فهرس المقالة
- ماهية الملك الظالم وطبيعة ملكه
- مصدر علم العزير بالملك القادم
- فعل الإعابة: حكمة ودلالة
- ربط الملك الظالم بسياقات قرآنية أوسع
- خاتمة وتساؤلات مستقبلية
مقدمة:
لقد كانت رحلة موسى مع صاحبه العزير رحلة كشف وتنوير، أزالت عن أذهاننا كثيراً من المفاهيم المغلوطة التي غلّف بها أهل الدراية قصص الأنبياء. في هذا الجزء الجديد من السلسلة، سننطلق لنتدبر في واحدة من أهم العبارات التي وردت على لسان العزير عند تأويله لخرق السفينة:
سورة الكهف
هذه العبارة، رغم بساطتها الظاهرة، تفتح أمامنا آفاقاً واسعة للتساؤل والافتراء، بعيداً عن "التخريف" الذي أضافه سلفنا الصالح من أهل الدراية إلى "تحريفات" الأمم السابقة. فمن هو هذا الملك؟ وما طبيعة ملكه؟ ولماذا كان يأخذ السفن "غصباً"؟ وكيف علم به العزير دون موسى؟
ماهية الملك الظالم وطبيعة ملكه
إن العبارة القرآنية ﴿وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ﴿٧٩﴾ تستدعي منا التوقف ملياً. فالقرآن لم يسمّ هذا الملك، مما يدل على أنه كان شخصية غير معروفة لموسى. هذا التنكير يثير في النفس تساؤلات حول هويته وطبيعة سلطته.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هذا الملك، كونه غير مسمى، لم يكن من الحكام المعروفين لموسى في محيطه الجغرافي المعتاد كأرض مصر أو مدين، حيث قضى موسى سنين من عمره. هذا يقودنا إلى البحث عن موقعه من منظور جغرافي أوسع.
لقد أوضح العزير أن الملك كان ﴿وَرَاءهُم﴾ ﴿٧٩﴾، وهي كلمة تحمل دلالة عميقة في سياقها القرآني.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن "وراءهم" هنا لا تعني مجرد "خلفهم" بالمفهوم العادي، بل تعني الاتجاه المقابل في البحر، كما في حالة من يقف وراء المصلين لحمايتهم. فإذا كان المساكين يعملون في شمال البحر الأحمر (مجمع البحرين)، فإن هذا الملك كان قادماً من جنوبه. هذه المعلومة الجغرافية، نحن نفتري الظن، تربطنا بخيوط أخرى في السرد القرآني.
وصف الصورة (برومبت لتوليد الصورة)
A stylized map of the Red Sea, highlighting the 'junction of the two seas' (Majma' al-Bahrayn) in the north (Gulf of Suez and Aqaba). An arrow indicates a naval force moving northwards from the southern part of the sea, possibly referencing the region of Sheba (Saba). The style should be ancient, like a historical manuscript map, with labels in classical Arabic script.
أما عن طبيعة حكمه، فلفظ ﴿غَصْبًا﴾ ﴿٧٩﴾ يحمل دلالة واضحة.
رأينا: لقد تدبرنا سابقاً أن الأخذ "كرهاً" قد يحمل شيئاً من الشرعية أو السلطان، كإكراه الله للسموات والأرض، أو إكراه ولي الأمر. لكن الأخذ ﴿غَصْبًا﴾ لا يكون فيه خير لمن اغتصب منه الشيء، ولا يقع إلا ممن لا حق له فيما أخذه. هذا الملك كان يأخذ السفن غصباً، مما يؤكد أنه لا يملك أي حق فيها، وأن فعله كان جوراً وعدواناً صريحاً.
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن سلوك هذا الملك العدواني يمثّل أنموذجاً للملوك الظالمين الذين لا حق لهم في ما يأخذون، وأنهم ليسوا جزءاً من "شعب" السفن أو مناطقهم. هذا التمييز بين "غصباً" و"كرهاً" يشير إلى أن الملكية أو السلطة التي يفرضها هذا الملك ليست شرعية على هذه السفن وملاكها. نحن نفتري الظن أن هذا الملك كان جزءاً من تلك الممالك الظالمة التي تنهب وتغتصب الممتلكات دون حق، وهذا يربطنا بملكة سبأ وقصتها مع نبي الله سليمان، حيث جاء الهدهد بنبأ يقين عن امرأة تملك قومها في سبأ.
مصدر علم العزير بالملك القادم
رأينا: إن العزير، هو نفسه الرجل الذي أماته الله مئة عام ثم بعثه، وجعله آية للناس. وقد تلقى علماً مباشراً من الله، علماً لدنيّاً.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن هذا العلم اللدني يشمل القدرة على "الإحاطة خبراً" بما لم يحيط به الآخرون. هذه القدرة تشبه تأويل الأحاديث واستطلاع الأخبار عن بعد التي كانت لنبي الله يوسف من خلال "العرش" الذي كان بمثابة "شاشة مراقبة للأحداث عن بعد".
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن العزير، بما أوتيه من علم مباشر من الله، كان يملك نوعاً من "العرش" أو القدرة التي تمكنه من رؤية الأحداث قبل وقوعها، أو "الإحاطة بأصول الأشياء". هذا ما جعله يعلم تفاصيل أصحاب السفينة، والغلام، والجدار. وبالتالي، من الطبيعي أن يعلم بقدوم هذا الملك الظالم قبل أن يصل خبره إلى موسى أو إلى أصحاب السفينة أنفسهم. بل نحن نفتري الظن أنه كان يعلم كامل قصة موسى نفسه.
افتراء آخر من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هذا العلم لم يكن "صدفة". فقد كان العزير "طوّافاً" في الأرض يبحث عن آيات الله ليتفكرها ويتدبرها، وكانت آية إحياء الموتى هي منتهى علمه. فربما كانت رحلاته هذه جزءاً من اكتسابه لهذا العلم الشامل الذي يمكّنه من معرفة الممالك الظالمة وسلوكها.
فعل الإعابة: حكمة ودلالة
لقد أوضح العزير لموسى أن خرق السفينة كان لغرض ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ ﴿٧٩﴾. هذا الفعل، الذي بدا لموسى "شيئاً إمراً" ﴿٧١﴾، كان في حقيقته رحمة وحكمة.
رأينا: لقد كان خرق السفينة فعلاً من أفعال الإحسان للمساكين. العيب الذي أحدثه العزير كان بسيطاً بما يكفي ليمكن إصلاحه لاحقاً، لكنه كان كافياً لجعل الملك الظالم يرفض الاستيلاء عليها. فغالباً ما يرى المتجبرون قيمة في الشيء الكامل فقط، ويتجاهلون المعيب [افتراء سابق].
وصف الصورة (برومبت لتوليد الصورة)
An ancient wooden ship, simple in design, floating on calm water. There is a visible but minor flaw on its hull – a single plank that is slightly cracked or dislodged. The damage is not catastrophic, but just enough to make the ship appear 'defective' or 'flawed'. The lighting is soft, emphasizing the texture of the wood and the subtle nature of the damage. The scene should evoke a sense of quiet wisdom and hidden purpose
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن العيب لم يحدث بشكل فوري أو واضح للركاب. فقد قام العزير بخرق السفينة بقدميه (أو بإحداهما) بطريقة الخيلاء أو التكبر، دون أن ينتبه أحد سوى موسى الذي كان يراقبه عن كثب. هذا الخرق كان بسيطاً بحيث لا يغرق السفينة فوراً، بل يجعلها معيبة وغير مرغوبة للملك القادم.
افتراء آخر من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن العزير نفّذ هذا الفعل "خرق السفينة" في لحظة محددة، ربما عند وصولهم إلى مكان النزول، قبل أن يغادر موسى والعزير السفينة، تاركين أهلها فقط فيها. هذا التوقيت الدقيق، وعلم العزير بما في قلوب المساكين وحاجتهم، هو ما جعل فعله هذا إحساناً عظيماً. إنه فعل "استباقي" لحماية الضعفاء، يشبه فعله في قتل الغلام قبل أن يتمكن والده من اللحاق به.
ربط الملك الظالم بسياقات قرآنية أوسع
إن وجود هذا الملك الظالم الذي يغتصب السفن من المساكين لا يمكن أن يكون معزولاً عن السردية القرآنية الأوسع.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن هذا الملك، القادم من جنوب البحر الأحمر، يمثل نمطاً من الحكام الظالمين الذين يفسدون في الأرض. وهذا يربطنا مباشرة بما ورد في قصة سليمان عليه السلام مع ملكة سبأ، حيث جاء الهدهد بنبأ يقين عن امرأة تملك قومها في سبأ، ولها عرش عظيم. نحن نفتري الظن أن هذه الممالك الظالمة المتواجدة في جنوب البحر الأحمر كانت جزءاً من صراعات أوسع وفساد في الأرض.
افتراء خطير جداً من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هذا النمط من الملوك الغزاة، الذين يأخذون الأشياء غصباً، يعكس حالة من "الانقلابات" على الحكم الشرعي أو السيطرة على ممتلكات الآخرين بغير وجه حق. وهذا يشابه، وإن اختلفت التفاصيل، حالة "الفراعنة" الذين انقلبوا على حكم بني إسرائيل في مصر بعد هلاك يوسف، واستعبدوا بني إسرائيل وذبحوا أبناءهم. فكما أن الفراعنة أخذوا ملك مصر "غصباً" من بني إسرائيل، فإن هذا الملك يأخذ السفن غصباً من أهلها.
افتراء آخر من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن هذا الملك يمثل نموذجاً معاكساً تماماً للمنهج الذي جاء به الأنبياء لإصلاح الأرض. فإذا كان موسى قد جاء لتصحيح "الخطأ" الذي وقع فيه يعقوب ويوسف بنزولهم إلى أرض مصر، وإخراج بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، فإن هذا الملك يعكس ذات الفساد والطغيان الذي كان موسى يحاربه في فرعون.
رأينا: لقد تدبرنا أن فرعون نفسه كان لديه "دافع وعلم" لقتل أبناء بني إسرائيل، دافع يوازي دافع موسى في قتل الرجل، وعلم يوازي علم صاحب موسى في قتل الغلام. فقتل فرعون لم يكن "قتلاً بغير نفس" بل كان "قتلاً عن علم". هذا يفتح الباب للتساؤل: هل كان هذا الملك القادم يملك أيضاً نوعاً من "العلم" أو "الدافع" الذي يجعله يستولي على السفن، وإن كان "غصباً" وليس "كرهاً"؟ نحن نفتري الظن أن سلوكه يعكس نفس نمط الجبروت والطغيان الذي يحاول إخفاء الحقيقة.
خاتمة وتساؤلات مستقبلية
لقد أزاح تدبرنا في هذه الآية الستار عن أبعاد جديدة لشخصية هذا الملك المجهول، وربطه بسياقات قرآنية أوسع تتعلق بالظلم والعدوان والحكم غير المشروع. رأينا كيف أن علم العزير اللدني، الشبيه بقدرة يوسف على تأويل الأحاديث، مكنه من اتخاذ قرار حكيم ومدروس لإنقاذ السفينة من بطش هذا الملك.
إن هذه "الافتراءات" لا تهدف إلى تقديم "تفسير نهائي"، بل إلى فتح آفاق جديدة للتدبر في كتاب الله، بعيداً عن الجمود الفكري. إنها دعوة للتفكير في أن أحداث القرآن ليست مجرد قصص عابرة، بل هي آيات تحمل في طياتها حِكماً وعِبراً لا تنتهي.
تساؤلات مستقبلية جريئة من عند أنفسنا:
- هل يمكن أن يكون هذا الملك جزءاً من ذلك "الخلل" الذي أحدثه نزول بني إسرائيل إلى مصر، وهو الخلل الذي جاء موسى لإصلاحه؟
- كيف تطورت هذه الممالك الظالمة في جنوب البحر الأحمر، وما هي علاقتها بكنوز الأرض وسلبها، وهو ما نجده في قصة قارون؟
- وهل يمكن أن يكون هناك رابط بين هذا الملك وبين تلك "الكنوز" التي انتهت إلى سليمان عليه السلام؟
هذا ما سنحاول النبش فيه، بحول الله وتوفيقه، في أجزاء لاحقة من هذه المقالات، والله أسأل أن يعلمني من لدنه علماً لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم.
المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
بقلم د. رشيد الجراح (صياغة بالتدبر)
إرسال تعليق