#الفرق بين اكبر و اكثر






وربما أكون مفطورا على حب التمييز بين الألفاظ المتقاربة (أو Synonyms باللسان الأعجمي)، وإنني على يقين بأن إشكالية فهم النص القرآني غالباً ما نبعت من خلط الألفاظ المتقاربة، ولا أجد أننا بحاجة إلى شيء أكثر من قراءة النص القرآني بتأني للوقوف عند ألفاظه كما يقصدها مفصل هذا الكتاب وهو الإله نفسه، لا كما نحب أن نفهما نحن، لأن فهمنا غالباً ما يشوبه النقص والتحريف والتأويل الذي لا ضرورة له، وهنا سأخرج قليلاً عن الموضوع الرئيسي لتقديم مثال على أن عدم الدقة في تفصيل الألفاظ غالباً ما تعيق الفهم وتحجب رؤية الأشياء على حقيقتها

استراحة قصيرة: لماذا أخفقت أنا في فهم علم الرياضيات؟

لعل من أوضح عيوبي التحصيلية عبر رحلتي التعلّميّة في المدرسة والجامعة هو إخفاقي الفاضح في التحصيل الرياضي، فقد كنت من أفقر الطلاب علماً بالرياضيات، العلم الذي يحتاج إلى العقول الكبيرة لفهمه (كما يؤكد أهل الدراية)، وهو بالطبع ما ينقصني!

ولكن بالرغم من إدراكي قصور قدرتي العقلية عن فهم مثل هذا العلم المجرد الذي يميّز أصحاب العقول الكبيرة إلاّ أنني لا زلت مقتنعاً (وإن كنت مخطئاً) أن سببا آخر ساهم بشكل كبير في إخفاقي الشنيع ذاك، ألا وهو: إخفاق كتب ومدرسي علم الرياضيات في استخدام المفردات الصحيحة في علمهم كما ينبغي. ولكن كيف؟


قصة محزنة!

كنت لا زلت طالباً في الصف الأول الابتدائي ب (فحظي السيئ غالباً ما كان ينتهي بي في تلك الشعبة التي لا زلت أكرهها) عندما قدّم لنا معلم اللغة العربية درساً يهدف – حسب تقديري الآن- لتنمية قدراتنا الذهنية في التمييز بين حجم الأشياء، فكان - مما لا زلت أذكر من تلك السيناريوهات- تقديم المعلم صورة لسيارة كبيرة وأخرى صغيرة، ليفاجئنا بعد ذلك بالسؤال العبقري التالي:

- أيهما أكبر السيارة الحمراء أم الصفراء؟

وفي الصفحة الثانية من الكتاب نجد صورة شجرة كبيرة وأخرى صغيرة، ليسألنا المعلم السؤال نفسه بمفردات جديدة:

- أيهما أكبر شجرة التفاح أم شجرة البرتقال؟ وهكذا

وأقسم لكم – يا سادة- أني فهمت ذاك الدرس أيّما فهم، فأخذت أطبق مهارتي المكتسبة تلك في تمييز أحجام الأشياء على كل ما أرى في المدرسة والشارع وحتى البيت، وقد أعجبتني الفكرة حتى رحت أتساءل: لم يا ترى حجم أمي أكبر من حجم أبي؟ أليس هو الرجل وهي المرأة؟ ولم يكون بيت جيراننا أكبر من بيتنا؟ وهكذا.

وقد شططت في هذا الموضوع لدرجة أن مثل تلك التساؤلات أخذت تسبب لي بعض المشاكل، فقد أخذت أتساءل عن السبب في أن يكون زميلي حسين (أحد طلاب الصف) أكبر مني حجماً بالرغم أننا في صف واحد: هل ليكون هو أشد مني قوة، فإذا ما تعاركت معه صرعني على الأرض بلا عناء يذكر؟

فها هم زملائي في الصف والمدرسة يشكّلون فريق الرياضة، وغالباً ما يتم ذلك بناءً على أحجامهم وقدرتهم الجسمية، وكانت تتم تشكيلة الفريق على النحو التالي: يتقدم اثنين من زملائي الذين غالباً ما يكونون الأكبر جسماً ليختار كل منهم فريقه من مجموع طلاب الصف لحصول المباراة بين الفريقين، واقسم لكم - يا سادة - أنه لم يحصل ولو مرة واحدة أن تم اختياري في أي من الفريقين، ولم أكن استطيع الاعتراض على عدم اختياري لان ذلك كان سينتهي بي على الأرض مطروحا (وربما مضرجاً بدمائي)، لينتهي بي المطاف في كل مرة إلى جانب الملعب متفرجاً متحسراً على عدم قدرتي أن أكون مثل زملائي، ومما لا شك فيه أن السبب في ذلك كان يتمثل في حجم جسمي الذي كان من أصغر الأحجام في الصف مقارنة بمعظم زملائي، وما كان يشاركني ذاك الهمّ إلا عدد قليل جداً من زملائي الطلاب الذين كنت أشكل معهم جلّ (إن لم يكن كل) جمهور المتفرجين على المباراة.

ولكن – يا سادة- أدرك الآن أن ذلك الوقت الذي كنت أقضيه متفرجاً على المباراة لم يذهب سدىً، ففي الوقت الذي كان زملائي يشبعون فيه رغبة أجسادهم في اللعب والحركة والتمتع بالرياضة، كنت أنا منشغل التفكير في حظي من الدنيا (جسم صغير لا يساعدني على منافسة معظم زملائي).

- ولكن ما علاقة ذلك بدرس الرياضيات الذي لم تفلح فيه؟ يقاطعني البعض بالقول.

آه، لنعود إلى الموضوع بعد أن سردت عليكم جزءاً تراجيديا من طفولتي. المهم في الموضوع أنني - كما ترون- أصبحت أدرك وأفهم تماماً درس الأحجام (وربما أهميتها)، واستمرت الصورة على تلك الشاكلة حتى وصلنا إلى الصف الرابع (ب طبعاً) عندما قدّم لنا معلم الرياضيات واحدة من دروسه الأولى في الرياضيات المعاصرة (وعلى وجه التحديد علم الحساب arthematic)، فكان من أهم ما أربكني في ذاك الدرس اللعين هو استخدام الرموز الرياضية التالية:

<(أكبر)

> (أصغر)

≤(أكبر أو يساو)

≥ (أصغر أو يساو)

وأظن (إن لم أكن مخطئاً) أنّ المعلم قدّم هذه الرموز على تلك الشاكلة ، وبدأ المعلم يشرح لنا الفائدة المرجوة من استخدام هذه الرموز الرياضية، فكان من أول الأمثلة التي قدّمها لنا لنفهم كيفية استخدام هذه الإشارات الرياضية المثال التالي:

3 > 2

وبيّن لنا كيف نقرأ هذه الصيغة الرياضة باللغة العربية فقال: نقرأ هذه العبارة على النحو التالي (مشيراً بيده إلى الرمز الجديد):

ثلاثة أكبر من اثنين

وفي هذه اللحظة حصلت الكارثة التي أدت بي إلى نبذ علم الرياضيات كله، وكانت القصة على النحو التالي:

عندما أكدّ لنا المعلم أكثر من مرة (ربما لينخرها في عقولنا حتى ولو لم نفهمها، كما يفعل المعلمون على الدوام) أننا نقرأها على نحو ثلاثة أكبر من اثنين، ما كان مني إلا أن اعترضت على ذاك الكلام فجأة دونما تردد ولو للحظة واحدة، فرفعت يدي وقلت للمعلم: "لا الثلاثة مش أكبر من الاثنين" باللهجة المحلية. فما كان من المعلم إلا أن نظر إليّ نظرة التي لا تخلو من الفوقية والطبقية ولا ينقصها الازدراء والتحقير قائلاً: "ماذا تقول يا ولد؟ أو شو بتقول يا ولد؟ ليستطرد بعدها بلا توقف بسيل من الأسئلة تفضي جميعها إلى حقيقة واحدة وهي أنني لا أستحق أن أكون طالباً في الصف الرابع الابتدائي (بغض النظر عن الشعبة)، فكان مما قال: ألا تستطيع أن تفهم أن الثلاثة أكبر من الاثنين؟ كيف لي أن أبسّطها لك أكثر من ذلك؟ هل فعلاً أنت طالب بالصف الرابع؟ لا بد أن تعود إلى الصف الأول لتتدرب على الأعداد، ...الخ. لينفجر الصف بأكمله عندها بالضحك الذي لم يخلو من رائحة الازدراء والتهكم أيضاً. فما كان مني إلا أن سكتّ ووجهي يحمرّ خجلاً من نفسي ومن زملائي، ولم أستطع في تلك اللحظة أن أعبر عن ما كان يجول في خاطري، لأصبح بعدها محل سخرية من زملائي الذين أدركوا منذ تلك اللحظة أنني لا يمكن أن أفلح يوماً في علم الرياضيات، العلم الذي كرهته لكرهي لمعلمي الذي أذلني أما زملائي، ولم يمنحني الفرصة للتعبير عن ما جال في خاطري في تلك اللحظة. فلسان حالهم كان يقول: كيف ستفهم الرياضيات المعاصرة مادام أنك لم تستطع أن تفهم بأن الثلاثة أكبر من الاثنين؟

ولكني لمّا حرمت التعبير عنها أمام الصف لمعلمي أولاً ولزملائي ثانياً، فإني سأحاول التعبير عنها الآن علّ ذلك الخزي والعار الذي لحق بي سنوات وسنوات لجهلي الفاضح بعلم الرياضيات لا يبقي يطاردني خصوصاً أمام زملائي الذين أصبح معظمهم من حملة الشهادات العليا في العلوم الطبيعية، وانتهي بي الأمر أنا في العلوم الإنسانية (وعلم اللغة على وجه التحديد).

لقد كانت فكرتي يا سادة على النحو التالي:

معلمي يقول أن 3 أكبر من 2، ولكن لننظر إلى المعادلة نفسها مرة أخرى:

3>2

وقد كتبها معلمي على السبورة بالطبشورة وبخط اليد، لذا لا يمكن أن تكون يده دقيقة في رسم الأرقام كدقة الكمبيوتر هنا، ولكن لننظر جيداً إلى المعادلة كما هي مكتوبة الآن على شاشة الكمبيوتر: هل فعلاً 3 أكبر من 2؟ كلا، وألف كلا، إنهما نفس الحجم، أليس كذلك؟ فأنا لم ولن أنسى درس الأحجام الذي تدربنا عليه باستخدام صورة السيارة الحمراء والصفراء، وشجرة البرتقال والتفاح. هل تذكرون؟

ثم ماذا لو كتبت أنا المعادلة على النحو التالي:




3 < 2 ؟

هل تصبح 3 أكبر من الاثنين أم تكون 2 أكبر من 3 ؟ تأمل الحجم جيداً، أليس 2 أكبر حجماً من 3، كيف بمعلمي يقول إذاً أن 3 أكبر من 2؟

ألا ترون - يا سادة- أن كتب الرياضيات ومعلمي الرياضيات لا يزالون يقعون في الخطأ نفسه منذ ولادة علم الحساب في لغة الضاد؟ لا أعتقد أن وزارة التربية المعاقة بتفكيرها وعدد لا بأس فيه من كادرها وعلى رأسهم ... تستطيع أن تتجنب أخطاءً قاتلة مثل هذا الخطأ، لقد كان سبب فشلي في فهم الرياضيات هو أنهم لم يكونوا يستخدمون اللغة بالدقة المطلوبة، كان الأولى بمعلمي أن يفهم أن 3 ليست أكبر من 2 ، ولكنها أكثر من اثنين، فبدل أن يقرأ المعادلة على نحو

3>2
ثلاثة أكبر من اثنين

كان الأولى به أن يقرأها على النحو التالي:

3>2
ثلاثة أكثر من اثنين

وذلك لأن الرقم 3 هو عبارة عن (111) بينما الرقم 2 هو عبارة عن (11)، والعلاقة بينهما ليست علاقة حجم (أكبر أو أصغر) وإنما هي علاقة كمية (أكثر أو أقل).

أقسم لكم - يا سادة- أنه ربما لولا تلك الحادثة المخجلة المحرجة لي في ذلك الوقت، المخجلة المخزية لمعلمي الرياضيات ولوزارة التربية في كل وقت وحين إلى أن يتم تصحيح الخطأ، لربما كنت اليوم نطّاساً بارعاً (ولو أني لا أعرف حتى اللحظة من هو النطاس)، أو مهندساً ماهراً يفتخر بمهنته بدل أن أكون قابعاً في هذا المكتب أنبش في الفرق بين أكبر وأكثر. ولأصبحت من نوابغ زماني، ولكن تلك الأفهام المغلوطة التي نخرتها وزارة التجهيل في عقولنا هي السبب في هذا التخلف الذي لا زلت أعاني منه، ولا أجد أني أفلح في شيء إلا بقدر ما استطيع التفلت من تلك الأفهام المغلوطة، وخصوصاً في فهم ألفاظ الكتاب الكريم الذي خلطوا متشابهه بمحكمه فضاعت المعاني وتشتت الأفهام.

وقد يقول صاحبنا: ما الذي نستفيده من التمييز بين أكبر وأكثر؟

فنرد عليه بما يلي:

هل نستطيع أن نقول الله أكبر؟

- نعم نستطيع.

ولكن هل نستطيع أن نقول الله أكثر؟

- لا، لا نستطيع ذلك.

لماذا؟ ما الفرق بين أن تقول الله أكبر أو أن تقول الله أكثر؟

- لأن الله واحد، فإن قلنا الله أكبر، فذاك لا يعني التعدد، ولكن إن قلنا الله أكثر فذاك يدل على التعدد، أي أنّ هناك آلهة كثيرة. لذا - عزيزي القارئ- إنني أود القول أن الأمة التي لا تستطيع أن تمييز بين أكبر وأكثر هي أمة لا تستطيع أن تمييز بين الشرك والتوحيد. ولا أظن أن هذا أمر بسيط (وسنتعرض لتبعات هذا الظن في مقالاتنا مفصلة بحول من الله وتوفيق منه، لذا فالله أسأل أن يأذن لنا الإحاطة بشيء من علمه إنه هو السميع المجيب)