فقه الزكاة - الجزء 3


فقه الزكاة: الجزء الثالث

دعنا نبدأ هذا الجزء الجديد من المقالة بطرح تساؤلين اثنين هما:

1. ما هو الربا؟

2. كيف يمكن الوقوف على ماهية الربا؟

للإجابة على هذه التساؤلات، دعنا ندقق مليّا بما جاءنا في الآية الكريمة التالية:

... ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا...

لنخرج بالاستنباط المهم جدا جدا التالي: كل المعاملات التجارية على اختلاف أنواعها تقع في واحد من بابين اثنين لا ثالث لهما، فإما أن تكون بيعا أو أن تكون ربا. انتهى.

السؤال: ما الذي يجب أن نفهمه من ذلك؟

رأينا المفترى: عليك أخي المسلم أن تفهم بأن أي معاملة تجارية بغض النظر عن حجمها (كبيرة كانت أو صغيرة) وبغض النظر عن مكان إبرامها (سواء كان داخل أسوار البنك أو خارجه) يمكن أن تقع في باب البيع أو يمكن أن تقع في باب الربا. فشراؤك لبيضة دجاجة واحدة قد تقع في باب البيع وقد تقع في باب الربا، وكذلك تمويل صفقتك التجارية التي قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات، قد تكون بيعا وقد تكون ربا.

السؤال: ما فائدة ذلك؟
جواب مفترى: لعل أول فائدة منشودة من ذلك هو عدم حصر الربا بالمعاملات البنكية. فالربا منتشر في الأسواق كلها، وفي جميع المعاملات مهما كان حجمها وبغض النظر عن المكان التي أبرمت فيه. انتهى.

السؤال: كيف يمكن للشخص العادي معرفة ماهية المعاملة التجارية سواء كانت بيعا أم كانت ربا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الطريقة بسيطة جدا. وتتمثل بالمعادلة التالية: إذا لم تكن معاملتك بيعا فهي إذن ربا، والعكس صحيح: إذا لم تكن معاملتك ربا فهي بيع، أليس كذلك؟

السؤال: ماذا تقصد؟ لم أفهم شيئا. يرد صاحبنا قائلا.

جواب مفترى: مادام أن المسألة ثنائية (إما بيعا وإما ربا)، فإن معرفة واحدة تغني عن معرفة الأخرى. فإذا ما استطعت أن أُعرِّف البيع، يأتي تعرف الربا كتحصيل حاصل، والعكس صحيح. لذا فأنا أحتاج أن أقف على تعريف لواحدة منهما ليتحصل لي تعريف الأخرى دون جهد.

سؤال: إذا كان كلامك هذا صحيحا، فهل لك أن تعرف لنا واحدة منهما؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى: دعنا ندقق في مفردة البيع في الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

لنخلص أن البيع بمجمله هو عبارة عن عملية تبادل السلع بين التاجر والزبون. فصاحب البضاعة هو من يقوم بفعل الشراء، والزبون الذي يحتاج البضاعة يقوم أيضا بعملية الشراء. لكن الفرق بين الطرفين تكمن في أن التاجر هو من بقوم بفعل "شرى" والزبون يقوم بفعل "اشترى"، كما نجد ذلك واضحا في سورة يوسف:

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

فالسيارة هم من كانوا يملكون يوسف كبضاعة، فكانوا هم من شروه (أي باعوه بمفرداتنا الدارجة)، بينما كان الرجل الذي طلب يوسف من سوق مصر هو من اشترى يوسف:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

نتيجة مفتراة 1: شرى تعني تقديم البضاعة (أي باع بمفرداتنا الدارجة)

نتيجة مفتراة 2: اشترى تعنى أخذ البضاعة (أي اشترى بمفرداتنا الدارجة)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: عملية تقديم البضاعة من التاجر (شرى) وعملية أخذ البضاعة من قبل الزبون (اشترى) يشكلان معا عملية البيع.

إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

نتيجة مفتراة 1: الله هو من اشترى من المؤمنين أنفسهم، فقدم لهم الجنة مقابل ذلك

نتيجة مفتراة 2: المؤمنون هم من اشتروا الجنة فقدموا أنفسهم مقابل ذلك

ولا تتوقف عملية الشراء عند الأشياء المادية الملموسة وإنما تشمل أيضا الأشياء غير الملموسة كلهو الحديث مثلا:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ (6)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: البيع هو عملية تبادل البضاعة بفعلي شرى (أي أعطى البضاعة) واشترى (أي أخذ البضاعة)

الفرق بين التجارة والبيع

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن هناك فرقا بين البيع (وهي عملية تبادل البضاعة، أي شرى واشترى) من جهة والتجارة من جهة أخرى، قال تعالى:

رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)

ليكون السؤال المطروح إذن هو: ما هي التجارة مقابل ما هو البيع (تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن التجارة هي عملية امتلاك البضاعة وكفى، قال تعالى:

قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)

مادام أن التجارة يمكن أن يصيبها الكساد، فهي إذن عبارة عن تواجد البضائع المخزّنة عند التاجر في متجره، لذا تصبح الصورة على النحو التالي:
 
التجارة
عملية امتلاك البضاعة
التاجر
الشخص الذي يملك البضاعة
المتجر
المكان الذي تتواجد فيه التجارة

فالتجارة هي إذن عملية امتلاك البضاعة التي لازالت متوقفة، لكنها قابلة للتبادل التجاري (أي البيع)، قال تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ (29)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)

وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (11)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)


نتيجة مفتراة 1: التجارة هي عملية امتلاك البضاعة القابلة للتداول

نتيجة مفتراة 2: البيع هو عملية تبادل تلك البضاعة بالثمن المطلوب، كما في الشكل التوضيحي التالي: 

البيع
عملية تبادل البضاعة بالثمن
البائع
هو من يشري البضاعة، فيقبض الثمن بدل البضاعة
المشتري
هو من يشتري البضاعة، فيدفع الثمن مقابل البضاعة

ولو دققنا في النص القرآني، لوجدنا (حسب فهمنا طبعا) بأنه لا يوجد تحريم للتجارة بأي حال من الأحوال، فامتلاك البضاعة هي عملية مشروعة لا غبار عليها. ولو دققنا أكثر، لوجدنا أن التقابل واضح بين البيع والتجارة:

رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)

فالله يحذرنا أن تلهينا التجارة والبيع عن ذكر الله. فالتاجر الذي يقبع في متجره ينتظر عملية البيع (التبادل التجاري) يجب أن لا تلهيه هذه التجارة عن ذكر الله، وحتى لو حصل البيع (التبادل التجاري) بقدوم الزبون إلى محله التجاري يطلب البضاعة، فإن ذلك يجب أن لا يلهيه أيضا عن ذكر الله. ولا شك عندنا أن البيع فيه إغراء أكثر للتاجر من التجارة نفسها. فتخيل عزيزي القارئ أن تاجرا ما قد سمع النداء إلى ذكر الله من يوم الجمعة وكان حينها منشغلا بالتجارة، فإنه قد لا يتردد أن يلبي النداء لذكر الله مادام أن تجارته راكدة لا بيع فيها، لكن إذا كان منشغلا بالبيع (أي في عملية تبادل تجاري مع بعض الزبون)، فإن ذلك سيشكل له إغراء أكبر أن لا يلبي النداء لذكر الله من يوم الجمعة، ولهذا جاء التوجيه الإلهي بأن لا تلهينا أموالنا عن ذكر الله أو عن إقامة الصلاة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9)

رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37)


وبالتالي السعي إلى ذلك الذكر خاصة في يوم الجمعة حتى وإن كان على حساب البيع (التبادل الفعلي للبضاعة بالثمن):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

نتيجة مفتراة: في حين أننا لم نجد تقابلا بين التجارة والربا، وجدنا أن هناك تقابلا واضحا بين البيع والربا (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، قال تعالى:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)

فما أن تبدأ عملية تبادل البضاعة بالثمن حتى يكون هناك احتمالية بأن تكون هذه المعاملة التجارية بيعا أو ربا.

السؤال: متى تكون (عملية التبادل التجاري) بيعا؟ ومتى يمكن أن تكون ربا؟

رأينا المفترى: دعنا نحاول تعريف الربا. وليكن السؤال الآن هو: ما هو الربا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية تقدم لنا التعريف الأول اللازم للربا، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)

لتكون النتيجة المفتراة الأولى من عند أنفسنا هي: الربا يحمل في ثناياه مضاعفة رأس المال . انتهى.

السؤال: وماذا نعني بالمضاعفة (أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً

رأينا: نحن نظن أن المضاعفة هي الزيادة بالمثل، فالواحد يصبح اثنين، والاثنين تصبح أربعة، والأربعة تصبح ثمانية، وهكذا. قال تعالى:

يَا نِسَاء النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)

السؤال: هل تقصد أنه لا يجوز للتاجر أن يبيع بأكثر من الضعف؟ وكيف يمكن تحديد كمية الضعف هذه؟

رأينا: نحن نظن أن الآلية بسيطة جدا، لكن دعنا بداية نحاول التعرف على الغاية المنشودة من وراء ذلك، أي الغاية المنشودة من عدم أكل الربا أضعافا مضاعفة.

السؤال: لماذا يجب علينا أن لا نأكل الربا أضعافا مضاعفة؟

جواب مفترى: نحن نفتري القول بأن أكل الربا أضعافا مضاعفة ستكون نتيجته الحتمية هو تكدّس الثروة بيد حفنة من الناس (وهم الأغنياء)، قال تعالى:

مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: جاء الشرع الكريم ليبيّن لنا الطريقة التي لا تؤدي في نهاية المطاف إلى أن يكون المال دولة بين الأغنياء منا. (وسنرى تبعات ذلك لاحقا بحول الله وتوفيقه)

السؤال: وما الذي يمنع أن لا تصير الأموال دولة بين الأغنياء منا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن هناك شرطان رئيسيان يحققان هذه الغاية، وهما:

1. عدم أكل الربا

2. إيتاء الزكاة

وانظر – عزيزي القارئ- في التقابل بينهما في الآية الكريمة التالية:

وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (39)

ولو حاولنا ربط ذلك بمقدار الزكاة الواجبة في أموال الناس في قوله تعالى:

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (141)

لربما تجرأنا على الافتراء التالي: الزكاة هي تطهير لمال المسلم من شبهة الربا. فإخراج خمس ما غنم المسلم هو تحقيق لمبدأ سلامة المال من كل ما يمكن أن يشوبه.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الزكاة هي طهارة للمال من أذى الشيطان

ولو حاولنا ربط ذلك بالمحيض، لوجدنا بأن المحيض هو طهارة للمرأة من أذى الشيطان:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

منطقنا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أنه كما يطهّر المحيض جسم المرأة من أذى الشيطان، فإن الزكاة هي أيضا طهارة لمال المتصدق من أذى الشيطان. انتهى.

ولو حاولنا أيضا ربط ذلك بالمقدار، لوجدنا بأن المحيض يصيب المرأة فترة من الزمن تتراوح بين خمسة إلى سبعة أيام من كل شهر، فهي بمقدار ما يقرب من ستة أيام من الثلاثين يوما تقريبا. ولو حاولنا تحويل هذا إلى نسبة مئوية، لربما حق لنا أن نقسمها على النحو التالي (30 ⁄ 6 = 5)، أي بمقدار الخمس. وهو ما نظن أنه مقدار المال الواجب إخراجه مما غنم الشخص:

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (141)

ولو حاولنا ربط ذلك بالصدقات أيضا، لوجدنا أن الصدقة تعمل كذلك على تطهير المال من كل ما دخل فيه من رجس الشيطان، فالمال الذي فيه ربا يكون الشيطان شريكا فيه، قال تعالى:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275)

فغالبا ما تساءل الناس عن السر الذي يؤدي إلى حصول الأمراض العضوية والنفسية عند الناس ربما دون سابق إنذار، فقد يصيب كثير من الناس الأمراض التي يصعب على الكثيرين تحديد سببها.

رأينا المفترى: لعلي أكاد أجزم الظن بأن كثيرا من الأمراض (خاصة النفسية منها) مرتبطة ارتباطا مباشرا بأكل الربا (وسنفرد لهذا الباب تفصيلا لاحقا بحول الله وتوفيق منه متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه فيها. فالله وحده أسأله أن يعلمني ما لم أكن أعلم، وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، وأن يزدني علما إنه هو العليم الحكيم - آمين)

وأنا أدعو الجميع إلى مراقبة سلوكيات التجار الجشعين، ليجدوا أن حبّ المال قد سيطر على كل مناحي حياتهم حتى في طريقة تعاملهم مع كل من هم حولهم، فتراه ينظر إلى علاقته بأي شخص (حتى لو كان ولده أو زوجته) ويكأنها صفقة تجارية، يحسبها من باب الربح والخسارة.

وغالبا ما يصيبهم الجشع الكبير الذي سببه تلك النار التي سعرّت في بطونهم، فتراهم لا يشبعون حتى لو كان مقدار المال الذي يجنيه يفوق الآلاف المرات ما يسد حوائجه، لذا لا أتردد أن أصفهم بالسعار، فنطلق عليه باللفظ الدارج بأن الرجل قد سُعِر، كما يصيب الكلبَ ذلك المرضُ اللعين المسمى بالسعار (rabies أو hydrophobia). فمن خصائص الكلب أنه يعظ، ويأكل اللحوم وينهش في العظام، لكن إن أصابه هذا المرض اللعين، فإنه سيعظ كل من يواجهه حتى لو كان صاحبه أو من هو على شاكلته، فيصبح لا يفرق بين قريب أو بعيد، ولا بين عدو ولا صاحب. وكذلك هي حال التاجر الذي أصبح ديدنه زيادة الأثمان أضعافا مضاعفة حتى أصبحت أسعارا.

نتيجة مهمة جدا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الفرق بين الثمن والسعر هو نفسه الفرق بين البيع والربا. ففي حين أن الثمن هو القيمة الحقيقية للبضاعة، إلا أن السعر هو المضاعفة الكثيرة في الثمن.

ولو دققنا في السياقات القرآنية، لوجدنا أن هناك الثمن وهناك الثمن القليل وهناك الثمن البخس. قال تعالى:

وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)


السؤال: إذا كان هناك ثمنا قليلا، فلم لا نجد في الآيات الكريمة على مساحة النص القرآني "ثمنا كثيرا"، أو "ثمنا كبيرا"؟

السؤال: ما هو الثمن الكثير الذي قد يقابل الثمن القليل أو الثمن البخس؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الثمن إذا زاد عن حده، ينقلب فورا ليكون سعرا، فتصبح الصورة على النحو التالي: 

القيمة القليلة
القيمة الحقيقية
القيمة الزائدة
ثمنا قليلا
ثمنا بخس
ثمن
السعر

السؤال: ولماذا يكون ذلك؟

جواب مفترى مهم جدا جدا: نحن نظن أن أكل الربا يجر معه أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى:

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)

السؤال: كيف يجر أكل الربا معه أكل أموال الناس بالباطل؟

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا (1): نحن نظن أن المعاملة التجارية (أي معاملة) لا تكون ربا (وتصبح بيعا) إذا لم يحدث جراء ذلك أكل مال الناس بالباطل.

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا (2): نحن نظن أن المعاملة التجارية (أي معاملة) تقع في باب الربا إذا حدث جراء ذلك أكل أموال الناس بالباطل.

السؤال: كيف يمكن أن يأكل التاجر أموال الناس بالباطل؟ وما هو الباطل أصلا؟

رأينا: لو تفقدنا السياقات القرآنية التالية، لوجدنا أن الباطل هو النقيض المقابل للحق، قال تعالى:

وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (42)

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (71)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)


نتيجة مفتراة: نحن نظن أن التقابل بين الحق والباطل هو التقابل نفسه بين البيع والربا، فالبيع (الثمن الحقيقي) يقع في باب الحق بينما يقع الربا (السعر) في باب الباطل، كما في الشكل التوضيحي التالي: 

الحق
الباطل
البيع
الربا
ثمن
سعر

نتيجة مفتراة (1): إذا كانت المعاملة التجارية قد نتج عنها أكل أموال الناس بالحق فهي – لا شك عندنا- بيع.

نتيجة مفتراة (2): إذا كانت المعاملة التجارية قد نتج عنها أكل أموال الناس بالباطل فهي – لا شك عندنا- ربا.

ولو حاولنا تفقد الآيات الكريمة التالية، لوجدناها تنهانا عن أكل أموال الناس بالباطل:

وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)


ولو دققنا في الآية الكريمة الأولى وهي:

وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

لوجدنا أن أكل أموال الناس يقع في بابين، وهما:

1. أكل أموالهم بينهم بالباطل (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ)

2. أكل أموال الناس بالإثم (وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ)

ولو دققنا في هاتين الحالتين، لوجدنا أن أكل الأموال بالباطل هو ما يقع بين المتعاملين بالمال أنفسهم (وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ)، لكن أكل أموال الناس بالإثم مرتبطة بالعلاقة بين أصحاب الأموال والحكام (وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ). انظر الجزء السابق من هذه المقالة.

ونحن نكاد نجزم الظن بأن الحالة الأول وهي أكل الأموال بالباطل له علاقة مباشرة بالربا، فكل حالات أكل الأموال بالباطل جاءت مرتبطة بالتجارة وبالربا. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآيات الكريمة نفسها:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (161)


أما أكل أموال الناس بالإثم فقد جاءت مرتبطة بالحكام:

وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (188)

لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن أكل أموال الناس بالإثم هي ما يقدمه صاحب المال (المرابي) للحاكم من أجل الظفر بمغانم مادية أخرى من أموال الناس، أي هي ما يسمى باللغة الدارجة بيننا بالرشوة. فصاحب المال (خاصة الأغنياء) يمكن أن يأكلوا أموال الناس بطريقتين:

1. أكل أموال الناس بالباطل (وهو الربا)

2. أكل أموال الناس بالإثم (وهي الرشوة)

فيصبح المال كله (نتيجة ذلك) دولة بين الأغنياء:

مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن ليس هناك مجتمع قد تكدست الأموال بيد فئة قليلة من الناس (وهم الأغنياء)، فأخذ المال ينتقل من يد غني إلى يد غني آخر على حساب الطبقات الاجتماعية الأخرى إلاّ بسبب أكل الأغنياء أموال الناس بالباطل (الربا) وكذلك أكلهم أموال الناس بالإثم (الرشوة)، فاختل التوازن الطبقي في المجتمع، فانقسموا إلى فئتين رئيسيتين: طبقة كبيرة فقيرة معدمة وأخرى قليلة غنية متخمة، وتلاشت الطبقة الوسطى التي كان من المفترض أن تكون هي الغالبية الساحقة من أبناء ذلك المجتمع. ولعل التوازن الطبقي هو الأكثر اختلالا في وقتنا الحاضر في المجتمعات التي تسمي نفسها بالمجتمعات الإسلامية. فهي المجتمعات التي تتكدس بها الثروات الطائلة بيد حفنة من الأغنياء المتخمين مقابل الغالبية الساحقة من الطبقة الفقيرة المعدمة. ولعلي أكاد أجزم الظن بأنها هي المجتمعات نفسها التي ينتشر فيها الربا وتنتشر فيها الرشوة بشكل فاضح لا يخفى حتى على البسطاء من الناس. فالأغنياء (المرابون والراشون) والحكام (الفاسدون والمرتشون) هم من يسيطرون على حركة السوق المالية في هذه المجتمعات، وتبقى الغالبية الساحقة من أبناء هذه المجتمعات يرزحون تحت نير الفقر بسبب جشع الأغنياء وظلم الحكام، اللذان تآمرا على المجتمع كله بالضبط كتآمر قارون (صاحب المال) مع فرعون (صاحب السلطة).

السؤال: متى يمكن أن يأكل التاجر أموال الناس بالحق ؟ ومتى يمكن أن يكون قد أكل أموال الناس بالباطل؟

جواب: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية (كما نفهمها) تقدم لنا المفتاح الأول للإجابة على هذا التساؤل، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الآية الكريمة (كما نفهمها) تسطر لنا القاعدة الأساسية الأولى في التجارة، ألا وهي حصول التراض بين الطرفين (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ). انتهى.

السؤال: أليس ما يجري من معاملات تجارية في البنوك تكون مبنية على التراض بين الطرفين؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، لأنها مبنية على رضا طرف واحد وهو البنك نفسه. فالزبون لا يملك إلا الموافقة على الشروط التي يفرضها البنك نفسه، أي الشروط التي يفرضها صاحب المال. وهذا - برأينا- أول خطوات الوقوع في فعل الربا.

لذا، نحن نتجرأ على القول بأن المعاملات التي تجري في البنوك التي تسمي نفسها إسلامية لا تختلف قيد أنملة عن المعاملات التي تجري في أروقة ما يسمى بالبنوك الربوية، وذلك لانتفاء حصول التراض بين الطرفين. لذا، فهي ليست أكثر من معاملات انطلقت من مبدأ ربوي، وهي رضا طرف واحد على حساب الطرف الآخر. وهي في جميع الحالات تبنى على أساس رضا الغني المتخم على حساب غبن الفقير المحتاج. ولو نظرنا حولنا، لوجدنا أن هذه البنوك (ومن هم وراءها) يملكون معظم ثروة البلاد، فكان المال دولة بين الأغنياء. انتهى.

نتيجة مفتراة: كل معاملة تجارية لا تكون ناشئة عن رضا الطرفين هي معاملة يشوبها الباطل، أي الربا.

السؤال: وماذا عن المعاملات التجارية التي تجري في الأسواق، ألا تكون مبرمة برضا الطرفين؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، فمعظم المعاملات المبرمة في الأسواق مبرمة أيضا برضا طرف واحد، وهو التاجر.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لأن الزبون لا يعرف التكلفة الحقيقية للبضاعة المباعة، ولأن التاجر هو الوحيد الذي يعرف القيمة الحقيقية للبضاعة.

السؤال: وما علاقة هذا بأكل أموال الناس بالباطل؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا السؤال يوصلنا إلى مبتغانا من هذا النقاش كله.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: هل يقبل التاجر أن يفصح فعلا عن التكلفة الحقيقية للبضاعة المباعة؟

السؤال: وهل يجب على التاجر أن يفصح عن التكلفة الحقيقية للبضاعة؟

جواب مفترى: نعم. يجب عليه ذلك.

السؤال: لماذا؟ أي لماذا يجب على التاجر أن يفصح عن القيمة الحقيقية للبضاعة المباعة؟

جواب مفترى: نحن نظن أنه يجب على التاجر أن يفصح عن التكلفة الحقيقية للبضاعة حتى يحصل التراض في إبرام الصفقة التجارة. فالتجارة يجب أن تكون في الأساس مبنية على تراض بين الطرفين (إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ).

السؤال: لماذا؟

جواب: تخيل - عزيزي القارئ - أنك قمت بشراء سلعة معينة بقيمة خمسين دينارا، ثم تبين لك لاحقا بأن قيمتها الحقيقية هي عشرة دنانير، هل تشعر عندها بالرضا؟ هل لو أفصح لك البائع عن قيمتها الحقيقية (وهي عشرة دنانير) وقت إبرام الصفقة التجارية، هل كنت سترضى أن تشتريها منه بخمسين دينارا؟ وماذا كنت ستنعت هذا التاجر الذي يبيع بضاعة كلفته عشرة دنانير بخمسين دينارا؟ ألا يكون هذا التاجر قد أكل مالا مضاعفا أضعافا كثيرة؟! من يدري؟!!!

جواب: لعلي أظن أن الغالبية الساحقة من الناس لن ترضى بذلك. لا بل وسينتابك شعور بالغبن، وربما لا تتردد أن تدعو الله أن يمحق تجارة هذا التجار المرابي، لأن ما فعله ليس أكثر من ربا، أكل من خلاله مالك بالباطل، قال تعالى:

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

(دعاء: اللهم أسألك أن تحقق وعدك ، فتمحق الربا الذي أكل التجار المرابون به أموالنا بالباطل – آمين).

لكن بالمقابل، تخيل لو أنك اكتشفت لاحقا أن قيمة السلعة التي اشتريتها فعلا بخمسين دينارا هي أربعين أو خمسة وأربعين دينارا، هل كان سينتابك الشعور السابق (الغبن) حينها كما شعرت عندما علمت أن قيمتها الحقيقية هي عشرة دنانير فقط؟ هل كنت ستشعر الآن أن من باعك السلعة قد أكل مالك بالباطل؟ هل كنت ستدعو الله أن يمحق رباه؟

جواب: كلا، لأنك ستشعر أن التاجر لم يأكل مالك بالباطل، والأهم من ذلك هو أنه لو أفصح لك التاجر عن قيمتها الحقيقية (كأن تكون أربعين أو خمسة وأربعين دينارا) ستكون راض تمام الرضا، وربما ستدعو له بالخير والبركة.

(دعاء: اللهم أسألك أن تحقق وعدك، فتضاعف مال التجار الذي لم يأكل أموالنا بالباطل – آمين).

السؤال: ما الذي تقوله يا رجل؟ هل يجب على التاجر أن يفصح للزبون عن القيمة الحقيقة لكل سلعة يبيعها؟ هل هذا ممكنا؟

جواب مفترى: كلا، هو ليس مضطرا إلى أن يفصح عن ثمنها الحقيقي في كل مرة. لكنه – لا شك- مجبرا أن يفصح عن قيمتها الحقيقية للدولة عند مطالبته بالزكاة (أي الكشف الضريبي). وسنرى بحول الله وتوفيقه تبعات ذلك لاحقا.

السؤال: فما الذي يجب على التاجر فعله إذن؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى: نحن نظن أنه يجب على التاجر المسلم المؤمن بربه (الذي ينشد البيع في معاملاته التجارية والذي يريد أن يتحرى أن لا يقع في فعل الربا) أن يكون نبراسه في تجارته القاعدة الإلهية الثانية التي جاءت لتحديد البيع الصحيح (وتبيان الربا الممنوع)، وهي – برأينا- ما جاء في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279)

نتيجة مهمة جدا: نحن نظن أن البيع الصحيح هو الذي يقوم على مبدأ نفي الظلم عن الطرفين (التاجر والزبون)، فلا التاجر يظلم الزبون ولا التاجر يظلم نفسه.

لذا، نحن نفتري القول بأنه على التاجر المؤمن بربه (الذي لا يريد الوقوع في الربا) أن يبني تجارته كلها على مبدأ "لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ". فعليه إذن أن يتحرى في تجارته أن لا يوقع الظلم على الآخرين كما عليه أن يتحرى أن لا يوقع الظلم على نفسه.

السؤال: وكيف يمكن تطبيق هذا المبدأ في التجارة؟

جواب مفترى: نحن نظن أن تطبيق هذا المبدأ غاية في البساطة، ويتمثل في أن يضع التاجر نفسه مكان الزبون قبل أن يقوم ببيع البضاعة له، فعليه أن يتخيل نفسه أنه هو الزبون الذي سيشتري البضاعة، ثم يقوم بحساب الربح بطريقة لا تلحق الضرر بالآخرين (لاَ تَظْلِمُونَ) ولا تلحق الضرر به شخصيا (وَلاَ تُظْلَمُونَ)، وهي الطريقة التي يتحقق فيها رضا الطرفين. فتاجر القماش سيضطر أن يشتري الخضار والفاكهة لأطفاله من السوق في نهاية اليوم، وسيحتاج أن يشتري الأثاث لبيته والسيارة لنفسه في نهاية الشهر من تاجر آخر، وسيحتاج أن يشتري الذهب في نهاية السنة من تاجر آخر، وهكذا. فهل يقبل أن يأكل هؤلاء ماله بالباطل كما أكل هو مال غيره يوم أن باعهم قطعة من القماش؟ فهل لو كان هو فعلا الزبون الذي سيدفع ثمن البضاعة، هل يرضى أن تؤكل أمواله بالباطل من قبل غيره؟

نتيجة مفتراة: عزيزي التاجر، كما تحب أن لا يأكل الناس أموالك بالباطل، فلا تأكل أموال الناس أنت بالباطل، أليس هذا هو المبدأ الإلهي (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ).

مثال: تخيل - عزيزي القارئ- أنك كنت مقدما على شراء بضاعة ما، وكان ثمن هذه السلعة عشرة دنانير، هل تقبل أن تأخذها بأقل من تكلفتها الحقيقية؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، فذلك مما لا يقبله الطبع السليم، فأنت لن ترضى للتاجر أن يخسر، فلا تقدم مصلحتك على مصلحة التاجر، ولا تبني سعادتك على تعاسة الآخرين، أليس كذلك؟

سؤال: لماذا ترفض أن تأخذ البضاعة بأقل من تكلفتها الحقيقية؟

جواب: لأن في ذلك ظلم واضح للتجار، وهو ما نهانا الله عنه، فكما نحب أن لا نُظلَم، فيجب علينا أيضا أن لا نظلِم الآخرين (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)، أليس كذلك؟

السؤال: وماذا لو باعك التاجر البضاعة (التي كلفته عشرة دنانير) بأحد عشر دينار؟

جواب: لا شك أنك ستكون راض تمام الرضا، لا بل ستنظر إلى ذلك على أنه يقع في باب المودة.

السؤال: وماذا لو باعك إياها باثني عشر دينارا؟

جواب: لا شك أنك ستكون راض أيضا، وربما ستنظر إلى ذلك من باب العدل، وقد تدعو له بالخير والبركة.

السؤال: وماذا سيكون شعورك لو أنه باعك إياها بأكثر من ذلك؟

جواب مفترى: لا شك أن رضاك سيبدأ يتناقص كلما زاد التاجر في كمية الربح الذي أخذه منك.

السؤال: ومتى ستقع المعاملة في باب الربا.

جواب مفترى: إذا شعرت أنه قد أخذ مالك بالباطل، أي قد أخذ منك "ربحا" أكثر مما يجب.

السؤال: وكيف يمكن تحديد ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن أن هذا يقع في يد ولي الأمر نفسه، فهو المنظم المتحكم بالسوق، وهو الذي يحق له أن يحدد هامش الربح الذي يحقق المبدأ الإلهي (لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ)

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: لأنه هو من ستؤول إليه أموال الزكاة في نهاية المطاف. فعلى ولي الأمر أن يحدد هامش الربح الذي سيحاسب التاجر على ما غنم جراء ذلك عندما يقوم التاجر بتقديم كشف الزكاة.

السؤال: ما علاقة هذا بإيتاء الزكاة؟

جواب مفترى: عندما يكون التاجر مؤمنا ملتزما بالشرع الإلهي، وهو أن يدفع خمس ما يغنم لخزينة الدولة، فهو إذا سيعمد إلى تقليل هامش الربح، لأنه سيشعر أن من الأولى أن تبقى الأموال بيد أصحابها، فلا يأكلها بالباطل، وإلا سيضطر في نهاية المطاف أن يدفع قسطا كبيرا منها لخزينة الدولة (كزكاة)، والتي حدد الشارع الكريم مقدارها بخمس المغنم:

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)

فعند تقديم الكشف الضريبي (الزكاة) من قبل التاجر نفسه، فيجب أن يكون هذا الكشف على النحو التالي: 

الصنف
التكلفة للقطعة الواحدة
الثمن (البيع) للقطعة الواحدة
الكمية المباعة
الغنيمة
الزكاة 20%
بنطال
8 دينار
10
1000
2000
400
ثوب
20 دينارا
25
800
4000
800
قميص
5
7
1200
2400
480
حزام
4
5
2000
2000
400
طقم أولاد
12
15
3000
9000
1800
طقم بنات
12
12
3000
9000
1800
المجموع
12000
28400
5680

السؤال: ما الذي يحصل عندما لا يلتزم التاجر بذلك ويفضل أن يأكل أموال الناس بالباطل؟ فما هي عواقب أكل أموال الناس بالباطل من جراء الربا الفاحش؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن أن النتيجة ستكون لا محالة وخيمة، وهي على النحو الذي تصوره الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279)

نعم، هي الحرب المعلنة من الله التي ستكون عاقبتها على النحو التالي:

يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)

نعم، النتيجة هي أن الله لا محالة سيمحق الربا، وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون:

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ (227)

وسنرى لاحقا عندما نتعرض لهذه القضايا في مقالات منفصلة ومفصّلة بحول الله وتوفيق منه انعكاسات هذه القضايا على الفرد والمجتمع في باب النقد المستخدم في السوق، ولعلي لا أتردد في القول أن ما يحصل في بلاد المسلمين من فوضى عارمة هو وقوعهم في الربا، فكانت حرب الله عليهم معلنة، وكانت النتيجة أن الله قد محق أسواقهم. فبالرغم من وفرة المال في بلاد المسلمين (التي لا يكاد يوجد مثيل لها في بلاد أخرى على وجه الأرض)، إلا أنها البلاد الأكثر معاناة من الفقر والبطالة والبغضاء والتشاحن والحسد فيما بينهم.

(دعاء: فالله وحده أسأل أن يعيد الناس إلى رشدهم وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدا، فلا يظلِمون ولا يظلَمون، إنه هو السميع المجيب. والله وحده أدعوه أن يهديني لما اختلف فيه الناس من الحق، إنه هو نعم المولى ونعم المجيب).

مصارف الزكاة والصدقات

حاولنا التفريق سابقا بين الزكاة من جهة والصدقات من جهة أخرى، وزعمنا الظن بأن الزكاة هي واجبة كوجوب إقامة الصلاة، فهي حق مفروض لله في أموال العباد، كما أن الصلاة هي حق مفروض لله في أعمال العباد، فجاء التلازم الذي لا يكاد ينفك بين إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في كثير من الآيات القرآنية الكريمة، قال تعالى:

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83)

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ۚ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ۗ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (77)

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)


وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)


أما الصدقات فهي – برأينا- بمثابة العمل التطوعي الذي يقوم به الشخص بنفسه لتطهير ماله مما تبقى فيه من رجس الشيطان، ولجلب المنافع له في الدنيا، فهي تقع – برأينا- في باب الشكر، مصداقا لقوله تعالى:

وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)

فالمؤمن الذي يطلب الزيادة من الخير، فعليه أن يعمل شكرا لله، كما كان آل داوود يعملون شكرا:

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)

فشكر الله يتطلب عملا، وكذلك شكر الوالدين:

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)

فشكر الوالدين يتطلب أكثر من مجرد القول لهم "شكرا"، فمن غير المنطقي أن يدخل الشخص على والديه في اليوم والليلة ليقول لهم شكرا وكفى، بل لابد من عمل يقوم به تجاههما يبين أنه فعلا يشكر لهما، وليس أقل من ذكر أن يعتني بهما إن بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر عنده، وأن يدعو لهما بالرحمة كما ربياه صغيرا:

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)

فمطلوب منك أيها المؤمن أن تحسن لوالديك، كما هو مطلوب منك أن تقول لهما قولا كريما وكذلك أن تخفض لهما جناح الذل من الرحمة وأن تدعو الله أن يرحمهما كما ربياك صغيرا. ونحن نكاد نجزم الظن بأن هذه الأعمال كلها مجتمعة هو ما يبين شكرك لهما:

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14)

فالشكر هو – برأينا- رد الجميل لمن عمل لك عملا حسنا، فحتى مجرد أن يأتيك أحدهم بفنجان من القهوة، فإن أول ردة فعل لك على هذا التصرف هو أن تقول للشخص الذي قدم لك هذا الفنجان من القهوة هو عبارة "شكرا"، أليس كذلك؟

ولا شك عندنا أن الشكر يجب أن يكون مواز للعمل نفسه، فمن غير الطبيعي أن تقول مجرد كلمة "شكرا" لوالديك لأن العمل الذي قدماه لك سابقا هو تربيتك. فأنت مطلوب منك الإحسان لهما والشكر لهما بمقدار ما ربياك صغيرا.

خروج عن النص في استراحة قصيرة: باب حقوق الوالدين

لو تتبعت الفقه الإسلامي الدارج في قضية حقوق الوالدين وبرهما، لوجدت أن هذه القضية قد أخذت حيزا كبيرا من النقاش الفقهي، ولعل القارئ البسيط لهذا الفقه سيخرج مباشرة بنتيجة مفادهما أن حقوق الآباء على الأبناء تفوق كثيرا حقوق الأبناء على الآباء، حتى وصل القول ببعضهم أن على الابن أن يكون مطيعا لوالديه في أمور الدنيا كلها، فلا يعصي لهما أمرا مطلقا. فكلما أراد هؤلاء الآباء تنفيذ مرادهم (الذي ربما لا يكون هو الحق بعينه) تسلحوا بساطورة الدين التي تقضي (حسب فهمهم) بحق الآباء شبه المطلق على أبنائهم. ولعلي أكاد أجزم الظن بأن هذا من الظلم الذي أوقع أهل العلم الناس فيه، وكثيرا ما استخدم بعض الآباء هذا الفقه الديني (ربما غير المتوازن) بطريقة تعسفية لا تمت – برأينا- إلى الدين بصلة.

وقد شاع بين الناس ما قاله أهل العلم فيما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)

فحرموا على الأبناء حتى أن يقولوا لآبائهم أف لكم (بالمعنى الدارج لمفردة الأُف). فكان ذلك كما السيف المسلط على رقاب الأبناء من قبل كثير من الآباء.

السؤال: هل حقا يستطيع أحد من الأبناء أن لا يتأفف في وجه والديه؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن العلاقة بين الآباء والأبناء يجب أن تتسم بالعدالة، فلا يطغى حق أحد منهم على حق الآخرين. فالآباء لهم حق على أبنائهم كما للأبناء حق على آبائهم.

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في قصة إبراهيم مع أبيه، لوجدنا أن إبراهيم قد قال لآبيه وقومه أجمعين أف لكم:

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)

فلو تدبرنا مفردة الأف التي قالها إبراهيم، لوجدنا بأنها خاصة بالعلاقة الدينية بين الطرفين (أي العبادة)، فالأبناء مطالبون بعدم طاعة الوالدين إن هما جاهداك على الإشراك بالله:

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (8)

وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (15)


فعندما جاهد أب إبراهيم ابنه إبراهيم على أن يشرك بالله لم يطعه، وكانت ردة فعله تجاهه قد تمثلت بأنه قال له (ولقومه) أف لكم فعلا. وقد تحدثنا في مقالة سابقة لنا عن معنى الأف وذكرنا أن هذا يقع في باب القطيعة الدينية:


قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (6)
فلا يجب على الأبناء إطاعة الوالدين إذا ما كانت العلاقة بين الطرفين غير مستوية من الناحية الدينية. ولكن هذا يجب أن يكون في سياق أن الوالدين لازالا قادرين على خدمة أنفسهم بأنفسهم، أي قبل أن يبلغا الكبر. فإبراهيم قد ترك أباه وارتحل من البلاد التي يسكنها، وكان قد اعتزلهم من قبل ذلك:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)

نتيجة مفتراة 1: يحق للأب أن يطلب من ولده أن يهجره

نتيجة مفتراة 2: يحق للابن أن يعتزل أبويه إذا وجد أن لكل واحد منهم دينا يختلف عن دين الآخر

نتيجة مفتراة 3: يحق للابن أن يهجر أبوية إذا ما وجد أن لغة التواصل بين الطرفين قد وصلت إلى طريق مسدود

السؤال: متى يصبح هذا الاعتزال أو الهجران غير ممكن؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه ليس من حق الولد أن يهجر والديه أو أن يعتزلهم في حالة بلوغ أحدهما أو كلاهما الكبر:

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)

لذا، يجب على الأبناء أن يعكفوا على خدمة والديهم في حالة بلوغ أحدهما أو كلاهما الكبر. وفي هذا الوقت يصبح من الواجب على الأبناء القيام على رعاية الآباء تحت جميع الظروف والأحوال حتى وإن لم يكونا مؤمنين.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أنه قد حان الوقت لرد المعروف بالمعروف (أي الشكر). فكما ربياك صغيرا، عليك أن تقوم على رعايتهما إذا بلغا الكبر:

وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)

ولو تدبرنا الآية الكريمة جيدا، لوجدنا أنها مبنية على مبدأ المساواة التامة (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، فكما أحسن والداك إليك وأنت صغير عندما كنت محتاجا إلى الرعاية، فعليك بالمقابل أن تحسن لهما عند بلوغهما الكبر وقد أصبحا الآن بحاجة إلى من يرعاهما.

ولو تدبرنا الآية أكثر، لوجدنا أنه ليس مطلوب من الأبناء الإحسان بأكثر مما أحسنا إليك في صغرك، فالله هو من طلب منا الإحسان كما أحسن هو إلينا:

وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

فبالرغم أنه مطلوب مني أن أحسن كما أحسن الله إلي، لكن يستحيل أن أحسن أكثر مما أحسن الله إلي.

وهنا نتوقف عند ثلاث مفردات متقاربة في المعنى وردت عند الحديث عن علاقة الأبناء بالآباء وهي مفردات الشكر والإحسان والبر، فكيف يمكن التفريق بين هذه المفردات المتقاربة؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا، لن ندخل في الأدلة على ما سنفتريه هنا لأننا سنفرد لذلك بحول الله وتوفيقه مقالات مستقلة لاحقا متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه فيها، فالله وحده أسأله أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا وأن يزدني علما إنه هو السميع البصير.

لذا سأكتفي بتسطير الفروقات التي نظن أنها رئيسة بين هذه المفردات كما في الجدول التوضيحي التالي: 

الشكر
يحتمل النقصان
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ
الإحسان
مبني على التكافؤ
وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)
البر
يحتمل الزيادة
لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)

عندما يقدم لك شخص معروفا، فإن أول ردة فعل لك هي أن تقول له شكر، فكلمة شكرا بنفسها لا تعادل المعروف الذي قدمه لك حتى لو كان فنجانا من القهوة.

ولكن عندما أحسن إليك (بأن قدم لك معروفا)، فإنك لن تتردد متى ما سنحت لك الفرصة أن تقدم له معروفا بمثله (كفنجان القهوة)، وهنا تكون قد أحسنت إليه كما أحسن إليك (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).

لكن الذي لم يقدم لك معروفا، وقمت أنت بتقديم معروف له لا ترجو منه مقابلا على ذلك فهذا يقع في باب البر. فالمعروف مع من لا ترجو معروف منه هو بر. فمريم لم يكن لها فضلا على المسيح، فهي لم ترضعه، وهي لم تربيه، وهي لم تحسن له بشيء، فجاء قول المسيح على النحو التالي:

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)

وعندما يموت الوالد أو الوالدة، وتقدم المعروف لهما حتى بعد موتهما، فإن ذلك يقع في باب برهما، كما فعل يحيي:

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14)

وسنتحدث عن ذلك بالتفصيل عند التعرض لحياة نبي الله يحيى لاحقا بحول الله وتوفيق منه، فالله وحده من نسأل دائما أن يأذن لنا شيء من علمه في ذلك لا ينبغي لغيرنا إنه هو السميع البصير.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 1: نحن مطلوب منا الإحسان كما أحسن الله إلينا (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ)، لذا يستحيل أن أحسن أكثر مما أحسن الله إلي. فمن المنطقي أن يكون الله قد أحسن إلينا أكثر مما نستطيعه نحن. لكن مادام أن المطلوب هو الإحسان، فيجب أن تكون العلاقة مبنية على مبدأ التكافؤ (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 2: نحن مطلوب منا الإحسان إلى والدينا والدعاء لهما كما ربياني صغيرا (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، لذا يستحيل أن أحسن إليهما كما أحسنوا هم إلي. فمن المنطقي أن تكون العلاقة مبنية على مبدأ التكافؤ (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).

نتيجة مفتراة خطير جدا جدا: نحن نظن أن للأبناء حق على الآباء لا يقل عن (وربما يفوق) حق الآباء على الأبناء. وهذا برأينا يقلب الأمور رأسا على عقب، فينقلب الفكر (متى صح) كله. فبدل من الخطب غير المنتهية عن حقوق الآباء، يجب أن يكون هناك خطب أكثر عن حقوق الأبناء على الآباء.

السؤال: ما المشكلة في الفكر السائد؟

لو تفقدنا الفكر السائد، لوجدنا بأنه يطلب من الأبناء أكثر مما يطلب من الآباء، ويحمل الأبناء من حيث المبدأ أكثر مما يحمل الآباء، لكن يبقى التساؤل التالي مطروحا: ماذا لو استغل الآباء هذه السلطة (أو لنقل السطوة) الدينية؟ وماذا لو كان هناك أب ظالم؟ وماذا لو أن الآباء لم يحسنوا لأبنائهم في صغرهم (وما أكثرهم)؟

جواب مفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة السابقة، لوجدنا أن إحسان الأبناء لآبائهم يجب أن يكون مبينا في الأساس على إحسان الآباء لأبنائهم من ذي قبل. فأنت أيها الابن مطالب أن تحسن لوالديك بمقدار ما قد أحسنوا هم إليك من ذي قبل ولا تزد على ذلك. فأنت مطلوب منك أن تصاحبهما في الدنيا معروفا، لكن لا تدعهم يستغلوك بحجة أن لهم واجبا عليك أكثر مما كان يتوجب عليهم فعله لك. فالعلاقة مبينة في الأساس على التكافؤ (وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)، فلا يحق لطرف أن يطغى على الطرف الآخر. فكما لكل طرف حق، فعليه أيضا واجب بمثله. وهذا هو مبدأ العدل الذي يجب أن يكون سائدا في كل العلاقات البشرية.

السؤال: كيف يمكن الحفاظ على مبدأ التكافؤ في العلاقة بين الآباء والأبناء؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه ما دام الوالدان يتمتعان بالصحة الكافية التي تمكنهما من أن يقوما على رعاية أنفسهم بأنفسهم، فكل ما أنت مطالب به هو حسن صحبتهم بالدنيا بالمعروف. ولا مانع أن تجادلهم بالمعروف حتى لو وصل الأمر بك أن تقطع العلاقة معهما كليا كما فعل إبراهيم، أي أن تقول لهما أف. والأُف هي - برأينا - قطع العلاقة معهما تماما بالاعتزال والهجران لاختلاف العقائد. لكن إذا بلغ أحدهما أو كلاهما الكبر عندك، فعليك أن لا تخوض معهم في نقاشات عقائدية مهما كانت عقيدتهم التي يؤمنون بها حينئذ، فأنت مطالب بالإحسان لهما لأنهما أحسنا إليك يوم أن كنت طفلا صغيرا، فلم يجريا معك نقاشا عقائديا حينئذ. وهذا يندرج تحت مبدأ المعاملة بالمثل.

السؤال: لماذا؟ لم يجب أن يكون للأبناء حق على الآباء لا يقل عن حق الآباء على الأبناء؟

رأينا المفترى: عندما تزوج أبي بأمي، لم يكن يخطط ذلك من أجل سواد عيوني أنا (كما نقول في اللغة الدارجة). فلم يكن في مخياله أنه قد تزوجها لينجبني أنا على وجه الخصوص. فسواء أنجبني أنا أو أنجب غيري، فإن الأمر بالنسبة له سيان. ففي تلك الليلة الظلماء التي قبع فيها والدي على بطن أمي ليشبع غريزته الجنسية، لم يكن يفعل ذلك من أجل إنجابي أنا على وجه التحديد، فحتى لو نتج عن ذلك الجماع الغريزي شخص عاق مثلي أو شخص بار مثل مشايخنا العلماء، فالأمر بالنسبة للأب (كأبي مثلا) سيان، فلم يكن في حسبان أبي ساعة وصوله إلى الذروة الجنسية من فرج أمي أن ينجب ولدا مثلي. وما كان نزول أمي عند رغبة أبي طلبا لإنجابي بل تلبية لرغبة زوجها فيها، فحتى لو أنجبا جروا (صغير الكلب) من ذلك الجماع، لما كان ذلك سيقتلهما حسرة علي أنا على وجه التحديد. فوالداي أقاما علاقة جنسية بينهما في تلك الليلة الحمراء تلبية لرغبتهما الجنسية وعلاقتهما الحميمية وليس طلبا لإنجابي أنا على وجه التحديد. فحتى لو لم يتحصل من ذلك الجماع حملا، لما كانا (أي والداي) سيقتلون أنفسهم حسرة عليّ. فكم قبع والدي على بطن أمي قبل أن ينجبني وما تحسروا عليّ حين لم أولد لهما؟ وكم قبع على بطنها بعد أن أنجباني وما كفهم إنجابي عن ذلك العمل المشين؟ وما كان مجيئي أنا (بالنسبة لهم) إلا من قبيل المصادفة البحتة. فكم من مرة سمعت من أمي تقول لي بملء الفيه بالعامية الأردنية (يا ريت جبت جرو ولا جبتك)!

تساؤلات

- إذا كان مجيئك للدنيا ليس طلبا شخصيا من الوالدين، فلم يكن لهما علينا حق أصلا إن صح ما تقول؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

- وإذا كان قدومي سببه رغبة جنسية من الوالد في الوالدة، فما ذنبي أن أتحمل أنا (على وجه التحديد) تبعات عملهم المخجل هذا؟

- ألم يكن أكثر لباقة لو أنهم قضوا تلك الليلة برومانسية بريئة بدلا من الوقع في فعل فاضح يكون نتيجته شخص "غير مؤدب" مثلي؟

- ألم يكن يكفي أمي تلك الوردة الحمراء والهدية الذهبية التي قدمها والدي لها في تلك الليلة؟ هل كان يجب أن تتنازل له مقابل ذلك عن شيء من طهرتها؟ يا عيب!!!

- الخ.

رأينا المفترى: لا شك أن غريزة الإنسان للولد هي غريزة فطرية، بالرغم من أنها تجلب له الشقاء، لكنه لا شك يتمتع بها، ويجهد نفسه في طلبها، فلو ظلت العلاقة بين والدي ووالدتي علاقة جنسية بحتة غير منجبة، لما استمرت بالشكل الطبيعي إلى الأبد، ولما تردد والدي حينها (أنا أتخيل) بالبحث عن فرج امرأة أخرى تجلب له الولد. وليس أدل على ذلك مما فعل زكريا، فبالرغم من العلاقة الطويلة مع امرأته، إلا أن هذا لم يمنعه من طلب الذرية في نهاية المطاف:

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38)

فالإنسان يحتاج في علاقته الزوجية تحقيق أمرين اثنين ربما لا ثالث لهما، وهما:

1. تلبية الرغبة الجنسية أولا

2. طلب الذرية ثانيا

إن هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا يتطلب منا تسطير الافتراء الخطير التالي: أنت بالنسبة لوالدك حاجة رقم 2، وليس حاجة رقم 1، فالحاجة الأولى هي تفريغ طاقته الجنسية وإشباعها، والحاجة الثانية هي الحصول على الذرية. فقبل الحصول على الذرية يكون الإنسان منشغلا بتلبية حاجته الجنسية، وأثناء الحصول على الذرية يستمر الإنسان في تلبية رغبته الجنسية، وحتى بعد الحصول على الذرية لا يكف الإنسان عن تلبية رغبته الجنسية غير المنقطعة. فالرغبة الجنسية هي الحاجة الملحة الأولى عند الأب، بينما الحصول على الذرية هي الرغبة الثانية غير المباشرة.

نتيجة مفتراة: مادمت أنا حاجة رقم 2 عند والدي، فليس له عليّ واجب أن يكون حاجة رقم 1 عندي. فهو يجب أن يكون بالنسبة لي رقم 2، وليس رقم 1

لكن بالرغم أنه هو بالنسبة لي حاجة رقم 2، فأنا يجب أن أكون بالنسبة له حاجة رقم 1 إن أراد أن يكون هو بالنسبة لي حاجة رقم 1.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: إن هذا المنطق سيعيدنا فورا إلى قصة الخلق من أولها، لنسطر من خلال ذلك الافتراء الخطير جدا جدا التالي: بالرغم أن والدي لم يختاراني أنا على سبيل التحديد إلا أني أنا قد اخترتهما على سبيل التحديد. فأنا من اخترت والداي بالرغم أنه كان بمقدوري أن أختار غيرهما. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟ هل تهذي يا رجل؟ أيعقل أن تقول أن الطفل هو من اختار والديه بالذات بالرغم أنهما لم يختاراه هو على سبيل التحديد؟

رأينا المفترى: لقد تعرضا لمثل هذه الجزئية في بعض المقالات السابقة، لكني سأعيد هنا فقط الخطوط العريضة لمثل هذا الفكر، وذلك لأهميتها في النقاش هنا.

أولا، جاء خلق البشر جميعا مرة واحدة مع خلق آدم:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)

ثانيا، أخذ الله البشر جميعا فجعلهم ذرية في ظهر آدم:

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)

ثالثا: طلب الله من الملائكة السجود لآدم:

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)

رابعا: أخذ الله هذه الذرية من ظهور بني آدم وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم فشهدوا:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

خامسا: بدأ البشر يتكاثرون بالتناسل (ذرية بعضها من بعض):

وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)


إن أهم ما نريد التركيز عليه هنا هو أننا كنا في عالم الذرية (أي في ظهور الآباء) واعين مدركين لأفعالنا، قادرين أن نتحمل تبعاتها. فما دمت أنت ذرية في ظهر آبائك فإنك عاقل بالغ راشد قادر على اتخاذ القرار، وهذا ما نفهمه نحن (ربما مخطئين) من الآية الكريمة التالية.

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

لذا، عندما حصل الجماع بين أبي وأمي في تلك الليلة الحمراء (لا زلت أذكر)، نزلت أنا رشيد (كحيوان منوي) من ظهر أبي، وكنت حينها مدركا واعيا تماما لما أفعل، أعلم أن هذا والدي وهذه والدتي، فرحت أبحث عن المخرج من عالم الذر (من هذا السجن)، فاخترقت جدار البويضة (المركبة) التي ستخرجني من تلك الظلمات إلى النور:

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)

فقاتلت بشراسة وببسالة منقطعة النظير (كحيوان منوي) جميع من نافسني على ذلك الكرسي (وما أكثرهم!) في تلك المركبة (البويضة)، وفزت أنا بالنجاة إلى عالم النور بعد أن كنت في الظلمات أبحث عن من يخرجني منها. فكان ذلك أعظم انجاز حققته في رحلتي في الحياة كلها. وكنت حينها أدرك تماما بأن هؤلاء هما من سيكونا والداي، فكنت راضيا مقتنعا بذلك. فأنا من اخترت والدي مباشرة بالرغم أنهما لم يختاراني مباشرة.

السؤال: لماذا اخترت أن يكونا هذان على وجه التحديد هما والداي؟ لِم لم أختر غيرهما؟ لِم لم أختر أن أكون أبن ملك أو ابن مسئول فاسد كبير (وما أكثرهم)؟ ولم لم أختر أن أكون ابن رجل ثري مسعور؟ فما الذي دفعني وأنا واع تماما مدرك لما أفعل أن لا أختر غيرهما؟

توقف يا رجل ما الذي تقوله؟ هل فعلا كنت في تلك اللحظة واع مدركا لما تفعل؟

رأينا المفترى من عند نفسي: نعم. أعتقد جازما أني كنت واع مدرك لما أفعل عندما كنت ذرية في ظهر والدي (كحيوان منوي).

السؤال: وأين الدليل على ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن بأننا نستطيع تقديم دليلين اثنين على صحة زعمنا هذا، أحدهما نقلي والآخر فطري. أما الدليل النقلي فهو الآية الكريمة السابقة التي وردت في النقاش السابق، وهو قوله تعالى:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

فالله إذن هو من أخذ من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، وهو من أشهدهم على أنفسهم بأنه هو ربهم، وهم من شهدوا على ذلك. فهل يستطيع أحد إنكار ما جاء في هذه الآية الكريمة؟

نتيجة مفتراة: عندما كنا ذرية في ظهور آبائنا كنا واعين مدركين قادرين على الاختيار، أليس كذلك؟

أما الدليل الفطري، فهو يتمثل بتلك الكينونة التي وجدت في ظهور الآباء وهي الذرية. فنحن نتعارف فيما بيننا بأن خلق الإنسان قد بدأ من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين:

الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ (9)

وهذا الخلق قد بدأ بكلماتنا الدراجة بـ "الحيوان المنوي" الذي يخرج من بين الصلب والترائب:

فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)

فالله هو من أمرنا أن ننظر ممّ خلقنا (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ)، لنجد أننا قد خلقنا من ماء دافق (خُلِقَ مِن مَّاء دَافِقٍ)، وهذا الماء هو الذي يخرج من بين الصلب والترائب (يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ). وقد وجدنا بأن هذا الماء الدافق يحتوي على عدد هائل من الكائنات الحية التي تسمى بالحيوانات المنوية. ليكون السؤال المطروح الآن هو: لماذا نسمى (نحن البشر) هذه الكائنات الحية التي تخرج من بين الصلب والترائب (وهي أساس الحياة) بالحيوانات المنوية؟

السؤال: ما هو الحيوان المنوي؟ ولم يسمى بالحيوان المنوي أصلا؟

لعل نظرة سريعة في الآيات الكريمة عن مفردة "المنوي"، سنجد أنها متواجدة في أكثر من موضع في النص القرآني، قال تعالى:

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)

أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59)

وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)


وقد تعرضنا في سلسلة مقالاتنا عن كيفية خلق عيسى بن مريم لمفردة المنّ الواردة في قوله تعالى:

وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)

وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)



يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)


وزعمنا القول حينئذ بأن المن هو البيض، وهذا البيض هو مصدر الحياة كما أن ماء الرجل هو منّ لأنه أيضا مصدر الحياة. فظننا أن هناك علاقة مباشرة بين المَنّ (بيض المائدة) والمنيّ (إنزال ماء الشهوة عند الرجال). فحاولنا ربط المفردتين معا بعد تدبرنا المائدة السائلة المتكوّنة في داخل كينونة بيض المائدة ومقارنتها بالمائدة التي تنزل من الرجل بالشهوة. فزعمنا أنهما متطابقتان في الشكل والتركيب من جهة وفي الوظيفة من جهة أخرى.

أما بالنسبة للشكل، فهو مألوف لمن بلغ الحلم من الرجال ولمن تزوجت من النساء، فهو يشبه المادة المتواجدة في بيض المائدة كما في الشكل التوضيحي التالي:

 
Source:http://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/4/44/Chicken_egg01_monovular.jpg

أما بالنسبة للتركيب، فنجد أن ما بداخل صدفة بيض المائدة (egg shell) هو عبارة عن مادتين لزجتين، وهما المادة البيضاء (egg white) والمادة الصفراء (egg yolk)، ونترك لأهل الأعجاز العلمي ليدخلوا المنّ (البيض) والمنيّ (ماء شهوة الرجل) إلى المختبر للتحليل والتمحيص.

وأما بالنسبة للوظيفة- وهو الأهم بالنسبة لنا هنا- فتكمن في الظن أن وظيفة ماء الرجل الذي ينزل بالشهوة لا تتجاوز وظيفة السائل المتواجد داخل بيض المائدة: إنها الحياة. فحياة الكائن الحي تخرج إما من الماء الذي ينزله الرجل في رحم المرأة (المنيّ) أو من السائل المتواجد في داخل بيض المائدة (المنّ)، لذا انقسمت الكائنات الحياة إلى قسمين:

- قسم يتكاثر بالمنيّ (ماء الشهوة الذي يصبه الذكر في رحم الأنثى)
- قسم يتكاثر بالمنّ (السائل المتواجد داخل بيض المائدة)

السؤال: إذا كان هذا هو المنّ فعلا، ومنه اشتقت مفردة منوي، فلم نسميه (نحن البشر) بالحيوان المنوي؟ لم هو حيوان؟ وما هو الحيوان أصلا؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول أن مفردة الحيوان لم ترد في النص القرآني إلا في موضع واحد، قال تعالى:

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)

السؤال: ما معنى "حيوان" هنا؟ ولم تكون الدار الآخرة هي الحيوان أصلا؟ أليس هذا من العجائب القرآنية التي ربما لا زالت عصية على أهل العلم؟

دعنا نرى بداية ما جادت به عقول أهل الدراية عن هذه الآية في بطون أمهات كتب التفسير كتفسير القرطبي مثلا:

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب

أي شيء يلهى به ويلعب أي ليس ما أعطاه الله الأغنياء من الدنيا إلا وهو يضمحل ويزول ; كاللعب الذي لا حقيقة له ولا ثبات قال بعضهم : الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها وأنشد : تروح لنا الدنيا بغير الذي غدت وتحدث من بعد الأمور أمور وتجري الليالي باجتماع وفرقة وتطلع فيها أنجم وتغور فمن ظن أن الدهر باق سروره فذاك محال لا يدوم سرور عفا الله عمن صير الهم واحدا وأيقن أن الدائرات تدور قلت : وهذا كله في أمور الدنيا من المال والجاه والملبس الزائد على الضروري الذي به قوام العيش والقوة على الطاعات وأما ما كان منها لله فهو من الآخرة وهو الذي يبقى كما قال : " ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " [ الرحمن : 27 ] أي ما ابتغي به ثوابه ورضاه

وإن الدار الآخرة لهي الحيوان

أي دار الحياة الباقية التي لا تزول ولا موت فيها وزعم أبو عبيدة : أن الحيوان والحياة والحي بكسر الحاء واحد كما قال : وقد ترى إذ الحياة حي وغيره يقول : إن الحي جمع على فعول مثل عصي والحيوان يقع على كل شيء حي وحيوان عين في الجنة وقيل : أصل حيوان حييان فأبدلت إحداهما واوا ; لاجتماع المثلين

لو كانوا يعلمون

أنها كذلك

أو كتفسير القرطبي:

وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون

القول في تأويل قوله تعالى : { وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } يقول تعالى ذكره : { وما هذه الحياة الدنيا } التي يتمتع منها هؤلاء المشركون { إلا لهو ولعب } يقول : إلا تعليل النفوس بما تلتذ به , ثم هو منقض عن قريب , لا بقاء له ولا دوام { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } يقول : وإن الدار الآخرة لفيها الحياة الدائمة التي لا زوال لها ولا انقطاع ولا موت معها . كما : 21214 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون } حياة لا موت فيها . 12115 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى ; وحدثني الحارث , قالا : ثنا الحسن , قال : ثنا ورقاء جميعا , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , قوله { لهي الحيوان } قال : لا موت فيها. 21216 - حدثني علي , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , في قوله { وإن الدار الآخرة لهي الحيوان } يقول : باقية . وقوله : { لو كانوا يعلمون } يقول : لو كان هؤلاء المشركون يعلمون أن ذلك كذلك , لقصروا عن تكذيبهم بالله , وإشراكهم غيره في عبادته , ولكنهم لا يعلمون ذلك .

السؤال: أين التفسير الذي من المفترض أنه يوضح هذه الآية الكريمة وخاصة كلمة الحيوان الواردة فيها؟ هل يرقى مثل هذا القول أن يكون تفسيرا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا لا يرقى أن يكون تفسيرا يمكن الوثوق به. انتهى.

السؤال: كيف يمكن أن تُفسّر إذن؟ يسأل صاحبنا ربما مستغربا

جواب مفترى: لو دققنا في الآية الكريمة لوجدنا بأن المقابلة هي بين الحياة الدنيا من جهة والآخرة من جهة أخرى، وأن من مميزات الحياة الدنيا هي أنها لهو ولعب، لكن الآخرة بالمقابل هي الحيوان، كما في الشكل التوضيحي التالي:

الحياة الدنيا
الآخرة
لهو ولعب
الحيوان

السؤال: إذا كانت الحياة الدنيا تقابل الآخرة في الآية الكريمة نفسها، فكيف يكون اللهو واللعب (مواصفات الحياة الدنيا) يقابلان معا "الحيوان (ما يصف الآخرة)؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: عند البحث عن مفردات اللهو واللعب في كتاب الله، وجدناها مقابلة للحق كما في الآيات الكريمة التالية:

لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18) 

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا على الفور أن اللهو واللعب يقابلان معا الحق. فالله لم يتخذ لهوا ولكنه يقذف بالحق على الباطل. ومن جاء بالحق يستحيل أن يكون من اللاعبين.

السؤال: ما الذي يمكن أن نستفيده من هذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن من اتصف باللهو واللعب يستحيل أن يكون ممن جاء بالحق. والعكس صحيح، فيستحيل أن يكون من جاء بالحق من الذين يلهون ويلعبون، أليس كذلك؟

السؤال: لم أفهم ما تريد قوله؟ هل يمكن التوضيح أكثر؟ يرد صاحبنا ربما مستعجلا الإجابة.

رأينا المفترى: ربما نريد أن نستنتج من هذا الطرح بداية بأن اللهو واللعب من صفات الحياة الدنيا بينما الحق من صفات الآخرة، ليكون السؤال المطروح الآن هو: لماذا؟ أي لم تكون الحياة الدنيا لهو ولعب؟ ولم تكون الآخرة غير ذلك؟ ألا يوجد في الآخرة لهو ولعب؟ ولم لا يوجد في الآخرة لهو لعب؟

رأينا المفترى: نحن ننفي أن يكون في الآخرة لهو ولعب وذلك لأن المحرك للهو واللعب هو الأمل، قال تعالى:

ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)

السؤال: لم يكن الأمل هو الذي يلهي الناس؟ أي ما علاقة الأمل باللهو؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية السابقة جيدا، ألا تجد بأن الذي يجعل الناس يلهون ويلعبون في الحياة الدنيا هو عدم العلم؟

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: مادام أن الإنسان ينقصه العلم، فهو إذن يتعلق بالأمل، وهذا الأمل هو الذي حرك اللهو عندهم. فلو كان عندهم علم، لما وقعوا في اللهو واللعب الذي يحركه الأمل. انتهى.

السؤال: ومتى سيأتي الناس العلم فيكفوا عن اللهو اللعب ولا يصبحون متعلقين بالأمل؟

جواب مفترى: دقق عزيزي القارئ في الآية السابقة مرة أخرى، ألا تجد أن العلم موجل (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ). فمتى سيعلمون إذن؟ هل سيكتمل علمهم في الحياة الدنيا؟ ومتى يمكن أن يكتمل علمهم ويصبحوا موقنين؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن باستحالة أن يأتي اليقين ما لم يكتمل العلم، كما نظن جازمين باستحالة أن يكتمل العلم في الحياة الدنيا وأن الآخرة هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يكتمل العلم فيها.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): الحياة الدنيا هي دار أمل، لذا تتصف باللهو واللعب.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): الآخرة هي دار العلم اليقين، لذا ينتفي أن يكون فيها لهو ولعب.

السؤال: ما الذي يمكن أن نستنبطه من هذا كله؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لما كانت الحياة الدنيا هي دار أمل، لذا يستحيل أن نصل فيها إلى اليقين، لكن بالمقابل لما كانت الآخرة هي دار العلم، فإن اليقين من أهل ميزاتها.

السؤال: متى يمكن أن يأتينا اليقين؟

جواب مفترى: دقق عزيزي القارئ في الآيات الكريمة التالية:

قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48)

ألا ترى أنه من الاستحالة بمكان أن يأتيك اليقين قبل البعث والنشور والحساب؟ فاليقين هو إذن الحالة التي يستحيل أن يتواجد معها الشك أو الظن، قال تعالى:

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)

وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)

فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)

وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

نتيجة مفتراة: لما كانت الحياة الدنيا مبنية على الظن، فإن الأمل هو المحرك الرئيس للناس فيها، لذا لن يترددوا أن يلهوا ويلعبوا ما دام أن العلم فيها غير يقيني، لكن الآخرة بالمقابل فهي الدار المبنية على العلم اليقيني، لذا يستحيل أن يكون فيها أمل، ويستحيل أن يلهو ويلعبوا فيها.

السؤال: ما علاقة هذا بقوله تعالى:

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)

فلم وصفت الآخرة على أنها هي الحيوان إذن؟

جواب مفترى خطير جدا (لا تصدقوه إن شئتم): الدار الآخرة هي الحيوان لأنه لا لهو فيها ولا لعب، وذلك لانتفاء وجود محرك اللهو واللعب وهو الأمل، وهذا سببه أنها دار اليقين (أي العلم المطلق الثبات والصحة)، إنها دار الحق.

السؤال: ما هو الحيوان إذن؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الحيوان هو الحالة التي ينتفي فيها الشك ويكون العلم فيها يقينا. انتهى.

الدليل

لعل من المفيد الإشارة هنا إلى مفردة الحيوانات الدارجة على لسان البشر، فلم نطلق على الكائنات الأخرى (غير الإنسان) بالحيوانات في لغتنا الدارجة بالرغم أن مفردة الحيوانات نفسها لا ترد إطلاقا في النص القرآني؟ فجل ما ورد في كتاب الله لوصف هذه الكائنات الأخرى هو لفظتي الدواب والأنعام، قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28)

السؤال مرة أخرى: لم نطلق على الأنعام والدواب معا لفظ الحيوانات؟ لم هذه الكائنات الحية حيوانات؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك هو أن هذه الكائنات (الدواب والأنعام) لا تلهو ولا تلعب. ولا يحركها الأمل، فهي مفطورة على اليقين، فهي إذن لا تمزح ولا تكذب ولا تقطع الوعود لغيرها أو لبعضها البعض، ولا تغوي غيرها، فهي تقوم بمهمات ووظائف ثابتة، ولها سلوكيات محددة لا يمكن أن تتباين بين لحظة وأخرى أو في مكان ما غير مكان آخر. فالدواب والأنعام في كل أصقاع الأرض وفي كل الأزمنة لا تغير سلوكها ولا تتلون بتلون الظروف وتبدل الأيام.

والأغرب من ذلك كله هو أن هذه الحيوانات لا تكسب سلوكها من البيئة المحيطة بها، فبعض أنواع الحيوانات تأتي إلى الحياة في غياب الأم تماما، ولكنها ما أن تولد حتى تتصرف وتقوم بنفس سلوكيات الأم التي وضعتها حتى وإن لم تتواجد معها إطلاقا.

السؤال: لماذا؟ كيف تعلمت هذه الكائنات الحية (الحيوانات) هذه السلوكيات الثابتة التي لا يمكن أن تحيد عنها؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك هو لأنها حيوانات، فعلمها ثابت لا يتغير ولا يتأثر بالظروف المحيطة، فهي لا تلهو إذن ولا تلعب، ولا يحركها الأمل.

السؤال مرة أخرى: ما الذي يمكن أن نستنبطه إذن عن معنى مفردة "الحيوان" الواردة في الآية الكريمة إذن؟

وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64)

رأينا المفترى: نحن نظن أن مفردة الحيوان تعني المعيشة بالعلم اليقيني الذي لا يمكن أن تغيره الظروف أو أن تبدله الأيام والسنون.

السؤال الخطير جدا: ما علاقة هذا بالحيوان المنوي الذي يخرج من بين الصلب والترائب في ظهور الآباء ويفرغ في بطون الأمهات في عملية التزاوج ومن ثم الإنجاب؟

جواب مفترى خطير جدا: لما كنت أنا حيوانا منويا في ظهر آبائي، فقد كنت واصلا مرحلة اليقين، فما كنت ألهو ولا كنت ألعب. وما كان الأمل هو المحرك لي، ولكني كنت على دراية مطلقة بالسبب الذي من أجله خلقت ألا وهو:

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)

لقد كنت في تلك المرحلة على علم تام (لا شك فيه) أن محرك وجودي كله هو العبادة، فكنت أقاتل كذرية في ظهر آبائي بأن أخرج لتحقيق هذه الغاية الجليلة وهي عبادة الله وحده، فلا أشرك به شيئا. فما كان يهمني حينئذ أن أولد لعائلة غنية أو فقيرة، وما كان يهمني أن أولد في عائلة رفيعة المقام أو في عائلة لا شأن لها بين الناس، وما كان يهمني أن يكون أبي فلانا أو علانا، وما كان يشغلني أن أكون في هؤلاء القوم أو في أولئك، وما كان يقلقني أن أوجد في هذا الزمان أو في غيره، وهكذا. ولكن كان جلّ العلم عندي هو أني قد خلقت لأعبد الله، وكل ما خلا ذلك فهو باطل باطل لا يزيد في الأمر ولا ينقص منه شيئا. وهذا بالضبط هو ما نطق به المسيح عيسى بن مريم يوم أن نطق في المهد صبيا:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: لو خرجنا إلى الحياة مباشرة كما خرج المسيح عيسى بن مريم، لم نسينا العهد الذي قطعناه على أنفسنا أمام ربنا في ذلك المشهد العظيم:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

السؤال: لم إذن نشغل أنفسنا كثيرا في هذه الأمور بعد أن نخرج إلى هذه الحياة الدنيا؟ لم يصبح همنا منصبا على ظروف الحياة التي وجدنا أنفسنا فيها كالعائلة والمكان الاجتماعية والحالة المادية والصحية ونحوهما؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك هو ما جاء في قوله تعالى:

وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)

نعم، لقد خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، لذا ربما حق لنا أن نستنبط (ربما مخطئين) أن المشكلة كلها قد حصلت في بطون الأمهات. فمكوثنا في بطون أمهاتنا بعد أن انتقلنا إليها من ظهور آبائنا فترى الحمل (تسعة أشهر) هو الذي أدى بنا أن نخرج لا نعلم شيئا على عكس ما حصل مع المسيح عيسى بن مريم.

نتيجة مفتراة 1: كنا في ظهور آبائنا حيوانات (حيوان منوي)، فكنا نعلم علم اليقين سبب خلقنا

نتيجة مفتراة 2: انتقلنا إلى بطون أمهاتنا فمكثنا فيه تسعة أشهر

نتيجة مفتراة 3: خرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا.

السؤال: ما الذي حصل لنا إذن في هذه الرحلة في بطون الأمهات على وجه التحديد؟

جواب مفترى: إنه النسيان. انتهى.

فبدل أن نخرج حيوانات لا تلهو ولا تلعب، ولا يحركنا الأمل، خرجنا أناسا نلهو نلعب ويلهنا الأمل. انتهى.

خروج عن النص في استراحة قصيرة أخرى

كيف يمكن أن نفهم قوله تعالى:

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)

رأينا المفترى: غالبا ما ظن الناس أن هذه الآية الكريمة تصور لنا إلها مطلق الحرية فيما يفعل كيفما يريد، ولكن الناس بالمقابل هم الذين يسألون لأن حريتهم مقيدة. وقبل أن نلقي بمثل هذا الفهم الذي نظنه خاطئا في سلسة المهملات، دعنا نستعرض ما نقله لنا أهل الرواية عن أهل الدراية في بطون أمهات التفسير عن هذه الآية الكريمة. فقد جاء الشرح التالي في تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة:

لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

قاصمة للقدرية وغيرهم . قال ابن جريج : المعنى لا يسأل الخلق عن قضائه في خلقه وهو يسأل الخلق عن عملهم ; لأنهم عبيد . بين بهذا أن من يسأل غدا عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح للإلهية . وقيل : لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون . وروي عن علي رضي عنه أن رجلا قال له يا أمير المؤمنين : أيحب ربنا أن يعصى ؟ قال : أفيعصى ربنا قهرا ؟ قال : أرأيت إن منعني . الهدى ومنحني الردى أأحسن إلي أم أساء ؟ قال : إن منعك حقك فقد أساء , وإن منعك فضله فهو فضله يؤتيه من يشاء . ثم تلا الآية : " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " . وعن ابن عباس قال : لما بعث الله عز وجل موسى وكلمه , وأنزل عليه التوراة , قال : اللهم إنك رب عظيم , لو شئت أن تطاع لأطعت , ولو شئت ألا تعصى ما عصيت , وأنت تحب أن تطاع وأنت في ذلك تعصى فكيف هذا يا رب ؟ فأوحى الله إليه : إني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون .

وجاء الشرح التالي لها في تفسير الطبري للقرآن العظيم:

لا يسأل عما يفعل وهم يسألون

القول في تأويل قوله تعالى : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } يقول تعالى ذكره : لا سائل يسأل رب العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال وغير ذلك من حكمه فيهم ; لأنهم خلقه وعبيده , وجميعهم في ملكه وسلطانه , والحكم حكمه , والقضاء قضاؤه , لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له لم فعلت ؟ ولم لم تفعل ؟ { وهم يسألون } يقول جل ثناؤه : وجميع من في السماوات والأرض من عباده مسئولون عن أفعالهم , ومحاسبون على أعمالهم , وهو الذي يسألهم عن ذلك ويحاسبهم عليه ; لأنه فوقهم ومالكهم , وهم في سلطانه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 18514 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } يقول : لا يسأل عما يفعل بعباده , وهم يسألون عن أعمالهم . 18515 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : قوله : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال : لا يسأل الخالق عن قضائه في خلقه , وهو يسأل الخلق عن عملهم . 18516 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } قال : لا يسأل الخالق عما يقضي في خلقه , والخلق مسئولون عن أعمالهم .

السؤال: هل فهمت شيئا عزيزي القارئ مما جاء في هذه التفاسير الجليلة (أنا أحاول أن أكون مؤدبا على غير عادتي طبعا)؟

أما أنا، فلم أفهم شيئا، لا بل وأعتبر أن هذا لا يعدو أكثر من تخريصات لا تمت إلى كتاب الله بصلة.

السؤال: كيف يمكن أن نفهمها إذن؟ يسأل صاحبنا وهو يستشيط غضبا على إرث آبائه الأولين.

رأينا المفترى: دعنا ندقق في مفردة "يسأل" أولا. فما الذي يمكن أن نفهمه من هذه المفردة يا سادة؟

جواب مفترى: لو استعرضنا الآيات الكريمة التالية، لوجدنا فيها العجب، خاصة قوله تعالى (وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) وقوله تعالى (فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ):

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

منطقنا المفترى: إذا كان الله هو خالق البشر وهو الوحيد صاحب الحق في أن يسأل خلقه كما أشارت كتب التفاسير السابقة، فلم لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم ؟ ولم لا يسأل إنس ولا جان عن ذنبه يومئذ؟ أليس من الواجب أن يسألهم؟

رأينا المفترى: لو دققنا في هذه الآية الكريمة التالية جيدا، لوجدنا أنها تبين لنا أن الناس يسألون عما يفعلون؟

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)

ولو دققنا في الآيات الأخرى السابقة، لوجدنا أنهم (والجن) لا يسألون:

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

فكيف يمكن أن نوفق بين هاتين الحالتين؟ هل يسألون أم لا يسألون؟ نريد جوابا واضحا صريحا.

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة جيدا، لوجدنا أن نفي السؤال عنهم (الإنس والجن) يكون في الآخرة بدليل مفردة (فَيَوْمَئِذٍ) الواردة في الآية الكريمة:

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

السؤال: لم إذن لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون يومئذ؟ ولم لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان يومئذ؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لأن الآخرة هي الحيوان. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لمّا كانت الآخرة هي الحيوان، كان العلم فيها يقيني، لذا لا داع للسؤال. انتهى.

السؤال: لم أفهم ما تقول، هل يمكن أن توضح أكثر؟ يرد صاحبنا ربما بقليل من الاستغراب

جواب مفترى: متى تقوم أنت عزيزي القارئ الكريم بطرح السؤال؟ ألا يكون ذلك من أجل الحصول على المعلومة، فهل لو كنت تعرف الإجابة هل يكون هناك داع أن تطرح السؤال أصلا؟ وما فائدة طرحك السؤال مادمت تعرف الإجابة مسبقا؟ ألا يصبح ذلك من باب إضاعة الوقت والجهد والتسلية واللهو؟

نتيجة مفتراة 1: نحن نظن أن الهدف من طرح السؤال (أي سؤال): هو الحصول على المعلومة

ثانيا، تخيل عزيزي القارئ أنك دخلت بيتك كالمعتاد، ولم تجد أن هناك تغييرا في الوضع القائم، فأنت قد وجدت أن الأمور تسيير على ما يرام، هل عند ذلك تقوم بطرح السؤال، وتبدأ عملية المسائلة؟

جواب مفترى، كلا وألف كلا، فليس هناك داع للمسائلة أصلا.

لكن بالمقابل، تخيل أنك قد دخلت بيتك ووجدت أن الوضع مختلف، وأن هناك مشكلة قائمة لا تعلم تفاصيلها بعد، هل تقوم عندها بطرح السؤال، والبدء بعملية المسائلة لمن في البيت؟

السؤال المحوري: لم تقوم بذلك في هذه الحالة؟

جواب مفترى: ألا تبدأ بعملية المسائلة ليتحصل لك العلم بما حصل في غيابك، أليس كذلك؟ فلو كنت تعلم ما حصل فعلا، لما كان هناك داع أن تسأل، أليس كذلك؟

ثالثا، عندما تحصل المشكلة، ألا يحق لك أن تسأل عن ماهية المشكلة وسببها والمشتركين فيها، وهكذا؟

جواب مفترى: نعم. هذا ما يحصل على أرض الواقع.

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن فعل المسائلة لا يحصل إلا لوجود مشكلة.

السؤال: ما سبب حصول المشكلة أصلا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن المشكلة (أي مشكلة) لا تحصل إلا بسبب خطأ ما، بغض النظر عن ماهيته ودوافعه والمشتركين فيه، أليس كذلك؟

السؤال: ما الذي تريد قوله؟ هات ما عندك بسرعة

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن فعل المسائلة لا يقع إلا في حالة حصول مشكلة، قد وقعت بسبب خطأ ما، فتكون غاية السائل الوقوف على طبيعة المشكلة وسببها والمشتركين فيها، وهكذا.

مثال: هل لو كنت تسوق سيارتك في الطريق، ولم تفتعل مشكلة تذكر، هل تتوقع من شرطي الطريق أن يوقفك ويبدأ بمسائلتك؟ وماذا لو فعل ذلك؟ ألا تستغرب من تصرفه؟ ألا تكون أول ردة فعل لك هي محاولة معرفة السبب الذي من أجله أوقفك ليسألك؟

لكن، لو أنك فعلا افتعلت مشكلة بسيارتك على الطريق، ألا تتوقع أن يوقفك شرطي الشارع ليسألك؟ هل تستغرب من تصرف الشرطي هذا؟

ألا تكون إذن عرضة للمسائلة مادام أنك قد افتعلت مشكلة إذن؟

جواب مفترى: نعم. لا أستغرب ذلك مادمت قد افتعلت مشكلة؟

السؤال الجريء: لم إذن لا يسأل الله عما يفعل؟

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري القول بأن الله لا يسأل عما يفعل لأن الله لا يفتعل مشكلة أبدا، لذا لا داع أن يسأل

السؤال: ولم نحن نسأل؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لأننا نحن من نفتعل المشاكل على الدوام، لذا نحن دائما عرضة للمسائلة مادام أننا نحن من افتعلنا المشاكل.

لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الله لا يُسأل عما يفعل مادام أنه لا يحدث مشكلة أبدا، بينما نحن نُسأل عما نفعل لأننا نحن من نفتعل المشاكل على الدوام.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الله لا يفتعل مشكلة لأن علمه مطلق، فلا يحركه الأمل، وبالتالي فهو لا يلهو ولا يلعب. أما نحن فإن جل ما عندنا من العلم هو ليس أكثر من الظن الذي لا يغني عن الحق شيئا، لذا فإن محرك أعمالنا (في غياب العلم المطلق) هو الأمل وبالتالي فإننا نلهو ونلعب.

السؤال: لم جاء النص القرآني على النحو التالي في الآيات الكريمة التالية التي تصور لنا أحداث ما بعد البعث:

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

جواب لما كانت هذه الآيات الكريمة تصور لنا ما سيحصل بعد البعث، فإننا إذن قد أصبحنا في الحياة التي هي الحيوان (الآخرة)، وهناك يصبح العلم فيها يقينا، فلا داع إذن للسؤال مادام العلم بحيثيات الأمور (جلها ودقها) قد أصبح حقيقة واقعة لا ظن فيها. انتهى.

السؤال: ما علاقة هذا كله بالزكاة والصدقات وعقوق الوالدين وقصة الخلق الأولى التي تطرقت لها في بداية هذه المقالة أصلا؟

جواب: شو بدريني؟ هيه هيك أجت معي؟ اللي مو عاجبه لا يقراش. لكن اللي عاجبه، فلينتظر الجزء القادم إن شاء الله، عسى الله أن يهدينا رشدنا، فنحاول لملمة أشلاءنا المتناثرة هنا وهناك. سائلين الله وحده أن يأذن لنا بشيء من علمه في ذلك كله، ونعوذ به أن نفتري عليه الكذب أو أن نقول عليه ما ليس لنا بحق إنه هو السميع المجيب.


المدّكرون

رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان


بقلم د. رشيد الجراح

13 آب 2017









أحدث أقدم