والقوة السكانية التي تحدث عنها نوح نفسه، وتخلو من المادة الخام اللازمة لبناء سفينة عملاقة بحجم سفينة نوح، وهكذا. فأين - يا ترى- حدث الطوفان؟
لكي نصل إلى إجابة شافية على هذا السؤال، فلا بد من البحث في مناطق الأرض التي يمكن أنْ تتوافر فيها هذه الظروف السابقة مجتمعة، ولنبدأ بالافتراض التالي: لا شك أنّ ما يسمى العالم الجديد "أمريكيا الشمالية وأمريكيا الجنوبية واستراليا" والقارة المتجمدة الجنوبية تستثنى جميعا من البحث وذلك لأنّ الرسالات السماوية نزلت جميعها في فترات كانت هذه القارات غير مأهولة بالكثافة التي تستدعي نزول الرسالات السماوية خصوصاً إذا ما تحدثنا عن رسالات أولي العزم من الرسل (ونوح بلا شك كان واحد منهم). وباستعراض خارطة العالم ينحصر البحث في القارات الثلاث: أسيا وإفريقيا وأوروبا كما في الخريطة التالية:

وإذا ما افترضنا أنّ هجرات الناس إلى أوروبا بدأت متأخرة بعض الشيء، ينحصر البحث قليلاً، ولا نظن كذلك بأنّ الأجزاء الشمالية من آسيا كانت مأهولة بشكل كبير وذلك لقسوة المناخ، فدرجات الحرارية تصل إلى حد يصعب التكيف معها في ظل الظروف البدائية لنشأة الحضارات، وبالتالي ينحصر البحث في الأجزاء الوسطى والجنوبية من آسيا وقارة إفريقيا كما في الشكل التالي:


أما بالنسبة لأفريقيا ومنطقة الجزيرة العربية وبلاد الشام فنحن نظن أنها لم تكن موطن نوح وقومه لسببين: أولهما، لعدم توافر الشروط التي ذكرنا بعضها سابقاً فيها، فـ باستعراض تلك الأماكن واحدة بعد الأخرى ينعدم فيها وجود السهول الممتدة التي تتلاقى مع الجبال الشاهقة، وغزارة الأمطار ووفرة الأنهار وكثرة السكان وكثرة الجنات، ونحن ندعو القارئ إلى تصفح جغرافية تلك المناطق من المصادر الموثقة.
ثانياً، ولكن القارئ قد يبقى غير متيقن من صدق ما ندعي فندعوه إلى الدليل من القرآن الكريم الذي نظن أنه دامغ في استحالة أنّ تكون هذه المناطق الموطن الأصلي لنوح وقومه.
أما بعد،
قال تعالى في أوائل سورة الإسراء عند الحديث عن بني إسرائيل:
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) الإسراء 2-3
فبني إسرائيل هم (بنص الآية السابقة) من ذرية نوح بلا شك، وإذا افترضنا (مخطئين بالطبع) أن بني إسرائيل هم من ذرية إسرائيل وهو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم السلام، الذي انتقل وذريته جميعاً إلى أرض مصر يوم أنْ كان يوسف بن يعقوب عليهم السلام عزيز مصر:
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ يوسف (93)
فخر له إخوته جميعاً بعد أنْ رفع أبويه على العرش:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ            يوسف (100)
إذاً لقد انتقل يعقوب وذريته من الأرض التي باركنا فيها شرقاً إلى مصر غرباً، ولا شك أنّ الجميع يدرك أنّ إبراهيم نفسه قد هاجر أيضاً إلى الغرب من الشرق، لقد هاجر إلى الأرض المقدسة من أرض العراق:
فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ العنكبوت (26)
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ الأنبياء (71)
فبالإضافة إلى الأرض المقدسة:
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ المائدة (21)
فقد أسكن إبراهيم من ذريته في جزيرة العرب عند البيت المحرم:
رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ إبراهيم (37)
فإذا كانت ذرية إبراهيم بأكملها هي من ذرية نوح كما ترد في آية الإسراء (ولنوردها مرة أخرى لتأكيد الفكرة):
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) الإسراء 2-3
لا بل وتتأكد الفكرة نفسها أكثر بقوله تعالى:
إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
فيكون خط الذرية على النحو التالي:
آدم                 نوح               آل إبراهيم                        آل عمران
وإذا كانت الهجرة جاءت من الشرق إلى الغرب، فيستحيل بذلك أنْ يكون موطن نوح وقومه قد تجاوز موطن إبراهيم نفسه، لذا فإن منطقة بحثنا تنحصر إلى الشرق من أرض العراق (بلاد ما وراء النهرين).
ولابد من أن ندرك أيضاً أن الهجرة كانت من سنن المؤمنين الذين كانوا على الدوام مستضعفين في أقوامهم:
إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (98) النساء 97-98

وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا النساء (100)
وإذا كانت الهجرة سبيل المستضعفين في الأرض (وهم المؤمنون) الذين أوذوا في بلادهم، فلا شك أنّ الأمم المستضعفة التي نجت مع نوح قد هاجرت هي أيضاً إلى الغرب من الشرق، ومما لا شك فيه أنّ رحلة استعمار الأرض بأكملها قد حصلت بالانتقال من الشرق إلى الغرب، فاستعمار أوروبا نفسها بدأت بهجرات من الشرق وبشكل محدد من الهند وإيران لذا نشأت أوروبا من أصول هندية (Indo-European)، واستعمار الأمريكيتين قد جاءت أيضاً من الشرق، وهكذا.
فتكون منطقة بحثنا عن موطن نوح الأصلي تنحصر في المناطق التي تظهر في الخريطة التالية إلى الشرق من أرض العراق:

وفي هذه المنطقة تبدأ سلسلة الجبال العملاقة والسهول الواسعة تبدأ بالظهور.
ولكن لنتوقف هنا لطرح فكرة أخرى قد تسعف في تحديد المكان بدقة أكثر، لقد قال الله في كتابه العزيز:
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ فاطر (24)
فلقد كان نوح نذير في قومه:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ هود (25)
فما الحاجة إلى إرسال نذير آخر (كإبراهيم مثلاً) إذا كان الله قد أرسل لهم نوحاً؟ فمراد القول أنّ نوحاً قد كان نذيراً في غير موطن إبراهيم، فالقوم الذين جاءهم نذير لا يحتاجوا إلى نذير آخر، وإن صح هذا الافتراض يكون نوح قد جاء نذيراً لقوم آخرين وهم من كان يسكن في المنطقة التي تقع إلى الشرق من منطقة قوم إبراهيم. وهنا قد يرد البعض إلى أنّ الأمة الواحدة ربما تكررت بها الرسالات مثل بني إسرائيل على سبيل المثال لا الحصر، فما المانع أن يكون نوح قد جاء نذيراً لنفس القوم الذين بُعِثَ فيهم إبراهيم مثلاً؟ فنرد على ذلك بآية من كتاب الله:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ السجدة (3)
وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ سبأ (44)
وسؤالنا هنا على النحو التالي: كيف يقول الله لنبيه محمد أنه أرسل إلى قوم ما جاءهم من قبله من نذير وهو يسكن البيت المحرم الذي أسكن فيه إبراهيم من ذريته ونقصد نبي الله إسماعيل على وجه الخصوص؟ ألم يكن إذاً إبراهيم وإسماعيل (وهم الذين رفعوا القواعد من البيت) منذرين لمن سكن تلك الديار؟
للإجابة على هذا التساؤل لا بد من التوقف عند فكرة لربما تسعف في الخروج بما قد يظن البض أنه نوع من التناقض، قال تعالى:
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ البقرة (133)
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ البقرة (140)
فهذه الآيات تدل على أنّ رسالة هؤلاء الرسل جميعاً هي رسالة إبراهيم عليه السلام، فإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط هم جميعاً جاءوا برسالة واحدة وهي رسالة إبراهيم عليه السلام، وهم بالتأكيد ليسوا هوداً ولا نصارى، فاليهودية ظهرت بعد مبعث موسى عليه السلام وظهرت المسيحية بعد مبعث عيسى عليه السلام ولكن الإسلام لم يظهر بمبعث خاتم النبيين محمد عليه (وعليهم أجمعين) أفضل الصلاة وأتم السلام، وذلك لأن الدين عند الله الإسلام أصلاً:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
ونسأل هنا عن العلاقة بين هؤلاء الرسل الأربعة: إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد.
رأينا: لاشك أن هؤلاء الرسل هم أصحاب الرسالات السماوية التي تجلت عنها الأديان المعروفة، وهؤلاء هم أولوا العزم من الرسل، ولكن يستدركنا القارئ بالقول "ولكنك نسيتَ واحداً منهم وهو نوح عليه السلام، فهو واحد من أولى العزم من الرسل، فنقول هذا ما نبغي الوصول إليه: لقد كان نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد أولى العزم من الرسل لأنهم هم من حملوا الرسالات التي تمخضت عنها ديانات أهل الأرض السماوية جميعاً:
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ الأحقاف (35)
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا الأحزاب (7)
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ الشورى (13)
وباستعراض الخريطة مرة أخرى يتبين أنّ المنطقة التالية (وهي أرض وادي النيل) كانت مهد الديانة اليهودية:


والمنطقة المجاورة (وهي بلاد الشام) مهد المسيحية التي بشر بها عيسى عليه السلام:

والمنطقة التالية (جزيرة العرب) هي مهد ديانة الإسلام التي جاء بها محمد عليه السلام:

والمنطقة التالية (بلاد فارس والعراق) مهد حنفية إبراهيم عليه السلام:

ويبقى السؤال المثير التالي: فأين كان مهد ديانة أول أولى العزم من الرسل (نوح عليه السلام)؟
رأينا:  إننا بحاجة أنْ نبحث عن المنطقة التي بحثنا في جغرافيتها سابقاً فيما وراء تلك المناطق، ولنستعرض خريطة قارة آسيا مرة أخرى

لنجد أنّ منطقة شبه القارة الهندية بسهولها الممتدة وجبالها الشاهقة جداً وأنهارها الكثيفة هي المؤهلة للبحث فيها عن موطن نوح عليه السلام.
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نظن أن سبه القارة الهندية هي موطن رسالة نوح عليه السلام
الدليل
قبل الدخول إلى جغرافية تلك المنطقة للبحث فيها والتأكد من صحة الافتراض الذي نطرحه، نجد أنّ من الضروري التعرض للآيات القرآنية التالية:
وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنبياء (87)
فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ يونس (98)
ومرادنا هو القول أنّ يونس كان من المرسلين، وهو حلقة الوصل بين نوح وإبراهيم، فكان عليه إذاً إبلاغ من لم يبلّغوا برسالات سابقة، فإذا كان إبراهيم قد أرسل إلى من كان يسكن بلاد ما بين النهرين، يكون ذا النون قد أرسل إلى من كانوا يسكنون أرض ما وراء بلاد ما بين النهرين ولكن في الوقت ذاته ليس القوم الذين أرسل إليهم نوح، فقوم ذي النون إذاً يسكنون المنطقة التي تقع بين منطقة سكن قوم نوح وقوم إبراهيم، ومما لا شك فيه عندنا أنّ تلك المنطقة كانت غزيرة بالسكان، وهي كذلك بلاد تقع على أجسام مائية كبيرة، فـ ذا النون ركب البحر والتقمه الحوت – ولا أظن أن الحيتان التي بالحجم الذي يمكنها من أنْ تبتلع إنسان ليعيش في جوفها يمكن أن تتواجد على اليابسة أو حتى في الأنهار! وحتى لو افترضنا أنّ ذا النون كان يركب الفلك المشحون في نهر من الأنهار لما كان بحاجة أنْ يساهم، لأنه كان يستطيع النزول منه وقطع مياه النهر سباحة، فلا يوجد في المنطقة بأكملها أنهار عريضة جداً يصعب على الإنسان الانتقال من طرف إلى طرفها الآخر سباحة، قال تعالى:
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (140) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ (141) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (142) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاء وَهُوَ سَقِيمٌ (145) وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (146) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (147) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (148) الصافات 139-148
إنّ مراد القول أنّ منطقة سكن قوم ذا النون هي المنطقة التي تقع بين منطقة سكن قوم نوح (بلاد الهند) ومنطقة سكن قوم إبراهيم (بلاد ما بين النهرين)، ولنستعرض الخريطة لنرى بأم أعيننا:

فيتضح أنّ المنطقة الواقعة (إلى الجنوب والشرق) من إيران وتلك (إلى الشرق من الهند –أي جنوب باكستان) هي الأرض الواقعة على مسطحات مائية يمكن أن تحمل الفلك المشحون، وهي الجزء القريب من المسطحات المائية التي يمكن أنْ تعيش فيها كائنات بحرية بحجم الحيتان، ولنرقب الدقة اللفظية في القرآن الكريم في هذا السياق، فلقد ركب يونس "الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ"، ولم يركب "الفلك" فقط، والسؤال هو: لماذا "المشحون"؟ فحتى لا نتجادل فإننا نكتفي أنْ نقول هو الفلك الذي يستخدم في الشحن، أي الذي يمكن تحميله بالناس والأمتعة بغية الانتقال من منطقة إلى أخرى، وهنا ندعو القارئ إلى النظر في الخريطة إلى المسطح المائي الذي يقع بين أقصى شرق شبه القارة الهندية وأقصى غرب وجنوب الجزيرة العربية (عُمان وحضرموت)، أليست تلك طريق التجارة البحرية بين الشرق والغرب آنذاك)؟

الدليل الديني
لقد تردد في ذهن العامة ولربما عجز الخاصة عن إيجاد الجواب الوافي لتساؤل مفاده: لماذا يتكرر في القرآن الكريم ذكر الأنبياء الذين عاشوا في منطقة الشرق الأوسط؟ فهل نزلت الرسالات السماوية فقط لمن يقطنون جزيرة العرب وأكناف جزيرة العرب؟ لقد ذهب الكثيرون إلى حد القول أنّ آدم نفسه قد سكن جزيرة العرب! كلا وألف كلا، إنّ هذا القول فيه من حب الذات الشوفانية التي تغطي حتى أبسط الحقائق، والأهم من ذلك أنه يعارض صريح النصوص الدينية، قال تعالى:
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ فاطر (24)
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ النحل (36)
مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً الإسراء (15)

وسؤالنا هو: أين إذاً رسل أولئك الأمم؟ وهل بكتاب عظيم كالقرآن الكريم يمكن أن يغفل عن مثل هذا التساؤل الكبير؟ إنّ مثلنا في فهم كتاب الله كمثل أصحاب الكتاب المقدس الذين تغنوا صباحاً ومساءاً بنبؤات الكتاب المقدس - كقيام الثورة البلشفية والحرب العالمية الأولى والثانية وحتى كوميديا دانتي الإلهية!- وعندما تسألهم عن ما في كتابهم من نبوءات عن محمد والإسلام يردوا على الفور بالقول: "لا شي"، بالله كيف يتنبأ كتابهم حتى بأدق التفاصيل ولا يذكر – حتى على سبيل الصدفة- عن رسالة غيرت وجه الكرة الأرضية بأكملها؟ أليست تلك هي الشوفانية التي لا تعمي الأبصار وإنما تعمي القلوب التي في الصدور؟ وبالمنطق نفسه، كيف يمكن لقرآننا أن يقص بالتفصيل قصص قرية صغيرة كقوم لوط أو شعيب ويغفل عن ذكر حضارات عريقة كحضارة الصين والهند وبلاد فارس؟!
إنّ طرحنا هذا يفسر الحقيقة القرآنية بأننا لسنا مركز الكون أو أن غيرنا لا شيء، إننا كغيرنا من الناس حصلنا على رسالة السماء كما حصلوا هم عليها من قبلنا، وما حصلنا عليها إلا يوم أنْ جاء دورنا، لا بل ولنقرأ في كتاب الله ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك تفوق تلك الأمم علينا:
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ التوبة (69)

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ الروم (9)
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا فاطر (44)
ولنتدبر الربط القرآني بين تفوق الأمم الأخرى علينا في عمارة الأرض، ورسالات الأنبياء السابقين:
كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69) أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ _ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) التوبة 69-70
ولنتدبر الحديث النبوي التالي في ظلّ الطرح الذي نقدمه هنا:
حدثنا ‏ ‏محمد بن سنان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سليم بن حيان ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سعيد بن ميناء ‏ ‏عن ‏ ‏جابر بن عبد الله ‏ ‏رضي الله عنهما قال
‏قال النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏مثلي ومثل الأنبياء كرجل بنى دارا فأكملها وأحسنها إلا موضع ‏ ‏لبنة ‏ ‏فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع ‏ ‏اللبنة
‏حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل بن جعفر ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن دينار ‏ ‏عن ‏ ‏أبي صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال إن ‏ ‏مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع ‏ ‏لبنة ‏ ‏من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه ‏ ‏اللبنة ‏ ‏قال فأنا ‏ ‏اللبنة ‏ ‏وأنا خاتم النبيين صحيح البخاري
ولنعد إلى الخريطة الجغرافية السابقة ونتأملها لنجد العجب في قوله صلى الله عليه وسلم، فكثيراً ما قرأت هذه مثل هذه الأحاديث لتبين تمام الرسالة الدينية برسالة الإسلام، ولكن لا ننسى أنّ الإسلام كان هو دين الله الحق يوم أن خلق البشرية، وما نود طرحه هو فهم هذا الحديث على الحقيقة، أي مهد رسالة الإسلامي الجغرافي مقارنة مع مهد الرسالات السماوية السابقة:
ألا ترى عزيزي القاري كيف كان مهد رسالة الإسلام (جزيرة العرب) لبنة من زاوية (للعالم القديم) احتاجت لرسالة سماوية حتى اكتمل البناء كله؟

الدليل الجغرافي والطوبوغرافي
إنّ تصفح خريطة العالم القديم في ضوء الطرح الذي نقدمه هنا يبين لنا كيف اكتمل البناء برسالة الإسلام، لقد كانت منطقة جزيرة العرب هي الجزء الأخير الذي لم ترسل له رسالة سماوية بعد على غرار الأمم والأقوام السابقين، ولنتتبع ذلك ابتداءً من نوح في شبه القارة الهندية، وإلى الشرق يأتي ذا النون ومن بعده إبراهيم شرقاً إلى بلاد ما بين النهرين ومن ثم موسى في أرض مصر وعيسى في بلاد الشام وأخيراً محمد في بلاد الجزيرة العربية، وهذه هي الرسالات السماوية الرئيسية التي استمرت وتمخضت عنها ديانات أهل الأرض، أما عن كثرة ذكر الرسل الآخرين الذين معظمهم من ذرية بني إسرائيل فهم من باب قوله تعالى:
وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (164) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165) النساء 164-165
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ     غافر (78)
ولنتدبر قوله تعالى:
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ الروم (9)
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ غافر (82)
وربما يسعفنا النظر في التوزيع السكاني على وجه المعمورة في إثارة التساؤل التالي: لِمَ لا يذكر القرآن الكريم عن شعوب الصين والهند الذين يتفوقون على جميع أهل الكرة الأرضية بالتاريخ والحضارة والعدد؟ ألا تتفوق تلك الشعوب على غيرها بالعدد " أَكْثَرَ مِنْهُمْ" وبالقوة " أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً" وكثرة أثارهم " وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ"؟ ألم يعمروا الأرض أكثر من غيرهم "وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا"؟ فأين إذاً رسلهم "وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ
ربما يحل مثل طرحنا هنا الإشكال برمته، فنحن نفترض أن الرسالة السماوية قد بدأت بنوح من تلك المنطقة:
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا الإسراء (17)
ثم أخذت تنتقل بالتدريج إلى الشرق مع رحلة البشرية في استيطان العالم القديم حتى ختمت بالرسالة المحمدية في أرض الجزيرة العربية، فإذا أخذنا رسالات أولي العزم من الرسل على أنها هي الرسالات الرئيسة تكون كل أمة قد أتاها نذيرها وما جاءت رسالتان لأمة واحدة، وقد كانت الرسالة الأقدم للأمة الأبعد إلى الشرق حيث بدأت الحضارة منها، وما كان بقية الرسل الذين قصهم الله في الكتاب مثل "يونس ولوط وشعيب، الخ، إلا مكملين للرسالات الرئيسية، فجميع رسل بني إسرائيل جاءوا ينشروا رسالة جدهم إبراهيم حتى بعث الله موسى لفرعون وقومه، وكانت تلك رسالة من جاء بعد موسى (كرسالة داوود وولده سليمان و زكريا وولده يحيى) حتى جاءت رسالة عيسى عليه السلام وبقيت مسيطرة حتى جاءت رسالة الإسلام، وباستخدام المنطق نفسه يكون جميع الرسل الذين جاءوا بعد نوح قد نشروا رسالته حتى جاءت رسالة إبراهيم عليه السلام. وهكذا كان الحال بعد إبراهيم حتى جاء موسى، وبقي كل أنبياء الله يدعون بدعوة موسى حتى جاء المسيح عيسى بن مريم، وأخيراً كانت الرسالة الخاتمة.

وباستعراض الخارطة الدينية في شبه القارة الهندية نجد أنها من أغنى مناطق العالم بالتراث الديني، والسؤال يكون على النحو التالي: من أين جاء ذلك التراث؟ هل يا ترى جاء كله من نسج الخرافات والأساطير؟ وحتى إنْ كان كذلك، فنحن نعلم أنّ الأساطير هي مصاحبة للفكر الديني عندما يصاب بالتحريف والتبديل، ونحن لا نعتقد بأنّ التاريخ والتراث الديني لأهل شبه القارة الهندية مستثنى من القاعدة، فهو فكر ديني كان في فترة ما ربانياً صحيحاً يدعو بدعوة الرسل جميعاً بالتوحيد "وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ" ثم أصابه ما أصاب غيره من التحريف والتبديل حتى ظل الطريق "فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ"، وقد أوغر بالانحراف لقدمه بالتاريخ البعيد حتى أصبح أقرب إلى الفلسفة منه إلى العقيدة الدينية.
وهنا قد يبادرنا البعض بالسؤال عن الصين وهي حضارة أعرق بتاريخها وثقافتها ولربما عقائدها من تلك التي في شبه القارة الهندية، فنرد على ذلك بجواب مختصر بسيط لا نريد الخوض في تفاصيله هنا لأنه ينقلنا إلى منطقة بحث جديدة، إنّ جوابنا هو: طبق نفس المنطق السابق وستجد الإجابة فوراً، إنّ رحلة البشرية بدأت من الشرق باتجاه الغرب وهذا يعني بأنّ أرض الصين قد شهدت الحضارة الأولى وبالتالي الرسالة الدينية قبل أرض الهند، وهذا يعني أنّ الرسالات الدينية (إن وجدت) بدأت من هناك، ولكن السؤال هو: ما هي الرسالات التي بدأت هناك؟ إنها رسالات الأنبياء الذين جاءوا قبل نوح، وأظن إنها رسالة إدريس عليه السلام التي كانت امتداداً برأينا لرسالة والده آدم، فوالد البشرية بأسرها آدم عليه السلام قد بدأت البشرية (ومنها الرسالة الدينية والحضارية) من تلك الأرض وأخذ الناس (وخصوصاً المستضعفون من الناس) بالهجرة إلى الشرق حيث تسمح الظروف البيئية والمناخية التي تساعد على نشوء الحضارة، فانتشرت شرقاً إلى أرض نوح وذا النون ومن ثم إلى بلاد إبراهيم فموسى فعيسى وأخيراً محمد عليه وعليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم السلام. ولكن يبقى هذا افتراض في بداية الطريق يحتاج إلى بحث معمق يستند إلى الدليل العقائدي المستنبط من كتاب الله، وهذا ما سنحاول الخوض فيه في مقالات قادمة بحول الله وتوفيقه، لذا فالله أسأل أن يأذن لي بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيري إنه هو السميع العليم.
*** *** ***
دحض الافتراض بالدليل العلمي:
يمكن دحض الافتراض الذي نقدمه (وهو أن شبه القارة الهندية كانت موطن نوح وبالتالي مسرح الطوفان) بالطرق العلمية البسيطة التالية التي يمكن للشخص العادي التحقق منها بنفسه، ولكن إنْ لم يتم دحض هذا الافتراض فإن الأدلة نفسها تدلل على صدق ما نظن وندعي:
    1. أولاً، إننا نفترض أنّ حصول الطوفان سيترتب عليه تكون طبقة من الرسوبيات الطينية، وكلما ازدادت ضخامة الطوفان كلما زادت سماكة الرسوبيات الطينية، لذا فإننا نتنبأ أنه إذا كان الطوفان قد حصل في منطقة شبه القارة الهندية فلا شك أنها ستحتوي على رسوبيات بأعماق هائلة، وعدم وجود مثل هذه الرسوبيات في منطقة جغرافية يعني عدم حصول طوفان من هذا الحجم فيها.
    2. إن وصول الماء إلى أعالي الجبال يعني وجود مخلفات على أعالي تلك الجبال من تلك البحار، فلابد من وجود مخلفات من أنواع الأسماك والأعشاب البحرية على قمم تلك الجبال من أصول بحرية، وهنا ندعو إلى إجراء مثل تلك الأبحاث على رؤوس وقمم الجبال، فالجبال التي تتواجد على قممها مخلفات بحرية تستدعي تفسيراً لذلك. ونحن نتنبأ وجود المخلفات البحرية الكثيرة جداً على أعالي الجبال المحيطة بشبه القارة الهندية.
    3. أنّ وصول مياه المحيطات والبحار والأمطار إلى أعالي الجبال يؤدي بالضرورة إلى تكون مصائد مائية في أعالي قمم السلاسل الجبلية على شكل أحواض وبحيرات، ولكن يمكن أن تتكون مثل هذه المصائد بفعل مياه الأمطار، فما الغريب في ذلك؟ (ربما يظن البعض) نقول نعم ذلك ممكن، ولكن كيف يمكن أنْ نفسر أنّ مثل هذه المصائد المائية –كما نظن ونزعم- فيها نسبة عالية من الملوحة؟ إنّ مياه الأمطار – كما يعلم الجميع- قليلة الملوحة بلا شك، ولكنّ مياه المحيطات والبحار عالية الملوحة، فارتفاع مياه البحار والمحيطات حتى أعالي الجبال سيترتب عليه تكون تلك المصائد التي على شكل بحيرات من مياه جزءاً منه مالح وذلك بسبب أنها من أصول بحرية كما أنّ جزءاً منها من أصول مطرية. فنحن ندعو إلى دراسة درجة الملوحة في المصائد المائية الموجودة في أعالي السلاسل الجبلية على وجه المعمورة، لذا فإننا نتنبأ أيضاً أنّ أعالي السلاسل الجبلية المحيطة بشبه القارة الهندية (كسلاسل الهملايا مثلاً) ستكون غنية بمثل هذه المصائد المائية عالية الملوحة.
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: وسنناقش في مقالة أخرى بحول الله وتوفيق منه (إن أذن لنا بشيء من علمه) ظننا المزعوم بأن نوح عليه السلام هو بوذا نفسه المعروف في ديانات أهل الهند خاصة البوذية.

ما قبل الخلق
وهنا نتوقف مرة أخرى لإلقاء نظرة متفحصة لخريطة العالم القديم في ظل الآية القرآنية التالية:
وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ هود (7)
وقبل أنْ يتسرع القارئ برفض الفكرة الغريبة التالية فلابد من توضيح بعض الحقائق:
أولاً، إنّ العرش هو خلق من خلق الله، وهو ليس جزء من الذات الإلهية
ثانياً، إن الملائكة هم خلق من خلق الله كذلك
ثالثاً، إنّ الناس هم خلق من خلق الله
رابعاً، إنّ الأرض خلق من خلق الله
والحالة كذلك فلا ضير في الحديث عن هذه الأمور ضمن التصور البشري الذي لا يستطيع الإحاطة بالذات الإلهية، ولكنّه قد يحيط بمخلوقات الله، وبهذا التصور كيف يمكن فهم الآية القرآنية التي تؤكد أنّ عرشه كان على الماء، فأين الماء الذي كان عرشه عليه؟ لربما يكون الجواب الجاهز لدى الكثيرين أنّ ذلك الماء ليس على سطح الكرة الأرضية لأنّ الأرض لا تستطيع أنْ تتحمل العرش على سطحها، فالماء الذي كان العرش عليه لابد أنه في مكان آخر، ولكننا نرفض هذا التصور لعدة أسباب:
أولا، ما دام أن العرش كان على الماء فما الفرق أنْ يكون ذلك الماء على سطح الكرة الأرضية أو على غيرها؟ فما على الأرض هو مخلوق من مخلوقات الله كما أنّ الأشياء في أي مكان آخر هي خلق من خلق الله، لا بل لقد اختار الله الأرض على جميع خلقه لتكون هي موطن خليفته عليها:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ البقرة (30)
ثانياً، يذكر القرآن الكريم أنّ الخلق بدأ من الأرض أصلاً:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ البقرة (29)
ثالثاً، لقد استمر خلق الأرض وما فيها فترة من الزمن حتى قبل الاستواء إلى السماء، قال تعالى:
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9)
وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ (10)
ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
فصلت 9-11
رابعاً، يصور القرآن الكريم الموقف يوم القيامة على النحو التالي:
وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الزمر (75)
فالملائكة في يوم القيامة سيكونون ملتفين بالقرب من العرش، والسؤال البسيط هو: أين سيكون ذلك العرش الذي سيحف به الملائكة؟ فهل سيكون في مكان غير الأرض؟ وماذا لو استطعنا أنْ نثبت أنّ ذلك الموقف سيكون على الأرض؟ فهل  سيقتنع القارئ عندها أنّ العرش الذي كان على الماء كان أصلاً على سطح الكرة الأرضية؟ وإن صح هذا الافتراض فإننا بحاجة أنْ نحاول البحث عن المسطح المائي الذي كان العرش عليه، ولكن قبل الوصول إلى هذا الهدف لابد من التأكيد على الفكرة التالية: إننا عندما نقرأ قوله تعالى "وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء" لا تعني بالضرورة ملامسة العرش لسطح الماء فـ "على" كما تفيد الملامسة تفيد كذلك الارتفاع دون الملامسة المباشرة، ولقد تعرضنا سابقاً لمعنى قوله تعالى "وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ (هود 38) "، فالقوم كانوا يمرون عليه من على ارتفاع، فهي لا تعني المرور عليه من على ظهره بالملامسة، وبالتالي فقوله تعالى " وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء" تعني أنّ العرش كان مرتفعاً (مشرفاً مطلاً، الخ.) فوق سطح الماء وليس بالضرورة على سطح الماء مباشرة.
وبهذا فإننا بحاجة أنْ نعود للبحث عن المسطح المائي على سطح الكرة الأرضية الذي كان العرش عليه، ولكن البعض يبادر بالقول "ولكننا لازلنا غير مقتنعين بأنّ العرش كان على مسطح مائي على وجه الكرة الأرضية". فنرد عليه بالقول ولكن هل اقتنعت من الآية السابقة أنّ الملائكة يوم القيامة سيكونون حافين من حول العرش؟
- "نعم بكل تأكيد، فالملائكة سيكونون كذلك ولكن ما علاقة ذلك بالافتراض الذي تقدمه؟
جواب: نحن نظن أنّ العلاقة فقط هي أنْ نحاول أنْ نبحث عن المكان الذي سيحصل فيه ذلك الموقف. أي أين سيكون ذلك الموقف حيث الملائكة تكون حافة من حول العرش؟ فهل سيكون الملائكة حافين من حول العرش يوم القيامة على سطح الكرة الأرضية؟ فإنْ كان كذلك، فما العجب أن يكون العرش قد تواجد أصلاً على سطح الكرة الأرضية؟
- ولكن يرد صاحبنا بالقول ولكن هل فعلاً سيكون الملائكة يوم القيامة حافين حول العرش وسيكون ذلك الموقف على وجه الكرة الأرضية؟
رأينا: نقول بكل تأكيد ذلك هو الموقف، وإن كنت لا زلت غير مقتنع بذلك، فندعوك لتربط تلك الآية التي يكون فيها الملائكة حافين من حول العرش مع قوله تعالى في سورة الزمر:
(1) ونُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ (68)
(2) وأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)
(3) ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)
ألا يعني ذلك أنّ القضاء بين الناس بالحق "وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ" سيكون على وجه الأرض؟ وعندها ألا تكون الأرض تشرق بنور ربها في يوم القضاء بالحق؟ فكيف ستشرق الأرض بنور ربها إنْ لم يكن العرش والملائكة الحافين من حوله متواجدين هناك؟ ولنعيد الآية نفسها ليتأكد القارئ أنّ ذلك هو يوم القضاء بين الناس بالحق:
وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الزمر (75)
نعم، هو اليوم نفسه، سينفخ بالصور مرة أخرى " ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى"، وسيقوم الناس للحساب "فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ"، وستشرق الأرض بنور ربها "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ"، وسيوضع الكتاب "وَوُضِعَ الْكِتَابُ"، وسيجيء بالنبيين والشهداء جميعاً "وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء"، وسنرى الملائكة حافين من حول العرش "وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ".
ولكنّ البعض قد لا يزال مستغرباً من الحديث عن قدرة الأرض على تحمل المشهد، فلنورد لهم الآيات الكريمة التالية ليروا أنَ ذلك ممكن:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) لِيَجْزِي اللّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51) إبراهيم
ونعود إلى حيث بدأنا: أين كان العرش يوم الخلق الأول؟ وأين سيكون يوم الحساب؟ فالعرش كان يوم الخلق الأول على الماء (ولا شك فوق الماء الذي على سطح الكرة الأرضية)، فحقيقة أنه سيكون فوق الأرض يوم القيامة يؤكد فرضية أنه كان هناك يوم بدء الخلق، فلا عجب أنه كان مادام أنه سيكون. ولكن السؤال الآن هو: أين ذلك المسطح المائي الذي كان العرش عليه وما علاقة ذلك ببدء الخلق وحديثنا عن مناطق بعثة الرسل وسكن الخلق الأول (أي آدم وزوجه)؟
نحن نظن أنّ الجواب على هذا السؤال موجود في الآية نفسها:
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ الزمر (69)
ولنرقب قوله تعالى "وَأَشْرَقَتِ"، فغالباً ما فُسِرت العبارة على المجاز (أي بمعنى أضاءت)، وما نطلبه من القارئ الكريم هو تفسيرها على الحقيقة، فما معنى قوله "وَأَشْرَقَتِ"؟ ألا تعني أنّ النور جاء مصدره من جهة الشرق؟ فما معنى قولنا (ولله المثل الأعلى) أشرقت الشمس؟ ألا تعني أنّ ضوءها جاء من جهة الشرق؟ نعم ستشرق الأرض لأن نور ربها سيأتيها من جهة الشرق، وبهذا يكون العرش الذي ستحفه الملائكة من جهة الشرق، فأين سيكون العرش إذاً إنْ كان في الشرق؟ الجواب بكل بساطة قوله تعالى:
"... وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء..." هود 7
وأين الماء الموجود من جهة الشرق؟ فلنتأمل الخارطة لنجد المسطح المائي الأضخم على سطح الأرض:


نعم هناك كان العرش على وجه الماء، ومن هناك بدأ الخلق، وبدأ آدم الحياة على سطح الأرض من المكان الأقرب إلى ذلك المسطح المائي، وبدأت رحلة الإنسان بالهجرة غرباً في بناء الحضارات، وبنيت الحضارات تباعاً، وبعث الله الرسل تترا، متسلسلين ليس فقط زمانياً بل ومكانياً أيضا:
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) المؤمنون 42-44
حتى أقام الله الحجة على الجميع وليس فقط على من سكن منطقة الجزيرة العربية والشرق الأوسط، بل على العكس لقد كانت منطقة الجزيرة العربية هي آخر المناطق في تلقي الرسالة السماوية لأنها اللبنة الأخيرة التي اكتمل بها البناء:  
حدثنا ‏ ‏قتيبة بن سعيد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏إسماعيل بن جعفر ‏ ‏عن ‏ ‏عبد الله بن دينار ‏ ‏عن ‏ ‏أبي صالح ‏ ‏عن ‏ ‏أبي هريرة ‏ ‏رضي الله عنه
‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال إن ‏ ‏مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع ‏لبنة‏ ‏من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون هلا وضعت هذه ‏ ‏اللبنة ‏ ‏قال فأنا ‏ ‏اللبنة ‏ ‏وأنا خاتم النبيين صحيح البخاري

وإن تأملت - عزيزي القارئ- الخريطة السابقة وجدت عجباً في قوله صلى الله عليه وسلم، إنها فعلاً موضع لبنة من زاوية، ألا ترى ذلك؟
لاحظ عزيزي القارئ كيف تفيد كلمة "تترا" في الآية السابقة التسلسل المكاني أكثر من إفادتها التسلسل الزماني كما ذهب معظم المفسرين، وذلك لسبب بسيط جداً وهو أنّ التسلسل الزماني موجود ومعبر عنه في الآية الكريمة نفسها في قوله تعالى " فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا"، فإذا كانت تترى يقصد بها التسلسل الزماني فقط لأصبح هناك تكرار غير مبرر في الآية الكريمة، ولكن لما كانت "تترى" ، في ظننا- تفيد التسلسل المكاني أصبح التسلسل واضح في إرسال الرسل، فهو تتابع زماني ومكاني، زمانياً معبر عنه في الآية الكريمة بصيغة "فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا" ومكانياً بصيغة "أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ"، فيتم بذلك العدل الإلهي لكافة الأمم بغض النظر عن زمنها أو مكان سكنها.

وحتى لو رجعنا إلى النظريات المختلفة في نشأة وتطور الأرض لوجدنا أنّ كلامنا هنا لا يتناقض مع أي منها، فعلى سبيل المثال هناك النظرية التي تقول أن يابسة الكرة الأرضية كانت كتلة واحدة وبدأت عملية الإزاحة (continental drift) شيئاً فشيئاً حتى تبلورت القارات (خصوصاً ما أصبح يعرف Wegener's theory):
Source: http://www.ux1.eiu.edu/~cfjps/1300/cont_drift.html
فلقد تحدث العلماء أنّ الأرض كانت كتلة واحدة سموهاPangaea الكلمة الإغريقية الرديفة لـsupercontinent )، ولكن بفضل النشاط البركاني (volcanic activity) والمد الحراري (Thermal expansion) أخذت عملية الإزاحة (continental drifting) بالحدوث، وقد ظهرت أدلة من العلوم المختلفة كعلم الهزات الأرضية  (seismology) و علم المتحجرات  (paleontology) وعلم المحيطات (occeangraphy) تشير إلى حدوث ذلك في الماضي السحيق، ونحن إذ لا نشكك هنا بالنظرية العلمية، لكنا ننتقدها لسببين: أولهما، لأنها لا تجيب على التساؤل الأكبر وهو: لماذا ومتى حدث ذلك النشاط البركاني(Volcanic ctivity) والتمدد الحراري(Thermal expansion) أصلاً؟ أي ما هي القوة الرهيبة التي تستطيع أن تحرك أجسام عملاقة بحجم القارات؟ وثانياً، أنها تؤكد أنّ الإزاحة كانت تدريجية. إننا نزعم الظن أنّ فكرنا الديني يقدم التفسير الشافي لهذين التساؤلين على النحو التالي:
لقد كانت القارات جميعها كتلة واحدة متماسكة لا تنفصل لأنه كان هناك على المحيط (الكتلة المائية الأضخم) ضغطاً يوازي الضغط الذي تشكله كتلة اليابسة على الصفائح القارية (وأصبحت تعرف بنظرية Plate Tectonics theory of التي تطورت عن نظرية continental drift)، وبالالتزام بالقاعدة العلمية التي تقول "أن لكل فعل رد فعل مساوٍ له في المقدار" فإنه عندما ذهب ذلك الضغط الموازي أحدث ضغطاً هائلاً على الصفائح من طرف اليابسة مما أدى بها إلى التصدع وبالتالي حدوث الشقوق في مناطق الفصل (rip-zones) التي أدت بأحجام هائلة من اليابسة أنْ تنفصل عن بعضها ، وذلك لأنّ قيم توزيعات الارتفاع والانخفاض distribution of heights and depths (كما لاحظ Wegener) تختلف بين اليابسة والمحيط. وقد يبادرنا البعض بالسؤال عن ذلك الضغط الموازي الذي كان موجوداً على الماء، فنرد بالقول إنه ما يفهم من قوله تعالى:
"... وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء..." هود 7
ولهذا فعندما يعود ذلك العرش إلى حيث كان يوم الخلق الأول (في يوم القيامة) ستعود الأرض لتبدل شكلها مرة أخرى:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ إبراهيم (48)
وقد اقترح البعض (كنظرية تيلور على وجه الخصوص Talyor’s Theory 1910 ) أنّ سلاسل الجبال العملاقة مثل الهملايا والألب قد تشكلت بفعل الضغط المعاكس باتجاه خط الاستواء (المركز) مما أدى ببعض الصفائح القارية العملاقة أن تتلاقى، مثل تلاقي صفيحة شبه القارة الهندية مع صفيحة القارة الأسيوية، فأدت بالتالي إلى بروز تلك السلاسل الجبلية العملاقة. لذا فإنّ كثيراً من الآيات تتحدث عن زوال الجبال في يوم الحشر الأكبر:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) طه 105-107
إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (6) الواقعة 4-6
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة 13-17
يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) المعارج 8-9
يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14) المزمل 14
فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) المرسلات 8-10
يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) النبأ 18-19
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) التكوير 1-6
يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ (5) القارعة 4-5

فهذه الآيات تصور ما سيحدث في ذلك اليوم الرهيب، والمهم في الأمر هنا هو انشقاق السماء لنزول العرش الذي ستحمله الملائكة الثمانية، فعندها ستدك الأرض والجبال دكة واحدة "وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً"، أي ستعود كتلة واحدة (انظر خريطة Wegener للأرض قبل عملية الإزاحة القارية وانظر إلى الخريطة التي تصور مستقبل الأرض بعد ملايين السنين) وبذلك ستتلاشى الجبال مصداقاً لقوله تعالى:
إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثًّا (6) الواقعة 4-6
أما حول تلك الكتلة الهائلة من اليابسة فقد حدث ذلك الصدع:
وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) الطارق 12
وتكون ما يشبه الحزام الذي يتصف بنشاطه الزلزالي والبركاني حول المحيط بما أصبح يعرف في الأوساط العلمية باسم The Ring of Fire، قال تعالى:
وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) الطور 6

وثانياً، أنّ الإزاحة حصلت مرة واحدة (وهذا لا ينفي بالتأكيد التمدد الحالي البطيء جداً) وذلك لأنّ القوة التي أدت بالكتل الضخمة أنْ تتحرك في الأصل لا يمكن أنْ تكون بطيئة بتلك الحالة عندما بدأت، فردة الفعل التي يحدثها تحرك كتلة هائلة بحجم الصفائح القارية لابد أنه كان هائلاً وما نشهده الآن لا يتعدى أنْ يكون فترة السكون أو الهدوء التي تلت ذلك الحدث العظيم، ولا أخال أنّ فكرة كهذه لا تجلب انتباه المتخصصين، بل على العكس لقد أدت إلى ظهور نظريات بديلة لنظرية Plate Tectonics وكان أشهرها Schock Dynamics
ولكننا  في السياق ذاته نؤكد أننا لا نقرأ القرآن الكريم بناءً على ما تقوله النظريات العلمية، بل هو العكس تماما، إننا ننظر لهذه النظريات من خلال النصوص القرآنية، فنصدق ما يصدقه القرآن ونكذب ما يكذبه، فكتاب الله صحيح على اطلاقة، وقول البشر يؤخذ منه ويرد معظمه.

ونحن إنْ تصورنا ذلك لوجدنا أنّ الكتلة المائية التي تحيط باليابسة كتلة هائلة، ويأتي العدل الإلهي بأنْ لا يكون عرشه على أي جزء من اليابسة حتى لا تتميز أمة عن أخرى، فيختار أنْ يكون عرشه على الماء، وتبدأ الرحلة البشرية من هناك.
وهنا لا بد من التأكيد أننا لا نتحدث عن تكييف العرش على مساحة مائية محدودة، فالآية القرآنية تشير أنْ العرش يطل على الكرة الأرضية من جهة الشرق، وبهذا فإن الناس عندما يخرجوا من الأجداث يكون أول ما يجلب انتباههم هو نور ربهم (وليس ربهم بالتأكيد)، وبهذا تتجه الأنظار جميعها نحو الشرق، فما تستطيع أنْ تراه هو كيفية التفاف الملائكة من حول العرش، فالآية الكريمة تؤكد أنّ الرؤية الحقيقية للملائكة ستحصل:
وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الزمر (75)
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) الحاقة 13-17

فجل ما ندّعي هو مصدر الإشراق وليس المكان الجغرافي للإشراق، فلا يظن البعض أننا نقصد أنّ ذلك المكان سيحتوي الوجود الإلهي، لأن الالتفاف الملائكة سيكون فقط حول العرش، ونحن لا نصور العرش على أنه مكان "جلوس الذات الإلهية"، فذاك أمر غير وارد، ولكنّ مصدر النور الإلهي سيكون (كما تصوره الآية القرآنية) جهة الشرق، ففي منظورنا البشري نستطيع إدراك مصدر النور ولكننا قد لا نستطيع الإحاطة بمكان وجوده، فالشمس (ولله المثل الأعلى) تطل علينا من الشرق ولكننا لا نستطيع أنْ نحدد مكانها بمجرد النظر إليها.
وقبل أنْ يستدركنا البعض بالقول بأنّ الأرض كروية الشكل فما يكون شرق الصين هو غرب أمريكيا مثلاً، نرد عليه بالقول بأنّ نور الله هو أعظم من الشمس ولذا فإنه عندما "يشرق" فهو سيطل على كل الكرة الأرضية وبنفس الوقت من جهة الشرق، فحتى من في الصين أو أمريكا أو الشرق الأوسط ينتظر الشمس في الصباح لتطل عليه من جهة الشرق، وكذا هي الحالة بالنسبة للبشرية بأسرها في ذلك اليوم، ولكن لأنّ نور الله أعظم من كل ما نستطيع أنْ نتخيله فهو سيطلع على الجميع من جهة الشرق ولكن في نفس الوقت، فالناس عندما يخرجوا من قبورهم سيلتفتون جميعاً بنفس الاتجاه ليسود النظام المصحوب بالدهشة من هول الموقف، قال تعالى:
يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا طه (108)
ولا ننسى قوله تعالى:
وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا النساء (126)
أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ ۗ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فصلت (54)
فالله محيط بهم وبالتالي سيكون الإشراق على الخلائق جميعاً في نفس الوقت.
واليك عزيزي القارئ الخريطة التالية كما تصور مستقبل الكرة الأرضية:
"Pangea Ultima" will form 250 million years in the Future
Source: http://www.scotese.com/future2.htm

الدليل اللغوي
لعل الجميع يعلم أنّ اللغة كائن متغير ويستحيل أنْ تسلم لغة من داء التغيير، فلقد اندثرت لغات بأكملها ولربما ماتت كلياً أو تولدت عنها لغات أخرى، وكثير من لغات الأرض لا يفهمها أهلها قبل مائتين أو ثلاث مئة سنة من عمرها، ولغات العالم الرئيسية قليلة جداً، فهناك لغات يُعَد متكلموها على أصابع اليد، ولغات لم يكتب منها حرف واحد، ولكن بالمقابل هناك لغات عمّرت آلاف السنين، وسؤالنا هنا عن السبب: لماذا تموت وتنتهي لغات وتعيش وتستمر أخرى؟ لربما هناك أسباب كثيرة تساهم في تعمير اللغة، ولكن الجميع يدرك أنّ اللغات التي نزلت بها رسالات سماوية عاشت واستمرت أكثر من غيرها، فلا يكاد يختلف اثنان أنّ اللغة العربية ما كانت موجودة في يومنا هذا لولا القرآن الكريم، وكذلك حفظ العهد القديم العبرية القديمة، وساعد العهد الجديد في استمرارية الآرامية (ولو على نطاق محدد)، والسؤال الذي نطرحه هنا هو: ما سر استمرارية اللغة السنسكريتية؟ لا بل وتمخضت عنها لغات أخرى وأثرت في لغات كثيرة أكثر مما أثرت أي لغة أخرى، إننا نعتقد أنّ اللغة السنسكريتيه على قدمها من أوائل اللغات التي حملت الفكر الديني.
ومما لا شك فيه أن رحلة استعمار أوروبا قد بدأت من الموجات البشرية التي انتشرت من شبه القارة الهندية عبر الأنضول في أسيا الصغرى ومن هناك إلى كافة أرجاء أوروبا، وقد كان للتأثير اللغوي دوره الكبير في ما يسمى Indo-European languages، فمعظم اللغات الأوروبية لها جذورها الضاربة في التاريخ الهندي القديم، وهم لم يحملوا معهم الموروث اللغوي فقط بل حملوا كذلك الموروث الديني، ولنقرأ النص التالي الذي يتحدث عن الهجرة من أواسط أسيا إلى أوروبا:
That there was a migration of Indo-European speakers, possibly in waves, dating from the 2nd millennium BC, is clear from archaeological and epigraphic evidence in western Asia. Mesopotamia witnessed the arrival, in about 1760 BC, of the Kassites, who introduced the horse and the chariot and bore Indo-European names. A treaty from about 1400 BC between the Hittites, who had arrived in Anatolia at about the beginning of the 2nd millennium BC, and the Mitanni empire invoked four deities—Indara, Uruvna, Mitira, and the Nāsatyas (names that occur in the Rigveda as Indra, Varua, Mitra, and the Aśvins).
إن أكثر ما يهمنا من هذا النص هو موضوع الآلهة التي أحضروها معهم (ويرد ذكرها في القصائد الدينية الهندية القديمة أو ما يسمى Regveda)، وهذه بعض تلك الآلهة Indara, Uruvna, Mitira, and the Nāsatyas، وهنا نتوقف لنطلب من القارئ الكريم إمعان النظر والتأمل بهذه الأسماء في ضوء الآية القرآنية التي تتحدث عن معبودات قوم نوح، والتي جاءت في القرآن الكريم على لسان نبيهم نوح نفسه:
وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا نوح (23)
TO BE CONTINUED …
أسأل الله العظيم أن يأذن لنا الإحاطة بشيء من علمه إنه هو السميع المجيب، ونسأله تعالى أن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب، وأن يعلمنا ما لم يعلم أحداً من خلقه، وأن يعلمني الذكر من الكتاب وأن يتقبلني في المدكرين،... .