تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

معجم مفرادات القرآن الكريم - باب النشوز



باب النشوز: معجم مفردات القرآن الكريم

غالبا ما يطرح الكثيرون فكرة تأليف قاموس خاص بالمفردات القرآنية، واستنباط معانيها من النص القرآني فقط. ولعل هذه الفكرة على أهميتها ومشروعية فكرتها تحتاج (نحن نظن) إلى تظافر جهود الكثيرين للإقدام على هذه الخطوة الجبارة التي سيكون لها - لا شك - انعكاسات كبيرة على الفكر الديني واللغوي. ونحن إذ نؤيد الفكرة على اطلاقها، لنجد في الوقت ذاته ضرورة تسطير الافتراءات الخاصة بنا بمثل هذا العمل.

أولا: أن يقوم بهذا العمل المؤمنون بفكرة استنباط معاني المفردات القرآنية من النص القرآني ذاته (ولا شيء آخر غيره)، وأن أي استدلال من خارج النص القرآني يكون لتأكيد المعنى المستنبط الذي تم التوصل إليه من خلال قراءة النص القرآني ذاته أو نفيه، بعد استدعاء جميع السياقات القرآنية ذات العلاقة بالمفردة قيد البحث والتحري. 

ثانيا، نحن نظن أن مثل هذا العمل يجب أن يكون فرديا في البداية، فيستطيع كل شخص التصدي للمفردة لوحده، ويسطر المعاني التي يستنبطها بذاته عن المفردة من النص القرآني

ثالثا: يجب عرض ما استنبطه الباحث بنفسه على المختصين المهتمين شريطة أن يكونوا من الملتزمين بالمنهجية البحثية ذاتها التي يستند عليها العمل كله، ويتمثل دور هؤلاء في تنقيح الفكرة وتهذيبها ومن ثم إبراز نقاط القوة ونقاط الضعف فيها. فيكون دورهم تحكيميا وليس إضافيا. 

رابعا: تشكيل لجنة فنية يرفع لها العمل لاتخاذ القرار النهائي بإقرار أو رفض العمل بعد التحكيم

خامسا: تشكيل لجنة إدارية خاصة لتنسيق العمل، وتكون هذه اللجنة النواة لنشر الفكرة بطريقة علمية، تتولى إدارة شؤون المنتج ونشره.

سادسا، أن يكون هذا العمل مستمرا، فيصار إلى تعديل المنتج بشكل دائم. فإذا ما تم نشر معنى المفردة هذا اليوم، وجاء بعد ذلك بحثا آخر يهذب هذا المعنى، فعلى اللجنة الفنية والإدارية تعديل ما توصل إلى سابقا في ضوء ما تم التوصل إليه لاحقا. 

سابعا، أن يصار إلى وضع آليات محددة تحكم الشكليات الخاصة بالعمل من مثل جوانب التوثيق والاقتباس وحقوق الملكية الفكرية، ونحوها. 

وسنقدم في عجالة محاولة أولية لمثل هذا العمل، ربما تكون مرجعية مبدئية لمن أراد العمل في هذا المشروع الكبير الذي – لا شك - يستحق إنفاق الجهد والوقت فيه. والمثال الذي سنقدمه هنا هو مفردة "النشوز" ومشتقاتها. 

باب النشوز

عند البحث عن مفردة النشوز ومشتقاتها على مساحة النص القرآني، وجدنا السياقات القرآنية التالية:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

السؤال: ما معنى النشوز كما تبينه الآيات الكريمة السابقة؟

الافتراءات

- النشوز يمكن أن يقع من المرأة:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34) 

- النشوز يمكن أن يقع من الرجل:

- وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: النشوز خاص بالمتزوجين، فالمرأة تنشز والبعل ينشز. فالنشوز إذا ليس فعلا يصدر عن المرأة فقط (كما يتصوره الفكر الشعبي السائد). فيمكن أن نقول هذا بعل ناشز كما يمكن أن نقول هذه امرأة ناشز 

- النشوز يقابله الإعراض:

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

- النشوز يقابله التفسح

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

تساؤلات

- ما معنى النشوز؟

- ما معنى الإعراض؟

- ما معنى الإفساح؟

- الخ.

افتراء 1: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن النشوز يعني الالتصاق وهو من يقابل الاعراض الذي يعني الابتعاد الكلي

افتراء 2: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن النشوز يعني الالتصاق الذي يتضاد من الإفساح الذي يعني الابتعاد الجزئي. 

الدليل

عندما يحدث النشوز من قبل المرأة أو من قبل بعلها، فإن ذلك يحدث مشكلة بين الطرفين، وهذه المشكلة تستدعي تدخل أطراف أخرى للإصلاح، قال تعالى:

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

ولعل المتدبر للآية الكريمة يبين له بأنها تحذر من وقوع النشوز. فالتحذير هنا جاء من وقوع النشوز في المستقبل، وذلك يقع في مجال الخوف (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا). فالآية الكريمة تحذر من وقوعه وما عليك فعله لمنع وقوع، ولا تبين وقوعه الفعلي وما عليك فعله في حالة وقوعه على أرض الواقع. لذا، فإن لهذا الفعل عوارض جانبية مسبقة تبين احتمالية وقوعه على أرض الواقع في المستقبل. فالمرأة التي تخاف من بعلها نشوزا هي تخاف من احتمالية حدوث سلوك محدد للزوج تجاهها، وهذا السلوك هو عكس الإعراض. ولعلنا لا نختلف بأن اعراض البعل عن امرأته يتمثل في ابتعاده عنها. فالمرأة تكون أماما خيارين، وهما:

- نشوز الزوج

- اعراض الزوج

ومادام أن اعراض الزوج هو ابتعاده عنها كليا مصداقا لقوله تعالى:

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (63)

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)

وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

فإن النشوز هو التصاقه بها بشكل منفر

الدليل

لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن النشوز هو التجمع والالتصاق، قال تعالى:

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىَ يُحْيِي هََذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)

فالرجل يطلب من ربه أن يريه بأم عينه كيف يحيى البلدة بعد موتها، فقدم له ربه الدليل بأن أماته مئة عام ثم بعثه، لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، وإنما طلب ربه منه أن ينظر إلى العظام التي أصبحت رميم بعد أن مضى عليها فترة مئة عام، وكيف ينشزها ربه ثم يكسوها لحما بعد أن نشزها. ولعل عملية نشز العظام بعد هذه الفترة من الزمن تتمثل بعملية تجميعها مع بعضها البعض لتعود كما كانت قبل أن تتفتت بفعل الزمن. فنحن نتخيل ما آلت إليه حالة العظام بعد مئة عام على نحو أنها أصبحت رميما، مصداقا لقوله تعالى:

وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)

فقد تفتت وتناثرت أجزاؤها بالقرب من بعضها البعض، كما أن عوامل الزمن قد نخرت ما تبقى منها في جزئها الأكبر. فعوامل التعرية من المطر والريح والتراب والشمس قد فعلت بتلك العظام فعلتها، فأصبحت هشّة قابلة للتفتت بسهولة وذلك لأن جزئياتها ما عادت مترابطة متماسكة كما أنشئت أول مرة.

فالله هو من طلب من ذلك الرجل أن ينظر إلى العظام في حالتها المتهالكة تلك، لينظر كيف ينشزها الله، أي كيف تعود جزئياتها بالتجمع والترابط، وتعود بذلك إلى حالتها الأولى لتتم بعد عملية كسوتها باللحم من جديد. 

لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن نشوز المرأة أو نشوز البعل يتمثل بالتصاق الطرف الأول بالطرف الآخر بطريقة تحدث المضايقة لهذا للطرف الثاني. فالالتصاق المفرط للرجل بامرأته يلحق الضرر بالمرأة، وذلك لأنه يكبت بذلك من حريتها، فلا تعد قادرة على التمتع بشيء من الخصوصية على الاطلاق. وكذلك هو نشوز المرأة ببعلها، فهي بذلك تحاول الالتصاق الدائم به لدرجة أنه يحد من حرية الرجل، وبالتالي يسبب له المضايقة والضيق. فكل طرف – لا شك- يحتاج إلى مساحة من الحرية تمكنه من القيام بواجباته غير الزوجية في الوقت المناسب.

فتخيل عزيزي القارئ تلك المرأة التي تتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة بعلها، فتتصرف معه ويكأنه ملكية خاصة مطلقة لها، فهي تريد أن تكون بجواره على الدوام، وهي تريد الطلاع على كل ما يفعل في كل لحظة في يومه وليلته، ألا تجد بأن هذا النوع من النساء يسبب المضايقة لشريك حياتها. فصحيح أنها تشاركه الحياة، لكنها بكل تأكيد لا تملكه. والمنطق نفسه ينطبق على الرجال، فهناك من الرجال من يكبت حرية امرأته إلى أقصى درجة ممكنه، فهو يريدها جاهزة حاضره عنده في كل وقت يريده، ويريدها كتابا مفتوحا لا يخفى عليه شيء منها، فيتدخل في كل صغيرة وكبيرة في شؤون حياتها، فلا يترك لها مساحة (مهما صغرت) من الحرية لتنشغل بأمور حياتها الأخرى حتى الخاصة جدا منها، ألا ترى أن مثل هذا الرجل يعتبر امرأته ملكية خاصة مطلقة له؟ ألا يسبب ذلك الضيق للمرأة؟ ألا يدعوها ذلك للضجر منه؟

وبالمقابل للنشوز هناك الاعراض. فبعض الرجال يعرض عن زوجته على الدوام، فهو لا يعتبرها شريكة لحياته، وإنما يتعامل معها ويكأنها غريبة عنه لا يحق لها أن تطلع على شيء من تفاصيل حياته، فيتركها فترة طويلة من الزمن لوحدها، ولا يحدّثها بما يحصل معه في فترات غيابه الطويلة عنها، ولا يرى لها حق في مسائلته مهما غاب او ابتعد، ألا ترى أن ذلك أيضا سلوكا شاذا يمكن أن يسبب الضيق للمرأة وبالتالي الضجر من زوجها؟

ولو دققنا في السياقات القرآنية ذاتها، لوجدنا المفارقات التالية:

- النشوز يمكن أن يحصل من الرجل كما يمكن أن يحصل من المرأة:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

- لكن الاعراض يمكن أن يحصل من قبل الرجل ولا يمكن أن يحصل من قبل المرأة:

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: إن من الفروق الجوهرية بين الذكر والأنثى أن الرجل يمكن أن ينشز (أي يلتصق بامرأته بطريقة منفرة) كما يمكن أن يعرض عنها (أي يبتعد عنها بطريقة منفرة). لكن المرأة – بالمقابل – يمكن أن تنشز (تلتصق ببعلها بطريقة منفرة) لكن لا يمكن أن تعرض عنه (أي تبتعد عنه بطريقة منفرة). فطبيعة الأنثى منسجمة مع قوامة الرجل عليها، وذلك لأنها معتمدة عليه، لا تستطيع أن تستغني عنه كليا حتى وإن كانت مستقلة ماديا، فالذي تنشده المرأة عند الرجل هو الحماية والوصاية والقدرة على اتخاذ القرارات الحاسمة نيابة عنها. 

ولو تفقدنا الآية الكريمة التالية التي غالبا ما عكس خطباء المساجد معاني مفرداتها، خاصة مفردتي الإفساح والنشوز:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)

لوجدنا أن الطلب هو إما التفسح أو النشوز، فالتفسح في المجالس يعني – نحن نظن - ترك مساحات كافية بين الجالسين لاتساع المجلس وقلة عدد الجالسين فيه. فإذا ما كنت تجلس في مجلس ما (وليس فقط المسجد كما قد يظن البعض)، وكان هذا المجلس واسعا، فليس من الحكمة أن يضايق الجالسون بعضهم بعضا بأن يتجمعوا في زاوية من المجلس وترك بقية المجلس خال من الجالسين فيه، لأن ذلك يكبت من حرية الآخرين، فيجب أن يتفسح الجالسون في ذلك المجلس عن بعضهم البعض (أي ترك مساحات كافية بين بعضهم البعض) ليأخذ كل جالس منهم حريته في الجلوس، وبالتالي اشغال غالبية المكان بدلا من التراكم غير المبرر في جزء منه على حساب بقية المجلس (المكان الوفير). وهذه المجالس عادة ما تكون للأشخاص المقربين كالأهل والأصدقاء من الضيوف على المكان. فهي إذا دعوة إلى أن يترتب المجلس بطريقة لائقة تؤدي إلى راحة كل الجالسين فيه. وهي المجالس التي يطول الجلوس فيها مادامت العلاقات بين الجالسين ودية، ربما يتخللها تجاذب أطراف الحديث لفترة طويلة من الزمن. فالجلوس الطويل (زمنيا) في المكان الواحد يجب أن يكون مرتبا بطريقة يأخذ فيها جميع الحاضرون راحتهم إلى أقصى درجة ممكنة.

لكن بالمقابل إذا كان المجلس مكتظا بكثرة الجالسين، لكن مساحته تضيق بهم جميعا في آن واحد، فهنا يجب أن تطلق الدعوة من أحدهم (كخطيب المسجد فضلا) بأن ينشز الحضور، أي أن يضيق كل جالس مساحة جلوسه بالنشوز، أي التصاق الجالسين بعضهم ببعض، ليوفروا مساحة اضافية لغيرهم المحتجين إلى تلك المساحة مهما كانت صغيرة، فمن غير المبرر أن تجلس أنت في مجلس ضيق بكل راحة بأن تحجز مساحة كافية لنفسك (لا بل قد تزيد عن حاجتك) في حين أن غيرك لا يجد مساحة تكفيه حتى للجلوس. فالجميع شركاء في هذا المجلس، وعلى الجالسين أن ينشزوا (أي يلتصقوا ببعضهم البعض) لتوفير أكبر مساحة ممكنة للغير. وهذه المجالس هي في العادة تلك المجالس التي لا تكون فترة الجلوس فيها طويلة، فالجلوس بمكان ضيق لجمع غفير لفترة قصيرة من الزمن يجب أن تكون على حساب الجميع، وليس فقط على حساب البعض ليأخذ البعض الآخر راحته. فالجميع شركاء في المجلس بالتساوي، وعليهم تحمل عبء ضيق المكان بالتساوي مادامت فترة مكوثهم في ذلك المكان لن تكون طويلة جدا.

نتيجة مفتراة 1: النشوز هو الالتصاق

نتيجة مفتراة 2: الاعراض هو الابتعاد الكلي

نتيجة مفتراة 3: التفسح هو الابتعاد الجزئي. 

والله أعلم

المدّكرون رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الجراح

بقلم د. رشيد الجراح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق