حديث الإفك - الجزء الثاني: لماذا كان حديث الإفك خيرا لنا؟


حديث الإفك- الجزء الثاني: كيف كان حديث الإفك خيرا لنا؟
قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
نحاول في هذا الجزء من المقالة إثارة التساؤل الأكبر الذي يمكن استنباطه من هذه الآية الكريمة، ألا وهو: لماذا نفي الله أن يكون الإفك الذي جاء به عصبة منا شرا لنا (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم)؟ ولماذا جاء التبيان الإلهي في هذه الآية الكريمة بأن في ذاك الإفك نفسه خير لنا (بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ)؟ فكيف يمكن لنا أن نفهم ذلك؟
رأينا: لو أمعنا التفكر في تاريخ هذه الأمة التي تدّعي أنها تتخذ من الإسلام دينا لربما لم يصعب علينا أن نجد أن أكبر انقسام في تاريخها قد غذّاه حديث الإفك هذا. فانقسم المنتسبون إلى الإسلام إلى فريقين رئيسيين متناحرين، يتبنيان وجهتي نظر متضادتين. ففي حين أن المنتمين للفريق الأكبر حجما (أهل السنة والجماعة) يستميتون في الدفاع عن السيدة عائشة لأنها واحدة من زوجات النبي، وهي في الوقت ذاته ابنة الصحابي الأول أبي بكر الصديق، فإن أغلب طوائف الفريق الثاني (اللذين آثروا تسمية أنفسهم بالشيعة) لا يتوارون في القدح بالسيدة عائشة ووالدها جهارا نهارا.
تساؤلات
- لماذا هذا الاختلاف على زوجة النبي عائشة على وجه الخصوص؟
- متى بدأ هذا الاختلاف؟
- ما علاقة حديث الإفك في هذا الاختلاف؟
- ما حقيقة حديث الإفك؟
- ما الذي حصل حينها؟
- لماذا سكت النبي فترة طويلة من الزمن؟
- لماذا تأخر نزول الوحي لتبرئة عائشة؟
- ماذا كانت ردة فعل الصحابة حينئذ خلال هذه الفترة (فترة الاتهام)؟
- كيف تفهم الفرق الإسلامية المختلفة الآيات التي تتحدث عن التبرئة؟
- كيف كان موقف الصحابة من التبرئة حينئذ؟
- من هم أولئك العصبة الذين جاءوا بالإفك أصلا؟
- كم كان عددهم؟
- لماذا لم يعمد النبي إلى إقامة الحد على عائشة على الفور مادام أن هناك من شهد ضدها؟
- ماذا فعل النبي بالذين جاءوا بالإفك بعد أن جاءت التبرئة لها بقرآن من السماء يتلى على مسامع الجميع؟
- لماذا لم يعمد النبي إلى إقامة حد قذف المحصنات الغافلات على اللذين جاءوا بالإفك بعد أن ثبت بطلان دعواهم؟
- ما تداعيات هذا الموقف على حالة الأمة الإسلامية لاحقا؟
- ما علاقة هذه الحادثة بالخلاف الذي حصل بين عائشة وعلي لاحقا؟
- وأخيرا، كيف علينا بعد هذا كله أن لا نحسب أن الإفك شرا لنا؟
- وكيف علينا أن نتأكد بأنه خير لنا؟
- الخ.
هذه هي الأسئلة الرئيسة التي ستوجِّه النقاش في الصفحات القادمة من هذه المحاولة البحثية المتواضعة الذي قد يستغرق الحديث فيه عدة أجزاء قادمة، سيكون هذا الجزء هو أولها. لذا نحن نطلب من القارئ أمرين اثنين. أولهما إعطائنا المساحة الكافية لعرض أفكارنا قبل أن يقفز بنفسه إلى استنباطات هي من عنده لا علاقة لنا بها من قريب أو بعيد، فنحن لا نقبل أن يضع أحد الكلام في فمنا، فيقولنا ما لم نقل. وثانيهما، أن يثق باعتقادنا في الوقت ذاته أن محاولتنا هذه ليست أكثر من رأي فكري قابل للتصحيح. لذا نحن نطلب من القارئ الكريم (كما نفعل على الدوام) عدم القناعة بما يجده مكتوبا هنا ما لم يثبت له أن الدليل الذي نقدمه مقبول عنده، وأن الحجّة التي نسوقها متوازنة وغير مدفوعة بأجندة مسبقة. فنحن (كطلاب علم) هدفنا البحث عن الحقيقة بإتباع الدليل حيثما وجّهنا، وليس من واجبنا الخروج للناس بتشريعات وعقائد تصل إلى درجة المسلمات لديهم. فتلك وظيفة أهل الدين. فرجل الدين المتخندق في مذهبه هو من ينافح عن معتقده، عندما يحال جاهدا أن يبيّن نقاط القوة عنده، ويبحث (بعينيه وأذنيه وقلبه) عن هفوات الآخرين، وربما يتجاهل (عن قصد أو غير قصد) هفواته وسقطاته. ولو قلَّبت محطات التلفزة التي تبث لهؤلاء صباح مساء لوجدت أن محبيهم (ومريديهم) يجدون الحقيقة (كل الحقيقة) فيما يسمعون منهم، ولوجدت في الوقت ذاته أن كارهيهم لا يرون فيهم إلا شيطانا رجيما يستغفل العامة بأكاذيب وأباطيل لا تنطلي (في ظننهم) إلا على أتباع ذاك المحدِّث من أهل عقيدته. فالمسلم الذي يرى حشود المسيحيين في حضرة بابا الفاتكان في القداس الأكبر لا يرى في ذلك إلا جمعا من العامة يقودهم كبيرهم كما يقود الراعي الخرافَ إلى مرعاها، فهم يأكلون ما يقدّم لهم ويشربون متى ظن أنهم بحاجة إلى الماء، فلا يشربون إلا إنْ هو رغب أن يسقيهم. فترى أفواههم وأيديهم تتطاول إلى قطرات الماء التي تتطاير من إبريقه تجاههم.
والصورة تتكرر معكوسة متى ما نظر أهل الدين المسيحي لقطعان الطوائف من المسلمين والبوذيين واليهود (وغيرهم) يلهثون وراء كبيرهم، ينهلون من علمه "الغزير"، يتسابقون في تقبيل يده، ويتباركون بثوبه، وهم يظنون أنه وحده من سيسكن الفردوس الأعلى، فيتوددون له، علّهم يكونوا من رفقائه هناك، ويكأن مفاتح أبواب الجنان قد صكّت، وما استودعت إلا في جيبه.
السؤال: هل يستطيع معتقد بديانة ما (أو صاحب مذهب ديني) أن ينظر إلى نفسه بعين النقد التي ينظر بها إلى غيره؟ أي، هل يستطيع اليهودي أن ينتقد نفسه كما يفعل عندما يصبّ جام غضبه على أهل الإسلام وهو ينتقد طقوسهم وشرائعهم؟ وهل يستطيع من هو مسلم الديانة أن يتفهم وجه نظر النصراني الذي يقف ساعات طويلة ينتظر أن يطل عليه بابا الفاتكان برأسه من شباكه؟ وهل يستطيع أن يتفهم البوذي الذي يكاد يغرق لأيام في نهر من الماء ويصعد أسابيع إلى رأس جبل ليؤدي طقوس الحج هل يستطيع هذا أن يتفهم لِم يذهب المسلمون في رحلة طويلة ليلفوا أشواطا سبعة حول حجر في قلب الصحراء الملتهبة؟ وهل يستطيع من يلبس القلنسوة ويطيل جدائله حتى أكتافه من أهل الديانة اليهودية أن يتفهم لِم يرفع المسلم ثوبه حتى أوسط ساقه ويطيل لحيته حتى تغطي منكبيه؟ والعكس صحيح.
السؤال: هل تستطيع فيفي عبده أن تتفهم أن الرقص قد تغيّر في عصر صافيناز؟ من يدري؟!!!
رأينا: أما نحن، فإن المنهجية الأكاديمية العلمية (التي تعلّمناها في البحث) هي سبيلنا الوحيد للوصول إلى الحقيقة أو جزء منها. لذا نحن نضع الجميع في ميزان واحد، نحاكم معتقداتهم وتصرفاتهم بنفس المعايير، فلا نكيل بمكيال لطائفة ونكيل بمكيال آخر لطائفة أخرى. ولا نعظم ما لنا ونبخس ما عند غيرنا. ولمّا كنا غارقين في البحث في الفكر الذي نعرفه (الفكر الإسلامي)، فإننا لا نتردد أن نضع الأمور كلها على طاولة البحث، فما يصمد منها في النقد فهو طريقنا، وما يفشل تركناه ولو أن أهل الأرض جميعا تمسّكوا به. ولا ننظر إلى الأمر بعين العاشق الذي يغلق عينه الأخرى (التي قد تبدي له بعض العيوب) مادام أن المعشوق هو المنظور إليه.
والأهم من ذلك كله هو أننا لا نتردد في طرح الأسئلة جميعا متى ما وضع الموضوع على طاولة النقاش، فليس هناك سؤال ممنوع طرحه وآخر مسموح مناقشته حتى الثمالة. فالعقائد السليمة (نحن نفتري الظن) هي القادرة على الإجابة على كل التساؤلات، والعقائد المنهارة (نحن نجزم القول) هي التي لا تستطيع أن تصمد أمام سؤال قد يخطر على بال الكثيرين فلا يتجرءون على طرحه خوفا من أن تنهار عقيدتهم. فإلى اللذين يخشون من أسئلتي خوفا من أن تنهار عقيدتهم، فإننا ننصحهم بعدم متابعة القراءة بعد هذا السطر لأن هناك أسئلة غاية في الخطورة ستوضع على طاولة البحث والنقاش قد لا تطيق أذنيه سماعها، وقد لا يتحمل قلبه المملوء بالإيمان إلا أن ينكرها، ويكيل التهم بالكفر والزندقة والعمالة لكل من يثيرها حتى قبل أن يسمع قولنا فيها.
قصة شخصية
عندما "هربت" من جامعة اليرموك خوفا من العقاب الذي كان ينتظرني نتيجة "المحاكمة التاريخية" التي جرت لي بسبب آرائي العقائدية، والتي شكلّ لجنة التحقيق لي رئيس جامعة اليرموك الأستاذ الدكتور عبدالله الموسى حينئذ، وتألفت من الأساتذة التالية أسماؤهم:
- الأستاذ الدكتور إبراهيم أبو الجرايش- عميد كلية العلوم – رئيسا
- الأستاذ الدكتور محمد الطوالبه – عميد كلية التربية – عضوا
- الأستاذ الدكتور رياض المومني – عميد كلية الاقتصاد – عضوا
- الأستاذ الدكتور عبدالرؤوف الخرابشه - عميد كلية الشريعة - عضوا
كانت جامعة جدارا مشكورة ممثلة برئيسها حينئذ هي من أعطتني فرصة التدريس فيها حتى انتهاء القضية التي انتهت بإيقاع عقوبة الإنذار المشدّد بحقي لم "اقترفت من الإثم" بحق عقيدة آبائهم وأجدادهم في غرفة الصف، حيث كانت حجتهم الكبرى في تمرير تلك العقوبة أن هذه القضايا يجب أن لا تطرق على مسامع طلبة الجامعة لأنهم (في ظن الأساتذة الكرام) لا زالوا غير قادرين على تمييز ما يفيدهم (كعقائد الآباء والأجداد) وما يضرهم (كافتراءاتنا وتخريصاتنا).
ولا أعلم ما السبب الذي دفع بالقائمين على جامعة جدارا بإيوائي حينئذ (بعد هذه الهزيمة النكراء لي في جامعة اليرموك) بالرغم أن رئيس قسم اللغة الانجليزية هناك قد أكد لي لاحقا أن التحذيرات من قبولي كـ عضو هيئة تدريس في قسمهم قد جاءتهم تباعا من مطاردي اللذين كان همّهم الأول هو – لا نشك- حماية دينهم وعقائدهم من هذا "الزنديق المارق". لكن بالرغم من ذلك تم إعطائي فرصة التدريس عندهم حوالي سنة ونصف من الزمن، لذا انتهز الفرصة أن أقدِّم لهم بالغ شكري بالرغم أني على يقين أن حاجتهم للاعتماد بتوفير هيئة تدريسية من خريجي الجامعات الأمريكية ربما كانت هي المحرك الأساسي وراء قرارهم الجريء ذاك.
على أية حال، ما أود أن أبيّنه هو أنه في خلال فترة تدريسي في جامعة جدارا حاولت قدر المستطاع أن أتجنب النقاش في تلك القضايا في غرفة الصف مع طلبة الجامعة، فقد تعلمت الدرس مما حصل لي في جامعة اليرموك. لكن – يجب أن أعترف- جرت لقاءات قليلة مع بعض أساتذة الجامعة، وحصلت بعض المناقشات "الفكرية" مع أهل الدراية من أولئك الأساتذة الكرام. وربما لا أبالغ أن أقول بأنه كان لتلك الحوارات (على محدوديتها) صدى لا بأس فيه في أروقة الجامعة حينئذ (وربما يعزى بعض ذلك إلى صغر حجم الجامعة كجامعة خاصة ناشئة في بلد مثل الأردن). وقد تمثل هذا الصدى في ملاحظتين رئيسيتين: أولهما، ازدياد عدد أعضاء هيئة التدريس الراغبين بالمشاركة في تلك النقاشات من أصحاب التخصصات المتنوعة، فكان هناك من أهل التاريخ واللغة والهندسة، وغيرها. وثانيهما، ازدياد الجدل في المواضيع التي كانت تطرح في تلك الاجتماعات في أروقة الجامعة خارج حلقات النقاش حينئذ.
لكن كانت المفاجأة للكثيرين من أولئك المشاركين في النقاشات (وإن لم تكن مفاجئة لي على الإطلاق) هي دعوتي الفورية للحضور إلى مكتب رئيس الجامعة على جانب من الاستعجال. وما أن دخلت مكتبه حتى بدأت "النصائح بالتعقل" تنهال" عليّ من محدثي، مبطّنة – لا شك- ببعض التهديدات من صاحب القرار إن لم أكف أنا شخصيا عن هذا الفعل "ربما المشين" في نظرهم. فكانت وجهة نظرهم أني قد تجاوزت الخطوط الحمراء المسوح بها في ذلك الصرح الأكاديمي المميز (فهي قبل ذلك وبعده آثرت أن تسمي نفسها جامعة جدارا للتميّز).
ما أن انتهى محدثي من مقدمته تلك المملوءة بالترغيب تارة والترهيب تارة أخرى (خصوصا الجزء الرابع منه) حتى جاء جلُّ ردي على الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة (بما أسعفتني به قدرتي اللغوية المحدودة حينها) على نحو ما يمكن تلخيصه بقولي التالي: "لاحظ سيدي رئيس الجامعة الموقر أنك تتحدث عن حواري مع أعضاء هيئة التدريس في جامعة أكاديمية علمية (أي من هم من حملة الشهادات العليا، أصحاب الخبرات التدريسية اللذين من المفترض أنهم بالغين عاقلين راشدين – بمفردات سادتنا أهل العلم). فإذا كان تحذيرك لي ينطوي على تخوفك على هؤلاء الأساتذة الكرام من أذى يصيبهم مني، فهذا يعني في نظري واحد من أمرين لا ثالث لهما:
- أني رجل صاحب فكر حقيقي، مادام أني استطيع أن أُحدث تأثيرا في مثل هذه العينة من الناس، وإنْ صحّ هذا الظن فيجب عندها أن تنزلي منزلتي وتضعني في قدري الذي استحق. فمن يستطيع أن يحدث تأثيرا في فكر أهل العلم أنفسهم فهذا شخص لا يستهان به – وهذا شرف لا أظن أني ادعيه، ولكن تصرفاتكم هي ما تؤكده
- وإن لم أكن كذلك، فعليك إذن أن تبحث عن المشكلة عند "رجالاتك" (باللغة الأردنية الدارجة) اللذين تظن أنهم أهل علم (وأصحاب شهادات علمية رفيعة). فكيف يستطيع "تافه" من مثلي (ربما قلت له) أن يتلاعب بعقول اساتذة كرام من أمثال هؤلاء. وهذا اتهام خطير لا أريد أن أصل إليه، إلا أن مخاوفكم المزعومة هي ما يمكن أن تشير إليه."
عندها عاد رئيس الجامعة إلى القضية فورا ليذكّرني بأن هذا الدين العظيم (أي إسلامهم) لا يمكن لأحد (مهما بلغ علمه كشخص مثلي – ربما كان يظن) أن يحدث فيه خرابا أو أن يترك فيه تأثيرا سلبيا مادام أنه دين الله الذي أنزله، وتكفّل بحفظه (على حد فهمي لكلامه). ولكن المشكّكين - أصحاب الإيمان المتزعزع (ولا أدري من كان يقصد – ربما مش أنا، من يدري؟)- هم من يطرحون التساؤلات المشبوهة، وهم من يتصيّدون في الماء العكر، وهم من يثيرون البلبلة (بالمفردات الأردنية) ربما لأغراض وأجندة خاصة بهم (ربما ما كانش يئصدني، من يدري؟). وأن مهمته كرئيس جامعة أن يحافظ على سمعة الجامعة التي يرأسها ويحفظ لها هيبتها من كل مارق وزنديق (ربما كان سيقول)، وأنه (بعد أن رفع نبرة صوته) لن يسمح بأي خلل يمس العقيدة والدين في هذا الصرح الأكاديمي. وأنه...وأنه...، الخ.
فما كان مني إلا أن وافقته الرأي على الفور (بالإشارات البدنية وتعابير وجه الولد الصغير الخائف المقرّ بذنبه أمام والده الذي هو أعرف بمصلحته من نفسه)، وحاولت الانسحاب (جبنا – لا شك) من الموقف لأني على يقين بأن غيره لن يكون أقل حدة في الكلام، لغيرته وحرقته على عقيدة آباءه وأجداده!
السؤال الذي كنت أتمنى من محاوري أن يسمعه مني (لو أني كنت أظن أنه سيعطي نفسه فرصة التفكر به قبل أن ينهال بالتهم المبطنة على أعداء عقيدة آباءه وأجداده كما فهمت من كلامه) هو: هل مجرد طرح التساؤلات – يا رئيس الجامعة- تؤثر في العقيدة؟ وهل عقيدة آباءك وأجدادك أضعف من أن تتحمل مجرد طرح السؤال؟ وما الذي تفعله أنت (كأستاذ جامعي) في قاعة الدرس مع طلابك؟ ولم نحضر الطلاب إلى غرفة صفيّة إذا لم يكن الهدف هو أن تطرق مسامعهم تساؤلات تحتاج إلى إجابات؟ وهل يمكن الوصول إلى إجابات إذا لم تطرح التساؤلات على طاولة البحث العلمي؟ أليس هذا هو منهج البحث العلمي الذي درَسناه ودرّسناه كأساتذة جامعين هدفهم التقدم في عالم المعرفة والبحث العلمي؟ من يدري؟!
رأينا المفترى: نعم. نحن نظن أن طرح التساؤلات تؤثر في العقيدة في واحدة من اتجاهين لا ثالث لهما:
- إذا كانت العقيدة كاذبة "مفتراة من عند أنفسنا" فهي لن تصمد أمام طرح التساؤلات، ولذا ستبان على الفور عيوبُها، لأن ما هو بشري المصدر لن يصل إلى مرحلة الكمال مهما بلغت درجة إتقانه، ومهما انفق فيه من وقت وجهد.
- إذا كانت العقيدة صحيحة "مفتراة من عند الله" فهي ستصمد أمام جميع التساؤلات مهما كانت، وذلك لأن ما هو إلهي هو مطلق الكمال والثبات، لا يمكن اختراقه ولو اجتمعت الجن والإنس على ذلك.
الدليل
خروج عن النص في استراحة فكرية قصيرة مقدمة لطرح تساؤلات أكثر خطورة
إذن، هل تتحمل – عزيزي القارئ- أن تطرق مسامعك تساؤلات قوية جدا حتى وإن بلغت أزواج النبي وحياته الشخصية؟ هل تستطيع أن تتحمل أسئلة الجميع (المؤيد والمعارض) على حد سواء؟ هل ستعطي نفسك الفرصة أن تسمع السؤال لتفكر بالرد بكل رباطة جأش ولياقة في التفكير؟ إذن، دعنا نجرب ذلك قبل الدخول في المحظورات، والهدف أن نرى إن كنت تستطيع معنا صبرا. قال تعالى:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)
انظر – عزيزي القارئ- في هذه الآية الكريمة جيدا، ألا تجد فيها شيئا يدعو إلى التساؤل: كيف نفهم أنه لو كان هذا القرآن من عند غير الله لوجدنا فيه اختلافا كثيرا؟ فهل يعني ذلك أن في القرآن اختلافا قليلا مادام أنه من عند الله؟
رأينا المفترى: لو دققنا بمنطوق الآية الكريمة لوجدنا أن الآية تدل على احتمالين اثنين لا ثالث لهما مبنيان بالكليّة على مصدر هذا القرآن، ألا وهما:
- لو أن هذا القرآن جاء من عند غير الله لوجدنا فيه اختلافا كثيرا، أليس كذلك؟ فالاختلاف الكثير في القرآن كان يمكن أن نجده لو كان مصدر هذا القرآن غير إلهي، أليس كذلك؟
- مادام أن هذا القرآن جاء من عند الله فلن يكون فيه اختلافا كثيرا، أليس كذلك؟
لكن دعنا الآن ندقق أكثر في الاحتمال الثاني جيدا هو إن هذا القرآن لا يوجد فيه اختلافا كثيرا مادام أنه من عند الله، فهل يعني ذلك أنه يوجد في القرآن اختلافا قليلا مادام أنه من عند الله؟ وبكلمات أخرى نحن نسأل: ألا تدل الآية الكريمة على احتمالية وجود الاختلاف القليل في القرآن مادام أنه من عند الله؟
المنطق المفترى على صيغة تساؤل: إذا كنا نحن البشر لا نستطيع أن ننتج قرآنا إلاّ ويكون مملوءً بالاختلاف الكثير، فهل ما أنتجه الإله نفسه كقرآن مفترى من عنده يمكن أن يوجد فيه الاختلاف القليل؟
السؤال القوي جدا: إذا كنا نحن البشر نخطئ كثيرا (عندما ننتج شيئا مكتوبا)، فهل أخطأ الإله قليلا (عندما أنتج هذا القرآن)؟ نحن نسأل فقط (لا تعصب عليّ).
جواب مفترى: لا تغضب عزيزي القارئ على الفور، ولا تجتزئ العبارة من سياقها لتطير بها إلى الناس لتحدثهم من فوق المنابر بما يقوله هذا الزنديق الكبير، وانتظر معنا (إن كنت تستطيع صبرا) لترى كيف أن طرح مثل هذه التساؤلات (بالرغم من شدّة وقعها على الأسماع) لن تفضي إلى الكفر، وإنما إلى الوصول الحقائق بإذن الله ومشيئته. فالسكوت على العلل لن يغير الحال.
السؤال: كيف يمكن الخروج من هذا المأزق الذي وضعنا به أنفسنا عندما حاولنا تدبر هذه الآية الكريمة:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)
التساؤلات
- ما هي الاختلافات التي يمكن أن نجدها لو أن هذا القرآن كان من عند غير الله؟
- ما هي الاختلافات القليلة التي يمكن أن نجدها مادام أن هذا القرآن من عند الله؟
- كيف يمكن أن نجد اختلافات قليلة بما هو من عند الله (كالقرآن)؟
- هل يدعو ما نجده من تلك الاختلافات القليلة في القرآن إلى الريبة والتشكك بمصدر هذا الكتاب العظيم؟
- الخ
رأينا المفترى: نحن نظن أن إشكالية الفهم لهذه الآية الكريمة، والمعضلة في الاستنباطات التي يمكن الخروج بها من منطوق الآية نفسها ربما تتمحور جميعها حول مفردة واحدة فيها، وهي مفردة "لَوَجَدُواْ". فكيف يكون ذلك؟
جواب مفترى متناقض: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون في هذا القرآن اختلافا، كثيرا كان أم قليلا، ولكننا نثبت احتمالية أن نجد فيه اختلافا قليلا - انتهى.
ألا ترى أنك قد جننت – يا رجل؟ ألا ترى أنك تهذي؟ كيف تنفي أن يكون في القرآن أي اختلاف (قليلا كان أم كثيرا) وتؤكد في الوقت ذاته أنه يمكن أن نجد فيه اختلافا قليلا؟ أليس هذا هو التناقض بعينه؟ يسأل صاحبنا.
جواب مفترى: كلا وألف كلا، لأن المشكلة ليست في القرآن ولكنها فينا نحن من نتدبر القرآن. لذا يجب أن نفرق بين ما هو كائن في القرآن فعلا، وما نجده نحن في القرآن. وشتان بين هذا وذاك.
السؤال: كيف ذلك؟
رأينا المفترى: نحن نظن أنه لو جاءت الآية الكريمة على النحو التالي:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لكان فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)
لربما أقررنا على الفور بالوجود الفعلي لبعض الاختلافات القليلة في القرآن نفسه. ولكن لما كانت الآية على النحو التالي:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)
فإن المشكلة إذن تكمن فينا نحن من سنجد في القرآن اختلافات قليلة، وليست المشكلة في القرآن نفسه لأن القرآن نفسه يخلو تماما من الاختلافات بغض النظر عن حجمها.
السؤال: كيف إذن يمكن أن نفهم هذه الآية الكريمة؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن فهمنا لهذه الآية الكريمة هو على النحو التالي:
1. لو كان هذا القرآن من عند غير الله، لوجدنا نحن البشر فيه اختلافا كثيرا، أي لأصبح كل واحد منا (بغض النظر عن درجة علمه فيه، وبغض النظر عن قناعته فيه) يستطيع أن يجد الكثير من هذه الاختلافات في النص نفسه، لأن التناقضات أو لنقل الاختلافات (بين آياته) ستكون واضحة جدا لكثرتها. فلو أعطيتني كتابا من تأليف بشري لاستطعت أن أنقده (من النقد) بكل يسر وسهولة، لأن الهفوات والزلات ستكون كثيرة، ولأن كثيرا من مكوناته ستخالف بعضها بعضا مادام أن الكتاب صناعة بشرية. ولو أعطيت الكتاب نفسه لزميل آخر لي لربما استطاع أن يضيف الكثير لما وجدته أنا من تلك الاختلافات، وهكذا. وسيبقى هذا الكتاب محل نقد مهما تعاقبت الأجيال وبعد الزمان. والمتمرس في مناقشات الرسائل الجامعية يستطيع أن يتصور ذلك بكل يسر وسهولة.
2. بالمقابل، مادام أن هذا القرآن هو مفترى من عند الله، فلن يستطيع الكثيرون أن يجدوا فيه الاختلاف الكثير. ولكن بالرغم من ذلك، فقد يجد البعض (خاصة المتدبر لكتاب الله) بعض الاختلافات القليلة التي يظن أنها موجودة في النص نفسه. وهنا تكمن – في ظننا- المعضلة كلها، لأنه يجب عندها أن نطرح التساؤل التالي على الفور: هل هذه اختلافات حقيقية في النص أم أنها اختلافات تظن أنت (من عثرت عليها) أنها موجودة في النص؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن التفريق بين الأمرين يدعونا إلى إصدار التحذير التالي على الفور: إذا كنت أنا قد وجدت بعض الاختلاف في هذا القرآن، فهذا لا يعني على الإطلاق أن القرآن فيه اختلاف حقا، لأن هذا ما وجدته أنا، وقد لا يكون اختلافا متى ما استطاع شخص آخر أن يبيّنه لي. وهذا ما سنحاول تقديم الدليل علية مع الأمثلة الفعلية من القرآن على الفور بحول الله وتوفيقه.
قواعد اللغة العربية – طه حسن مثالا
السؤال: كم تغنى الخطباء على المنابر بالتميّز التقعيدي (أو لنقل القواعدي) لكتاب الله؟ ألم تسطّر الكتب وتناقش الرسائل الجامعية التي تغنت بدقة كتاب الله من جوانب صياغته اللغوية؟ ألم يستهلك "إعراب" الكتاب الكريم جهد الكثيرين من أبناء الإسلام؟ ألم تستند أعظم مؤلفات الفكر الإسلامي "كدلائل الإعجاز" – مثلا- على التميّز اللغوي لكتاب الله؟ ألم يتحدى الكثيرون من أهل الإيمان سواهم (من أهل الإلحاد) أن يجدوا الاختلافات الخاصة بقواعد العربية (أهل اللسان الفصيح) في كتاب الله؟ ألم تكن حجتهم أصلا أن هذا القرآن قد نزل متحدّيا العرب (أهل الفصاحة) بلغتهم؟
رأينا المفترى: بعد أن اثبت الله رب العرش العظيم (له الحمد والمنّة) أنه أكثر فصاحة من أبي جهل وأمية بن خلف وسهيل بن عمر وعبد العزى بن عبد المطلب (أبي لهب) كما فهمت من منطق أهل الفصاحة، لا أجد بدا إلا أن أسأل: هل فعلا يخلو القرآن الكريم من الاختلافات اللغوية؟ هل يسير القرآن كلُه بقواعد العربية فلا يشذّ منه شيء عن تلك القواعد؟
جواب الخطباء من فوق منابرهم: نعم، لأن هذا القرآن الكريم متقن من حيث الصياغة القواعدية.
السؤال مرة أخرى: هل فعلا يخلو القرآن الكريم من الاختلافات القواعدية؟
جواب المعلمين في صفوفهم على مسامع طلبتهم: نعم، لأن هذا القرآن هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف بك أن تتوقع أن تجد فيه الاختلافات؟ ربما يقول منطقهم!
السؤال مرة ثالثة: هل فعلا يخلو القرآن الكريم من الاختلافات القواعدية؟
جواب طه حسين: كلا. استطيع أن أشير إلى بعض الاختلافات القواعدية في القرآن (نحن نظن أنه سيقول ذلك)
السؤال المطروح على الجميع: ألم يشتهر عن عميد العربية (طه حسين) تلك المقولة المنسوبة إليه التي مفادها أن يعطوه قلما أحمر ليصحح لهم القرآن؟ ألم تقم الدنيا فوق رأس الرجل وما قعدت حتى الساعة عندما سمع منه البعض مثل هذه المقولة (إن صحت الرواية طبعا)؟
المعضلة: بالرغم من تكذيبهم دعوى طه حسن تلك، ألم يعقد الأزهر (ومن هم على شاكلته) المؤتمرات تلو المؤتمرات للرد على "الشبهات" (بمفرداتهم) التي أثارها طه حسن؟ ألم يصبح طه حسن مثالا للكفر والزندقة والإلحاد على منابر الخطباء المدافعين والمنافحين عن عقائد آبائهم وأجدادهم؟ لكن بالرغم من ارتفاع الصوت، هل توقفت المؤتمرات العلمية التي يشارك فيها أهل الدين جنبا إلى جنب مع أهل اللغة للنظر (ولإيجاد تخريج) لما خالف من القرآن قواعد اللغة أن تعقد حتى يومنا هذا؟
المطلوب: بالرغم من هذه الجعجعة التي نظن أنها لم تنتج طحنا في يوم من الأيام بعد، ألا يبقى التساؤل قائما: هل نستطيع أن نجد في كتاب الله الاختلافات في القرآن الخاصة بقواعد العربية؟ ألا نستطيع بكل يسر وسهولة أن نرصد الأمثلة على تلك الاختلافات؟
جواب: نعم نستطيع ذلك. ولكن يجب التنبيه في هذا السياق إلى أمرين أثنين
1. أن هذه الاختلافات ليست كثيرة بل هي قليلة، فالصبغة الغالبة على النص القرآني هي الانضباط اللغوي الدارج، ولكن هناك بعض الأمثلة (على قلتها) التي تخالف هذا الانضباط
2. لن يستطيع الكثيرون أن يجدوا (أو العثور على) هذه الاختلافات، لأن ذلك من الدقة بمكان ما يجعلها الشغل الشاغل للمتخصص العارف بخبايا الأمور. ومن هنا جاء تحذير أهل الدين (نحن نظن) من إثارة مثل هذه القضايا بين الناس لأن ذلك يقع (في ظنهم) في باب إثارة الشبهات. ولكني أخشى أن يكون ديدنهم في ذلك هو مسلك العلماء من أهل الكتاب كما تصوره الآية التالية أحسن تصويرك
وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)
رأينا: لمّا كانت عقيدتنا نحن تتمثل في أن ليس في دين الله ما يمكن أن يثير شبهة، كانت منهجيتنا تلزمنا أن نضع كل شيء على طاولة النقاش، فلا نخفي أو نبدي ما نريد فقط، ومتى نريد فقط، بل يجب أن نبدي كل شيء، ونطرح حوله كل التساؤلات التي يمكن أن تخطر على قلب بشر قبل أن يطرحها غيرنا على مسامعنا فيأخذنا على حين غرة فلا نستطيع أن نرد بما يجب (كما يفعل أبطال البرامج الدينية من سادتنا العلماء أهل الدراية والرواية على الفضائيات المملوكة لأهل العهر والخلاعة). والحالة هذه، يجب (نحن نظن) أن نبدي للناس كل ما ظن أهل الدراية من قبلنا أن من الأفضل إخفاءه حتى لا يحدث بلبلة في قلوب العالمين حول الدين، ويكأن ظنهم أن إبداء هذه الأمور للعامة سيلحق الأذى بهم وبعقيدتهم. ولكن ظننا أن التفكر في كل هذه "المشاكل" التي أشكلت على الناس قرونا من الزمن بطريقة علمية واضحة السبيل والهدف سيؤدي بحول الله وتوفيقه إلى تجليتها وإزالة الشبهة عنها، عندما يبين صحيحها من سقيمها، فيمكث ما ينفع الناس ويذهب الزبد جفاء، لأن الله – لا محالة- متم نوره ولو كره المجرمون. فالله وحده نسأل أن يهدينا إلى نوره الذي ابى إلا أن يتمه - آمين
أما بعد،
نحن نفتري القول بأنه لمّا لم يتمكن أهل الدراية من معرفة كيفية الخروج للناس بتفسيرات مرضية حول هذه القضايا "الشائكة"، آثروا السكوت عليها، لا بل ظهر الكثير منهم ليحذر العامة من الخوض فيها، أو حتى الاستماع لمن يخوض فيها. وإن أنت أردت الدليل على زعمنا هذا، فحاول - عزيزي القارئ - بعد الانتهاء من قراءة هذه المقالة أن تثير بنفسك بعض هذه القضايا التي سنتعرض لها بين الناس، وسترى بأم عينك ردة الفعل عندهم على ذلك.
مثال
حاولنا في الجزء الخامس من مقالتنا تحت عنوان ماذا كتب في الزبور أن نرصد بعض الأمثلة على هذه الاختلافات اللغوية في كتاب الله، ولا نجد ضيرا أن نعيد بعضها هنا، والقصد هو تبيان كيف أن هذه اختلافات وإن وجدناها نحن في كتاب الله إلا أنها (ربما سيبين لنا لاحقا بإذن الله إن هو أذن لنا الإحاطة بشيء من علمه) ليست في الحقيقة اختلافات فعلية في كتاب الله. ولكن لكي يبين لنا ذلك، فلابد بداية من عرضها، ثم محاولة النظر فيها على اختلاف أنواعها بمنظور ربما سيبدو جديدا، قد يغيّر طريقة التفكر فيها.
بداية، لابد من الإشارة إلى أن هذه الاختلافات اللغوية التي وجدناها في كتاب الله متنوعة، فهي صرفية، ونحوية، وإملائية، وإنشائية، وخبرية، الخ. وانظر – إن شئت- فيما وضعنا تحته خطا في الآيات الكريمة التالية:
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) الأعراف
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ آل عمران (147)
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا
كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الأنفال
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الجاثية (25)
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ التوبة (114)
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ النور (31)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) التحريم
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ آل عمران (35)
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا النساء (128)
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ البقرة (89)
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ المؤمنون (21)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ النحل (66)
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ الحج (19)
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) ص
إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ الأنبياء (92)
وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ المؤمنون (52)
قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ طه (63)
وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ سبأ (10)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آل عمران (180)
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ المزمل (20)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ البقرة (62)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ الحج (17)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ المائدة (69)
لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا النساء (162)
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ التوبة (74)
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ التوبة (59)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ الأنفال (32)
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ سبأ (6)
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ فاطر (31)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آل عمران (180)
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ هود (69)
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) الذاريات
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ التوبة (40)
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) الواقعة
السؤال: أليست هذه بعض الاختلافات التي نجدها في كتاب الله؟
السؤال: إذا كنا قد وجدنا هذه الاختلافات في كتاب الله، فهل يعني ذلك أنها فعلا اختلافات حقيقية في كتاب الله؟
جواب مفترى: كلا وألف كلا، فبالرغم أنها اختلافات وجدناها نحن في كتاب الله إلا أنها ليست اختلافات حقيقية في كتاب الله؟
السؤال: لماذا؟
رأينا المفترى: لأنها اختلافات بناء على قواعد لغوية صاغها البشر من عند أنفسهم، فالذي وضعوا ما سُمّي بقواعد العربية هم أناس اجتهدوها من عند أنفسهم بناء على مشاهداتهم الخاصة للغة نفسها، وما أن انتهوا من صياغة تلك القواعد حتى انطلقوا ليسقطوها على النص القرآني. ولمّا سلّم الغالبية الساحقة منا بصحة تلك القواعد التي هي من صناعة البشر، خرج الكثيرون منا بالاستنباط الخاطئ الذي مفاده أن هناك "اختلافات" في كتاب الله، وهي في ظنهم تلك التي لا تتماشى مع قواعدهم التي صاغتها عقول بشرية. والصحيح – في ظننا- أنها ليست أكثر من اختلافات بناء على ما صنعته أيدينا نحن البشر. فمحاكمة النص القرآني (الذي هو صناعة إلهية) بناء على القواعد اللغوية (التي هي صناعة بشرية) هو ما نتج عنه تلك الاختلافات التي وجدناها في النص القرآني. لذا يجب أن يطرح السؤال على النحو التالي: لماذا نسمي هذه اختلافات؟
جواب: لأنها لا تتطابق مع قواعد اللغة.
السؤال الحتمي: ومن الذي وضع تلك القواعد التي سميناها بقواعد العربية؟ أليس نحن البشر من وضع تلك القواعد؟ فمن الذي زعم (كاذبا) أن كان (مثلا) ترفع الأول ويسمى اسمها وتنصب الثاني ويسمى خبرها؟ ألم يدقق من قال ذلك النظر في الآيات الكريمة التالية؟
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) الأعراف
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ آل عمران (147)
وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35) الأنفال
وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الجاثية (25)
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ۚ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ التوبة (114)
ومن الذي أفهمنا أن إنّ (على عكس كان) تنصب الأول ويسمى اسمها وترفع الثاني فيسمى خبرها؟ أليس هم البشر؟ ألم يكن الأجدر بأهل تلك القواعد أن يمعنوا النظر بما جاء في كتاب الله في الآيات الكريمة التالية؟
إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ الأنبياء (92)
وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ المؤمنون (52)
قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ طه (63)
ومن الذي ظن أن الواو تجعل ما يسبقها تابعا لما يلحقها في الحركة الإعرابية؟ ألم يكن الأجدر بهم أن يدققوا في الآيات الكريمة التالية أكثر قليلا؟
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ البقرة (62)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ الحج (17)
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ المائدة (69)
لَٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ۚ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ ۚ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا النساء (162)
يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ۚ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ۚ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ التوبة (74)
وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ التوبة (59)
ومن الذي صاغ قواعد المبتدأ والخبر؟ ألم يكن الأجدر به أن يدقق في كلام الله كما جاء في الآيات الكريمة التالية:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)
وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ الأنفال (32)
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ سبأ (6)
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ فاطر (31)
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ آل عمران (180)
ومن الذي فرّق بين إعراب المفردة والمحل الإعرابي للجملة؟ ألم يكن جديرا به أن يمعن التفكر في الاختلاف الظاهري في الآيات الكريمة التالية؟
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ ۖ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ هود (69)
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) الذاريات
ومن الذي ميّز بين المذكر والمؤنث بأدوات تذكير وتأنيث؟ فكيف له أن يخرجنا من المأزق الذي وجدنا به أنفسنا في الآيات الكريمة التالية:
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ المؤمنون (21)
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ النحل (66)
ومن الذي صاغ قواعد الضبط الإملائي الخاص بالتأنيث؟ فهل تستقيم قواعده مع ما جاء في الآيات الكريمة التالية؟
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) التحريم
إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ۖ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ آل عمران (35)
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا النساء (128)
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ البقرة (89)
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
ومن الذي وضع قواعد الإفراد والتثنية والجمع؟ ألم يكن الأجدر به أن يتأنى قليلا، فينظر مليّا في الآيات الكريمة التالية قبل تسطير ما ظن أنها قواعد للغة القرآن الكريم؟ ألا يحق لنا إذا أن نعتقد جازمين أن تلك القواعد التي هي من صناعة أيدينا قد أوقعتنا فعلا في متاهات لاحقا صعب على الكثيرين منا الخروج منها سالمين؟
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ الحج (19)
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ (22) ص
ومن الذي...؟
ومن الذي...؟
الخ.
المخرج: غالبا عندما تثار هذه القضية على مسامع الناس، تجد أن الأغلبية الساحقة من المستمعين (غير المنصتين) يصلون فورا إلى الاستنتاج الخاطئ من تلقاء أنفسهم بأن في كلامنا هذا تشكيك بكتاب الله نفسه، ويكأن لسان حالهم يقول: أنت إذن تظن أن هذا الكلام (أي ما في القرآن) ليس من عند الله؟! ولشدة وقع الأمر على أسماعهم، غالبا ما تُحرم الفرصة حتى في متابعة النقاش لتوضيح مراد الكلام قبل الخروج باستنباطات خاطئة لا تمت بصلة إلى مقصد القول الذي نحاول تبيانه. فما المخرج إذن؟
رأينا المفترى: نحن ندعو كافة الناس (عالمهم ومتعلمهم) إلى النظر إلى الأمر بصورة معكوسة تماما: فبدل أن تظن أن هناك مشكلة في كتاب الله، فيجب أن تستنبط على الفور بأن المشكلة الحقيقية هي في تلك القواعد التي هي من صناعتنا نحن البشر. فنحن من كتب تلك "البضاعة المزجاة" المسماة بالقواعد، ثم ما تلبث يسيرا حتى أسقطها على كتاب الله، ولسان حاله يقول بأن هذه هي القواعد التي يسير عليها الكلام (كل الكلام) الذي جاء في هذا الكتاب الكريم. ومع مرور الزمن، وثق الناس بهذه القواعد حتى أنزلوها قدسية النص القرآني نفسه. فإن أنت حاولت أن تتشكك في تلك القواعد، فكأنما (لسان حالهم يقول) شككت في كتاب الله نفسه.
رأينا: نحن نرى أن هذه خدعة كبيرة انطلت على الأمة بأكملها لقرون من الزمن، لذا لابد من التوقف فورا عن ذلك، وعكس الصورة تماما، لإعادة النظر في تلك "البضاعة المزجاة" بواحدة من طريقتين لا ثالث لهما:
1. إعادة النظر في تلك القواعد لتنقيتها من الشوائب، بما يتلاءم مع كل ما جاء في كتاب الله. فبدل أن نضع قواعد من عند أنفسنا ثم نسقطها على كتاب الله، فالأولى بنا (نحن نظن) أن نقرأ أولا كل ما في كتاب الله ثم نحاول صياغة تلك القواعد (إن استطعنا) بطريقة لا ينقضها الدليل والمثال من كتاب الله.
2. ترك تلك القواعد بكليتها وتدبر كتاب الله بعيدا عنها
موقفنا المبدئي: نحن نظن أننا سنسلك الطريق الثاني، حتى وإن كلفنا ذلك التخلي عن الموروث بأكمله، فالتوقف عن الخطأ أفضل من التمادي فيه. فلا يجب أن نركب رؤوسنا إن كنا مخطئين، ولا يجوز أن نحلف برؤوس آبائنا إن لم نكن سالكين جادّة الصواب. لأن ذلك لا يكون إلا سلوك الإعرابي (ولا أعرف العلاقة بين الإعرابي في أصله والإعراب في اللغة) الذي فقد طريقة في وسط الصحراء، وبدل أن يرجع إلى الوراء ليتلمس معالم الطريق من جديد حلف برأس أبيه وتابع مسيره إلى المجهول.
السؤال: وكيف ذلك؟
رأينا: نحن لا نظن أبدا أن الله هو من قال لنا بأن "كان وأخواتها" ترفع الأول وتنصب الثاني، ولا أظن أن الله قد أنبنا بأن "إن وأخواتها" تعمل العكس تماما، ولا أعتقد أن الله هو من ألزمنا بأن حرف الواو يجعل المعطوف تابعا للمعطوف عليه في الحركة الإعرابية، ولا ... ولا ...، الخ.
القضية الأخطر: لم يتوقف "التهريج" عند هذا الحد، بل لقد ظهرت المؤلفات التي اشتغلت بما يسمى بعلم "الإعراب" فأجازت ما سمّوه (ظلما لأنفسهم) الزيادات في كتاب الله، فبعض الأحرف الواردة في كتاب الله، هي عندهم زائدة، وبعضها لا محل لها من الإعراب، وهكذا. ولينظر المجادل في الأدب المتوافر حول هذا الموضوع عند أهل الاختصاص.
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن أن هذه "التخريفات" كانت صنيعة من ظنوا أنهم قد امتلكوا ناصية الحقيقة، فوضعوا "القواعد" لكلام أبائهم وأجدادهم، وأقحموا كلام الله في تلك المهاترات، وكانت الطامة على رؤوسنا أنهم أجبروا النص القرآني للخضوع لقواعدهم المفتراة من عند أنفسنا، فظهر في النص القرآني ما يخالف تلك القواعد، فكانت في ظن الكثيرين اختلافات في النص القرآني وهي في الحقيقة ليست أكثر من اختلافات وجدوها في النص القرآني والنص القرآني منها (نحن نفتري الظن) براء:
أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (82)
المعضلة: نحن نرى أن المعضلة قد بدأت عندما لم يجعلوا القرآن الكريم حكماً على قواعدهم التي صاغتها عقولهم. فبدل أن يجعلوا القرآن الكريم حكما على تراثهم، جعلوا تراث أبائهم وأجدادهم حكماً على كتاب الله – وشتان بين هذا وذاك. السؤال لماذا؟
رأينا: لأن القرآن كلام مفترى من عند الله بينما القواعد هي أقوال مفتراة من عند أنفسهم
السؤال: ما الفرق بين ما هو مفترى من عند الله (كالقرآن) وما هو مفترى من عند أنفسنا (كالقواعد)؟
باب: القرآن كلام مفترى
لا شك أن جملة كهذه ستقيم الدنيا فوق رؤوسنا وقد لا تقعدها لو أنها اجتزءت من سياقها، وطار بها سارقها ليحدث الناس بها بناء على فهمه هو لها. وقد لا تطيق أسماع الحاضرين لجلساته الليلة من محبيه المنافحين عن عقائد آبائهم وأجدادهم سماع مثل هذه العبارات، فهي أكبر – في ظننا- من قدرتهم على التحمل، فهؤلاء قوم لن يستطيعوا معنا صبرا، وهم اللذين نطلب منهم أن لا يحملوا كلامنا محمل الجد، وأن يأخذونا (كما نقول بالعامية) على قد عقولنا. أما للذين يستطيعون صبرا على مثل هذا الكلام، فسنحاول أن نسوق المثال لتبيان مراد قولنا المفترى بأن هذا القرآن هو كلام مفترى من عند الله
السؤال: ما هو الافتراء أولا؟ وما معنى أن يكون الشيء مفترى؟
جواب: لو راجعنا قواميس اللغة العربية جميعها، وألسنة الخطباء والفصحاء من أبناء العربية الذين يُشهَد لهم بأنهم قد امتلكوا ناصيتها، لوجدنا أنهم غالبا ما يربطون مفهوم الافتراء بالكذب، فهم يظنون أن المفترى من القول هو القول الذي فيه الكذب، أليس كذلك؟
رأينا: كلا وألف كلا، نحن نظن أن لا علاقة لافتراء القول بالكذب فيه. فالكلام المفترى ليس كلاما كاذبا أبدا، بل هو كلام حق لا جدال فيه.
الدليل
نحن نظن أن الدليل على ذلك يأتي من الآيات الكريمة الكثيرة التي تفرق بين الكلام المفترى من جهة والكلام المفترى كذبا من جهة أخرى، فهناك العديد من الآيات القرآنية التي تورد لفظ الكذب مصاحبا لمفردة الافتراء (ومشتقاتها)، لو كان الافتراء بحد ذاته ينطوي على وجود الكذب فيه لأصبح ذلك من باب حشو الكلام، وانظر – إن شئت- في الآيات الكريمة التالية:
فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (94)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93)
وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144)
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُواْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (37)
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)
هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38)
أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ (68)
السؤال: لم جاءت مفردة الافتراء مصاحبة لمفردة الكذب في جميع هذه السياقات القرآنية (افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا
رأينا المفترى: لو كان الافتراء بحد ذاته يحمل في ثناياه معنى الكذب، فلا أظن أن هناك ضرورة لأن ترد مفردة الكذب مصاحبة لها (إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ)، فما الداعي أن تأتي مفردة الكذب مصاحبة لمفردة الافتراء في جميع هذه السياقات القرآنية إن كان الافتراء يحمل في ثناياه معنى الكذب؟ ألا يكفي عندها أن ترد مفردة الافتراء لوحدها؟ نحن نتساءل.
رأينا: نحن نظن أن الافتراء لا يحمل معنى الكذب إلا إذا جاءت مفردة الكذب مصاحبة لها كما في جميع السياقات السابقة، وانظر - عزيزي القارئ- في هذه الآية الكريمة من هذا الجانب:
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105)
نتيجة: مادام أن هناك من يفتري الكذب، فلابد أن هناك من يفتري القول فقط، أليس كذلك؟
السؤال: وهل هناك سياقات قرآنية ترد فيها مفردة الافتراء غير مصاحبة لمفردة الكذب؟
جواب: انظر الآية الكريمة:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (43)
لاحظ كيف أن مفردة الافتراء قد جاءت مصاحبة لمفردة الإفك، الذي هو أصلا (نحن نظن) اتهام الآخرين بالباطل.
السؤال: وهل جاءت مفردة الافتراء لوحدها؟
جواب: انظر الآية الكريمة التالية جيدا:
إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48)
ألا تدل هذه الآية الكريمة أن الكاذب هو من يفتري الكذب، ولكن من يفتري القول فهو ليس بكاذب؟ وإلاّ لما كان لهؤلاء الفئة من الناس الذين يفترون الإثم مشكلة تذكر، لأن الإثم سيكون غير موجود أصلا مادام أنه قد جاء من باب الكذب في القول. لأن قولهم يصبح حينها من باب قولهم الكذب الذي لا يقصدونه، فلو كان شركهم الذي جاء من باب الافتراء هو من القول الكاذب، لأصبحت مشكلتهم سهلة لا تستدعي أن لا يغفر الله لهم. لكن لما كان الافتراء (كما نظن) هو قول حق يقصده صاحبه بلفظه، فإن قولهم بالشرك هو من باب القول المقصود لذاته، لذا استحقوا أن لا يغفر الله لهم بسبب فعلتهم تلك لأنهم افتروا (عن قناعة) الإثم العظيم:
لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225)
ولكني أظن أن هذا ليس دليلاً قطعيا على صحة ما نزعم، أليس كذلك؟ فهل هناك سياقات قرآنية أخرى يمكن الاستدلال من خلالها على صحة ما نقول؟
جواب: انظر السياقات القرآنية التالية التي تتحدث عن ما قاله المشركون بحق النبي محمد وعلاقته بكتاب الله:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8)
السؤال: هل يعتقد المشركون أن ما جاء به محمد هو كلام كاذب؟
رأينا: كلا وألف كلا، لو كان كذلك، لما كانوا بحاجة أن يتحدثوا عن مصدر ذلك الكتاب، لأن مشكلة المشركين هنا في ظننا تكمن في مصدر ذلك الكتاب، وليس بما جاء فيه، فهم يظنون أن هذا الكلام هو من صنع محمد نفسه، لذا فهم يظنون أن محمدا هو من افترى ذلك الكلام. لذا جاء دفاع محمد عن نفسه بنص القرآن نفسه على النحو التالي:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35)
وقد كان جلّ جهد المشركين منصبا على أن يقنعوا محمد بأن يفتري كلاما غير الذي يأتيه من عند ربه:
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73)
والآن حاول – عزيزي القارئ- أن تربط هذه الآية الكريمة السابقة بالآية الكريمة التالية:
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)
نتيجة: يحاول المشركون أن يقنعوا محمدا بأن يأتيهم بقرآن غير هذا أو أن يبدل هذا القرآن، فهم يريدونه أن يفتري الكلام من تلقاء نفسه (ولكنهم بالتأكيد لا يطلبون منه أن يكون كلامه الجديد المفترى فيه الكذب). فهل يستطيع محمد أن يفتري هذا القرآن من تلقاء نفسه؟
جواب، كلا، فـ لكي يستطيع محمد أن يفتري هذا القرآن فلابد له من مساعدة خارجية، فمن الذي ساعد محمد أن يفتري هذا القرآن؟
جواب مفترى: الله هو من ساعد محمدا حتى استطاع محمد أن يفتري هذا القرآن. كلام خطير جدا جدا. فأين الدليل على ما تفتريه من قول؟
جواب: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية تقدم لنا الدليل (حسب فهمنا لها بالطبع) على أن هذا القرآن هو كلام مفترى، فانظر – عزيزي القارئ- السياق جيدا:
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (37)
ألا تدل هذه الآية الكريمة - عزيزي القارئ – على أن القرآن هو فعلا كلام مفترى، ولكن من الذي افترى هذا القرآن، أليس محمد هو من افتراه بتأييد من ربه (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ)؟ وهل يستطيع محمد أن يكذب القولَ فيه في ضوء ما جاء في قوله تعالى:
إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن محمد كان يفتري القول (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ)، ولكن قول محمد كان يختلف عن قول الشعراء (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ) أو قول الكهنة (وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، لأنه كان يتنزل إليه من ربه (تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)، ولم يكن محمد يستطيع أن يضيف فيه شيء من عنده (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ)، لأن النتيجة ستكون وخيمة جدا (لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46))
السؤال: ما معنى الافتراء إذن؟ وكيف يختلف القول المفترى عن القول المفترى كذبا؟
رأينا: نحن نظن أن القول المفترى كذبا هو القول الذي فيه الكذب، وهو الذي يكون قائله قد قصد (عن نية مسبقة) تمرير معلومة كاذبة غير صادقة، لذا فالمتكلم يعلم في قرارة نفسه أن ما يقوله ليس صحيحا وأن الهدف من ذلك هو تشويه الحقيقة أو التغطية عليها. فيكون بذلك قد افترى كذبا.
أما من يفتري القول فقط، فهو الذي يقول المعلومة وهو مصدّق لما فيها، ويظن أن ما جاء فيها صحيحا، ويكون غرضه إيصال الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة. ولكن هذا لا ينفي احتمالية أن تكون المعلومة بحد ذاتها خاطئة، فقد أفتري أنا قولا (ظانا ومؤمنا أن ما أقوله صحيحا)، فيتبين بعد ذلك أنه لم يكن كذلك، ويتبين خطأه بالدليل القاطع، لذا فإن صحة المعلومة أو خطأها ليست ركنا أساسيا في القول المفترى ولكن ما هو أساسي في افتراء القول هو قصد (ولنقل نيّة) المتكلم فقط، فمادام أن المتكلم يصدّق كلامه ولا يقصد به تشويه الحقيقة أو إخفاء شيء منها، فكلامه يأتي من باب افتراء القول، ولا يندرج في باب القول المفترى كذبا إطلاقا.
ولكن لماذا؟
رأينا: نحن نظن أن السبب في ذلك هو وضع الكلام للاختبار والتدليل عليه بالبرهان، فالكلام المفترى هو الكلام الذي يمكن اختباره لإثبات صحته أو خطأه بالبرهان، فعندما أقول أنا قولا ما، وأكون مقتنعا بصحة ما أقول، فإن ذلك يقع في باب افتراء القول (ولكنه ليس من باب افتراء الكذب مادام أني لا اقصد الكذب فيه). و يمكن أن تقول أنت أيضا قولا آخر مختلفا تماما، وتكون مقتنعا بصحته فيكون كلامك أيضا من باب افتراء القول (ولكنه ليس من باب افتراء الكذب مادام أنك لا تقصد الكذب فيه). وربما يكون قولي (ما قلت أنا) وقولك (ما قلت أنت) متعاكسان تماما (بالضبط كما في حالة الجدال العلمي الذي يحصل بين أهل الاختصاص)، فكيف يمكن فض الخلاف بيننا؟
جواب: بالدليل، فعندما يحدث صراع فكري بين أهل العلم، يقدم كل طرف قوله في المسألة، ظانا بصحة ما يقول، فيدافع عنه بكل ما أوتي من علم، ولكن الغلبة تكون – في نهاية المطاف- لمن يقدم البرهان على صحة ما يقول. فمن يستطيع تقديم الدليل على إثبات صحة قوله (أو ربما تقديم الدليل على إبطال قول خصمه)، فهو الذي يجب أن تكون له الحجة على خصمه، أليس كذلك؟
السؤال: وهل ينطبق مثل هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا على القرآن الكريم؟
جواب: نعم، نحن نظن أن هذا المنطق يمكن أن يطبق على القرآن الكريم نفسه، ولكن أين الدليل على ذلك؟
جواب: نحن نظن أن الإله هو إله، وهو يسأل ولا يسأل، أليس كذلك؟
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)
ولكن بالرغم من ذلك، هل قال الله لنا في كتابه الكريم أن هذا القرآن هو كلامه، ومادام كذلك فهو صحيح، ويجب علينا أن نأخذه حتى دون دليل؟ وبكلمات أخرى نقول: هل استخدم الله نفوذه كإله وطلب من الناس الانصياع لأمره والأخذ بقوله دون الحاجة إلى الدليل؟
جواب: كلا وألف كلا، هذه ليست منهجية الإله، ولكن منهجيته تلخصت في أمرين أثنين، أولهما أنه قدم بنفسه الدليل على صدق ما يفتري من قول، ويلخص ذلك حسب ظننا قوله تعالى:
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)
وثانيهما أنه تحدى الجن والإنس أن يقدموا الدليل الذي يمكن أن ينقض كلام الإله نفسه، كأن يأتوا بعشر سور من مثله مفتريات:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)
أو أن يجمعوا أمرهم ليأتوا بمثله:
قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)
ونحن نظن أن هذا النهج الإلهي هو ما تلخصه (حسب فهمنا) الآيات الكريمة التالية:
وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111)
أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (24)
أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (64)
نعم، قُلْ (هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ)،إن من أراد أن يثبت أن كلام الله غير صحيح فعليه أن يقدم الدليل على صحة ما يقول (أي البرهان).
نتيجة مفتراة: نحن نظن أن القول المفترى هو القول الصحيح الصادق الذي لا يمكن أن ينقض إلا بالبرهان، فمن يملك البرهان هو الذي يستطيع أن يثبت أو أن ينفي صحة القول المفترى. وما لم يثبت بطلان القول المفترى بالبرهان يبقى صحيحا لا جدال فيه.
نتيجة: وبهذا المنطق المفترى نقول: مادام أنك لا تملك الدليل على إثبات بطلان القرآن الكريم يبقى القرآن هو كلام مفترى، افتراه محمد (ليس من تلقاء نفسه) ولكن بتأييد إلهي:
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (37)
ومما لا شك فيه عندنا أن كلا يفتري على قدره، فأنا أفتري القول ولكن هذا لا ينفي أن لي حدود في العلم لا أستطيع أن أتجاوزها، وكذلك هي الحال بالنسبة للبشر جميعا، فيبقى لكل واحد منا حده الذي لن يتجاوزه مهما بلغ علمه:
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)
فمادام أن فوق كل ذي علم عليم، تبقى الفرصة مهيأة أن نخطئ فيما نفتري من القول وإن لم نكن نقصد الكذب فيه.
ولكن عندما يأتي افتراء القول من عند الإله نفسه، فهل هناك علما يمكن أن يتجاوز علم الإله نفسه:
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً (122)
أليس قول الإله هو الحق بعينه:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)
وهل هناك بعد الحق إلا الضلال:
فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)
نتيجة مهمة جدا جدا: إن كلام الله (أي القرآن) هو كلام مفترى وذلك لأنه يمكن أن يمحّص بالدليل وبالبرهان، ولكن ذلك البرهان أو الدليل سيفضي بلا شك إلى نتيجة واحدة وهي أن قول الله صحيح صادق لا كذب فيه. ولكن كلام البشر ينقسم إلى قسمين:
1. كلام مفترى وهو الكلام الذي يكن صاحبه يقصد الكذب فيه. فهذا كلام مفترى حتى لو ثبت خطأه
2. كلام مفترى كذبا وهو الكلام الذي أسس على الباطل عن قصد وسبق إصرار من مؤلفه
السؤال: ما علاقة حديث الإفك في ذلك؟ وما دخل حديث الإفك بكل هذه التخريصات التي تعرضت لها في هذا الجزء من المقالة؟ هل هناك من رابط بين ما افتريت من قول وما حصل فعلا على أرض الواقع في حديث الإفك؟
جواب: وأنا شو بعرفني! لننتظر الجزء القادم لنرى، سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا فلا نفتري عليه الكذب، وأن ينفذ أمره بمشيئته وإرادته لنا بالإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لغيرنا، إنه هو الواسع العليم - آمين
المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
بقلم: د. رشيد الجراح
2 تشرين أول 2014
أحدث أقدم