هل للغة العربية قدسية خاصة؟ جدلية الكتاب والقرآن (ملخص)


السؤال: لماذا جاءت "معجزة" سيدنا محمداً الخالدة معجزة لغوية (كلامية)؟


جواب: ربما يصل القارئ لهذه الصفحات إلى إجابة أفضل من تلك التي تداولها الفكر الإسلامي منذ زمن طويل.


أما بعد،


لعلنا نسأل القارئ الكريم عن سبب أنْ تكون معجزة سيدنا محمد قرآناً "لغة". فلقد تداول الفكر الإسلامي منذ زمن طويل جواباً قد لا يرضى –على ما نظن- صاحبه. فكان التعليل عند أهل الدراية كما نقله أهل الرواية عنهم فحواه لأنّ قريشاً كانت بارعة في علم البلاغة والكلام، فهذا قول – في رأينا- فيه من السذاجة ما فيه، وأبسط ما يمكن أن ينقض دعواهم تلك سؤال بسيط مفاده: هل الله - سبحانه وتعالى- بحاجة أنْ يتحدى قريشاً ليثبت أنّه أكثر براعة منهم في الكلام؟ وبالمنطق نفسه نقول: هل كان الله بحاجة أنْ يتحدى قوم فرعون ليثبت أنّه أكثر براعة منهم "بالسحر"؟ وهل كان الله بحاجة أنْ يتحدى قوم عيسى ليثبت أنّه أكثر براعة منهم بالطب؟







رأينا: معاذ الله.


الدليل


أولاً، ربما يأتي الدليل على ما نقول من الحقيقة الثابتة وهي أنّ هذا القرآن الكريم ليس كتاباً خاصاً بقريش بل هو للناس كآفة:



وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ سبأ 28



فكيف إذاً يكون القرآن الكريم معجزاً حتى لغير أبناء اللغة العربية؟


رأينا: إنّ افتراض أنّ القرآن الكريم معجزة لغوية لأنّ قريشاً بليغة اللسان يعني أنّ القرآن لا يتعدى إعجازه قريشاً، فهو إذاً ليس معجزاً لي لأني لا أملك لسان قريش، وهو إذاً ليس معجزاً للإنجليز أو الألمان أو الروس وغيرهم ((وكل الفرنجة) لأنهم بكل بساطة لا يملكون لسان ولا فصاحة قريش.


ونحن على يقين أنّ التحدي بإعجاز هذا القرآن لم يكن خاصاً بقريش فقط بل جاء متحدياً بإعجازه للإنس والجن كآفة:



قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا الإسراء 88



والتساؤل البسيط هو: كيف يمكن أنْ يأتي التحدي بالإعجاز لغوياً لأمم لا تعرف اللغة العربية أصلاً؟ أي كيف يمكن لهذه الأمم أنْ تأتي بمثل هذا القرآن ما داموا لا يعرفون حتى الكلام باللسان العربي؟


إنّ مثل هذا التساؤل يدعونا للنظر مرة أخرى في كيفية إعجاز القرآن الكريم، أي كيف يتحدى الله كافة الأمم (إنسها وجنها) نظم سور مثل سوره ما داموا أصلا لا يعرفون حرفاً من حروف العربية؟ فهل تستطيع أنت كعربي أنْ تأتي بمثل أي كتاب (أو جزء من كتاب) كُتِب باللغة الصينية أو الفارسية أو الإنجليزية وأنت لا تعلم تلك اللغة؟ إنّ مثل هذا التحدي إذاً باطل ليس فقط بالنسبة للقرآن الذي مصدره إلهي وإنما لأي كتاب إنساني. إنّ التحدي اللغوي في القرآن الكريم ليس في كونه ميسراً باللسان العربي وإنّما بشيء أكبر من ذلك بكثير. فما هو؟
قبل الإجابة على هذا التساؤل الكبير جداً، لعل من المفيد في هذا السياق التعرض (برأينا) للغة العربية التي بها أُنزل هذا الكتاب، لنطرح التساؤل التالي: هل اللغة العربية لغة مقدسة لأنه بها نظم كتاب الله الخاتم (أي القرآن الكريم)؟ وهل غيرها من اللغات أقل منها قدسية إذن؟ وهل لو اقتضت مشيئة الله أنْ ينزل هذا الكتاب بلغة أخرى (غير العربية) ألا يكون عندها معجزاً؟ وبكلمات أدق، هل جاء الإعجاز من اللغة نفسها أم من منزل الكتاب؟


تفنيد الفكر السائد

لقد ذهب المغرمون بالعربية إلى أبعد مما يجب، حتى درجوا على الربط الذي لا يكاد يفك عراه بين العربية كلغة والقرآن الكريم ككتاب إلهي؟ فتغنوا بها وطيروها وطاروا بها، وتغنى القوميون منهم بالقول:


وسعت كتاب الله لفظاً وغاية          وما ضقت عن آي به وعضات


وتحدث عنها الخطباء على المنابر، واقتبسوا مثل هذه الأقوال في خطبهم وحماسهم للدين، ونسوا ما جاء في كتاب الله ذاته:


قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا الكهف 109


وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لقمان 27



فهل بعد هذا القول من الحق سبحانه يمكن للعربية (أو حتى لـ أي لغة) أنْ تسع كلام الله؟


ثانياً، وماذا ستكون ردة فعل أولئك المتطيرين بلغتهم لو جاء الإدعاء من غيرهم بأنّ الله قد أنزل كتبه وصحفه الأخرى (كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم) بلسان غير عربي؟! فهل كانت تلك الألسنة أكثر قداسة من العربية آنذاك؟ وهل تنتقل القداسة من لغة إلى أخرى بتغير الزمان والأمم؟ وماذا لو زاد أحدهم القول أنّ الله قد "خط بيده" لأمم أخرى بلسانهم كما حصل في حالة ألواح موسى؟


وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ الأعراف 145



فهل تكون تلك اللغة (ولنقل أنّها كانت لغة موسى آنذاك) أكثر قدسية من لغة الأمم الأخرى؟


ثالثاً، ولننظر إلى الأمر من زاوية أخرى، أليست العربية التي أنزل بها القرآن الكريم هي نفسها العربية التي كان يتحدث بها أبو جهل وأبو لهب وأمية بن خلف؟ و أليست اللغة التي كتب الله بها لموسى الألواح هي نفسها التي كان يتخاطب بها موسى وأخيه هارون مع فرعون من قبل والسامري من بعده؟ فأين تكمن القدسية إذاً في لغة أبي جهل وأبي لهب وابن خلف؟ وأين كانت تكمن قدسية لغة خطاب فرعون والسامري؟ (أرجو أن لا تقتبسوا هذه الفقرة بمعزل عن النص الكامل الذي وردت من أجله)


رابعاً، وماذا لو قال ثالث أنّ الله تحدث معكم بالعربية فإلهكم إذاً عربي، وإلههم تحدث معهم بالعبرانية فهو إذاً عبراني، بينما لم يتكلم معنا إلهنا بلساننا أو حتى بلسان نفهمه، فنحن إذاً ليس لنا إله، فلا زلنا ننتظره، فإن كان أصلاً موجود فليرسل إلينا بلساننا.


ربما قد يثير مثل هذا الكلام حفيظة المتحمسين للغتهم، ولكن جل ما أود إثارته هو أنّ كتاب الله هذا (القرآن الكريم) لا يكمن إعجازه – في رأينا- بكونه عربي ولا يكمن إعجاز ما جاء في ألواح موسى كونها كتبت بالعبرانية، ولم يكمن إعجاز كتاب أنزله الله كونه كتب بالعربية أو العبرية أو الآرامية أو الفارسية أو حتى الانجليزية والألمانية والصينية والروسية وغيرها. تنزه وتجلى الإله أنْ يتخذ جنسيته من هذه اللغات، قال تعالى


فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا مريم 97


فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ الدخان 58


وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إبراهيم 4





ألا يعني ذلك أنّ محمداً رسول كباقي الرسل أرسل بلسان قومه ليبين لهم:



وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ آل عمران 144


فأين إذاً يكمن الإعجاز في لغة القرآن أو حتى الإنجيل والتوراة والألواح وصحف إبراهيم وزبور داود؟


افتراء من عند أنفسنا: إننا نزعم الظن بأنّ القرآن الكريم جاء بلسان محمد كما جاء الإنجيل بلسان عيسى والتوراة بلسان موسى والصحف بلسان إبراهيم والزبور بلسان داوود، ولكن لم تكن أي من هذه اللغات هي لغة الله نفسه على الرغم أنهم بمجملهم من عند الله، فالله سبحانه قد يسّرهم بلسان أقوام الأنبياء الذين أرسلوا إليهم، ولكنهم جميعاً جاءوا من مصدر واحد، المصدر الذي منه ينبعث نور الله، أي العلم الذي انطوت عليه تلك الكتب مجتمعة، فأخفق من أرسلت إليهم تلك الكتب في حفظ كتبهم كما أُنزلت إليهم، وتكرم الله على هذه الأمة بأنْ تعهد لها حفظ كتابها:


إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ[1] الحجر 9
سؤال: من أين جاءت جميع كتب الله؟
ما هو المصدر الذي جاءت منه جميع هذه الكتب؟ فنحن نعرف أنّ هناك القرآن والإنجيل والتوراة والألواح والصحف والزبور وجميعها جاءت من مصدر واحد، أليس كذلك؟ ألا يحق لنا عزيزي القارئ أن نطرح التساؤل التالي: هل - يا ترى- يمكن أنْ يكون كل من هذه مكتوب (في المصدر) باللسان الذي يسره الله به؟ أي هل كان الإنجيل في ذلك المصدر الإلهي الذي جاء منه آراميا؟ وهل كان التوراة في ذلك المصدر عبرانياً؟ وهل كان القرآن في ذلك المصدر عربياً؟
رأينا: نحن نظن أن الجواب هو النفي بكل تأكيد، لذا نحن نتجرأ على تقديم افتراء من عند أنفسنا مفاده أن التوراة والإنجيل والقرآن (وجميع كتب الله) كانت في المصدر منسوخة بلغة واحدة، ولكنَ الله – كما ذكرنا سابقاً- يَسَّر كلا منها بلسان قوم النبي الذي أرسله الله إليهم. ويقودنا هذا الطرح إلى سؤالين اثنين:
1.     ما هو ذلك المصدر؟
2.     وما هي تلك اللغة؟
للإجابة على هذين السؤالين فإننا ندعو القارئ الكريم إلى إمعان النظر في بداية سورة البقرة:
           الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)                                                      البقرة 1-2
فما هو الكتاب الذي تشير إليه الآية الكريمة؟
تفند الفكر السائد
لقد درج جل الفكر الإسلامي على فهم هذه الآية على أنها تتحدث عن القرآن الكريم، وقليل من ظنّ أنها تتحدث عن التوراة والإنجيل (انظر مثلاً تفسير ابن كثير). أي أنّ الكتاب المذكور في هذه الآية هو القرآن الكريم، وقد أجهدوا أنفسهم للإجابة على استفسار جلي هو: لِمَ إذن أُستخدم أسم الإشارة "ذَلِكَ" بدلا من "هذا" مع العلم أنّ القرآن الكريم أصبح بين أيدينا؟ فقدم عدد من المفسرين بعض الملاحظات التي ظنوا أنها تسوغ استخدام اسم الإشارة "ذَلِكَ" للحديث عن القريب بجملة من المجازات (في حين أن لغة آباءهم وأجدادهم تستخدم المفردة للإشارة للبعيد)[2]، ولكن يبقى السؤال قائماً: لِمَ لَمْ يقل الله تعالى "الم. هذا الكتاب لا ريب فيه"؟ ولعلنا نحتاج هنا أنْ نجلب انتباه القارئ الكريم إلى أنّ هذه الصيغة وردت في مواطن أخرى من القرآن الكريم:
وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ                                                                                       الأنعام 92
ولنتدبر كذلك الآيات التالية:
           وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ                                                   الأنعام 155
           وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا لِّيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ                                                                                                                           الأحقاف 12
ففي هذه الآيات يرد لفظ وَهَذَا كِتَابٌ للدلالة على القرآن الذي أنزل باللسان العربي ولم تستخدم اسم الإشارة "ذلك"، فهل كان من الضروري إذاً استخدام اسم الإشارة "ذلك" في بداية سورة البقرة إنْ كان المقصود هو القرآن الكريم؟ وهل يحتاج علماء الإسلام إجهاد أنفسهم لتسويغ هذا الاستخدام لليّ أعناق النصوص؟
رأينا: نحن نعتقد أنّ كلام الله دقيق، فالله يقصد ما يقول، فـ "هذا الكتاب" تعني "هذا الكتاب" و"ذلك الكتاب" تعني "ذلك الكتاب" وكفى.
وإلاّ كيف يمكن ربط هذه الآيات القرآنية بالآية التالية؟  
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً     وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا                                                                       الكهف 49
فما هو هذا الكتاب الذي يشير إليه المجرمون في هذه الآية الكريمة؟ ولنتدبر أيضاً الآية الكريمة التالية:
           هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ                                          الجاثية 29
فما هو هذا الكتاب الذي سينطق علينا في ذلك اليوم الرهيب؟ أليس هو ما كان منسوخ به جميع ما كنا نعمل في الحياة الدنيا؟
***     ***    ***
أما التساؤل المثير الآخر فهو: ما هي "الم" التي وردت في مطلع سورة البقرة قبل الإشارة إلى ذلك الكتاب؟
           الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2)                                                      البقرة 1-2
تفنيد الفكر السائد
فقد اعتقد معظم من تصدى للإجابة على هذا التساؤل المثير أنّ الله وحده يعلم ماهية هذه الأحرف، وغالباً ما جاء خطابهم صريحاً أو ضمنيا بعبثية البحث في هذا المجال، فمادامت أن عقولهم العظيمة قد قصرت عن إدراك حقيقة هذه الأحرف المتقطعة، فهل – يا ترى- ستستطيع عقول صغيرة (من أمثال عقل رشيد الجراح مثلاً) أن تدركها؟
رأينا: غن كان الأمر على هذا النحو فإننا نحن نرد عليهم بالمنطق المفترى من عند أنفسنا التالي:
هل هذه الأحرف جزء من القرآن؟
جوابهم: لا شك إنها جزء من القرآن
سؤالنا: إذا كانت جزء من القرآن، لما لا تخضع لقول الله تعالى:
           أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا                    النساء (82)
           أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا                                                               محمد (24)
 منطقنا المفترى: مادامت تلك جزء من القرآن فلابد أن نتدبرها بأن نفتح قلوبنا ولا نقفلها
رأينا: إننا نعتقد جازمين أنّ طرحنا السابق ربما يحل "اللغز" (كما صوره لنا علماؤنا الأجلاء) ويزيل الإبهام ويوجه النشء في الاتجاه الصحيح. ولكن كيف؟
افتراء من عند أنفسنا (1): إننا نعتقد أنّ الكتاب الذي ذكر في بداية سورة البقرة " ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ" هو ليس القرآن ولا الإنجيل ولا التوراة وإنما المصدر الذي جاءت منه جميع الكتب السماوية (الصحف والزبور والتوراة والإنجيل والقرآن).

افتراء من عند أنفسنا (2) وإن صح هذا المنطق فإننا نفتري القول أيضاً أن "الم" التي جاءت في بداية سورة البقرة (وكذلك جميع الحروف المتقطعة في بداية بعض سور القرآن الكريم) هي لغة ذلك الكتاب المصدر. أي هي لغة الصحف ولغة الزبور والتوراة والإنجيل كما هي في مصدرها الإلهي، وهي كذلك لغة القرآن الكريم كما هو في مصدره الأصلي الذي جاء منه. وربما لهذا يصعب علينا (حتى الساعة بعد مرور أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمن) فهمها ومعرفة المقصود منها.
افتراء من عند أنفسنا (3): لما كانت جميع الكتب السماوية التي تلقاها بنو البشر مكتوبة بتلك اللغة، كان من الصعب على بني البشر فهم تلك الكتب إنْ هي نزلت بتلك اللغة الأم، فقدّر الله مشيئته أنْ يُيسِّرها لكل نبي بلسان قومه. فهذه الكتب تحوي كلام الله ولكن كما يُسِّر بلسان قوم نبيه الذي أُنزل عليه إحدى هذه الكتب. فكلمة الله موجودة في صحف إبراهيم ولكن بلسان قوم إبراهيم، وكلمة الله في زبور داود ولكن بلسان قوم داوود، وكلمة الله في التوراة ولكن بلسان قوم موسى، وكلمة الله في الإنجيل ولكن بلسان قوم عيسى، وكذلك كلمة الله في القرآن ولكن بلسان قوم محمد. ولله المثل الأعلى، فتلك الكتب هي الترجمة الحق لكتاب الله الحق كلٌ بلسان قوم الرسول الذي يسره الله بلسانه[3]. أي أنّ كتاب الله مترجم لنا إلى العربية كما كان الإنجيل ترجمة لكتاب الله إلى الآرامية والتوراة إلى العبرية.
إننا نزعم القول إذاً أنّ "الكتاب" الذي ورد في أوائل سورة البقرة هو المصدر الذي جاء منه القرآن الكريم ولكنه يُسِّر (بمشيئة الله) بلسان قوم محمد، وحتى يقتنع القارئ ببعض ما نزعم هنا، فإننا نذكِّره بقول الله تعالى في الآية التالية:       
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ                                                                                                    يونس 37
وهنا نوجه انتباه القارئ الكريم إلى صفة الكتاب الذي ورد في هذه الآية في قوله تعالى "الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ"، أليس هو إذاً نفس الكتاب الذي ورد في بداية سورة البقرة (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ)؟ وإذا كان هذا الافتراض صحيحاً، فكيف يكون ذلك الكتاب هو نفسه القرآن؟ ألا تدل هذه الآية الكريمة أنّ القرآن شيء (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى) وذلك الكتاب شيء آخر (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ)؟ والأهم من ذلك كله ألا تعني هذه الآية الكريمة أنّ القرآن هو تفصيل لذلك الكتاب الذي لا ريب فيه؟ فالله سبحانه في هذه الآية الكريمة يثبت ثلاث حقائق تخص القرآن الكريم:       
1.     استحالة أنْ يفترى هذا القرآن من دون الله (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ)
2.     أنّ القرآن هو تصديق الذي بين يديه (وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ)
3.     أنّ القرآن هو تفصيل الكتاب الذي لا ريب فيه (وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ)
وما نحن بصدده الآن هو طرح التساؤل التالي: كيف يمكن أنْ يكون القرآن هو تفصيل الكتاب إن كنا نزعم (كما أفهمنا بعض علماؤنا الأجلاء) أنّ ذلك الكتاب هو القرآن نفسه؟!
رأينا: إننا نريد أن نخلص إلى نتيجة مفادها أنّ القرآن الكريم شيء وذلك الكتاب شيء آخر، وما القرآن الكريم إلا تفصيلاً  لذلك الكتاب. ولتأكيد الفكرة في ذهن القارئ الكريم نورد الآيات التالية:
أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ                                                                                   الأنعام 114
الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ                                        هود 1
وحتى يأتي التأكيد بأنّ ذلك التفصيل كان بلسان قوم الرسول:
           حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)                  فصلت 1-3
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي     آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ                                            فصلت 44
والملحوظ الدقيق هنا هو أنّ الآية الكريمة تثبت أنّ العربية أو العجمة ليست هي المهم وإنما "هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء" ولعلنا جميعاً نتفق أنّ الذين أمنوا ليسوا جميعاً عرب اللسان. فالقرآن الكريم بآياته هدى شفاء للذين أمنوا بغض النظر عن لسانهم من أمثال بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، وهو عمى على الذين لا يؤمنون حتى لو كانوا بفصاحة سهيل بن عمرو وعمرو بن هشام وأمية ابن خلف وأبي لهب (عم النبي محمد نفسه). فالعرب كانوا سيطلبون قرآناً بلسان عربي لو لم يكن عربياً، وكذلك سيطلب العجم قرآناً أعجمياً ما دام أن المتوافر هو قرآن عربي، وهكذا. فكيف إذاً ستحل هذه الإشكالية؟
افتراء من عند أنفسنا: إننا نعتقد جازمين أن الجواب البسيط يكمن في الفهم أنّ العربية أو العجمة ليست هي الأمر الحاسم، وإنما المهم بالأمر هو تفصيل الآيات. ونحن نقصد بذلك تفصيل كتاب الله (المرجع الأصلي) إلى الكتب التي أنزلها الله بلسان قوم النبي أو الرسول، وهذا يعني بمنطقنا المفترى هذا أن التفصيل في القرآن تعني إذاً تحويل النص الأصلي إلى نصوص أخرى يستطيع الناس فهمها ما داموا أنهم يتحدثون لغات مختلفة. أي الترجمة
ربما يحل مثل هذا الطرح إشكالية أخرى نظن أنها أجهدت الفكر الإسلامي قروناً من الزمن تتمثل في التساؤل التالي: هل القرآن الكريم بحرفيته هو قول الله كما صدر من الإله نفسه؟ فهل فعلاً قال الله لموسى "اضرب بعصاك البحر" بتلك الحرفية؟ وهل قال الله لنوح "احمل فيها من كل زوجين اثنين" بتلك الحرفية؟ وهكذا. (وسنتعرض بالتفصيل لهذا الأمر لاحقاً)
والسؤال التالي يكون إذاً: كيف جاء القرآن الكريم تفصيلاً لذلك الكتاب؟ أي ما هي ماهية ذلك التفصيل؟ وماذا يترتب على هذا الظن المفترى من عند أنفسنا؟
رأينا: نحن نظن أن الآية الكريم التالية ذات علاقة وطيدة بالموضوع قيد البحث، قال تعالى:
           وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ                                         الأعراف 52
فهذه الآية الكريمة هي في رأينا دليل حاسم على أنّ هذا التفصيل ليس اعتباطياً أو ظنياً أو إتباعا للهوى وإنما هو "علم خالص" (بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ). وجل ما نسعى إليه أو ما يجب أنْ يبحث عنه من يتصدى لهذا العلم أنْ يحاول أن يستكشف ماهية هذا العلم، ونحن نظن يقيناً أنه حقل أوسع بكثير من العلوم الطبيعية كالرياضيات والفيزياء وحتى أوسع من العلوم القرآنية الأخرى كعلوم الفقه والعقيدة، إنه علم "تفصيل الكتاب".
(دعاء: أسأل الله رب أن يعلمني كيف فصلت آيات الكتاب قرآناً عربياً، وأن يعلمني من لدنه علماً لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم)
وربما يبادرانا الكثيرون بالسؤال: وهل هذا ممكن؟ فنقول رداً على ذلك دعنا نقرأ الآية التالية للآية السابقة من سورة الأعراف:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ               الأعراف 53
تدلنا الآية الكريمة أن هناك تأويل (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ) وأنه لابد حاصل (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ)، وهذا ما نرغب نحن بتسميته علم التأويل
(دعاء: أللهم رب إني اشهد أن رسلك قد جاءت بالحق، فأنت وحدك أسأل أن تعلمني التأويل، إنك أنت الحكيم العليم)
فالآية السابقة تثبت إمكانية التأويل، ولكن قد يسبقنا البعض بالقول أنّ هذه الآية تتحدث عن إمكانية التأويل ولكن في الدار الآخرة، فهؤلاء الذين ينظرون تأويله –كما تشير الآية الكريمة- سيأتيهم ذلك التأويل ولكن بعد فوات الأوان. فنقول أنّ ذلك صحيح، ففي ذلك اليوم الرهيب ستتكشف الأمور للجميع، ولكن يبقى ما يهمنا في هذه الجزئية هو: هل سنتمكن نحن من تأويله أو حتى جزء منه في الحياة الدنيا؟ نقول نعم بكل تأكيد، فالله سبحانه يقول:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ                                                                       آل عمران (7)   
(دعاء: أللهم رب أسألك وحدك أن تنفذ قولك بمشيئتك وإرادتك لي أن أكون أكثر أهل الأرض علماً بتأويله إنك أنت العليم الحكيم)
***                       ***                       ***
عودة على بدء
إننا نفترض هنا أنّ القرآن الكريم جاء معجزة لغوية لأنها أعظم معجزة وجدت منذ خلق الله آدم عليه السلام، فهي أصلاً أساس الخلق وسببه، وهي نهاية الكون وفناء الحياة على الأرض. وهي العلم الحقيقي المسيّر للكون وما فيه، فنحن نفترض هنا أنْ القرآن الكريم يحتوي على ذلك العلم الذي نبحث عنه "وهو معرفة سر العلاقة بين الأشياء ومسمياتها"، فهو يحتوي على الشيفرة التي بها تفك أسرار الحياة والكون ولا ننسى أنه في الأساس والجوهر كلام ولكن كلام من؟ إنه كلام الله الأبدي الذي تكفل الله بحفظه.
قد يجيب هذا الافتراض على تساؤل خالج الكثيرين وهو: لماذا لا نرى معجزات كالتي كانت تحصل زمن العصور السابقة؟ ففي زمن الأنبياء السابقين كان هناك ما يسمى خطأً "معجزات" وحقاً آيات وبينات[4]، لماذا لا تتحقق الآن؟ وهل فعلاً ولى زمن ما سمي بـ "معجزات"؟
رأينا: إنّ الجواب ضمن الافتراض الجديد بسيط، "فالمعجزات" (كما يرغب في تسميتها الكثيرون) كلها موجودة في القرآن الكريم، ولكنها بحاجة إلى فك رموز تلك الشيفرة، فإن استطعنا اكتشافها كان القرآن كله معجزة وفيه الوسيلة على إحداث معجزة في كل شيء[5]، وبالتالي الهداية إلى كل شيء، ليس فقط لأصحاب اللسان العربي وإنما للناس كآفة:
  الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ                                                             يونس (1)
ويجب أنْ ندرك أنّ هذه الشيفرة هي غاية في التعقيد ، فلن نستطيع أنْ نفكها كلها ولكن قد نصل إلى تأويل بعضها ولهذا قال تعالى:
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا                                                                                                              الإسراء (88)
افتراء خطير جداً جداً: نحن نفتري الظن أن القرآن الكريم (وإن كان مكتوب باللسان العربي) فشيفرته ليست عربية وإنما حقيقية عالمية لكافة الخلق (الإنس والجن) بغض النظر عن لسانهم.
لتوضيح الفكرة فإننا نقدم المثال التالي (ولله المثل الأعلى)، فهل إن كتب اينشتاين معادلة فيزيائية باستخدام الرموز الإنجليزية (Z, Y, N…) والأرقام العربية (1, 2, 3, …) تصبح تلك المعادلة إنجليزية أو عربية ولا يستطيع الصيني أو الهندي فهمها؟ وهل إن كتبت معادلة رياضية بالرموز الإنجليزية تصبح خاصة بالإنجليز دون الأمم الأخرى؟
رأينا: إننا نسعى من خلال هذا النقاش المفترى من عند أنفسنا للتأطير للفكرة التالية: إن تفصيل الكتاب قرآناً عربياً لا يعني بأي حال من الأحوال أنّ العرب فقط من يستطيعوا فك شيفرته وإلا لجاء التحدي من الله خاصاً بالعرب فقط. ولكن لما كانت تلك الشيفرة موجهة للخلق كافة فلا بد أن يشترك في فكها الخلق كافة، ولن يتم ذلك إلا عند فك عرى الترابط بين القرآن ككتاب موجه للبشر كافة واللغة التي يسر بها كلغة خاصة بقومية محددة وهم العرب.
وهنا نتوقف قليلا لنؤكد على الفكرة الهامة جداً التالية: إن هناك ثلاث مستويات للفهم في القرآن الكريم غالباً ما خلط المفسرون بعضها ببعض، والمستويات الثلاث هي:
- مستوى التفسير:        وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32) وَلَا                              يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) 
- مستوى التأويل:         هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ
- مستوى التفصيل:       حم (1) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ(2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3)        

وسنتعرض للتفريق بينهما لاحقاً لنبين كيف يجب التعامل مع القرآن الكريم ككتاب يحتوى على أسرار هذا الكون وعجائبه (فالله اسأل أن يعلمني من لدنه علما لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم)
ونحن نجزم بإيمان ثابت أنّ فك تلك الشيفرة (علم التفصيل) سيقودنا إلى العلم الحقيقي الذي ظل الفكر البشري يطمح ويجهد للوصول إليه، فالعلم الحقيقي (في الطب والهندسة والرياضيات والفلك وحتى الجن) مرهون بفك تلك الشفرة. ولكن هل الشيفرة عربية؟ إن هذا السؤال يفضى إلى نقاش ضروري حول ماهية القرآن الذي أنزل على محمد

جدلية الكتاب والقرآن
هل ما نمسكه بأيدينا قرآن؟ أي هل المكتوب بين دفتي المصحف الشريف هو القرآن الذي نزل على محمد بن عبد الله (عليه أفضل الصلاة وأتم السلام)؟
الجواب –  في رأينا – كلا، إنه ليس القرآن الذي نزل على محمد بكل تأكيد, كلام خطير، أليس كذلك؟
ولكن قبل أنْ تُصدَر الفتاوى من مجالس الفتوى الإسلامية (وأنا والله لا أعلم الفرق بين فتاويهم وصكوك غفران غيرهم) بجواز ضرب عنقي فليعطوا أنفسهم فرصة قراءة الأسطر التالية لفهم فحوى ما نقول وندّعي، وقبل الولوج في شيء من التفصيل نودّ التأكيد على أنّ لهذا الإدعاء تبعات جمة ربما تصحح مسار عقيدة دخلتها البدع فضلّت أحيانا طريقها، وكما ذكرنا في أكثر من مكان فإنّ قوة هذه الانحرافات وانتشارها الواسع قد أغشت الأبصار عن النظر من غير زاويتها، وصمت الآذان عن سماع ما ينافيها، فأقفلت القلوب عن فهم الحقيقة، ولعل من الضروري الإشارة إلى أنّ هذه الجدلية قد أثارها الكثيرون قبلنا، ولكنّنا نعتقد أنه لا زال هناك فسحة من المكان لتسليط الضوء على الأمر من زوايا جديدة.

أولا، إننا نعلم أنّ القرآن قد نزل على محمد بن عبد الله عن طريق الوحي جبريل عليه السلام:
قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ                                                                                                            البقرة (97)
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَىٰ بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)                                              الشعراء
ونحن نعلم كذلك أنّ جبريل عليه السلام لم ينزل على محمد بن عبد الله ومعه رقع مكتوب عليها القرآن، والثابت أنّ جبريل كان يراجع ذلك القرآن مع النبي شفهياً (كما تقول رواياتهم)، ولو كانت المراجعة تتم بقراءة شيء مكتوب على "الألواح" لتبقى من تلك الألواح شي نعلمه، أو على الأقل لوصلنا شيءٌ من خبرها.

ثانياً، لم يكن محمدٌ بن عبد الله يعرف الكتابة " فلقد كان أميّاً، وهو بذلك لم يخط القرآن بيمينه:
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ           العنكبوت (48)

ثالثاً، لقد كانت أمة العرب أمة أميّة، وكان معظم تراثها منقولاً شفهياً إلا اليسير اليسير منه، وقد كانت تتلقى تعليمها من الرهبان والكهنة (أهل الكتاب)، فلم تكن قد نضجت بعد في علوم التدوين والتقعيد.
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ                                                                                                 الجمعة (2)
رابعاً، لقد تلقى من تعلم من أبناءها علم الكتابة (التدوين) من مصادر مختلفة، ولنتصور الأمر على نحو ما كان يعرف حتى زمن قريب بالكتاتيب،  فلكل شيخ طريقته، وينهج الطلاب على نحو ما يعلمهم شيخهم، ولذا تتفاوت الطريقة تبعاً للشيخ الذي تم تلقي المعرفة على يديه.

خامساً، إنّنا نعلم أنّ الأمر من النبي لأصحابه بنسخ ما ينزل من السماء قرءاناً جاء للعديد منهم، فلم يأمر شخصاً معينا بعينه القيام بالمهمة، فكان هناك ما سمي "بكتبة الوحي".

سادساً، كان الرسول يراجع القرآن معهم شفوياً، فهو كما أسلفنا لم يكن على دراية بعلم الكتابة حتى يتيقن مما ينسخون، ولكنه كان يتلقاه سماعياً، فيقرهم على ما يسمع منهم.

سابعاً، لقد تم جمع الرقع التي كتبت عليها آيات القرآن الكريم في عهد الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه خلال معارك الردة التي قتل فيها عدد كبير من ما سمي بكتّاب الوحي.

ثامناً، لقد جُمِع القرآن الكريم في نسخة واحدة في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه فيما أصبح يعرف منذ ذلك الوقت " بالرسم العثماني" للمصحف الشريف.

تاسعاً، قام عثمان رضي الله عنه بإتلاف النسخ الأخرى للمصحف الشريف (ولا ندخل هنا في جدلية هذا الأمر، فلا يعنينا ما الذي أحرق ولا يعنينا كذلك لماذا أحرق)، ومنذ ذلك اليوم والمسلمون يتداولون تلك النسخة من القرآن الكريم، وهي النسخة نفسها الموجودة في كل مكان على وجه هذه المعمورة.

عاشراً، تم إحداث التغيرات على ذلك الرسم القرآني في الحقب التاريخية المتعاقبة، فتم التنقيط والتشكيل (وكان الدافع في ذلك تجنب العجمة في اللفظ القرآني بعد دخول أمم كثيرة لا تتقن اللسان العربي في الدين الإسلامي)، ووضعت علامات الوقف وعلامات التجويد بغرض تسهيل القراءة بعد ذلك، وأدخلت الألوان على بعض الإصدارات في عهد قريب.

حادي عشر، لقد أدى ظهور الطباعة إلى إصدار نسخ من المصحف الشريف تتفاوت في حجم الخط ونوعه.
ثاني عشر: لقد أدى التقدم التكنولوجي إلى توافر إصدارات الكترونية من نسخ من القرآن الكريم على أجهزة الحاسوب والهاتف الخلوي وغيرها

ثالث عشر، يؤمن المسلمون إيماناً مطلقاً أنّ الله قد تعهد هذا الكتاب بالحفظ، مستمدين ذلك من قوله تعالى:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) [6]                                          الحجر 9

رابع عشر، ذهب معظم الناس في فهم هذه الآيات  القرآنية الكريمة إلى أنّها تعود على القرآن الكريم، وأنّ هذا الحفظ يعني عدم التغيير ولو بحرف واحد، وطبقوا هذا الفهم (في غالب الأحيان) حتى على النسخة المكتوبة للمصحف الشريف، وهنا نتوقف للحظة لنتساءل: كيف يدعي هؤلاء أنّ المصحف لم يدخل عليه تغيير وهو ما زال حتى يومنا هذا تضاف إليه شتى الرموز التي لم تكن موجودة في طبعاته السابقة؟ ألم يدخل عليه التنقيط والتشكيل؟ ألم تدخل عليه علامات الوقف والوصل والتجويد؟ ألم تدخل عليه علامات الترقيم؟ ألم تضاف إليه مؤخراً علامات التلوين والإشارات المساعدة في القراءة الصحيحة؟
ونتيجة لذلك، ألم تتلقى هذه الأمة افتراءات الخصوم وإثارة الشبهات حول دوافع عثمان رضي الله عنه بإتلاف النسخ الأخرى للمصحف الشريف؟ فماذا كان دافع عثمان عليه السلام في ذلك؟ وفي الوقت ذاته ما هو الحفظ الذي تعهد الله به لما نزل على نبيه الكريم؟
رأينا: إننا نزعم أنّ عدم توخي الدقة في استخدام الألفاظ قد أدى إلى الخلط الذي شوّه الحقيقة فأمكن المتشككين والأعداء من القدح في أعظم وأجل معتقداتنا، ولقد ساعدهم في ذلك تعلق المسلمين وحبهم لكتابهم حتى ذهبوا معه- إلى حد - ما ذهب إليه بعض أهل الكتاب في حبهم لنبيهم عيسى بن مريم حتى أوصلوه إلى درجة التقديس ومن ثم التأليه (أي حتى جعلوه آلهاً يعبد مع الله).

خامس عشر، إننا نؤمن أنّ الأمر  من النبي للعديد من أصحابه بنسخ ما ينزل من خبر السماء كان للتثبت وإقامة الحجة على الناس بإيصال الخبر كما نزل من السماء.

سادس عشر، لقد حفظ أبناء المسلمين ما نزل على محمد غيباً وتناقلته الأمة بالتواتر حتى يومنا هذا، وما أكثر الحفّاظ لكتاب الله حتى من غير الناطقين بالعربية، ولا أخال أنّ أي كتاب آخر على وجه الأرض (سماويا كان أو وضعياً) يحفظ من أول حرف حتى آخر حرف فيه كما يحفظ القرآن الكريم.

سابع عشر، لم ينزل القرآن الكريم كله دفعة واحد، وذلك لسبب بسيط حتى يثبت الله به فؤاد نبيه
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ۖ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا الفرقان (32)
وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا                                        الإسراء (106)
ثامن عشر: نزل الكتاب (وليس القرآن) جملة واحدة[7]:
            حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)                         الدخان
            إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)                                                                          القدر

تاسع عشر: يثبت الله بصريح اللفظ في القرآن الكريم أنه لم ينزل على محمد شيئاً مكتوباً بأي شكل من الأشكال، قال تعالى:
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ               الأنعام (7)
وفي ضوء الحقائق السابقة فإننا سنقدم فهمنا لما تعهد الله بحفظه لهذه الأمة، وفي غايتنا أمرين اثنين، أولهما الرد على بعض الشبهات التي أثيرت ولا تزال تثار حول كتاب الله الكريم، وثانيهما تصحيح العقائد التي ظلت أحياناً طريقها بسبب عدم فهمها لحقيقة الأمر من وجهة نظرنا نحن، وهي بلا شك لا تمثل دين الله الحق إلا بما يصدقه منها كتاب ربنا.

رد الشبهات
1.     فك عرى التلازم بين اللغة العربية والقرآن الكريم
يجب - أولا وقبل كل شيء- عدم خلط حدينا عن اللغة العربية مع حديثنا عن القرآن الكريم، فعندما ننتقد مسألة ما في اللغة العربية أو نشير بأصابع الاتهام إلى اللغة العربية فلا يجب أن يفهم أنّ في ذلك اتهاما لما في كتاب الله، وعندما نصف اللغة العربية بالقصور في أي شيء فلا يمكن أن نقصد أنّ ذلك يلازمه قصور في القرآن الكريم، فعقيدتنا مبنية على الافتراض بأن الحديث عن اللغة العربية شيء والحديث عن القرآن الكريم شيء آخر، وللتمثيل على ذلك نورد المثال البسيط التالي:
نقول أنّ اللغة العربية مثلاً تغيّر شكل الاسم بتغير عدده، فالاسم يكون مفرداً عند الحديث عن المفرد ويأتي بصيغة المثنى عند الحديث عن اثنين ويكون بصيغة الجمع عند الحديث عن أكثر من ذلك، ويتم الاشتقاق من نفس حروف الكلمة (الجذر)، فلقد تعلمنا في الصفوف الأولى من المدرسة شيئاً يشبه المثال التالي:
ولد                          ولدان                       أولاد
بنت                         بنتان                        بنات
رجل                         رجلان                       رجال
امرأة                         امرأتان                      __؟_____
__؟____                 __؟___                   نساء (نسوة)
وتساؤلنا هو: أين جمع كلمة "امرأة"؟ وأين مفرد ومثنى كلمة "نساء"؟
وقد يرد البعض على الفور بالقول أنّ جمع "امرأة" هو "نساء" ومفرد ومثنى "نساء" هو "امرأة وامرأتان"، فنرد بالقول : كلا وألف كلا، فالمفرد والمثنى والجمع للكلمة يشتق من نفس الجذر كما في مثال "ولد" و "بنت" و "رجل" أما كلمة "امرأة" وكلمة "نساء" فتأتي كل منهما من جذر مختلف، وهي بالتالي مفردات مختلفة، لكل منهم دلالاته واستخداماته التي يجب أنْ لا تتداخل مع غيرها.
افتراء من عند أنفسنا: إن مراد القول هنا أنّ العربية "كلغة" قد عجزت أنْ تشتق مفردة ثابتة لجمع كلمة امرأة، وعجزت عن اشتقاق المفرد والمثنى من كلمة نساء، وهذا ما يسمى بعلم اللغة "بالفجوة اللغوية" (accidental gap)
والمهم بالقول أنّ هذا لا يعني بأي حال من الأحوال قدحاً في كتاب الله الذي ورد فيه كلمة "امرأة" وامرأتان" و"نساء" ولم ترد فيه مفردةٌ لجمع كلمة "امرأة" أو مفردةٌ لمثنى ومفرد كلمة "نساء"، فهذا العيب (أو القصور) في اللغة – في رأينا- لم يؤثر على إعجاز القرآن الكريم الذي نزل باللسان العربي، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: لنتدبر بعض ما نفهمه من إعجاز في الاستخدام القرآني لهذه المفردات
أولاً، جاءت مفردة كلمة "امرأة" في القرآن الكريم لتدل- حسب فهمنا- على "الأنثى التي تزوجت من رجل"، أما إذا لم تتزوج الأنثى من رجل فلا تسمى "امرأة"، قال تعالى في أواخر سورة التحريم:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (12)                     التحريم 10-12
فبالرغم أنّ مريم بنت عمران قد أنجبت عيسى عليه السلام إلاّ أنّ القرآن الكريم لم ينعتها بصيغة "امرأة"، والجواب البسيط – برأينا- هو أنها لم تتزوج من رجل، ففي حين أنّ النساء الأخريات نُعِتن بهذه الصفة لملازمتهم لأزواجهم. ويثبت ذلك قوله تعالى:
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا                           النساء (128)
افتراء من عند أنفسنا: من كان لها بعل فهي امرأة (وإن كانت مطلقة أو حتى أرملة)، ومن لم يكن لها بعل فهي ليست امرأة وإن أنجبت كمريم بنت عمران، وإن صح هذا الفهم فإنّ موسى عليه السلام كان قد تزوج بامرأة عندما حطت به الرحلة في أرض مدين، قال تعالى:
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ [8]                                                  القصص (23)[9]
وجاء عند الحديث عن الشهادة قوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ ۖ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ                                البقرة (282)

وهذا يعني – بمفهومنا لمعنى كلمة امرأة- أن الشهادة لا تكون إلاّ للرجل وللمرأة (أي لمن كان قد تزوج)، فلقد اجتهدت المدارس الفقهية في تحديد شروط الشهادة، وحددتها المحاكم الإسلامية بالبلوغ والعمر والرشد، الخ، أليس كذلك؟
رأينا: إننا نرى (وقد نكون مخطئين) أنّ الشهادة التي بها يقع الحكم هو أنْ يكون الشاهد - أولا وقبل كل شيء- متزوجاً، أما الشروط الأخرى كالبلوغ والعمر والرشد فهي يمكن أن تأتي من باب قوله تعالى في نفس الآية الكريمة "مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ"، أما الشرط الذي ورد صراحة في الآية الكريمة فهو أن يكون الشاهد رجل أو امرأة (أي شخصاً متزوجاً)، فنحن نعتقد أنه حتى لو جاء ابن تيمية نفسه ليدلى بشهادته لما قبلناها كشهادة توجب الحكم لأنّه لم يكن متزوجا، فهي لا تعدو في فهمنا أكثر من دليل كباقي الأدلة التي يمكن أن تؤخذ لرجحان أو إبطال الاتهام (أي للاستئناس)، أما الشهادة التي توجب الحكم فلا تقبل إلا من رجلين (أي متزوجين) أو من رجل وامرأتين (جميعهم قد تزوجوا)، وأجد من الضروري إثارة التساؤل التالي لمن ظن أنّ العمر والرشد والبلوغ هم شروط الشهادة (كما هو حاصل في محاكمنا الشرعية الآن): ماذا لو كانت الشاهدة عائشة بنت أبي بكر بعد أن تزوجها رسول الله وهي لم تتعدى التاسعة من العمر آنذاك (كما تقول بعض الروايات)، فهل يقبلوا أم يردوا شهادتها؟!
وربما يرد البعض بالقول: ولكن هذه عائشة، فنرد بالقول أننا لا نظن أنّ أمر الدين لعائشة يختلف عن أمر الدين لغيرها، فهل يا ترى تقبل شهادة عائشة عن شهادة رجل واحد من المسلمين وإن كان إيمانه لا يزيد عن إيماني أنا، فحتى أنا كرجل لا تقابل شهادتي إلاّ شهادتين من مثل شهادة عائشة وشتان شتان بين إيمان عائشة وهي زوج النبي عليه السلام وإيماني أنا على علاّته، لكن تبقى الحقيقة الثابتة أنها هي امرأة وأنا رجل، ولا يمكن جلب الطابع الإيماني في مسألة الشهادة، فكقاضي أقبل شهادة رجل حتى ولو لم يكن إيمانه كإيمان ابن تيميه ولا أقبل شهادة ابن تيميه لأنه لم يكن متزوجاً. فالزواج شرط في الشهادة.
أما في حالة الميراث، فقد جاء قوله تعالى على نحو:
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا                                                      النساء (11)
فبالرغم أن المقابلة هي نفسها (واحد مقابل اثنتين، 1: 2)، إلا أنها لم تأتي في حالة الميراث كما جاءت في حالة الشهادة (رجل مقابل امرأتين)، وسؤالنا هو: لماذا تغير اللفظ من "رجل وامرأتين" إلى ذكر وأنثيين؟
رأينا: نظن أن الجواب بسيط، وهو أنّ الميراث يتحصل للإنسان بمجرد ولادته، فالذكر يرث مثل الأنثيين بغض النظر عن العمر أو الحالة الاجتماعية، فمن كان عمره يوماً واحد يرث كمن بلغ الأربعين أو الخمسين، ومن كان أعزب يرث كمن كان متزوجاً، فالزواج ليس شرطاً في الميراث ولكنه شرط في الشهادة.
هذه بعض من استخدامات القرآن للفظة امرأة كما نفهمها نحن، أما لفظة النساء (والنسوة) فقد جاء في قوله تعالى:
وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ۚ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ                                                                                        البقرة (49)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ                          البقرة (222)
فهذا يعني أنّ لفظة نساء تطلق على مجموع النساء المتزوجات وغير المتزوجات، فنحن نفتري القول أنّ اللواتي تحدثنّ عن قصة يوسف مع امرأة العزيز واللواتي وقعن في حب وسف لم يكنّ كلهنّ من المتزوجات، فلقد وقع في حب يوسف المتزوجات وغير المتزوجات، فلفظة النساء تطلق على عموم الإناث سواءً كن متزوجات أو غير متزوجات، ويثبت ذلك قوله تعالى:
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا                                                                                                        النساء (23)
فسواءً تم الدخول بها أو لم يتم الدخول بها فهي إذاً تعتبر من مجموع النساء بغض النظر عن عمرها، ففرعون كان يقتل المواليد الذكور وكان يستحي النساء، أليس كذلك؟ ولا أظن أن الذي كان يستحيهن فرعون كنّ جميعاً من المتزوجات، بل المواليد من الأنات كما أظن. أما ما يقابل لفظة النساء من الذكور فقد ورد في قوله تعالى ما يدل على ذلك:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ                                                                                                             الحجرات (11)
فمخاطبة مجموع الإناث سواء كن متزوجات أو غير متزوجات تتم باستخدام لفظة "نساء"، أما مخاطبة مجموع الذكور المتزوجين أو غير المتزوجين تتم باستخدام لفظة قوم.

ذكر
أنثى
مفرد بغض النظر عن العمر أو الحالة الاجتماعية
الميراث

رجل
امرأة
شخص مفرد متزوج
الشهادة

رجلان
امرأتان
مثنى متزوج
الشهادة

رجال
!!!
جمع متزوج
الشهادة

قوم
نساء
جمع بغض النظر عن الحالة الاجتماعية
الغيبة/ السخرية


لنخلص إلى القول أنّه بالرغم من قصور اللغة العربية عن إيجاد مفردة منفصلة لكل شكل من أشكال الكلمة في حالة الإفراد والتثنية والجمع إلاً أنّ ذلك لم يكن عائقاً أنّ يستخدم القرآن المفردة المقصودة في مكانها الذي لا يمكن لمفردة أخرى أنّ تقوم مقامها.

2. فك عرى التلازم بين قواعد اللغة العربية والقرآن الكريم
وهنا يجب التأكد أيضاً على عدم خلط ما يسمى بالقواعد التي من وضع البشر مع ما ورد في كتاب الله، فتلك "القواعد" قلما تسلم من "الشواذ" والاحتجاج بها ربما لا يخدم القرآن كما ظن الكثيرون وادعوا، وأبسط ما يمكن أن نقدمه في هذا السياق مثال الأعراب لفعل العربية، فلقد أنهكتنا كتب قواعد العربية بتفصيلات أقسام الفعل إلى الماضي والحاضر والأمر والتام والناقص، الخ. ولكن هل - يا ترى-يكون الفعل الماضي ماض وهل المضارع مضارع وهل الأمر فعلاً أمرا؟
ولتبسيط الطرح نورد الآية الكريمة التالية:
  لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ              البينة (1)
ألم يطلب منا معلم العربية إعراب لم على أنها أداة جزم، و"يكن" فعل مضارع مجزوم؟ ولكن ألا يدل ذلك كله على حدث تم وانتهى؟ فأين المضارعة فيه كما يدل إعرابه؟
وكم تجادل الناس في قوله تعالى:
... وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا           
فهل ذلك فعل ماض تم وانتهى كما تدل صيغته؟ أي هل ارتفع وانتهى غفران الله ورحمته؟
وعندما نبتهل إلى ربنا بالدعاء:
     ... رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)
فهل يعني ذلك أننا نأمر الله (حاشاه جل وعلى) كما يدل إعراب الفعل آتِنَا والفعل َقِنَا ؟! فكم تلقينا من تعليم أن الفعل إذا جاء على صيغة "افعل" يدل على الأمر، فهل يدل حديث لقمان لابنه في موعظته الشهيرة على الأمر:
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ ۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ ۚ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19)                                                               لقمان 17-19
وكم تلقينا من توجيه في التذكير والتأنيث، فهل يمكن للسان عربي (حتى وإن كان غير مبين) أن يخطئ في جنس الشمس والقمر؟ أليس القمر مذكر والشمس مؤنث في اللسان العربي؟ وإن كان كذلك فكيف إذاً نقرأ قول الله تعالى على لسان إبراهيم:
فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ        الأنعام (78)
لاحظ عزيزي القارئ كيف تم معاملة الشمس على أنها مؤنثة مرة " رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً" وعلى أنها مذكر مرة أخرى "هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ"                  
لقد شوهت مثل تلك "القواعد" معاني القرآن الكريم،  لا بل وأخرجتها عن سياقاتها ومعانيها، ولا أزال أذكر ذلك الجدل مع معلمي يوم أنْ أمضى وقته الثمين وهو يحاول شرح قواعد "قد" في العربية، فقال بلهجة المتيقن (إن كنت لا زلت أستطيع أن أعيد صياغة كلامه): " تدخل "قد" على الفعل الماضي فتفيد التوكيد وعلى الفعل المضارع فتفيد التشكيك"، وأعطى المثال تلو المثال ليبين ما يقصد ويدعي، وعندما فاجأته بالآية الكريمة (بالطبع لم أكن أحفظ الآيات كما ترد هنا، ولم يكن النقاش بهذا التصوير البطولي الذي أقدمه لنفسي في هذه الأسطر، ولكن الفكرة الرئيسية هي ما تدور حوله هذه الأسطر بغض النظر عن الطريقة التي جرت بها آنذاك):
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ۚ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ۚ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ                                                                          النور (63)
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ                                                                                                                    النور  (64)
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا ۖ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا                         الأحزاب (18)
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ                 البقرة (144)

فهل هذا يعني تشكيكاً بأن الله يعلم أو أن الله يرى؟ كان رده الوجوم والدهشة فأسكتني بالقول بلهجتنا الأردنية "ولك إنت شو بعرفك"، هذا قرآن وله تفسيراته المختلفة، وأهل العلم عندهم التعليل، لما كنت أنا لا أعلم - بشهادة معلمي- وجمت وخرست، ولما كنت لا أعلم أين هم العلماء الذين يتحدث عنهم لم استطع أن أسأل أحداً منهم، ولما كنت أقدر هؤلاء العلماء ما شككت أنهم فعلاً أصحاب علم. ولكني لم أعدم الظن حينئذ أنّ هذا القرآن قد نزل على أناس يتمتعون بصفات خارقة في الفهم والإدراك وأنا بالتأكيد لا أملك حتى النزر اليسير من تلك الصفات، فلِمَ أتدخل فيما لا يعنيني؟ فعلى أي حال فقد لقيت من معلمي ما لا يرضيني بكل تأكيد.
لا بل لقد شوهت تلك التمثيلات القواعدية للغة بعض الحقائق العقائدية التي يجب الحذر والتنبه لها، وهي بلا شك كثيرة وكثيرة جداً ربما نحتاج لكتاب كامل لسردها وتبيان خطورة ما تنطوي عليه، وأقدم هنا مثالاً واحداً على سبيل التوضيح لا غير.
فلعل الجميع أمضى جزءاً من وقته (غير الثمين بالطبع لأنه لم يكن لدينا شي آخر نعمله) في حصص قواعد اللغة العربية حول الممنوع من الصرف، وقدم جهابذة اللغة تفسيراتهم المبسطة للموضوع لتتماشى مع قدراتنا الذهنية كطلبة تكمن مهمتنا في تخزين المعلومات الثمينة التي نتلقاها يومياً في مدارسنا (ولا أظن أن لنا الحق أن نتدبرها، فكما يقولون باللسان الأعجمي فإن مهمتنا في أحسن الأحوال كانت CHEWING THE OLD GUM)، وتولى المعلمون الأفاضل واجب نخرها في عقولنا إن لم يكن بالمعروف فبالعصا، وأول ما فرض علينا هو معرفة أنّ الممنوع بالصرف يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة ولا ينون (أي لا تدخل عليه علامة التنوين)، وعندما حاولت سؤال معلمنا عن سبب ذلك، كان جوابه الجاهز هو : "تعلم اللغة كما هي، هكذا وردت على لسان العرب"، وعندما سألته عن العرب، فرد عليّ بالقول أنهم نوعين: العرب العاربة الذين من سلالة عدنان وقحطان وغسان، والعرب المستعربة الذين من سلالة إسماعيل ولد إبراهيم عليهم السلام، ولم يمضي وقت طويل حتى استنتجنا (بعد جهد ذهني خطير بالطبع) أنّ أباء العرب جميعاً (عاربة ومستعربة) ممنوعون من الصرف، فلا إسماعيل ولا عدنان ولا قحطان ولا غسان يصرفوا، فيا سبحان الله!!
وتبين لنا أنّ فكر جهابذة مقعدي اللغة خلص إلى أن الاسم الذي ينتهي بألف ونون لا يصرف والاسم الأعجمي لا يصرف كذلك، وكطلاب أخذنا تطبيق تلك القواعد على المفردات الجديدة، فعلمنا أنّ  إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب ممنوعة من الصرف لأنها أسماء أعجمية، ولكن تخالجني سؤال غريب لم أستطع البوح به آنذاك لأني – كما شهد لي معلمي سابقاً - لا أعرف شيئاً، وذلك أمر يتطلب عقولا كبيرة جداً كعقول كسيبوية والخليل ومعلمي ذاك، الخ. وكان مفاد السؤال على النحو التالي: ماذا عن نوح عليه السلام؟ فهل نوح أسم عربي حتى يصرف؟ ولم لا يصرف إذاً آدم؟ من منهم عربي ومن منهم غير عربي؟ النتيجة العملاقة التي توصلت إليها بمساعدة قواعد اللغة العربية غاية في الذكاء: آه، آدم غير عربي ونوح عربي والدليل بلا شك ما يصرف وما لا يصرف، يا سبحان الله لقد قدمت حلاً جذرياً لجينات العرب الوراثية، هم إذاً ليسوا من نسل آدم بالتأكيد: فهو ممنوع من الصرف؟ ولكنهم قد يكونوا من نسل نوح: فهو ممنوع من الصرف؟ ولكني تراجعت بعد أعوام عن هذا الاعتقاد (أي أن العرب من سلالة نوح) يوم قرأت في كتاب الله الآية التالية:
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)                                                                                       آل عمران 33-34
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)                                                                                  الإسراء 2-3
لتبيّن لي أنّ بني إسرائيل هم من ذرية نوح وليس نحن العرب، واستنتجت كذلك أن التوزيع الذي قدمه بعض الشارحين لآلهة قوم نوح هو محض هراء[10]، فالعرب المستعربة هم من ذرية نوح، أما العرب العاربة فهم – حسب رأى علماء التشريع – ليسوا من ذرية إسماعيل ابن إبراهيم الذي هو من ذرية نوح، فمن أين جاءوا يا ترى؟! الله أعلم.
ولندع هذا الحديث جانباً لنثير سؤالاً غاية في الخطورة لما يترتب عليه من مغالطات، فلقد أكد مقعدي اللغة العربية – وسار الناس على نهجهم قروناً من الزمن- أن الاسم الأعجمي (أي من غير الأصول العربية) لا يصرف، وصدقنا بذلك حكاية عدم صرف يوسف و يعقوب وإسحق وإسماعيل وإبراهيم، فهم جميعاً عائلة واحدة، ولكن ألم يكن لوط أعجمياً كذلك، ألم يخرج مهاجراً مع إبراهيم يوم رفض قومه إتباع منهجه ودينه الجديد:
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24) وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25) فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي ۖ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28)                العنكبوت 24-28
يا سبحان الله!! هاجر لوطٌ مع إبراهيمَ " فصرف لوطٌ ولم يصرف إبراهيمُ"! فأيهما أعجمي وأيهما غير أعجمي، ربما أنّ لوطاً الذي كان قد هاجر مع إبراهيم قد سماه أبواه اسما عربياً كما يفعل العرب اليوم عندما يسمون أبناءهم John,  و Henry و  Mike، من يدري!!!
المهم بالموضوع أنّنا ننفق على مثل هذه الهراء الجهد والمال لتمريرها لأجيالنا، ونجبرهم على أخذها على أنها حقائق وثوابت يحرم التلاعب بها أو حتى إثارة التساؤلات حولها، واسمحوا لي أن أخرج عن النص بعض الشيء لأقول "إنها لا تساوي ثمن الحبر الذي كتبت به ناهيك عن الورق الذي كتبت عليه"                                                      

الفصل بين الكتاب والقرآن
إنّ النقاش السابق يدعونا إلى التفريق بين ما هو قرآن (من عند الله) وما هو ليس بقرآن من وضع البشر، ولمّا كانت الحالة كذلك كان لزاماً جلب انتباه القارئ الكريم إلى الآيات القرآنية التالية:
جاء في سورة آل عمران الآية (61) قوله تعالى:
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)
وجاء في نفس السورة الآية (87) قوله تعالى:
          أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87)
ومراد القول هو تدقيق ما تحته خط في الآيتين السابقتين "لَعْنَتَ اللَّهِ" و "لَعْنَةَ اللَّهِ"، وسؤالنا هو: لِمَ اختلف الرسم القرآني في الحالتين؟ فإذا كان قد نزل كذلك من عند الله فلم تبدّلت اللفظة نفسها (مرة بالتاء المفتوحة ومرة بالتاء المربوطة) ونفس المنطق ينطبق على قوله تعالى في المائدة الآية الحادية عشر والآية العشرون:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20)
ولو طلبنا من أي متعلم للغة عربية كتابة كلمة امرأة لكتبها بالتاء المربوطة ولكن لو قرأنا في آخر سورة التحريم لوجدناها على النحو التالي:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)
السؤال: هل - يا ترى- هذا الاختلاف هو من المصدر الذي جاء منه، أي هل كتب الله القرآن على تلك الشاكلة، مرة بالتاء المفتوحة ومرة أخرى بالتاء المربوطة حتى لنفس اللفظة، و لربما بادرنا من يشكك بهذا الكتاب بالقول ربما أن ربكم لم يتقن بعد قواعد التاء المربوطة وقواعد التاء المفتوحة، فهو لا زال لا يتقن التفريق بينهما!!
إن المخرج من هذا الكلام هو بسيط للغاية، وهو ما أوردناه سابقاً والمتمثل في زعمنا بأنّ القرآن لم ينزل مكتوباً في الألواح مصداقاً لقوله تعالى:
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ               الأنعام (7)
ولنستذكر كذلك أنّ الذي خط القرآن الكريم على الرقاع هم البشر (كتبة الوحي) وأنّ النبي نفسه لم يكن يعرف الكتابة بخط يمينه:
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ                             العنكبوت (48)
عندها ربما يزول الإبهام ويفهم التباين في الرسم، ولكن كيف؟
رأينا: فكما ذكرنا سابقاً لقد تعلم كتّاب الوحي خط اللسان العربي من مصادر مختلفة، فلربما كان يكتب زيد التاء مفتوحة وكان يكتبها معاوية مربوطة، الخ. وعندما تم جمع القرآن أخذت آية التاء المربوطة من رقاع معاوية وأخذت آية التاء المفتوحة من رقاع زيد وهكذا.
افتراء خطير جداً جداً: لهذا نحن نتجرأ على البوح بأن الرسم القرآني ليس إلهياً، وهو لا يحمل صفة القدسية التي ظن الكثيرون أنها ملازمة له، وعندما تم إضافة التشكيل والتنقيط ورموز الوقف والتجويد أدخل على القرآن ما لم يكن فيه فزاد فيه الطابع البشري، ولعل هذا يفسر قرار عثمان (رضي الله عنه) بإتلاف المصاحف التي كانت موجودة آنذاك، فلقد رأى عثمان أنّ من الأولى أن تجمع الأمة على رسم واحد للمصحف، فلربما كان التباين في الرسم القرآني في المصاحف كبيراً فجاء قرار عثمان بالتخلص من الطابع البشري المتباين في الرسم القرآني.
نستنج إذاً أنّ ما هو مكتوب بين دفتي المصحف هو الترميز البشري لما نزل من خبر السماء، فهو ليس قرآناً، سميه ما شئت ولكن لا تقل أنه قرآناً من عند الله.
تبعات هذا الإدعاء
1.     عندما أعتقد الكثيرون أنّ هذا المكتوب على الورق إلهياً، حرّموا لمسه على الحائض والنُفساء والجُنب متسلحين بقوله تعالى:
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) الواقعة 66-79

وهم لا يفرّقون أصلاً بين المطهّرين والمتطهّرين الذين سنتعرض للحديث عنهم لاحقاً
2.     ظن الكثيرون بدعم جواز لمسه من قبل الكفار، هذا مع العلم أن عدداً كبيراً من الكفار (لا شك) يملكون في بيوتهم وفي مكتباتهم نسخاً منه
3.     حزن الكثيرون لامتهان الكافرين هذا المكتوب على الورق بحرقه وتمزيقه وحتى إلقاءه مع القمامة، وكلنا يذكر الحفلات التي أقاموها لإحراق وتدنيس هذا الكتاب، فتباكت الأمة على ذلك وقامت الدنيا ولم تقعد في حين أننا نحن المسلمون نقوم بحرق نسخ القرآن المكتوبة في حالة تلفها.
4.     يغضب الكثيرون عندما يرون ورق الجرائد التي تحتوي على آيات من كتاب الله ملقاة مع النفايات
5.     يقوم الكثير من المسلمين (خصوصاً في بلاد الشام ومصر) بتقبيل النسخة من القرآن المكتوب عندما يمسكونها بأيديهم للتلاوة
6.     يسيء الكثيرون فهم الآية القرآنية الكريمة التالية:
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ                                                 الحجر (9)
فلو كان الحفظ كما يظن البعض يشمل الرسم البشري للقرآن الكريم (أي النسخة المكتوبة على الرقاع والورق)، فلم يسمح الله بكل ذلك الامتهان لكتابه، فلقد ظن الكثيرون أن الحفظ يعني الحفظ من التحريف والتبديل، ولكننا نقول أنّ الآية الكريمة تعني الحفظ غير المشروط فالله نزل الذكر وهو سيحفظه من كل شيء ولا يستطيع أي بشر تدنيسه؟  فما الذي تعهد الله بحفظه؟ وما هو الذي لا يمكن أن يمسه إلا المطهرون؟ الجواب بكل بساطة هو ليس الرسم البشري للقرآن الكريم بكل تأكيد، فما هو إذاً؟
افتراء من عند أنفسنا: إنه الذكر وهو القرآن الكريم وهو الكتاب المكنون؟ وهذه ليست مفردات مختلفة لشيء واحد بل هي تسميات لأشياء متعددة مختلفة، ولنبدأ بها الواحدة تلو الأخرى:

القرآن الكريم
لعل القليل يجادل بأن كلمة قرآن مأخوذة من مادة القراءة، وفعلها قرأ، فالشيء المقروء يختلف عن الشيء المكتوب بكل تأكيد، فنحن نكتب كلمة صلاة في الرسم القرآني على نحو "صلوة" ونقرأها صلاة، ونكتب "الم" ونقرأها (ألف لام ميم) في بداية البقرة وآل عمران والروم ونقرأها (الم) في بداية الانشراح، فنحن إذاً نكتب شيئاً لا نقرأه "كما في مثال صلواة و زكوة، ونقرأ شي ليس مكتوباً في كما في مثال "الم" في بداية البقرة.
إننا نظن أن القرآن الذي نزل على محمد لا يوجد به هذه الإشكاليات لأنه نزل مقروءاً وليس مكتوباً فنزلت الصلاة صلاة، والزكاة زكاة، وألم الم، وألف لام ميم إلف لام ميم، بغض النظر عن طريقة رسمها على الورق من قبل كتبة الوحي.
فجل القول أن الذي نزل على محمد نزل منطوقاً ولم ينزل مكتوباً، قال تعالى:
وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ               الأنعام (7)
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ                             العنكبوت (48)
فالله لم ينزل على نبيه إذاً كتاباً في قرطاس يمكن لمسه بالأيدي، والذي تعهد الله بحفظه هو المنطوق وليس المكتوب، قال تعالى:
          بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ   العنكبوت (49)
فقل لي بالله عليك هل يستطيع أبناء القردة والخنازير إذاً تدنيس ما تعهد الله بحفظه (الآيات البينات التي في صدور الذين أوتوا العلم) أي النص المنطوق (وليس المكتوب) من القرآن الكريم؟ كلا وألف كلا.

فحتى لو أحرق الذين كفروا النسخ المكتوبة من القرآن الكريم، فهل يستطيعون إحراق ما هو موجود في صدور المؤمنين؟ ولو دنسوا الرسم البشري لكتاب الله فهل يستطيعون تدنيس كلماته المنطوقة؟ وحتى لو أحرقوا كل النسخ الموجودة على وجه الأرض فهل يستطيعون إحراق حفظة كتاب الله؟
تخيلات من عندي: لو كنت أملك ميزانية جيدة لذهبت وشاركتهم احتفالهم بحرق النسخ المكتوبة من المصحف الشريف، ولأخذت معي بعض النسخ التالفة وألقيتها معهم في النار، ولكني كنت – بكل تأكيد- سأسألهم بعد ذلك سؤالاً واحدا: هل يستطيعون إحراق رأس ابنتي التي لا تتجاوز من العمر ثلاث سنوات وهي أصبحت تحفظ فاتحة الكتاب وسورة الإخلاص؟
الجواب: فإن أحرقوا السطور لن يستطيعوا إحراق الصدور.

لا يمسه إلا المطهّرون: الكتاب المكنون
فلقد أعتقد البعض كما أسلفنا بعدم جواز مس المكتوب في السطور من القرآن الكريم من قبل الحائض والنفساء والجنب والكافر، متسلحين بقوله تعالى:
لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ                                                                        الواقعة (79)
ونحن نظن بخطأ اعتقادهم لسببين: أولهما، أنهم لم يدركوا ما هو الشيء الذي لا يسطيع مسه إلا المطهرون، وثانيهما أنهم أخطئوا بالمقصود من الاستثناء في قوله تعالى "إلا المطهرون"، ونثير هنا تساؤلين أثنين:
1.     ما هو الشيء الذي لا يمكن أن يمسه إلا المطهرون؟
2.     من هم المطهرون الذين يستطيعون مس ذلك الشيء؟
إنّ تدبر الآية الكريمة نفسها في سياقها الأوسع يزيل الإبهام بلا شك، قال تعالى
إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) الواقعة 77-79
فالضمير المتصل في فعل "يمسه" يمكن فهمها على وجهين لا ثالث لهما:
1.     أنها تعود على القرآن الكريم
2.     أنها تعود على الكتاب المكنون
ومهما كان التأويل فهي بكل تأكيد لا تعود على النص الذي رسمه البشر للقرآن الكريم، فإذا كانت تعود على القرآن الكريم فهي إذاً تعود على النص المنطوق الذي نزل به جبريل على النبي محمد وبذلك تتأكد استحالة أن يستطيع مسه البشر، أما ما رسمه كتبة الوحي للقرآن الكريم فهو ليس قرآناً كما أسلفنا، ولا ضير – برأينا- أن تلمسه الحائض والنفساء والجنب وحتى الكافر، فنحن نعلم أنّ كل مكتبات الغرب يوجد بها نسخ للقرآن الكريم حتى باللغة العربية وقد تقع تلك النسخ بيد الأجنبي الكافر والجنب أو الحائض في آن واحد فهل يعني ذلك أنه قد مسه وانتفت بذلك صدق الآية الكريمة التي تؤكد عدم قدرة غير المطهرين عن لمسه؟!
ومن ثم ما الإشكالية أن تلمس الحائض أو النفساء المصحف الذي هو من كتابة البشر لتقرأ فيه؟ ألا تكون في ذلك الوقت في أشد أوقاتها حاجة أن تقرأ في كتاب الله؟ لم تمنعوها عن لمس النص الذي كتبته أيدي البشر وتسمحوا لها بقراءة كلماته دون مسه؟ّ فهل فعلا لمست القرآن الكريم أو حتى لمست الكتاب المكنون؟
ثم من هم المطهرون الذين يستطيعون هم فقط مس القرآن الكريم أو الكتاب المكنون؟ فهل أحد من البشر مطهر؟ إن استدعاء السياقات القرآنية التي تتحدث عن المطهرين تتجلى منها الحقيقة الثابتة أنهم ليسوا من البشر الذين يقطنون وجه الأرض، قال تعالى:
وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا ۙ قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا ۖ وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ            البقرة (25)
قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ                                                                                آل عمران (15)
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا                                                                                      النساء (57)
فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16)
والدقة تستلزم الانتباه أن الله عندما رفع عيسى من الأرض جاء قوله على النحو التالي:
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ                                           آل عمران (55)
أما البشر على الأرض فهم "متطهّرون وليس مطهّرون"، قال تعالى
لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ                                                                                               التوبة (108)
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ                                    البقرة (222)
فالحائض ليست النقيض للمطهرة وإنما هي النقيض للمتطهرة، والله لم يمنع بذلك الحائض أو النفساء أصلاً من مس بالمصحف، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بأمر المس. فكل البشر رجالاً ونساء متطهرين أو جنبا لا يستطيعون المس بالنص المقروء من القرآن الكريم وهم لا يستطيعون كذلك مس الكتاب المكنون. أما النسخة البشرية التي رسمها البشر بالخط العربي للقرآن الكريم فهي من شأن البشر أنفسهم، ونحن نظن أن الله لم ولا ولن يمنع البشر أن يمسوا ما كتبوا هم بأيديهم. وإنما جعل من المتعذر عليهم لمس ما كتب هو بنفسه (الكتاب المكنون) وما أنزل على نبيه منطوقاً (القران)

الرقية والمشعوذين
وإذا كان هذا المكتوب على الورق هو من رسم البشر فهو ليس قرآناً، وبهذا لا يكون فيه شفاء للناس، قال تعالى:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا                 الإسراء (82)
فلقد درج بعض الدجّالين (وحتى من أصحاب العمائم البيضاء والسوداء)، نقول قد درجوا على كتابة بعض التمائم وإعطاءه للناس بدافع التطبب والتشافي، وهم بذلك لا يرعون في مؤمن إلاّ ولا ذمة واستغلوا جهل الناس بكتاب الله، حتى أصبحت تجارة رائجة عند الكثيرين (وإن كنت لا تصدقني فقلب بنفسك فضائياتهم التلفزيونية لترى ما يسوقونه للناس):
اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10)                                                                       التوبة 9-10
فتنقسم الآن شاشة فضائياتهم لتبيع في شقها الأيمن مستحضرات تكبير القضيب وتكبير الثديين وشد الأفخاذ، الخ، بينما يتابع الجزء الأيسر من الشاشة قراءة الأعراف والكهف وطه، الخ)
 فنقول لهؤلاء ولمن ظن بصدق دعواهم أنّ ما يكتبوه ليس قرآناً، والقرآن الكريم – في ظننا- منهم براء، فهم يكتبون بأيديهم ويرسمونه كما يحلو لهم ويدّعوا أنه قرآنا من عند الله:
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ                                                                               البقرة (79)
إنّ الرقية الشرعية من القرآن الكريم لا تكون إلا بالقراءة لأن القرآن مقروءاً وليس مكتوباً، ومتى كتب على الورق لم يعدوا أكثر من رسم بشري لآياته ولا يمكن أن يكون ذلك الرسم صحيحاً، فهو كذلك الرسم القرآني الذي يطلبه معلم التربية الإسلامية في الامتحان من طلابه في سؤاله التقليدي
أكمل قوله تعالى من .....     إلى قوله تعالى ........
فهل يا ترى ما يكتبه الطالب في ورقة الامتحان على علاّته النحوية والكتابية والتشكيلية والرسمية (كما أفعل أنا في كتاباتي) يكون فعلاً قرآناً؟ كلا وألف كلا.
فليتقي هؤلاء الدجّالين الله في الناس، وليفهم الناس حقيقة الأمر فلا يقعوا ضحية لمن ادعى وظن أنه علم شيئاً من كتاب الله، فأصبح يظن أنه قد أصبح على علم من الله، فتاجر به واشترى به ثمناً قليلاً، وهو لا زال في حاله مثلي يجهل حتى أبجديات كتاب الله.
وليراجع هؤلاء كيف كان يرقي النبي عليه الصلاة وأتم السلام نفسه، فهل حدث وطلب يوماً من كتبة الوحي إحضار رقعة مرسوم عليها شيئاً من كتاب الله ليضعها تحت رأسه في نومه أو يعلقها على صدره الشريف في يقظته أو يجعل منها شيئا في طعامه وشرابه؟

وقد يبادرنا البعض بالقول: إنك تدعي إذاً أن القرآن الكريم ليس مكتوباً إطلاقاً ويستحيل كتابته من بني البشر، أليس كذلك؟ فنقول نعم يستحيل على بني البشر كتابة القرآن الكريم، ومتى كتب لا يعدو أكثر من رسم بشري لكلمات الله، وليس بالضرورة أن يكون ذلك الرسم صحيحاً، فنحن نعلم أنه قبل إدخال التنقيط والتشكيل على النسخة المكتوبة للرسم القرآني كانت المفردة التالية ترمز لأكثر من شيء:
ك  ت ب
فهي تمثل كتب في قوله تعالى:
ذَٰلِكَ الْكِتَبُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)
وهي تمثل في قوله تعالى
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ                                                                                                   البقرة (180)
وهي تمثل في قوله تعالى
يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ     البقرة (21)

وقد أقرها النبي على ما هي عليه في بادئ الأمر، ونسخت في المصاحف الأولى كما هي، وأقرها مصحف عثمان في رسمه النهائي، فهل يا ترى كل تلك الكلمات كانت عند الله على تلك الشاكلة؟ وهل عندما أدخل التنقيط والتشكيل تم تصحيح تلك الكلمات على الشاكلة التي هي عليها في اللوح المحفوظ؟
ولعل القارئ قد فهم من كلامي هذا أنّ القرآن مكتوب عند الله، فنقول نعم هو مكتوب عند الله ولكنه ليس كما هو بين أيدينا، فهو منطوق عند الله كما ننطقه ولكنه مكتوب عند الله على نحو مختلف عن بين أيدينا، ففي لفظه هو قرآن وأما  في رسمه فهو ليس بقرآن.
فالله سبحانه لم ينزل على محمد القرآن مكتوباً بل نزّله منطوقاً، وهذه حقيقة لا يمكن أن يجادلنا بها أحد، فنسأل من يتشكك بكلامنا هذا سؤالاً ملخصه: لو فعلاً نزل القرآن من عند الله مكتوباً هل يمكن أن يكون رسمه كما نراه على الورق الآن؟ وهل كانت الحاجة ستستلزم في فترات تاريخية متفاوتة إدخال التعديلات والإضافات على رسمه؟ كلا، إننا ندعي أنه سيكون منذ لحظته الأولى كاملا لا يستلزم إجراء أي تعديل عليه، فهل يا ترى جرى تعديل على لفظ القرآن الكريم؟ الجواب لا، والسبب بسيط لأنه نزل منطوقاً فما تغير اللفظ بتغير عامل الزمن، أما الكتابة (الرسم) فقد عدلت وتبدلت مع مستلزمات الزمن.
وقد يرد البعض بالقول وهل كان من الممكن أن ينزل القرآن الكريم منطوقاً ومكتوباً في آن واحد؟ فنقول نعم لو لقضت حكمة الله بذلك، ولنتدبر الآية الكريمة التالية التي تثبت أن ألله قد ينزل كلماته مكتوبة كما أنزلها منطوقة، قال تعالى:
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ                                                                                        الأعراف (145)
وهذا يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أنّ موسى عاد يحمل بيديه ما كتبه الله له في الألواح، فقضت حكمة الله أن يتلقى موسى الرسالة مكتوبة وأن يتلقى محمداً الرسالة منطوقة، ولذا تستلزم الدقة تدبر الآية الكريمة التالية:
أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ (37)                    النجم 36-37
فقد كان يملك موسى وإبراهيم صحفاً، وملك محمد قرآناً، واتينا داوود زبورا:
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ   الأنبياء (105)
نستنتج من السرد السابق أنّ تلك الكتب نزلت مكتوبة، ونزلت رسالة الإسلام مقروءة، وقد يبادرنا البعض بالسؤال عن الحكمة في ذلك، فنقول لعلنا نظن أنّ السبب واضح وهو: ما عملناه نحن بالرسم القرآني عملته الأمم الأخر بالرسم الإلهي لكتبهم: وهو التحريف والإضافة عليه؟ فنحن قد أضفنا وزدنا في الرسم القرآني وهم قد أضافوا وزادوا على الرسم الإلهي لكتبهم، ولكن الفرق بيننا وبينهم أنه في حين لم تكن رسالتهم منطوقة اختلفوا في نطقها فأضافوا وبدلوا في النطق أيضاً فتحرفت رسالتهم كتابة ونطقاً وضاعت معها حتى لغتهم، فمن من البشر لا زال ينطق بلسان إبراهيم؟ ومن من البشر لا زال ينطق بلسان موسى؟ ومن من البشر لا زال ينطق بلسان داوود؟ ولكن كم من البشر لا زال يستطيع أنْ ينطق بلسان محمد عليه وعلى جميع رسل الله أفضل وأتم السلام؟
نعم لقد تحرفت رسالتنا كما تحرفت رسالتهم كتابة ولكنها لم تتحرف نطقاً، وقد تعهد الله بحفظ هذه الرسالة ليس كتابة (أي صحفاً) وإنما نطقاً (أي قرآناً).

وقد يبادرنا البعض بالسؤال التالي: ألم يقرأ أنبياء الله السابقون تلك الصحف لأقوامهم؟ نقول نعم لقد فعلوا، فيرد صاحبنا بالقول لقد كانوا إذاً يحفظون تلك الصحف كتابة وقراءة؟ فنقول كلا، لم يكونوا يحفظونها قراءة بل كتابة، فيرد صاحبنا بالقول وكيف ذلك؟ فنرد بالآية التالية من كتاب الله:
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا ۚ بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ                                                                        الجمعة (5)
نعم كانت صحفهم على ظهورهم، فلم يكونوا هم أكثر من حمير تحمل أثقالاً لا تعي ما تحمل، ولا تفهم لم تحمله، ولما طال بها حمله على ظهورها اختلفت فيه، قال تعالى:
ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176)
فتباينت ألسنتهم وضاعت لغتهم وتحرفت شريعتهم، فتفرقوا شعوباً وقبائل، كل حزب بما لديهم فرحون.

أما نحن فقد كان قرآننا منذ اللحظة الأولى في صدورنا، وليس في الصدر أثمن من القلب الذي هو موطن الإدراك ومكان التمييز، فعرفت هذه الآمة كم هو ثمين ذاك الذي في صدرها فحفظه أبناءه من أول حرف إلى آخر حرف فيه، ولا يكاد مسلم على وجه البسيطة (حتى وإن كان معاقراً للخمر متخذاً أخدان) إلا ويحفظ شيئاً من كتاب الله.

والسؤال الذي نعود البحث فيه هو: "أين يكمن العلم الحقيقي؟" وما السبيل إلى استكشافه؟ إنّ جلّ النقاش السابق يفضي إلى هذه الأسئلة. وهو ذروة البحث ومقصده، ولا شك أنّ ما سنقحم أنفسنا فيه غاية في الخطورة لما قد يترتب عليه من نتائج. فالجواب على التساؤل الأول بمفهومنا بسيط وقد سبق ذكره وهو أنّ المعرفة كلها تكمن في كلام الله، ولكن السؤال الذي يعنينا هو إن صح هذا الافتراض فإننا بحاجة إلى السبيل للوصول إلى تلك المعرفة ومن ثم إثباتها عملياً لتصبح منهاجاً للتفكير العلمي الديني؟ 
***    ***    ***

وغاية ما نطمح إليه هو أن يصبح هذا التصور طريقة جديدة في البحث العلمي، الطريقة التي تجمع بين العلم المادي والإيمان العقائدي المستند على مصدر التشريع الإسلامي الأول وهو كتاب الله.
-- فنحن بحاجة إلى الطبيب الذي لا يدخل المسجد بفكر ويخرج منه بفكر، فلا نريد الطبيب المسلم أن يسمع كلام الله "وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ۙ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (الإسراء 82 )" ثم يذهب إلى العيادة فلا يؤمن إلا بـعقاقير الـ و الـ..، الخ.
 -- وهل نحن بحاجة إلى عالم الفلك المسلم الذي يدخل المسجد فيسمع كلام الله:
 وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18)                                                                           الحجر 16-18
ثم يذهب إلى غرفة الصف فلا يتحدث عن هذه الشهب إلا ضمن قانون الجاذبية الذي ابتدعه "نيوتن" ولا يؤمن بالقانون الإلهي الموجود في كتاب الله سوى أنّه اعتقاد ديني يصعب عليه تصديقه ويخجل أنْ يكذبه؟
-- ونحن بحاجة إلى العالم المسلم المتخصص  بعلم الوراثة الذي يؤمن "وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27)". فلا يجد في نفسه حرجاً أنْ يبني كل تفكيره العلمي على هذه الحقيقة القرآنية.
-- ونحن لسنا بحاجة عالم التاريخ الذي يقرأ في كتاب الله عن عاد وثمود وأصحاب الأيكة وقوم تبع وعن هامان وقارون وفرعون ثم يعود فلا يكتب إلا ما دونته كتب التاريخ الإنساني.
-- ونحن كذلك لسنا بحاجة لعالم الآثار الذي لا يؤمن بما جاء في كتاب الله عن تلك الأقوام البائدة في دراساته وكتاباته العلمية، ليستند على وثائق واختبارات وما كتب على حجارة وجدران وينسى ما كتب في اللوح المحفوظ، ألم يقل الله أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10)
-- ونحن كذلك لسنا بحاجة لرجل الحرب ومخططها الذي يقرأ في كتاب الله كيف أُستخدم الريح، أو المطر، أو الحجارة في هلاك أمم بأكملها ثم لا يكون في فكره أكثر من مهمة استيراد السلاح من العدو الذي لن يعطيه إلا ما أكل عليه الدهر وشرب، فهل فكر يوماً بأنّ الريح قد تكون أقوى من قنابل الغرب ومتفجراته؟ وهل فكر بأن المطر قد يكون نعمة في حربه مع أعدائه؟ وهل آمن بأن الصيحة قد تكون أشد ردعاً من القنبلة النووية؟ ألم يقرأ في كتاب الله؟
وَمَا يَنْظُرُ هَٰؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ                                                      ص 15
وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)
وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّىٰ حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44)                                                                                                                           الذاريات 41-42
ولو قرأ مخططو السياسات العسكرية سورة القمر وآمنوا بما فيها وعملوا في البحث عن وسائل الحرب فيها، لكنّا الآن في مأمن من كل التهديدات العسكرية التي تحاك ضد هذه الأمة.
-- ونحن كذلك لسنا بحاجة إلى التربويين ودعاة حقوق المرأة الذين يقرؤون ليل ونهار آيات الله:
الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ۚ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ۚ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا                                                       النساء (34)
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ۚ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ۚ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ۚ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ۚ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ۗ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ۚ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)
ثم يذهبوا لينشروا كتاباتهم التي تدافع عن الإسلام وعن القرآن وكأنه متهم، ولسان حالهم الاعتذار وإن لم يقولوها صراحة، وكأن غيرهم من أخوان القردة والخنازير هم من أعطى المرأة حقها وحرر الجنس الأسود من العبودية.
-- ونحن لسنا بحاجة إلى أصحاب وصاحبات القرار السياسي الذين يظهرون في برامج تلفزيونية وإذاعية للمفسدين والمفسدات ليعطلوا آيات الحجاب ويقدموا الفتاوى على أنّ الحجاب ليس أكثر من عادة اجتماعية أكل عليه الدهر وشرب، ولسان حالهم يقول لأسيادهم من إخوان القردة والخنازير أعذرونا نحن مثلكم نؤمن بالتحضر والتمدن والسفالة.
ونحن لسنا بحاجة لعالم الاجتماع الذي يقرأ في كتاب الله.
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ                                  البقرة (65)
ثم يذهب إلى غرفة الصف فلا يتجرأ حتى أن يضع هذا الموضوع للنقاش، ويعتبره (إن آمن به أصلاً) أمراً حصل فقط في السياق الديني ولا علاقة لذلك بل العلم إطلاقاً.
-- ونحن – ونحن – ونحن
إننا لا نزيد القول لهم جميعاً عن ما جاء بحقهم في كتاب الله:
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ۖ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ                                                                                                      يونس (39)        

والسؤال الذي أود أنْ أطرحه هنا هو: أليس هذا هو فصل الدين عن العلم؟ وهل ظن الناس أنّ موضوع فصل الدين عن الدولة يعني عدم تطبيق حفنة من القوانين والشرائع السماوية؟ أليس هذا كما ذكرنا سابقاً هو الانفصام للشخصية، انفصام بين ما يؤمن به الشخص في المسجد والبيت وخلوته وما يؤمن به في مختبره ودرسه وعلى الملأ من بني جلدته؟ ألم يقرأ هؤلاء قول الله تعالى؟
... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ         البقرة (85)                                                       
وأيّ خزي أكبر من ذلك الخزي الذي أصاب هذه الأمة يوم أنْ تركت منهجها القرآني واتبعت المنهج الغربي في البحث العلمي وتناسوا ما جاء في كتاب الله:
وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ                        فصلت (44)
وحتى المسلم الحسن فقط يؤمن بما في كتاب الله تعالى، ولكن عندما يأتي ذكر هذه الأمور السالفة الذكر كالتي درج الناس على تسميتها بالمعجزات (ونسميها نحن كما وردت في كتاب الله بالآيات  وبالبينات) – لا يزيد أنْ يعتبرها أكثر من أمور خاصة جداً غير قابلة للتطبيق إطلاقاً، وحتى قد يصل الأمر إلى درجة أن تخالج البعض أفكار قد تلقي بظلال الشك على بعض هذه الأمور، فإذا ما ذكرت قصة "الخضر" مثلاً وأصبح هناك جدل بين ذلك المسلم الحسن إسلامه وبين ذلك المحاور في آيات الله، وجدت الإنسان المسلم يحاول التهرب من هذه المواضيع، ولسان حاله كأنة يعتذر عنها، ولا نجد أنه مدافع مؤمن بكل حرف فيها، فقد ينظر إليها بعض ضعاف الإيمان على أنها نقاط ضعف في الدين، وكم من مسلم ممن يظنون أنهم أصحاب عقول ذكية، أخذتهم هذه الأمور إلى الطرف الآخر، ليكونوا هم المدافعين عن العلمانية، فغرتهم عقولهم لأنها لم توصلهم إلى طريق الحقيقة المنشود. فهذه العقول قد استهوتها شبه أكذوبة أصبحت لديهم من المسلمات، وهي ما سمي بالطريقة العلمية للبحث العلمي، وعلى أي حال لا أود أن أدخل في جدلية قد لا تفضي إلى شيء، ولكن أود أنْ أجلب انتباه القارئ إلى سؤال واحد وهو: ما الذي أفضت إليه هذه الطريقة في مجال العلوم المختلفة؟ هل استطاعت تلك الطريقة أن تحل ولو جزءاً بسيطاً من لغز هذا الكون. إن المعرفة الإنسانية التي تراكمت حتى باستخدام الطريقة العلمية لا تشكل حتى نزراً يسيراً جداً مما يطمح إليه الخيال العلمي، فهل ما أنجز مثلاً في مجال الانتقال والاتصال يقارن بما كان ميسراً لسليمان عليه السلام؟ وهل ما أنجز مثلاً في مجال الطب يشكل شيئاً مما كان ميسراً لعيسى عليه السلام؟ وهل ما أنجز مثلاً في مجال علم الاجتماع يمكن أن يقارن بما كان ميسراً للخضر أو للقمان؟

إنّ جل ما تفعله الطريقة العلمية في مجال الطب مثلاً أن يخضع عدد من الناس للتجربة فتحقن مجموعة من المرضى بدواء ما ومجموعة أخرى ضابطة لا يحقنون بذلك العقار، فإذا كانت نسبة الشفاء بين الذين أعطوا العقار أعلى من نسبة من لم يعطوا ذلك العقار توصل الباحث إلى نتيجة مفادها أنّ ذلك العقار ملائم لعلاج لذلك المرض. أليس هذا ما يحصل؟ فلم لا نبدأ نحن المسلمين بذلك؟ فلم لا نأخذ عينة منهم ونجرب آيات وكلام الله"؟ ألم يقل الله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء"؟ فإذا كانت النتيجة بين أولئك الذين سمعوا كلام الله أفضل من النتيجة على العينة الذين لم يسمعون كلام الله، فلِمَ لا نصل إلى نتيجة مفادها أنّ كلام الله هو شفاء؟ ولا تظن أنّ هذا الأمر يتم على أيدي الدجالين والمشعوذين، بل نحن نطالب بأنّ يكون ذلك مؤسساً على منهجية علمية موثقة ومكتوبة وقابلة للتجريب والاختبار والنقاش، ولو بدأنا بتنفيذ ذلك، فلا يمكن أنْ تتخيل الكم الهائل من الأبحاث العلمية الدينية التي قد تناقش حتى الفكرة الواحدة البسيطة، وعندها سيكون لنا علمنا البديل في كل العلوم المعروفة، ويصبح لنا منهجيتنا التي تميزنا عن غيرنا من الأمم، وأنا على يقين أنها ستكون منهجية أرقى من منهجية جميع الأمم الأخرى لأنها مؤسسة كما نؤمن جميعنا على المصدر الذي جاءت منه المعرفة أساساً. فقال تعالى:
"عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون.                                                                                                                 النبأ     
والقارئ الكريم مدعو لقراءة هذه السورة الكريمة التي أنزلت قبل أربعة عشر قرناً ليرى ما فيها من البينات العلمية، ليقنع أنّ هذا الكتاب هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

بقلم د. رشيد الجراح
مركز اللغات
جامعة اليرموك
الأردن
 رسم توضيحي 1




[1] سنتوقف بعد فترة عند فكرة الحفظ التي تعهد الله بها. ولكننا نكتفي الآن البوح أن الله تعهد بحفظ الذكر كما تنص الآية الكريمة ولم يتكفل بحفظ القرآن، لذا كما حرفت الأمم السابقة رسالة ربهم حرفت هذه الأمة كذلك رسالة ربها، لكن هذا يدعونا إلى التمعن بمعنى التحريف، وكل ما نطلبه من القارئ الكريم حتى الساعة هو إمعان التفكر بالتفريق بين التبديل (الذي يتبادل إلى ذهنه عند الحديث عن كتب الأمم السابقة) والتحريف الذي تحدث الله عنه عن ما فعلت تلك الأمم، فمراد القول أن الأمم السابقة لم تبدل ولكنها حرفت (وشتان بين هذا وذاك)، وهذا ما سنتعرض له لاحقاً بحول الله وتوفيقه، فالله أسأل أن يعلمني من لدنه علماً لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم.
[2] نحن نعتقد يقيناً أن القرآن الكريم يخلو من المجاز، فهو – لا شك عندنا- كلام الله على الحقيقة. للتفصيل انظر مقالتنا جدلية الحقيقة والمجاز في القرآن الكريم.
[3] للتفصيل أكثر في هذه القضية انظر مقالتنا تحت عنوان: لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه (11)؟
[4] للتفصيل انظر مقالتنا: هل هي معجزات أم آيات بينات؟
[5] لاحظ عزيزي القارئ أن القرآن الكريم يتكون من آيات، ففي الفاتحة 7 آيات، وفي سورة البقرة مثلاً 286 آية، وهناك 200 آية في سورة آل عمران، وهكذا. والمتدبر للنص القرآني يجد أن الحديث عن عصا موسى أو عن ناقة صالح وغيرها جاء على صيغة أن تلك آيات، ونحن نرى الفرق بينهما هو في حين أن تلك الآيات التي جاء بها رسل الله كانت آيات ملموسة (مادية كالعصا واليد والناقة) فإن آيات القرآن الكريم هي آيات متلوة، وسنتحدث لاحقاً (عن أذن الله لنا بشيء من علمه عن العلاقة بين الآيات المادية الملموسة التي جاءت بها رسل ربنا وآيات القرآن المتلوة التي جاءت في كتاب ربنا، لذا فالله أسأل أن يأذن لي بعلم من لدنه لا ينبغي لغيري غنه هو السميع العليم)
 [6] سنناقش لاحقاً معنى الذكر الذي تعهد الله بحفظه في ضوء الآيات القرآنية التالية:
ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ                                                                               آل عمران (58)
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7)
 مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)                        الحجر 6-9
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۚ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)            النحل
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ                                           الأنبياء (7)
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ                                       الأنبياء (105)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)                                      الفرقان 17-18
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29) وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (30)  الفرقان 27-30
وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11)                                                                                                                         يس 10-11
ص ۚ وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ                                                                                                ص (1)
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا ۚ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي ۖ بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ                                           ص (8)
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ۗ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45)             فصلت
  حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5)                                                                                        الزخرف 1-5
فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25)          القمر
وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ                                           القلم (51)

[7] للتفصيل انظر مقالتنا: لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه (11)؟
[8] وسنتحدث عن هذا الموضوع بشيء من التفصيل في مقالتنا "زوجة موسى"
[9] للتفصيل انظر مقالتنا: من هي زوجة موسى؟ و ثلاثية المرأة.
 [10]انظر ما جاء في ابن كثير:
"وَهَذِهِ أَسْمَاء أَصْنَامهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا هِشَام عَنْ اِبْن جُرَيْج وَقَالَ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس صَارَتْ الْأَوْثَان الَّتِي كَانَتْ فِي قَوْم نُوح فِي الْعَرَب بَعْد : أَمَّا وَدّ فَكَانَتْ لِكَلْبٍ بِدُومَة الْجَنْدَل وَأَمَّا سُوَاع فَكَانَتْ لِهُذَيْل وَأَمَّا يَغُوث فَكَانَتْ لِمُرَادٍ ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْف بِالْجُرْفِ عِنْد سَبَأ أَمَّا يَعُوق فَكَانَتْ لِهَمْدَان وَأَمَّا نَسْر فَكَانَتْ لِحِمْيَر لِآلِ ذِي كَلَاعٍ ..."
أحدث أقدم