تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الزكاة - الجزء السادس


فقه الزكاة: الجزء السادس

             تحذير                       تحذير                      تحذير

هذا هو الجزء السادس من مقالة الزكاة قيد البحث هنا، وقد كان من المفترض أن يظهر هذا الجزء قبل الجزء السابق الذي نشرناه آنفا تحت عنوان فقه الزكاة – الجزء السابع. ولكن لأسباب الصدفة ربما الخارجة عن إرادتنا، ظهر الجزء السابع ذاك قبل الجزء السادس هذا. ونحن نعزي هذا الخطأ (ربما المقصود) في الترتيب إلى أننا سنعرض في هذا الجزء على وجه التحديد نوعا من المعلومات المشفرة التي نحبذ أن لا يطّلع عليها إلا قلّة من الناس، فهي بالمفردات الأجنبية classified material، وهي لست مجانية للجميع. لذا، نحن نحذر بلهجة ربما غير مسبوقة أن يتم تداول ما قد يرد في سطورها من معلومات غريبة جدا على الملأ بأي طريقة كانت غير الرجوع المباشر إلى المصدر. فمن أراد المعلومة، فعليه أن يقرأها بنفسه من هنا، وكل من ينقل المعلومة أو أي جزء منها بغير هذه الطريقة، فهو خصمنا أمام الله يوم تجتمع الخصوم. لذا، على من يقرأ هذه المقالة أن يقسم أولا بالتالي:

أقسم بالله العظيم أن لا أبوح بالمعلومة أو أي جزء منها بأي طريقة كانت غير إحالة المهتم إلى النص الأصلي نفسه. والله على كل شيء شهيد.

أما بعد،

أنهينا الجزء السابق من هذه المقالة بمحاولتنا تدبر الآيات الكريمة التالية التي جاءت في كتاب الله على لسان نوح:

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)

وقد قادنا النقاش حينئذ إلى محاولة تدبر قوله تعالى:

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ (52)

فافترينا القول من عند أنفسنا بأن قوم نوح لم يكونوا بمجموعهم الأظلم والأطغى، لأنه لو كان هذا هو الحال، لربما جاءت الآية الكريمة بدون الضمير هُمْ، على النحو التالي:

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا ... أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ (52)

لكن وجود الضمير هُمْ في هذه الآية الكريمة حدّد لنا (نحن نفتري الظن) مجموعة بعينها من أولئك القوم (هُمْ)، فكانوا هُمْ أَظْلَم وَأَطْغَىٰ. وقد افترينا الظن بأن هذه المجموعة (الذين هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَىٰ) هم الديّارون الذين دعا نوح ربه بأن لا يذر على الأرض منهم أحدا، لأنهم هم من أضلوا عباد الله وما ولدوا إلا فاجرا كفارا:

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)

وقد جنح بنا التفكير إلى افتراء القول من عند أنفسنا بأن هؤلاء هم الذين جاء ذكرهم في قوله تعالى:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)

فهؤلاء (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) ليسوا آلهة القوم بدليل الفصل الواضح بينهم من جهة وآلهة القوم من جهة أخرى (وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا)، ولكنهم (نحن نرى) هُمْ الديّارون، أي رجال الدير، أي الذين اتخذوا أديرة (أماكن عبادة خاصة بهم)، فكانوا هم المراجع الدينية لمن حولهم، فهم – برأينا- أهل الكهنوت الديني حينئذ. فكانوا (نحن لازلنا نتخيل) يقدّموا للقوم أفهامهم العقائدية التي لا تتطابق مع التشريعات السماوية الحقيقية كالتي جاء بها نوح (نبي القوم). والأهم من هذا كله هو ظننا بأن قناعة الناس بما يقولون لم تكن لتصبح مطلقة لولا قدرة هؤلاء (الديّارين) على إثبات فاعلية عقائدهم للناس على أرض الواقع. فالناس قد اقتنعوا بما يقوله هؤلاء لهم لأنهم ببساطة قدّموا الدليل العملي لما يشرّعون. ويمكن مقارنة ما فعله هؤلاء للقوم من حولهم بما فعله السامري يوم أن أخرج للناس عجلا جسدا من حليهم، فكانوا هم من انطلقت ألسنتهم بنعت العجل على أنه إلههم وإله موسى:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ

فكما أُشرب العجل في قلوب قوم موسى:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)

استطاع الديّارون أن يشربوا آلهة القوم في قلوب الناس من حولهم، فما آمن لنوح إلا القليل ممن كان يُنظر إليهم بعين التحقير:

فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

ونحن نتجرأ على الظن بأن الذي صدّ الناس عن دعوة نوح، وبالتالي جعل تمسك الناس حينئذ بآلهتهم شديدة، هم هؤلاء الديّارون، حتى كانت ردة فعل نوح على القوم على النحو التالي:

قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6)

وذلك لأنهم قابلوا دعوة رسولهم بالطريقة المستفزة التالية:

وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)

السؤال: كيف استطاع الديّارون أن يقنعوا القوم برفض دعوة نوح لهم؟

رأينا المفترى: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن قدرة الديّارين لم تكن ممكنة لولا استطاعتهم إثبات دعواهم للناس بالدليل المادي المحسوس. ليكون السؤل الآن هو: ماذا كانت آلية ما فعل هؤلاء الديّارون لثني الناس عن تصديق دعوة نوح؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الذين كانوا قادرين على الوقوف في وجه دعوة كل رسول إلى قوم من الأقوام هم رجال الدين (أي الكهنوت الديني المسيطر على رقاب العباد في كل وقت وحين). فرجال الدين التقليدين هم الذين وقفوا على الدوام مروجين لعقائدهم الإبائية (أي ما ورثوه عن آبائهم)، صادّين الناس في الوقت ذاته عن سماع دعوة الرسول الذي بعث فيهم. فلو وقفت للحظة أمام الخطيب المفوّه من أهل الإسلام مثلا، لوجدته يروج للفكرة البسيطة التي مفادها بأن رجال الدين من أهل الديانة اليهودية هم من أضلوا الناس عن سماع كلمة الحق التي جاء بها موسى، ولوجدتهم يرفعون أصواتهم عالية أيضا قائلين بأن رجال الدين من النصارى هم الذين حرفوا النصرانية عن مسارها الصحيح كما جاء بها أنصار عيسى بن مريم (الحواريون)، ولوجدتهم أيضا يروجون بأن رجال الدين من أهل العقيدة البوذية أو الهندوسية أو المجوسية هم الذين أضلوا الناس عن علم، وهكذا. ولكن عندما يصل الخطيب إلى أهل الدين من طائفته أو ملته، لوجدته يقلب الخطاب على الفور، ليروج للفكرة التي مفادها أن رجال الدين وأهل العلم من طائفته هم الذين هدوا الناس سواء السبيل. وهذا المنطق ينطبق (نحن نجزم القول) على كل طوائف الأرض، فرجل الدين من كل طائفة ينظر إلى رجال الدين من طائفته على أنهم ملائكة بثوب بشري يهدون الناس إلى صراط الله المستقيم، بينما يرى رجال الدين من كل الطوائف الأخرى يقودون الناس إلى طريق جهنم وبئس المصير. وباللسان اللعجمي:

Ours are saints and angels; theirs are demons and devils

ونحن نتجرأ على الظن بأن هذا ما حصل فعلا على أرض الواقع في حالة قوم نوح. فعندما جاء نوح كرسول في قومه حيث كانت مهمته أن يدعوهم ليغفر الله لهم، كان المكان (نحن نتخيل) يعج حينئذ برجال الدين الذين يدافعون (وينافحون) عن دين آبائهم السابقين. فانبرى رجال الدين حينئذ لصد الناس عن الدعوة الجديدة، ومطالبة من حولهم بالتمسك بإرث الآباء وعدم تصديق دعوة هذا الداع لهم أن يتركوا ما وجدوا آبائهم عليه. فقوم نوح كانوا على عادة عبادة آلهة كثيرة من دون الله، بدليل وجود الآلهة المتعددة عندهم حينئذ:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ ... (23)

فكانت دعوة نوح تتلخص بترك الآلهة المتعددة، وبالتالي عبادة الله وحده. لذا، كانت الاسطوانة التي عزف عليها الديّارون هو غرابة المطلب، المتمثل بأن هذا الرجل (كرسول من ربه) ينهانا أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا:

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ۖ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70)


قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (10)

وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى ۚ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (43)


وقد كان جل منطقهم يتمثل في أن العبادة يجب أن تكون لآلهة متعددة، وأن عبادة إله واحد هو من باب الشيء العجاب:

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)


ولو دققنا في هذه الآيات، لوجدنا أن المحرك للناس، المروج لهذا المنطق الكاذب هم الملأ (وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ). فهم الذين دافعوا عن فكرة تعدد الآلهة، ووقفوا حاجزا مانعا لقبول الناس لفكرة عبادة الإله الواحد كما جاء بها رسل الله على الدوام.

السؤال: لِمَ كان النجاح باهرا لهؤلاء الملأ؟ كيف استطاعوا أن يحشدوا معهم السواد الأعظم من الناس؟ ولِم لَم يكن ليؤمن مع الرسول المبعوث فيهم إلا قلة قليلة من الناس؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نسأل: كيف استطاع الديّارون (رجال الكهنوت الديني) في قوم نوح مثلا أن يقنعوا الناس بالانضمام إلى صفهم على حساب الطائفة القليلة الموحدة المؤمنة مع الرسول الذي بعث فيهم؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نعتقد جازمين (وربما مخطئين) بأن هؤلاء ما كانوا لينجحوا في مسعاهم، وبالتالي تحقيق هدفهم، في غياب الآلهة التي اتخذها القوم:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)

فقوة الحجة لهؤلاء الديّارين كان مصدرهما (نحن نتخيل) وجود هذه الآلهة عندهم. ولو لم تكن هذه الآلهة موجودة عندهم، لما استطاع هؤلاء (نحن نفتري الظن) النجاح في مسعاهم. فهؤلاء الديارون كانوا (نحن نفتري الظن) يستمدوا الحجة على إثبات دعواهم من آلهتهم التي كانوا يعبّدون الناس لها. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن هؤلاء الديّارين كانوا قادرين على تفعيل تلك الآلهة، وبالتالي الاستفادة منها، بالضبط كما فعل السامري عندما أضل قوم موسى بالعجل، وكذلك فعل فرعون وهو من أضل قومه وما هدى.

السؤال: كيف فعلوا ذلك؟ ألا تستطيع أن توضح ما تقصد بطريقة يسهل فهمها؟ يسأل صاحبنا مستعجلا الإجابة كعادته!

جواب: نعم، أظن أني استطيع توضيح ذلك أكثر، لكن هذا يتطلب منا أن نقسّم النقاش في أبواب. فنحن نحتاج أن نفهم ما فعله السامري بالعجل، وما فعل العجلُ بقوم موسى، وكيف أُشرب قوم موسى في قلبهم ذلك العجل. كما نحتاج أن نفهم كيف فعل فرعون ذلك بنفسه، أي كيف استطاع أن يقنع القوم بأنه هو إلههم في ضوء معرفتهم المسبقة بأن فرعون نفسه له آلهة:

وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

فالسؤال المنطقي عندنا الآن هو: لِم لَم يطلب فرعون من القوم أن يعبدوا تلك الآلهة التي هي أصلا آلهته مادام أن لفرعون نفسه آلهة (كما جاء على لسان ملئه)؟

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)


فالجميع يعلم بأن لفرعون آلهة (وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، ولكنهم يقرون في الوقت ذاته بأن فرعون هو إلههم فقط (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي)، فلم لم تكن آلهة فرعون هي آلهتهم أيضا؟ وبالمقابل، نحن نسأل: لِم لَم يدّعي السامري (وهو مخرج العجل) الإلوهية لنفسه، فاكتفى بأن تكون الإلوهية المزعومة في العجل الذي أخرجه لهم؟

كما نحتاج أن نفهم كيف نظر الناس إلى المسيح عيسى بن مريم، ولم ضلّ كثير من الناس من بعده لدرجة أن اتخذوه إلها بالرغم أنه لم يطلب منهم ذلك.

لذا، سنبدأ النقاش في الباب الأول وهو باب السامري والعجل. طارحين التساؤل المحوري التالي: لِم لم يكن السامري نفسه هو إله القوم وهو من أخرج العجل بنفسه؟

(دعاء: نسأل الله وحده أن يأذن لنا بشيء من علمه في ذلك لا ينبغي لأحد غيرنا إنه هو العلي العظيم – آمين)

باب السامري والعجل


أما بعد،

السؤال مرة أخرى: لِم لَم يكن السامري هو نفسه مدعي الإلوهية؟ أليس هو من أخرج لهم ذاك العجل؟ لم جعل السامري العجل إلها للقوم ولم يدعي لنفسه الإلوهية بالرغم أنه هو صانعها؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال ربما تمهد لنا الإجابة على تساؤلات أخرى مشابهة مثل: لِم لَم يكن الديارون (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) من قوم نوح هم أنفسهم مدّعين الإلوهية؟ أي لِم لَم يقل هؤلاء للناس بأنهم هم أنفسهم آلهة؟ وبالمقابل، لم أدعى فرعون بالذات الإلوهية لنفسه بالرغم من وجود آلهة له كما جاء على لسان ملئه؟

وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

السؤال المحوري: من يستطيع أن يدّعي الإلوهية؟ أو من يستطيع أن يكون فعلا إلها من دون الله؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإله لا يمكن أن يكون كذلك إلا بشرطين اثنين، وهما أن يكلمهم وأن يهديهم. انتهى.

الدليل

لو دققنا في الآية الكريمة التالية الخاصة بالعجل الذي اتخذه قوم موسى إلها في غياب موسى نفسه، لوجدنا أن الله ينفي عن العجل صفة الإلوهية الحقيقية لأنه ببساطة لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ

وبناء على هذا، فإننا نتجرأ على تقديم الافتراءين التاليين:

نتيجة مفتراة 1: الإله الحقيقي هو الذي يكلّم

نتيجة مفتراة 2: الإله الحقيقي هو الذي يهدي السبيل

السؤال: كيف يمكن للإله أن يكلّم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإله يكلّم عباده، لأن الكلام لا يكون باللسان. انتهى.

السؤال: لم ذلك؟ وكيف لا يكون الكلام باللسان؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الكلام لا يكون باللسان، وذلك لأن ما يستطيعه اللسان هو القول فقط:

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)

مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (46)

السؤال: لماذا؟ وما فائدة مثل هذا الافتراء أصلا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه لما كان اللسان يستطيع القول، فإنه قد لا يقول الحقيقة؛ وذلك لأن اللسان قد يقول ما ليس في القلب (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ)، فاللسان هو الأداة التي تمكن صاحبه من تغيير الحقيقة (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ)، أي هو أداة الكذب. فمن كان له لسان يمكن أن يكذب، ولكن من لم يكن له لسان، لا يستطيع أن يكذب، لذا كان فرعون إلها كاذبا، لأنه كان له لسان:

أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)


فمادام أن لفرعون لسان، لذا كانت احتمالية الكذب وارده؛ وذلك لأنه قادر على أن يقول بلسانه ما ليس في قلبه، وهو (نحن نرى) ما جعله يقلب الحقائق لمن حوله، فكان سببا في عدم هدايتهم:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ (79)

فكان منهج فرعون في قومه هو ما تصوره ما جاء في الآية الكريمة التالية:

... قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)


لكن الإله الحقيقي هو الذي يقول الحق ويهدي السبيل:

مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ۚ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ ۚ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ۚ ذَٰلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ ۖ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)


نتيجة مفتراة: فرعون كان له لسان. لذا، كان يقول بفيه، فلم يقل الحق ولا هدى السبيل

نتيجة مفتراة 2: الإله الحقيقي ليس له لسان. لذا هو لا يقول بفيه، فهو إذن – لا محالة - يقول الحق ويهدي السبيل

ونحن نفتري الظن أيضا بأن اللسان ليس خاصا بفرد واحد بعينه، بل هو ملكية للقوم جميعا. لذا، يستحيل على من يتكلم بلسان قومه أن يكون إلها حقيقيا، فالإله الحق ليس له قوم:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)


السؤال بطريقة أخرى: هل للإله قوم حتى يكون له لسان كالآخرين؟

جواب مفترى: كلا، وألف كلا. فالله نفسه ليس له لسان، ولا يقول بفيه، ولكنه في الوقت ذاته يكلّم عباده، قال تعالى:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)


لذا، جرى الخطاب بين الله نفسه من جهة وموسى من جهة أخرى في الواد المقدس بطريقة التكليم:

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ۚ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا (164)

وهنا نصل إلى قضية محورية خطيرة جدا تتمثل بطرح السؤال التالي: ما هي ماهية الكلام الإلهي مادام أن الإله ليس له لسان ولا يقول بفيه (كما نزعم)؟

جواب مفترى: نحن نظن بداية بأن القرآن العظيم هو كلام الله، بدليل قوله تعالى:

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ (6)

سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ ۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ ۖ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا ۚ بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: القرآن هو إذن - لا محالة - كلام الله

لكن هنا يبرز التساؤل التالي: هل القرآن (كلام الله) هو أيضا ما قاله الإله نفسه كما وصلنا؟ هل القرآن هو ما قاله الله بلسانه؟ هل قاله الله بفيه؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، وذلك لأن الإله الحق ليس له لسان ولا فيه.

السؤال: كيف نفهم أن القرآن الكريم هو كلام الله في الوقت الذي نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الله لم يقله بلسانه ولا بفيه؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا: نحن نظن أن القرآن هو (بمفرداتنا اللغوية الدارجة) كلام الله غير المباشر؟

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا جدا: القرآن ليس كلام الله المباشر، لكنه كلام الله غير المباشر.

السؤال: وما الفرق بين أن يكون القرآن هو كلام الله المباشر أو كلام الله غير المباشر؟

جواب مفترى: لو كان القرآن هو كلام الله المباشر، لأصبح لزاما أن نستنبط بأن لله لسانا عربيا، وللزم علينا أن نستنبط أن لله قوم، هم الأعراب أهل اللسان العربي الذي بعث فيهم محمد رسولا:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)


وهذا المنطق المفترى من عند أنفسنا ينطبق كذلك على كل الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل. فلو كان التوراة كلام الله المباشر، لكان للإله لسان عبرانيا. ولو كان الإنجيل كلام الله المباشر، لكان للإله لسان كلسان حواري المسيح عيسى بن مريم، وهكذا.

السؤال: ما المخرج؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن المخرج من هذه المعضلة تتمثل في تنزيه الإله عن المشابهة، قال تعالى:

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)

فالله لا يتخذ لنفسه لسانا كلسان الرسل الذين كلّفوا أن يبلغ كل واحد منهم رسالة ربه بلسان قومه:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ۖ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)

نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195)


السؤال: ما هو إذا الكلام الإلهي المباشر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الكلام الإلهي المباشر هو المحكم من الآيات قبل تفصيلها (أي ترجمتها) إلى لسان القوم الذي بعث فيهم الرسول:

الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ ۖ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ ۗ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ ۖ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ۚ أُولَٰئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ (44)


فتفصيل الكتاب (كما حاولنا تبيان ذلك في مقالات سابقة لنا) هو عملية جعل (أي تحويل) من صيغته الإلهية المحكمة إلى صيغته البشرية المتشابهة، فالصيغة الإلهية المحكمة هي الوحي كما جاء في قوله تعالى:

حم (1) عسق (2) كَذَٰلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)


السؤال: ما فائدة هذا التفريق بين الكلام الإلهي المحكم (بنصه الأصلي) عن الكلام الإلهي المفصل بلسان قوم الرسول (أي المترجم بلسان قوم الرسول المبعوث في كل أمة من الأمم)؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن كلام الإله المباشر يتم بالصيغة المحكمة قبل تفصيلها إلى لسان قوم الرسول الذي بعث فيهم. لذا فإن الآيات المحكمات هي التي لم تفصل، أما الآيات المفصلة فهي الآيات المتشابهات فيه:

هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)


فالآيات بالأحرف المتقطعة (كما درجنا على تسميتها) هي الآيات المحكمات، بينما بقية القرآن هو كله آيات متشابهات لأنه بلسان قوم الرسول (أي بلسان عربي مبين):

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87) 

نتيجة مفتراة: أنزل الله على نبيه شئين اثنين هما (1) سبعا من المثاني و (2) القرآن العظيم

نتيجة مفتراة: السبع المثاني هي ما نسميه بالأحرف المتقطعة وهي أربعة عشر حرفا (أو بكلمات أكثر دقة أربعة عشر مقطعا صوتيا)، ولو تم تجميعها بشكل ثنائي (binary) لأصبحت سبعا من المثاني

نتيجة مفتراة: القرآن العظيم هو كل ما في القرآن باستثناء هذه المقاطع الصوتية الأربعة عشر (سبعا من المثاني)

السؤال مرة أخرى: ما فائدة التفريق بين كلام الله المباشر (بالآيات المحكمات) عن كلام الله غير المباشر بالآيات المتشابهات التي فصلت بلسان قوم الرسول؟

رأينا المفترى: كان الوحي الإلهي لرسله يتمثل بأن يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، فيكون ذلك وحيا بآيات محكمات (أي بالصيغة الإلهية المباشرة)، فيتولى الرسول بنفسه تفصيل هذه الآيات (أي ترجمتها) بلسان قومه حتى يستطيع الناس أن يفهموها، لذا جاء قوله تعالى:

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40)

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19)


نتيجة مفتراة: القرآن هو كلام الله

نتيجة مفتراة: القرآن هو قول رسول كريم

(للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الإله يكلّم (فيكون كلاما مباشرا)، وأن كلام الإله ينقل بلسان الرسل الذين بعثهم الله في كل الأمم (فيكون كلاما غير مباشر). وما تكلم الإله بكلام مباشر مع بشر إلا من خلال الطرق التالية:

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)

وهذا الطرح (على ركاكته) يعيدنا على الفور إلى قصة الآلهة المزعومة من دون الله كآلهة قوم نوح وقوم عاد وآلهة فرعون وفرعون نفسه (كإله) وعجل السامري.

السؤال: لم لا تكون هذه آلهة حقيقية؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذه ليست آلهة حقيقية لأنها ببساطة لا تكلّم الناس مباشرة. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية التي جاءت لتنفي صفة الإلوهية عن عجل السامري مرة أخرى، لوجدنا أنها قد أثبتت عدم إلوهية العجل لسببين اثنين وهما: أنه لا يكلم القوم ولا يهديهم:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

السؤال: هل تُنفي الإلوهية عن العجل بمجرد أنه لا يكلم القوم (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ) وأنه لا يهديهم سبيلا (وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا)؟ فهل من المتوقع من العجل أن يكلمهم؟ وكيف يمكن للعجل أن يكلمهم أصلا؟ وهل من المتوقع أن يرجع لهم العجل قولا كما جاء في الآية الكريمة التالية؟

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)


والسؤال الأهم: هل الإله الحقيقي يكلّمنا أصلا؟ وهل يرجع لنا قولا؟ من يدري؟!!!

رأينا المفترى: من أجل محاولة الإجابة على هذه التساؤلات، فلابد (نحن نرى) أن نطرح أولا السؤال المحوري التالي: ما معنى التكليم؟ وكيف يحصل التكليم من الإله للبشر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الكلام لا يمكن أن يقع إلا بشرط واحد وهو حصول الاستجابة. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ما يجعل الله (الإله الحقيقي) مختلفا عن جميع الخلق هو أنه قادر على كل شيء. لذا، فهو وحده من ترك الباب مفتوحا أمام عباده أن يسألوه ما يشاءون:

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

نتيجة مفتراة مهمة جدا وخطيرة جدا: إن من أبسط أبجديات هذا القانون الإلهي هو عدم وجود الوسيط بين العبد وربه. فالله قادر على إجابة دعوة الداع إذا دعاه مباشرة. أما الآلهة من دونه فهي غير قادرة على ذلك. لذا، فالتواصل مع هذه الآلهة تحتاج إلى وسيط. انتهى.

لذا، نحن نفتري الظن بأن العجل إله كاذب لأن قوم موسى لا يستطيعون التواصل معه مباشرة، فما كان يستطيع أن يكلمهم مباشرة، ولا أن يرجع لهم قولا. وجلّ ما يستطيع القوم فعله هو التواصل مع العجل من خلال الوسيط وهو – نحن نجزم الظن- السامري، فالسامري هو – برأينا- أداة الوصل بين العجل من جهة وقوم موسى من جهة أخرى. وكذلك كان ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، فهؤلاء هم – برأينا- أداة الوصل بين قوم نوح من جهة وآلهتهم من جهة أخرى. فلو أراد القوم من هذه الآلهة شيئا، ما كان ذلك ممكنا بغير طريق هؤلاء الوسطاء. بالضبط كما كان قوم موسى لا يستطيعون التواصل مع العجل بغير طريق السامري نفسه. فهؤلاء هم من يملكون مفتاح الباب السري (password) لهذه الآلهة المزعومة.

وكذلك كان فرعون هو أداة الوصل بين قومه من جهة وآلهته من جهة أخرى. فما كان قوم فرعون قادرين على التواصل مع آلهة فرعون بغير طريق فرعون نفسه. لكن يبرز هنا السؤال المحوري ألا وهو: لم أدعى فرعون الإلوهية لنفسه؟ ولم – بالمقابل- لم يدعي السامري الإلوهية لنفسه وتركها من نصيب عجله؟ وبالمنطق نفسه نحن نسأل: لِم لَم يكن ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا أنفسهم آلهة من دون الله؟ لم أثبتوا الإلوهية لغيرهم؟

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الجواب على هذا التساؤل يكمن في الآية الكريمة التالية:

تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)


نتيجة مفتراة: الإله الحقيقي هو الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير. انتهى.

السؤال: ماذا تقصد؟ لم أفهم ما تريد قوله، يقول صاحبنا مستغربا الإجابة.

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإله الحق هو القادر على كل شيء، لذا يستحيل أن تكون الآلهة من دون الله قادرة على كل شيء، لكن (انتبه) هذا لا ينفي احتمالية قدرتها على بعض الأشياء. من هنا ، نحن نرى (ربما مخطئين) جاءت فكرة الآلهة المتعددة في كل الأمم التي سبقت، كقوم نوح مثلا:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)


أو كقوم هود (عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد):

قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ۗ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54)

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22)

أو كثمود (قوم صالح):

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)


أو كقوم إبراهيم:

فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)

قَالُوا مَن فَعَلَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59)

قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68)


أو حتى قوم محمد أنفسهم:

إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ۚ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)

وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (36)

وكانت هذه هي ردة فعل جميع الأقوام التي بعث الله فيهم رسله، فلقد كان استغرابهم الأشد هو جعل الآلهة المتعددة إلها واحدا، فما نعتوا ذلك إلا من باب الاختلاق، أي ما هو غريب عليهم، غير مألوف في آبائهم الأولين:

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَىٰ آلِهَتِكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَٰذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

السؤال: لماذا كانت الأقوام التي بعث الله فيهم الرسل جميعا على عادة عبادة الآلهة المتعددة؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن أن السبب في ذلك أنهم لم يكونوا قادرين على تحديد الإله الأوحد القادر على كل شيء، ولكنهم وجدوا آلهة متعددة، يستطيع كل واحد منهم (أي من هذه الآلهة المتعددة) تحقيق مرادهم في أشياء محددة بعينها. ومن هنا (نحن نفتري الظن) جاءت فكرة تصنيف الآلهة. ففي الثقافات البائدة والوثنية القديمة، كان لكل شيء إلهه المحدد، فهناك إله الشمس وإله القمر وإله الحب وإله الحرب وإله الجمال وإله الخصب وإله الغيث، وهكذا. ولا يمكن أن يكون هذا التصنيف في الثقافات المتعددة قد جاء من قبيل المصادفة أو التقليد الأعمى فقط.

نتيجة مفتراة 1: الإله الحق هو القادر على كل شيء

نتيجة مفتراة 2: الآلهة من دون الله غير قادرة (منفصلة) على كل شيء

نتيجة مفتراة 3: كل إله من هذه الآلهة المزعومة كان قادرا على شيء محدد بذاته

السؤال: ما علاقة هذا بفحوى النقاش الخاص بالسامري وعجله الذي اتخذه إلها؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات الكريمة التالية الخاصة بعجل السامري، لوجدنا بأن من صفاته أنه لا يكلم القوم، ولا يهديهم سبيلا، ولا يرجع إليهم قولا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

السؤال: مادام أن العجل كذلك، فلم اتخذوه إلها:

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88)

لكن، لو دققنا في الوقت ذاته بما قاله موسى للسامري بعد عودته، لوجدنا أن موسى نفسه ينعت العجل بأنه إله السامري فقط:

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)

ليكون السؤال الآن هو: لماذا قال القوم بداية بأن العجل إلههم وإله موسى بينما نعت موسى العجل بأنه إله السامري فقط؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن القوم قد خدعوا بالعجل فظنوا أنه إلههم جميعا (فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ)، لكن موسى لم يكن لتنطلي عليه حيلة السامري، فكشف على الفور زيفه عندما نسب العجل إلها للسامري فقط (وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ)، والسبب في ذلك – نحن نرى – لأن القوم لا يستطيعون بمجملهم تكليم العجل، لكن القادر على تكليمه هو السامري فقط. فالعجل هو إذا إله السامري – كما جاء على لسان موسى- لأن السامري هو وحده القادر على تكليم العجل وبالتالي تسخيره لخدمته. لذا، فالعجل ليس إلها حقيقيا وذلك لأن الإله الحق هو الذي يكلّم الجميع. انتهى.

نتيجة مفتراة 1: انطلت الفكرة على القوم فظنوا أن العجل إلههم

نتيجة مفتراة 2: لم تنطلي الفكرة على موسى، فما اثبت أن العجل إله للقوم لأنه ببساطة لا يكلمهم

نتيجة مفتراة 3: لم ينفي موسى فكرة أن العجل إله للسامري لأنه ببساطة الوحيد القادر على تكليم العجل

نتيجة مفتراة مهمة جدا: العجل ليس إلها حقيقيا لأنه لا يقدر على كل شيء، لكنه كان (نحن نتخيل) قادرا على أشياء محددة بعينها

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن التكليم مبني على مبدأ إرجاع القول، وهو ما يعني - بمفرداتنا ربما غير الدقيقة - حصول الاستجابة. فالإله الحق هو الذي يكلم عباده لأنه يستجيب لقولهم.

الدليل

دعنا ندقق في الآيات الكريمة التالية التي تشير أن الله لن يكلم مجموعة ممن خلق في يوم القيامة:

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174)

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77)

السؤال: كيف نفهم أن الله لن يكلم مجموعة من الناس في يوم القيامة وفي الوقت ذاته نجد الآيات التالية تصور حدوث الحوار الذي سيجري هناك:

وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)

وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)


السؤال: لِمَ سيأتي كل الناس (مؤمنهم وكافرهم) الله فردا؟ ألن يحصل حوار بين الإله من جهة وهؤلاء الناس من جهة أخرى؟

ثم، دعنا ندقق في الآيات الكريمة التالية التي تبين أن كل نفس تأتي يوم القيامة لتجادل عن نفسها:

يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111)

السؤال: مع من ستحصل المجادلة؟ ألن يجادلوا الله حينئذ؟

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (109)


مادام أنه لن يجادل عن هؤلاء أحد يوم القيامة، ومادام أن كل نفس ستجادل عن نفسها، فكيف إذا سنفهم أن الله لن يكلمهم يوم القيامة؟

ولو دققنا في الآيات الكريمة التالية، لوجدنا على الفور أن هناك حوار يحصل بين هؤلاء الذين في النار مع ربهم:

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)

السؤال مرة أخرى: كيف نفهم أن الإله لن يكلم هؤلاء في الآخرة وفي الوقت ذاته نجد أن كثيرا من الآيات تبيّن حصول الحوار بالقول بين هؤلاء وربهم؟

جواب مفترى: نحن نظن أنه سيكون هناك تواصل بين جميع الخلق والخالق في يوم الدين، لكننا نؤمن في الوقت ذاته أن الله لن يكلم بعض هؤلاء.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن هناك فرق بين التحاور بالقول والتكليم.

السؤال: وما الفرق بينهما؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن من أساسيات التكليم هو الاستجابة. لذا، نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الله لن يكلم بعض المحاورين في الآخرة بالرغم من حصول المحاورة لهم، وذلك لأنه لن يستجيب لطلبهم بالرغم من محاورتهم. فالذين طلبوا من الله أن يضاعف عذاب الذين أضلوهم، لن تحصل الاستجابة لطلبهم، وذلك لأن الأمر محسوم من ذي قبل: لكل ضعف. فسواء طلب هؤلاء مضاعفة العذاب للذين أضلوهم أم لم يطلبوا، فذاك لن يزيد في الأمر ولن ينقصه منه شيئا:

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29)


ولتدليل على صحة ما نفتريه من عند أنفسنا عن ارتباط الاستجابة بالتكليم، دعنا نقرأ ما جاء في الآية الكريمة التالية على لسان الذين لا يعلمون:

وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

فهم (أي الذين لا يعلمون) يطلبون أن يكلمهم الله أو أن يأتيهم بآية، ليستدلوا بذلك على وجود الإله. ليكون السؤال هو: ماذا يقصد هؤلاء بأن يكلمهم الله (لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ)؟ هل يطلبون الحوار المباشر مع الإله نفسه؟

ولو تفقدنا آيات التكليم في مواضع متعددة من كتاب الله، لوجدناها تبين لنا بأن التكليم مرتبط بحصول الاستجابة للسؤال المطروح. ولنحاول تقديم بعض الأمثلة التوضيحية. فهذه مريم مثلا قد طُلب منها الصوم للرحمن بأن لا تكلم اليوم إنسيا:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا

لذا، عندما أتت قومها تحمل المسيح، كان سؤال القوم الموجه لها مباشرة على النحو التالي:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)

السؤال: هل أجابت مريم على سؤالهم؟

رأينا المفترى: نحن نفهم (ربما مخطئين) أن مريم لم تجب على تساؤلاتهم الموجهة لها، وذلك لأنها ببساطة لم تقل لهم من أين أتت بهذا الصبي الذي تحمله، وجل ما فعلت هو أنها أشارت إليه:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا

فمن الذي تكلم مع القوم؟ ومن الذي أجاب على تساؤلاتهم، فأسكتهم، عندما قال:

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)

فالذي كلّم قوم مريم هو ابنها المسيح نفسه، لذا جاء قول الحق:

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)


السؤال: كيف نفهم أن عيسى كان يكلم الناس في المهد وكهلا؟

رأينا المفترى: نحن نرى بأن عيسى بن مريم لم يكن إلا كلمة الله التي ألقاها إلى مريم:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

لذا كان (نحن نتخيل) قادرا أن يستجيب لطلب كل من هم حوله حينئذ. فلو طلب الناس منه شيئا محددا بعينه، لاستجاب لطلبهم على الفور، وليس أدل على ذلك من قدرته على إحياء الموتى وشفاء الأكمة والأبرص، وقدرته كذلك على أن ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم،.

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأن عيسى كان الوحيد من بين رسل الله جميعا القادر على تكليم الناس، وذلك لأنه يستطيع تنفيذ طلبهم في الحال.

السؤال: هل نجد في كتاب الله رسولا غير المسيح عيسى بن مريم كان قادرا على تكليم الناس على الدوام؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا. فحتى محمد لم يكن قادرا على تكليم الناس، لأنه لا يستطيع تنفيذ بعض طلباتهم في الحال. فعندما طلب القوم منه ما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا (93)

ما كانت ردة فعله إلا نحو: قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا.

ولو حصل أنه كلمهم في أمر ما، فاستجاب لطلبهم، فتلك إذن قدرة محددة بظرف الزمان والمكان حينئذ، لكنها بكل تأكيد ليست مطلقة كقدرة المسيح عيسى بن مريم.

السؤال: لماذا؟ أي لماذا كانت قدرة الرسل جميعا على تكليم الناس محددة بظروف الزمان والمكان بينما كانت قدرة المسيح عيسى بن مريم مطلقة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن كلام عيسى بن مريم كان كلاما مباشرا (بصيغته الإلهية المباشرة) بينما كان كلام غيره كلاما غير مباشر (بصيغته البشرية). (للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: كيف تم خلق عيسى بن مريم؟)

السؤال: كيف كان عيسى قادرا على تكليم الناس في المهد وكهلا؟

رأينا المفترى: نحن نرى أن هذا السؤال يدفعنا أن نحاول فهم ماهية عيسى بن مريم، لذا سننتقل إلى الباب الثاني من النقاش وهو باب عيسى بن مريم.

باب عيسى بن مريم

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه مادام أن عيسى كان قادرا على تكليم الناس، فهو كان إذا (نحن نفهم ربما مخطئين) يستطيع أن يستجيب لطلبهم على الفور، وليس أدل على ذلك مما كان عيسى قادرا على فعله كما تصور ذلك الآيات الكريمة التالية:

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (39)

لذا فقد كان عيسى (نحن نفتري الظن) قادرا على إحداث ما يسميه العامة بالمعجزات على مرأى من الناس ومسمعهم.

السؤال: كيف كان عيسى قادرا على ذلك؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا هذه الآية، لوجدنا أن عيسى كان قادرا على التالي:

- يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)

- يبرى الأكمه والأبرص (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ)

- يحي الموتى (وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ)

- ينبئهم بما يأكلون (وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ)

- ينبئهم بما يدخرون في بيوتهم (وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ)

السؤال: ما الذي كان يجعل عيسى قادرا على فعل ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن عيسى كان قادرا على فعل ذلك، لأنه كان يستطيع الكلام المباشر. فهو إذن (نحن نتخيل ربما مخطئين) يستخدم الصيغة الإلهية في مخاطبة الأشياء، ومادام قادرا على ذلك، فإن الأمور تتحقق له بكن فيكون. انتهى.

إن من أبسط أبجديات التفكير (نحن نرى) هو أن مخاطبة الأشياء بالكلام المحكم (غير المفصل بلسان القوم) ينتج عنه استجابة الأشياء لهذا الخطاب على الفور (للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان النظرية العالمية)، وذلك لأن هذا هو الكلام الذي تستجيب له هذه الأشياء. فعيسى لم يكن من الناس مثلنا، ولكنه كان بشرا رسولا. وقد تكلم في المهد، فنطق بما علمه الله مباشرة، فما كان لسانه هو لسان قوم من الأقوام، فهو ليس له قوم كبقية الرسل. لكن، كان له – بالمقابل- حواريون، وهم من أسندت لهم مهمة نقل كلامه (غير المفهوم عند الناس العاديين) إلى بني إسرائيل بلسانهم الذي يفهمونه، وهم من أرسل إليهم:

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)

فكان الحواريون هم الذين يقومون بمهمة تفصيل كلام عيسى المباشر إلى الناس بألسنة هؤلاء القوم (أي بني إسرائيل)، وذلك بوحي مباشر من الله:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)

نتيجة مفتراة: لما كان عيسى يتكلم بالكلام المحكم (غير المفصل بلسان القوم)، لم يكن يستطيع إلا أن ينطق بالحق، فكان هو نفسه كلمة الله:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا (171)

السؤال: كيف كان عيسى كلمة الله؟

رأينا المفترى: نحن نظن جازمين بأن عيسى بنفسه هو كلمة الله، وذلك لأن كلمة الله هي جزء من الكلام الإلهي المباشر، وبالتالي فهو كلمة مفعّلة، فما أن يكلّم، حتى يقع الحق:

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ ۚ قَوْلُهُ الْحَقُّ ۚ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ ۚ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73)

فعيسى يستمد كلامه من الذي قوله الحق، لذا يستحيل أن يتلكأ شيء عن الاستجابة للقول الحق.

الدليل

دعنا ندقق بما كان يفعله المسيح عيسى بن مريم بشيء من التفصيل، قال تعالى:

وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (39)

ولو أمعنا التفكر في هذه الآية، لوجدنا فيها شيء من الغرابة (كما نفهمها)، والغرابة تكمن في أن هناك أمورا محددة كان يحدثها عيسى بن مريم مرتبطة بالإذن الإلهي، بينما هناك أمور أخرى (من التي كان يحدثها على أرض الواقع) غير مرتبطة بالإذن الإلهي المباشر. أما المرتبطة بالإذن الإلهي مباشرة فهي:

1. الخلق: أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ

2. الإحياء: وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ

أما تلك غير المرتبطة بالإذن الإلهي فهي:

1. الإبراء: وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ

2. النبأ: وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ

ليكون السؤال: هو: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن عيسى كان قادرا على إحداث الخلق والإحياء، لكنه لم يكن ليفعل ذلك دون أخذ الإذن المسبق من الله لفعل ذلك، لكنه لا يحتاج لمثل هذا الإذن المسبق في حالتي الإبراء والنبأ.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه في حالتي الخلق والإبراء، يصبح لزاما على عيسى أن يكلّم، لذا نحن نظن أن عيسى ما كان ليكلم إلا أن يؤذن له. لذا، عليك أن تتخيل عزيزي القارئ عيسى وهو دائم الصمت، وما كلم إلا بعد أن يؤذن له بذلك، لأنه ما أن يكلم عيسى حتى يقع الحق على الفور. أما في حالتي الإبراء والنبأ، فهو لا يحتاج أن يكلم ليعلم ذلك، ولكنه يُحدِث فعلا دون كَلِم.

السؤال: وكيف ذلك؟ لم أفهم يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: كيف يمكن أن تتخيل عيسى وقد كان يبرئ الأكمه والأبرص؟ هل تتخيله بحاجة أن يكلّم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك غير ضروري بالنسبة للمسيح، فجل ما كان يفعله المسيح في حالة إبراء الأكمه والأبرص هو فقط أن يمسح بيده على ذلك المريض، فيتعافى، فهو أصلا مسيح، أليس كذلك؟

نتيجة مفتراة: عملية إبراء الأكمة والأبرص هي عملية يقوم بها المسيح دون الحاجة إلى أن يكلّم، وجل ما يفعله هو أن يضع يده الكريمة على المريض، فيتعافى على الفور.

السؤال: وكيف كان ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون إذن؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن المسيح لم يكن يحتاج هنا أيضا أن يكلّم ليعلم ما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم. لذا، فهو يحدث ذلك على أرض الواقع بالفعل وليس بالكلم.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب التعرض بداية إلى طريقة تنقل المسيح عيسى بن مريم من مكان إلى آخر. ليكون السؤال هو: كيف كان يتنقل المسيح عيسى ابن مريم من مكان ما إلى مكان آخر؟ فهل كان يمشي على رجليه مثلنا مثلا؟

جواب مفترى: كلا، وألف كلا.

الدليل

دعنا نعيد قراءة الآية الكريمة التالية بشيء من التمحيص، قال تعالى:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ (75)

تساؤلات

- ما معنى أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام؟

- ما الغريب في ذلك؟

- أين يمكن أن ننظر لنرى كيف يبين لنا الله في ذلك الآيات؟

- أين الآيات في أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام؟

- ما علاقة هذا بالإفك الذي افتراه الكثيرون؟

- الخ.

افتراءات من عند أنفسنا: بناء على ما جاء في هذه الآية الكريمة، نحن نظن جازمين بما يلي:

- ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ)

- وأمه صديقة (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)

- كانا يأكلان الطعام (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ)

- وأنّ هذه جميعا آيات من الله بينها لنا (انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ)

- وأنّ فيها تبيان واضح يدحض حجة الأفاكين (ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ)

السؤال: وكيف ذلك؟

أولا، أن المسيح لم يكن أكثر من رسول قد خلت من قبله الرسل، لذا فإن كل ما كان يفعله المسيح مما يسميه العامة بـ "المعجزات" لم تكن في حقيقتها أكثر من آيات دالّة على رسالته كرسول من رسل الله. وهذه الأمور لا تخرج المسيح عن نطاق أن يكون رسولا، ولا تدفع به إلى مرتبة الإلوهية كما ظن الأفاكون الذين افتروا على المسيح وبالتالي على الله الكذب.

ثانيا، أنّ أم المسيح (مريم ابنت عمران) لم تكن أكثر من صديقة. لذا، ففي قصتها آية من آيات الله التي يجب تدبرها وتبيانها للناس

ثالثا، أنّ المسيح وأمه فقط من كانا يأكلان الطعام، وفي هذه أيضا آية من آيات الله التي يجب تبيانها للناس.

رابعا، أنّ فهم هذه الآيات كما بينها الله تدحض بما لا يدع مجالا للشك دعوى الأفاكين

السؤال: وكيف ذلك؟

الباب الأول: المسيح رسول قد خلت من قبله الرسل

إن المسيح عيسى بن مريم رسول من الله قد خلت من قبله الرسل. لذا، من المتوقع أن يأتي هذا الرسول (كما جاء كل الرسل الذين سبقوه) بالآيات لتبيان صدق دعوته إلى الله الواحد الأحد. فكما جاء نوح بالبينات، وكما جاء إبراهيم وموسى بالبينات، جاء المسيح كذلك بالبينات. لذا، فإن كل ما فعله المسيح لا يخرج عن نطاق أن يكون آية من آيات الله. لكن في حين أن موسى مثلا جاء بالآية الكبرى:

فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)

كان المسيح بحد ذاته آية للناس:

قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ۖ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا ۚ وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا

فهل إذا كانت عصا موسى آية للناس، هل يجعلها مؤهلة أن تكون هي الإله نفسه؟ فكما لم يطلب موسى من الناس أن يجعلوا تلك العصا إلها من دون الله، ما طلب عيسى من الناس أن يجعلوه آية للناس:

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)

فالآية نفسها (سواء كانت عصا موسى أو الناقة أو حتى عيسى بن مريم نفسه) لا يمكن أن تكون بحد ذاتها إلها، فانظر أنى يؤفكون. فالذين اتخذوا عيسى إلها هم أنفسهم كالذين أشربوا في قلوبهم العجل:

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)


فهؤلاء هم المتشبثون بالإله المادي كما طلبوا ذلك من موسى بعد أن أنجاهم الله من الغرق:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَىٰ قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَىٰ أَصْنَامٍ لَّهُمْ ۚ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ۚ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138)
فهم قد اشربوا في قلوبهم فكرة الإله المادي المتجسد عندهم. لذا، لم يتردد الأفاكون أن ينسبوا لعيسى الإلوهية من باب أنهم يريدون إلها متجسدا كالعجل:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ (88)

فكما اتخذ قوم موسى العجل الذي تجسد لهم إلها، وأشربوا ذلك في قلوبهم، اتخذ كثير من الناس المسيح إلها متجسدا.

السؤال: ما الذي وجدوه في عيسى حتى رفعوه إلى درجة الإلوهية؟

تخيلات أغرب من الخيال نفسه من عند أنفسنا (لا تصدقوها): نحن نفتري القول بأن القوم قد وجدوا من عيسى ما يجعلهم يتطيروا به لدرجة أن رفعوه إلى مرتبة الإله، والسبب في ذلك أن عيسى كان يختلف في أعينهم عن ما هو مألوف مما جعلهم يرفعوه إلى مصاف الإله.

السؤال: ما الذي وجدوه في عيسى مختلفا؟

جواب مفترى: مادام أن عيسى نفسه هو آية، لذا يجب أن ينظر إليه أنه بحد ذاته أمرا عجبا. فكل أفعاله وحركاته تبدو للمراقب خارجة عن المألوف. وأول هذه الأمور غير المألوفة للعين العادية هو – برأينا – ما جاء في الآية الكريمة التالية:

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (69)

نعم، لقد كان عيسى وجيها في الدنيا والآخرة. فما معنى ذلك؟

تخيلات من عند أنفسنا: نحن نظن أن عيسى كله كان وجها، فليس لعيسى مقدمة ومؤخرة. لذا، يستحيل (نحن نتخيل) أن يرى أحد المسيح من الخلف، فمن أي جهة حاول أحد أن يقترب من المسيح، فسيجد أنه أمامه مباشرة. لذا، وجد الناس من حول المسيح العجب الذي تطير له الألباب. ولهذا، كان المسيح هو وحده من طلب الله شهادته يوم الدين بأنه لم يقل للناس أنه إلها من دون الله:

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
فحتى في يوم القيامة سيرتبك الناس في ماهية المسيح، فيظنون أنه إلها (لأنه وجيها في الدنيا والآخرة)، فكما تعجب الناس من أمر المسيح في الدنيا، سيتعجب الكثيرون من أمره في الآخرة. فالله هو نفسه كله وجه. لذا، قال الله:

وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)
ففي يوم القيامة سيحصل هناك (نحن لازلنا نتخيل) إرباك للحضور بشأن عيسى بن مريم، فكثير من الناس سيظنون حينئذ أن المسيح عيسى بن مريم هو الإله عندما يرونه، لأنه ببساطه كما كان وجيها في الدنيا سيكون أيضا وجيها في الآخرة، وعندها سيأتي الطلب الإلهي المباشر من عيسى أن يبين ماهيته للجميع بأنه ما قال للناس يوما أنه إلها من دون الله، وما كان يوما إلها من دون الله:

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116)
ولا يتوقف العجب بأمر المسيح في الشكل فقط، بل سيتعداه إلى المأكل والملبس والحركة.

السؤال: وكيف ذلك؟

باب الطعام

تعرضنا في أكثر من مقالة سابقة لنا لهذه الجزئية، فافترينا الظن بأن عيسى ابن مريم لم يأكل يوما من طعام الأرض، لذا جاء طلب الحواريين منه بعد أن أوحى الله لهم أن يؤمنوا به وبرسوله على النحو التالي:

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)
وكان التبرير الذي قدموه ليسوغ مطلبهم هذا هو قولهم:

قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
فالحواريون يطلبون أن يأكلوا مما كان يأكل منه رسولهم المسيح عيسى بن مريم، فهم يريدون أن يأكلوا من المائدة التي كان يأكل منها المسيح، فتطمئن قلوبهم لذلك، وليعلموا أن رسولهم قد صدقهم بأنه لا يأكل مما يأكلون منه، ويكونوا هم أنفسهم شهداء على ذلك للناس أجمعين. وبالفعل أنزل الله عليهم تلك المائدة بعد أن طلبها المسيح من ربه:

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114) قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)
السؤال: كيف كان يأكل المسيح مما كان ينزله الله عليه من طعام أهل السماء؟

رأينا المفترى: غالبا ما يتصور الناس أن الأكل يتم فقط بالطريقة الطبيعية التي عهدوها، لكن لو تدبّرنا ما حصل مع رسل الله يوم أن جاءوا ضيوفا في بيت إبراهيم، لربما أدركنا أنّ الأمر قد لا يكون على نحو ما يظن القارئ للنص القرآني للوهلة الأولى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما جاء رسل الله إبراهيم بالبشرى، كانت ردة فعل إبراهيم الأولى هو أن يقدم لهم الطعام، فجاءهم بعجل سمين:

فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)

وأول ما يمكن أن نستنبطه من هذا السياق القرآني هو أن ضيوف إبراهيم كانوا كثيرين في العدد، وإلا ربما ما دعت الحاجة أن يأتيهم بعجل سمين، ولو دققنا في الحادثة أكثر، لوجدنا أنه قد جاءهم بالعجل وهو حنيذ:

وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

ويمكن أن نستنبط أيضا بأنه قد تطلّب الأمر من إبراهيم قسطا من الوقت حتى يجعل العجل حنيذ، فأقل ما يمكن أن نستنبطه من ذلك هو أن إبراهيم قد عمد إلى أن يجهز أو لنقل "يطبخ" (بمفرداتنا الدارجة المفهومة عندنا) العجل بطريقة ما حتى يكون صالحا للأكل، وذلك لأن إبراهيم ظن أن هؤلاء القوم القادمين إليهم من بعيد، (وهو لا يعرفهم بدليل أنه قد نكرهم) هم قوم عاديين. فكان لابد أن يقدّم لهم الطعام بالطريقة المعتادة التي ألفها الناس حينئذ. فلبث بعضا من الوقت في أهله يجهز الطعام لمجموعة كبيرة من الضيوف. ولكن كانت المفاجأة التي جعلت إبراهيم يوجس منهم خيفة هو أنه قد رأى أيدهم لا تصل إلى الطعام (العجل السمين الحنيذ):

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً ... (70)

وهنا بالضبط أدرك إبراهيم أنهم ليسوا ضيوفا عاديين، وما هدأ الروع عنه حتى طمأنوه هم عن ماهيتهم:

... نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

تساؤلات:

- لماذا أوجس منهم إبراهيم خيفة؟

- لماذا وصل الخوف بإبراهيم إلى درجة الروع؟

- كيف رأى إبراهيم أن أيديهم لا تصل إلى العجل؟

- لماذا جاء التطمين المباشر منهم لإبراهيم؟

- ماذا حصل للعجل السمين الحنيذ الذي قدمه لهم؟

- الخ.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن إبراهيم لم يكن ليوجس خيفة من القوم الذين نكرهم خاصة أنهم قد دخلوا عليه وألقوا السلام:

إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25)
إلا لأن الأمر جلل، فلا نظن أن الخيفة ربما تقع في قلب إبراهيم من مجرد دخول قوم منكرون عليه، فهؤلاء أنفسهم قد دخلوا على لوط ونكرهم لكنه لم يخف منهم:

فَلَمَّا جَاء آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (62)
السؤال: ما الذي جعل إبراهيم فعلا يوجس منهم خيفة لدرجة الروع؟

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ ... (74)
جواب مفترى خطير جدا (لا تصدقوه): إنه الطعام.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما جاء ضيف إبراهيم، كانوا هم من دخلوا عليه بشكل مفاجئ (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ)، فكان أول ما عملوه هو إلقاء السلام (فَقَالُوا سَلَامًا)، فرد إبراهيم السلام (قَالَ سَلَامٌ) لكنه أضاف العبارة التي تبين أنه لا يعرفهم (قَوْمٌ مُّنكَرُونَ):

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25)

فكان جل تفكير إبراهيم حينئذ (نحن نتخيل) أن يكشف هوية القوم، فكان ذلك بتقديم الطعام لهم:

فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)

وطلب منهم أن يأكلوا ما قدمه لهم:

فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)

وهناك بالضبط أوجس إبراهيم منهم خيفة:

فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)

السؤال: لماذا أوجس منهم خيفة هنا بالضبط؟

جواب مفترى: نحن نظن أن السبب الذي جعل إبراهيم يوجس منهم خيفة عندما قرب العجل السمين الحنيذ حينئذ هو أنه قد رأى أيديهم لا تصل إليه، وهذا جلي من الآية الكريمة التي تصور ذلك أحسن تصوير:

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأن الذي جعل إبراهيم يوجس خيفة منهم هو أنه قد رأى أيديهم لا تصل إلى الطعام.

السؤال: كيف رأى إبراهيم أيدي هؤلاء (القوم المنكرون) لا تصل إلى الطعام (العجل السمين الحنيذ) الذي قدمه إليهم؟

رأينا المفترى: لقد درج الفكر الشعبي على الظن بأن أيدي الرسل لم تصل إلى الطعام، لذا لم يأكلوا منه، وهذا هو سبب فزع إبراهيم. ونحن نسأل: إذا كان معنى أيديهم لا تصل إليه "أنهم لم يأكلوا الطعام" كما درج الفكر السائد عليه، فما الغريب في ذلك؟ وكيف يجعل ذلك إبراهيم يوجس خيفة منهم؟ فهل إذا جاءك ضيوف ورفضوا الأكل من الطعام، فهل يسبب ذلك الخيفة منهم؟

رأينا المفترى: كلا وألف كلا،. لذا دعنا (كعادتنا) نقلب الصورة رأسا على عقب، ونطلب من القارئ الكريم أن يتخيل الموقف بطريقة أخرى، نظن أنها ربما غير مسبوقة.

السؤال: وكيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن القوم قد أكلوا العجل كله، فما أبقوا منه شيئا. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟ هل جننت؟ كيف تزعم أنهم قد أكلوا العجل كله والنص القرآني يثبت أن أيديهم لم تصل إليه؟

جواب مفترى خطير جدا: نعم. نحن نظن - ببساطة شديدة- أن القوم المنكرين قد أكلوا الطعام المقدم لهم كله فما أبقوا منه شيئا ولكن دون أن يستخدموا أيديهم. فما أن قدم إبراهيم لهم العجل السمين حنيذا حتى شكل أولئك الضيف دائرة حول الطعام، فكان الطعام في منتصف مكان الضيافة بالضبط كما يحصل عادة في حالة تقديم الطعام للضيف، ولكن لأنهم كانوا قوما (أي مجموعة كبيرة من الرجال) شكلوا دائرة حول ذلك الطعام. كما في الشكل التوضيحي التالي:


وحينها رأى إبراهيم العجب منهم، فهؤلاء قوم لا يأكلون كما يأكل الضيف من الناس العاديين، فالناس (الطبيعيون) يتناولون الطعام المقدم لهم بأيدهم، لكن هؤلاء (نحن لا زلنا نتخيل) لم يكونوا يستخدمون أيديهم للوصول إلى الطعام، فقد كان الطعام يصل إلى أفواههم لكن دون الحاجة لأن يمدوا أيديهم إليه. كان نتخيل بأن الطعام المقدم للضيف لا يؤكل كله خاصة إذا كان لحما (كالعجل الحنيذ)، لأن فيه الشحم واللحم والعظام، فأغلب الناس لا يأكلون الشحم ولكنهم يأكلون اللحم، وكل الناس لا تأكل العظام. لكن ما راءه إبراهيم من هؤلاء القوم المنكرون هو أنهم أكلوا كل شيء، وهو - برأينا- منظر يدخل الخوف في نفس كل من يراه حتى وإن كان إبراهيم نفسه. وهذا - برأينا- ما جعل إبراهيم يوجس منهم خيفة لدرجة الروع. فتناول القوم الطعام المقدم لهم كله، لكن دون الحاجة لاستخدام أيديهم كالناس العاديين، وهنا كان لزاما أن يطمئنوا إبراهيم بأنهم ليسوا ضيوفا عاديين، وأنهم قد جاء بمهمة عظيمة بأمر من ربهم: 

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

والمهمة هي تدمير القوم المجرمين من قوم لوط، فما كان سؤال إبراهيم حينئذ إلا على النحو التالي:

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57)

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)

فجاء ردهم على النحو التالي:

قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (58)

قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)

تلخيص ما سبق

عندما جاء المرسلون إبراهيم، فكانوا ضيفا مكرمين، ما كانت ردة فعل إبراهيم الأولى إلا أن ينكرهم، فقد أدرك إبراهيم على الفور أن هؤلاء القوم ليسوا قوما عاديين، وحتى يستكشف إبراهيم ماهية القوم الذين قدموا إليهم فجأة دون إنذار مسبق، كان عليه أن يجري اختبارا لكشف هويتهم كعادته، فكان فحص الطعام. ولو عدنا إلى إبراهيم في سابق عهده، لوجدنا أن إبراهيم قد استخدم هذا الاختبار من ذي قبل مع آلهة قومه:

فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91) مَا لَكُمْ لَا تَنطِقُونَ (92) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (93)

فلما وجد أن آلهة القوم لا يأكلون ولا ينطقون، راغ عليهم ضربا باليمين. وعندما قدم إليه ضيفه المكرمون، فعل الفعل ذاته، فقدم لهم الطعام، ونطق بالعبارة نفسها:

فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (91)

والتطابق العجيب واضح في حالة تقديم الطعام لهؤلاء الضيف:

فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)

ولو أن هؤلاء الضيف رغبوا عن أكل الطعام، لما تردد إبراهيم (نحن لازلنا نتخيل) أن يروغ عليهم ضربا باليمين كما فعل مع الآلهة التي قدم لها الطعام سابقا فما أكلته. ولكن لمّا تناول هؤلاء الضيف الطعام، وأكلوه كله دون أن يستخدموا أيديهم، عندها أوجس إبراهيم منهم خيفة، لأنه علم يقينا أن هذه ليست آلهة مادامت أنها تأكل الطعام، لكنهم لا شك في مهمة عظيمة، فكان أول سؤال سأله لهم هو:

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57)

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)

فتحدث معهم بصيغة الملاطفة (قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ) لأنه علم أنهم مرسلون في مهمة (أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ).

نتيجة مفتراة: إن ما يهمنا في هذا الطرح الذي نظن جازمين أنه ربما غير مسبوق هو الخروج بالنتيجة المفتراة التي مفادها أن الإله لا يأكل الطعام. ولو حاولنا أن نربط هذا بما كان من أمر المسيح عيسى بن مريم، لربما حقّ لنا أن نستنبط بأن المسيح وأمه لم يكونا إلهين من دون الله لأنهما ببساطة كانا يأكلان الطعام:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

فهذه إذا آية من آيات الله التي بيّنها لنا، ومفادها بأن من كان إلها من دون الله، فهو إذن ممن لا يأكلون الطعام. لذا، مادام أن المسيح وأمه كانا يأكلان الطعام، فيستحيل إذن أن يكونا آلهة من دون الله.

لكن ما يميز المسيح عن غيره في أكل الطعام هو أن طعامه لم يكن يجنى له من الأسواق، والدليل على ذلك أن جميع الرسل الآخرين كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، قال تعالى:

وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)

نتيجة مفتراة 1: كل الرسل كانوا يأكلون الطعام

نتيجة مفتراة 2: كل الرسل كانوا يمشون في الأسواق

نتيجة مفتراة 3: طعام جميع الرسل (باستثناء المسيح) كان يجبى من الأسواق

نتيجة مفتراة مهمة خطيرة جدا: مادام طعام الرسل كان يجبى من الأسواق، لذا فهم كانوا بحاجة أن يشربوا الماء

نتيجة مفتراة 4: المسيح كان يأكل الطعام

نتيجة مفتراة 5: المسيح لم يكن يمشي في الأسواق

نتيجة مفتراة 6: طعام المسيح لم يكن يجبى من الأسواق

نتيجة مفتراة 7: طعام المسيح كان يأتيه من السماء

نتيجة مفتراة خطيرة مهمة جدا: مادام طعام المسيح كان يأتيه من السماء، فهو لا يحتاج أن يشرب الماء

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: مادام أن طعام جميع الرسل (باستثناء المسيح) كان يجبى من الأسواق، فهو طعام من طعام أهل الأرض، لذا فهو يتطلب استخدام الخلاء (الحمام)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: مادام أن طعام المسيح لم يكن يجبى من الأسواق، وكان ينزل من السماء، لذا فهو لا يتطلب استخدام الخلاء (الحمام)

تخيلات غاية في الغرابة: مادام أن الناس جميعا قد خُلقوا من طين، فإن مادة الطين تتكون من التراب والماء، لذا نحن بحاجة على الدوام إلى الماء ليبقى الجسم طينا، فعدم تناول الماء يسبب لنا الجفاف، وبالتالي الموت. لكن لما كان المسيح ليس مخلوقا من طين وإنما من تراب فقط، فهو لا يحتاج إلى الماء. قال تعالى:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)

فعيسى (كمثل آدم) في حالته الأولى مخلوق من تراب (خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ)، لذا كان يأكل ولم يكن يشرب. ولو تدبرنا ما كان من أمر آدم وزوجه في الجنة الأولى، لوجدنا أن الأمر قد جاء لهما بالأكل فقط، فما كانا بحاجة أن يشربا، قال تعالى:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

السؤال: لماذا برر الحواريون طلبهم من عيسى بأنهم يريدون أن تطمئن قلوبهم:

قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)

نتيجة مفتراة: نحن نظن أن الحواريين كانوا يريدون أن يتحققوا بأنفسهم بأن عيسى لا يأكل من طعام الأرض، وبالتالي لا يحتاج أن يشرب، وبالتالي لا يحتاج أن يستخدم الخلاء.

السؤال: كيف يمكن إذن أن نتصور المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نتخيل المسيح (كبشر) مخلوق من تراب، لكنه في الوقت ذاته هو كلمة الله وروح منه، لذا، فهو يأكل الطعام كبشر (كمثل آدم)، لكنه لا يشرب الماء ولا يستخدم الخلاء. فكان وجيها في الدنيا والآخرة.

السؤال: كيف كان يتنقل من مكان إلى آخر؟

رأينا المفترى: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون المسيح ممن يمشون على أرجلهم. فجميع المرسلين (باستثناء عيسى) كانوا يمشون في الأسواق:

وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)

ولو دققنا في هذه الآية الكريمة، لوجدنا أنها لا تشمل جميع المرسلين بدليل قوله تعالى (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)، ولو كانت الآية تشمل جميع المرسلين السابقين لمحمد، لربما جاءت الآية دون أداة التبعيض مِنَ (كما يحب أهل اللغة تسميتها) على النحو التالي:

وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ ... الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ

فلو جاءت على هذا النحو، للزم علينا أن نفهم أن جميع المرسلين (بمن فيهم عيسى) كانوا يمشون في الأسواق. لكن لما جاءت الآية على نحو (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) وجب استثناء بعضهم من أكل الطعام والمشي في الأسواق. لكن لما أثبتت آية أخرى الأكل لعيسى بن مريم:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

كان ما يميّز عيسى عن جميع الرسل الآخرين هو - برأينا- أنه لم يكن يمشي بالأسواق.

السؤال: فكيف إذن كان يتنقل من مكان إلى آخر؟

باب اللباس (وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ)

رأينا المفترى: من أجل فهم كيفية تنقل المسيح، وجب علينا أن نطرح سؤالا آخر وهو: ماذا كان يلبس المسيح؟ فهل كان يلبس كغيره في ذاك الزمان؟

رأينا المفترى: كلا، وألف كلا.

السؤال: ماذا كان يلبس إذن؟ يسأل صاحبنا مرة أخرى متعجلا الإجابة.

رأينا المفترى: إن هذا السؤال يعيدنا على الفور إلى يوم مولد المسيح عيسى بن مريم. فأمه قد حملته في الحجاب:

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)

وما حملته حتى اتخذت من أهلها مكانا قصيا، وهناك جاءها المخاض، ووضعت المسيح:

فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)

السؤال: مادام أن مريم قد وضعت الغلام الزكي، ألم يكن من الطبيعي أن تلبسه ليستر جسمه؟ فها هي تحمله وتعود إلى قومها، فما نجد إلا أنه في المهد صبيا:

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

السؤال: كيف عرف القوم أن ما تحمله مريم في المهد هو صبيا؟ هل فعلا كانت له سوءة (عورة) دالة على جنسه؟ هل من المتوقع أن تكون مريم قد عادت به لا يحفظ جسمه غطاء؟

جواب مفترى: كلا، وألف كلا. لقد كان المسيح في المهد، لذا كان مغطى جسمه بغطاء يستره، فماذا كانت ماهية ذلك اللباس؟

تخيلات أغرب من الخيال نفسه: نحن نظن أن ما كان يعطي يجسم المسيح هو بعض ما جاء في الآية الكريمة التالية:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

لو تدبرنا هذه الآية جيدا، لوجدنا بأن الله قد أنزل على بني آدم لباسين اثنين فقط هما: لباسا يواري سواتنا وريشا. لكن هناك لباس ثالث لا أظن أنه خاص ببني آدم وهو لباس التقوى الذي هو - لا شك- خير. ليكون السؤال الأول هو: ما هو لباس التقوى؟ وكيف يكون لباس التقوى هو خير؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن لباس التقوى هو اللباس الذي كان يلبسه آدم وزوجه في الجنة ليقيه من الشيطان. انتهى.

لذا، كانت مهمة الشيطان الأساسية هو أن ينزع عن آدم وزوجه ذلك اللباس، ليكونا هدفا سهلا له:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

ولما كان عيسى هو كلمة الله وروح منه، كان لزاما أن يكون في مأمن من الشيطان، فلا يقع في فتنته، لذا كان الذي يمنع وصول الشيطان إليه هو لباس التقوى. انتهى.

السؤال: من أين جاء لعيسى ذلك اللباس؟

جواب مفترى أغرب من الخيال: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن اللباس الذي كان يلبسه المسيح هو لباس التقوى الذي يقيه من وصول الشيطان إليه، وهو نفسه بعض اللباس الذي نزعه الشيطان عن آدم وزوجه. ففي حين أن لباس آدم (نحن لازلنا نتخيل) قد وصل إلى إبراهيم، وهو نفسه الذي انتقل إلى يوسف، فكان قميص يوسف، كان اللباس الذي وصل إلى المسيح هو لباس زوج آدم. انتهى.

الدليل
سكن آدم وزوجته جنة المأوى، فكانا يلبسان ما يقيهما من ضر الشيطان، فما كان الشيطان يستطيع إحداث الضرر فيهما، وذلك لأن هناك ما يقيهما من ضره، فكان أداة الوقاية هو اللباس الإلهي الذي ألبسه الله إياهما، وهو لباس التقوى الذي هو لا شك خير. ونحن نفتري أن لباس التقوى هو لباس مادي لكن هدفه الأول والأخير هو الوقاية (خاصة الوقاية من الشيطان). فكلمة تقوى مشتقة من التقية:

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)

فالهدف من وجود السرابيل هو الوقاية (تَقِيكُمُ)، وهي وقاية من أمرين اثنين: الحر (تَقِيكُمُ الْحَرَّ) والبأس (تَقِيكُم بَأْسَكُمْ). ولو دققنا في النص القرآني على مساحته أكثر، لوجدنا أن من مفردة تَقِيًّا التي ترد في الآية الكريمة التالية هي من مشتقات التقوى أيضا:

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)

فمريم تعوذ بالرحمن من هذا الواقف أمامها في الحجاب إن كان تَقِيًّا. وقد افترينا القول في مقالات سابقة لنا بأن تَقِيًّا هنا ليست مرتبطة بالإيمان كما ظن الكثير من قبلنا، وإنما مرتبطة (نحن نرى) بالتقية، أي التخفي، والإيمان الحقيقي هو الذي يتحقق منه التقوى، أي عمل الخيرات دون معرفة الآخرين بذلك. فالمتقي هو الذي ينفق سرا، والمتقي هو الذي يخاف ربه سرا كما يخافه علانية. والمتقي هو الذي يحاسب نفسه قبل أن يحاسب عليها، وهكذا.

لذا، من كان واقفا أمام مريم حينئذ (نحن نظن) قد كان تَقِيًّا، أي أنه لم يكن ليرى من قبل الآخرين، فمريم فقط من تمثل لها:

فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18)

فحتى لو تواجد أناس هناك في المكان الذي كانت فيه مريم (أي الحجاب)، لما استطاعوا رؤية رسول ربها هذا، وذلك لأنه كان تَقِيًّا، أي لا يري إلا من قبل من يتمثل له أو لها.

السؤال: لماذا لا يمكن رؤيته؟

رأينا المفترى: لأنه كان تقيا.

السؤال: وما الذي يجعله تقيا؟

رأينا المفترى، لأنه كان يلبس لباس التقوى.

السؤال: وما علاقة هذا بلباس المسيح عيسى بن مريم؟

رأينا المفترى: عندما وضعت مريم المسيح في المكان الذي هو قصيا، كانت (نحن نتخيل) تتواجد لوحدها. فكان لزاما عليها أن تتدبر كيفية أن تغطي جسم طفلها. فما الذي فعلته مريم من أجل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن مريم كانت تلبس لباس التقوى، وهو السبب الذي كان يجعلها دائمة المكوث في المحراب. ليكون السؤال هو: هل كان مكوثها في المحراب على الدوام؟ ألم تكن تستخدم الخلاء (الحمام)؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: كلا، وألف كلا. نحن نظن أن مريم لم تكن تستخدم الخلاء، وذلك لسببين اثنين وهما: أنها كانت تأكل من أكل السماء، ولأنها كانت تلبس لباس التقوى. فما كان الشيطان يستطيع الوصول إليها. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: إن هذا الظن يعيدنا (نحن نرى) إلى قصة مريم من أولها.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: تبدأ قصة مريم عندما نذرت أمها لله ما في بطنها، فقالت:

إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

فكانت الاستجابة الإلهية الفورية على النحو التالي:

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

تساؤلات

- لماذا تقبلها الله على الفور؟

- وكيف أنبتها نباتا حسنا؟

- ولماذا كفلها زكريا على وجه التحديد؟

- وما الذي وجده زكريا من أمر مريم عندما كفلها الله إياها؟

- الخ.

السؤال: لماذا يتقبل الله من البعض ولا يتقبل من الآخرين؟

جواب مفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله لا يتقبل إلا من المتقين:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

السؤال: لماذا تقبل الله من امرأت عمران؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن امرأت عمران كانت من المتقين.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه من أجل الإجابة على مثل هذا التساؤل، فلابد من عقد مقارنة بين مريم من جهة وموسى من جهة. فنحن نظن أن مريم هي صورة مطابقة لموسى في الظروف والأحوال.

السؤال: وكيف ذلك؟

افتراءات مبدئية: تقابلات

مريم
موسى
-          أنثى
-          ابنت عمران
-          أخت هارون
-          لم يكن أبوها حاضرا
-          تربت مكفولة
-          كانت دائمة التواجد في المحراب
-          الخ
-          ذكر
-          ابن عمران
-          أخوه هارون
-          لم يكن أبوه حاضرا
-          تربى مكفولا
-          كان يدخل يده فتخرج بيضاء من غير سوء
-          الخ

السؤال: كيف كان موسى يدخل يده في جيبه تخرج بيضاء من غير سوء؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن موسى كان يدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء وذلك لأنه كان يلبس القميص. انتهى.

السؤال: من أين جاء قميص موسى؟

جواب مفترى: عندما وجدت أم موسى أنه من الصعب عليها أن تبقي طفلها في بيتها متواريا عن أنظار فرعون وقومه، جاءتها النجدة الإلهية بالتابوت:

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

فكانت النتيجة أن التقطه آل فرعون:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8)

فتربى فيهم سنين من عمره:

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)

وهناك (في آل فرعون) حصل موسى عل إرث النبوة الذي كان متواجدا في آل فرعون حتى الساعة، فكانت العصا وكان القميص.

وفي ذلك التابوت كان هناك بقية مما ترك آل موسى وآل هارون:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

وفي ذلك التابوت كان القميص الذي انتهى إلى بيت عمران، وهناك بالضبط (نحن نتخيل) ألبست أم مريم ما وضعت (مريم) ذلك القميص، فكانت صديقة:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

ولو تدبرنا القرآن الكريم عن هذه المفردة (صِدِّيقَةٌ) بالذات، لوجدنها قد ارتبطت بأربعة أشخاص فقط وهم: إدريس:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)

وإبراهيم:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (41)

ويوسف:

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46)
ومريم:

مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)

ليكون السؤال الآن هو: ما الذي يجعل هؤلاء الأربعة على وجه التحديد صديقين:

رأينا المفترى: نحن نظن أن الرابط بين هؤلاء الأربعة على وجه التحديد هو اللباس.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو عدنا إلى قصة إدريس، لوجدنا أنه (نحن نفتري القول) ولد آدم المقتول الذي قتله أخوه إسرائيل. فقد نشب خلاف بين الأخوين، فكان إدريس هو الصديق. ولو عدنا إلى قصة إبراهيم، لوجدنا أن قومه قد حرقوه، فأنجاه الله من النار، فكان صديقا. ولو عدنا إلى قصة يوسف، لوجدنا أن قصة القميص هي المحرك الأساسي للقصة من أولها إلى آخرها، فكان صديقا، ولو عدنا إلى قصة مريم، لوجدناها صديقة.

السؤال: كيف يمكن تفسير ذلك؟

رأينا المفترى: ما كانت مريم صديقة، إلا لأن الله قد اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42)

فكانت آلية طهارتها (من المحيض) تتمثل بذلك القميص الذي يسترها.

وكذلك حصلت الطهارة لإدريس بذلك القميص، فما باء بالإثم بذلك القميص، فرفعه الله مكانا عليا:

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)

وكذلك طهر الله إبراهيم من الشيطان. فقد كان إبراهيم في قومه سقيما:

فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (89) فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ (90)

فحصلت له الطهارة بلباس التقوى (ذلك القميص).

وكذلك أبعد الله رجس الشيطان عن يوسف ببرهان ربه (ذلك القميص).

السؤال: كيف وصل هذا القميص (لباس التقوى) إلى مريم؟

جواب مفترى: لما كانت مريم من آل عمران، فقد كانت هي الوريثة الشرعية لتلك البقية التي كانت في ذلك التابوت:

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن ذلك التابوت وما كان فيه من البقية من آل موسى وآل هارون قد انتهى في بيت عمران. فكان القميص فيه.

السؤال: من أين جاء ذلك القميص؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك مما ترك آل موسى وآل هارون.

السؤال: من أين حصل عليه آل موسى وآل هارون؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك مما كان موجودا في بيت فرعون من إرث النبوة التي تركها يوسف في أرض مصر.

السؤال: كيف وصل إرث النبوة إلى آل فرعون؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذا السؤال يدعونا على الفور إلى فتح ملف فرعون كله من جديد، لنحاول النبش فيه، علّنا نجد في ذلك شيء من آثارة من علم، ربما توضح لنا (بحول الله وتوفيقه) ما جرى على أرض الواقع في تلك الأمم التي خلت من قبلنا. فالله وحده ندعوه أن يأذن لنا بشيء من علمه في ذلك، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يزدنا علما، إنه هو السميع البصير. وأعوذ به وحده أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو السميع العليم، آمين.

أما بعد،

باب فرعون

لعل السؤال المبدئي الأول الذي وجب طرحه الآن هو كيف وصل فرعون إلى سدة الحكم على أرض مصر؟

رأينا المفترى: لقد تعرضنا لهذه الجزئية في مقالات سابقة لنا في قصة موسى، وافترينا الظن حينئذ بأن النص القرآني (كما نفهمه بالطبع) يصور لنا شخصيتين اثنتين تحت مسمى فرعون مصر، فهناك فرعون الذي تربى موسى في كنفه (انظر مقالتنا تحت عنوان قصة موسى: فرعون الطفولة)، وهذا الفرعون هو في الأساس عدو لله وعدو لموسى بصريح اللفظ القرآني:

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

فهذا الفرعون على وجه التحديد هو عدو الله وعدو موسى، وهو نفسه الذي وافق على طلب امرأته بأن لا يقتلوا موسى، وذلك لأنها طمعت في أن يكون في ذلك منفعة لها ولفرعون أو أن يتخذاها ولدا:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

والنتيجة المهمة التي نطلب من القارئ الكريم التركيز عليها هنا هي أن هذا الفرعون كان غير قادر على الإنجاب، وذلك لأنه وافق على طلب امرأته بالإبقاء على حياة موسى، ولو كان للمرأة وبعلها فرعون ذرية لما دعت الحاجة إلى اتخاذ ذاك الطفل مجهول النسب ولدا حينئذ.

لكن - بالمقابل- كان هناك فرعون آخر وصل إلى الحكم بعد موت الفرعون الأكبر، وهو (نحن نظن) الذي جاءه موسى رسولا من رب العالمين (انظر مقالتنا تحت عنوان قصة موسى: فرعون الرسالة)، فطلب الله منهما أن يقولا قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى:

اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

فهذا الفرعون هو الذي جاءه موسى بالرسالة.

السؤال: كيف وصل كلا من هذين الفرعونين إلى سدة الحكم على أرض مصر؟

جواب مفترى: بداية، يجب أن يقتنع القارئ الكريم بأن الفرعون الثاني لم يكن وريثا شرعيا للفرعون الأول، وذلك لأن الفرعون الأول (نحن نرى) لم يكن له أصلا ذرية من صلبه. ليبقى السؤال نفسه قائما: كيف وصل كل منهما إلى سدة الحكم؟

الباب الأول: الفرعون الأول

تخيلات مبدئية غير مدعومة بالدليل: نحن نطلب من القارئ الكريم أن لا يأخذ كلامنا كله على محمل الجد، فنحن سنحاول تقديم سيناريو محتمل من بنات أفكارنا (ربما الخاطئة) عن ما حصل على أرض الواقع حينئذ. لذا، نحن نطلب من القارئ إن أراد المضي قدما في القراءة أن يبحث عن هفوات في الطرح أكثر من أخذ الكلام على غاربه. والله وحده نسأل أن يؤتينا جميعنا رشده، ونعوذ به أن يكون أمرنا كأمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد.

أما بعد،

لو عدنا إلى قصة مصر في القرآن الكريم، لوجدنا بأنها تبدأ مع رحلة يوسف الذي طرحه إخوته أرضا، فانتهى به المطاف في أرض مصر:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

وهناك بدأت خيوط قصة يوسف تتشابك، وانتهت بأن أصبح يوسف عزيزها:

قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: قصة يوسف).

لكن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الذي كان يحكم مصر حينئذ هو الملك بدليل قوله تعالى:

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54)

وهناك حصل التمكين ليوسف في الأرض:

قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55) وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56)

وما أن مُكّن ليوسف في أرض مصر حتى طلب يوسف من إخوته الذين قدموا أرض مصر من البدو أن يأتوه بأهلهم أجمعين:

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

فدخل بنو إسرائيل (على رأسهم يعقوب النبي) أرض مصر آمنين:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99)

وهناك في أرض مصر، أصبح بنو إسرائيل ملوكا:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ (20)

فأصبحت المكانة العليا في أرض مصر لبني إسرائيل منذ تلك اللحظة.

لكن ما أن هلك يوسف حتى ظن كثير منهم أن خبر الرسالة قد انقطع:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)

وما هي إلا فترة منقطعة (نحن نتخيل) حتى نجد بني إسرائيل وقد لحق بهم الأذى في أرض مصر، فأصبحوا معبّدين فيها كما جاء على لسان موسى عندما وجّه الخطاب لفرعون:

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

فحصل الاستعباد لبني إسرائيل في أرض مصر حتى جاءهم موسى وأخرجهم منها:

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)
وما نجا بنو إسرائيل من الاستعباد في أرض مصر إلا بالمنة الإلهية، وكان ذلك بأن بعث فيهم موسى ليخرجهم منها:

قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُواْ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129)

السؤال: لماذا حصل الأذى لبني إسرائيل في أرض مصر على يد الفراعنة بعد أن كانوا قد دخلوا مصر آمنين في زمن يوسف؟

جواب مفترى من عند أنفسنا مهم جدا: نحن نفتري الظن بأن الأذى قد لحق ببني إسرائيل في أرض مصر يوم أن حصل انقلاب سياسي على نظام الحكم الملكي الذي كان سائدا في زمن يوسف، فتحولت مصر كلها من النظام الملكي (كما كان في عهد يوسف) إلى النظام الفرعوني (الذي ساد في عصر موسى).

تخيلات مفتراة: كانت مصر زمن يوسف واقعة تحت الحكم الملكي، فقد جاء الخطاب القرآني الذي يصور تلك الفترة أحسن تصوير ليبرز أن الذي كان يحكم البلاد هو الملك:

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54)

لكن أصبحت مصر تحت حكم الفرعوني (وليس الملكي) عندما جاء موسى:

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5)

وبهذا التحول السياسي من النظام الملكي إلى النظام الفرعوني تغيّرت حال بني إسرائيل من العزة والرفعة في العهد الملكي إلى الذلة والاستعباد في العصر الفرعوني. ليكون السؤال هو: لماذا؟

رأينا المفترى: كان بنو إسرائيل في عهد يوسف من الداعمين للنظام الملكي، وكانوا ينعمون بالأمن في ظل ذاك الحكم، فعاث بنو إسرائيل في أرض مصر، واستمرت الحال على هذه الشاكلة فترة طويلة من الزمن. لكن ما أن بدأ القوم يختلفون من بعد هلاك يوسف حتى وجد المصريون الأصليون الفرصة سانحة للانقضاض على الحكم الملكي المدعوم من قبل بني إسرائيل، فاستطاعوا الإطاحة به، والانتقال بالبلاد من العصر الملكي إلى العصر الفرعوني، وكانت مهمة المنقلبين (الفراعنة) الانتقام من النظام الملكي البائد وكل أعوانه وأزلامه. فكان بنو إسرائيل هم الضحية الأكبر الأولى لهذا الانقلاب السياسي في حكم مصر وذلك لأنهم كانوا من ركائز الحكم الملكي السابق.

السؤال: من الذي قام بهذا الانقلاب السياسي على الحكم الملكي فتحولت مصر من النظام الملكي إلى النظام الفرعوني؟ ومتى حصل ذلك؟

تخيلات أغرب من الخيال نفسه (لا تصدقوها): نحن نفتري الظن (المدعوم بالخيال فقط) بأن الذي قاد الانقلاب على النظام الملكي كان رجلا سياسيا من الطراز الأول، فهو الذي استطاع تجميع القوى المعارضة للنظام الملكي ولسيطرة بني إسرائيل على مفاصل الدولة في مصر حينئذ، فشكّل التجمع المعارض، وقويت شوكته تدريجيا على حساب الضعف الذي كان ينتاب الحكم الملكي بسبب الاختلاف الذي وقع فيه بنو إسرائيل بعد هلاك يوسف، فبدلا من الالتفاف حول نظام الحكم الملكي وترك الخلافات الجانبية، انشغلت طائفة كبيرة من بني إسرائيل في خلافاتهم العقائدية:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)

فكان ذلك على حساب قوتهم السياسية، فكلما ازداد بنو إسرائيل فرقة في أرض مصر، ازداد الحكم الملكي ضعفا، وبدأت شوكت المعارضة بقيادة قائد انقلاب الفراعنة قوة وصلابة، وما أن حانت ساعة الصفر حتى انقضت المعارضة على نظام الحكم الملكي بقيادة هذا القائد العام للانقلاب. وبالفعل نجح الانقلاب، فتحول الحكم من النظام الملكي إلى النظام الفرعوني. فكان قائد الانقلاب هو صاحب الحق الشرعي في حكم البلاد.

السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟ هل فعلا استطاع هذا القائد العام للانقلاب من الفراعنة الوصول إلى سدة الحكم؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن وصل الفراعنة إلى سدة الحكم بقيادة هذا الرجل حتى استولوا على مقتنيات القصر الملكي، وكان من بينها ميراث النبوة، وهي - برأينا ربما الخاطئ- ثلاثة: العصا والقميص والكتاب. فانتهت كلها في يد قائد الانقلاب، ذلك الرجل السياسي الذي قاد الحركة الانقلابية من أولها ضد النظام الملكي المدعوم من بني إسرائيل في أرض مصر.

السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن آلت الأمور إلى النظام الجديد (الفراعنة) حتى كانت القضية الأولى التي تشغله هو مصير بني إسرائيل في أرض مصر، أي كان السؤال المطروح حينئذ (نحن نتخيل) هو: ما ترانا فاعلين ببني إسرائيل وهم ركائز الحكم الملكي السابق؟

السؤال: ماذا كانت الخيارات الموضوعة على طاولة النقاش بين قادة الانقلاب حينئذ؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: انقسم قادة الانقلاب إلى فريقين اثنين، فريق يتزعمه قائد الانقلاب العام (الرجل السياسي) ويدعو إلى إخراج بني إسرائيل من أرض مصر، وفريق ثان بقيادة قائد الجند ويدعو إلى تعبيد بني إسرائيل، فيقتلون أبناءهم ويستحيون نسائهم.

السؤال: كيف حُسِم الخلاف بينهما؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا لا تصدقوها: انتهى الخلاف بالغلبة للفريق الثاني الذي يتزعمه قائد الجند (الرجل العسكري)، فقد استطاع هذا الرجل (بما لديه من قوة عسكرية) من الانقلاب على قائد الانقلاب السياسي الذي قاد الانقلاب بداية ضد الحكم الملكي، فكانت النتيجة أن أزاحه عن الحكم وتولى هذا الرجل العسكري وجماعته زمام الحكم في البلاد.

السؤال: ما الذي فعله قائد الجند حينئذ؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لم يكن هناك خيار لتولي زمام السلطة إلا بالتخلص من قائد الانقلاب السياسي، فعمد إلى قتله. واستطاع قائد الجند التحكم بمفاصل الدولة كلها. فعمد إلى تقتيل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، فكان هو بشخصه من ذبّح أبناء بني إسرائيل واستحيى نسائهم:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

ولو دققنا في الكلام الذي قاله موسى للفرعون الثاني الذي جاءه بالرسالة، لوجدنا أن هذا الرجل لم يكن يقتل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم ولكنه كان فقط يعبدهم:

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

نتيجة مفتراة 1: الفرعون الأول الذي استولى على الحكم أثر الانقلاب على النظام الملكي كان يقتل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم.

نتيجة مفتراة 2: الفرعون الثاني الذي آلت إليه الأمور بعد موت الفرعون الأول كان يعبد بني إسرائيل

ولو دققنا في السياقات القرآنية الأخرى، لوجدنا بأن فرعون الثاني الذي جاءه موسى بالرسالة لم يكن يقتّل أبناء بني إسرائيل. فالنجاة كانت من آل فرعون وليس من فرعون نفسه كما جاء في الآيات التالية-:

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)

السؤال: لماذا لم تأت الآيات على نحو (ونجيناكم من فرعون) أو على نحو (وأنجيناكم من فرعون وآله)؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن الفرعون الذي حصلت نجاة بني إسرائيل في عهده لم يكن يقتل أبناء بني إسرائيل ولم يكن يستحي نسائهم، وكان جل ما فعله هو أنه عبدهم كما جاء على لسان موسى موجها الخطاب له:

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

ونحن نظن بأن مفردة فرعون تدل على المفرد (الفرعون الواحد) كما تدل على الجمع (أكثر من فرعون واحد) بدليل مفردة وَمَلَئِهِمْ التي ترد في الآية التالية:

فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)

نتيجة مفتراة: لقد عاصر بنو إسرائيل في أرض مصر أكثر من فرعون، وكان لهم مَلَئِهِمْ، وكان هؤلاء الملأ هم الذين استمروا في سياسية تقتيل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم. أما الفرعون الأخير الذي حصلت نجاة بني إسرائيل في عهده، فلم يكن ينتهج تلك السياسة تجاه بني إسرائيل في عهده، وذلك لأنه – كما سنحاول تبيانه لاحقا- لم يكن ينقم على بني إسرائيل، ولكن كانت نقمته كلها منصبة على قومه أنفسهم. انتهى.

إن ما يهمنا طرحه حتى الساعة هو ما حل ببيت قائد الانقلاب، الرجل السياسي الذي تخلص منه قائد الجند. فما الذي حصل لذاك الرجل؟ نحن نسأل.

تخيلات مفتراة: كان هذا الرجل صاحب حنكة سياسية، فكان جلّ ما أراده هو التخلص من النظام الملكي السائد حينئذ أولا، وحيازة مقتنيات القصر الملكي الثمينة بما كان فيها من أسباب قوة بني إسرائيل في أرض مصر ثانيا، وهي مقتنيات بيت النبوة. وبالفعل نجح الرجل في تقويض الحكم الملكي السابق، وحصل بالتالي على تلك المقتنيات وادخرها لنفسه. لكن لمّا لم يمهله قائد الجند، واستطاع التخلص منه على الفور بتآمر ثلة من الملأ معه، لم يتمكن ذلك الرجل (قائد الانقلاب السياسي) من الاستفادة من مقتنيات إرث بيت النبوة التي حاز عليها في القصر الملكي.

السؤال: أين ذهبت تلك المقتنيات؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كان ذاك الرجل همّه الأول هو التخلص من النظام الملكي المسيطر على أرض مصر، لم يكن عنده الوقت الكافي والجهد اللازم لتكوين أسرة سليمة عادية، فما كان يهمه كثيرا (نحن لازلنا نتخيل) أن يتزوج أو أن ينجب الذرية بالطريقة الطبيعية المعهودة. لكن لم يكن ذلك الهم السياسي ليمنعه من عمل علاقة غير شرعيه مع النساء، فكان (نحن لازلنا نتخيل) متخذا أخدان. فكان له عشيقة جميلة يأوي إليها في وقت راحته من العمل.

السؤال: ما فائدة هذا الخيال الجامح غير المنضبط بقواعد النص؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن هذا الرجل قد أنجب طفلا غير شرعي من علاقته بعشيقته الجميلة، فكان له ولد من فراش الزنا.

السؤال: من هو ذلك الولد غير الشرعي الذي أنجبه قائد الانقلاب السياسي من عشيقته الجميلة؟

تخيلات غريبة جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن هذا الطفل غير الشرعي لقائد الانقلاب السياسي هو نفسه (نحن نظن) الذي اعتلى عرش مصر بعد موت الفرعون الأول (قائد الانقلاب العسكري) الذي سلب الملك من والد هذا الطفل، فأصبح الفرعون الثاني الذي جاءه موسى بالرسالة. فنحن نظن (ربما مخطئين) أن الآيات الكريمة التالية هي التي تصور حقيقة هذا الفرعون الزنيم:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الفرعون الثاني الذي اعتلى عرش مصر هو في حقيقته زنيم (أي جاء من ماء الزنا)

السؤال: ما الذي فعله قائد الانقلاب العام (والد الطفل الزنيم) عندما انقلب عليه قائد الجند وسلب منه السلطة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما وجد قائد الانقلاب السياسي (القائد العام للثورة على الملوك) بأن السلطة قد سُلبت من يده على يد قائد الجند فجأة، كان عليه أن ينأى بميراث النبوة التي وقعت يده عليها من أن تطولها يد قائد الجند، فما الذي سيفعله؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: أسر ذلك الرجل المقتنيات عند من يثق به من المقربين إليه الذين لا يمكن أن ينتبه إليهم أحد حتى الفرعون الجديد نفسه، فكانت عشيقته بداية هي الملاذ الوحيد. فكان طفله في بيتها، وعهد عندها ببعض تلك المقتنيات العظيمة، وكان الهدف من ذلك أن تصل تلك المقتنيات إلى يد ولده منها الذي جاء من ماء الزنا عندما يشتد عوده ويصبح قادرا على الاستفادة منها.

تلخيص ما سبق: كان لقائد الانقلاب السياسي الأول (كما نفتري الظن من عند أنفسنا) عشيقة، فأنجب منها طفلا. وكان الطفل لازال صغيرا عندما حصل انقلاب قائد الجند عليه. لذا كان الرجل يعلم أن الطفل الصغير لا يستطيع مواجهة هذا الفرعون، الرجل العسكري الذي أطاح به. ولما حصل انقلاب قائد الجند عليه فجأة، عمد على الفور إلى تهريب مقتنيات إرث القصر الملكي السابق (وهي مقتنيات بيت النبوة) إلى عشيقته، وطلب منها الفرار بتلك المقتنيات مع الطفل. فكان جل اهتمام العشيقة هو المحافظة على ابنها غير الشرعي من بطش الفرعون الجديد، ومن ثم المحافظة على مقتنيات بيت النبوة لهذا الولد حتى يشتد ساعده، فيستفيد منها. فما الذي فعلته تلك الحسناء الجميلة؟

تخيلات مفتراة: كانت تلك المرأة الجميلة على يقين بأن الفرعون الجديد ربما يصل إليها لو علم بأمر علاقتها بالقائد العام للانقلاب السابق، ويذيقها العذاب للحصول على تلك المقتنيات في لحظة ما، لذا كانت تعلم أن مصيرها قد يكون الموت لا محالة لو علم الفرعون الجديد بأمرها، فكان لزاما عليها أن لا تُظهر علاقتها بهذا الطفل، فكان لابد من إظهاره للعلن بطريقة ذكية تبعد عنه خطر الموت. فأين ستضع هذا الطفل حتى لا تصله يد الفرعون الجديد قائد العسكر الذي انقلب على عشيقها؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان لزاما على تلك المرأة أن تضع ولدها الوحيد وإرث النبوة التي حصل عليه زوجها من القصر الملكي السابق في مكان آمن لا تطاله يد الفرعون الأكبر. لذا، عمدت إلى أن تضع ذلك كله في عهدة رجل يصون الأمانة ويحافظ عليها. فما الذي فعلته؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كانت تلك المرأة تعلم أن من بين جميع آل فرعون هناك رجل واحد صالح، وهذا (نحن لازلنا نتخيل) ما أخبرها به عشيقها (قائد الانقلاب السابق). فكان ذلك الرجل الصلح كن آل فرعون هو (نحن نتخيل) الذي دبر الانقلاب من وراء حجاب مع عشيقها سابقا، وهو من سيكتم إيمانه لاحقا عن قومه، وهو الرجل الذي أظهر إيمانه يوم أن جاءهم موسى بالرسالة، وهو الذي ألقى في قومه خطبته الشهيرة كما جاءت في صورة غافر:

وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)

السؤال: من هو هذا الرجل الصالح؟ وما قصته في قومه؟

جواب مفترى خطير جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن ذاك الرجل هو نبي الله ذو الكفل، وهو والد نبي الله هارون، وهو كافل موسى. وهو من تربى الطفل الزنيم (الذي سيصبح لاحقا الفرعون الثاني) عنده.

السؤال: ما الذي فعله ذاك الرجل؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما حصل الانقلاب على الحكم الملكي، كان قائد الانقلاب العام رجل سياسي بارع، وكان يحاول التخطيط للانقلاب ببراعة، لذلك كان عليه أن يستعين بخبرات أهل العلم، فما وجد في آل فرعون غير هذا الرجل صاحب العلم، فكان هذا الرجل (الذي أصبح لاحقا مؤمن يكتم إيمانه) هو مخطط الانقلاب من وراء الستار، فهو الذي وضع خطة الانقلاب بتفاصيلها، وهو الذي استطاع الوقوف في وجه علماء بني إسرائيل ولكن من وراء حجاب. فكان يسعى جاهدا أن لا ينكشف أمره ولا يعرف به أحد إلا القائد العام للانقلاب على الحكم الملكي. فدبّر معه خطة الانقلاب على الحكم الملكي الذي كان سائدا حينئذ، وكان هذا الرجل مدفوعا بسقوط علماء بني إسرائيل في مصيدة الخلاف الطائفي. فقد أصبح علماء بني إسرائيل مدفوعين بتأويل الكتاب بغيا بينهم:

كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (213)

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِن بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (14)

وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17)

فما أن وجد هذا الرجل الصالح من آل فرعون أن بني إسرائيل قد وقعوا في الاختلاف بغيا بينهم (وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)، حتى كان مخططا ذكيا للخلاص منهم، ومن تحريفهم للكتاب وتدميرهم للبينات. لكن الذي كان ينفذ تلك الخطة للتخلص من بني إسرائيل وكل الفوضى التي أحدثوها في أرض مصر حينئذ على أرض الواقع هو قائد الانقلاب العام الذي أطيح به لاحقا على يد قائد الجند، فقد كان هذا الرجل الصالح (صاحب العلم) حريصا (نحن نظن) على أن لا يعلم بأمره أحدا إلا قائد الانقلاب نفسه، فقد آثر صاحب العلم هذا أن يبقى في الظل، فلا تكشف هويته. فما كان هذا الرجل طامعا في سلطة ولا معاديا لبني إسرائيل، ولكنه كان كارها باغضا لعلماء بني إسرائيل الذين بغوا بعضهم على بعض، فأضاعوا الكتاب والبينات التي آتاهم الله إياها.

لكن ما أن انقلب رجل العسكر على القائد السياسي للانقلاب الأول، لم يجد قائد الانقلاب العام مكانا آمنا لأهله (وخاصة ولده الصغير ومقتنيات القصر الملكي الثمينة) أفضل من هذا الرجل ليستودع ذلك كله عنده. فأخبر عشيقته بأمره، وطلب منها أن تلجأ إليه، فهو من سيدبر آلية حماية ولده ومقتنيات إرث النبوة من يد الفرعون الأكبر الذي انتزع منه عرش البلاد. وبالفعل، وصلت المرأة إلى هذا الرجل، واستودعت طفلها وإرث بيت النبوة التي حصل عليها عشيقها عنده، فانتهى معظم إرث النبوة في بيت هذا الرجل الذي آثر أن يعيش على الدوام في الظل بين كتبه وأقلامه، وتمثلت خطته على نحو أن يكفل هذا الطفل. فكان منذ تلك اللحظة هو ذو الكفل. وما أن عكف هذا الرجل على ذلك الإرث الديني المسلوب من بني إسرائيل حتى بدأ بدراسته، والتعرف على أسراره، وبالتالي الاستفادة منه بشكل شخصي. وبالفعل حصل الرجل على علم عظيم، فانتهى به (نحن لازلنا نتخيل) أن يكون رجلا مؤمنا من آل فرعون، لكنه لم يكن ليستطيع أن يبوح بذلك الإيمان في آل فرعون بعد أن أصبحت السلطة في يدهم وعلى رأسهم الفرعون الجديد قائد العسكر. فآثر أن يبقى يكتم إيمانه حتى يحين الموعد المناسب للكشف عنه.

السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟

تخيلات أغرب من الخيال نفسه: لمّا عكف ذلك الرجل على دراسة إرث النبوة، وجد بأن موعد الخلاص لكل المؤمنين سيتحقق - لا محالة - على يد شخص من ذرية بيت عمران (رجل صالح من بني إسرائيل). فالخلاص للمؤمنين من بني إسرائيل وظهور الإيمان للجميع وإبطال الكفر لن يتم إلا على يد ذرية من هذا الرجل الصالح (عمران).

السؤال: ماذا فعل الرجل حينئذ؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما علم هذا الرجل بأن الخلاص سيتحقق على يد ذرية من عمران، بحث (نحن لازلنا نتخيل) ذلك الرجل عن بيت ذاك الرجل الصالح من بني إسرائيل (عمران)، فوجد بيته، لكنه في الوقت ذاته وجد أن عمران نفسه قد مات، وقد ترك خلفه امرأته وعندها بنت واحدة وفي حضنها طفل رضيع. فعلم يقينا أن خلاص المؤمنين من بطش الكافرين وعلى رأسهم فرعون سيكون على يد هذا الطفل الرضيع الذي هو من ذرية عمران. ولما كان هذا الرجل يعلم أن فرعون يقتّل أبناء بني إسرائيل ويستحيي نساءهم، ما كان منه إلا أن يدبر الأمر للنجاة بهذا الطفل (وهذه العائلة الكريمة كلها) من بطش فرعون، فما الذي سيفعله؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: اختار الرجل أن ينفذ خطة غريبة عجيبة لا تثير الشكوك حول هذا البيت من قبل آل فرعون، فتمثلت خطته في أن يتزوج هو بنفسه من امرأة عمران. فيظن القوم من آل فرعون أن ذلك ليس أكثر من استحياء لنساء بني إسرائيل. فما بدا الأمر لهم أكثر من أن هذا الرجل من آل فرعون قد حاز على حصته من نساء بني إسرائيل، فظنوا أنه (مثل قومه من آل فرعون) يستحيي نساء بني إسرائيل. ولكن في حقيقة الأمر كان هذا الرجل يحاول جهده أن يحمي هذه العائلة على وجه التحديد من عذاب فرعون وملئه. وبالفعل نجحت خطة الرجل، فانتقلت امرأة عمران للعيش في بيت ذلك الرجل كزوجة له في الحقيقة ولكن كمتاع لهذا الرجل في أعين الملأ من قومه.

الدليل

لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لربما وجدنا فيها ما قد تطير له الألباب، قال تعالى:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)

السؤال: وأين الغريب في ذلك؟ يسأل صاحبنا متعجبا من كلامنا.

رأينا المفترى: لو تدبرنا هذه الآية جيدا، لوجدنا فيها على الأقل أمرين محيرين لنا.

أولا، أن القرار عند أم موسى كان مبنيا على التخيير، فكان بإمكان أم موسى أن لا تلقي بطفلها في اليم، وكان بإمكانها أن تلقيه في اليم. وليس أدل على ذلك أن الوحي الإلهي جاء لأم موسى بأن تلقي بطفلها في اليم في حالة أنها خافت عليه (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي)، فحتى لو لم تلق أم موسى بطفلها في اليم، فالله سيحميه من بطش فرعون. فنجاة موسى (الطفل) من بطش فرعون لن تكون فقط بإلقائه في اليم، فحتى لو لم تلق أمه به في اليم، فعين الله ترعى الطفل (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي)، فكيف سيتم ذلك على أرض الواقع؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن موسى سينجو من بطش فرعون حتى لو اختارت أمه أن لا تلقيه في اليم، وذلك لأنه أصلا يتربى في بيت ذلك الرجل الذي يكتم إيمانه، والذي هو أصلا من آل فرعون. لكن لما تملّك قلب أم موسى الخوف على طفلها، عمدت إلى الخيار الثاني وهو أن تلقي بطفلها في اليم حتى يظهر بين الناس على أنه مجهول الهوية والنسب. فنحن نتخيل أن أم موسى (بعاطفة الأم) قد خشيت بأن لا تنجح خطة الرجل، فآثرت الطريقة الأسلم وهي أن تلقي به في اليم. وما أن التقطه آل فرعون حتى كان خيارهم الأول والأخير أن يضعوا هذا الطفل الغريب مجهول الهوية والنسب عند كافل مثل هؤلاء الأطفال. فكما كفل هذا الرجل الطفل الأول الزنيم الذي جاءته به عشيقة قائد الانقلاب العام، تكفل أيضا بهذا الطفل المجهول الهوية والنسب الجديد (موسى) عند آل الفرعون. فأصبح الرجل معروف في قومه بأنه صاحب الكفالة للأطفال مجهولي الهوية والنسب، فكان يعرف بينهم بذي الكفل.

ثانيا، أما الأمر الآخر العجيب في هذه الآية هو الوعد الإلهي بأن الله سيرد هذا الطفل إلى أمه:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)

السؤال: كيف سيرد الله هذا الطفل إلى أمه وهي امرأة عمران من بني إسرائيل، وفي الوقت ذاته نعلم أن موسى قد تربى في آل فرعون في صغره؟

قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18)

السؤال القوي هو: هل كانت أم موسى تعيش حينئذ في بني إسرائيل (العدو اللدود لفرعون) أم أنها كنت تعيش في آل فرعون؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن موسى قد تربى منذ أن كان وليدا في آل فرعون، ولبث فيهم من عمره سنين. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن أم موسى كانت يوم أن ألقت ولدها في اليم كانت تعيش في آل فرعون. ليكون السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأنه ما أن التقط آل فرعون موسى (الطفل) من اليم حتى وصل خبره إلى امرأة فرعون نفسها، فكان قرارها على نحو أن لا يقتل آل فرعون هذا الطفل، وطلبت من بعلها (الفرعون الأكبر) أن يتخذاه ولدا:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

وبالفعل استطاعت المرأة أن تكف بطش بعلها (الفرعون الأكبر) عن هذا الطفل الغريب. ولما كانت الخطة الإلهية قد قضت بتحريم المراضع على هذا الطفل:

وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12)

أصبح لزاما أن يبحثوا لهذا الطفل عن من يكفله. وقد كان ذلك بمشورة من أخت موسى، فهي من دلتهم على أهل البيت الذين سيكفلونه لهم (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، وهي نفسها من دلتهم على الرجل الذي سيكفله لهم:

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

نتيجة مفتراة: كانت أخت موسى هي من دلتهم على أهل البيت الذين سيكفلونه لهم (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ)

نتيجة مفتراة: كانت أخت موسى هي من دلتهم على الرجل الذي سيكفله (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ)

السؤال: كيف استطاعت أخت موسى الوصول إليهم وإبداء المشورة والرأي؟

رأينا المفترى: لو لم تكن أخت موسى متواجدة حينئذ في آل فرعون، لما استطاعت (نحن لازلنا نتخيل) من الوصول إلى البيت الفرعوني لتقصّ خبر أخيها موسى (الطفل).

نتيجة مفتراة: على أي حال، كانت النتيجة أن يُرد موسى إلى أمه وفي الوقت ذاته يتربى وليدا في آل فرعون ويلبث فيهم سنين من عمره. والسبب في ذلك يعود - برأينا- إلى أن أم موسى نفسها كانت تعيش في بيت من بيوت آل فرعون. انتهى.

السؤال: ما الذي حصل في بيت كافل موسى (ذي الكفل) عندما كان موسى وهارون يتربيان معا في بيته؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: في تلك الأثناء عاش هذا الرجل الصالح مع زوجته الجديدة (أم موسى)، فأنجب منها طفلا، فسماه هارون، فكان هارون هو الأخ غير الشقيق لموسى، فكان أخاه من أمه فقط، قال تعالى على لسان هارون:

قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِيَ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الألْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِي فَلاَ تُشْمِتْ بِيَ الأعْدَاء وَلاَ تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)

فأصبح في بيت هذا الرجل (ذي الكفل) ثلاثة من الأطفال، اثنين تحت كفالته وهم فرعون الصغير وموسى الطفل، وواحد هو ابنه من صلبه وهو هارون.

السؤال: ماذا فعل ذلك العبد الصالح في تربية هؤلاء الأولاد في بيته معا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كان هذا الرجل (نحن نفتري الظن) باحثا صاحب صادقا عن العلم الحقيقي، ما كان له إلا أن يضع الأمور في نصابها الحقيقي. فالرجل مؤتمن على بضاعة عنده لهؤلاء الأولاد. وهو لا شك يتمثل قول الحق:

فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220)

فالرجل أصبح الآن يخالط اليتامى (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، لكنه يترك لله وحده العلم بالمصلح من المفسد منهم (وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ). لذا، كان عليه أن يعطي كل واحد من هؤلاء اليتامى المتواجدين في بيته حقه. فكيف قسّم الإرث بينهم؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان هذا الرجل يعرف تماما أن حق إرث النبوة وهي العصا والقميص هي من نصيب من كان من بني إسرائيل، لكن الكتاب (كعلم) هي من نصيب الجميع. ومادام أن العصا من نصيب موسى، كان عليه أن يحتفظ بهما لموسى حتى يشتد ساعده. لكن الكتاب كان من نصيب الفرعون الصغير. فأين احتفظ بالعصا والقميص؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عمد ذلك الرجل الصالح إلى ادخار العصا والقميص عند أخته في بيت فرعون نفسه. فأخته هي (نحن نرى) المرأة الصالحة زوجة الفرعون الأكبر قائد الجند الذي انقلب على قائد الانقلاب السابق. فاحتفظت أخته بتلك المقتنيات، فكانت في مأمن من أن يصل لها أي شخص. لكن الكتاب بقي عنده في يد الطفل الصغير (فرعون القادم). ومنذ تلك اللحظة بدأ الطفل الزنيم دراسة علم الكتاب.

الدليل

عندما عاد موسى بالرسالة إلى الفرعون الثاني الذي تربى معه في بيت هذا الرجل الصالح، كان السؤال الأول الذي وجهه فرعون لموسى هو:

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)

فرد موسى على النحو التالي:

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

عندها رد فرعون بالسؤال الثاني التالي:

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)

فكان رد موسى على النحو التالي:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

السؤال: أين ذلك الكتاب الذي فيه علم القرون الأولى؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن ذلك الكتاب ليس موجودا فقط عند الله، لأنه لو كان كذلك لجاء النص على النحو التالي:

قال علمها في كتاب عند ربي

فلو جاء النص على هذا النحو، للزم علينا الظن بأن الكتاب فعلا موجود عند الله فقط، لكن لما جاء النص على النحو التالي:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

لزم علينا الظن بأن علمها عند ربي أولا، لكن الكتاب موجود في مكان ما. فأين هو ذلك المكان؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن موسى كان يعلم يقينا بأن الكتاب موجود في يد فرعون. وأن فرعون قد تحصل على علم القرون الأولى من ذلك الكتاب. لذا كان هذا الفرعون الثاني الذي تربى وليدا في بيت الرجل الصالح قد تحصل له العلم بكل الآيات التي كانت في القرون الأولى. ومن هنا نحن نظن جاء النص الإلهي التالي:

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

ولو دققنا في النص القرآني أكثر، لما وجدنا أن آيات الله كلها قد جاءت إلا لقوم فرعون، كما في الآية الكريمة التالية:

وَلَقَدْ جَاء آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ (42)

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: لم تأت آيات الله كلها إلا لآل فرعون. انتهى.

السؤال: لماذا؟ لماذا لم تأت آيات الله كلها إلا لآل فرعون فقط؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن آيات الله كلها لم تأت قوم فرعون ولكنها جاءت فقط آل فرعون، وهم الفئة الضيقة الذين يحيطون بفرعون نفسه. ففرعون لم يطلع كل قومه على آيات الله ولكنه أطلع فقط آله عليها، وذلك حتى يبقى آل فرعون فقط هم المتحكمين برقاب العباد جميعا.

السؤال: ما هي ماهية ذلك الكتاب؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية التي نظن أنها خاصة بفرعون، لوجدنا أن فرعون قد رأى آيات الله كلها رؤية:

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

السؤال: ما معنى أن فرعون قد رأى آيات الله كلها رؤية؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن الكتاب الذي وقع بيد فرعون هذا كان كتابا مصورا. وهو ما يشبه ما نجده في قصص الخيال العلمي الذي نجد فيه كتابا إذا ما فتح على صفحة منها، ظهرت صور هي أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع. وسنفرد بحول الله وتوفيق منه مقالات خاصة للحديث عن هذا الكتاب بشكل خاص متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه في ذلك. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون. إنه هو السميع البصير – آمين)

أما السؤال الأكثر إلحاحا هنا هو: مادام أن آيات الله كلها قد أتت فرعون، فرءاها بأم عينه، فلماذا لم يؤمن الرجل؟ ومادام أن فرعون قد تربى كطفل صغير في بيت ذلك الرجل الصالح، فلم لم يؤمن؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإيمان يخضع للمشيئة الإلهية:

وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا (29)

فالإيمان قرار شخصي لا دخل للآخرين به، فهذا إبراهيم وقد تربى في كنف رجل يعبد الشيطان:

يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)

فأصبح إبراهيم مؤمنا برغم تلك البيئة الكافرة التي تربى فيها، لأنه أتى الله بقلب سليم:

وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)

بينما تربى فرعون في كنف رجل مؤمن، لكنه اختار أن لا يؤمن هو بنفسه:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: نحن نظن بأن فرعون قد آثر عدم الإيمان لأنه كان ناقما أشد النقم على قومه (آل فرعون) وذلك لأنهم هم من انقلبوا على والده صاحب الحق الشرعي في عرش مصر. لذا، نحن نتجرأ على البوح بظن من عند أنفسنا بأن فرعون (الذي كان طفلا زنيما) ما كان في يوم غاضبا على أو ناقما من بني إسرائيل. انتهى.

السؤال: ما الذي تقوله يا رجل. اتق الله. هل تريدنا أن نصدق بأن فرعون (الطفل الزنيم) الذي جاءه موسى بالرسالة لم يكن ناقما على بني إسرائيل؟ ما هذا الهراء؟ ألا ترى أن هذا يناقض صريح اللفظ القرآني؟

رأينا المفترى: مرة أخرى، نحن ندعو القارئ الكريم إلى التفريق بين فرعون الأول (وهو قائد الجند الذي انقلب على قائد الانقلاب على العهد الملكي) الذي تربى موسى في آله من جهة وفرعون الثاني الذي جاءه موسى بالرسالة (وهو الذي تربى مع موسى في بيت الرجل الصالح الذي كفلهما معا) من جهة أخرى.

السؤال: وما فائدة هذا التفريق هنا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الفرعون الأول هو عدو الله منذ اللحظة الأولى كما هو عدو موسى (وكذلك بني إسرائيل):

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

وهذا الفرعون الأول هو الذي كان يذبح بنفسه أبناء بني إسرائيل:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

وكذلك كان سلوك آله من بعده، فقد كانوا يذبحون أبناء بني إسرائيل ويستحيون نساءهم:

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)

السؤال: كيف حصل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: افترينا الظن سابقا بأنه ما أن نجح الانقلاب على الحكم الملكي، وانتقال الحكم إلى آل فرعون، حتى حصل الخلاف بين المنقلبين أنفسهم، فأصبح هناك رأيان، فكان الرأي الأول الذي تبناه قائد الانقلاب السياسي هو إخراج بني إسرائيل من أرض مصر، وكفى. كان الرأي الآخر الذي تبناه قائد الجند هو تقتيل أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم، وبالفعل كانت الغلبة للفريق الثاني، وذلك بقيام قائد العسكر بالانقلاب على قائد الانقلاب السياسي، والاستيلاء على السلطة. وهنا بدأت المرحلة الأشد والأقسى في تاريخ بني إسرائيل. فبدأ فرعون الجديد (عدو الله هذا) بتذبيح أبناء بني إسرائيل بنفسه، فهو من بدأ مهرجان الذبح والتنكيل بأبناء بني إسرائيل في مصر، قال تعالى:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

وبعدها أخذ كل آل فرعون ينكّلون ببني إسرائيل، فأخذوا يقتلون أبناءهم ويستحيون نساءهم. وهنا نجد لزاما التوقف لفترة من الوقت من أجل التفريق بين الذبح من جهة والتقتيل من جهة أخرى.

السؤال: ما الفرق بين تذبيح أبناء بني إسرائيل وتقتيلهم؟

رأينا المفترى: نحن نفهم (ربما مخطئين) بأن التقتيل لا يحمل في ثناياه إنهاء الحياة دائما، بدليل أن موسى قد طلب بنفسه من قومه أن يقتلوا أنفسهم:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)

السؤال: هل فعلا طلب موسى من قومه أن ينهوا حياتهم عندما طلب منهم أن يقتلوا أنفسهم؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية:

وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا (89)

لربما لزم علينا طرح السؤال التالي على الفور: كيف يمكن أن نقتل الذين كفروا بمجرد أن نجدهم (فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ)، ونجد كذلك أن الله ينهى الرسول أن يكون له أسرى كما جاء في الآية التالية؟

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)

وفي الوقت ذاته، نجد الله يطلب منا إطعام الأسرى:

وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8)

كما نجد، في الوقت ذاته، أن معاملة الأسرى يجب أن تكون واحدة من اثنتين، إما المن وإما الفداء:

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن ظن أن القتل يحمل في ثناياها معنى "المنع"، فالمؤمنون مطالبون بمقاتلة المشركين حتى يصدوهم عن دخول المسجد الحرام:

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)

وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36)

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191)

السؤال: كيف يطلب الله منا أن نقتلهم حيث ثقفناهم (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) وفي الوقت ذاته يطلب منا أن نخرجهم من حيث أخرجونا (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ

رأينا المفترى: نحن نظن أن القتل لا يحمل في ثناياه معنى إنهاء الحياة على الدوام، لأنه لو كان كذلك لما استطعنا أن نخرج من قتلناهم حيث ثقفناهم أصلا.

السؤال: ما معنى القتل إذن؟ وكيف يختلف القتل عن الذبح؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن القتل معناه "منع الشخص" عن شيء ما. فإذا ما وجدت طفلك الصغير يمد يده إلى شيء خطر قد يؤذيه، فإنك تعمد إلى قتله، (فنحن نقول بالأردنية الدارجة كتلت الولد لأنه مد يده إلى النار) .وإذا كان طفلك يريد منك أن تشتري له لعبة جميلة، ورفضت أنت ذلك، فأنت بذلك قد قتلته. وإذا أرادت زوجتك أن تذهب إلى السوق معك، وأنت رفضت ذلك، فقد قتلتها (في ذلك على وجه التحديد)، وعندما تجد أن شخصا يريد أن يأكل من طعام معين، فمنع عنه لسبب ما، فهو بذلك قد قتل نفسه. لذا، لمّا طلب موسى من بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فهو إذا قد طلب منهم (نحن نفتري القول) أن يمنعوا أنفسهم من الأكل إلا طعاما واحدا (المن والسلوى)، فقتلوا بذلك أنفسهم فترة من الوقت ماداموا يأكلون من طعام واحد فقط. وما أن ضاقت عليهم الحال، وما عادوا قادرين على التحمل، حتى طلبوا البقل والقثاء والفوم والعدس والبصل:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (61)

السؤال: كيف إذا طُلب الله منا أن نقتل المشركين كافة؟

رأينا: نحن نظن أن قتل المشركين تعني منعهم، قال تعالى:

وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190)

ولو تدبرنا هذه الآية الكريمة، لوجدنا أنه لا يجب على المؤمنين أن يبدءوا غيرهم بالقتال، بل وجب عليهم أن يصدوا من بدأهم القتال فقط. فالهدف من المقاتلة هو المنع، أي منع المشركين من الاعتداء على المؤمنين، فإذا ما توقفوا عن إيذاء المؤمنين، فلا يكون هناك داع لمقاتلتهم، لأن ذلك يقع إذا في باب الاعتداء. وهذه الأمور مجتمعة تظهر جلية - برأينا- حتى في قتال المشركين عند المسجد الحرام:

وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191)

وقد كان النبي مطالبا بقتال المشركين وقتلهم (أي منعهم)، لكن لنتذكر بأن "قتلهم" لا يمنع أن يقع بعض المشركين في الأسر، لكن الله أمر النبي أن لا يكون له أسرى، فعليه أن يشد وثاقهم في الأسر حتى تضع الحرب أوزارها. لكن ما أن تضع الحرب أوزارها حتى يكون لزاما على النبي التصرف بهؤلاء الأسرى بواحدة من طريقتين: إما منا وإما فداء:

فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)

نتيجة مفتراة 1: ما كان للرسول أن يكون له أسرى على الدوام لأن ذلك يعد من باب الإثخان في الأرض

نتيجة مفتراة 2: في حالة الحرب يجب أن يشد الوثاق على الأسرى، فلا يترك لهم مجال للهرب

نتيجة مفتراة 3: خلال مدة الأسر، يجب الإحسان للأسرى بإطعامهم الطعام (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)

نتيجة مفتراة 4: ما أن تضع الحرب أوزارها حتى يصبح لزاما التصرف بهؤلاء الأسرى إما بالمنّ أو بالفداء

السؤال: ما علاقة هذا كله بتذبيح وتقتيل أبناء بني إسرائيل من قبل فرعون نفسه وآله من بعده؟

جواب مفترى من عند أنفسنا (1): كان آل فرعون يقتلون أبناء بني إسرائيل

وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

جواب مفترى من عند أنفسنا (1): كان فرعون وقومه يذبحون أبناء بني إسرائيل

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (49)
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

السؤال: ما الفرق بين تقتيل أبناء بني إسرائيل من جهة وتذبيح أبناء بني إسرائيل من جهة أخرى؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآيات الخاصة بتقتيل أبناء بني إسرائيل، لوجدنا على الفور أن آل فرعون هم من كانوا يقتلون أبناء بني إسرائيل، وأنهم كانوا أيضا يذبحون أبناء بني إسرائيل، لكن فرعون نفسه كان فقط يذبح أبناء بني إسرائيل، ولا نجد آية تدلنا على أنه كان يقتلهم.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن التقتيل يعني المنع، فآل فرعون (وليس فرعون نفسه) هم الذين تكفلوا بأن يصدوا أبناء بني إسرائيل، فيحدّوا من تصرفاتهم (فكانوا بذلك يقتلونهم فلا يجد أبناء بني إسرائيل حرية التصرف كما يشاءون في أرض مصر كما كانوا في سابق عهدهم في العصر الملكي. لذا، نحن نتجرأ على القول بأن آل فرعون هم الذين قتلوا أبناء بني إسرائيل (أي منعوهم من الحركة أو التصرف بحرية).

لكن إذا ما وجد آل فرعون أن أحدا من أبناء بني إسرائيل قد تجرأ على العصيان والوقوف في وجه آل فرعون، ورفض إطاعة الأوامر من آل فرعون، فإن مصيره سيكون الذبح (إنهاء الحياة) وليس فقط القتل (الحد من حرية التصرف).

ومن متطلبات هذا التفكير (ربما الخاطئ) هو الظن بأن فرعون وآله لم يعمدوا إلى ذبح كل أبناء بني إسرائيل (إنهاء حياتهم)، لأن ذلك يعني بالضرورة الإبادة الكاملة لهم في أرض مصر. لأنه لو كان هذا قد حصل فعلا على أرض الواقع، لحق لنا إذن أن نسأل: من أين جاء بنو إسرائيل الذي عاد موسى مطالبا فرعون بأن يرسلهم معه؟

فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17)

فحتى عندما دخل موسى المدينة على حين غفلة من أهلها، وجد فيها على الفور رجلين يقتتلان، كان أحدهما من شيعته والآخر من عدوه:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

السؤال: كيف نستطيع تبرير وجود بني إسرائيل في أرض مصر بالرغم أن فرعون وآله كانوا يقتلون ويذبحون أبناء بني إسرائيل في أرض مصر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الخروج من هذا المأزق يتمثل بالتفريق بين تقتيل بني إسرائيل في أرض مصر على يد آل فرعون وتذبيح أبناء بني إسرائيل على يد فرعون نفسه وآله. ونحن نتخيل أن التقتيل يعني كبت الحريات ومنعهم من القيام بأي نشاط إلا بإذن آل فرعون، وهذا هو – برأينا ربما الخاطئ- التقتيل (أي منع الشخص عن القيام بأي عمل يريده وعمل كل شيء يريده قاتله). فأنت إن منعت طفلك من اللعب مع أقرانه في الحي، فأنت قد قتلته من هذا الباب، وإن أنت منعت نفسك (لشح في نفسك) عن شراء طعام ترغبه، فأنت قد قتلت نفسك من هذا الجانب. وهكذا. لكن الذبح يعني إنهاء الحياة لا محالة، كما حصل مع إبراهيم لو أنه نفّذ ما راءه في منامه:

فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102)

إذن، لو حصل أن أحدا من أبناء بني إسرائيل قد عمد إلى الوقوف في وجه آل فرعون ورفض عملية تقتيلهم له، فإن مصيره سيكون الذبح (إنهاء الحياة) لا محالة.

السؤال: ما علاقة هذا كله بقصة الفرعون الطفل الذي تربى في بيت الرجل الصالح مع موسى وهارون؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا الطفل ما كان ناقما على بني إسرائيل في يوم من الأيام، وما عمد إلى تقتيل أو تذبيح أبناء بني إسرائيل، فالذي كان يذبح أبناء بني إسرائيل هو الفرعون الأول (قائد الجند) الذي استولى على السلطة بعد الانقلاب على الحكم الملكي:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)

وقد كان هذا الفرعون الأكبر منذ اللحظة الأولى عدوا لله وعدو لبني إسرائيل بمن فيهم موسى:

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

وهذا الفرعون هو الذي لم يكن ينجب الأطفال بدليل أن امرأته قد طلبت الإبقاء على حياة موسى، فلا يقتلوه، وذلك ليكون قرة عين لها ولبعلها، فينفعهم أو يتخذوه ولدا:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

أما فرعون الثاني الذي اعتلى عرش مصر بعد موت الفرعون الأول (نحن نرى) لم يقتل أبناء بني إسرائيل، وجل ما فعله هو أنه عبدهم كما جاء على لسان موسى:

وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)

فتصبح الصورة في ذهننا على النحو التالي:

تذبيح أبناء بني إسرائيل: إنهاء حياتهم

تقتيل أبناء بني إسرائيل: حد حرياتهم ومنعهم عن التصرف بأي شيء إلا بموافقة آل فرعون

تعبيد أبناء بني إسرائيل: تخفيف القيد عن الحريات وتسخيرهم لخدمة آل فرعون

فما أن اعتلى الفرعون الجديد (ذاك الذي كان طفلا زنيما) عرش مصر حتى وجد قومه منه العجب بأنه قد عمد إلى تخفيف قيود الحرية عن قوم موسى (وهم الطائفة التي كان الفرعون القديم يذبح أبناءها)، فكان خطابهم له على النحو التالي:

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... (127)

فكان رده المباشر على النحو التالي:

... قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

فما أن اعتلى عرش مصر حتى اتخذ سياسة جديدة تتمثل بأن يذر موسى وقومه، فلا يذبحهم ولا يقتلهم ولكن يستعبدهم فقط. الأمر الذي لم يكن ليرضي الملأ من قوم فرعون، فحاولوا الاستفسار عن سر هذه السياسة الجديدة (وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ)، لكن لما كان هذا الفرعون الجديد غاية في الذكاء، لم يصرح لهم بأنه يتخلى عن سياسة تقتيل أبناء بني إسرائيل السابقة كليا، فأكد لهم أنه لازال ينتهج هذه السياسة (تقتيل أبناء بني إسرائيل). لكنه لا شك أقنعهم بأن هذا ليس وقته، فهو مشغول الآن بما هو أهم من ذلك، وسيفرغ لبني إسرائيل لاحقا، ويستمر في سياسية تقتيل بني إسرائيل متى ما حان الوقت المناسب لذلك. فهم برأيه لا يشكلون خطرا داهما يجب معالجته في الحال ماداموا أنه وقومه فوقهم قاهرون (وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ)، لكن يمكن تأجيل التقتيل إلى حين، حتى الانتهاء من ما هو أهم من ذلك بكثير (وهو ما سنتناوله لاحقا بإذن الله).

لكن في حقيقة الأمر، كان هذا الفرعون الجديد (نحن نتخيل) غير راغب إطلاقا في سياسة تقتيل بني إسرائيل وإن كان لازال في العلن يتبنى تلك السياسة التي كان ينتهجها سلفه (الفرعون الأول).

السؤال: لماذا لم يظهر هذا الفرعون الجديد لقومه رغبته بعدم تقتيل أبناء بني إسرائيل كما كان في عهد سلفه (الفرعون الأول)؟

رأينا المفترى: لما كان الرجل يعرف أن رغبة آله لازالت شديدة في استمرار تقتيل بني إسرائيل، لم يكن ليثير غضبهم في تغيير هذه السياسة علانية دون سابق إنذار. فهو لا يريد أن يظهر خصومة مع أحد منهم مادام أنه قد تولى الحكم قريبا، فهو يريد أن يوطن أركان حكمه ويحكم قبضته على البلاد وعلى آله وقومه أولا. لذا كان في الحقيقة مصرا على المضي قدما في سياسته التي يتبناها في السر دون إثارة المشاكل في العلن. فالرجل – بكلمات بسيطة- كان يبطن في سره ما لا يظهره للملأ من قومه في العلن.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن هذا الفرعون الجديد لم يكن يعادي بني إسرائيل. فنقمة هذا الرجل لم تكن منصبة على بني إسرائيل، لكنه لم يكن ليظهر هذا للعلن حتى لا يثير حفيظة آله في الحال.

السؤال: مع من كانت إذا مشكلة هذا الفرعون الجديد؟ وما هي الخطة التي كان يحاول أن ينفذها الرجل على أرض الواقع دون إثارة حفيظة من حوله من آله؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن مشكلة فرعون الجديد هذا كانت أولا وأخيرا مع قومه. فالرجل ناقم على قومه أشد النقم، فهو يحاول أن يثأر منهم بأشد أنواع الانتقام التي يمكن أن تخطر على بال بشر.

السؤال: لماذا؟ ما الذي تقول يا رجل؟

رأينا المفترى: نعم، نحن نفتري الظن بأن نقمة فرعون الحقيقية كانت منصبة على قومه جميعا.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لما كان هذا الفرعون الجديد هو الولد غير الشرعي لقائد الانقلاب العام الذي انقلب عليه قائد العسكر لاحقا لنجاح الانقلاب على الحكم الملكي، كان يعلم يقينا بأن والده هو صاحب الحق الشرعي في الحكم، ولكن قائد العسكر هو الذي انقلب على والده وسلب منه الحكم. كما كان يعلم بأن الفرعون العسكري الذي سلب الحكم من والده ربما نكل بأمه أشد التنكيل، فقد رأى بأم عينه (نحن نتخيل) بأن قومه قد تخلوا عن والده (صاحب الحق الشرعي في الحكم)، وانحازوا إلى جانب القوة التي كان يملكها قائد الجند الذي وصل لسدة الحكم، فطوعوا رقابهم لهذا الفرعون العسكري، وهنا وجد هذا الطفل بأن قومه فعلا قوما فاسقين:

وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12)

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32)

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

ليكون السؤال هو: ما معنى أنهم كانوا قوما فاسقين؟ ولم جاء الوصف القرآني لقوم فرعون على أنهم فعلا قوما فاسقين؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الفاسقين هم الذين ينقضون العهد من بعد ميثاقه، قال تعالى

إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ (26) الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27)

تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَآئِهَا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللّهُ عَلَىَ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101) وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

وليس أدل على ذلك من أن قوم موسى أنفسهم قد أصبحوا قوما فاسقين يوم أن نقضوا ميثاق ربهم كما تصوره الآيات الكريمة التالية أحسن تصوير:

قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) قَالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25)

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: من عاهد عهدا مع الله أو مع الناس، ثم نكث بعهده هذا فهو إذن من الفاسقين. وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق القرآني التالي:

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (77) أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

فهؤلاء قد عاهدوا الله، ولكن لما آتاهم الله ما طلبوا، نكثوا بعهدهم، فأصبحوا من القوم الفاسقين الذين لا يهديهم الله. والآيات التالية تبين جميعا أن هذه الفئة من الناس لن تحصل على الهداية من الله إطلاقا:

يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يِقُومَانُ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَن يَأْتُواْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُواْ أَن تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَاسْمَعُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)

قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)

قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ (5) سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (6)

السؤال: ما الذي يجعل الشخص من الفاسقين؟

جواب مفترى: نحن نظن أن محرك الفسق الأول هو الاستكبار. انتهى.

الدليل

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن أن الفسق قد بدأ أصلا مع الشيطان:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

فما فعله الشيطان كان (نحن نفتري القول) الشيطان هو فسق. ولكن ما الذي جعل الشيطان يفسق عن أمر ربه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فسق الشيطان كان الكبر، قال تعالى:

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76)

ولو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن الفسق من أفعال المترفين:

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)

نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن بأن مترفي القوم هم على وجه التحديد من يقومون بفعل الفسق.

السؤال: ما معنى الفسق؟ وكيف يمكن للشخص أن يصبح فاسقا؟ ومتى يمكن أن نطلق على شخص ما بأنه فاسق؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا معنى الفسق في الآية التي تتحدث عن الشيطان:

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)

لوجدنا بأن الشيطان كان مأمورا أن ينصاع لأمر آدم، لكنه فسق، وذلك - برأينا طبعا- لأنه رفض السجود آدم، وكان ذلك بسبب كبر في فيه، فكان بذلك قد فسق عن أمر ربه.

نتيجة مفتراة: الفسق هو إذن (نحن نفتري الظن) رفض الانصياع للأمر الشرعي وبالتالي رفض أمر الولي الشرعي. فمن كان صاحب الولاية الشرعية (كآدم)، وجبت له الطاعة. ومن يرفض الانصياع لصاحب الولاية الشرعية، فهو بذلك قد فسق.

السؤال: ما علاقة هذا بقوم فرعون؟ ولم كان فرعون الجديد هذا ناقما على قومه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون كان ناقما على قومه لأنه كان يعلم أنهم قوما فاسقين، وذلك لأنهم لم ينحازوا إلى جانب صاحب الحق الشرعي في الحكم، وهو والده (قائد الانقلاب على الحكم الملكي)، ولكنهم انحازوا إلى جانب صاحب القوة (قائد العسكر) الذي لم يكن له حق شرعي في عرش مصر، فكانوا بذلك قوما فاسقين. فهم قوم لا يرضون بالحق ولا يدافعون عن الشرعية، ولا ينحازون إلى صاحب الحق في الولاية، بل ينحازوا لمن بيده القوة والسلطة، لطمع في أنفسهم. فهم بمجملهم قوما عالين:

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46)

لذا، كان الكبر هو المسيطر على نفوسهم كما كان إبليس متكبرا، فكانت النتيجة الطبيعية أن يخرج منها وهو من الصاغرين:

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

نتيجة مهمة جدا: فسق الشيطان عن أمر ربه لأن فيه كبر، فأخرج منها، فكان من الصاغرين.

ولو تتبعنا حال آل فرعون، لوجدنا الصورة نفسها. فقد كانوا مستكبرين (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا)، وكانوا قوما عالين (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)، وبذلك استحقوا أن يخرجوا منها، ليرثها قوم آخرين:

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59)

فكما أخرج الله إبليس من جنته بسبب كبره، أخرج الله آل فرعون من مصر بسبب كبرهم، وكما كان إبليس من الصاغرين، انقلب فرعون ومن معه فكانوا صاغرين:

فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ (119)

السؤال: كيف تحقق ذلك على أرض الواقع؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان فرعون يحضر للانتقام من قومه الفاسقين شر الانتقام، فكيف سينفذ خطته بالطريقة المثلى؟

افتراء خطير جدا جدا: كان فرعون يعرف تماما هذه السنن الكونية، فكان يعرف بأن القوم الفاسقين، لابد أن يقع عليهم العذاب، كما كان يعرف أنهم سيُخرجوا من الجنات والعيون والمقام الكريم إذا ما عَلوْا وتكبروا، ففسقوا. لذا عمد الرجل أن يقدم لهم كل ما من شأنه أن يزيد من كبرهم وعلوهم، ويزيد في فسقهم:

وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)

لذا كان فرعون (نحن لازلنا نتخيل) يخطط أن يوقعهم في شر أعمالهم: أن يتكبروا فيعْلوا، فيفسقوا، فينقلبوا صاغرين، وبالتالي يُخرجوا – لا محالة- من الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم.

السؤال: كيف نفّذ فرعون ذلك على أرض الواقع؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن مات الفرعون الأول، حتى أصبحت المدينة كلها في غفلة:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

ونحن نظن أن المدينة كانت كلها على غفلة، وذلك لأن الفرعون العسكري (كما افترينا القول في مقالات سابقة) قد مات ولم يكن له وريث شرعي ليرقى عرش مصر حينئذ بصورة سلسة، لذا آل الحكم إلى الملأ، وحينها جاء رجل من أقصى المدينة ليحذر موسى مما يأتمر به الملأ:

وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)

فكان الأمر برمته بيد الملأ، فهم في هذه اللحظة (في غياب الفرعون الذي مات للتو) من كانوا أصحاب القرار حينئذ. وفي هذه اللحظة خرج موسى خائفا يترقب، وذلك لأن همّ الملأ الأول كان حينئذ التخلص من موسى، لأنه عاد إلى المدينة في هذه الظروف السياسية غير المستقرة، وبالتالي كان موسى هو الشخص الوحيد المؤهل لقيادة بني إسرائيل في هذه الظروف الصعبة، وبالتالي احتمالية الانقلاب عليهم، وحصول حرب أهلية طائفية ربما تأكل الأخضر واليابس. فكان لابد من تأجيل كل شيء (حتى خلافاتهم الداخلية إن وجدت حينئذ)، والتآمر على موسى بقتله، وهذا ما ورد على لسان الناصح لموسى الذي جاءه يسعى من أقصى المدينة:

وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)

فقد اتخذ الملأ قرارهم بأن الأولوية عندهم حينئذ هي قتل موسى (قائد بني إسرائيل)، فكانت نصيحة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة لموسى هو الخروج من المدينة في الحال. وبالفعل أصبح موسى في المدينة خائفا يترقب، فخرج منها في الصباح الباكر متجها نحو مدين:

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاء مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاء السَّبِيلِ (22)

وما أن خرج موسى من المدينة حتى التفت الملأ من جديد إلى الأمر الآخر على أجندتهم وهو اختيار الفرعون الجديد الذي سيعلو عرش مصر، وذلك لأن الفرعون السابق لم يكن له ولد ليكون هو الوريث الشرعي للعرش. فكيف انتهى بهم الأمر؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن الملأ كانوا منقسمين (كالعادة) على أنفسهم، فالكل يطمع بالوصول إلى كرسي الحكم (وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ)، وليس عندهم مشكلة في أن يكونوا قوما فاسقين، أي بمعنى أن لا يأتمروا جميعا بأمر صاحب الحق الشرعي. فالجميع منافس قوي على السلطة. لكن لمّا كان هناك توازن في القوى بين الأطراف الطامعة، لم يستطع طرف منهم أن يتغلب على الأطراف الأخرى المنافسة له. فكيف سيتم اختيار الفرعون الجديد في ظلّ هذا التنافس المحتدم بينهم على السلطة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كانت الخطة التي اتفق عليها الجميع هو أن لا يصار إلى اختيار الفرعون الجديد من أطراف النزاع جميعا، وأن يتم اختيار الفرعون من غيرهم، ولكن حتى يحافظ الجميع على مصالحه، كانت خطتهم الشيطانية تقضي بأن يصار إلى تنصيب فرعون جديد يكون فيهم ضعيفا، لا تسانده قوة تستطيع أن تفسد عليهم مكاسبهم التي تحصلوا عليها في زمن الفرعون السابق. فكان لابد من اختيار شخص من آل فرعون لا تدعمه قوى نافذة، وهنا بالضبط وقع اختيارهم على هذا الصبي الزنيم الذي تربى في بيت الرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون. فهذا الصبي – هم يظنون- ضعيف لا تسانده أي قوة.

السؤال: كيف استطاع هذا الصبي الزنيم أن يجعل من نفسه خيارا مفروضا للوصول إلى العرش؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

لو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لربما حق لنا أن نطرح التساؤلات التالية:

- من هو هذا الحلاف المهين؟

- من هو الذي كان مطلوب منه أن لا يطع هذا الحلاف المهين؟

- ما معنى أن يكون هماز مشاء بنميم؟

- كيف كان معتد أثيم؟

- لماذا كان ذا مال وبنين؟ فمن أين جاء بهذا المال؟

- كيف كانت تتلى عليه آيات الله؟

- لماذا قال عنها أساطير الأولين؟

- الخ.

افتراء خطير جدا جدا: نحن نظن بأن الخطاب في هذه الآية كان موجها مباشرة لمحمد، فجاءه التحذير الشديد بأن لا يطع كل حلاف مهين، خاصة من كان هماز مشاء بنميم، ومن كان مناع للخير معتد أثيم.

السؤال: من هو الشخص الذي انطبقت عليه هذه الصفات على وجه التحديد؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: إنه فرعون الزنيم. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: بداية، لابد من التنبيه إلى عدم الاقتباس من هذا الكلام خارج سياقه، ونطلب من القارئ الكريم أن لا يتعجل بالقفز إلى نتائج من عند نفسه، ثم يتهمنا بناء على فهمه هو بما لم نقل نحن. فمن أراد أن يتقدم بعد هذه السطور خطوة واحدة فعليه أن يقسم بالله أن لا يبوح بهذا الكلام لأحد. فهو كلام جد خطير، ومن أراد الوقوف على تفاصيله فعليه أن يقرأه من أوله وحتى آخره من هنا فقط. وذلك لأننا سنحاول في عجالة أن نعيد قراءة سيرة النبي الكريم بين أهله في مكة قبل البعثة. فنحن لا نتفق تماما مع كل ما جاء في كتب السيرة، لأنها تحوي - برأينا طبعا- من المتناقضات ما قد يصعب على المستمع البسيط من مثلي فهمها كما يجب. لذا سنعيد النظر في هذه السيرة الكريمة، طارحين بداية بعض التساؤلات التي قد تكون للوهلة الأولى غريبة، وربما لا ترضي أصحاب العقائد الذين درجوا على الدفاع عن ما وصلهم من عند آبائهم الأولين دون تمحيص ولا تدقيق. لذا، سنفتح ملفا خاص لإعادة قراءة السطور العريضة لتاريخ سيرة الرسول الكريم في أهله في مكة قبل بعثته. فالله نسأل أن لا نفتري الكذب ونعوذ به وحده أن نقول ما ليس لنا بحق، إنه وحده هو السميع العليم.

أما بعد،

باب إبراهيم ومحمد مقابل باب فرعون

دعنا نفتح هذه الأبواب الثلاثة بالافتراء الخطير جدا التالي: نحن نظن بأن الحياة الاجتماعية التي عاشها إبراهيم ومحمد تقابل وتتشابك في خطوطها العريضة مع الحياة الاجتماعية التي نشأ فيها فرعون. وأول هذه التشابهات والتقاطعات تتمثل في طفولة كل واحد منهم (جملة ذهبية للمتصيدين في الظلام). فنحن نعتقد أن أول هذه التقاطعات تتمثل في أنهم قد نشئوا جميعا كأيتام. فإبراهيم قد نشأ يتيما في عائلة كان أبوه هو سيد قومه، ولكنه كان على عادة عبادة الشيطان:

يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)

فثار هذا الفتى على والده وعلى قومه أجمعين. فكاد لأصنامهم:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)

السؤال: من هو أبو إبراهيم هذا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن أب إبراهيم هذا هو جده وليس والده المباشر. فإبراهيم قد تربى يتيما في كنف جده. وكان لهذا الجد أولادا كثيرين، لكن كان من بينهم ولد واحد مات في حياته ولم يترك وراءه إلا ولدا واحدا وهو إبراهيم، فكان إبراهيم هو ابن الولد المتوفي لهذا الجد. بالضبط كما نشأ محمد يتيما في أهله، فكان في كنف جده. وهذا ما نفهمه من الآية الكريمة التالية:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

فلو دققنا في هذه الآية الكريمة لوجدنا فيها شيئا من الغرابة تتمثل بوجود مفردة (أَنتَ) في الآية الكريمة. فلِم لَم تأت الآية بدون هذه الكلمة على النحو التالي:

قَالَ أَرَاغِبٌ ... عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

ألم يكن ذلك يفي بالغرض؟ فلم جاءت هذه المفردة هنا؟

تخيلات مفتراة: لما كان إبراهيم هو الحفيد لهذا الأب، ولما كان أبوه (أي جده) يعطيه من الرعاية ما لم يكن يحظى بها غيره، ولما وجد الجد في هذا الحفيد من الرشد ورجاحة العقل ما يكفي لأن يعول عليه أن يحل مكانه في القادم من الأيام، نزل قرار إبراهيم بالانفصال عن دين أبيه كالصاعقة على رأس الأب. فالأب كان يتوقع مثل هذا القرار من جميع أبنائه باستثناء إبراهيم، فجاء استغرابه على نحو أنه أنت بالذات يا إبراهيم من تتخذ مثل هذا القرار:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

فنحن نفتري الظن بأن الحياة الاجتماعية التي عاشها إبراهيم في طفولته في قومه تتقاطع كثيرا مع الحياة الاجتماعية التي عاشها محمد في فترة طفولته في قومه. فكلاهما عاش يتما في كنف جده (أبيه).

وكان من نتاج هذه الطفولة القاسية أن تولدت في أنفسهما ثورة عارمة على الإرث الأبوي الذي كان سائدا حينئذ. وهنا يبرز السؤال التالي: لماذا؟

- لماذا ثار إبراهيم على قومه؟

- لماذا ثار محمد على قومه؟

أما بالنسبة لإبراهيم، فقد كان طفلا سليم القلب، فهو أصلا من جاء الله بقلب سليم:

وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (83) إِذْ جَاء رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (84)

فقد كان إبراهيم كطفل - في كنف جده- مراقبا واعيا لما يفعل جده (كبير الكهنة) في القوم من حوله. فأبوه هذا كان يجعل القوم يعبدون آلهة من دون الله، وهي الأصنام التي كانوا لها عابدين، لكن الرجل نفسه كان يعبد الشيطان:

يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)

فاكتشف إبراهيم (الطفل الصغير) الشر الذي كان يفعله أبوه هذا. ففي حين أنه يطلب من القوم عبادة الآلهة المتعددة، كان هو نفسه لا يعبد هذه الأصنام لأنه يعلم يقينا أنها لا تنفع ولا تضر، لكنه كان يتعامل مع الشيطان. فالشيطان هو من كان ينفذ لهذا الرجل مآربه. ولما كشف الصبي إبراهيم خطته، ثارت ثائرته، فنهر إبراهيم على الاستمرار في ذلك، وتوعده بالرجم:

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

فالرجل إذن يعمل صفقة مهادنة مع إبراهيم تتمثل في أن يكف إبراهيم عن التعرض لآلهته، وإذا لم يفعل فسيقع عليه العذاب بالرجم. عندها أدرك إبراهيم حجم عناد أبيه هذا وإصراره على المضي قدما في تنفيذ تهديده له بالرجم حفاظا على مكتسباته التي حصل عليها من تجارته بالدين بين قومه، فكان قرار إبراهيم على النحو التالي:

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47) وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48)

السؤال: أين اعتزل إبراهيم قومه؟

رأينا المفترى: كان إبراهيم باحثا صادقا عن الحقيقة، موجها جهده كله للتعرف على ربه الحقيقي. فاعتزل قومه حتى تحصل له ما أراد كما جاء في الآية الكريمة التالية:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

تساؤلات

- كيف رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض؟

- وما هو أصلا ملكوت السموات والأرض؟

- وكيف أصبح بذلك من الموقنين؟

- لماذا اعتقد إبراهيم أن الكوكب هو ربه؟

- لماذا اعتقد أن القمر هو ربه؟

- لماذا اعتقد أن الشمس هي ربه؟

- لماذا اقتصر البحث على هؤلاء الثلاثة فقط (الكوكب والقمر والشمس)؟

- لماذا جاء اعتقاده بهم على هذا الترتيب؟

- ما علاقة هذا بقصة يوسف الذي رأى الشمس والقمر والكواكب تسجد له؟

- كيف عرف أن الشمس هي أكبر مما سبقها؟

- ما معنى أن هذه الأجرام قد أفلت؟

- لم ظن إبراهيم أنها ليست ربه مادام أنها قد أفلت؟

- لماذا وجه وجهه للذي فطر السموات والأرض؟

- كيف عرف أن الذي فطر السموات والأرض لا يأفل؟

- الخ

نحن نظن بداية أن إبراهيم قد توصل إلى أن يرى ملكوت السموات والأرض. ولو دققنا في هذه المفردة، لوجدنا (كما ذكرنا في مقالات سابقة لنا) أن ملكوت السموات والأرض هي بيد الله نفسه، قال تعالى:

قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88)

لذا، ربما يحق لنا أن نستنبط أن إبراهيم قد رأى ما بيد الله نفسه، لذا كان قادرا على تمييز هذه الأشياء على حقيقتها. ولعل هذا العلم لا يقتصر على إبراهيم نفسه، لأن الله طلب منا جميعا أن ننظر في ملكوت السموات والأرض:

أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185)

فالنظر في ملكوت السموات والأرض إذن - من حيث المبدأ- متاح للجميع. وقد توصل لها إبراهيم بنفسه. فأصبح قادرا على أن يرى ما خلق الله من شيء. (فالله وحده نسأل أن يرينا ملكوت السموات والأرض كما أراه إبراهيم، ولنكون من الموقنين، إنه هو السميع البصير – آمين)

وقد لفت انتباه إبراهيم من بين جميع ما خلق الله في ملكوت السموات والأرض ثلاثة على وجه التحديد وهي الكوكب والشمس والقمر. ليكون السؤال الآن: لماذا هذه الثلاثة على وجه التحديد؟ ولم كانت ثلاثة فقط؟ لِم لم يكتفي إبراهيم باثنتين منها؟ ولم لم يزد على ذلك فتكون أربعة أو خمسة مثلا؟

رأينا المفترى الخطير جدا: نحن نفتري الظن أن فكرة الإله تحمل في ثناياها فكرة التثليث، فالمعتقدين في الديانات الوثنية كانوا يتصورون الإله بهذا المنظور الثلاثي، وهكذا انتقلت الفكرة إلى أهل الديانة المسيحية، فهم يتحدثون عن الإله ككينونة ثلاثية (الآب والابن وروح القدس). ولو دققنا في الديانة الإسلامية لوجدنا أن أول ما نفتتح به كلام الله هو قولنا:

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1)

فنحن إذن نتحدث عن الله الرحمن والرحيم. ليكون السؤال هو: لم لا نقول بسم الله وكفى؟ لم نقول بسم الله الرحمن الرحيم؟ فهل نؤمن نحن المسلمين أن الله ثلاثة؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا. فالله واحد أحد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد.

قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)

وقد نهانا الله أن نقول أن الله ثلاثة:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقِّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَلاَ تَقُولُواْ ثَلاَثَةٌ انتَهُواْ خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً (171)

ونهانا أن نتخذ إلهين اثنين:

وَقَالَ اللّهُ لاَ تَتَّخِذُواْ إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ (51)

وأمرنا أن نشهد أنه إله واحد:

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19)

هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (52)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لما كانت فكرة التثليث فكرة مقبولة في الفكر الديني القديم، كان على إبراهيم أن يتفكر في ثلاثة خيارات فقط لتكون هي ربه، ومادام أن إبراهيم قد رأى ملكوت السموات والأرض، لذا كانت هذه الخيارات الثلاثة وهي الشمس والقمر المؤهلة أن تكون رب من دون خلق الله جميعا. فما نظر إبراهيم في غيرها. ولو دققنا أكثر في الآيات الكريمة نفسها، لوجدنا أن اثنتين منها تبزغ وهي الشمس والقمر، لكن جميعها تأفل:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

السؤال: ما الذي جعل إبراهيم يتخلى عنها جميعا كرب له؟

جواب مفترى: لأنها جميعا قد أفلت. انتهى.

السؤال: وما معنى أنها قد أفلت؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الأفول لا يعني الغياب (كما صور لنا ذلك الفكر الشعبي الدارج) وذلك لأن مفردة الغياب حاضرة بقوة في النص القرآن، قال تعالى:

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ (7)

فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19) وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20)

وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16)


ليكون السؤال الحتمي هو ما الفرق بين الغياب والأفول؟ أو ما الفرق بين من كان من الغائبين أو من كان من الآفلين؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الغياب يعني التخفي عن النظر لفترة محددة من الزمن. فالهدهد كان من الغائبين لكن ما هي إلا فترة وجيزة حتى ظهر للعيان وما عاد من الغائبين بعد ذلك. ولو دققنا أكثر لوجدنا أن الغياب لا يكون بطريقة يمكن التنبؤ بها. فالشخص قد يغيب فجأة وقد يظهر فجأة. فالغياب إذن غير منتظم. لكن الكوكب والشمس والقمر يستحيل أن يكونوا من الغائبين، وذلك لأن موعد ظهورهم وغيابهم يمكن التنبؤ به. ولو دققنا أكثر لوجدنا بأن الكوكب والشمس والقمر تظهر جميعا وتعيب جميعا في أوقات ثابتة محددة. فالشمس تظهر في النهار وتغيب في الليل، أما القمر فيظهر في الليل ويغيب في النهار، وكذلك الكوكب.

نتيجة مفتراة: الأفول هو الظهور والغياب المتكرر في أوقات محددة لا تتغير، وهي تتم بطريقة منتظمة يمكن التنبؤ بها بسهولة ويسر.

السؤال: لماذا رفض إبراهيم أن تكون هذه ربه مادام أنها تأفل (أي تغيب وتظهر بشكل متكرر ومنظم)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن أبسط أنواع التفكير هو الظن بأن الإله الحق يستحيل أن يغيب فترة ويظهر فترة أخرى بشكل منتظم ومكرر، لذا يستحيل أن يكون الإله هو إله في الليل ثم ما يلبث أن يغيب في النهار أو العكس.

السؤال: لكن كيف عرف إبراهيم أن الإله الحق لا يأفل؟ هل استطاع إبراهيم أن يراقب الإله نفسه؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الذي جعل إبراهيم يتخلى عن هذه الكينونات هو أنه قد رءاها بأم عينه.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان إبراهيم قد رأى ملكوت السموات والأرض، لذا وصل إلى القناعة بأن الإله الحق يستحيل أن يكون كينونة يمكن رؤيتها، فمن كان إله حق يجب أن لا تدركه الأبصار:

ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102) لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105)

فخالق كل شيء يستحيل أن يكون مثله شيء، ولعل من أبسط ما يميز الإله عن الأشياء هو أن لكل شيء ملكوت:

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

فلو كان الله شيئا (كباقي الأشياء) لكان له ملكوت، ولأصبح محطا للأبصار، ولأمكن إدراكه بالبصر، لكن الله هو فاطر كل شيء:

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (46)

ونحن نظن أن فاطر الشيء لا يمكن أن يكون جزء منه، لأن الفطر هو الانفصال التام (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة). فمادام أن الله قد فطر السموات والأرض، لذا فهو قد فصل تلك الكينونات عنه. فالله كينونة ليس كمثله شيء. فمادام أن الله هو فاطر السموات والأرض، لذا يستحيل أن يكون جزء منهن، ويستحيل أن يكون له ملكوت، وبالتالي يستحيل أن تدركه الأبصار.

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: نحن نظن أنه من الاستحالة بمكان أن يكون أي شيء في السموات والأرض هو الإله الحق. انتهى.

ولو دققنا بما قاله إبراهيم، لوجدنا أنه يجلب هذه الفكرة في نهاية كلامه في بحثه عن الإله الحق:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

فإبراهيم قد وجّه وجهه للذي فطر السموات والأرض (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ)، وبالتالي تخلى إبراهيم عن كل ما في السموات والأرض أن يكون هو ربه الحق كالكوكب أو القمر أو الشمس. ولكن ربه الحق هو الذي فطرهن كما جاء قول إبراهيم مرة أخرى في معرض حديثه مع قومه عن ربه وربهم أجمعين:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن الإله الحق هو فاطر السموات والأرض، وهو الذي لا تدركه الأبصار، وهو الذي يَملك ولا يُملك، لذا يستحيل أن يكون له ملكوت، ولكن مادام أن لكل شيء ملكوت، فذلك الملكوت بيده:

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

نتيجة مفتراة: لما رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، أيقن الرجل بأن السموات والأرض لهن ملكوت، لذا يمكن رؤية كل ما في السموات والأرض، لكنه أيقن في الوقت ذاته أن ملكوت السموات والأرض بيد من فطرهن وهو الإله الذي وجه وجهه إليه حنيفا:

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
نتيجة مفتراة: الإله الحق هو الذي لا يرى، لذا يستحيل أن يتخذ إبراهيم شيئا يمكن إدراكه بالبصر كإله.

ويُبنى على هذا الظن معرفة إبراهيم الحقيقة بما في السموات والأرض، وكان أول ما ذكره إبراهيم عن هذه الأشياء الثلاثة التي ظن أنها ربه في البداية هي حقيقة مثيرة للتدبر تتمثل في أن بعضها أكبر من البعض الآخر. فقد أدرك إبراهيم أن الشمس هي الأكبر:

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ ... (78)

السؤال: كيف عرف إبراهيم أن الشمس أكبر؟ وما معنى أن تكون الشمس أكبر؟

رأينا المفترى: غالبا ما ظن القارئ لهذه الآية بأن مفردة أكبر لها علاقة بالحجم، فهو يظن بأن الشمس أكبر من حيث الحجم من القمر وربما من الكوكب. وهذا ما نرفضه جملة وتفصيلا. فنحن نظن (ربما مخطئين) بأن مفردة أكبر لا ترتبط فقط بالحجم، ولكن لها علاقة بالزمن. فصحيح أن مفردة أكبر تقابل مفردة أصغر في النص القرآني:

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61)

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (3)


لكن المفردة نفسها لها علاقة أيضا بعامل الزمن. فهاهم إخوة يوسف ينعتون والدهم بأنه شيخ كبير:

قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)

السؤال: هل يقصد الأولاد أن أباهم شيخ كبير في حجمه؟

وها هن بنات شعيب يصفن والدهن بأنه أيضا شيخ كبير:

وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)

فهل كان القصد أن أباهن كان كبيرا في حجمه؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا. نحن نظن أن "الكبر" هنا له علاقة مباشرة بعامل الزمن. فالكبر قد يصيب الإنسان عندما يتقدم به الزمن:

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266)

نتيجة مفتراة: نحن نظن بأن إبراهيم قد رأى الشمس أكبر لأنها ليست فقط أكبر حجما من القمر ولكن لأنها أقدم زمنيا أيضا.

السؤال: متى حصل إبراهيم على هذا العلم؟ ومن أين حصل عليه؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الآيات التالية ربما تسعفنا (إن نحن فهمناها جيدا) في تسليط الضوء على هذه الجزئية من البحث، قال تعالى:

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56)

فالآيات الكريمة تصور جانبا من الحوار الذي جرى بين إبراهيم من جهة وقومه من جهة أخرى. ولو دققنا في السياق لوجدنا القوم يسألون إبراهيم عما جاءهم به:

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)

وهنا نتوقف لطرح التساؤل المعهود عن مفردات الآية خاصة قول القوم لإبراهيم (أَجِئْتَنَا)، ليكون السؤال هو: لماذا قال القوم لإبراهيم أَجِئْتَنَا؟

ألم يكن إبراهيم فيهم؟ لم قالوا إذن أَجِئْتَنَا؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة المجيء في النص القرآني، لوجدنا على الفور أنها تحمل في ثناياها معنى الانتقال من مكان إلى مكان آخر، قال تعالى:

قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَآئِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113)

وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)

وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78)

وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16)

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58)

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)

وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20)

وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن المجيء يحمل في ثناياه الانتقال المكاني.

السؤال" لماذا قال القوم لإبراهيم (أَجِئْتَنَا)؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن إبراهيم قد غاب عن القوم فترة من الزمن، فهو قد اعتزلهم من ذي قبل، وما أن رجع إليهم حتى طالبهم بترك عبادة الأصنام. ولما كان القوم لا يعرفون المكان الذي كان إبراهيم متواجدا فيه خلال فترة غيابه عنهم، توجهوا إليه بالخطاب التالي:

قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)

فما كان رد إبراهيم على تساؤلهم هذا إلا أن قال:

قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56)

فإبراهيم الآن يعلم أن الله هو فاطر السموات والأرض، وهو على ذلك من الشاهدين. فكيف يشهد إبراهيم على أن الله هو الذي فطر السموات والأرض؟

رأينا المفترى: دعنا نربط هذا السياق القرآني مع السياق القرآني التالي على وجه التحديد:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

ولو دققنا في ذلك أكثر، لربما حق لنا أن نستنبط بأن محاورة إبراهيم لقومه قد جاءت بعد أن رأى إبراهيم ملكوت السموات والأرض، وبعد أن تخلى عن اتخاذ الكوكب والقمر والشمس كرب له، وبعد أن وجّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا.

السؤال: أين تحصل ذلك العلم لإبراهيم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا العلم قد تحصل لإبراهيم في مكان ما خلال فترة غيابه عن قومه.

السؤال: أين غاب إبراهيم عن قومه فترة من الزمن؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن هذا تساؤل كبير جدا، ربما يصعب (نحن نظن) الإجابة عليه إلا أن نفهما تشابه العلاقة بين قصة إبراهيم وقصة محمد من جهة مع قصة فرعون من جهة أخرى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن العلم قد جاء إبراهيم ومحمد (وكذلك بفرعون) بطرق متشابهة جدا مع الإدراك المسبق بأن محمدا وإبراهيم قد قادهم الحصول ذلك العلم إلى الإيمان، بينما قاد الحصول على العلم فرعون على الكفر والنكران. لذا، دعنا نحاول الوقوف على التشابهات في تلك القصص الثلاثة منذ فترة الطفولة الأولى لكل منهم. ولنبدأ بقصة محمد قبل أن تتحصل له الرسالة، أي المرحلة التحضيرية للحصول على الرسالة.

أما بعد،
نحن نفهم أن السورة الكريمة التالية كلها تصور لنا ما حصل مع محمد حينئذ:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

كما نتجرأ على الظن بأن ذلك يتقاطع بشكل كبير مع ما حصل مع إبراهيم وما حصل مع فرعون من ذي قبل. ولكن يجب الـتأكيد أولا أن هذا سيناريو مفترى من خيالنا، قابلا لأن يكون خاطئا،، لكن الهدف الرئيس من طرحه هو فقط محاولة النظر إلى الأمور من زوايا جديدة ربما تفتح لاحقا آفاقا في التدبر لنا بإذن الله وللآخرين إن شاء الله. وفي حالة أنه لم يفتح آفاقا جديدة للتدبر، فلا نتردد بأن نضرب به عرض الحائط، محاولين البحث عن ضالتنا بطريقة أخرى، سائلين الله وحده أن يؤتينا رشدنا، ونعوذ به وحده أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق – آمين.

بداية، نحن نتجرأ على الظن بأن هذه السورة موجهة بشكل مباشر لشخص النبي الكريم، وهي (نحن نظن جازمين) من أوائل ما نزل عليه من القرآن العظيم. لذا، فهي تقدم لنا (إن نحن أحسنّا فهمها) تفصيلا كاملا لحياة النبي الكريم في تلك المرحلة من حياته، الأمر الذي يجعلنا نتوقف عندها فترة من الزمن لنطرح جملة من التساؤلات التي إن استطعنا الإجابة عليها (بحول الله وتوفيقه) ستتضح أمام أعيننا ملامح تلك السيرة العطرة بشيء من التفصيل ربما غير المسبوق، وستفضي لا محالة (إن صحت تصوراتنا طبعا) إلى أفهام جديدة ربما تسعفنا في تحليل سياقات قرآنية أخرى ذات صلة وثيقة بالموضوع، وأخص بالذكر هنا ما حصل مع إبراهيم في مرحلة بداية بعثته وما حصل مع فرعون في مرحلة ما قبل وصوله إلى سدة الحكم على أرض مصر.

التساؤلات

- ما معنى والضحى والليل إذا سجى؟

- وما علاقة هذا ببقية الآيات في السورة نفسها؟

- وكيف نفهم كل آية من آيات هذه السورة القرآنية العظيمة؟

- وكيف يمكن من خلالها أن نخرج بتصور أكثر دقة وتفصيلا لحياة النبي الكريم في مرحلة ما قبل البعثة؟

- كيف يمكن أن نربط ذلك كله بقصة إبراهيم في قومه؟

- كيف يمكن أن نربط ذلك كله بقصة فرعون في قومه؟

- الخ

لو حاولنا أن نتدبر مفردة الضحى كما ترد في النص القرآني، لوجب علينا بداية استعراض جميع الآيات التي ترد فيها هذه المفردة ومشتقاتها على مساحة النص القرآني، ومن ثم محاولة فهم معنى هذه المفردة كما تبينها هذه السياقات القرآنية مجتمعة. وعند البحث عن المفردة نفسها، وجدناها قد وردت في السياقات التالية:

أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

ووجدنا مشتقاتها قد وردت في الآيات الكريمة التالية:

وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)

كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)


السؤال: ما معنى الضحى كما تبينه هذه الآيات الكريمة مجتمعة؟

رأينا المفترى: بناء على فهمنا لما جاء في هذه الآيات الكريمة، فإننا نفتري الظن بأن الضحى هو وقت محدد بذاته، فهو الوقت الذي يمكن أن يقع فيه العذاب الإلهي على قوم من الأقوام (أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا)، وهو الوقت الذي يمكن أن يحدث فيه اللعب (أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ)،. ولو دققنا أكثر، لوجدنا بأن وقت الضحى هو الوقت الذي يقع فيه المكر الإلهي:

أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)

وربما من هذا الباب (نحن نظن) جاء اختيار موسى موعد اللقاء فيه مع فرعون وسحرته:

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

فاختيار موسى بنفسه لهذا الوقت بالذات (ليكون هو الموعد بينهم) لم يكن غير مخطط له أو أنه قد جاء من قبيل المصادفة. فموسى (نحن نؤمن) يعلم السنة الإلهية بوقوع العذاب على الظالمين، وهو يعلم - لا شك عندنا- أن وقت وقوع العذاب على الظالمين هو نفسه وقت نجاة المؤمنين. ففي ذلك الوقت بالذات يقع الحق ويبطل الباطل ولو كره الكافرون، وليس أدل على ذلك من الموعد الذي حدده رسل ربك عندما جاءوا عبد الله (لوط) لإيقاع العذاب في قومه:

قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

إن مراد القول هنا (نحن نتجرأ على الظن) بأن الضحى مرتبط بالشمس (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا)، وهذا الوقت هو وقت بزوغ الشمس، وفي ذلك الوقت بالذات تبدأ قطرات الندى بالتساقط بعد عملية التكثيف الذي يحصل لبخار الماء في وقت الصباح الباكر مع بداية وصول أشعة الشمس الدافئة للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة حول ما جاء في الآيات الكريمة التالية الخاصة بسكن آدم وزوجه الأول في الجنة:

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

حيث افترينا القول آنذاك بأن مفردة تَضْحَى تعني خروج السائل من الجسم بالتبول بعد تجمعه.

إن ما يهمنا طرحه في هذا السياق هو ارتباط الآية الأولى في سورة الضحى بالآيات التالية في السورة ذاتها:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

فالنهار هو الذي يجلي الشمس (أي يظهرها جلية للعيان) والليل هو الذي يغشي الشمس (فيغطيها عن أعين الناظرين):

وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4)

فالليل والنهار (نحن نتصور) كما الستارة أو البرداية بالدرجة الأردنية (أو curtains بالمفردات الإنجليزية) التي تضعها على شباك الغرفة وتحركها بالخيط بشكل تدريجي ومنتظم. فعندما يسحب الخيط الأسود يبدأ الليل يسدل سواده على الأرض وذلك بحجب أشعة الشمس شيئا فشيئا حتى يغطي الشمس كاملة، فيحل الظلام. وعندما يسحب الخيط الأبيض يودي ذلك إلى انكشاف البرداية السوداء عن الشمس شيئا فشيئا، فيكون ذلك تجلية للشمس، وظهور النهار المبصر. ويكون ذلك هو الإيلاج، أي يلاج الليل بالنهار وإيلاج النهار بالليل:

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6)

والضحى (وهو برأينا) الوقت السابق لتجلية الشمس تماما وقت النهار حيث يكون النهار مبصرا:

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67)

فهو الوقت الذي تبدأ فيه ستارة الليل الولوج (الدخول التدريجي) في ستارة النهار، فيبدأ النهار بالظهور شيئا فشيئا.

ومن هذا الباب (نحن نرى) سميت الأضحية بهذا السبب، وذلك لأنها تنحر في ذلك الوقت على وجه التحديد:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (2) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)
السؤال: ما علاقة هذين الوقتين (الضحى من جهة والليل إذا سجى من جهة أخرى) مع ما جاء بعدها مباشرة؟

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

لو دققنا في الآية الثالثة، لوجدنا البيان الإلهي بأن رب محمد ما ودع نبيه وما قلى. ليكون السؤال الآن هو: ما علاقة هذا بذاك؟ أي ما علاقة البيان الإلهي بأنه ما ودعه ولا قلى بالضحى والليل إذا سجى؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذين الوقتين هما الوقتان اللذان يفتر فيهما الوحي. فما بين فترة الضحى (مع ذهاب الليل وقدوم النهار المبصر) إلى الوقت الذي يسجي الليل (أي يبدأ الليل يغشى النهار) تنقطع علاقة الرسول بالوحي. لكن البيان الإلهي جاء لمحمد بأنه بالرغم من انقطاع الوحي في هذين الوقتين (كما نتصور نحن ربما مخطئين) إلا أن ربه ما ودعه وما قلى. وذلك لأن الله بين لنبيه الكريم أنه دائم المراقبة له:

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)

إن ما يهمنا طرحه هنا هو أن الاتصال المباشر للنبي بالوحي كان في الليل، لكن خلال النهار عندما يبدأ الضحى وحتى بداية الليل عندما يسجي تكون هناك مراقبة دائمة للنبي حتى بانقطاع الوحي عنه. ومن هنا (نحن نظن) جاء البيان الإلهي للنبي بأن لا ينظر إلى فترة انقطاع الوحي عنه فيما بين هذين الوقتين بأنه توديع له (فهو معه بشكل دائم) كما أن ذلك لا يقع في باب القلى.

السؤال: ما معنى عبارة (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ

السؤال 2: ما معنى عبارة (وَمَا قَلَى )؟

أما عبارة مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ فهي برأينا تخص الفراق بين طرفين. فعندما يريد أحد الطرفين المتواجدين في مكان ما ترك هذا المكان والانتقال إلى مكان آخر (كما في حالة السفر)، يحصل وداع بينهما. فالمفردة بحد ذاتها تحمل في ثناياها معنى حصول اللقاء مسبقا. فيستحيل (نحن نظن) أن يحصل الوداع إذا لم يكن الطرفان متواجدان معا قبل الوداع.

فعند لقاء موسى ربه في الواد المقدس طوى، كان هناك موعد بين الطرفين:

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51)

ولما حصل اللقاء استمر لفترة محددة من الزمن، ثم كان لابد من نهاية لهذا اللقاء، فلابد أن نهاية اللقاء تكمن على وداع؛ فعندما يُضرَب موعد للقاء يكون ذلك على نحو (واعد) وعند نهاية اللقاء يكون ذلك وداع. ولو حاولنا النظر إلى ذلك من خلال الرسم القرآني (وهو ما لا أحبذ الدخول في تفصيلاته كثيرا قبل نضوجه ليرقى إلى مستوى العلم القابل للتطبيق العملي)، لربما تجرأنا أن نشط بالخيال لنفتري القول من عند أنفسنا بأن رسم حرف العين (عـ) يحمل في ثناياه معنى الرؤية (المقابلة وجها لوجه) وأن حرف الدال (د) يحمل في ثناياه تحول الروية (الفراق وتولي الوجه إلى جهة معاكسة تماما). لذا فإن مفردة "وعد" تفهم على نحو رؤية بعد غيبة، بينما مفردة "ودع" تحمل في ثناياها معنى الغياب بعد اللقاء.

نتيجة مفتراة: كان البيان الإلهي للنبي يحمل في ثناياه أن غياب الوحي عنه في فترة انقطاعه خلال النهار يقع في باب الوداع. فرب محمد لم يودعه في ذلك الوقت.

أما عبارة ما قلى، فنحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنها صيغة الفعل الماضي المسند إلى ضمير الغائب "هو" (كما يحب النحويون تسميته) للفعل قلّ الذي يرد في الآيات التالية:

لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (7)

فالقلة هي إذن عكس الكثرة:

وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41)

فالفعل الماضي قلّ إذا جاء منسوبا لشخص، فإنه يصبح على نحو قلى. وإذا جاء على صيغة الفعل المضارع، فإنه يصبح على نحو ما جاء في الآية الكريمة (يقلل)

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ (44)

السؤال: كيف إذن نفهم الآية الكريمة:

مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3)

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا تبيان للنبي بأن انقطاع الوحي عنه في فترة النهار لا يقع في باب الوداع التام (كما أسلفنا) ولا يقع أيضا في باب التقليل من الاتصال معه.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: إن هذا الظن (ربما غير الدقيق) يحمل في ثناياه الافتراء الخطير التالي: كان النبي في حالة اتصال مباشر بالوحي في الليل، وكان الوحي ينقطع عنه بالنهار ولكنه يبقى مراقبا مراقبة دائمة:

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)

السؤال: أين كان يحصل الاتصال المباشر لمحمد بالوحي؟

رأينا المفترى: لما كان محمد يتيما، كان من المفترض أن يكون هناك من يتولى رعايته، فمن الذي تولى رعاية هذا اليتيم حتى اشتد ساعده وأصبح قادرا على إعالة نفسه؟

رأينا المفترى: لو رجعنا إلى سيرة محمد قبل بعثته كما وردتنا من عند أهل الدراية على لسان أهل الرواية، لربما وجدنا فيها من الغرابة ما قد يثير الشكوك حول تلك الروايات التي تعرضت لسيرته منذ ولادته وحتى بعثته. لذا سنحاول جاهدين أن ننسج خيوط القصة من جديد، ظانين أن هناك الجديد الذي يمكن أن نقدمه، لكن لا نستثني في الوقت ذاته احتمالية أن نقع في بعض الأخطاء. لذا، نحن نطلب من القارئ الكريم أن ينظر إلى رأينا هذا بعين لرللبعين الناقد للأفكار وليس بعين المقلد الذي ربما يرضى بكل ما يقرأ.

وحتى نستطيع نسج خيوط القصة من جديد، فإننا سنبدأ بطرح كل التساؤلات الممكنة، سواء تلك التي ربما نجد لها بعض الإجابات في كتب السيرة أو تلك التي لا نجد لها إجابات. فالغاية هي تشكيل صورة أوضح للأحداث في ذهن القارئ لتلك السيرة الكريمة، وبالتالي الخروج من بعض المتناقضات التي ربما تربك الباحث عن الحقيقة بغض النظر عن خلفيته ودوافعه.

تساؤلات
- من هو محمد؟

- من والده؟

- من والدته؟

- كيف تزوج والده بوالدته؟

- من هو أب محمد؟

- من هي أمه؟

- لماذا كانت له مرضعة؟

- لماذا كانت له مربية؟

- من الذي كفله بعد موت والده ووالدته؟

- هل تكفل به أحد من أهله (بني عبد المطلب)؟

- هل تكفل به أحد من عشيرته الأقربين (بني هاشم)؟

- لماذا رعى الغنم في غير عشيرته؟

- لماذا تزوج بخديجة على وجه التحديد؟ (رعاية الأيتام والتقرب من ورقة بن نوفل)؟

- لماذا كان يلجأ إلى الغار حتى بعد زواجه؟

- الخ

ربما لا نجد الكثير من التفاصيل في كتب السيرة عن قصة زواج والد النبي (عبد الله بن عبد المطلب) بوالدة النبي (آمنة بنت وهب) على وجه التحديد. فجل ما نجده عن هذا الزواج هو اسم الزوج (عبد الله) واسم الزوجة (آمنة). لكن قلما نعرف عن تلك المرأة التي تزوجها ذلك الرجل، وبكلمات أكثر دقة، نحن نظن أنه قلما نجد إجابات مرضية للتساؤلات التالية: متى تزوجها عبد الله؟ لماذا تزوجها؟ من هي من حيث النسب؟ لماذا كانت من خارج مكة؟ لِم لم يتزوج من بنات مكة؟ كيف حصل الزواج مادام أنها ليست من أهل مكة؟ كيف تعرف عليها زوجها؟ من هي عائلتها الضيقة (كاسم أبيها وأمها وإخوانها وأخواتها)؟ كم لبثت مع زوجها في مكة؟ لماذا لم تمكث في مكة بقية حياتها؟ لِم لم تتزوج من رجال مكة (وخاصة من بيت عبد المطلب أو بني هاشم) بعد موت زوجها؟ لم عادت إلى أهلها بني النجار (كما تقول مع الروايات) بعد موت زوجها؟ لِم لم تأخذ طفلها معها؟ لم تركت امرأة أخرى ترضع لها طفلها؟ لم عادت إلى مكة بعد فترة من الزمن؟ لماذا كان للنبي مربية مادامت أمه على قيد الحياة؟ ما الذي حصل في طريق عودتها إلى مكة بعد غياب عنها؟

وعند البحث في قضية إرضاع الطفل محمد، نجد في كتب التراث العجب العجاب، مما يدفعنا إلى إثارة تساؤلات لا تقل إثارة عن سابقتها مثل: لِم كان لمحمد مرضعة غير أمه؟ لِم لم ترضعه أمه بنفسها؟ فلم تقبل امرأة (أي امرأة) توفي عنها زوجها أن تترك طفلها الوحيد فترة طويلة من الزمن في يد امرأة أخرى لترضعه لها؟ ألم يكن الأولى أن ترضع هي بنفسها طفلها الوحيد؟ ألم تكن مدفوعة بعاطفة الأمومة؟

ولو تعرضنا لفكرة إرضاع النبي من قبل من تسمى بحليمة السعدية كما جاء في كتب التراث، لأثرنا حول القضية عدة تساؤلات، نذكر منها: لِم كان محمد من نصيب هذه المرأة بالذات؟ كيف نفهم أن المرأة قد أشفقت على هذا الطفل فآثرت أن تعود به بدل أن تعود خالية اليدين؟ ولم أصلا كان الناس يرسلون أولادهم مع المرضعات؟ وهل فعلا كان كل الأطفال في مكة يرسل بهم إلى البادية مع المرضعات؟ ماذا كانت إذن تفعل نساء مكة حينئذ؟ وهل فعلا كانت تنشأ علاقة أمومة حقيقية في أرض مكة مادام أن النساء كن يبعثن بكل أطفالهن مع المرضعات؟!

وإذا دققنا أكثر في حادثة الرضاعة، فإننا نثير بعض التساؤلات الغريبة من مثل: إذا كان محمد مولود لبني عبد المطلب، فلم نجد أن كتب السيرة تخبرنا بأنه لم يجد من يدفع لمرضعته أجر الرضاعة؟ فلم أشفقت المرأة عليه وآثرت أن تأخذه حتى دون أجر كغيرها؟ هل عجز عبد المطلب (كسيد من سادات مكة) أن يدفع لمرضعة حفيده (خاصة أن والده قد مات قريبا)؟ إذا كان عبد المطلب عجز عن ذلك، فلم لم يدفع له أعمامه العشرة (كأبي طالب والعباس وحمزة وأبي لهب وغيرهم) كما جاء في كتب التراث؟ هل عجزت هذه العائلة التي تصورها لنا كتب التراث على أنها من أرقى عائلات مكة حسبا ونسبا أن يدفعوا لمرضعة ابنهم الطفل الصغير الذي فقد والده للتو؟ الخ.

ما رأيكم أن نترك القصص المنسوجة في كتب التراث، ونحاول إعادة نسج خيوط القصة بطريقة جيدة، ربما تكون (برأينا) أكثر وجاهة وإن كنا لا نستثني احتمالية الخطأ في التصور.

أما بعد

نحن نظن أن زواج والد النبي (عبد الله بن عبد المطلب) بوالدة الرسول (آمنة بنت وهب) فيها من الغرابة ما يستدعي الانتباه، ليكون السؤال الأول هو: من هي والدة النبي آمنة بنت وهب هذه؟

رأينا المفترى، لعل أرجح الأقوال التي وصلتنا تتمثل في أن آمنة بنت وهب هي من بني النجار من يثرب. ولو دققنا في اسمها، لوجدنا بأن الاسم ليس من الأسماء المألوفة عند العرب. فالاسم "آمنة" هو – نحن نرى- من الأسماء ذات الطابع الديني المسيحي واليهودي، وأن الاسم "وهب" هو من الأسماء التي كانت شائعة عن اليهود. وليس أدل على ذلك من بعض أسماء أحبار اليهود كـ وهب بن منبه مثلا. ولعل قصة زواج عبد الله بهذه المرأة يدل على أن الرجل كان منفتحا على ثقافات الآخرين، فرحلاته بين أرض الشام وأرض الحجاز، ومروره في يثرب كان لها طابعا ثقافيا، اكتسب من خلالها الرجل علما بثقافات وديانات الشعوب الأخرى. فنحن نتخيل أن الرجل لم يكن يخرج في هذه القوافل التجارية لغايات اقتصادية بحتة فقط وإنما أيضا لغايات علمية معرفية. فكان الرجل مخالطا لهذه الشعوب، محاولا التعرف على ثقافاتها ودياناتها. فكان محبا لها، وليس أدل عن حبه لها من أنه آثر الزواج منهم، مبتعدا بعض الشيء عن الأعراف السائدة في مكة آنذاك. فالمجتمع المكي كان مجتمعا عشائريا يرفع من قيمة العشيرة ويعلي من فكرة الأنساب.

تخيلات غريبة: لما رجع الرجل في إحدى حملاته خارج الجزيرة مصطحبا زوجة له من أهل تلك الديار التي حط ترحاله بها، وجد أهله أن هذا التصرف ربما لا يتماشي كثيرا مع تقاليد الآباء والأجداد. فقد نظروا إليه نظرة الخارج عن التقاليد والأعراف السائدة في مكة. فما لاقى زواجه ذاك (نحن نتخيل) كثيرا من الترحاب من أهل مكة وخاصة من أهله وعشيرته المقربين. وما أن أنجبت هذه المرأة طفلها الأول حتى كان الوالد خارج البلاد وقد وافاه الأجل هناك.

السؤال: ما الذي كان يجب أن يحصل في مثل هذه الظروف؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو دققنا في القصة في سياقها التاريخي والاجتماعي حينئذ، لوجدنا أن الحل الأمثل في مثل تلك الظروف هي أن يصار إلى أن تتزوج تلك المرأة بواحد من أهل الرجل أو عشيرته المقربين، لتبقى في أهل زوجها خاصة أنها قد أنجبت طفلا يعود في نسبه إلى هذه العشيرة. فلم لم تتزوج المرأة بواحد من أهل مكة وخاصة من أبناء عبد المطلب أو بني هاشم؟ نحن نسأل.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن المرأة قد رفضت الزواج بأحد من أبناء عبد المطلب أو بني هاشم أو حتى من أهل مكة وذلك لسبب عقائدي. فلقد كان من المفترض (نحن نتخيل) أن ترضى المرأة بالزواج بواحد من أهل مكة لتبقى قريبة من طفلها، فلم لم يحصل ذلك؟

تخيلات مفتراة: لما كانت المرأة (نحن نتخيل) على عقيدة غير عقيدة أهل مكة (وهي العقيدة الوثنية)، لم تكن لترضى بأن تتزوج بمن كان وثنيا حتى لو كان ذلك على حساب أن تترك ولدها وتعود إلى أهلها في يثرب. لكن عودتها هذه لم تكن ممكنة بصحبة ولدها، وذلك لأن أهل الطفل لم يكونوا ليقبلوا إرسال ولدهم معها خاصة أنهم يعرفون أن الولد سينشأ في بيئة عقائدية تختلف عن عقائدهم في مكة. لذا كانت المفاوضات معها على أساس أن تعود إلى أهلها بنفسها (مادامت غير راغبة في الزواج بأحد من رجالات مكة) وتترك الولد في أهله في مكة. وبالفعل فعلت، فرجعت المرأة إلى أهلها، وكان لابد من أن ينتقل الولد إلى من ترضعه في أهله.

السؤال: هل كان كل طفل في مكة يرسل مع مرضعة في البادية؟ هل فعلا كان الهدف أن يتعلم الطفل البلاغة والفصاحة؟

رأينا المفترى، كلا وألف كلا. لم يكن كل أطفال مكة يرسلون إلى البادية للرضاعة. ولم يكن الهدف هو أن يتعلم الطفل الفصاحة والبلاغة لعدة أسباب، نذكر منها:

أولا، هل من الضروري أن تبعث كل والدة بولدها إلى البادية ليرضع من غيرها؟ هل فعلا لم تكن نساء مكة يرضعن أطفالهن أطلاقا؟ ماذا لو آثرت أم من نساء مكة أن لا تبعث بولدها؟ هل كانت تُجبر على أن تبعث بولدها مع المرضعات؟ وهل كانت الولادة في مكة تحدث في فصل محدد من السنة وهو الفصل الذي تأتي فيه المرضعات؟ وماذا لو حصلت ولادة لطفل (وهذا لا محالة أكيد) بعد رحيل المرضعات بيوم أو يومين أو أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين؟ أليست الولادة في مكة (كما في غيرها) على طول أيام السنة؟

ثانيا، لم يكن الهدف من إرسال الأطفال للرضاعة في البادية من أجل تعلم الفصاحة والبلاعة، وذلك لأن الأطفال الذين أرسلوا إلى البادية يعودون من هناك بعد سنة أو سنتين أو ثلاث على أقصى تقدير، وهذا العمر لا يتيح للأطفال أصلا تعلم الفصاحة والبلاغة بعد، فسن انطلاق اللسان بالكلام يحصل بعد هذه الفترة. فالطفل ذو السنتين أو الثلاثة لم ينطلق لسانه بعد بالبلاغة والفصاحة. فتعلم اللغة يبدأ بعد أن يعود الطفل من البادية في مشوار الرضاعة. ولو كان ما ذكره أهل الدراية عن تعلم الفصاحة في البادية صحيحا، لكان الأولى أن يرسل الطفل إلى البادية بعد أن ينهي فترة الرضاعة ويبدأ لسانه ينطلق بالكلام؟ ولو كان ما قاله أهل الرواية صحيحا، لربما حق لنا أن نسأل: لِم لم ينزل القرآن في أهل البادية وهم أهل الفصاحة؟ فكيف ينزل القرآن في أهل مكة وهم من كانوا يرسلون أطفالهم (كما تقول الرواية) عند أهل الفصاحة في البادية؟ فمن أحق بالتحدي البلاغي المزعوم أهل مكة (المتعلمون) أم أهل البادية (المعلمون)؟ من يدري؟!!!

السؤال: كيف يمكن أن نتصور قصة إرسال الأطفال إلى البادية للرضاعة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن إرضاع الطفل في مكة لا يختلف عن إرضاعه في أي مكان آخر على وجه الأرض، وأن إرضاع الطفل في ذلك الزمان لا يختلف كثيرا عن إرضاعه في كل وقت وحين. فالأم هي الأولى بأن ترضع طفلها، ولا يمكن أن تقبل الأم بأن ترضع لها أخرى إلا لسبب مانع حقيقي. فمتى يمكن أن تسند رضاعة الطفل إلى غير أمه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن إسناد الرضاعة لغير الوالدة الحقيقية لا يتم إلا لأسباب مانعة مثل:

- وفاة الأم بعد الولادة

- غياب الأم عن المكان بالسفر

- مرض يصيب الأم فلا تقوى بسببه على إرضاع طفلها.

- الخ

السؤال: لماذا كانت المرضعات يقدمن إلى مكة في فصول محددة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن المرضعات كن يقدمن إلى مكة في فصول محددة للتكفل بإرضاع الأطفال اللذين لم تقدر والداتهم على إرضاعهم لسبب من الأسباب المانعة كالتي ذكرناها آنفا.

السؤال: لماذا تم إرسال محمد للرضاعة؟

رأينا المفترى: لأن أمه لم تكن موجودة في مكة حينئذ. انتهى.

السؤال: لم لا تصدق الرواية الموجودة في كتب التراث والتي مفادها أن والدة محمد لم تكن قادرة على إرضاع طفلها بسبب نقص اللبن في ثدييها؟

رأينا المفترى: لو عدنا إلى الرواية نفسها في كتب التراث، لوجدنا تصور لنا أن البركة قد دبت في ثديي مرضعته بمجرد أن أخذت الصبي معها، لا بل أن البركة قد دبت حتى في أنعام ودواب القوم، وأن البركة قد نزلت في أرضهم بمجرد قدوم الطفل إليهم. ليكون السؤال: هل الذي دب البركة في هذه المرأة (المرضعة) كان عاجزا أن يدب مثل تلك البركة في ثدي والدته الحقيقية؟ فلم يدب البركة فيمن تكفل الصبي ولا يدب البركة في ثديي أمه نفسها؟ من يدري؟!!!

السؤال: لم تخبرنا كتب التراث أن محمد كان آخر الأطفال الذين وجدوا له مرضعة؟ ولم تخبرنا كتب التراث أن تلك المرأة قد أشفقت عليه بالرغم أنها لم تجد من يدفع لها؟ أليس هو حفيد عبد المطلب (سيد مكة وزعيمها)؟ ألم ينحر عبد المطلب عشرات الإبل (كما تقول كتب التراث) لمولد والد النبي عبد الله؟ ما بال الرجل الآن لا يجد ما يدفعه لقاء إرضاع حفيده؟ وإذا عجز عبد المطلب عن الدفع، لِم لم ينبري من أبنائه الكثيرين من يسد عن والده؟ أليس له تسعة من الأبناء (غير عبد الله) كأبي طالب وأبي لهب والعباس وحمزة وغيرهم؟ ألا يستطيع هؤلاء فرادى أو مجتمعين أن يدفعوا لقاء إرضاع ابن أخيهم؟ فأين صلات القرابة التي كانت تحرص عليها عائلات مكة العريقة كعائلة عبد المطلب على وجه الخصوص وبني هاشم عامة؟

السؤال: ما الذي حصل على أرض الواقع إذن؟ نحن نتجرأ على طرح السؤال المحير هذا.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن بني عبد المطلب خاصة وآل هاشم عامة لم يكونوا مسرورين بقدوم الطفل محمد من هذه المرأة الغريبة عليهم وعلى ثقافتهم وعلى عقيدتهم. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن محمدا في طفولته لم يلق الاهتمام الكافي إلا ربما من قبل جده عبد المطلب. فعبد المطلب كان يعامل ولده عبد الله معاملة خاصة ربما تختلف عن معاملته لبقية أبنائه الآخرين، الأمر الذي سبب للأخوة الضيق والحرج مع والدهم. فأبناء عبد المطلب لم يكونوا أكثر حكمة ولا ورعا من أبناء يعقوب الذين كادوا لأخيهم. لذا، عندما مات عبد الله خارج مكة، لم يكن هذا ليدفعهم أن يهتموا بزوجته وبولده الاهتمام اللازم. فما تقدم أحد منهم لأن يتزوج من الأرملة، وما تقدم أحد منهم لأن يضع محمدا بين أبنائه في عائلته الضيقة. لذا، كان الحل الأمثل لعبد المطلب أن يبحث عن مرضعة لهذا اليتيم في خارج حدود مكة. وبالفعل، أرسل الطفل اليتيم مع هذه المرضعة، فكان ذلك من باب درء المشاكل التي يمكن أن تنشب في بني عبد المطلب بوجود هذا الطفل اليتيم فيهم. فأبوه قد مات وأمه قد رحلت من الديار، فكان محمد يتما.

السؤال: من الذي آوى محمدا اليتيم في مكة في غياب والده ووالدته؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن أحد من أهل محمد لم يتكفل بهذه المهمة إطلاقا، فعبد المطلب لا يستطيع (كشيخ كبير) أن يقوم بالمهمة غير أن يجد له مربية كما وجد له مرضعة من ذي قبل، فكان لمحمد مربية وحاضنة هي أم أيمن بركة (كما تقول كتب التراث). ولو تكفل أحد من أبناء عبد المطلب بتلك المهمة في بيته أو أحد من آل هاشم، لما دعت الحاجة (نحن نرى) أن يكون له مربية في غير بيوتهم.

السؤال مرة أخرى: من الذي آوى محمدا اليتيم في طفولته؟

جواب مفترى: نحن نعتقد جازمين أن الذي تكفل بتلك المهمة هو الله. انتهى.

الدليل

دعنا نعود إلى النص القرآني نفسه، لنبحث فيه عن إجابة لهذا السؤال. قال تعالى:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

لو دققنا في هذه السورة الكريمة، لخلصنا إلى النتيجة التي لا يمكن المجادلة فيها وهي أن الله هو من وجد محمدا يتيما (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا) فآواه (فَآوَى). لذا، دعك عزيزي القارئ الكريم – إن شئت- من الروايات التراثية، وتعال بنا لنفهم كيف آوى الله محمدا عندما وجده يتيما.

أما بعد،

إن من أبجديات فهم النص القرآني هو التعرض لمعاني مفرداته، وأول مفردة وجب علينا تدبرها هنا هي مفردة (فَآوَى)، ليكون السؤال الحتمي الأول: ما معنى هذه المفردة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لقد تعرضنا لهذه المفردة في مقالات سابقة لنا خاصة عن الحديث عن قصة ابن نوح الذي قال لوالده:

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

وعند الحديث عن قصة أصحاب الكهف عندما أوى الفتية إلى الكهف:

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)

وكذلك عند الحديث عن مريم ابنت عمران وابنها المسيح عيسى بن مريم:

وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)

وقد خلصنا إلى القول حينئذ أن الإيواء يتم إلى مكان مرتفع كالجبل (في حالة ابن نوح) أو الكهف (كما في حالة الفتية) أو إلى ربوة (كما في حالة مريم وابنها).

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأنه عندما وجد الله محمدا يتيما، كان التدبير الإلهي هو أن يأوي نبيه إلى مكان مرتفع، فبدأت هناك قصة محمد مع غار حراء.

السؤال: أين يقع غار حراء؟

جواب مفترى: لو بحثت في أي محرك بحث عن هذا المكان، لوجدت الكثير عنه، لكن ما يهمنا من الأمر هو أن هذا الغار يقع في مكان مرتفع من جبل يقع إلى الشرق من مكة ويبعد عنها ما يقرب أربعة إلى خمسة كيلومترات. أي أن المكان ليس بعيدا عن قلب المدينة التي ولد فيها النبي الكريم، فأصبح هو ذلك المكان الذي كان يأوي إليه محمد قبل بعثته.

السؤال: لماذا كان محمد يأوي إلى ذلك الغار ويغيب فيه عن مكة فترات طويلة من الزمن؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن محمدا كان يتيما، فما وجد في بيتا في مكة يؤويه، فكان هو ملاذه ومكان معيشته.

السؤال: متى حصل ذلك؟

رأينا المفترى: لما عادت حليمة بالطفل محمد من رحلة رضاعته، ولمّا توفيت والدته آمنة في طريق عودتها إلى مكة، ولما تُوفي جده عبد المطلب، لم يجد محمد بيتا من بيوت مكة ليسكن فيه، فكان ذلك الغار هو ملاذه ومسكنه.

السؤال: من الذي دلّه على ذلك المكان؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن جازمين أن ذلك كان تدبيرا إلهيا لمحمد، فهو الذي آواه إلى ذلك المكان.

كيف تتخيل حياة محمد في ذلك الغار؟ ولم كانت الحكمة الإلهي على ذلك النحو؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل يكمن في الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34)
وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلاَّ تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلاً (2) ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)

السؤال: ما علاقة هذه الآيات بموضوع النقاش عن محمد؟

رأينا المفترى: لعلّ السؤال الذي ربما حيّر الكثيرين هو: كيف وصلت النبوة أولا والرسالة بعد ذلك إلى محمد؟

لو دققنا في الآيات السابقة، لربما حق لنا أن نستنبط بأن النبوة هي ذرية بعضها من بعض. فهل كان محمد من ذرية النبوة السابقة؟

رأينا المفترى: نحن لا نستبعد إطلاقا أن يكون محمد نفسه من ذرية النبوة السابقة، وهنا يبرز السؤال الحتمي وهو: كيف يمكن أن نفهم بأن النبوة ذرية بعضها من بعض ليكون محمد من ذرية تلك النبوة؟

جواب مفترى: نحن نظن بأن النبوة قد وصلت محمد عن طريق والدته، وأن العلم الذي تحصل لمحمد كان جله من عند أمه. انتهى.

الدليل

لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الرسول كان رسولا أميا:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)


وأنه قد بعث في الأميين:

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (2)

السؤال: من هم الأميون أصلا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الأميين هم الذين كانوا من أم القرى وما حولها:

وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92)

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)

السؤال: هل فقط كان الأميون هم قريش (أهل مكة)؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن الأميين لا ينحصرون في أهل مكة فقط، ولكنها تشمل أيضا جزء من أهل الكتاب. فالآيات الكريمة التالية تبين لنا ما كان يفعله أهل الكتاب من تحريف لما ينزل من ربنا:

أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (76) أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78)

فالآيات الكريمة تبين بأن الأميين ليسوا محددين بأهل مكة، ولكن جزء من أهل الكتاب هم أميون. ليكون السؤال الآن من هم الأميون الذين بعث الله محمدا فيهم؟

جواب مفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)

لوجدنا على الفور أن محمدا منهم، لكنه في الوقت ذاته من أنفسهم:

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (164)

والآن نصل إلى السؤال المتضارب ظاهريا التالي: كيف يكون محمد منهم وهو في الوقت ذاته من أنفسهم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن هناك فرق بين الشخص ونفسه. فالشخص هو الكينونة الذكرية، بينما النفس هي الكينونة الأنثوية، قال تعالى:

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)

فمحمد (كشخص) – كأي شخص آخر- مكون من كينونتين: ذكرية (هو Y) وأنثوية (X)، فمحمد الكينونة الذكرية (Y) ينتمي إلى الأميين قريش، فأبوه عبد الله من قريش، لكن نفسه (X) من الأميين من أهل الكتاب. فكان محمد رسولا منهم (أميين مكة):

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)

وهو في الوقت ذاته من أنفسهم (أميين أهل الكتاب):

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (164)

لذا، جاء ذكر محمد على لسان عيسى بن مريم:

وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)

تخيلات مفتراة: كان العلم متوافرا عند المؤمنين من أهل الكتاب بأن هذا الرسول الذي يجدونه مكتوبا عندهم هو من أنفسهم، فكانوا يتوقعون أن يكون منهم، لكن فاتهم أن هذا الرسول ليس منهم:

رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: علينا أن نفرق بين أن يكون الرسول من قوم وفي الوقت ذاته هو من نفس المؤمنين. ليكون السؤال هو هل كان أهل مكة من المؤمنين حتى جاء التبيان الإلهي أن محمد قد بعث أصلا في المؤمنين:

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ (164)

فهل كان أهل مكة أصلا من المؤمنين؟ وهل بعث محمد في مكة أصلا في المؤمنين؟ وهل كانت بعثة محمد محصورة في أهل مكة؟ وهل كانت محصورة في المؤمنين من أهل الكتاب؟

جواب مفترى: كانت بعثة محمد للناس كافة، للمؤمنين من أهل الكتاب وكذلك لغير المؤمنين كأهل مكة.

السؤال: كيف يمكن التوفيق بين ذلك؟

رأينا المفترى: لم يكن محمد (ككينونة بشرية) من أهل مكة، أي لم يكن والدته ووالده من أهل مكة، وبالوقت ذاته لم يكن محمد ككينونة بشرية من الأميين من أهل الكتاب، فوالدته ووالده ليسوا من الأميين من أهل الكتاب. فكان محمد لنقل "مزيجا" من هؤلاء وهؤلاء. فكانت كينونته الذكرية من الأميين من أهل مكة وكانت نفسه من الأميين من أهل الكتاب. فهو حلقة الوصل بين الطرفين. فجزء منه ينتمي إلى الأميين من أهل مكة، وهذه هي الجزئية الذكرية (Y)، وهذا هو انتماؤه الأبوي (عبد الله بن عبد المطلب)، لكن جزءه الآخر (أي نفسه) من المؤمنين الأميين من أهل الكتاب. وهذا هو انتماؤه الأمي (آمنة بنت وهب)

السؤال: ما الحكمة الإلهي من أن يكون محمد منتميا إلى الأميين من الطرفين (الأميين من أهل مكة والأميين من المؤمنين من أهل الكتاب)؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن هذا تدبير إلهي لتورية الأنظار عن هذا الطفل (مشروع النبي القادم).

السؤال: وكيف يكون ذلك؟ هل يمكن أن توضح أكثر؟ يسأل صاحبنا متعجلا الإجابة كعادته.

رأينا المفترى: لما ظن أهل الكتاب بأن الرسول القادم المكتوب عندهم في التوراة والإنجيل هو من أنفسهم:

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

ظنوا (مخطئين) بأن هذا الرسول سيكون منهم. فكانوا ينتظروه في واحد أبنائهم. ولا شك أن في هؤلاء كان قتلة الأنبياء، ولو حصل أن ظهر النبي فيهم، لما كان مصيره أفضل من مصير عيره ممن سبقوه من أنبياء الله ورسله (كعيسى بن مريم مثلا):

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُواْ إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ اللّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ (112)

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157)


فانطلى عليهم المكر الإلهي:

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)

فكان ذلك حفظا إلهيا لمحمد كما حفظ موسى في بيت عدوه:

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

أما أهل مكة (الوثنين)، لم يكن ليخطر ببالهم أن نبيا سيخرج فيهم. فذرية النبوة في بني إسرائيل. لذا، لم يلقوا بالا لهذا الطفل اليتيم، فتوارى عن أنظارهم بتدبير إلهي بأن جعل قلوبهم لا تهوى إليه، فما آووه في بيوتهم، فكان الله هو من آواه، فكان مكان سكنه هو ذلك الغار:

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)

فحتى أكثر المقربين له (بنو عبد المطلب خاصة وبنو هاشم عامة) لم يكونوا هم من دبروا لهذا الطفل اليتيم المأوى في بيوتهم. وليس أدل على ذلك من قصة رعيه لأغنام غيرهم (كما تقول الرواية). فلو كان بنو هاشم يعترفوا بنسب محمد لهم اعترافهم بنسب أي ولد يولد فيهم لما تركوه (وهم سادة مكة كما تقول الرواية) ليرضوا بأن واحدا من أبنائهم يرعى الغنم أجيرا عند غيرهم. ليكون السؤال: لماذا رضي سادات مكة من آل هاشم أن يتركوا ولدهم يرعى الغنم أجيرا عند عيرهم؟ ولماذا رضي بنو عبد المطلب أن يدعوا ولدهم الذي يبلع مقتبل الشباب أن يتزوج من أرملة ناهز عمرها الأربعين عاما (كما تقول الرواية)؟

لرأينا المفترى: لو كان اعتراف بني عبد المطلب بمحمد اعتراف النسب المعروف حينئذ في أهل مكة، لما رضوا بذلك. فلم لم يدعوا أحدا من أبنائهم الآخرين (كأبناء أبي طالب أو أبناء أبي لهب والعباس وغيرهم) يشتغل كأجرين عند غيرهم؟ ولم لم نسمع أن أحدا من أبناء هؤلاء القوم قد تزوج بأرملة كبيرة بالسن كما حصل مع محمد؟

رأينا المفترى: لما كان بنو عبد المطلب خاصة وبنو هاشم عامة لا ينظرون إلى محمد نظرة الأهل المقربين، لم يكن ذلك ليشغل بالهم كثيرا. فهم يظنون أن هذا الطفل ليس صافي النسب، وأن نسبه في بعضه يعود إلى الأميين من أهل الكتاب، لم تكن نظرتهم إليه في طفولته نظرة العربي الذي يعتز بنسبه. فهو بالنسبة لهم ابن تلك المرأة الغريبة فيهم. فحتى لو كان في بعضه منهم إلا أن فيه – بالنسبة لهم- ما يشوش على هذا النسب العربي الذي كان بالنسبة لهم مصدر عزة وفخار.

نتيجة مفتراة: أهل قريش لم يعيروا محمدا اهتمام كافيا لأن نسبه بالنسبة لهم ليس صاف كغيره من أبنائهم. ففيه شيء من النسب الغريب الذي هو – بالنسبة لهم – شائبة تقدح في علو النسب الرفيع من أهل مكة.

نتيجة مفتراة: الأميين من أهل الكتاب كانوا ينتظرون أن يكون هذا الرسول المتوقع قدومه منهم، لكنهم أغفلوا أنه ليس منهم لكنه من أنفسهم.

نتيجة مفتراة: كان ذلك مرا إلهي ضاع المعلومة على الطرفين، فكان محمد منذ اللحظة الأولى هو بأعين من يرعاه ويتولاه:

اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)

لنعد الآن إلى السورة الكريمة التي تبين لنا ما كانت عليه حياة محمد حينئذ:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)

السؤال: ما الذي كان يفعله محمد (وحيدا) في ذلك الغار الذي اعتزل فيه قومه من أهل مكة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما وجد محمد الطفل نفسه في ذلك الغار وحيدا، ولما وجد أن أهله لم يؤوه في بيوتهم، كان جل تفكير محمد منصبا على الضلال. انتهى.

السؤال: ما الذي تقوله يا رجل؟ هل فعلا كان فكر محمد منصبا على الضلال؟ وما معنى افتراؤك هذا؟ ألا ترى أنك قد تجوزت جميع الخطوط؟

رأينا المفترى: نعم. نحن نظن أن جل فكر محمد في ذلك المأوى بعيدا عن الناس من قومه كان منصبا على الضلال. لكن عليك عزيزي القارئ الكريم أن تسأل أولا عن معنى الضلال الذي جاء في الآية الكريمة التي ترد في هذه السورة الكريمة:

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)

أليس الله هو من بين لنا أنه قد وجد محمدا ضالا، فكان هو من هداه؟ ألا يحق لنا إذن أن نطرح السؤال التالي إذا: كيف كان محمد ضال قبل أن يجده ربه؟ ومتى أصلا وجد الله محمدا؟ هل كان محمد متخفي عن الأنظار؟ هل كان غائبا عن الله حتى يجده؟ ألا يحق لنا أن نسأل أيضا: كيف يمكن أن نفهم أن الله هو من وجد محمدا؟

نتيجة مفتراة: نحن نظن أنه يمكننا - بناء على ما جاء في هذه الآية الكريمة- طرح سؤالين اثنين وهما:

- ما معنى وجدك في هذه الآية؟

- ما معنى ضالا؟

باب وجدك

لو تدبرنا كتاب الله جيدا، لخلصنا إلى النتيجة التي تصورها الآية الكريمة التالية بأن الله لا يعزب عنه مثقال ذرة:

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (61)

وذلك لأن الله على كل شيء شهيد:

يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6)

وهو على كل شيء رقيب:

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا (52)

وهو بكل شيء وكيل

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (62)

وهو بكل شيء عليم:

قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)

ليكون السؤال الآن هو: كيف نفهم أن الله هو الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة وفي الوقت ذاته نجد التبيان الإلهي بأن الله هو من وجد نبيه ضالا؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن هذا ممكنا عندما نبحث في معنى مفردة "وجدك" التي ترد في الآية الكريمة ذاتها:

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)

بداية، دعنا نستعرض جميع الآيات الكريمة التي ترد فيها مفردة وجدك ومشتقاتها على مساحة النص القرآني، لنجدها قد وردت في الآيات الكريمة التالية:

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (64)

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (82)

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (89)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)

وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44)

وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102)

فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)

وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

قَالُوا جَزَاؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75)

قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّا إِذًا لَّظَالِمُونَ (79)

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ۗ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)

فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا (65)

فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (90)

حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93)

قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)

قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (74)

إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23)

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَىٰ عَذَابِ السَّعِيرِ (21)

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ (22)

وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (23)

قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (24)

فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (36)

أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ۚ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ۚ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ۖ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ ۖ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَىٰ (6)

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)

وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَىٰ (7)

وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ (8)


بناء على فهمنا (ربما الخاطئ) لهذه الآيات الكريمة، فإننا نعتقد بأنه في حالة أن تجد شخصا أو شيئا، فهذا لا يعني – بالضرورة- أنه لا علم لك به مسبقا. بل على العكس، فعلمك به قد يكون هو سبب أنك قد وجدته. فالمؤمن قد يجد الله نفسه:

وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)

ومن لمس المساء في لحظة ما وجدها (على سابق خبرته بها) أنها الآن قد ملئت حرسا شديدا وشهبا. فهو قد عهد السماء من قبل على غير تلك الشاكلة، ولكنه وجدها في لحظة ما قد تغيرت عما كانت عليه وأصبحت وقد ملئت حرسا شديدا وشهبا.

لذا، لو دققنا بالآية الكريمة محور النقاش، لتبين لنا أن الله قد وجد محمدا في لحظة محددة وهو في حالة ضلال، وفي هذه اللحظة بالذات – نحن نفتري القول- جاءت الهداية الإلهية المباشرة لمحمد.

وهنا لابد من الانتقال إلى الباب الثاني وهو البحث في مفردة الضلالة حتى لا يفهمها كل كما يريد

باب الضلالة

لو تدبرنا مفردة ضال ومشتقاتها على مساحة النص القرآني، لوجدنا على الفور بأن الضلالة تحمل في ثناياها البحث عن الطريق المستقيم. فلولا هداية الله لنا، كنا جميعا من الضالين:

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (198)

وهذا إبراهيم يجد نفسه من الضالين بغير هداية الله له:

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)
وهذا إبراهيم نفسه يقول بأن القانط من رحمة الله هم الضالون:

إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّآلُّونَ (56)

وهذا فرعون ينعت موسى بالكفر لحظة أن فعل فعلته التي فعل، فيصحح له موسى المعلومة بأنه لحظة أن فعل فعلته تلك كان من الضالين:

وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)

نتيجة مفتراة: نحن نجزم الظن بأن الضال هو الشخص الجاد في البحث عن الهداية، ومتى أصبح الشخص فعلا مقرا بأنه من الضالين وأنه بغير هداية الله المباشرة سيبقى على تلك الشاكلة، عندها ستأتي الهداية الإلهية لا محالة.

(دعاء: اللهم رب يا من تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أقر واعترف بأني من الضالين، وبغير هدايتك المباشرة لي لأكنن من الخاسرين. فالله وحدك أدعوك أن تهدني صراطك المستقيم، إنك أنت السميع العليم – آمين)

السؤال: ما علاقة هذا بقصة محمد في الغار؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما لم يجد محمد (نحن نتخيل) مكانا له في بيت من بيوت مكة ليؤويه كيتيم، بحث عن ذلك المكان ليستقر به، وليكون هو مأواه، فكان الله هو من أواه إلى ذلك المكان:

أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6)

فانتقل محمد إلى ذلك المكان (أي الغار) الموجود في ذلك الجبل بالقرب من مكة، فبات فيه ليالي وأياما.

ولو تدبرنا مفردة اليتيم في النص القرآني، لوجدنا أنها تصور الشخص الذي مات من يعيله من أهله (كالوالد والوالدة والأب والأم)، فاليتيم هو الذي لم يبلغ النكاح بعد:

وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا (6)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كان الإيواء الإلهي لمحمد قد حصل عندما لازال محمد يتيما (أي لم يبلغ مرحلة النكاح).

السؤال: كيف يمكن أن نتخيل حياة محمد (وهو لازال يتيما لم يبلغ النكاح) في ذلك الغار؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأنه ما أن وجد محمد نفسه وحيدا في ذلك الغار حتى بدأ مرحلة التفكير الحقيقية بالوجود. فما كان محمد منذ تلك اللحظة يهمه أمر نفسه، فلم يكن ليحنق على أهله وقومه الذين رفضوا أن يجدوا له المأوى في بيوتهم، ولم تتولد عنده ردة فعل على ما فعلوه به من الهجر وعدم الاهتمام، ولكنه كان منشغلا بأمر الخلق، فبدأ مرحلة التفكر بالسؤال الأكبر وهو: من خالق هذا الكون؟

السؤال: كيف توصل محمد إلى خالق الكون الحقيقي؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن محمدا كان يملك من الأدوات ما يمكنه من التفكر بالطريقة السليمة حتى يصل إلى الغاية المنشودة. ليكون السؤال: ما هي الأدوات التي كانت بين يدي محمد حينئذ حتى يبدأ التفكير بطريقة صحيحة تؤدي به إلى الغاية التي ينشدها وهو الهداية إلى الصراط المستقيم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا السؤال يعيدنا إلى مرحلة طفولة محمد في مكة منذ أن ولدته أمه. ونحن نتجرأ على تقديم الافتراءات غير المدعومة بالدليل نذكر منها:

- كان والد محمد (عبد الله) يرتحل في البلاد باحثا عن العلم، فأصاب شيئا منه في رحلاته تلك

- كانت والدة محمد من قوم مؤمنين يمتلكون علما عظيما

- كان جد محمد (عبد المطلب) على دراية بذلك

- الخ

ما أن توفي والد محمد عبد الله في واحدة من رحلاته بعد زواجه بوالدة محمد حتى انتقلت الوصاية على محمد لجده، وكان ذلك على حساب عودة والدة محمد إلى أهلها. لكن ما هي إلا فترة محددو حتى عادت والدة محمد من ديار أهلها إلى مكة حتى وافتها المنية في الطريق، فكان محمد في أحضان مربيته أم أيمن بركه، وفي كفالة جدة، ليكون السؤال المطروح الآن هو: لماذا عادت والدة محمد إلى مكة بعد فترة من الغياب في ديار أهلها؟ ولماذا أصلا ذهبت إلى ديار أهلها تاركة طفلها بيد غيرها؟ كيف طاوعها قلبها على ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كانت والدة محمد قد نشأت في بيت من بيوت المؤمنين أصحاب العلم، كان عندها من العلم العظيم ما لا يدري عنه الآخرون. فما أن حملت بمحمد، وما أن وضعته حتى تنبهت بأن طفلها هذا طفلا غير عادي، وأن فيه من الإشارات والعلامات ما يدعو إلى الحيرة ويحثها على التأكد من هذه الإشارات. لذا رحلت على الفور إلى أهلها لتخبرهم بأمر طفلها.

السؤال: لماذا لم تصطحب طفلها معها في تلك الرحلة إلى أهلها؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن والدة محمد لم تكن لتجرؤ أن تصطحب طفلها معها في رحلتها إلى أهلها لأنها تعرف مقدار الخطر الذي سيحدق به لو علم به علماء بني إسرائيل هناك. لذا ارتحلت المرأة راجعت إلى أهلا لتصف لهم ما رأت من الإشارات الدالة على نبوة هذا الطفل. وهي لا شك راجعة إلى أناس محددين تستطيع أن تستأمنهم على هذا السر العظيم. وبالفعل (نحن لا زلنا نتخيل) انطلقت المرأة إلى من تثق بهم في أهلها، وخاصة الأحبار والرهبان (الذكور والإناث) المؤمنين من قومها. فأخبرتهم بأمر الطفل، ولما تأكد لها (على لسان أهل العلم من قومها) أنه هو فعلا النبي المنتظر من أنفسهم، كانت الجائزة الكبرى هو أنهم قد أعطوها ما يكفي من العلم ليشتعل به هذا الصبي في مرحلة ما قبل البعثة.

تخيلات مفتراة: نعم، لقد عادت والدة النبي من عند قومها تحمل كنزا عظيما من العلم سيحتاجه ابنها في هذه المرحلة التحضيرية للرسالة. فانتهى الأمر بعد موتها على مقربة من مكة إلى مربيته أم أيمن بركة التي أوصلت الكنز العلمي العظيم الذي جاءت به والدة محمد من عند قومها إلى جده عبد المطلب. فكان على هذا الرجل أن يكتم سر هذا الصبي، فما أفشى الخبر بين أولاده حتى لا يكون محمد تحت نظرهم المباشر، فلربما حصل له كيد منهم كما فعل إخوة يوسف بأخيهم. فالرجل يعلم مقدار الخطر الذي سيحدق بهذا الصبي لو انتشر خبر ذلك في مكة. فسكت عبد المطلب. ولكن قبل موته شعر أن هذا العلم يجب أن يكون حكرا على محمد نفسه، فأعطاه إياه، وطلب منه أن ينأى بنفسه مع هذا العلم عن أعين الناظرين.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: أخذ محمد هذا الكنز العلمي العظيم وتوجه إلى الغار الموجود في جبل قريب من مكة، وهناك اعتزل محمد قومه (كما فعل إبراهيم من قبل) عاكفا على دراسة هذا العلم بنفسه. ويمكن تخيل ذلك عند مقارنة هذا بما فعل الحواريون عندما اعتزلوا قومهم. فما أن كان قرارهم على نحو اعتزال قومهم حتى كانت وجهتهم إلى الكهف مباشرة:

تخيلات مفتراة: عندما وجد محمد نفسه وحيدا في ذلك الغار ومعه لفافات من الورق تحوي كنزا علميا عظيما حتى كان جل تفكيره منصبا على الاطلاع على تفاصيل العلم المخطوط فيها. وهناك تعلم محمد القراءة، فكان أول ما جاءه من الوحي:

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)

فلو كان محمد (كما قالت معظم الروايات) لا يقرأ، لما جاءه الأمر الإلهي (نحن نفتري الظن) على هذا النحو. فالله يعلم أن نبيه يقرأ أو لا يقرأ، ولو كان فعلا لا يقرأ، لأصبح ذلك من قبيل المخالفة. فما الداعي أن يقول الله لنبيه اقرأ، وهو (إن صحت الروايات) لا يقرأ؟

رأينا المفترى: كلا، وألف كلا. لقد كان محمد (نحن نفتري القول) يعرف القراءة. وما كان رب محمد سيأمره منذ اللحظة الأولى بأن يقرأ لو كان فعلا لا يعلم القراءة. ولو عدنا إلى الروايات، لوجدنا أن النبي كان يطلب من كتبة الوحي (كما تقول الرواية) أن يطلعوه على ما كتبوا، وكان يدقق فيما نقلوه عنه. فلو كان لا يعلم القراءة (كما تقول الروايات)، فما الداعي أن يطلب منهم محمد ذلك (كما تقول روايات أخرى)؟ من يدري؟!!!

السؤال: كيف تعلم محمد القراءة قبل مرحلة الوحي في الغار كما تزعم؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: لما وجد محمد نفسه متفرغا ليل نهار في الغار لهذا العلم الذي جاءت به والدته من عند قومها، بقي طوال الوقت عاكفا عليه، مقبلا صفحاته، متأملا بما جاء فيه، فتحصل له علما عظيما من ذلك. لكن كان عليه أن يتأكد من مصدره ومن صحة المعلومات الواردة فيه، فكيف سيتحقق له ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على هذا السؤال تكمن في تدبر قصة زواج محمد (قبل البعثة) من خديجة على وجه التحديد. لنطرح حول ذاك الزواج تساؤلات عديدة، نذكر منها:

- من هي خديجة؟

- كم كان عمرها عندما تزوجها محمد؟

- لماذا يتزوج شاب في مقتبل مرحلة الشباب من سيدة أكبر منه سنا؟

- لماذا وافقت خديجة على الزواج من هذا اليتيم؟

- لماذا وافق أهلها خاصة والدها على هذا الزواج؟

- كيف تم الزواج على أرض الواقع؟

- لماذا بقي محمد ملازما الغار حتى بعد زواجه منها؟

- الخ

رأينا المفترى: لو عدنا إلى روايات زواج محمد بخديجة لوجدنا فيه العجب. فلنبدأ بما جاء في الطبري مثلا:

تاريخ الطبري باب زواج خديجة.

* عن نفيسة بنت منبه قالت كانت خديجة. امرأة حازمة جلدة شريفة فأرسلتني دسيسا إلى محمد بعد أن رجع في عيرها(قافلة)من الشام فقلت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال ما بيدي ما أتزوج به فقلت فان كفيت ذلك ودعيت إلى الجمال والمال والشرف والكفاءة ألا تجيب؟ قال فمن هي؟ قلت خديجة قال وكيف لي ذلك؟ فقلت عليّ فأنا افعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه ائت الساعة كذا وكذا وأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فتزوجها محمد وهو ابن خمس وعشرين سنة أو أقل وهى بنت أربعين سنة أو أكثر نعم الزوج الابن أو الزوجة الأم.

وفي رواية أخرى أنها سقت أبيها خمرا فلما أفاق قال له لقد زوجتني لمحمد فغضب وأخذ السلاح وأخذ بنو هاشم السلاح ..

إن ما يهمنا في تقديم هذه الرواية هنا هو النظر في مقدار التضارب في النقل، فالجزء الأول يبين أن عم خديجة هو من زوجها بمحمد وفي الجزء الثاني المسكوت عنه نجد أن أباها كان حاضرا، لكنه كان في غيبوبة من السكر الذي سقته له خديجة نفسها. من يدري؟!!

لا أحبذ أن أنبش في تفاصيل هذه الروايات أكثر، لكن دعنا نعود إلى سؤالنا المحوري هنا الخاص بسبب زواج محمد بخديجة على وجه التحديد.

رأينا المفترى: لعل واحدة من الروايات التي قد تكون ثابتة هو أن محمدا قد اشتغل بتجارة لخديجة إلى الشام قبل زواجه منها. وهنا نطرح التساؤل التالي: ما الذي دفع بمحمد أصلا أن يشتعل بتجارة لخديجة حينئذ؟

تخيلات مفتراة: نحن نظن أن السبب الذي دفع بمحمد أن يشتغل تجارة لتلك المرأة هو رغبة محمد الجامحة أن يذهب بنفسه إلى منابع العلم الحقيقي خارج مكة. فمحمد كان باحثا عن آثارة من علم هنا وهناك، والسبب في ذلك هو (نحن نرى) أن يتأكد بنفسه من صحة ما عنده من علم مسبق، ثم ليبني عليه ما تبقى من ذلك العلم المتناثر هنا وهناك. وبالفعل التقى محمد في تجارته خارج مكة بكثير من أهل العلم، ويمكن للقارئ الكريم أن يعود إلى الروايات في ذلك الكثيرة وربما المتناقضة في بعض تفاصيلها، ولو جد في البحث لربما استطاع أن يستخلص خط سير رحلته من مكة إلى الشام والعودة من هناك.

السؤال: ما الذي دفع محمد للزواج من خديجة بعد رحلاته هناك؟

تخيلات مفتراة: ما أن وجد محمد جزء من ضالته عند أولئك الأحبار والرهبان خارج الجزيرة حتى علم أن في مكة رجل صاحب علم عظيم كان لابد لمحمد أن يتقرب منه بطريقة غير مباشرة حتى لا ينكشف أمره في مكة قبل أن يحين الموعد الحقيقي لذلك، وكان ذلك العالم المنعزل في صومعته هو ورقة بن نوفل، وهو ابن عم خديجة في أصح روايات أهل العلم. وكان هذا الرجل (الطاعن في السن حينئذ) هو المقرب لخديجة على وجه التحديد. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن السبب الحقيقي الذي دفع بمحمد أن يتزوج من خديجة على وجه التحديد هو أن يتقرب من ورقة بن نوفل بطريقة غير مباشرة لا تلفت الأنظار إليه. وبالفعل حصل الزواج، واستطاع محمد من خلال خديجة أن يصل إلى العلم الموجود عند ورقة. فكان محمد (نحن لازلنا نتخيل) يطرح أسئلة محددة ويطلب من خديجة أن تجيئه بإجابات لها من عند ورقة بن نوفل، ولم يكن الهدف من ذلك أن يأخذ محمد علما من عند ورقة بقدر ما كان أن يتحقق من الإجابات المتواجدة عنده حينئذ. فكان ورقة أحد المراجع العلمية التي رجع إليها محمد في فترة ما قبل البعثة.

السؤال: كيف كان اتصال محمد بورقة؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل بأن الخطاب كان بين محمد من جهة وورقة من جهة أخرى كان علاقة سؤال وجواب كما يفعل المعلم والمتعلم، ومن هذا الباب (نحن نتجرأ على الظن) جاء قول الناس من حول محمد بعد بعثته:

وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)

وهنا يبرز التساؤل التالي: من كان في مكة حول النبي لسانه أعجمي؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الروايات عن هذه الشخصية التاريخية في زمن محمد، لوجدنا بأن هذا قد لا ينطبق إلا على هذه الشخصية (ورقة بن نوفل)، ومما يلفت الانتباه في الروايات عن هذا الرجل أنه كان يتحدث بلسان أعجمي، فقد جاء عند أبن كثير ما يلي:

وكان، أي ورقة، إمرأ قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب العبراني، فيكتب من الانجيل ما شاء الله أن يكتب.



نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن زواج محمد بخديجة لم يكن مدفوعا برغبة جنسية أو بشهوة مالية اقتصادية أو حتى بهدف جهوي عشائري، ولكنه كان مدفوعا بطابع البحث عن المعلومة التي يستفيد منها محمد في رحلة ضلالته (أي بحثه عن الهداية إلى ربه).

ولم يكن بحث محمد عن العلم مقتصرا على هذه الطريق فقط، بل سلك محمد (نحن نفتري الظن) كل السبل الممكنة للوصول إلى المعلومة، حتى جاءه الأمر الإلهي في بداية الدعوة إلى أن يهجر الرجز، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)

ليكون السؤال الحتمي الآن هو: ما هو الرجز الذي طلب الله من رسوله أن يهجره في الحال؟

رأينا المفترى: لو لم يكن محمد متصلا بالرجز قبل البعث، لما طلب الله منه أن يهجره مع بداية التكليف بأعباء الدعوة. انتهى.

نتيجة مفتراة: كان محمد على تواصل بالرجز قبل بعثته، لذا طلب الله منه أن يهجر هذا الرجز بمجرد تلقيه الأمر الإلهي بالنهوض بأعباء الدعوة. وكان من المتطلبات المسبقة لهذا الهجران هو تطهير ثيابه. ليبرز هذا السؤال التالي: لم طلب من محمد تطهير ثيابه، وما الداعي أن يطهر محمد ثيابه؟ وكيف سيطهرها؟ ولم لم يطلب منه أن يطهر بدنه بدلا من تطهير ثيابه؟

فالطهارة قد تحدث للبدن كما في حالة تطهير المرأة من المحيض:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

أو حالة الطهارة من الجنابة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

والطهارة قد تحصل للقلوب:

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)


الطهارة تحمل في ثناياه عدم إقامة العلاقات غير الشرعية:

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (232)

فالأزواج المهرة هي التي بنيت فيها علاقات شرعية:

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (15)
ومن هذا الباب (نحن نرى) جاء قول نبيه لوط لقومه:

وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78)

والله هو الذي طهر مريم:

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42)

فما أقامت علاقة غير شرعية مع البشر

والتطهير يكون من الكافرين:

إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55)

والطاهرة تكون بالماء، والهدف من ذلك هو أن يذهب عنا رجز الشيطان:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ  (11)

والصدقة تطهر الماء:

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)

وطلب الله من نبيه إبراهيم وولده إسماعيل أن يطهرا بيته:

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

والطاهرة تحصل للصحف:

فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ (14)

رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً (2)


السؤال: ما الذي يجعل الشيء (أي شيء) سواء كان ثيابا أو جسدا أو بيتا أو زوجة أو صحفا مطهرا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن الطهارة تكون من رجز الشيطان، قال تعالى:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ  (11)

عودة إلى السؤال المحوري: مم طلب الله نبيه أن يطهر ثيابه؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الله قد طلب من نبيه أن يطهر ثيابه من رجز الشيطان.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا (لا تصدقوه): نحن نظن أن ثياب النبي فيما قبل بعثه قد نالها شيء من رجز الشيطان.

السؤال: من أين جاء هذا الرجز لثياب النبي حتى طلب الله منه أن يطهرها؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن محمد قد وصل إلى مرحلة من العلم ما قبل البعثة ما يمكنه استحضار الشيطان. لكن يجب التنبيه هنا على الفور أن ذلك لم يكن من أجل أن يأخذ محمد من الشيطان، ولكن محمد وصل إلى علم يستطيع من خلاله أن يجعل الشيطان تابعا له لو أراد ذلك، لينفذ له ما أراد بالضبط كما فعل فرعون:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)

وهنا تكمن المفارقة الأولى بين محمد من جهة وفرعون من جهة أخرى، فكلاهما حصلا على علم عظيم يجعل الشيطان تبع لهما وليس متبوعا. وهذا العلم هو آيات الله. لكن كانت المفارقة أنه في حين أن فرعون آثر أن ينسلخ من آيات الله، فأتبعه الشيطان، كان قرار محمد على عكس ذلك تماما: عدم الانسلاخ من آيات الله وطرد الشيطان. فكان محمد هاجرا للرجز:

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)

فالرُجز هو الذي يحدث الرِجز. فما أن طهر ثيابه محمد من رجز الشيطان وهجره إلى غير رجعة حتى كان على صراط الله المستقيم.

ولو دققنا في ذلك لوجدنا بأن الصورة نفسها قد تكررت عن إبراهيم، فها هو إبراهيم نفسه ينهى والده عن عبادة الشيطان:

يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)

فمن تبع الشيطان، فلابد أن يمسه عذاب من الشيطان، فقد كان باستطاعة إبراهيم أن يتبع الشيطان لأن أباه كان يفعل ذلك، لكن قراره كان على نحو أن يهجر الشيطان حتى لا يمسه عذاب من الشيطان. فقد كان إبراهيم هاجرا لأبيه وقومه وما يعبدون جميعا من دون الله:

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاء رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُم مِّن رَّحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)

عودة على بدء: لو حاولنا عقد مقارنة بين هذا الشخصيات الثلاثة (محمد وإبراهيم وفرعون) على وجه التحديد، لوجدنا بأنهم جميعا كان عندهم من العلم ما يجعل الشيطان تابعا لهم، وفي الوقت ذاته كان عندهم من الآيات ما يجعلهم يتغلبون على الشيطان، فيهجرون رُجزه، فلا يمسه رِجز منه.

كان قرار إبراهيم ومحمد هو هجران الرجز، لكن كان قرار فرعون هو أن ينسلخ من آيات الله من أجل أن يتبعه الشيطان، وبالفعل أصبح الشيطان (هامان) تابعا لفرعون ينفذ له مآربه، وليس أدل على ذلك من طلب فرعون من هامان:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لقد كان التكبر والاستعلاء في الأرض هو الدافع عند فرعون لأن ينسلخ من آيات الله حتى يتبعه الشيطان، فينفذ له مآربه، ليعلو في الأرض:

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4)


السؤال: لماذا كان قرار فرعون على هذا النحو: التكبر والاستعلاء في الأرض؟

جواب مفترى: لما عاش فرعون حياة الطفولة وأصابه الأذى من قومه، كان ناقما عليهم أشد الانتقام، فكان قراره أن يضلهم فلا يهديهم:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

فكيف سينفذ خطته الشيطانية هذه؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن نقمة فرعون على قومه كانت شديدة لدرجة أنه كان يفكر أن يوقع بهم اشد الأذى لأنه يعرف تماما بأنهم قوم فاسقون. فما هو العذاب الأشد الذي يشفي ما في صدر فرعون من غل على قومه؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأنه ما كان هناك انتقاما يشفي ما صدر فرعون من غل على قومه إلا أن يوردهم النار. وبالفعل نجح الرجل في ذلك:

يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

السؤال: كيف استطاع فرعون أن ينجح في ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا: لم تكن خطة فرعون هذه لتنجح إلا بطريقة واحدة: أن يجعل لهم أرض مصر جنات تجري من تحته أنهارها:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)


فأصبحت أرض مصر كلها جنات وعيون:

فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58)

كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27)


وأصبح هو ربهم الأعلى:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

وهو إلههم الأوحد:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

وبالفعل نجحت خطة فرعون، فما ترك فرعون قومه إلا لحظة أن وضعهم في بين طودين البحر، مدركا أن نجاتهم في الدنيا الآن مستحيلة، ومصيرهم في الآخرة معلوم:

مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (17) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ (18)

في تلك اللحظة ذهب الله بنورهم، فتركهم فرعون، فما كانوا قادرين أن يرجعوا.

تفصيل قصة فرعون في قومه

كان الحديث سابقا منصبا على هدف واحد وهو محاولة إثبات افتراء من عند أنفسنا مفاده بأن الظروف الاجتماعية التي عاش بها محمد قبل بعثته تشبه في كثير من تفاصيلها الحياة الاجتماعية التي نشأ بها فرعون:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

لكن كان بالرغم أن فرعون نشأ (نحن نفتري القول) يتيما، إلا أنه أصبح هماز مشاء بنميم، مناع للخير معتد أثيم، عتل بعد ذلك زنيم.

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان هذا الصبي (الزنيم) قد تربى على علم الكتاب في بيت الرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون (ذو الكفل)، كان صاحب عقل راجح، وكوّن لنفسه شخصية مميزة، فكان من أولى أولياته هو أن يعرف تماما كيف يتصرف مع هؤلاء الفاسقين (قومه). فما الذي فعله هذا الصبي في قومه حتى انتهى به الأمر أن يعتلي عرش مصر؟

رأينا المفترى: لا شك عندنا أن هذا الصبي بدأ منذ الصغر يرسم خطة رسمها في رأسه للانتقام منهم أشد الانتقام. فماذا كانت تفاصيل خطته؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان هذا الطفل يعلم تماما أن فرعون الأكبر المعتلي عرش مصر هو رجل لا ينجب، فليس له ذرية من صلبه سيكون وريثا شرعيا للعرش. لذا، كان هذا الصبي يعلم بأن آل فرعون (وخاصة الملأ منهم) سيكونوا هم الأوصياء على عرش فرعون بعد موته. فكانت خطته تقضي بأن يتعامل مع هؤلاء الملأ بذكاء ودهاء شديدين. لذا، كان من أولى أولوياته أن لا يظهر نفسه للفرعون الأكبر، لكنه أنشأ علاقات خفية مع الملأ.

السؤال: لماذا لم يحاول أن يظهر شخصيته للفرعون الأكبر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا الصبي الزنيم لم يحاول أن يظهر شخصيته للفرعون الأكبر حتى لا يجلب لنفسه الانتباه وبالتالي الخطر، فهو لا يريد أن يجلب عداوة الملأ له، وذلك لو أن هذا الصبي أظهر نفسه بما عنده من علم عظيم للفرعون الأكبر، لربما أصبح ذا حضوه عنده وأصبح بالتالي من المقربين، ولو فعل ذلك، لأثار حفيظة الملأ كلهم ضده. فكانت خطة الصبي الزنيم تقضي بأن يكسب ود الملأ من آل فرعون.

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هذا الصبي كان غاية في الدهاء لأنه لم يكن ليتعجل الأمور ليجلبها لصالحه في الحال. فهو يعلم تماما متى سيستفيد الاستفادة القصوى من الأحداث.

السؤال: كيف تصرف هذا الصبي مع الملأ؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذا الصبي كان ذا علم عظيم، لذا استفاد من هذا العلم استفادة قصوى حتى ينثر الخلاف بين الملأ.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: كانت غاية هذا الصبي تقضي بأن يدب الخلاف بين الملأ حتى يختلفوا عندما تحين الفرصة لاختيار الفرعون القادم بعد موت الفرعون الأكبر الذي لم يكن له ذرية من صلبه. فهو يعلم تماما بأن الملأ سيكونوا هم المخولين باختيار الفرعون القادم، فكان هذا الصبي يحرص أن يكون الخلاف بين الملأ كبيرا جدا حتى لا يقع الاختيار على أحد منهم. فهو يحاول أن يكون الخلاف بينهم شديدا لدرجة أن لا يقبل أي طرف من الملأ أن يكون الفرعون القادم من الطرف الآخر.

السؤال: كيف نفذ هذا الصبي غايته هذه؟ أو بكلمات أخرى، كيف استطاع أن ينثر بين الملأ الخلاف الشديد؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الآيات الكريمة التالية (كما نفهمها طبعا) تبين لنا ما فعله هذا الصبي الزنيم في الملأ من آل فرعون:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

افتراءات من عند أنفسنا: بناء على فهمنا لهذه الآيات، فإننا نظن أن هذا الصبي خلال حياته كان

- حلافا مهين

- هماز مشاء بنميم

- مناعا للخير

- معتد أثيم

- عتلا

- زنيم

- ذا مال

- ذا بنين

- كانت تتلى عليه آيات الله

- كانت ردة فعله على تلاوة هذه الآيات أن قال عنها أساطير الأولين

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

لما كان هذا الرجل ذا مال، وذا علم (بسبب الآيات التي كانت تتلى عليه التي بالنسبة له هي أساطير الأولين)، سخر ذلك لخدمته من أجل يفرق بين الملأ بالنميمة. فأصبح يمشي بالنميمة بينهم. وكان مناع للخير، وكان معتد أثيم.

السؤال: كيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: تخيل الآن حال هؤلاء الملأ من حول فرعون، فالجميع يحاول أن يكسب ود الفرعون الأكبر أكثر من غيره، لذا كان عليه أن يبين للفرعون الأكبر ما لا يستطيع غيره على ذلك، فلا شك أن الفرعون سيجعل له من بين الملأ جميعا من هو من المقربين، وليس أدل على ذلك من قول الفرعون للسحرة:

وَجَاء السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالْواْ إِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإَنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)

فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: كان عند الفرعون من هو من المقربين. لذا، علينا أن نتخيل بأن أن ليس كل الملأ من آل فرعون يحضون بنفس المكانة عند فرعون، فمنهم من هو أكثر قربا من فرعون من الآخرين. لذا، كان الملأ من آل فرعون (نحن نتخيل) يتنافسون فيما بينهم لكسب ود الفرعون من أجل أن يكون من المقربين. ولا شك أن قرب أحدهم من فرعون لم يكن ليرضي تماما الأطراف الأخرى المنافسة له على هذه الحظوة الفرعونية.

تخيلات مفتراة: كان هذا الصبي الزنيم هو مشعل المنافسة بينهم في حضرة الفرعون الأكبر حتى لو أدى الأمر إلى أن تكون منافسة غير شريفة.

السؤال: كيف استطاع هذا الصبي أن يشعل نار المنافسة الشيطانية بين الملأ؟

رأينا المفترى: نحن نظن أنه استطاع ذلك بأمرين اثنين: المال والعلم.

تخيلات مفتراة: كان هذا الصبي ذا مال عظيم، فهو من قال:

أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُّبَدًا (6)

نتيجة مفتراة: لقد كان هذا الصبي ذا مال عظيم، لذا استخدم هذا المال من أجل كسب ود الملأ، فهو من أمدهم بمال عظيم، فأصبح هو – بمفرداتنا الدارجة- الممول المالي لهم. ولا شك أن المال يجلب ود الآخرين. فالذي ينفق المال بسخاء شديد هو ممن يكسبون الآخرين بسهولة. فالمال يمكن تشبيهه بلاقط الذباب. فالذباب تهجم بلا وعي للحلوى المكشوفة حتى لو كانت غير نظيفة، وقد لا يكون واعيا بأن هذه الحلوى المكشوفة قد وضعت له عن قصد لتكون مصيدة لهم. ونحن نتخيل بأن هذا الصبي الزنيم كان ذا مال عظيم، فكشفه له، فتسابقوا دون وعي على هذا المال، فكانت تلك هي المصيدة التي اصطادهم هذا الصبي به. فقد كانوا يتسابقون لكسب ود هذا الصبي من أجل الظفر بشيء من المال من عند هذا الصبي.

تخيلات مفتراة: لم يكن فرعون ليفعل ذلك بشكل عشوائي غير منظم. لذا، كان يقوم بذلك بخطة غاية في الإحكام. فلا شك أن الملأ كانوا يريدون أن يكسبوا المال من عند هذا الصبي لكنهم في الوقت ذاته لا يريدون أن ينكشف أمرهم. فهم يريدون المال لكن لا يريدون أن يفتضح أمرهم، لذا كانوا شديدين الحرص أن لا يعلم بهم الآخرون. فكانوا يطلبون المال من هذا الصبي في الخفية، وكان هذا بالضبط ما يريده هذا الصبي: أن لا يعرف بعضهم بأمر بعض. فجميعهم يأخذون المال منه لكنهم لا يعرفون بأمر بعضهم البعض.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: كانت غاية هذا الصبي أن يصل كل منهم إلى القناعة التامة بأنه لا يعطي من هذا المال الذي عنده إلا هو. فيقع في قرارة قلبه بأن هذا الصبي هو صاحبه، ولا صاحب له غيره. فهذا الصبي الزنيم كان يغرس في نفس من يعطيه من المال أن هذا الأمر يجب أن يبقى طي الكتمان، وبخلاف ذلك سينقطع عنه الإمداد المالي. فعلى من يأخذ من هذا المال أن يفهم بأن هذا المال سيبقى غير منقطع عنه مادام أن الأمر ظل سرا. لذا، كان على من يأخذ هذا المال أن يذل قصارى جهده أن لا يفضح مصدره.

رأينا المفترى من عند أنفسنا: كان هذا الصبي يطمح أن تكون علاقته بمن يأخذ هذا المال في نظر هذا الشخص فريدة، وأنه هو الوحيد المستفيد من هذا الصبي. لذا، كان يظن أن هذا الصبي فعلا يحبه ولا يحب غيره، فهو الوحيد المميز عنده.

ولما كان هذا الصبي يفعل ذلك مع كل الملأ، كان كل واحد منهم يظن أنه صاحب الحظوة الكبرى عند هذا الصبي، وهو الوحيد المستفيد منه، لذا، لم يكن ليخطر بباله أن يفضح أمره حتى لا ينافسه أحد على هذه المكانة عند هذا الصبي.

السؤال: ماذا كانوا يفعلون بهذا المال الذي يأخذونه سرا من عند هذا الصبي؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا الصبي لم يكن ليعطي هذا المال للملأ دون شروط. فهو من كان يملي على من يعطيه كيف يستفيد من هذا المال.

السؤال: ما هي الشروط التي وضعها هذا الصبي لم أراد أن يأخذه سرا منه من الملأ من آل فرعون؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأن هذا الصبي كان يملي على من يأخذ المال من عنده سرا من آل فرعون أن يصل جل هذا المال إلى يد الفرعون الأكبر سرا.

تخيلات مفتراة: كان هذا الصبي الزنيم صاحب المال العظيم ينقل جزء من المال الذي عنده إلى الفرعون الأكبر عن طريق هؤلاء الملأ. والهدف من ذلك – برأينا- أن يشدد من ملك هذا الفرعون على البلاد وعلى الملأ حتى يكون جاهزا له عند موت هذا الفرعون. فهو إذن يجهز بملك مصر حتى يصله في نهاية المطاف على طبق من ذهب.

فدهاء هذا الصبي هو أنه لم يكن ينفق هذا المال عبثا. فهو ليس مبذرا، ولكنه كان مناع للخير معتد أثيم:

وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)

لقد كانت خطة هذا الصبي الزنيم فيها خيرا ظاهرا للجميع (خاصة للملأ من آل فرعون ولفرعون ذاته)، لكن في حقيقتها هي خطة شيطانية، لأنها منصبة على هدف الضلال، أي أن يضلهم، وبالفعل استطاع هذا الفرعون أن يضل قومه جميعا:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

ولم تتوقف خطة فرعون على المال، ولكنها كانت أيضا تستند على العلم الذي عنده من أساطير الأولين.

وهنا نتوقف للحظة لنحاول تبيان معنى الأساطير وخاصة أساطير الأولين. فنحن نفتري الظن بأن الأساطير لا تحمل في ثناياها الخرافة. فأساطير الأولين هو ما سطره الأولون من العلم.

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)

لذا، لما كانت تتلى على فرعون آيات الله، كان يردها إلى أن هذه ليست من عند الإله وإنما هي مما سطره الأولون.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن فرعون كان عنده الكتاب الذي سطر فيه الأولون كل آيات الله. فزن فرعون أن ما يتلى عليه من آيات الله موجودة أصلا في الكتاب الذي سطره الأولون، لذا لا داع – بالنسبة له- تنسب هذه الآيات إلى الإله الحق، لأنها أصلا موجودة في ذلك الكتاب الذي عنده.

وهذا بالضبط ما حصل في الحوار الأول بينه وبين موسى. فهذا فرعون يسأل موسى وهارون عن ربها، موجها السؤال إلى موسى:

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)

فكان جواب موسى على النحو التالي:

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

فرد فرعون بالسؤال الثاني على النحو التالي:

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)

فكان جواب موسى على النحو التالي:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

ونحن نفهم من رد موسى الأخير بأن هذا الكتاب ليس عند الله وإنما عند فرعون نفسه، بدليل أنه لو كان هذا الكتاب موجودا عند الله، لكان رد موسى على النحو التالي:

قال علمها في كتاب عند ربي

وحينئذ يصبح لزاما علينا أن نفهم أن هذا الكتاب عند رب موسى، لكن لما جاء رد موسى على فرعون على النحو التالي:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

وجب علينا أن نفهم أن علم القرون الأولى لا شك عند الله، لكنها أيضا موجودة في كتاب، وهذا الكتاب هو الذي وقع في يد فرعون، فكان مسطر فيه علم القرون الأولى. لذا عندما كانت تتلى آيات الله على فرعون، لم يكن ليصدق أنها من عند الله لأنها أصلا موجودة في ذلك الكتاب الذي عنده، وهو أصلا من تسطير القرون الأولى.

ولو دققنا أكثر في النص القرآني الخاص بفرعون، لوجدنا الآية التالية:

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

السؤال: كيف رأى فرعون آيات الله كلها؟

جواب مفترى أغرب من الخيال نفسه: نحن نفتري الظن أن آيات الله كلها قد سطرت في ذلك الكتاب، والذي سطر هذا الكتاب هم القرون الأولى، وأن عملية التسطير كانت تصويرية. فهو كتاب يصور آيات الله كلها تصويرا. لذا، كلما فتح فرعون صفحة من ذلك الكتاب، وجد نفسه أمام آية من آيات الله. انتهى.

وسنفرد لهذا المبحث مقالات منفصلة متى أذن الله لنا بشيء من علمه فيها. فالله وحده ندعوه أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا وأن يزدني علما. وأعوذ به وحده أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو السميع المجيب – آمين.

إن ما يهمنا ال، طرحه هو التساؤل التالي: كيف استخدم فرعون هذا العلم في ضلالة قومه؟

رأينا المفترى: لما وجد فرعون أنه يملك علم ذلك الكتاب، كان يستطيع أن يستفيد منها الاستفادة القصوى. لكن فرعون اخذ هذا العلم إلى الجهة الأخرى تماما: أن يستفيد منه لمصلحته الشخصية ولتنفيذ مآربه في قومه (آل فرعون).

السؤال: فما الذي فعله فرعون؟

رأينا المفترى: لم يكن من جاء هذا الصبي الزنيم من آل فرعون ليأخذ منه المال، وليكون له حظوة عنده ليكتشف بأن هذا الصبي صاحب مال فقط، وإنما صاحب علم عظيم. لكن ما كان هذا الصبي ليطلعهم على كل ما عنده من العلم، ولكنه يطلعهم على بعضه، وذلك ليثبت في نفوسهم مقدار ما يملك هذا الشخص من أسباب القوة التي تجعلهم يتمسكون به، ويظنون أنه يؤثرهم به عن غيرهم.

تخيلات مفتراة: لما كان الفرعون الأكبر يواجه مشكلة ما، ويطلب من الملأ من حوله أن يدلوا برأيهم لحل تلك المشكلة، كان الجميع يتبارون فيما بينهم لتقديم الرأي والمشورة الصائبة للفرعون الأكبر. لكن أين سيجدون ضالتهم. فهم أصلا قوم فاسقون. فما كانوا (نحن لازلنا نتخيل) من طلاب العلم الحقيقي. لذا، كان لابد لهم من أن يلجئوا إلى من عنده العلم الحقيقي الذي ينشدوه. فما وجدوا ضالتهم (نحن نفتري القول) إلا عند هذا الصبي الزنيم.

السؤال: كيف كان فرعون يفعل ذلك؟

رأينا: لما كان الملأ يلجئون إلى هذا الصبي فرادا ينشدون من عنده كان هذا الصبي يعطيهم ما يريدونه من العم بشرط واحد (نحن نتخيل) وهو أن لا يبوح بهذا العلم على الملأ، وإنما أن يوصلوه سرا إلى الفرعون الأكبر. فكانت المعلومة تصل من عند هذا الصبي الزنيم إلى الفرعون الأكبر سرا عن طريق الملأ. ليكون السؤال: لماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن خطة هذا الزنيم كانت تنبني على مبدأ السرية، فلا يعلم بعضهم بأمر بعضهم الآخر، وفي الوقت ذاته تصل الرسالة نفسها إلى الفرعون الأكبر منهم جميعا. فيكون هذا الصبي قد اصطاد عصفورين بحجر واحد:

أولا، يظن كل واحد من الملأ أنه هو من حل المشكلة لفرعون الأكبر، فيظن أنه قد حصل على الحفاوة والتقريب منه على غيره

ثانيا، تتولد لدى الفرعون الأكبر بأن هؤلاء الملأ منافقين فاسدين، لأنهم جميعا جاء بالخبر ذاته. فيستحيل أن يكون كل منهم قد عرف بذلك من تلقاء نفسه. فهو يعلم أنهم جميعا يلجئون إلى مصدر آخر للحصول على العلم، لكن بالرغم من ذلك، لك واحد منه ينسب ذلك العلم لنفسه. وبذلك تزداد الهوة بين الفرعون الأكبر وملئه سرا. فهم يظنون أنهم من المقربين، وفي حقيقة الأمر هو يكرههم جميعا، لكنه يجاريهم حتى يتحصل له ما يريد.

السؤال: ماذا لو تجرأ أحدهم أن يفشي خبر هذا الصبي الزنيم للفرعون الأكبر؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه ما كان أحد ليتجرأ على ذلك لسببين اثنين على الأقل:

- أنه لا يستطيع أن يثبت ذلك، فالأمر كله حصل في الخفاء، فلا دليل عنده على ما يقول

- أنه لو فعل ذلك، لقطع هذا الصبي عنه الإمدادات المالية والعلمية فورا. وبالتالي، لما أصبح منه فائدة في ملأ فرعون الأكبر، وربما أصبح ذلك سببا كافيا أن يخرج من دائرة الملأ على الفور.

تخيلات مفتراة: كان الملأ من قوم فرعون يعلمون تماما أن فالفرعون الأكبر ليس له ذرية من صلبه ليصل من بعده إلى العرش. لذا، كان كل منهم طامعا في أن يكون هو من يخلف الفرعون الأكبر على العرش بعد موت هذا الفرعون. فكان يهمه جدا أن يبقى من الملأ المقربين، لذا عليه أن لا يخسر كل شيء قبل موت الفرعون. وكان من أسباب بقاء قوته في الملأ هو اتصاله المتكرر مع هذا الصبي الزنيم صاحب المال والعلم. فهو بنظره من يمده بأسباب القوة على غيره. لكنه لم يكن يعلم أن هذا الصبي يستخدمه (وغيره من الملأ) بنفس الطريقة لتنفيذ مآربه. ففي حين كان كل واحد منهم يظن أنه من المقربين لهذا الصبي الزنيم وهو من المقربين عند الفرعون الأكبر، لم يكن ليخطر ببالهم جميعا أنهم ليس أكثر من "أراجوز" في يد الصبي الزنيم وفي يد الفرعون الأكبر في الوقت ذاته.

السؤال: ما الذي حصل عندما مات الفرعون الأكبر؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما مات الفرعون الأكبر، لم يكن له ولد من صلبه ليعتلي عرش مصر، لذا نشب الخلاف الأول بين الملأ، وكان خلافا على عرش مصر كلها. فكل واحد منهم يطمع أن يكون هو الفرعون الجديد. لكن لما كان توازن القوى بينهم شديدا، طال الخلاف بينهم حتى أصبحت المدينة كلها في غفلة.

رأينا المفترى: لما أصبحت المدينة في غفلة بموت الفرعون الأكبر بسبب الخلاف على العرش بين الملأ، استغل بنو إسرائيل الفرصة، فجاءت انتفاضتهم الأولى ضد الحكم الفرعوني، وهنا يبين لنا القرآن (كما نفهمه) ذلك المشهد في الآية الكريمة التالية:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

لو تفقدنا هذه الآية الكريمة، لربما حق لنا أن نطرح التساؤلات التالية:

- لماذا دخل موسى المدينة في هذه اللحظة؟

- أين كان موسى موجودا من ذي قبل؟

- كيف يتجرأ رجل من بني إسرائيل أن يقتتل مع رجل من آل فرعون؟

- ولم استغاث هذا الرجل موسى على وجه التحديد؟

- الخ.

لو عدنا إلى الآية الكريمة السابقة ي سياقها الأوسع، لوجدنا بأن الأمر لم يحدث على سبيل الصدفة، بدليل أن الخلاف كان مستمرا حتى في اليوم التالي، فالرجل من بني إسرائيل (شيعة موسى) الذي اقتتل مع رجل آخر من بني إسرائيل لم يتم إلقاء القبض عليه حتى اقتتل مع آخر في اليوم التالي:

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)

السؤال: ألهذا الحد كان الحكم الفرعوني ضعيفا لدرجة أن يقتل رجل من بني إسرائيل (وهم المستضعفون في الأرض) رجلا من آل فرعون (وهم العالون) ولا يتم إلقاء القبض عليه حتى يتجرأ في اليوم التالي ليبطش بآخر منهم؟

ولو تدبرنا النص القرآني أكثر، لوجدنا أن الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليحذر موسى، جاء ليحذره من تآمر الملأ به وليس من بطش فرعون نفسه:

وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)

السؤال: لماذا لم يحذره هذا الرجل من بطش فرعون؟

جواب مفترى: لأن الفرعون الأكبر قد كان ميتا في هذه اللحظة وأن الأمر كله بيد الملأ؟

سؤال مفترى: كيف عرف الرجل بأمر موسى ولماذا جاء ليحذره؟

جواب مفترى: لا شك أن هذا الرجل كان على علم عظيم.

سؤال مفترى: لماذا جاء يسعى (مسرعا)؟ وكيف عرف موسى في الحال؟

جواب مفترى: لأنه كان أصلا يعرف موسى.

سؤال مفترى: هل جاء هذا الرجل من تلقاء نفسه؟

جواب: نحن نشك بأن هذا الرجل قد جاء بناء على قرار فردي، فلا شك أنه كان يخشى بطش آل فرعون لو أنه افتضح أمره.

السؤال: كيف استطاع أن يصل لموسى ولا يعلم به آل فرعون؟

جواب: نحن نفتري الظن بأن هناك من بعثه، ويستطيع أن يدرأ عنه بطش آل فرعون.

السؤال: من الذي بعثه؟ ومن الذي يستطيع أن يدرأ عنه بطش آل فرعون؟

جواب أغرب من الخيال نفسه: إنه الصبي الزنيم (فرعون القادم)

السؤال: لماذا؟

رأينا: نحن نظن أن هناك سببين اثنين لهذا التصرف:

أولا، كان هذا الصبي الزنيم يريد أن يحسم أمر عرش مصر. أي أن لا ينشغل الملأ بغير قضية العرش. فكان عليه أن يخرج موسى من دائرة الصراع في الوقت الراهن.

ثانيا، لأنه يريد أن تكون المواجهة مع موسى وبني إسرائيل في عهده.

تخيلات من عند أنفسنا: عند موت الفرعون الأكبر، نشب الخلاف في الملأ من آل فرعون حول قضية انتقال السلطة، ولما كان الفرعون الأكبر ليس له ذرية من صلبه ليرث العرش من بعده، كان انتقال السلطة إلى شخص جديد ليعتلي عرش مصر حينئذ ليس بالأمر الهين. فقد كان كل واحد من الملأ يظن بنفسه الكفاءة اللازمة والأحقية المشروعة للوصول إلى كرسي الحكم بعد موت الفرعون الأكبر، فاستمر الصراع بينهم فترة من الزمن، فأصبحت المدينة كلها في غفلة بغياب الحاكم الأكبر، وفي هذه الأثناء ظن بنو إسرائيل أن الفرصة قد حانت لهم الآن للخروج من الاستعباد، فبدأت ثورتهم الأولى ضد الحكم الفرعوني، فبدأت المناوشات بين هم من شيعة موسى مع أعدائهم، وفي هذه الأثناء عاد موسى ليدخل المدينة من جديد بعد أن غاب عنها فترة من الزمن في الأرض المقدسة حيث تلقى حكما وعلما:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

وفي هذه الأثناء، وجد موسى أن شيعته قد ثاروا على عدوهم، فما كان من موسى إلى أن يغيث الذي من شيعته على الذي من عدوه، وبالفعل وكز الرجل فقضى عليه، واستمر الصراع إلى اليوم التالي، حيث عاد ذلك الرجل ليستصرخه في اليوم التالي:

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18)

فكان موسى حينئذ خائفا يترقب، ولو أن الرجل الذي من عدوه قد ذكره بأنه لن يكون من المصلحين إن هو قتله، لربما قتل موسى الرجل في اليوم التالي:

فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)

وفي هذه الأثناء، كانت قبضة آل فرعون على مفاصل الدولة غير قوية بدليل أنه لم يتم إلقاء القبض على الثوار من بني إسرائيل وعلى رأسهم موسى، وما هو إلا وقت قصير جدا حتى جاءه رجل من أقصى المدينة يسعى ليحذره من تآمر الملأ به:

وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20)

ليكون السؤال الآن هو: لماذا جاء هذا الرجل من أقصى المدينة يسعى ليحذر موسى من تآمر الملأ به؟

رأينا المفترى: كان هذا غير مكشوف الهوية إلا لموسى، فهو قد جاء من أقصى المدينة متوجها إلى موسى، فما عرف بأمره أحد حتى حذر موسى من تأمر الملأ به. فكيف إذن استطاع أن يأتي من الأقصى المدينة ويصل إلى موسى ويحذره دون انكشاف أمره؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ذلك الصبي الزنيم هو الذي غطى على هذا الرجل حتى يصل إلى موسى فيحذره من تآمر الملأ به، والسبب في ذلك – برأينا- هو أن لا يفتح في الوقت الراهن جبهة من بني إسرائيل قبل أن يحسم أمر كرسي العرش.

السؤال: لماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو ظفر الملأ من بني إسرائيل بموسى في ذلك الوقت، لربما انتهى الصراع مع بني إسرائيل في الحال، ولربما فشلت خطة هذا الصبي الزنيم المستقبلية كلها.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا: لما كان هذا الطفل الزنيم يخطط لأن يوقع قومه في أشد العذاب (عذاب جهنم)، كان عليه أن يبقى على حياة بني إسرائيل، وهم العدو اللدود لآل فرعون. فهو يعلم تماما بأن كرههم للإيمان بالله سيكون بمقدار كرههم لبني إسرائيل، فكلما كرهوا بني إسرائيل أكثر (وهم المؤمنون بالله)، كلما تعنتوا في قبول الإيمان بالله. فهو يريد أن يوغر صدورهم على بني إسرائيل (المؤمنين) حتى لا يفكروا إطلاقا في أن يؤمنوا هم بأنفسهم. فالإبقاء على الصراع مع بني إسرائيل ضرورة قصوى بالنسبة له حتى لا يفكر أحد من قومه بإتباع ملة عدوهم اللدود. وهذا يعيدنا على الفور إلى الخطة التي كان قد رسمها هذا الصبي الزنيم في رأسه للإيقاع بقومه الفاسقين.

السؤال: ماذا كانت الخطة في رأس فرعون؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما فكر هذا الشاب (كفرعون جديد) بما يجب عليه فعله في قومه الفاسقين للانتقام مما فعلوه بأبيه وأمه وبه شخصيا، لم يجد أن هناك في الحياة الدنيا أي فعل يمكن أن يشفي الغل الذي في صدره عليهم. فماذا كان قراره عندئذ؟

رأينا المفترى: لعلي أكاد أجزم الظن بأن هذا الشاب (الفرعون الجديد) قد اتخذ القرار التالي: أن يورد قومه جميعا النار.

السؤال: فكيف سينجح في ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان من الاستحالة بمكان أن تنجح خطته التي رسمها في رأسه بما لديه من مال وعلم دون الوصول إلى كرسي الحكم ويصبح هو الفرعون الأكبر. لذا، كان من أولى أولياته حتى الساعة أن يحسم أمر كرسي الحكم، فيل هو بذاته إلى هذا الكرسي ليصبح هو الآمر الناهي في قومه.

تخيلا مفتراة من عند أنفسنا: ما أن تأكد بأن موسى قد خرج من أرض مصر متجها إلى أرض مدين حتى عاد الملأ لينشغلوا بأمر حسم الخلاف على كرسي الحكم، وفي هذه الأثناء، وجد الملأ أنهم لن يتفقوا على واحد من بينهم ليعتلي عرش مصر، فكان قرارهم على نحو أن يطرح اسم شخص من خارج الملأ ليعتلي عرش مصر، وبالفعل طرحت الأسماء المؤهلة لهذا الكرسي، فكان قراراهم النهائي قد وقع على هذا الصبي الزنيم، فجميعهم قد أنشأ – في ظنه- علاقة مميزة من ذي قبل من هذا الصبي دون علم الآخرين به، فكان ظنه أنه سيكون هو صاحب النفوذ الأوحد في عهد هذا الفرعون الجديد. وبالفعل (نحن لازلنا نتخيل) اعتلى هذا الصبي الزنيم عرش مصر. فما الذي فعله بعد ذلك؟

رأينا المفترى: كان الرجل يظهر لهم جميعا ما لا يبطن، لذا كان عليه أن ينفذ ما في رأسه بكل ذكاء ودهاء. لذا كان القرار الأول له بعد وصوله إلى سدة الحكم أن لا يظهر تغيير في السياسة السابقة. لذا، عندما وجه له الملأ خطابهم التالي بخصوص موسى وقومه:

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... (127)

كان رده على النحو التالي:

... قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

فالرجل يؤكد لهم أنه لم يتخلى عن السياسة السابقة باتجاه موسى وآله، لكن الرجل يحاول (نحن نفتري الظن) أن يقول لهم بأن هذا ليس من أولياته الآن، فأمر موسى وآله (كأنه يقول لهم) هو أمر سهلا ميسرا. لكن عندنا الآن ما هو أكثر أهمية، وهو ما يجب أن نوليه جل اهتمامنا، وهو توطيد أركان الحكم، والارتفاع بآل فرعون فوق العالمين.

السؤال: ما الذي فعله هذا الفرعون إذن؟ ولماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن هذا فرعون الزنيم قد أخذ على عاتقه تنفيذ خطة شيطانية للتغرير بقومه، فماذا كانت خطته؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون كان يحاول أن يقنع قومه بأنه يهتم بهم، ويريد لهم الخير من دون العالمين أجمعين. لذا، عمد إلى الاستفادة القصوى من علم الكتاب الذي كان يملكه، فجعل لهم أرض مصر كلها جنات تجري من تحتها الأنهار، فطورها حتى أصبحت كلها جنات وعيون ومقام كريم. وبنا معه العروش التي دمرها الله لهم لاحقا:

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137)

وأجرى الأنهار كلها من تحت عرشه:

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)

فما عاد في أرض مصر من قوم فرعون (بعد كل ما فعله فرعون هذا لهم) من يشك قيد أنمله في أنه يريد له الخير، حتى وصل بهم الأمر أن اتخذوه ربا وإلها:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي .... (38)


وتعاون من الشيطان هامان، فبنا له صرحا ليبلغ أسباب السموات:

... فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لقد أقنع هذا الفرعون قومه بأن له آلهة خاصة به، ومن خلالها يستطيع أن يجعل لهم أرض مصر جنات تجري من تحتها الأنهار. لكن في الوقت ذاته فقد نجح في إقناعهم بأن هذه آلهة له فقط. لكن هو نفسه إله لهم.

فكيف استطاع فرعون أن يقنعهم أنه إلههم؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن فرعون استطاع أن يقنع قومه بأنه فعلا إلههم، وذلك لأن له آلهة كثير، كما جاء على لسانهم عندما خاطبوه بشأن مصير موسى وبني إسرائيل كلهم في أرض مصر:

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... (127)

فالملأ يعرفون إذن أن لفرعون آلهة، لكنهم في الوقت ذلك لا يعتبرون تلك الآلهة هي آلهتهم أيضا، بل هي آلهة خاصة بفرعون فقط. ليكون السؤال المحوري هنا الآن هو: لمِ لم يتخذ القوم تلك الآلهة آلهة لهم أيضا؟ لم اقتصروها على فرعون فقط؟

السؤال: كيف يكون لفرعون آلهة كثيرة وفي الوقت نفسه يدّعي أنه هو إلههم فقط؟

السؤال: لماذا ادعى فرعون (دون الناس جميعا) أنه إلها؟ لِم لم يتجرأ على هذا الإدعاء غيره؟ لِم لم يدعي السامري نفسه بأنه هو إله وترك ذلك الفضل للعجل الذي أخرجه بنفسه للقوم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذه التساؤلات تعيدنا على الفور إلى الآية الكريمة التالية التي تبين ماهية الإله الحقيقي:

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148)

وهذه الآية تبين لنا أن من مواصفات الإله الحق هو أنه يكلّم عباده ويهديهم السبيل. انتهى.

السؤال: ما علاقة هذا فرعون؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون كان قادرا على أن يكلّم القوم كما كان قادرا أن يهديهم السبيل لو أنه أراد ذلك. انتهى.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن التكليم ينطوي تحته معنى استجابة الطلب. فالإله الحقيقي يستجيب لطلبات عباده كما جاء على لسان إبراهيم:

الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)

فمن غير المنطقي أن يقتنع قوم فرعون بإلوهية الرجل لو أنه لم يكن قادرا على تلبية طلباتهم مثل الإطعام والسقي، والشفاء من المرض، والحياة من بعد الموت، وبالتالي مغفرة الخطايا لهم من بعد الموت.

ولو تأملنا الآيات الكريمة التالية، لوجدنا على الفور أن فرعون هو من أضل قومه وما هداهم:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

لذا نحن نتجرأ على الظن بأن فرعون كان يستطيع (لو أنه أراد ذلك) أن يهدي قومه جميعا.

السؤال: لماذا لم يكن فرعون يريد هداية قومه كما نزعم؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن فرعون كان بإمكانه أن يهدي قومه جميعا لو أراد ذلك، لكنه اختار أن لا يهديهم وذلك ليشفي صدره من الغل الذي تراكم فيه ضدهم منذ طفولته وحتى وصوله إلى عرش مصر. فالرجل يعلم تماما أنهم جميعا قوما فاسقين، وأنهم فعلا لا يريدون الهداية. وهو يعلم يقينا بأنهم هم من ألحقوا به وبوالده وأمه من قبل الأذى. وأنهم هم من سلبوه حقه في الملك أساسا. لذا، أراد أن ينتقم منهم شر انتقام، فكان قراره أن يوردهم النار، وبالفعل فعل:

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

السؤال مرة أخرى: كيف استطاع فرعون ذلك؟

رأينا المفترى: لأنه كان إلها من دون الله. انتهى.

السؤال: وكيف استطاع أن يكون إلها من دون الله؟

رأينا المفترى: لأنه كان له آلهة كثيرة:

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ... (127)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كان لفرعون آلهة، كان هو الوحيد القادر على تكليم هذه الآلهة وبالتالي الاستجابة لطلباته. فاستغل فرعون القوى الكامنة بهذه الآلهة، ووضعها في يده، وسلطها كالسيف على رقاب الجميع. فأصبحت الصورة على النحو التالي:

ففرعون هو (نحن لازلنا نفتري القول من عند أنفسنا) حلقة الوصل بين هذه الآلهة من جهة وقومه من جهة أخرى. فما كان يفعله فرعون كان مصدره تلك الآلهة، ولكن القوم كانوا بحاجة ماسة لفرعون لكي يبقى حلقة وصل بينهم من جهة وآلهته من جهة أخرى. فبغير فرعون (نحن نكاد نجزم القول) يستحيل تكليم هذه الآلهة وبالتالي الاستفادة القصوى من الطاقات الكامنة بها. وخسارة فرعون هي خسارة لجميع المكتسبات التي يمكن الحصول عليها من هذه الآلهة.

السؤال: لماذا لم تتح لهم الفرصة لتكليم هذه الآلهة مباشرة؟ ولِم لم يدعهم فرعون يكلموا آلهته مباشرة؟

رأينا المفترى: لما كان العلم الذي يمتلكه فرعون هو أساس سلطته وبقائه فوق رؤوسهم، ما كان فرعون ليسمح أن يقع في يدهم ذاك العلم النفيس الذي بيده. فبدونه ستنتهي سلطته، ويفقد السيطرة المطلقة عليهم. وهو ما لم يكن فرعون ليغامر به.

السؤال: لماذا لم يفعل السامري مثل ذلك؟

رأينا المفترى: لقد أخرج السامري للقوم العجل، فكان إلها واحدا، لذا كانت قدرته محدودة بهذا الإله. لذا لم يعمد أن يتخذ من نفسه إلها، لأنه ببساطة لا يستطيع أن يحقق لهم كل ما يريدون. ولو كان السامري يستطيع تكليم الآلهة جميعا، لربما (نحن نتخيل) انتهج سياسة فرعون القديمة. لذا عندما رجع موسى كان يتوجس الحذر من السامري، فخاطبه بلطف شديد:

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95)

لكن لما علم موسى أن السامري لم يقبض إلا قبضة واحدة من أثر الرسول، تغيرت لهجة خطابه للرجل واتخذت منحنى الشدة، لا بل بالتهديد والوعيد:

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96) قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لما كان للسامري إلها واحدا، ظلت قدرته محددة، فما ستطاع أن يرفع من قدر نفسه أكثر مما يجب، لكن لما كان لفرعون – بالمقابل- أكثر من إله، رفع من قدر نفسه إلى أعلى مرتبة ممكنة، فكان ربهم الأعلى:

فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

وكان إلههم الأوحد على حسب زعمه:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

السؤال: هل من الضروري أن يكون لفرعون أكثر من إله حتى يستطيع أن يدعي لنفسه الإلوهية؟

جواب مفترى: نعم

السؤال: لم ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن القادر على كل شيء هو الله الواحد الأحد:

وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (189)

رأينا المفترى: مادام أن الله على كل شيء قدير، فهو الوحيد القادر على تسخير كل القوى الكونية بيده. لكن يمكن للآلهة التي هي من دون الله أن تسخر بعض هذه القوى الكونية، لكن يستحيل أن تسخرها جميعا.

السؤال: ما هي القوى الكونية التي تقع جميعا تحت سيطرة الإله القادر على كل شيء، وربما تقع بعضها تحت سيطرة الآلهة الذين هم من دون الله؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا (لا تصدقوه): نحن نظن أن القوى الكونية هي خمسة على وجه التحديد، وهي: الماء والتراب والهواء والنار والنفخ (الروح). انتهى.

فالإله القادر على تسخير هذه القوى الخمسة جميعا هو الله القادر على كل شيء، أما الآلهة التي هي من دون الله، فربما تستطيع تسخير بعض هذه القوى الكونية، لكن يستحيل (نحن نؤكد) أن تستطيع تسخيرها جميعا.

فمن كان إلها من دون الله، فيجب أن يكون قادرا على تسخير واحدة من هذه القوى على الأقل. وهذا بالضبط ما كانت تفعله آلهة قوم نوح:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23)

وهذه القوى الخمسة مجتمعة هي التي جعلت قوم نوح على وجه التحديد هم الأظلم والأطغى:

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)

فقد كان كل واحد من هؤلاء الديارين (وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا) قادرا (نحن لازلنا تخيل) قادرا على تكليم واحدة من هذه الآلهة.

السؤال: كم من هذه القوى الكونية كان فرعون قادرا على تسخيرها لمصلحته؟ أو بكلمات أخرى، كم كانت عدد آلهة فرعون نفسه؟ نحن نسأل.

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: مبدئيا، أنا أجزم القول بأن فرعون لم يكن قادرا على تسخير جميع القوى الكونية، وإلا لأصبح حقا إلها قادرا على كل شيء، ولكن لما كان إلها من دون الله، فإن الظن أميل عندي أن فرعون قد استطاع أن يسخر ثلاثة أو أربعة منها على أكبر تقدير. وما يمكننا الجزم به هو أن فرعون لم يكن قادرا على تسخير الماء على وجه التحديد لأن نهايته كانت بالماء:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)

فلو كان فرعون (نحن نفتري القول) قادرا على التحكم بالماء، لما كانت نهايته فيه. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لو عدنا لقصة الكون قبل الخلق، لوجدنا بأن الماء أزلي:

وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)

ليكون السؤال المحوري الآن هو: هل الماء مخلوق؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الماء ليس مخلوقا بدليل أن عرش الله كان عليه قبل أن يخلق السموات والأرض:

وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)

هذا ما سنحاول تبيانه بحول الله في المرة القادمة. فالله وحده نسأل أن يأذن لنا بعلم من لدنه لا ينبغي لغيرنا، وأعوذ به وحده أن أكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق. وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو السميع العليم – آمين. 


المدكرون

رشيد سليم الجراح   &    علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح 10-3-2018