تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الزكاة - الجزء الثامن



فقه الزكاة: الجزء الثامن 

سألني بعضهم: ما الذي يجعلك تظن أن افتراءاتك هي الأقرب للصواب؟ أليس هناك احتمال أن تكون مخطئا في افتراءاتك؟

رأينا المفترى: قد أكون مخطئا، فهذا أمر طبيعي، وذلك لأننا لا نستطيع أن ننسلخ تماما من إنسانيتنا، فاحتمالية الصواب في كل ما نقول ونفتري هي احتمالية معدومة، لكن هذا لا ثنينا عن محاولة تقديم الرأي الذي نظن أنه الأقرب إلى الصواب ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، ظانين بالله ظنا حسنا أن يؤتينا رشدنا، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يزدنا علما إنه، هو القريب المجيب. 

لكن ما يدفعنا أن نكون أكثر قناعة برأينا مما نجد عند غيرنا هما سببان اثنان على الأقل:

1. أنّ هذا رأينا، لذا يجب أن نكون مقتنعين به بداية حتى نستطيع أن نقنع بها غيرنا بعد ذلك. فالذي يقول بفيه ما ليس في قلبه هو لا شك من المنافقين:

وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ قَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوِ ادْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالاً لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (167)

وهم لا شك من الذين لم يؤمنوا بقلوبهم:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

وهم لا شك من الذين يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم:

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)

يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (8)

فالله وحده ندعوه أن لا نكون من هؤلاء، إنه هو وحده من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

2. أنّ رأينا يستند إلى الدليل الذي ربما يصعب المجادلة فيه إلاّ عن علم، فمن يستطيع أن يقدم دليلا أكثر وجاهة من الدليل الذي نقدمه، فنحن له مدينون، لا بل ومستعدون (بعد شكره) أن نأخذ برأيه، وأن ونضرب برأينا عرض الحائط. فالحق أحق أن يتبع.

السؤال: كيف أستطيع أن أميز الرأي الأكثر وجاهة من غيره؟ يسأل صاحبنا المعهود.

رأينا المفترى: لعلي أكاد أجزم الظن بأن الرأي الصائب يجب أن يتسم بصفتين اثنتين على الأقل:

1- أن لا يعارض هذا الرأي أي معلومة وردت في كتاب الله، فالرأي الصائب هو الذي يُستمدّ من كتاب الله، فيؤدي إلى فتح آفاق جديدة في الفهم، تُبني على ما سبق، وتجعل المضي قدما إلى الأمام أيسر وأسهل. أما الرأي غير الصائب فهو الذي يكون عرضة أن تنقضه أي آية من كتاب الله بصريح اللفظ أو بمضمونه. 

2- أن يكون هذا الرأي بسيطا يخلو من التعقيد في الشكل والمضمون، فيكون مقنعا للناس على اختلاف مستوياتهم الفكرية وتعدد مراجعهم المعرفية. فمن غير المنطقي (نحن نظن) أن يكون الرأي على درجة كبيرة من التعقيد، لأنه يكون حينئذ دولة بين أهل العلم فقط. فالله الذي جعل الناس كلهم مكلفين، قد وجّه لهم خطابا - لا محالة- يناسب مستوياتهم جميعا. لذا، نحن نرى بأن كل رأي (مهما كان مصدره) لا يتسم بالبساطة واليسر في العرض وفي الفهم، وبالتالي القبول عند الناس كافة ليس أكثر من سفسطائية كلامية لا تمت إلى كتاب الله بصلة. فكتاب الله يخاطب العقل البشري الجمعي بما يلائمه ويتقبله. لذا، إذا كان هناك رأي ما مستنبط من كتاب الله وتريد أن تتأكد من درجة مصداقيته، فما عليك إلا أن تعرضه على أكثر الناس بساطة في التفكير، وإذا ما وجدت أن هذا "العقل البسيط" يتقبله كما يتقبله عقل أكثر أهل الأرض رسوخا في العلم، فأعلم أنك قد قاربت الحقيقة. ولنأخذ مثالا توضيحيا على ذلك.

المثال

لو عدنا إلى قصة يوسف التي يعرفها الجميع مثلا، لوجدنا أن هناك سؤالا يجب أن يطرح بناء على ما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

السؤال: ما الذي جعل الملك يقتنع على الفور أن تأويل يوسف هذا هو التأويل الصحيح للرؤيا؟ لِم لم يشك الملك في هذا التأويل؟ لِم لم ينتظر حتى يتبين له ذلك بعد فترة من الزمن؟ كيف طلب أن يؤتوه بيوسف (فيستخلصه لنفسه) مباشرة بعد سماعه تأويل الرؤيا؟ ماذا لو تبين لاحقا أن هذا التأويل غير صحيح؟ وبكلمات أكثر دقة، نحن نسأل: لِم كان الملك واثقا تماما أنّ تأويل يوسف لرؤياه هو فعلا التأويل الحقيقي ولا شيء غيره؟

رأينا المفترى: بداية، نحن نطلب من الجميع أن ينظروا في أمهات كتب التفسير إن وجدوا فيها جوابا على مثل هذا التساؤل الذي نظنه قد راود كثير ممن قرءوا هذه الآيات الكريمة في كتاب الله، وليرجعوا البصر كرة أخرى في كل الأدب المتوافر حول القصة وتحليلاتها على مدار قرونا من الزمن، ثم ينظروا بعد ذلك فيما سنفتريه نحن بعد قليل من رأي حول هذه الجزئية من القصة. وبعد ذلك، يكون لهم الحكم في الفصل بين الآراء جميعا. 

إنّ ما يهمنا قوله هنا هو أن الرأي الذي سنفتري بعد قليل من عند أنفسنا يجب أن يكون مقبولا عند الناس على اختلاف مستوياتهم العلمية، فهو يجب أن يكون مقبولا عند العامة من الناس كما يجب أن يكون مقبولا عند أهل العلم على حد سواء، وذلك لأنه يجب أن يكون متسما بالبساطة واليسر حتى يكون مفهوما عند الجميع. ويجب التنبيه في الوقت ذاته أن كلامنا هذا يجب أن لا يفهم منه أن افتراءنا هو مطلق الحقيقة والثبات، بل نحن مستعدون للتخلي عنه في حالة استطاع أحد أن يأتينا بما هو أصوب منه. لكن إن لم يستطع أحد تقديم ما هو أفضل مما عندنا، فإننا سنبقى ملتزمين واثقين بصحة ما نقول وندعي. 

السؤال مرة أخرى: كيف أيقن الملك بأن تأويل يوسف هذا هو التأويل الحقيقي للرؤيا بمجرد أن سمعه من فم من جاء به من عند يوسف الذي لازال حتى الساعة في السجن؟ ولم طلب الملك أن يؤتوه بيوسف على الفور ليستخلصه لنفسه بالرغم أن الرؤيا تنبئ بم سيحصل في قادم الأيام؟

جواب مفترى: لو دققنا في ما قاله الملك بخصوص الرؤيا، لوجدنا الآية الكريمة التالية:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) 

ولو حاولنا مقارنة رؤيا الملك هذه برؤيا يوسف نفسه في طفولته، لوجدنا يوسف يقص رؤياه على أبيه على النحو التالي:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) 

والمدقق في هذين السياقين معا، يجد على الفور أن هناك فرقا واضحا جليا لا لبس فيه يتمثل في وجود مفردة (أَرَى) في رؤيا الملك مقابل مفردة (رَأَيْتُ) في رؤيا يوسف. ليكون السؤال على الفور هو: لماذا قال الملك (إِنِّي أَرَى) بينما قال يوسف (إِنِّي رَأَيْتُ)؟ 

جواب مفترى: نحن نظن أن يوسف قد قص على أبيه رؤياه التي رءاها مرة واحدة. فما أن رأى يوسف تلك الرؤيا حتى عمد (كغلام صغير) إلى إخبار أبيه بها، فكانت تلك رؤيا قد حصلت ليوسف مرة واحدة فقط بدليل قوله (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ). 

نتيجة مفتراة: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن يوسف قد رأى تلك الرؤيا مرة واحدة، فقصها على الفور على أبيه. انتهى.

أما الملك، فقد رأى تلك الرؤيا أكثر من مرة، بدليل أن الفعل جاء على صيغة الفعل المضارع (كما يصفه أهل اللغة)، وهو ما يدل (نحن نظن) على تكرار الحدث أكثر من مرة (إِنِّي أَرَى)، فلو كان الملك قد رأى تلك الرؤيا مرة واحده، لقال (إني رأيت)، لكن لمّا كانت الرؤيا قد تكررت عند الملك أكثر من مرة، جاء قوله على نحو (إِنِّي أَرَى). هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟ 

وهذه الصيغة ذاتها (إِنِّي أَرَى) قد وردت في كتاب الله مرة أخرى مع إبراهيم الذي كان يرى في المنام أنه يذبح ابنه:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)

فيستحيل أن يقدم إبراهيم (نحن نظن) على ذبح ابنه لمجرد أنه قد رأى ذلك لمرة واحدة فقط، لكن الآية الكريمة ترشدنا أن تلك الرؤيا قد أقلقت منام إبراهيم أكثر من مرة، فما عاد من الممكن أن ينسبها لعامل المصادفة. فالرؤيا قد تكررت مع إبراهيم أكثر من مرة بدليل قوله (إِنِّي أَرَى). هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟ 

نتيجة مفتراة: كان الملك قد رأى تلك الرؤيا ذاته في منامه أكثر من مرة. فما قصها على الملأ من حوله إلا لأنها أصبحت تثقل كاهله وتقض مضجعه. 

السؤال: ماذا يفيد مثل هذا الطرح في حل إشكالية تصديق الملك بتأويل يوسف لرؤياه على الفور؟ 

جواب مفترى من عند أنفسنا: لمّا كانت الرؤيا قد تكررت مع الملك أكثر من مرة، بدليل قوله (وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى)، طلب من الملأ أن يفتوه في تأويل رؤياه. ولا شك عندنا أن الكثيرين حاولوا تقديم الرأي والمشورة، لكنهم لم يفلحوا في أن يأتوه بالتأويل الصحيح حتى استيأسوا من ذلك، فجاء قولهم في نهاية المطاف على النحو التالي:

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (44)

السؤال: كيف تأكد للملك ولهم جميعا بأن محاولاتهم قد باءت كلها بالفشل؟ وكيف طاوعتهم أنفسهم أن ينعتوا رؤيا الملك بأنها (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ) ويعلنوا بالتالي عجزهم عن تأويل تلك الأحلام (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ)؟ 

وبالمقابل، كيف تأكد للملك بأن تأويل يوسف هو حق لا لبس فيه، فطلب بأن يأتوه به على الفور؟

جواب مفترى بسيط جدا جدا: نحن نظن أنه لمّا كان الملأ يأتوا الملك بأي محاولة لتأويل رؤياه، كان يتأكد للملك بأن تأويلهم غير صحيح، وذلك لأن الرؤيا بقيت تلازمه في المنام، فما انفكت عنه، فظل يرى الرؤيا نفسها في منامه بعد محاولة الملأ تعبيرها له. لكن – بالمقابل- عندما جاءه الرسول الذي أرسلوه بتأويل يوسف، نام الملك ليلته الطويلة تلك، فما عادت الرؤيا تقلق منامه، أي توقفت الرؤيا التي كانت تقض مضجعه في كل ليلة سابقة على الفور، فتأكد له بأن هذا التأويل هو التأويل الصحيح، فطلب أن يأتوه بيوسف على الفور. هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟

ولو حاولنا مقارنة هذا برؤيا إبراهيم التي كانت تتكرر في منامه، لوجدنا بأن الرؤيا ما انقطعت عن إبراهيم حتى أقدم فعلا على ذبح ابنه، قال تعالى:

فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103)

هناك بالضبط، جاءه الخطاب الرباني على النحو التالي:

وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ (106)

فما عادت الرؤيا تقلق إبراهيم في منامه من جديد، لأنها أصبحت مصدّقة على أرض الواقع. هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟

تخيلات مفتراة: نحن نتخيل أن ما حدث مع الملك كان على النحو التالي: في ليلة ما، جاءت تلك الرؤيا الملك، فكانت مرعبة (أي كابوسا) لأنها عبارة عن سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف، وسبع سنبلات خضر وآخر يابسات. فكان ينهض الملك من فراشه (نحن نتخيل) فزعا مرعوبا، خائفا متوترا من هول ما رأى في تلك الليلة في منامه، أي ما يشبه ما نسميه نحن بلغتنا الدارجة كابوسا في المنام. وأخذت تلك الرؤيا تتكرر مع الملك يوميا حتى أقلقت منامه، وعكرت عليه صفو حياته، فما عاد يستطيع أن يكتمها في نفسه. ونحن نكاد نجزم الظن بأنه لو حصلت تلك الرؤيا مع الملك مرة واحدة فقط، لما أخبر بها من حوله حفاظا (على الأقل) على خصوصية حياته؛ فمن غير المنطقي أن يخرج الملك إلى الملأ ليخبرهم بما يحصل معه في منامه، لأن ذلك سيشكل تهديدا لهيبة الملك عندهم، لكن لما أصبحت الرؤيا تقلقه في كل ليلة، لم يستطع الملك السكوت على ذلك لسببين اثنين على الأقل:

1- أنها أصبحت مرهقة له من الناحية الجسدية والنفسية، فأصبح التعب (من قلة النوم المريح) باديا على محياه وعلى تصرفاته في النهار وخاصة على مرأى من الملأ من حوله

2- لما أصبحت الرؤيا متكررة في كل ليلة بنفس النسق والتفاصيل، ما عاد الملك يشك قيد أنملة بأن الخطب جلل، وأن هذه الرؤيا لها علاقة بمملكته كلها، وأن خطرا داهما يتهدد البلاد والعباد، فما عادت قضيته الشخصية، ولكنها قضية عامة يجب التنبه لها قبل فوات الأوان، لذا كان عليه أن يبوح بها للملأ، ليبحثوا له عن حل لهذه المعضلة. هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما أصبح ظن الملك أن هذه الرؤيا ليست قضيته الشخصية، لم يتوانى الملك عن طلب تأويل لها من الملأ. ولا شك عندنا أن الملأ لم يتوانوا لحظة واحدة في البحث عن تأويل لهذه الرؤيا. ونحن نظن بأنه لو كان الملك يعلم أن ليس بينهم معبرين للرؤيا لما قال لهم:

... يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) 

فالملك إذن يعلم يقينا أن فيهم معبرين للرؤيا، لذا طلب تعبيرهم لها. لكن باءت كل جهودهم (نحن نفتري الظن) بالفشل، وذلك لأنه كلما جاءه أحدهم بتعبير جديد لها، كانت الرؤيا تتكرر في نفس الليلة مع الملك، فيتيقن الملك أن هذا التأويل المقترح حينئذ غير صحيح، ولما فشل الجميع في تعبير تلك الرؤيا، أعلنوا فشلهم صراحة للملك نفسه، فنعتوا الرؤيا بأضغاث الأحلام (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ) وأعلنوا استسلامهم بأنهم غير عالمين بتأويل الأحلام كلها (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ). هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟

نتيجة مفتراة: لكي يحافظ الملأ على هيبتهم، أنزلوا رؤيا الملك من مقام الرؤيا الحقيقية كما جاء على لسان الملك نفسه (يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ) إلى مقام أضغاث الأحلام كما جاء على لسانهم (قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ)، وظنوا أن هذا ليس من مجال تخصصهم لأنهم عالمين بتأويل الرؤيا لكنهم غير عالمين بتأويل أضغاث الأحلام. فهم إذن يلقون باللائمة على الملك لكي يحفظوا ماء وجههم أمامه ويحافظوا على هيبتهم في أنهم لازالوا يملكون علم التعبير للرؤيا (أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ)، لكن المشكلة في ظنهم أن ما يراه الملك في منامه لا يقع في نطاق الرؤيا الحقيقية التي يمكن أن تعبر، ولكنها تقع في باب أضغاث الأحلام التي ليست من اختصاصهم. هل هذا مقبول عندكم يا سادة؟

السؤال: ما الذي حصل عندما جاء الرسول (الذي أرسلوه) بتأويل تلك الرؤيا من عند نزيل السجن يوسف؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن جاء الرسول بتأويل الرؤيا من عند يوسف بالإضافة إلى الحل الأمثل لها على النحو التالي:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

حتى نام الملك في ليلته تلك نوما عميقا، وما عادت تلك الرؤيا تقلق نومه، فكانت تلك ليلته الأولى الهادئة بعد ليال كثيرة من التعب والإرهاق والفزع المرعب في الليل. عندها تأكد للملك (نحن نظن) أن هذا التأويل هو التأويل الحقيقي لتلك الرؤيا المرعبة، وأن هذا الحل الذي قدّمه نزيل السجن يوسف هو الحل الأمثل، وأن في هذا الحل المقترح من قبل صاحب التأويل الصحيح (أي يوسف) إنقاذا للبلاد والعباد من الخطر الداهم. فما كانت ردة فعله في الصباح الباكر من الليلة الأولى التي تلت تأويل يوسف للرؤيا إلا على النحو التالي:

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

السؤال: هل يصعب على الناس كافة (عالمهم ومتعلمهم) أن يفهموا هذا الرأي المفترى من عند أنفسنا ويستوعبوه؟ من يدري؟!!!

تلخيص ما سبق: نحن نظن أن أي افتراء يقدمه من عنده آثارة من علم يجب أن يكون مفهوما للجميع، خاليا من أسلوب التعمية (شكلا بالمفردات الجزلة ومضمونا بالأفكار الغريبة) الذي ينتهجه كثير من أهل العلم، وذلك لأن الدين (نحن نرى) يخص الجميع، العالم والمتعلم، لذا يجب أن توضع كل السيناريوهات المحتملة المقدمة من عند أهل العلم جميعا على طاولة البحث من أجل مناقشتها وتبيان الغث من السمين منها، كما يجب أن يترك الباب مفتوحا على مصراعيه للجميع لطرح التساؤلات المربكة التي يمكن أن تتولد عن أي سيناريو مطروح حول القضية قيد البحث. والهدف هو محاولة البحث عن الإجابة الشافية لكل التساؤلات المطروحة، وبخلاف ذلك تبقى الأمور ضبابية، يتولد جراءها عدم ارتياح عن الناس الذي يهمهم الأمر.

وهذا الأسلوب البحثي لا تتوقف فائدته عند تبيان العقائد السليمة للناس، بل أيضا توضح كثيرا من معتقدات الآخرين التي ربما ينظر إليها المخالف بعين الريبة والشك. وحتى لا يبقى كلامنا هذا في سياقه النظري، دعنا نحاول تقديم المثال العلمي الذي ربما تثبت صحته ووجاهته للقارئ الكريم بالدليل العملي.

مثال: باب الجلود

لو تفقدنا السياقات القرآنية التي وردت فيها مفردة الجلود ومشتقاتها (مثل الفعل اجلدوا واجلدوهما، الخ)، سنجد على الفور الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)

يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاء اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ (22)

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)

وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)

ولو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لربما حق لنا أن نطرح التساؤل المبدئي التالي: ما هي الجلود؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الجلد خاص بالإنس (مؤمنهم وكافرهم، ذكرهم وأنثاهم) :

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)

كما تخص الأنعام أيضا:

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)

نتيجة مفتراة 1: الإنس (مؤمنهم وكافرهم) لهم جلود

نتيجة مفتراة 2: الأنعام لها جلود

السؤال: ما هي الجلود التي للإنس (مؤمنهم وكافرهم) وللأنعام كلها؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه يجب التفريق بداية بين جلود الأنعام من جهة وأصوافها وأوبارها وأشعارها من جهة أخرى. فالأصواف والأوبار والأشعار هي (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) ما ينبت على تلك الجلود. لذا، يمكن أن نزيل هذه الأصواف والأوبار والأشعار عن الأنعام وهي لازالت حية، وذلك لا يؤثر عليها. ولا يشكل تهديدا لحياتها. لكن هل نستطيع إزالة جلود الأنعام وهي لازالت حية؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، فجلود الأنعام لا يمكن إزالتها إلا بعد ذبحها. وكما يقول المثل "ما ضر الشاة سلخها بعد ذبحها". فالشاة تذبح أولا ثم يتم سلخها، إي يُزال جلدها عن لحمها. وهذا ما نفهمه (ربما مخطئين) من قوله تعالى:

وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)

فما أن تكون بهيمة الأنعام جاهزة للذبح حتى تصبح من البُدن، وهنا لا توجب جنوبها (أي تصبح جاهزة للأكل كوجبة) إلا بعد أن يسلخ جلدها عن لحمها. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الجلد هو الطبقة الخارجية الذي يغطي اللحم. ليكون السؤال الآن هو: لماذا يتم تبديل الجلود من أجل أن يذوق صاحبه العذاب؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الجلد هو المنطقة الحساسة في الجسم الذي يشكل موطن الاستشعار. فإذا ما أصاب الشخص حرقا لجلده، فإنه يشعر بذلك الحرق بسبب الجلد. لكن إذا ما ذهب الجلد وتغلغل الحرق إلى ما تحت الجلد، فإن الشخص لن يعود يشعر بإحساس العذاب. فالجلد إذن هو موطن الإحساس، وهو مركز الاستشعار بالعذاب. لذا، كان لزاما تغيير الجلود في حالة العذاب ليستمر الشخص يحس بما يقع عليه من عذاب الحريق. 

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا الربط واضحا بين الجلود من جهة القلوب من جهة أخرى:

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

وهذا يدعونا إلى افتراء الظن من عند أنفسنا بأن الجلود مربوطة بشكل مباشر مع القلوب. وهاتان الكينونتان هما اللتان يمكن أن يلينا. فما أن يسمع الشخص أحسن الحديث الذي نزّله الله حتى تكون الجلود هي محطة الاستشعار الأولى، فيحصل فيها القشعريرة. ليكون السؤال الحتمي الآن: كيف ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن الفرق الأول بين الإنسان المؤمن من جهة والإنسان غير المؤمن من جهة أخرى هو الجلد. فجلد الإنسان المؤمن يستشعر أحسن الحديث الذي أنزله الله، لكن جلد الإنسان غير المؤمن لا يستشعر ذلك. ليكون السؤال الحتمي الآن هو: لماذا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن كل ما يعمله الإنسان في حياته يسجل مباشرة على جلده. فجلد المؤمن لم يتلوث بالمعاصي بينما جلد غير المؤمن ملوث بكل المعاصي التي ارتكبها في حياته.

الدليل

من أجل جلب الدليل على ذلك، دعنا نستعرض بعض الآيات الكريمة الخاصة بالجلود. قال تعالى:

يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)

فهذه الآية الكريمة تبين لنا بأن الشهادة على الشخص تأتي من الألسنة والأيدي والأرجل. أليس كذلك؟

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الجلود أيضا تشهد عليهم كما تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم:

حَتَّى إِذَا مَا جَاؤُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) 

لكن لو تابعنا البحث عن الجلود، لوجدنا بأن للجلود على وجه التحديد خصوصية لا تكون للألسنة والأيدي والأرجل ولا للأسماع والأبصار. قال تعالى:

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)

السؤال: ما هي هذه الخاصية؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول بأنه في حين أن الشهادة تكون للألسنة والأيدي والأرجل والأسماع والأبصار والجلود، فإن النطق لا يكون إلا للجلود. فالجلود هي التي تنطق من بين أعضاء الجسم جميعا (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ). 

السؤال: كيف يمكن للجلود أن تنطق؟ ولم الجلود هي التي تنطق فقط؟ 

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال تتطلب معرفة ماهية النطق. فكيف يكون النطق؟ وكيف يختلف النطق عن القول أو عن الكلام؟

جواب مفترى: لقد تعرضنا لهذه الجزئية في مقالات سابقة لنا، فمن أراد التفصيل في ذلك، فعليه الرجوع إلى تلك المقالات. لكن ما يهمنا قوله هنا هو أن النطق يحمل في ثناياه معنى إخراج الحقيقة كما هي دون زيادة أو نقصان. لذا، يستحيل أن يربط النطق بتحريف الكلام أو بالكذب. فمن ينطق لا يكذب.

السؤال: وكيف يتحصل النطق؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن النطق يتم بطرق متعددة، فللطير منطق:

وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16)

ومحمد لا ينطق عن الهوى:

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)

والكتاب ينطق:

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)

هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (29)

السؤال المهم: كيف يمكن أن نتصور الكتاب وهو ينطق؟ ما هي آلية نطق الكتاب؟ نحن نتساءل.

رأينا المفترى: نحن نظن أن آلية نطق الكتاب تكون على نحو أن يَخرج للعيان ما هو مكتوب في ذلك الكتاب. وهذا – برأينا – لا يتطلب أن يكون للكتاب لسان وفم. فكيف يمكن أن نتخيل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل الأمر على نحو أن يستطيع الشخص قراءة ما في ذلك الكتاب بطريقة ميسرة وسهلة لا تدعو إلى حصول الشك بأي حال من الأحوال.

السؤال: وكيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لتبسيط الصورة إلى الأذهان، دعنا نتخيل فقط ما يحصل في المحلات التجارية الحديثة، فعندما تحضر البضاعة من المتجر الكبير، تذهب مباشرة إلى صندوق المحاسب لتدفع ثمن تلك البضاعة، وكل ما يقوم به المحاسب هو أن يسلط الماسح الضوئي على الباركود الملصق على البضاعة، وما أن يتم تسليط الماسح الضوئي على البارد الكود حتى تنزل على شاشة الكمبيوتر أمام المحاسب كل التفاصيل عن تلك البضاعة كاسمها ونوعها وتاريخ صنعها وتاريخ انتهاء صلاحيتها ومصنعها والبلد المنتج لها، وأي معلومات إضافية مسجلة على هذا البضاعة. فتكون جميع المعلومات المسجلة في الباركود الخاص بالبضاعة قد تم استعراضها على شاشة الكمبيوتر الخاصة بالمحاسب، وبهذا يكون هذا "المكتوب" - برأينا- قد نطق بجميع التفاصيل الخاصة بالبضاعة. 

السؤال المحوري: كيف يمكن تطبيق ذلك في حالة نطق الجلود كما جاء في الآية الكريمة؟

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأنه مادامت أنّ كل أعمال الشخص التي قام بها في حياتها مسجلة على جلده، فإن كل ما هو مطلوب أن يدخل هذا الشخص من بوابة الماسح الضوئي الإلهية، وما أن يدخل من تلك البوابة حتى ينزل على الشاشة (شاشة العرض) مباشرة كل ما عمله في حياته بكل تفاصيلها، قال تعالى:

يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (26)

فذلك هو يوم الحساب، وفيه يتم العرض، وهناك يُؤتى كل كتابه إما بيمينه أو بشماله. وهنا لا تتوقف قراءة الكتاب على الشخص نفسه، بل يستطيع الجميع قراءة هذا الكتاب (فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ). فيستطيع الشخص حينئذ أن يقرأ كتابه بنفسه. 

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) 

فعملية إخراج كتاب الشخص تتم بعد عملية العرض مباشرة، فلا تخفى منا خافية (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ)، ويتم ذلك (نحن نفتري الظن) بمسح جلده بالماسح الضوئي الإلهي الذي يستنطق تلك الجلود، فما تستطيع أن تتخلف تلك الجلود عن أن تنطق عليهم بالحق (قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ). 

السؤال: ما علاقة هذا الكلام المفترى من عند أنفسنا بتبيان حقائق الشرائع الأخرى؟

رأينا المفترى: لو راقبنا ما يجري في بعض الثقافات عند أصحاب الشرائع المخالفة، سنجد في بعضها تقليدا دينيا يتمثل في حرق جثة الميت بالنار، ومن ثم نثر الرماد الناتج عن عملية الحرق تلك في البحر أو تخزينها في أوعية خاصة يتناقلها الأبناء عن الآباء. انظر الاقتباس التالي:

ويقوم المتخصصون في إعداد مراسم الجنازات ـ لدى هؤلاء ـ بوضع الترتيبات اللازمة لإحراق جثة الميت. وقد تتم مراسم الجنازة قبل أو بعد إجراء الإحراق. وتتم عملية الإحراق هذه في مبنى يطلق عليه المحرقة ، حيث توضع الجثة في نعش أو أي حاوية أخرى، ويتم إحراقها في فرن خاص، وتستمر هذه العملية فترة تتراوح بين ساعة وأربع ساعات. وبعد ذلك، يتم سحق ما بقي من العظام حتى يصبح رمادًا، ويوضع الرماد في جرة (إناء لحفظ رماد الموتى) ويسلم لأقارب المتوفى. وقد يحتفظ الأقرباء بالرماد، ويدفنونه في مقبرة أو يضعونه في مدفن. ويطلب بعض الأشخاص أن يذر رماد الجثث في مكان محدد، مثل إحدى البحيرات التي يحبونها.


السؤال: ما هي حقيقة هذه الممارسات العقائدية عند أهل تلك الشرائع؟ وكيف أصبحت عقائد يؤمن بها كثير من أهل الأرض؟

رأينا المفترى: لما كانت هذه الشرائع ذات أصول سماوية، كانت فكرة استنطاق الجلود يوم الحساب معروفة عندهم. لذا، عمدوا إلى اتخاذ طقوس دينية تتعامل مع هذه العقائد الدينية (أي استنطاق الجلود عند العرض بعد البعث)، فكان رجال الدين (نحن لازلنا نفتري الظن من عند أنفسنا) هم أصحاب القول الفصل بين الناس في ذلك. فما الذي فعله الكهنوت الديني في تلك العقائد؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الكهنوت الديني قد انقسم على نفسه في كيفية التعامل مع هذه العقائد. فجميعهم يعلم أن جلود الناس ستنطق عليهم يوم القيامة، وستخرج - لا محالة- جميع تفاصيل الأعمال التي قام بها الشخص في حياته الدنيا. لذا، كانت مشورة رجال الدين (نحن نرى) على النحو التالي:

كان الرأي الغالب قد تزعمه (نحن لازلنا نتخيل) رجال الدين المحرّفين للعقائد، الذين يريدون للناس الضلالة، وإتباع شرائعهم البشرية بدلا من التشريع الإلهي، فخرجوا للناس برأي غريب مريب، ظاهره فيه الخير للناس وباطنه فيه الشر كله. فكان ظاهر القول (نحن نتخيل) يتمثل على نحو أنه لابد من عملية تطهير لهذه الجلود (كنوع من أنواع التوبة) قبل أن يتم حسابها يوم القيامة. فالشخص المؤمن بهذه العقائد يظن أن في حرق جلده عند موته دليل على رغبته بالتوبة من الذنوب التي ارتكبها في حياته الدنيا، فيظن أنه راجع إلى ربه مطهرا نادما تائبا من كل ذنب سُجِّل على جلده. فكما تعمد بعض الشرائع السماوية (كالمسيحية مثلا) إلى التطهر بالماء، فإن أصحاب الشرائع التي تؤمن بحرق جثة الميت قد آمنوا بقدرة النار على تطهير تلك الجلود مما لحق بها من درن المعاصي التي ارتكبها الشخص في حياته. فكما يؤمن أهل الديانة المسيحية المتمثلة بفكر توحد الآب مع الابن في الجسد البشري (incarnation) بالتطهير بالماء (purification)، فيما يسمى بعقيدة التعميد أو baptism or christening (بالمفردات الأجنبية) المتمثلة بغمس كامل الجسم بالماء. انظر الاقتباس التالي:

The usual form of baptism among the earliest Christians was for the candidate to be immersed, either totally (submerged completely under the water) or partially (standing or kneeling in water while water was poured on him or her)

Source: https://en.wikipedia.org/wiki/Baptism

فقد آمن أهل الشريعة الهندوسية مثلا بالتطهير بالنار (Cremation). ولا أخال أنّ عقيدة أهل الإسلام التي تتمثل في غسل جثة الميت بعد وفاته ببعيدة عن مثل هذا التفكير. فما الحكمة من وراء انتشار التطبيق المتمثل بغسل جثة المتوفى بالماء عند موته الذي يكاد يكون شاملا عاما في أهل الإسلام؟ من يدري؟!!!

لكن كان الهدف الحقيقي للكهنوت الديني الشيطاني المروج لفكرة حرق جثة الميت (نحن نزعم الظن) يتمثل في أنّ حرق جثة الميت يؤدي إلى إخفاء آثار الجريمة. فعندما يقدم المجرم على ارتكاب جريمته ، فإن المتمرس منهم في فعل الجريمة يعمد مباشرة إلى إشعال الحريق في المكان كله، ولا يكون ذلك إلا من أجل غاية واحدة لا أكثر: إخفاء أي دليل ممكن أن يؤدي إلى اكتشاف أمره.

نعم، لقد كان هدف الكهنوت الديني الشيطاني من أصحاب تلك الشرائع هو تحدي الإرادة الإلهية بتدمير الدليل المادي الملموس الذي يثبت الجرائم التي ارتكبها الشخص في حياته، ويكأن لسان حالهم يقول بالمفردات العامية " إللي بتمسكه حاسبه". 

إن من أبسط أبجديات التفكير على هذا النحو هو استنباط الفهم بأن الفرق بين المؤمن والكافر يتمثل من الناحية العملية في اختلاف الجلود والقلوب:

أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (22) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

فالقلوب تنقسم إلى قسمين: قلوب قاسية وقلوب لينة. والذي يليّن تلك القلوب هو ذكر الله، وما يلين من القلوب إلا تلك التي تطمئن بذكر الله:

الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)

ولكن تلك التي لا تطمئن بذكر الله هي القلوب القاسية، وهي التي لا تلين بذكر الله. 

السؤال: كيف يحصل ذلك؟

رأينا المفترى: ما أن يسمع الشخص أحسن الحديث الذي أنزل إلينا من ربنا حتى تكون ردة فعله على واحدة من طريقتين:

1. أن يقشعر جلده إن كان من الذين يخشون ربهم

2. أن لا يقشعر جلده إن كان من الذين لا يخشون بربهم

فالجلود هي محطة الإحساس الأولى النافذة إلى القلب، فالقلب يستجيب لما يصله من الجلد. فالجلد الذي يقشعر لأحسن الحديث الذي أنزل إلينا من ربنا هو الذي يسمح بنفاذ ذلك إلى القلب. وبالتالي يستجيب القلب لهذه القشعريرة، فيطمئن لذكر الله. أما الجلد الذي لم يقشعر لأحسن الحديث الذي أنزل إلينا من ربنا، لا يسمح بنفاذ ذلك إلى القلب، وبالتالي يعجز القلب أن يستجيب لذلك، فلا يطمئن لذلك الذكر. 

السؤال: لماذا؟ أي لماذا تقشعر بعض الجلود (وهي جلود الذين يخشون ربهم) بينما لا تقشعر جلود أخرى (وهي جلود الذين لا يخشون ربهم)؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب يعود إلى الخشية. فالخشية كما قلنا في مقالات سابقة لنا تحمل في ثناياها معنى المراقبة الدائمة. فمن كان من الذين يخشون ربهم، فهو الذي يكون دائم المراقبة لربه في كل ما يقول ويفعل. ومن يكون مراقبا لربه بكل فعل وقول، فهو إذن من الذين يخشون ربهم. وهم الذين يحرصون على عدم اقتراف الذنوب (إلا اللمم طبعا). لذا، فهؤلاء هم الذين لازالت جلودهم غير ملطخة بالذنوب، فتبقى محطات الاستشعار فعالة في جلده. لكن بالمقابل، فإن الذي لا يخشى ربه (أي لا يكون مراقبا لربه في كل أفعاله وأقواله)، فهم الذين أصبحت جلودهم ملطخة بالذنوب جميعا، وبالتالي فإن محطات الاستشعار في الجلد قد أصابها العطب، فما عادت قادرة على إيصال التأثير إلى القلب لكي تطمئن. 

ولو راقبنا ما يحصل لجلد الإنسان في مراحل حياته العمرية، لوجدنا أن جلد الطفل يتميز بالنعومة، ثم ما يلبث أن يبدأ بالتحول التدريجي من أقصى درجات النعومة إلى الخشونة ثم إلى أقصى درجات الخشونة عند وصوله إلى أرذل العمر. وهذا التحول التدريجي في الجلد سببه – نحن نرى- اكتساب الذنوب وتسجيلها على الجلد. 

ولو دققنا في الفرق بين جلد المرأة من جهة وجلد الرجل من جهة أخرى، لوجدنا بأن جلد المرأة أكثر نعومة من جلد الرجل، وسبب ذلك - نحن نرى- يعود إلى كمية الذنوب والطهارة منها التي تحصل للاثنين. فالمرأة دائمة التطهر من الأذى الذي يصبها بالدورة الشهرية، بينما لا يستطيع الرجل على مثل تلك الظاهرة التلقائية، فينعكس ذلك على جلد كل واحد منهما. فجلد المرأة يبقى أكثر نظافة من الذنوب، وبالتالي أكثر استعدادا لإيصال المعلومة إلى القلب. فيستجيب قلب المرأة للأحداث أكثر من استجابة قلوب بعض الرجال. 

السؤال: كيف يمكن التفريق بين المرأة من جهة والرجل من جهة أخرى؟

افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية تبين لنا فرقا جوهريا بين الكينونتين، قال تعالى:

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في بداية هذه الآية الكريمة في قوله تعالى (مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ)، ليكون التساؤل الذي لا مفر منه هو: ما معنى مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه من الاستحالة أن يكون لرجل من قلبين في جوفه، لذا نحن نتجرأ على الافتراءات التالية التي هي لا شك من عند أنفسنا:

- أن للرجل في جوفه قلبا واحدا

- أن للمرأة قلبين في جوفها

- أن للطفل قلبين في جوفه

- يستحيل أن يكون لأي منهما أكثر من قلبين في جوفهما

- الخ

الدليل

نحن نظن بأنه لو جاءت الآية الكريمة على النحو التالي:

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ ... قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ

أي لو جاءت الآية بدون حرف التحديد (مِّن)، وجاء النص على نحو (ما جعل الله لرجل قلبين في جوفه)، لربما صح لنا أن نستنبط احتمالية أن يكون للرجل في جوفه قلبا واحدا أو أن يكون له أكثر من قلبين، فالنفي يكون لوجود القلبين فقط، لكن لا ينفي احتمالية الأقل من ذلك (القلب الواحد) أو احتمالية الأكثر من ذلك (ثلاثة أو أربعه أو خمسة قلوب). لكن لما جاءت الآية على نحو:

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...

فإن الحد الأقصى لعدد القلوب في الجوف هو اثنان لا أكثر، وكان التبيان هو أن الرجل لا يكون له من قلبين في جوفه، لذا يبقى الاحتمال الوحيد القائم هو وجود أقل من ذلك، أي قلبا واحدا. 

السؤال: ماذا عن المرأة؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن للمرأة وللطفل الذي لم يبلغ مرحلة الرجولة (وهي بلوغ الحلم) قلبين اثنين.

السؤال: كيف يكون ذلك؟

تفنيد بعض الفكر السائد

خرج بعض المتدبرين بالظن بأن للمرأة قلبين في جوفها بسب قابلية المرأة للحمل، فعندما تحمل المرأة فهي تحمل في بطنها جنينا، له قلب، فيصبح في جوفها قلبين. 

أما نحن فنظن ببطلان مثل هذا التدبر للأسباب التالية:

أولا، ماذا عن المرأة التي لا تحمل، هل ينتفي أن يكون في جوفها قلبان اثنان؟

ثانيا، ماذا عن الذين لم يبلغوا الحلم من النساء والأطفال الذكور، هل يوجد في جوفهما قلب واحد أم قلبان اثنان؟

ثالثا، ماذا لو تمكن العلم من إيجاد الحمل في بطن الرجل، كما حصل على أرض الواقع بالتجربة العلمية، هل يجعل ذلك الآية الكريمة في مهب الريح؟

رابعا ماذا لو كانت المرأة تحمل في بطنها أكثر من جنين واحد 

خامسا ، دعنا ندقق في الآية الكريمة التالية:

إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)

لاحظ عزيزي القارئ – إن شئت- بأن الخطاب موجه لاثنتين من نساء النبي بدليل قوله تعالى (إِن تَتُوبَا) وقوله تعالى (وَإِن تَظَاهَرَا)، لكن لو دققنا في الحديث عن القلب في هذه الآية الكريمة، لوجدنا قوله تعالى (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، ليكون التساؤل التالي: كم عدد القلوب لهاتين المرأتين؟ هل كنّ في حالة حمل عندما جاء الخطاب عنهما في تلك اللحظة؟ لِم لم يكن الخطاب على نحو (فقد صغا قلباكما)؟ 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: بالرغم أن الخطاب موجه لاثنتين من نساء النبي، إلا أن النص القرآني قد أثبت أن لهما قلوب وليس قلبين اثنين فقط. انتهى.

السؤال: لماذا جاء النص على هذا النحو؟

جواب مفترى من عند نفسي: نحن نظن بأن لهؤلاء المرأتين أكثر من قلبين، لذا فلهما قلوب (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا)، وذلك لأن لكل واحدة من النساء قلبين اثنين، ومادام أنهن اثنتين من النساء، فإن مجموع قلوبهما هو أربعة قلوب، مصداقا لقوله تعالى: 

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ...

ففي حين أن الرجلين الاثنين يكون لهما قلبين اثنين، إلا أن النساء الاثنتين يكون لهما أربعة قلوب، لكل واحدة منهما اثنين من القلوب:

إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4)

الدليل

لو تفقدنا مفردة القلب في النص القرآني، لوجدنا أن القلب هو مكان صنع القرار لأنه هو العضو الذي يفقه ويعقل في الجسم:

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

والقلوب هي موجودة في الصدور:

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)

وهي الأقرب إلى الحناجر في حالتي الخوف والذعر الشديدين:

إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)

لما كان للرجل قلب واحد، فهو (نحن نرى) يملك أداة تفكر واحدة، أما المرأة فإن لها قلبين اثنين، لذا فهي تملك أداتين للتفكير، وبالتالي فإن أهم ما يميز شخصية المرأة هو التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرار الحاسم.

فالتردد الذي نلمسه عند المرأة حتى في الأمور البسيطة سببه (نحن نظن) هو تضارب الرأي في جوفها بسبب وجود القلبين عندها. لذا تبقى في حالة حيرة، لا تستطيع في أغلب الأحيان أن تحسم الأمر إلى أي الرأيين هي أقرب. لذا، فهي تفضل أن تكون في حضن رجل قادر على اتخاذ القرار نيابة عنها. 

أما الرجل، فإن أمره أقل تعقيدا مادام أن أداة التفكير هي واحدة (أي قلب واحد)، فلا يقع فريسة هذا التضارب الداخلي في الرأي. وربما لا أبالغ أن أقول أن مثل هذا التصور يحتاج إلى مؤلفات كبير جدا تعني بالتطبيقات الفعلية على أرض الواقع، التي يجب أن تحاول ردم الهوة في التقارب بين الجنسين، عن طريق إفهام كل طرف بطبيعة الطرف الآخر. فالرجل الذي يقف في السوق إلى جانب زوجته يصاب بالملل والإحباط من تخبط المرأة في عدم قدرتها على اتخاذ القرار السريع بالبضاعة التي تحب أن تشتريها. والمرأة – بالمقابل – تصاب بالذهول والدهشة وربما بالإحباط من عدم قدرة زوجها على فهم طبيعتها. فلا شك أنها تنتظر منه أن يشير إليها بالرأي ليحسم لها الحيرة الواقعة في نفسها. وقلما تجده يتصرف بلباقة (مثلي) في مثل هذه المواقف. فأنا استطيع أن أتفهم خيبة كل امرأة لم يحالفها الحظ أن يكون لها زوجا من مثلي!!!

على أي حال، سأترك هذا الأمر لعلماء الاجتماع وعلماء السلوك للتأليف فيه من أجل تثقيف الجنسين (الذكر والأنثى) حتى تزال الهوة الواسعة بينهما في الفهم.

السؤال: لماذا كان للمرأة قلبين؟ ولماذا جعل الله للرجل قلبا واحدا؟

رأينا المفترة الخطير جدا جدا (فلا تصدقوه): عندما يتكون الجنين في بطن أمه، يكون له قلبين اثنين (ذكرا كان أم أنثى)، وهما الكينونتان المتواجدتان في أعلى مضخة الدم، أو ما يسمى بالمفردات العلمية الأذينين. ويبقى الأمر على تلك الشاكلة حتى بلوغ الأطفال مرحلة الحلم. وما أن يبلغ الذكر من الأطفال مرحلة الحلم، وتبدأ عنده غريزة الشهوة لحب النساء، حتى ينتصب عضوه الذكري، ويكون قادرا على القذف. وما أن يكون قادرا على القذف حتى يتم طمس واحدا من القلبين، فيتعطل عن العمل (اتخاذ القرار)، ليبقى واحد من القلبين قادرا على العمل. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن عملية القذف عند الذكور كفيلة (نحن نرى) بتعطيل أحد قلبيه، ليعمل بدلا من ذلك عضوه الذكري. فما دام عضوه الذكري قد انتصب بحب الشهوة من النساء، فإن قدرته على التفكير تصبح أحادية فقط.

أما المرأة، فإن هذا الأمر لا يحصل البتة. فيبقى كلا قلبيها في شغل، فتستطيع أن تركز على أكثر من شيء واحد في الوقت ذاته.

السؤال: لم حصل ذلك؟ ومتى حصل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك قد حصل عند المعصية الأولى. فعندما نزل آدم عند نصيحة الشيطان، فهو قد وافق على تشغيل عضوه الذكري مقابل أن يعطل أحد قلبيه. فما دام عضو الذكر قد انتصب بشهوة النساء، فهو قد أصبح أقرب إلى الدابة منه إلى الجنس البشري.

فلقد كانت نصيحة الشيطان لآدم عبارة عن مساومة له لواحد من خيارين: إما أن لا يطيع الشيطان ويبقى قلبه الثاني مشتغلا (كما فعلت زوج آدم) أو أن يعطل أحد قلبيه بتشغيل عضوه الذكري. وبالفعل اختار آدم الخيار الثاني، فعطل أحد قلبيه، وتدفق الدم إلى عروق عضوه الذكري، فانتصب بالشهوة، فأصبح غير قادر على التفكير مادام عضوه الذكري منتصبا.

الدليل

لو رجعنا إلى قصة الخلق الأولى، لوجدنا أن الشيطان قد بدا بالوسوسة لكل من آدم وزوجه معا:

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)

لكن ذلك لم يجد نفعا مع زوج آدم، لأنها رفضت النزول عند رغبة الشيطان، بينما كانت رغبة آدم جامحة في تقبل وسوسة الشيطان. لذا، نجد أن الشيطان قد استفرد بالوسوسة لآدم لوحده، قال تعالى: 

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

السؤال: لماذا تقبل آدم وسوسة الشيطان؟ وماذا كانت نتيجة تقبل آدم لوسوسة الشيطان؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن زوج آدم لم تستطع اتخاذ القرار بخصوص وسوسة الشيطان، فظلت في حالة حيرة، وذلك لأن لها (نحن نفتري الظن) قلبين في جوفها، أحدهما يرغب في تقبل نصيحة الشيطان والآخر يرفض تماما نصيحة الشيطان، فبقيت في حالة وسطى لا تستطيع أن تحسم أمرها إلى أي الرأيين هي أقرب. فما اتخذت قرارا بمعصية ربها، وما غوت، وما كانت بحاجة أن تتوب إلى ربها كما فعل زوجها آدم.

لكن آدم بالمقابل، آثر أن يغلق أحد قلبيه، فأغلق القلب الذي يرفض نصيحة الشيطان، وبقي القلب الذي يتقبل نصيحة الشيطان. عندها حسم أمره، فاتخذ قراره بالوقوع عند رأي الشيطان، فأكل من الشجرة. 

السؤال: لماذا أغلق القلب الذي رفض المعصية وآثر أن يبقى قلبه الآخر مفتوحا للشيطان؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى العصا التي كانت بيده. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان آدم هو الخليفة، ولعل من أهم سمات من كان خليفة أن يكون بيده تلك العصا (انظر المقالات السابقة عن العصا). وكان من أهم أغراض وجود العصا بيد آدم أن يهش بها على غنمه. فمادامت تلك العصا بيده، لذا كان عضوه الذكري راقدا، لا يصيبه الانتصاب. لكن ما أن يضع تلك العصا من يده حتى يشعر بانتصاب عضوه الذكري. فكانت مكيدة الشيطان (نحن نرى) مبنية على مبدأ أن يعطل تلك العصا التي بيد آدم والتي كان بها يذيقهم العذاب المهين (كما كان يفعل سليمان مع الجن). لذا، وقع آدم في هذا الاختبار الشديد: إما أن يبقى العصا بيده متكأ عليها، فيهش بها على غنمه، فلا ينتصب عضوه الذكري كما كان يفعل موسى بالعصا:

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)

ويبقى بالتالي قلبه الثاني مفتوحا، فيبقى في حالة عدم قدرة على اتخاذ القرار (كحال زوجه). وبالتالي لا يقع في المعصية. أو أن يسقط العصا من يده، فينتصب عضوه الذكري، فيضخ الدم إلى ذلك العضو وينقطع عن القلب الثاني، فيكون بذلك بقلب واحد. وبالفعل أسقط آدم العصا التي كانت بيده، فانتصب عضوه الذكري، وأغلق قلبه الثاني، فأصبح فريسة لوسوسة الشيطان، فأقدم على الأكل من الشجرة، وجر زوجه معه، فكان من نتائج ذلك الأكل من الشجرة أن ينزع عن كليهما اللباس:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

فكانت خسارة آدم اثنتين: وهما اللباس والعصا (التي استبدلها بعصاه الأخرى – العضو الذكري)، فأغلق بذلك قلبه الثاني.

بينما كانت خسارة زوج آدم قد تمثلت فقط في نزع اللباس، لكنها لم تخسر قلبها الثاني، لأنها لم تكن بحاجة أن تهش بها، لأنها أصلا لا تملك غنما تهش بالعصا عليه.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لمّا خلق الله آدم، جعله هو الخليفة فقط ، فطلب من الملائكة السجود لآدم، فكان على الملائكة أن يقعوا لها ساجدين، فكان لزاما عليهم أن يأتمروا بأمره، وكانت العصا هي أداة سطوته عليهم، فما كانوا يستطيعون أن يخرجوا عن أمره؛ لأنه لو حاول أحد منهم أن لا يأتمر بأمره، لأذاقه آدم بتلك العصا التي بيده من عذاب السعير، بالضبط كما كانت حالتهم تحت حكم سليمان الذي كان يملك تلك العصا على شكل منسأة:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

وما أن سجد الملائكة لآدم حتى خلق لآدم من نفسه زوجا له من نفسه، فكانت زوج آدم لا تحتاج إلى عصا بيدها مادام أنه لا يوجد في ظهرها غنما لتهش بالعصا عليه. فكانت في حالة سكون جنسي، لا يتطلب منها أن تصارعه، لكن كان ظهر آدم - بالمقابل- مليئا بالغنم (الذرية) التي تنازعه في شهوة جنسية تفور أحيانا وتهدأ أحيانا أخرى، ولم يكن بالإمكان إسكات تلك الغنم عن الثوران إلا بالعصا التي بيده، فكان لزاما على آدم أن لا يترك العصا تفلت من يده؛ لأنه بمجرد أن تفلت تلك العصا من يده حتى تبدأ غنمه تنازعه للخروج بالشهوة من عضوه الذكري، فيؤدي ذلك إلى انتصاب عضوه الذكري، وما كان يهدأ ثوران غنمه وانتصاب قضيبه إلا أن يمسك العصا بيده مرة أخرى. 

السؤال: من أين جاءت غنم آدم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا يعيدنا على الفور إلى قصة الخلق الأولى التي حصلت (نحن نتخيل) على النحو التالي:

- خلق الله آدم

- إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71)

- خلق الله الخلق جميعا جملة واحدة

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (11)

- نفخ الله الروح في آدم وطلب من الملائكة أن يقعوا له ساجدين:

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72)

- علم الله آدم الأسماء جميعا:

وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)

- أودع الله الذرية كلها في ظهر آدم:

وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172)

- وقع الملائكة ساجدين إلا إبليس أبى واستكبر:

فَسَجَدَ الْمَلآئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى أَن يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31)

- خلق الله لآدم من نفسه زوجا له:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189)

خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (6)

- طلب الله من آدم أن يسكن هو وزوجه الجنة وأن يأكلا منها رغدا حيث شاءا:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

- حذر الله آدم وزوجه من عداوة الشيطان لهما ليخرجهما مما هم فيه:

فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)

- الخ

لما كان آدم خليفة، فهو من تسلم تلك العصا، فكان في حالة تهدئة، فما ثارت غنمه، لكن بدأ يجرب فاعلية تلك العصا، فأخذ يطرحها على الأرض تارة ويمسكها بيده تارة أخرى، وما أن يطرحها على الأرض من يده حتى تبدأ ثورته الجنسية بانتصاب عضوه الذكري. وعندما كان يمسك العصا بيده من جديد ليتكأ عليها، كانت تهدأ ثورته الجنسية، وهذا بالضبط ما كان يفعله موسى بالعصا:

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)

ففي تلك الحالة التي ألقى آدم عصاه من يده، وثارت عليه غنمه، انتهز الشيطان الفرصة فوسوس لآدم لوحده:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

وهنا وجد آدم نفسه أمام خيارين لا ثالث لها، إما أن يرفض نصيحة الشيطان، ويبقى ممسكا بعصاه يهش به على غنمه، أو أن يلقي العصا من يده وينزل عن رغبته الجنسية التي تجسدت بانتصاب عضوه الذكري بالشهوة. فما كان من آدم إلاّ أن نزل عند نصيحة الشيطان لأن هذا سيحقق له الملك الذي لا يبلى. 

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن إرادة الله كانت لآدم بالخلافة، فلا يكون هناك حالة من الأنساب بين آدم وذريته التي في ظهره، وكان يستطيع آدم أن يحقق ذريته على أرض الواقع بطريقة النفخ في فرج زوجه، فيتكون الجنين في بطن زوج آدم في ليلة واحدة، ويحدث الولادة في الليلة التالية كما كان من أمر مريم ابنت عمران التي حملت ووضعت المسيح. ولو حصل الأمر على هذا النحو، لكانت النتائج على النحو التالي:

- يبقى آدم خليفة

- تبقى زوج آدم متطهرة، فلا يصبها الأذى بالدورة الشهرية

- عندما تحصل الولادة، لا يتمخض عن ذلك علاقة نسب بين الولد والوالد أو بين الولد والوالدة

- لا يحصل الشقاء

- تبقى الحياة جنة، فلا يتحصل التغوط والتبول ولا تتحصل العلاقة الجنسية المعروفة الآن

- الخ

لكن لمّا اختار آدم المُلك، كانت النتائج على النحو التالي:

- لم يعد آدم خليفة

- أصبحت زوج آدم غير مطهرة، فأصابتها الدورة الشهرية، فكانت بحاجة أن تتطهر على الدوام

- أصبح الحمل مدته تسعة أشهر، فتمخض عن ذلك علاقة نسب بين الوالد والولد والوالدة والولد.

- أصبحت الحياة تتسم بالشقاء

- ما عادت الحياة جنة، فحصل التغوط والتبول والمس بالعلاقة الجنسية المعروفة

- الخ

إن خسارة آدم للعصا، كانت نتائجها المباشرة خسارته للخلافة، فما عاد قادرا على أن يخضع الجن (بمن فيهم الملائكة) لسلطته المباشرة. وكانت خسارته للباس أن أصبح هدفا سهلا للشيطان بعد أن كان في وقاية من خطر الشيطان. 

أما زوج آدم، فلم تكن أصلا خليفة لتخسر هذه الخلافة، لكنها خسرت اللباس، فأصبحت كذلك عرضة لخطر الشيطان مادام أنها قد خسرت اللباس. وكانت المنّة الإلهية على النساء أن زود المرأة بآلية طبيعية للتخلص من أذى الشيطان بالدورة الشهرية. فكانت الدورة عبارة عن تطهير دوري للمرأة من كل أذى من الشيطان يصيبها:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

عودة على بدء: باب الجلود

نحن نفتري الظن بأن هذا التطهير للمرأة بالمحيض يجعل جلدها دائم الإحساس بذكر الله على غير الرجل الذي لا يستطيع أن يطهر جسمه (وخاصة جلده) من أذى الشيطان، فيصبح جلده أقل إحساسا لذكر الله. 

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

السؤال: ما هي آلية إحساس القلوب لما يصيب الجلود؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الجلود مربوطة بشكل مباشر مع القلوب، فكل ما يصيب الجلود من تأثير خارجي ينعكس مباشرة على القلب، فيشعر به القلب. لكن إذا أصبحت الجلود أقل تأثرا بالمحيط الخارجي، فإنه يتعذر أن يشعر بذلك القلب. فإذا ما اقشعرت الجلود، لآنت القلوب. ولكن إذا لم تقشعر الجلود، فإن القلوب تبقى قاسية. ليكون السؤال الآن هو: لماذا سيكون العذاب على نحو أن تصلى بالنار الجلود؟

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56)

رأينا المفترى: نحن نظن أن العذاب على نحو أن تصلى بها جلودهم، ليذوقوا العذاب. وإذا ما صليت جلودهم، فإن ذلك سيؤدي إلى أن تتأثر قلوبهم بما حصل للجلود، فالنار التي تصلي الجلود يكون تأثيرها مباشرا على تليين قلوبهم. وبالتالي تكون عملية صلي الجلود هي تطهير لجلودهم وقلوبهم مما لحق بها من أذى الشيطان بسبب الوقوع في المعاصي والذنوب.

تلخيص ما سبق: نحن نظن أن عقائد الآخرين التي بنيت على فكرة إحراق جثة الميت قد جاءت من فكرة تطهير تلك الجلود مما لحق بها من أذى الشيطان ليصل ذلك الجلد مطهرا إلى خالقه، فلا يصب عليه العذاب حينئذ. 

وقد يدفعنا هذا النقاش إلى افتراء الظن بأن مثل هذه الأفهام لا تبين فقط المعتقدات التي يتداولها أهل العقائد الأخرى، بل تتعدى إلى الطابع العلمي التجريبي كالذي يدرّس في الجامعات في قاعات الدرس في كل التخصصات. ولنأخذ مثالا من عالم الطب

باب الرضاعة

في هذا السياق سنتناول القضايا المطروحة تباعا، لنقدم تصورات مفتراة من عند أنفسنا لها، متقبلين في الوقت ذاته مناقشتها، ونقدها بأسلوب علمي أكاديمي يخلو من الشوفانية الفردية والجماعية. وأول هذه القضايا التي سنتعرض لها الآن هي قضية تحريم الزواج من الأمهات المرضعات وأخوات الرضاعة. 

السؤال المحوري: ما سر تحريم الزواج من الأمهات المرضعات وأخوات الرضاعة؟

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)

لو حاولنا تدبر هذه الآية الكريمة، لوجدنا بأنها تبيّن لنا بأن التحريم يقع على الأمهات المرضعات والأخوات من الرضاعة (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ)، فما الحكمة من ذلك؟ نحن نسأل.

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن السبب في ذلك يعود إلى قصة الدورة الشهرية. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو حاولنا فهم آلية الدورة الشهرية، لوجدنا على الفور بأن الدورة الشهرية تنقطع بمجرد حصول الحمل. فيتدفق دم المحيض ليشكل المشيمة للجنين، وعندها يبدأ الطفل في بطن المرأة الحامل يتغذى من تلك المشيمة، فينتقل ذلك الأذى للطفل مادام أن المحيض هو بحد ذاته أذى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

فيخرج الطفل من بطن أمه لا يعلم شيئا بسبب ما أصابه في بطن أمه من دم المحيض الذي انحبس في جسمها طيلة فترة الحمل:

وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)

فتبدأ مرحلة الرضاعة. وهنا تبدأ الفارقة: ما أن ينزل الطفل من بطن أمه حتى يبدأ بعملية الرضاعة، ولا شك أن جسم المرأة لازال لم يتطهر من الأذى كله، فيبقى الاحتمال قائما أن يستمر انتقال الأذى من بطن الأم المرضعة إلى جنينها الذي ترضعه حينئذ. ويكون الخطر أكبر عند بعض النساء التي تنقطع الدورة عندها في مرحلة الرضاعة. فالنساء على نوعين:

- نساء تنقطع الدورة عندهن طوال فترة الرضاعة

- نساء تستمر الدورة في حالتها الطبيعية، فتبقى تحيض خلال الحمل

افتراء خطير جدا لا تصدقوه: في حالة النساء اللواتي تنقطع الدورة خلال مرحلة الرضاعة، فلا يخرج دم المحيض منها، يكون الخطر شديدا، وذلك لأن الأذى يبقى حبيس جسم المرأة المرضعة، فيستمر تدفق الأذى بشدة من بطن الأم المرضعة إلى طفلها. 

التطبيق على أرض الواقع: هناك حالات مرضية تصيب الأطفال بسبب الرضاعة. فعندما يولد الطفل يكون في حالة صحية جيدة، لكن ما أن تبدأ عملية الرضاعة حتى يصيب الطفل نوع من أنواع الإعاقة الجسدية كالشلل مثلا، وقلما يتم اكتشاف ذلك إلا متأخرا، فينسب الأطباء الإعاقة التي أصابت الطفل إلى عملية الرضاعة (أي لبن الأم). ليكون السؤال: كيف يمكن اكتشاف المشكلة قبل وقوعها؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه وجب على الأطباء أن يسألوا الأم عن مسألة الدورة الشهرية فيما إذا كانت تستمر بشكل طبيعي في خلال فترة الرضاعة أم تنقطع الدورة الشهرية تماما طوال فترة الرضاعة. وإذا ما تبين لهم بأن الدورة الشهرية عند الأم تنقطع تماما في حالة الرضاعة، عندها يجب توخي الحذر الشديد لأن الطفل يكون أكثر عرضة إلى تلقي الأذى من بطن الأم مادام أن دم المحيض لا يخرج من جسمها طلية فترة الرضاعة، وهذا الأذى هو – برأينا- ما قد يسبب الأذى للطفل، فيتجلى ذلك بإصابة الطفل بإعاقة جسدية.

ولو راقبنا تصرفات الأطفال بعد فترة الولادة مباشرة، لوجدنا بأن كثيرا من الأطفال يرفضون بشكل قوي قبول الرضاعة من ثدي الأم الوالدة، ولعلي أكاد أجزم الظن بأن فطرة هذا الطفل قد جعلته يميّز بأن هذا اللبن من ثدي الأم لا يناسبه، لكن المشكلة (نحن نرى ربما مخطئين) تتفاقم عندما تلجأ الأمهات الوالدات إلى إجبار طفلها على ذلك اللبن بعملية التجويع بناء على النصيحة الطبية. 

الفهم البديل

نحن نكاد نجزم الظن بأن على الأم المرضعة أن لا تجبر طفلها المولود حديثا أن يرضع من ثديها إذا ما كان هو ذاته غير راغب في ذلك، كما يجب على الأم المرضعة أن تكون حذرة إذا ما كانت الدورة الشهرية عندها تنقطع تماما خلال مرحلة الرضاعة كاملة. والسبب في ذلك يعود إلى أن الأذى المتكون في جسمها بسبب انحباس المحيض ينتقل من جسم المرأة إلى الطفل مباشرة من خلال الرضاعة. فمنطقنا المفترى مفاده أن استمرارية الدورة بانتظام يعني استمرارية تطهر جسم المرأة من أذى المحيض. فالمرأة التي تستمر الدورة بحالتها الطبيعة خلال فترة الرضاعة أقل عرضة إلى نقل الأذى إلى جسم الطفل بعد الولادة. 

عودة على بدء

نحن نفتري الظن بأن واحدة من أهم أسباب تحريم الرضاعة هو الأذى الذي يمكن أن يتحصل جراء الرضاعة. فعندما يرضع الطفل من امرأة ما، فإن الأذى يتحصل عنده بسبب الرضاعة كما يمكن أن يتحصل له خلال فترة وجوده كجنين في بطن أمه عندما كان يصيبه الأذى بسبب انقطاع الدورة الشهرية عند الأم الحامل، وبالتالي تغذية الطفل من ذلك الأذى من خلال المشيمة المتكونة من دم المحيض خلال فترة الحمل. 

فالتحريم بالولادة سببه قرابة الدم (دم المحيض)، وكذلك هو (نحن نظن) التحريم في حالة الرضاعة، فالنتيجة واحدة: انتقال الأذى من الأم إلى الطفل سواء داخل بطن الأم الحامل خلال فترة الحمل أو خارج بطن الأم خلال مرحلة الرضاعة.

فأول أذى يصيب الطفل يكون في بطن المرأة، ويستمر هذا الأذى (بشكل اقل) بالرضاعة. ولو دققنا في حالة الطفل بعد الولادة، لوجدنا أن الطفل لا يتقبل بعد الولادة مباشرة إلا طعاما واحدا وهو لبن الأم. وفي تلك المرحلة لا تكون نفس الطفل قد تشكلت بعد، فنفسه لا تشتهي بعد:

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) 

يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) 

فالأنفس هي التي تشتهي الطعام، ومادام أن الطفل لا يتقبل إلا طعاما واحدا، فإن نفسه لم تتكون بعد، وما أن تبدأ نفس الإنسان تشتهي حتى تبدأ بالتكون، ويكون الطعام هو المهذب للنفس، لذا على الأهل أن يكونوا على قدر من الوعي لكي لا يصيب نفس الطفل الأذى من جراء ذلك الطعام.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في كينونة الإنسان (أي إنسان)، لوجدنا أنها تتألف من أجزاء ثلاثة: الجسم والنفس والروح. لذا فهو يحتاج إلى ثلاثة عناصر أساسية لاستمرارية عمله بشكل طبيعي. والعناصر الثلاثة هي: الماء والطعام والهواء.

فالماء هو العنصر الذي يحتاجه الجسم وذلك لأن الجسم مخلوق أصلا من تراب. وهذا التراب احتاج إلى الماء حتى أصبح طينا بعد ذلك:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) 

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) 

فحتى يستمر ذاك التراب طينا، فلابد من استمرار استخدام الماء لتلينه، فانقطاع الماء عن جسم الإنسان يؤدي بذلك الجسم أن يصيبه الجفاف، وإذا ما استمر على هذه الحالة فترة أطول من اللازم، فإن ذلك سيؤدي إلى هلاك ذلك الجسم.

أما الهواء فهو العنصر المشغل للروح، فروح الإنسان لا تستطيع أن تتحمل انقطاع الهواء لفترة دقائق معدودة، فذلك سيسبب الاختناق للروح، وبالتالي تعطيل الجهاز كله.

أما الطعام فهو غذاء النفس، فالنفس هي التي تشتهي الطعام، وكل نفس تشتهي من الطعام ما يروق لها. فما تشتهيه نفسي من الطعام قد لا يكون مرغوبا لنفسك، وهكذا:

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) 

يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71) 

رأينا المفترى: نحن نظن بأن شهوة الطعام تتكون في المعدة، فالمعدة هي التي تشتهي الطعام، فما أن يبدأ الطفل بشهوة الطعام حتى تبدأ نفسه تتكون، فهو الذي يشكلها. فالطفل يبدأ بالأكل من كل شيء أمامه كما الدابة، لكن هنا يبدأ دور الأهل في توجيه الطفل إلى ما يؤكل وما لا يؤكل، فلو ترك الطفل يأكل من كل شيء دون توجيه، فإن هذا سيستمر معه حتى في الكبر. ولو حصل هذا، لكانت نفس الشخص كما هي نفس الدابة. وهنا يكمن الخطر على الطفل، لأنه يصبح عرضة لأن تكون نفسه غير مهذبة. 

لكن عندما يتدخل الأهل في خيارات الطفل بالأكل، فإن ذلك يعتبر التدريب الأول للطفل في تهذيب نفسه، عندها يبدأ الطفل بمراقبة نفسه، وبالتالي يصبح أكثر قدرة على تمييز الغث من السمين. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تبدأ نفس هذا الطفل تعاف بعض الأشياء وتتقبل بعضها الآخر. وهذا بالضبط ما هو مطلوب: أن لا تكون نفس الطفل عرضة لتقبل كل شيء على أساس أنه مقبول لا لبس فيه. ولو حصل العكس، لأصبحت نفس الطفل أقرب إلى نفس الدابة. ولو استمر على هذا الحالة فترة من الزمن لأصبح غير قادر أن يسيطر على نفسه في القادم من الأيام. فبدل أن يكون هو المسيطر على نفسه، تصبح نفسه هي المسيطرة عليه، الموجهة له، ولأصبح بالتالي ضحية لما تسول له نفسه.

فكما أصبح الطفل قادرا على ضبط نفسه فيما يخص الطعام، يسيطر عليها، كلما أصبح أكثر قدرة على السيطرة على نفسه فيما سوى ذلك عندما يكبر. 

والتدريب على هذا (نحن نرى) مفيد جدا منذ نعومة أظفار الطفل. فعلى الأهل أن يضعوا بعض الطعام أمام الطفل، لكن عليهم أن يدربوه على الصبر على ذلك. فقد تضع قطعة الحلوى أمام الطفل، وأنت تعلم مقدار رغبته في ذلك، لكن عليك أن تشجعه (لا بل وتحفزه بالجوائز العينية والمادية) أن يصبر على أن لا يأكل قطعة الحلوى التي يسيل لعابه عليها. وكلما كان الطفل أكثر انضباطا في السيطرة على ما تشتهيه نفسه من الأكل، كلما أصبح أكثر قدرة على السيطرة على شهوات نفسه في قادم الأيام. 

وقد لا يكون مفيدا (وربما قد يسبب الضرر) أن تقدم للطفل كل ما تطلبه نفسه في الحال، لأن ذلك ربما سيكون مدعاة بأن لا يضبط نفسه، وعندها تنقلب الصورة من أن يكون هو متحكما بنفسه إلى أن تكون نفسه هي المتحكمة به. 

فالمعدة هي المحرك الأول في تكوين نفس الشخص، وكلما كان الشخص أكثر قدرة على ضبط طعامه، كان أقدر على السيطرة على نفسه، وبالتالي يستطيع تهذيبها كما يشاء، وبالمقابل كلما كان أقل قدرة على ضبط طعامه، كلما كان أقل قدرة على السيطرة على نفسه، وبالتالي يصبح أقل قدرة على تهذيبها، فتكون هي المسيطرة عليه. لذا، عندما يكبر، تبدأ نفسه تتحكم فيه، فينزل عند رغباتها، وعندها يحدث ما لا يحمد عقباه. 

باب: وإذا المؤدوة سئلت بأي ذنب قتلت

ولو حاولنا تدبر معنى هذه الآية الكريمة:

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)

لربما حق لنا أن نطرح تساؤلات عديدة قلما نجد عليها إجابات مرضية في بطون الكتب المتوافرة بين أيدينا. فلو حاولت أن تسأل أهل الدراية (أو حتى أهل الرواية) عن تفسيرات لهذه الآية الكريمة، لربما توصلت إلى ما مفاده أن هناك شبه إجماع بينهم أن الآية تتحدث عن عادة جاهلية كانت سائدة إبان قدوم الإسلام إلى مكة، تتمثل في وأد البنات في مرحلة الطفولة خوفا من العار. وإليك عزيزي القارئ بعض ما جاء في بطون أمهات كتب التفسير كتفسير الطبري عن هذه الآية الكريمة:

وقوله : { وإذا الموءودة سئلت } ؟ اختلفت القراء في قراءة ذلك , فقرأه أبو الضحى مسلم بن صبيح : " وإذا الموءودة سألت بأي ذنب قتلت " ؟ بمعنى : سألت الموءودة الوائدين : بأي ذنب قتلوها . ذكر الرواية بذلك : 28262 – حدثني أبو السائب , قال : ثنا أبو معاوية , عن الأعمش , عن مسلم , في قوله : { وإذا الموءودة سئلت } ؟ قال : طلبت بدمائها . حدثنا سوار بن عبد الله العنبري , قال : ثنا يحيى بن سعيد , عن الأعمش , قال : قال أبو الضحى : “ وإذا الموءودة سألت " ؟ قال : سألت قتلتها . ولو قرأ قارئ ممن قرأ " سألت بأي ذنب قتلت " كان له وجه , وكان يكون معنى ذلك معنى من قرأ { بأي ذنب قتلت }غير أنه إذا كان حكاية جاز فيه الوجهان , كما يقال : قال عبد الله بأي ذنب ضرب ; كما قال عنترة : الشاتمي عرضي ولم أشتمهما والناذرين إذا لقيتهما دمي وذلك أنهما كانا يقولان : إذا لقينا عنترة لنقتلنه . فحكى عنترة قولهما في شعره ; وكذلك قول الآخر : رجلان من ضبة أخبرانا إنا رأينا رجلا عريانا بمعنى : أخبرانا أنهما , ولكنه جرى الكلام على مذهب الحكاية . وقرأ ذلك بعض عامة قراء الأمصار : { وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت } بمعنى : سئلت الموءودة بأي ذنب قتلت , ومعنى قتلت : قتلت , غير أن ذلك رد إلى الخبر على وجه الحكاية على نحو القول الماضي قبل , وقد يتوجه معنى ذلك إلى أن يكون : وإذا الموءودة سئلت قتلتها ووائدوها , بأي ذنب قتلوها ؟ ثم رد ذلك إلى ما لم يسم فاعله , فقيل : بأي ذنب قتلت . وأولى القراءتين في ذلك عندنا بالصواب : قراءة من قرأ ذلك { سئلت } بضم السين { بأي ذنب قتلت } على وجه الخبر , لإجماع الحجة من القراء عليه . والموءودة : المدفونة حية , وكذلك كانت العرب تفعل ببناتها ; ومنه قول الفرزدق بن غالب : ومنا الذي أحيا الوئيد وغائب وعمرو , ومنا حاملون ودافع يقال : وأده فهو يئده وأدا , ووأدة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 28263 – حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة { وإذا الموءودة سئلت } : هي في بعض القراءات : " سألت بأي ذنب قتلت ؟ " لا بذنب , كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته , ويغذو كلبه , فعاب الله ذلك عليهم . 28264 – حدثنا ابن عبد الأعلى , قال : ثنا ابن ثور , عن معمر , عن قتادة , قال : جاء قيس بن عاصم التميمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني وأدت ثماني بنات في الجاهلية , قال : " فأعتق عن كل واحدة بدنة “ . 28265 – حدثنا ابن حميد , قال : ثنا مهران , عن سفيان , عن أبيه , عن أبي يعلى , عن الربيع بن خيثم { وإذا الموءودة سئلت } قال : كانت العرب من أفعل الناس لذلك . * - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن أبيه , عن أبي يعلى , عن ربيع بن خيثم بمثله . 28266 – حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله : { وإذا الموءودة سئلت } قال : البنات التي كانت طوائف العرب يقتلونهن , وقرأ : { بأي ذنب قتلت } 

أو ما جاء في القرطبي:

لموءودة المقتولة ; وهي الجارية تدفن وهي حية , سميت بذلك لما يطرح عليها من التراب , فيؤودها أي يثقلها حتى تموت ; ومنه قول تعالى : " ولا يئوده حفظهما " [ البقرة : 255 ] أي لا يثقله ; وقال متمم بن نويرة : وموءودة مقبورة في مفازة بآمتها موسودة لم تمهدوكانوا يدفنون بناتهم أحياء لخصلتين : إحداهما كانوا يقولون إن الملائكة بنات الله , فألحقوا البنات به . الثانية إما مخافة الحاجة والإملاق , وإما خوفا من السبي والاسترقاق . وقد مضى في سورة " النحل " هذا المعنى , عند قوله تعالى : " أم يدسه في التراب " [ النحل : 59 ] مستوفى . وقد كان ذوو الشرف منهم يمتنعون من هذا , ويمنعون منه , حتى افتخر به الفرزدق , فقال : ومنا الذي منع الوائدات فأحيا الوئيد فلم يوأد يعني جده صعصعة كان يشتريهن من آبائهن . فجاء الإسلام وقد أحيا سبعين موءودة . وقال ابن عباس : كانت المرأة في الجاهلية إذا حملت حفرت حفرة , وتمخضت على رأسها , فإن ولدت جارية رمت بها في الحفرة , وردت التراب عليها , وإن ولدت غلاما حبسته , ومنه قوال الراجز : سميتها إذ ولدت تموت والقبر صهر ضامن زميت الزميت الوقور , والزميت مثال الفسيق أوقر من الزميت , وفلان أزمت الناس أي أوقرهم , وما أشد تزمته ; عن الفراء . وقال قتادة : كانت الجاهلية يقتل أحدهم ابنته , ويغذو كلبه , فعاتبهم الله على ذلك , وتوعدهم بقوله : " وإذا الموءودة سئلت " قال عمر في قوله تعالى : " وإذا الموءودة سئلت " قال : جاء قيس بن عاصم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إني وأدت ثماني بنات كن لي في الجاهلية , قال : ( فأعتق عن كل واحدة منهن رقبة ) قال : يا رسول الله إني صاحب إبل , قال : ( فأهد عن كل واحدة منهن بدنة إن شئت ) .

رأينا المفترى: بعيدا عن إثارة التساؤلات حول هذه التفسيرات الذي لا نرضى بها إطلاقا، فإننا سنحاول تقديم تفسير هو لا شك من عند أنفسنا عن هذه الآية الكريمة، ثم نترك للقارئ الكريم حرية الاختيار بين ما جاء به أهل العلم من قبل (وهو ربما أقرب إلى الصواب) وما نحاول أن نفتريه نحن من عند أنفسنا (وهو لا شك ليس أكثر من رأي قابل للطعن من قبل الجميع لأنه قد لا يرقى إلى المستوى العليم الذي ترقى إليه عقول الأعراب).

أما بعد،

نحن ننفي جملة وتفصيلا أن تكون المؤودة التي جاء ذكرها في الآية الكريمة من الإنس أو من الجآن، وذلك لأن الآية الكريمة التالية تنفي جملة وتفصيلا احتمالية أن يسأل يومئذ عن ذنبه إنس ولا جآن، قال تعالى:

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

السؤال المربك لنا: كيف نفهم أن الله يبين لنا في كتابه الكريم أن من الاستحالة بمكان أن يسأل إنس ولا جآن عن ذنبه يومئذ (أي بعد البعث) وفي الوقت نفسه نقرأ قوله تعالى:

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)

السؤال المحوري: هل يمكن إذا أن تكون الموؤدة من الإنس أو من الجآن؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، وذلك لأنه لا يسأل عن ذنبه يومئذ إنس ولا جآن:

فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ (39)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: يستحيل (نحن نظن ربما مخطئين) بأن تكون الموؤدة من الإنس أو من الجآن. انتهى.

السؤال: مادام أنك تنفي احتمالية أن تكون الموؤدة من الإنس أو من الجآن، فما هي الموؤدة إذن؟ يسأل صاحبنا مستغربا ومتعجلا الإجابة.

رأينا المفترى: أظن أن علينا أن نتوقف هنا لبرهة من الزمن لنطرح التساؤل التالي: على من يقع القتل؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو تتبعنا سياقات القتل على مساحة النص القرآني، لوجدنا على الفور أن القتل أكثر ما يقع على النفس، قال تعالى:

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (72)

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (66) وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا (67) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (68)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29)

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)

فالقتل (كما افترينا في مقالات سابقة) هو عبارة عن منع الشخص عن ما يرغب الوصل إليه، وهو تدرجي، يبدأ من منع الشخص عن تناول تفاحة أو منعه من الوصول إلى مكان محدد يرغب في الوصول إليه (كالبيت الحرام مثلا) وقد يصل إلى درجة منع الهواء عنه لتهني به حياته. فأنت تقتل الطفل عندما تمنعه عن الوصول إلى لعبة يريدها، وأنت تقتل نفسا عندما تمنعها عن الوصول إلى طعام تحبه، وأنت تقتل المشركين عندما تمنعهم من الوصول إلى البيت الحرام، وأنت تقتل الشخص عندما تمنع عنه الحياة (الهواء). 

فقتل النفس هو منعها عن الوصول إلى ما تشتهيه وما تحتاجه (كاللعبة للطفل أو الطعام أو الذهاب في رحلة أو الوصول إلى مكان ما أو حتى منعه عن الماء والطعام والهواء). ولا شك أن منع الهواء من الوصل إلى الشخص أكبر من منعه عن الماء الذي بدوره أخطر من منعه عن الطعام). ومنع الطعام عن الشخص هو عبارة (نحن نرى) عن قتل لها. ولكن إذا كان المنع شديدا، فإن ذلك يؤدي (نحن نفتري الظن) إلى وأدها، فكثير من الناس يأد نفسه، فلا يلبي لها ما تشتهيه إطلاقا. وهؤلاء سيكون حسابهم عسيرا، لأنه سيكون مسئولا عن وأد نفسه. فمن لا يلبي جميع رغبات نفسه، يكون قد قتلها، فأصبحت حينئذ مؤودة، وهي التي ستسأل يوم الحساب عن الذنب الذي من أجله قتلت:

وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9)

قال تعالى:

... وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

فالشخص يجب أن يعمل تصالح مع نفسه، فلا يطغى عليها، ولا يجعلها تطغى عليه، فعليه أن يلبي بعض رغباتها، وبالمقابل لا ينجر وراءها فيلبي كل رغباتها على الفور؛ فإن هو رفض تلبية رغباتها كلها، فقد ظلمها، وإن هو نزل عند كل رغباتها في الحال، فقد أطلق العنان لنفسه لتفترسه.

مثال: لا شك أن هناك أناس يملكون من المال الكثير، لكن بعضهم يرى كل ما تشتهي الأنفس، فيؤثر على أن يقتل نفسه، حبا في المال، فلا ينفق من ماله لشراء بعض ما تشتهيه نفسه:

وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20)

فأولئك الذين يحبون المال حبا جما هم الذين يقتلون أنفسهم، فلا يلبوا لها شيئا من رغباتها، وبالتالي تصبح أنفسهم بالفعل مؤودة. لكن بالمقابل هناك من ينجر وراء رغبات نفسه كلها، فلا يكبح شيئا من جماحها حتى تصبح هي المسيرة له، المتحكمة به، فينهج نهج الدواب، فتراه يأكل كما الدواب حتى يصبح همه الأول في الدنيا هو تلبية شهوات نفسه. 

لذا، لابد من وجود شيئا من المبادلة المنصفة بين الشخص من جهة ونفسه من جهة أخرى، فلا يتعدى عليها، ولا يجعل نفسه - بالمقابل- تتعدى عليه، أي لا يأد نفسه ولا يجعل نفسه تهلكه. فالمعادلة المنصفة نجدها في قوله تعالى:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

تلخيص ما سبق: نحن نظن أن الطعام هو سبب لإحداث المشاكل للشخص منذ أن يبدأ يتكون جنينا في بطن أمه، حيث يتغذى يبدأ على ما يتكون في المشيمة من دم المحيض، ويستمر ذلك بالرضاعة، خاصة إذا ما انحبس دم المحيض داخل جسم الأم خلال فترة الرضاعة. 

وإذا ما تغذى الأطفال من نفس المصدر (بالرضاعة مثلا)، فإن ذلك يكون مدعاة لانتقال نفس الأذى إلى بطن الأطفال الذين يرضعون من نفس المصدر، لذا تزداد احتمالية الإصابة بالضرر جراء هذا الطعام. ونحن نظن أنه إذا ما حصل تزاوج بين الأشخاص الذين رضعوا من نفس المصدر، فإن احتمالية حصول الضرر عند ذريتهم تكون مرتفعة جدا. 

الدليل

لو رجعنا إلى قصة البشرية على الأرض بعد الخروج من الجنة، لوجدنا أن الحدث الأبرز هو اقتتال ولدي آدم، فكان من ضمن ما جاء عن تلك الحادثة الآية الكريمة التالية:

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) 

فهذا ولد آدم المقتول لاحقا يرد على أخيه الذي ينوي قتله ما جاء في السياق الأوسع للحادثة:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29)

ليكون السؤال المطروح الآن هو: ما هو إثم المقتول؟ وما هو أصلا إثم القاتل؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن المفتاح لهذه التساؤلات يكمن في فهم مفردة الإثم، ليكون السؤال المحوري هنا هو: ما هو الإثم؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن الإجابة على هذا السؤال يكمن في فهم قوله تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

فالمدقق في هذه الآية الكريمة يجد بأن الإثم يتحصل من تناول الخمر والميسر، فما هو الإثم الذي يتحصل من الخمر والميسر؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن الإثم الذي يتحصل من الخمر والميسر هو ضرر مادي قد يلحق بالجسم جراء تناول الخمر والميسر، والمنطق يقول بأنه كلما زادت كمية الخمر والميسر الداخلة إلى جسم الشخص، كلما ازداد مقدار الضرر الذي سيلحق بجسمه جراء ذلك. ففي فالخمر والميسر مواد مسكرة تكونت نتيجة تفاعل الجراثيم (الشياطين) بها بشكل كبير، وهي التي تحدث ضررا لأعضاء الجسم الداخلية سرعان ما تظهر آثاره على أعضاء الجسم الخارجية. 

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الإثم هو (نحن نظن) ضرر يصيب أعضاء الجسم الداخلية سرعان ما تظهر آثاره على الأعضاء الخارجية إذا ما زادت كميته عن الحد الطبيعي.

السؤال: ما هو إثم القاتل وإثم المقتول من أبناء آدم؟

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29)

رأينا المفترى: نحن نظن أن الصراع بين ابني آدم كان على ملكية البيت وذلك من أجل الزواج. 

السؤال: كيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما بلغ ابني آدم سن الزواج، كان هناك بيت واحد، فكان كل واحد منهما يحاول أن يدعي ملكيته، وكانت آلية فض الخلاف بينهما (كما جرت على أرض الواقع) تتمثل في تقديم القربان، ولما تقبل الله من أحدهم ولم يتقبل من الآخر، كان الأجدر أن ينزل كل مهما عند القرار الإلهي في فض الخلاف بينهما، وبالتالي القبول بذلك، لكن لما لم يكن من لم يتقبل الله منه من المتقين، لم يرضى بذلك، فقرر أن يقتل أخاه ليستحوذ على ملكية البيت عنوة. فأخبر أخاه بنيته تلك:

... قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

ولما آثر الأخ الآخر أن يستسلم لذلك، ما كان منه إلا أن رد عليه على النحو التالي:

إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم هذا الرد من الأخ المسالم؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية ذاتها، لوجدنا بأن القاتل سيتحصل له إثمان جراء إقدامه على قتل أخيه: إثمه نفسه وإثم أخيه المقتول؟ فما هو الإثم الذي كان من الممكن أن يصيب المقتول؟ وما هو الإثم الذي كان سيصيب القاتل؟

جواب مفترى خطير جدا جدا (لا تصدقوه) إنه زواج المحارم. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كانت البشرية ستنشأ من جديد من ذرية آدم وزوجه، لم يكن هناك خيار إلا أن يحصل زواج المحارم، ففي حين أن كل واحد من ابني آدم سيتزوج واحدة من الأخوات، كان سيتحصل له إثم (ضرر داخلي من جراء هذا النوع من التزاوج)، لكن لما كان المقتول لن يتزوج من أخته، كانت هذه الأخت الأخرى ستكون من نصيب الأخ الآخر، فعندها سيتحصل له إثمان: إثم واحد من كل واحدة من الأختين. 

سؤال: ماذا كان من الممكن أن يحصل لو أن ابن آدم لم يقتل أخاه الآخر؟

رأينا المفترى: لو فعلا لم يقتل أبن آدم أخاه الآخر، لما تحصل له إلا إثم واحد، ولو حصل ذلك، لكان التزاوج فيما بعد قد حصل بين ذرية الولد الأول مع ذرية الولد الثاني، ولكان الضرر الذي سيتحصل من جراء ذلك أقل بكثير من الضرر الذي فعلا حصل عندما حصل التزاوج بعد ذلك من ذرية ابن آدم القاتل نفسه، فكان الإثم مضاعفا.

السؤال: ما علاقة هذا بتحريم الزواج بسبب الرضاعة؟ 

رأينا المفترى: عندما يرضع الطفل من امرأة ما، فإنه يتحصل من جراء ذلك بعض الأذى، وعندما يرضع طفل آخر من الأم ذاتها، فإنه يتحصل له مقدار من الأذى من نفس النوع الذي حصل عليه الأول، وإذا ما حصل تزاوج بين الطرفين، فإنه يحدث تراكم للأذى ذاته من الطرف الأول مع الطرف الآخر، ربما يتبلور ذلك ويظهر أثره السلبي في جسم الطفل الذي يتحصل جراء التزاوج بين الطرفين اللذين رضعا من نفس المصدر. 

فقه التحريم

لو تعرضنا لفقه التحريم في الزواج، لوجدنا بأن التحريم منبعه صلات القرابة، فكلما كانت صلة القرابة أقوى، كان التحريم أشد، لذا نجد التسلسل في التحريم يبدأ من عند الأم:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)

والسبب في ذلك (نحن نرى ربما مخطئين) إلى مقدار الإثم المتحصل من جراء ذلك، فالتزاوج مع الأم هو الأخطر، وذلك لأن الشخص قد لحقه أذى من أمه عندما كان في بطنها، ولحقه أذى إضافيا من الرضاعة، ولو حصل تزاوج معها، لكان مقدار الأذى المتراكم كبير جدا، سيتحصل من جراءه إثم كبير، وهو ما قد يسبب الضرر الأكبر للذرية من بعد ذلك. ويأتي الزواج من البنات ثم الأخوات والعمات والخالات، وألحق بذلك أمهات الرضاعة والأخوات من الرضاعة، ويأتي في الدرجة الأخيرة ربائب الشخص من النساء اللاتي تم الدخول بهن. فإن أنت دخلت بامرأة وكان لها ذرية من البنات، فإن ذلك سيكون سببا مانعا من التزاوج من بناتها، لأنه سيحدث عن ذلك تراكم للأذى، يسبب الضرر المادي للذرية التي ستتحصل لهما من جراء مثل هذا التزاوج.

لذا، كلما ابتعد الشخص عن ما يقربه بالدم أكثر، كلما كان ذلك سببا لتقليل كمية الأذى التي ستلحق بالذرية، وبالتالي سيكون مدعاة للطهارة أكثر، وتقليلا للإثم الذي من الممكن أن يتحصل نتيجة أي علاقة تزاوج بين طرفين. هيا بنا إلى الشيشان يا شباب، نساء جميلات، ونظن في الوقت ذاته أن لا يصيب ذريتنا الأذى سواء من النكاح أو من الرضاعة!!!

وللحديث بقية بإذن الله 

فالله وحده أسأل أن يعلمني، وأن يزيدني علما، وأن يهدين لأقرب من هذا رشدا. وأعوذ به وحده أن أكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو العليم الحكيم – آمين.


المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

23 نيسان 2018