تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الزكاة - الجزء الرابع


فقه الزكاة: الجزء الرابع

 الخطوط العريضة في فقه الزكاة كما افتريناها في الأجزاء السابقة

- الزكاة تؤتى إيتاء (قسرا، أي كضريبة بالمفردات الدارجة) لأنها حق معلوم في المال

- قيمة الزكاة هي الخمس من المغنم

- تدفع الزكاة مرة واحدة فقط

- تدفع الزكاة لبيت مال المسلمين، لذا فهي علانية لا يجوز إخفاؤها

- يجوز إخفاء الصدقات ويجوز إبداؤها

- الصدقات والزكاة لا يجوز إنفاقها إلاّ على الفئات المستحقة المذكورة نصا في الآيات الكريمة.

- الزكاة والصدقات تطهر المال من مخاطر الربا

- الربا هو أكل أموال الناس بالباطل

- الربا هو كل معاملة تجارية يقع في ظلم على الناس

- البيع يكون بالثمن والربا يكون بالسعر (مضاعفة الثمن)

- إثم الربا لا يقع إلا على آكله

- الخ

وسنتابع في هذا الجزء الجديد من المقالة القضايا الأخرى المتعلقة بالزكاة والصدقات، سائلين الله أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، وأن يزيدنا علما. ونعوذ به أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو العليم الحكيم – آمين.

أما بعد،

باب الاحتكار

لعل واحدة من أهم الانعكاسات الإيجابية في فهم ماهية الربا (إن صح فهمنا) هو منع الاحتكار للسلع. وهنا يبرز التساؤل التالي: كيف يمكن منع الاحتكار عندما نفهم ماهية الربا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن واحدة من أسباب الاحتكار هو رغبة التاجر في رفع أثمان البضاعة في السوق، فعندما يكون التاجر الرئيس في البلد يتحكم بسلعة معينة، فإنه يعمد أحيانا إلى حجب السلعة عن السوق فترة من الزمن، فيقل المعروض مقابل الطلب عليها في السوق، وفي هذه الحالة يعمد تجّار التجزئة إلى رفع أثمان البضاعة (أو تسعيرها بكلمات أكثر دقة)، وما هي إلا فترة قصيرة من الزمن حتى ترتفع أثمان البضاعة المحجوبة عن السوق عن المعدل المألوف، وعادة ما يرتفع الثمن بمقدار مدة حجب البضاعة عن السوق، وهو ما يتحكم به التاجر الرئيس الذي اتخذ قرارا شخصيا برفع ثمن البضاعة عن المألوف، ولا يفرج عن البضاعة حتى تسعّر إلى الحد الذي يرغب به ذلك التاجر الجشع. فكلما رغب بسعر أعلى، حجب البضاعة مدة أطول من الزمن. 

السؤال: هل هذا تصرف مشروع؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لعل الفكر التقليدي السائد قد حارب هذه الظاهرة وأنكرها، وظهرت المؤلفات العديدة التي تحاول تبيان حرمة الاحتكار، لكن ما يؤخذ على الفكر التقليدي هو أنه لم يبين للناس سبب حرمتها، وآلية الحد منها، فظن الكثيرون بأن هذا يعود إلى حركة السوق التجارية، فرخصها التجار الجشعون بحجة أن المعروض في السوق من بعض البضائع أقل من الطلب عليها. فظنوا أنها حركة تجارية اعتيادية، وما ربطوها بالدين والتشريع الصحيح.

السؤال: كيف يمكن محاربة الاحتكار؟ وكيف يمكن لجم جشع كثير من التجار الذي يلجئون إلى مثل هذه الحيل؟

جواب مفترى: لعلي أكاد أجزم الظن بأن محاربة هذه الظاهرة في بلاد الإسلام والحد من انتشارها تكمن في كلمة واحدة: الربا.

السؤال: كيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن على أهل العلم أن يبينوا للناس بأن احتكار السلعة في محاولة لرفع سعرها يقع في باب أكل أموال الناس بالباطل، لذا فهو ربا، ليأذن من أكله بحرب من الله ورسوله:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن أول موجبات الدعوة إلى منع الاحتكار تتطلب أن يربط أهل العلم الربا (بكل أشكاله وصوره) بالإيمان، فيبينوا للناس بأن عليهم بأن يختاروا بين واحده منهما: الربا أو الإيمان. فعلى الذي لا يختار أن يذر ما بقى من الربا أن يفهم بأن مسألة إيمانه فيها وجهة نظر، وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في الآية الكريمة نفسها لتختار أنت بنفسك لنفسك، قال تعالى: 

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278)

لاحظ عزيزي التاجر الكريم كيف أن ترك الربا (بجميع أشكاله وصوره) مرتبط بصدق الإيمان أو إدعائه (وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ). 

افتراء من عند نفسي: اعلم عزيزي التاجر بأنه إذا لم تستطع أن تكبح جماح نفسك في أن تترك كل ما بقي من الربا فأن إيمانك كله في خطر. فالمؤمن سيختار لا محالة أن يذر ما بقي من الربا، ولكن إيمان الذي لا يذر كل ما بقي من الربا فيه شك.

السؤال: كيف يمكن تطبيق هذا على أرض الواقع؟

جواب مفترى: لعل الغالبية الساحقة من التجار (صغيرهم وكبيرهم) يتسلحون بذريعة (هي برأينا) سخيفة، ليبرروا لأنفسهم أكل أموال الناس بالباطل، وبالتالي الوقوع في الربا عن قصد أو عن غير قصد منهم. والذريعة التي يتحججون بها تكمن في أنهم يظنون أنهم ليسوا مسئولين بأنفسهم عن تحديد الأثمان في الأسواق. فهم يظنون بأن تحديد الثمن يمر بسلسلة من التجار تبدأ عند تاجر الجملة الأكبر وتنتهي عن تاجر التجزئة الأصغر، وبينهما وسطاء كثيرون. فالكل تعذر بمن هو فوقه. فالتاجر الصغير يتعلل بأن الوسيط هو من رفع ثمن البضاعة عليه، والوسيط يتعلل بأن تاجر الجملة الأكبر هو من رفع ثمن البضاعة عليه، والتاجر الأكبر يتعلل بظروف الاستيراد والتصدير والضرائب والبنية التحتية، وهكذا. وفي النهاية، يكون الغرض من هذا هو أنهم يبررون لأنفسهم سوء ما عملته أيديهم، ربما ليخدعوا أنفسهم (والناس من حولهم) بأن ما يقومون به من مضاعفة لأثمان البضاعة هو عمل تجاري مشروع لا غبار عليه. 

رأينا المفترى: إن ما نريد طرحه هنا هو أن هذا السلوك لا يمكن أن يكون سلوكا سويا لمن كان في قلبه إيمان بربه وباليوم الآخر، قال تعالى:

وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ (9) فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (10) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ (12)

ولو تدبرنا هذه الآيات الكريمة لوجدنا أنها تصف سلوك بعض الناس وليس سلوك كل الناس، بدليل قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ)، وهذه الفئة من الناس هم الذين يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فهم يقولون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ)، ولكنهم في الحقيقة ما هم بمؤمنين (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ)، ولا يعدو قولهم هذا الذي ينافي فعلهم الحقيقي أكثر من عملية مخادعة لله وللذين آمنوا (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا)، ولكن يجب أن تصلهم الرسالة واضحة وجلية لا لبس فيها (loud and clear) بأنهم في الحقيقة لا يخدعون إلا أنفسهم حتى وإن كانوا لا يشعرون بذلك (يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ)، وليكن معلوم للجميع أن هذه الفئة من الناس ما سولت لهم أنفسهم فعل ذلك إلا لأن في قلوبهم مرض (فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ)، وليعلموا أيضا بأن النتيجة الحتمية لفعلهم المفضوح هذا هي أن الله سيزيدهم مرضا (فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضاً)، وسيلقون حتما العذاب الموجب لمثل هذا الفعل لاحقا (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ)، لأنهم ليسوا أكثر من كاذبين (بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

ولو تدبرنا الآيات الكريمة أكثر، لوجدنا بأن السبب الموجب لعذابهم هو فسادهم في الأرض حتى وإن تغنوا ليل نهار بكل وسائل الإعلام لنشر المعلومة المتاحة من عندهم بأنهم هم المصلحون (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ). فالله الذي يعرف حقيقة ما في صدورهم هو من بيّن لنا بأنهم هم أنفسهم المفسدون حتى لو لم يشعروا بذلك (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ).

إن النتيجة الحتمية التي نحاول الترويج لها (ربما مخطئين) بأن أكل أموال الناس بالباطل (كثيرا كان أم قليلا) يقع في باب الفساد في الأرض. فالتاجر الذي يحتكر السلع على الناس ليضاعف في أثمانها هو من الذين يفسدون في الأرض حتى وإن تغنى بصلاحه.

عزيزي التاجر الكريم ليكن معلوم عندك بأن رفعك لثمن أي سلعة مهما غلى ثمنها أو قل هو من باب الفساد في الأرض. فأنت محاسب عليها حتى وإن ظننت أنك لست المسئول عن رفعها. 

السؤال: كيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: عندما يرتفع ثمن سلعة ما، فعليك (أيها التاجر المؤمن بربك) أن لا ترفع ثمنها في السوق إطلاقا. بل من الواجب عليك أن تستمر في بيعها بالثمن المعهود.

السؤال: أيعقل هذا؟ كيف لي أن أستمر في بيع السلعة بثمنها الحقيقي حتى وإن ارتفع ثمنها في السوق؟ أليس هذا من باب الجنون؟ أتريدنا أن نخسر تجارتنا؟ ربما يريد أن يرد التاجر علينا قائلا.

جواب مفترى: لا. لا أريد لك أن تخسر ولن تخسر بإذن الله وعليك أن تستمر في بيع السلعة بثمنها الحقيقي.

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا المفترى: ليكن معلوم عندك أخي التاجر بأن مسؤوليتك تحدد بمقدار السلع الموجودة في متجرك. فهذه السلع هي التي يجب أن تحرص على بيعها بالثمن المعهود حتى وإن ارتفع ثمنها في السوق.

السؤال: لم أفهم ما تقصد. هل يمكن التوضيح أكثر؟

جواب مفترى: نعم يمكننا توضيح ذلك بتقديم المثال التالي:

تخيل عزيزي التاجر أنك تملك في متجرك ألف كرتونة من جبنة البقرة الضاحكة لافاشكيري ( La vache qui rit : لافاش تعني الضاحك من الكلمة الانجليزية laughing وكيري تعني البقرة من الكلمة الإنجليزية cow). وكان سعر الكرتونة الواحدة دولارا واحدا، وفي هذه الأثناء قام التاجر الكبير المستورد لهذه البضاعة من بلاد الفرنجة (فرنسا) برفع ثمن هذه البضاعة على وجه التحديد حتى وصل الثمن إلى دولار ونصف الدولار للكرتونة الواحدة في السوق. فما الذي أنت فاعله في هذا الوقت بالذات؟ وكيف ستبيع البضاعة الموجودة في متجرك حينئذ؟ هل ستستمر في بيعها بالسعر القديم (لأنك أصلا تملكتها بذلك السعر) أم ستسارع على الفور إلى رفع ثمنها على النحو الدارج الآن في السوق بعد رفع ثمنها؟

جواب مفترى: لعل الغالبية الساحقة من تجار التجزئة يعمدون فورا إلى رفع ثمن البضاعة المتواجدة في متاجرهم ومخازنهم ليتماشى مع حركة السوق الجديدة الخاصة بهذه السلعة على وجه التحديد، فيرفعون ثمن البضاعة الموجودة أصلا في متاجرهم قبل عملية الرفع هذه. ليكون السؤال المشروع: هل يقع هذا في باب التجارة المشروعة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن هذا يقع في باب الاحتكار، وبالتالي فهو ربا محرم، دعانا الله إلى أن نذره، وإلا فلنأذن بحرب منه. انتهى.

منطقنا المفترى: إن كان التاجر الكبير قد أصابه الجشع عندما قرر رفع ثمن البضاعة باحتكارها، فلم تسوّل لك نفسك أن ترفع ثمن بضاعة قليلة في متجرك بغية كسب حفنة قليلة من الدولارات؟ لم تسوّل لك نفسك اغتنام الفرصة للتضييق على الناس؟ ألم تكن تبيع البضاعة بثمنها المعهود وكانت تجارتك ناجحة؟ ما الذي دفعك لاستغلال هذه الفرصة ومضاعفة الثمن بالرغم أن البضاعة المتوافرة الآن في مخزنك لم تكلفك السعر الجديد؟

السؤال: ما الذي يجب على التاجر فعله؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن على التاجر أن يستمر في بيع البضاعة المتوافرة في متجره بالثمن المعهود فلا يرفع ثمنها حتى وإن ارتفع ثمنها عند التاجر الأكبر منه، وعليه أن يحاول أن لا يشتري بضاعة ذلك التاجر الكبير بالسعر الجديد حتى نفاذ جميع المخزون لديه، فيكون ذلك أداة ضغط منه على التاجر الكبير أن يكف عن فعلته، والعودة إلى صوابه. وأتخيل بأنه لو التزم تجار التجزئة بذلك، لما تجرأ التاجر الكبير على هذه الفعلة، وذلك لأن معظم البضائع لها فترة صلاحية يخشى التاجر الكبير أن تنقضي، فتفسد عليه بضاعته كلها. 

ولعلي أكاد أجزم الظن بأن هذا من مسؤولية رجل الدين الذي كان من المفترض به أن يبين للناس بأنه إذا حصل ذلك، فإن كل قرش يكسبه التاجر من رفع البضاعة المتواجدة في متجره فوق الثمن المعهود الذي شراه واشتراه به هو ربا موضوع. وأن من حق التاجر فقط هو ما كان يكسبه قبل الرفع.

ولو حصل أن قام تاجر التجزئة بشراء البضاعة من التاجر الكبير بعد احتكار البضاعة ورفع ثمنها، فعليه أن يضع السلعة نفسها في رفين متجاورين، ويكتب على كل رف الثمنَ الذي تباع به البضاعة، فيكون على الرف الأيمن كراتين جبنة البقرة الضاحكة لافاشكيري المتواجدة في متجره قبل الرفع ويكون ثمنها دولارا واحدا، ويكون بالمقابل على الرف الأيسر جبنة البقرة الضاحكة لافاشكيري التي اشتراها حديثا بعد الرفع، ويكون سعرها دولارا ونصف الدولار، ويترك للزبون حرية الاختيار حتى نفاذ الكمية الأولى.

السؤال: لماذا يجب أن يفعل تاجر التجزئة المؤمن بربه ذلك؟ ما الذي يمكن أن يكسبه من جراء هذا الفعل (ربما الذي قد يبدو غريبا للبعض)؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأن التاجر الذي يعمد إلى مثل هذا السلوك يحقق غايات جليلة نذكر منها:

أولا، أنه ينقذ نفسه من الوقوع في الربا، فهو الذي لم يرض أن يكسب أكثر مما يجب، فلا يأكل أموال الناس بالباطل مستغلا الظروف الموجبة للكسب السريع.

ثانيا، أنه ينأ بنفسه عن المشاركة في الاحتكار، فلا تسوّل له نفسه تكديس البضائع المتوقع ارتفاع ثمنها بغية الحصول على الربح السريع والسهل

ثالثا، أنه يوصل رسالة واضحة وجلية إلى الزبون بأنه لا يشارك في احتكار السلع، ولا يدفع إلى رفع أثمان البضائع طمعا في الربح السريع. فهذا هو التاجر الصدوق الموثوق به، الذي يجب التعامل معه ومساعدته بالشراء من متجره على حساب المتاجر الأخرى التي شاركت في الاحتكار. فهكذا تمد جسور الثقة بين التاجر والزبون. فأنت تتعامل معه بمصداقية كما يتعامل هو معك بمصداقية. 

رابعا، يشكل مثل هذا التصرف رادعا قويا لجشع التاجر الكبير، الذي سيعلم حينها أن الإثم (إن حصل) بسبب الربا، فهو المسئول المباشر عنه، ويشاركه في ذلك كل تاجر تعاون معه على أكل أموال الناس بالباطل، كل له نصيبه من الإثم بقدر ما كسب من المال بطريقة غير مشروعة.

... لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) 

باب القرض الحسن

قال تعالى: 

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ (12)

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17)

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11) يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19)

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16) إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ (17)

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)


السؤال: ما هو القرض؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن القرض يحمل فيه ثناياه العطاء. فهذه هي الشمس تقرض فتية الكهف ذات الشمال:

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا (17)

فالمقرض هي الشمس، والفتية هم الذين يستفيدون مما كانت الشمس تقرضهم. لكنها هي نفسها لا تأخذ منهم ما أقرضتهم. لكن ما يهمنا إثباته هنا هو أن الإقراض لا يكون إلا بمقدار الحاجة. فلو أن الشمس أقرضت فتية الكهف من طاقتها (الحرارة) أكثر مما هم بحاجة إليه، لتسبب ذلك بحصول الأذى لهم. فهي قد أقرضتهم فقط ما كانوا بحاجة إليه لديمومة الحياة فيهم.

نتيجة مفتراة: القرض هو عطاء من طرف لطرف الآخر يستفيد منه هذا الطرف الآخر. ويكون ذلك بمقدار الحاجة. فلا نزيد عن إعطاء الشخص أكثر من حاجته، انتهى.

ولو تدبرنا الآيات الكريمة جيدا، لوجدنا أن القرض الحسن يختلف عن الزكاة وعن الصدقات بدليل التجاور اللفظي بينهم، قال تعالى:

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18)

... وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)


فالصدقات شيء وإيتاء الزكاة شيء آخر والقرض الحسن شيء ثالث مختلف تماما. ولو تدبرنا النصوص الكريمة مرة أخرى لوجدنا أن الله يمكن أن يكون هو الذي يُقرَض، فأنت تستطيع أن تُقرض الله نفسه قرضا حسنا:

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)


السؤال: كيف يمكن أن نقرض الله قرضا حسنا؟ هل الله بحاجة لهذا القرض؟ 

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية التي جاء فيها ذكر القرض الحسن لله، سنجد أن هذا يقع في باب تقديم الإنسان لنفسه من الخير، قال تعالى:

... وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)

نتيجة مفتراة: القرض الحسن يكون لله لأن هذا ما يقدمه الإنسان لنفسه وليس لغيره. وهذا لا ينطبق فقط في حالة القرض الحسن وإنما أيضا في حالتي تقديم الصدقات وإيتاء الزكاة، قال تعالى:

أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104)

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)


السؤال: لماذا هو قرض حسن؟ لم لا يكون قرضا وكفى؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن الشيء الحسن هو خاص بالله وحده، وذلك لأنه يكون مكتملا تماما لا ينقص منه شيء. فأنت تأخذ أجره كاملا غير منقوص. (للتفصيل في معنى مفردة أحسن أدعو القارئ الكريم للعودة إلى مقالتنا تحت عنوان قصة يوسف خاصة الجزء الخاص بمعنى أحسن القصص)

السؤال: كيف يكون ذلك؟

جواب مفترى: مادام أن القرض الحسن هو لله، فإن الله هو من سيقوم بمضاعفته لك أضعافا كثيرة، لذا فإن مردودة سيصل إلى أقصى درجة ممكنة:

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)


تخيل عزيزي القارئ – إن شئت- أن لديك شيئا من المال، لكنك لا تعرف كيفية تنميته بأحسن الطرق، لذا ربما تلجأ إلى تاجر متمرس في السوق، يستطيع بخبرته أن ينمي لك هذا المال، فيضاعفه لك، ولا شك أنك ستمنحه للتاجر الأقدر إن كان عندك أكثر من خيار، والهدف من ذلك أنك تبحث عن الذي يستطيع تنمية مالك أكثر وأكثر، والآن تخيل أن الذي سينمي لك مالك هو الله نفسه، فكيف سيكون المردود؟ هل ستخشى من الخسارة؟ وهل ستشك في الربح؟ ألن تنام قرير العين بأن الله سيضاعف لك مالك بأحسن طريقة؟

جواب مفترى: نعم ذلك هو القرض الحسن، إنه القرض الذي سينمى أضعافا كثيرة، فلا تخشى الخسارة فيه، وستكون على يقين باستحالة أن ينمى أكثر من ذلك مادام أنه قد وصل إلى أقصى درجات تنميته لأن الله هو القائم على ذلك المال.

السؤال: لمن يعطى القرض الحسن؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن أن القرض الحسن يقدم لصاحب الحاجة لكنه يقرض لله.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: عندما يجد أصحاب المال أن هناك شخصا محتاج للمساعدة لأي سبب (غير التجارة)، كحاجة شخص لإطعام أهله أو للعلاج أو المأوى ونحو ذلك، فإنه يعمد أن يعطي هؤلاء المحتاجين وفي نيته أنه يقرض الله نفسه، وهديُه في ذلك قول الله تعالى:
إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9)

تخيل عزيزي القارئ أن شخصا ميسور الحال لا يأخذ الصدقات قد أصابته ظروف الحياة فجأة، فما عاد قادرا على سداد مستلزمات ذلك الظرف الطارئ، فأصبح هذا الشخص ذا عسرة، فكيف يجب أن يتصرف أصحاب المال من حوله؟

رأينا المفترى: في مثل هذه الظروف نحن نتوقع أن نجد صاحب المال (المؤمن بربه) سيشعر أن عليه واجبا دينيا تجاه هذا الشخص، فلا يعمد إلى استغلال حاجته بالربا، فالله هو من أمرنا بأن لا نستغل ظرف من كان في عسرة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281)

وفي هذه الحالة، يجب عليك أخي صاحب المال أن تقدم المال إلى من كان في عسرة، ولا تستغله بالربا، وتنظره إلى ميسرة، ويكون ذلك بالقرض الحسن. فلك أن تقدم له المال حتى تتيسر له الأمور، ويرد لك ما أخذ منك من مال غير منقوص ولا مزيد (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ)، وسيكون من الأفضل لصاحب المال أن يجعل ذلك صدقة إن كان في الأمر سعة عنده (وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ).

وإن لم يكن في الأمر سعة، فعليه أن يقدم له المال في باب القرض الحسن، فيجعله قرضا لله نفسه، راجيا الله وحده أن يضاعفه له أضعافا كثيرة. 

نتيجة مهمة جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن القرض الحسن هو مقدار من المال يقدمه صاحب المال للمحتاج حاجة اضطرارية ولا يسترده إلا كما هو دون أي زيادة، طامعا في أن يكون هذا قرضا لله ينميه الله عنده لهذا الشخص ليستفيد منه في الآخرة مادام أنه لم يستفيد منه في الدنيا. 

مقدار القرض الحسن

نحن نظن أن مقدار القرض الحسن يجب أن يكون بالحجم الذي لا يؤثر ماليا على صاحب المال نفسه. فإن كان كل ما تملكه هو عشرة الآلاف دولار، فمن غير المنطقي أن تقدم هذا المال كله كقرض حسن، بل تقدم ما تجود به نفسك فقط، وبما لا يؤثر عليك سلبيا في حياتك المعتادة. ولعلي أكاد أجزم القول بأن هذا يقع في باب التكافل الاجتماعي الذي يجب أن يشارك به الجميع.

السؤال: كيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: إنْ وجد أصحاب الحي الواحد وذوي القربى أن أحدا من بينهم قد أصابته العسرة (لظرف اضطراري خارج عن قدرة الشخص نفسه)، وجب على كل من يعرف بذلك أن يسارع بمد يد العون لهذا الشخص من باب القرض الحسن. فتخيل أن شخصا قد وقع في جريمة القتل الخطأ ووجبت عليه الديّة مثلا، ولكنه لا يستطيع بمفرده أن يتكفل بتكاليف ذلك كله بنفسه، فما الواجب على من هم حوله أن يفعلوا تجاه هذا الشخص الذي أصبح في عسرة من أمره؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه من الواجب على كل من يعرف بحالة هذا الشخص الاضطرارية أن يشارك في مدّ يد العون لهذا الشخص في باب القرض الحسن، كل حسب مقدرته، فهو إذن يقدم ما يستطيعه لأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها:

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُوْلَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62)


فمطلوب من الشخص أن لا يجعل يده مغلولة إلى عنقه ولكنه بالمقابل مطلوب منه أن لا يبسطها كل البسط:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

خروج عن النص في استراحة لغوية: نفي المجاز عن كتاب الله

باب وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ

لقد كان موقفنا الثابت يمتثل على الدوام بنفي المجاز عن كتاب الله، ومن أراد الاطلاع على تفاصيل هذه القضية فليرجع إلى مقالتنا تحت عنوان جدلية الحقيقة والمجاز في كتاب الله. لكن كان المعارضون لموقفنا هذا يجلبون المثال تلو المثال لإثبات عكس ما نفتري في هذا الصدد، ولعل هذا التعبير القرآني (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) الذي يرد في الآية الكريمة التالية:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

كان على الدوام واحد من الأمثلة التي يظن المخالفون أنها تبت زعمهم (بإثبات المجاز في كتاب الله) وتبطل افتراءنا (بنفي المجاز عن كتاب الله)، فهم يريدون منا (إن صح افتراؤنا) فهما لا مجاز فيه وتفسيرا حقيقيا لهذه العبارة لا يتخلله المجاز، فهل إلى ذلك من سبيل؟ هم يسألون ولسان حالهم يقول باستحالة فهم هذه العبارة على الحقيقة ولابد من إدخال المجاز فيها لكي يبين معناها للعامة من الناس، وهم لا يترددون أن يقتبسوا أقوال السادة العلماء فيها، ظانين أنهم قد وجدوا ضالتهم في جلب المجاز إلى كتاب الله. 

ولتبيان رأينا بخلاف ذلك، دعنا بداية نبدأ بما جاءنا من عند أهل الدراية كما نقله لنا أهل الرواية في تفسير القرطبي مثلا:

ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك
هذا مجاز عبر به عن البخيل الذي لا يقدر من قلبه على إخراج شيء من ماله ; فضرب له مثل الغل الذي يمنع من التصرف باليد . وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة بمكانها . قال أبو هريرة رضي الله عنه : فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بأصبعيه هكذا في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا تتوسع .

ولا تبسطها كل البسط

ضرب بسط اليد مثلا لذهاب المال , فإن قبض الكف يحبس ما فيها , وبسطها يذهب ما فيها . وهذا كله خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته , وكثيرا ما جاء في القرآن ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان سيدهم وواسطتهم إلى ربهم عبر به عنهم على عادة العرب في ذلك . وأيضا فإنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يدخر شيئا لغد , وكان يجوع حتى يشد الحجر على بطنه من الجوع . وكان كثير من الصحابة ينفقون في سبيل الله جميع أموالهم , فلم يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليهم لصحة يقينهم وشدة بصائرهم . وإنما نهى الله سبحانه وتعالى عن الإفراط في الإنفاق , وإخراج ما حوته يده من المال من خيف عليه الحسرة على ما خرج من يده , فأما من وثق بموعود الله عز وجل وجزيل ثوابه فيما أنفقه فغير مراد بالآية , والله أعلم . وقيل : إن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في خاصة نفسه , علمه فيه كيفية الإنفاق , وأمره بالاقتصاد . قال جابر وابن مسعود : جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي تسألك كذا وكذا . فقال : ( ما عندنا اليوم شيء ) . قال : فتقول لك اكسني قميصك ; فخلع قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت عريانا . وفي رواية جابر : فأذن بلال للصلاة وانتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج , واشتغلت القلوب , فدخل بعضهم فإذا هو عار ; فنزلت هذه الآية . وكل هذا في إنفاق الخير . وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام , كما تقدم .

نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولا من سؤال المؤمنين ; لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له , أو لئلا يضيع المنفق عياله . ونحوه من كلام الحكمة : ما رأيت قط سرفا إلا ومعه حق مضيع . وهذه من آيات فقه الحال فلا يبين حكمها إلا باعتبار شخص شخص من الناس .
فتقعد ملوما محسورا 

قال ابن عرفة : يقول لا تسرف ولا تتلف مالك فتبقى محسورا منقطعا عن النفقة والتصرف ; كما يكون البعير الحسير , وهو الذي ذهبت قوته فلا انبعاث به ; ومنه قوله تعالى : " ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير " [ الملك : 4 ] أي كليل منقطع . وقال قتادة : أي نادما على ما سلف منك ; فجعله من الحسرة , وفيه بعد ; لأن الفاعل من الحسرة حسر وحسران ولا يقال محسور . والملوم : الذي يلام على إتلاف ماله , أو يلومه من لا يعطيه 
 

وهذا ما جاء في تفسير الطبري للعبارة نفسها:


ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا

القول في تأويل قوله تعالى { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } . وهذا مثل ضربه الله تبارك وتعالى للممتنع من الإنفاق في الحقوق التي أوجبها في أموال ذوي الأموال , فجعله كالمشدودة يده إلى عنقه , الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء . وإنما معنى الكلام : ولا تمسك يا محمد يدك بخلا عن النفقة في حقوق الله , فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه , الذي لا يستطيع بسطها { ولا تبسطها كل البسط } يقول : ولا تبسطها بالعطية كل البسط , فتبقى لا شيء عندك , ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك { فتقعد ملوما محسورا } يقول : فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك , وتلومك نفسك على الإسراع في مالك وذهابه , { محسورا } يقول : معيبا , قد انقطع بك , لا شيء عندك تنفقه . وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقطع سيرها , وكلت ورزحت من السير , بأنه حسير . يقال منه : حسرت الدابة فأنا أحسرها , وأحسرها حسرا , وذلك إذا أنضيته بالسير ; وحسرته بالمسألة إذا سألته فألحفت ; وحسر البصر فهو يحسر , وذلك إذا بلغ أقصى المنظر فكل . ومنه قوله عز وجل : { ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير } 67 4 وكذلك ذلك في كل شيء كل وأزحف حتى يضنى . وبنحو الذي قلنا في ذلك , قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : 16805 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا هودة , قال : ثنا عوف , عن الحسن , في قوله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } قال : لا تجعلها مغلولة عن النفقة { ولا تبسطها } : تبذر بسرف . 16806 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا يوسف بن بهز , قال : ثنا حوشب , قال : كان الحسن إذا تلا هذه الآية { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } يقول : لا تطفف برزقي عن غير رضاي , ولا تضعه في سخطي فأسلبك ما في يديك , فتكون حسيرا ليس في يديك منه شيء . 16807 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس , قوله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } يقول هذا في النفقة , يقول { لا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } يقول : لا تبسطها بالخير { ولا تبسطها كل البسط } يعني التبذير { فتقعد ملوما } يقول : يلوم نفسه على ما فات من ماله { محسورا } يعني : ذهب ماله كله فهو محسور . * - حدثني علي , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس , قوله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } يعني بذلك البخل . 16808 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , قوله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } أي لا تمسكها عن طاعة الله , ولا عن حقه { ولا تبسطها كل البسط } يقول : لا تنفقها في معصية الله , ولا فيما يصلح لك , ولا ينبغي لك , وهو الإسراف . قوله { فتقعد ملوما محسورا } قال : ملوما في عباد الله , محسورا على ما سلف من دهره وفرط . * - حدثنا محمد بن عبد الأعلى , قال : ثنا محمد بن ثور , عن معمر , عن قتادة { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } قال : في النفقة , يقول : لا تمسك عن النفقة { ولا تبسطها كل البسط } يقول : لا تبذر تبذيرا { فتقعد ملوما } في عباد الله { محسورا } يقول : نادما على ما فرط منك . 16809 - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني حجاج , عن ابن جريج , قال : لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به من الحق { ولا تبسطها كل البسط } فيما نهيتك { فنقعد ملوما } قال : مذنبا { محسورا } قال : منقطعا بك . 16810 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد , في قوله { ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك } قال : مغلولة لا تبسطها بخير ولا بعطية { ولا تبسطها كل البسط } في الحق والباطل , فينفد ما معك , وما في يديك , فيأتيك من يريد أن تعطيه فيحسر بك , فيلومك حين أعطيت هؤلاء , ولم تعطهم
 

السؤال: هل عبارة وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ هي فعلا من باب المجاز في القول؟ وإن لم تكن كذلك (كما تزعم) فكيف يمكن فهمها على الحقيقة؟ يسأل المخالف لنا على الفور؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن تقع هذه العبارة (وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ) في باب المجاز ويجب أن تفهم على الحقيقة.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك ممكنا لو أننا توقفنا قليلا لنفهم بداية آلية الإنفاق. طارحين التساؤل المثير التالي: لماذا يتصف بعض الناس بالبخل بينما يتصف آخرون بالجود والكرم؟ ما الذي يجعل فلانا من الناس معطاء كريما ويجعل آخر ممسكا بخيلا؟ لِم أكن أنا بخيلا وتكون أنت كريما؟ وهل البخل والكرم يتحدد بالكم من المال المتوافر بين أيدي الشخص؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، فكم من الأثرياء جدا جدا الذين نجدهم لا ينفقون إلا بشح الأنفس! وكم من قليل المال كريم النفس ينفق كالذي لا يخشى الفقر أبدا.

وبالمقابل هناك من الأثرياء من ينفق حتى تكاد تقول له كفاك يا رجل. وهناك من قليلي المال الذي لا ينفق إلا كالذي يغشى عليه من الموت!

السؤال: ما المحرك لهذا السلوك: الإنفاق أو البخل؟

لو تدبرنا الآيات القرآنية على مساحة النص كله لوجدنا أن الإنفاق هو فعل خاص بتقديم شيء مما رزقنا الله أو شيئا من المال:

الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)

كما أن فعل الإنفاق يتم بالعفو:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

السؤال: كيف يمكن ربط الإنفاق بالعفو؟

رأينا المفترى: لو تتبعنا مفردة العفو في كتاب الله، لوجدناها قد وردت في السياقات القرآنية التالية:

ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)

إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا (153)

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)

ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَوا وَّقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)

خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199)

ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)

وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22)

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)

وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)

الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ ۖ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ۚ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ الْقَوْلِ وَزُورًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14)


والمتدبر لهذه السياقات القرآنية سيجد على الفور أن الله هو العفو الغفور:

ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60)

فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)


وهو الذي يعفو عن كثير:

وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ (30)
وهو من حثنا عليه:

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

لأن العفو هو أقرب للتقوى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

السؤال: بماذا يكون العفو؟

رأينا: لا شك أن العفو يكون أولا عن السيئات:

إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (149)

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25)


ولكن العفو يشمل الأموال على اختلاف أصنافها كالذي يتوجب للمرأة من الرجل مثلا:

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

فمن حق المرأة أن تأخذ ما فرض لها في عقد النكاح كله إن حصل المس. ولكن في حالة عدم حصول المس، فإن حقها يتراجع إلى النصف، وفي هذه الحالة يحق له أن تعفو عن ذلك كما يحق لمن بيده عقدة النكاح كالأب أو الأخ أن يعفو عن ذلك.

فكيف يكون العفو في هذه الحالة؟

رأينا: نحن نظن أن الذي عفا عن ماله أو شيء منه، فهو كمن أنفقه في سبيل الله:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ۗ ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ ۗ فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178)

فتخيل أن المطلقة قد فرض لها عشرة الآلاف دولار، ثم حصل الطلاق قبل المس، فإن لها حق في خمسة الآلاف من المبلغ (نصف ما فرض لها)، ثم قامت بعد ذلك بالعفو، وتنازلت عن هذا المبلغ ألا تكون بذلك قد أنفقت، ولكنها بدل أن تنفق المال، فقد أنفقت العفو (وهو كامل ما يحق لها من ذلك المبلغ). ويمكن تصور المشهد نفسه في حالة الديّة، فذلك حق لأهل المتضرر، ولكنهم إن عفو عنه، فهم بذلك قد أنفقوا العفو. قال تعالى:

... وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن إنفاق المال يتم بالعفو عندما تتنازل عنه لعلمك أن ذلك خير:

وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ۚ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)

تلخيص ما سبق: نحن نظن أن إنفاق المال يتم بصرفه كما يتم بالعفو فيه، ويتلخص ذلك بقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ ۖ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

وعكس الإنفاق هو البخل. قال تعالى:

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (37)

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76)  

إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37)

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ ۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)

وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8)


نتيجة مفتراة: الإنفاق يتم بتقديم شيء مما آتاك الله من فضله 

نتيجة مفتراة 2: البخل يتم بعدم الإنفاق مما آتاك الله من فضله:

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (76) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76)      

والإنفاق يمكن أن يكون في سبيل الله:

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

ويمكن أن يكون للصد عن سبيل الله:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)

وبناء عليه، يصبح عندنا ثلاث فئات من الناس:

- الفئة الأولى تنفق مما رزقهم الله في سبيله

- الفئة الثانية تنفق مما رزقهم الله ليصدوا عن سبيله

- الفئة الثالثة تبخل فلا تنفق
وهذه الفئة الثالثة على وجه التحديد هي التي تجعل يدها مغلولة إلى عنقها:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

وهؤلاء هم من كانت لهم أنفس الشح:

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

وعلى العكس تماما من هؤلاء، نجد من يوق شح نفسه، فيؤثرون على أنفسهم لو كان بهم خصاصة: 

وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)

فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لِّأَنفُسِكُمْ ۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)


فالذي يبخل هو حقيقة يبخل على نفسه:

هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ ۖ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ ۚ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاءُ ۚ وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُم (38)

السؤال المحوري: ما هي آلية الإنفاق التي يقابلها آلية البخل؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن آلية الإنفاق تتم باليد. فاليد هي التي تنفق، فتكون مبسوطة، واليد هي التي تبخل، فتكن مغلولة. قال تعالى:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ۚ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا ۘ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا ۚ وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۚ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ ۚ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا ۚ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64)

نتيجة مفتراة 1: عندما تكون اليد مبسوطة فإنها تنفق

نتيجة مفتراة 2: عندما تكون اليد مغلولة فإنها تبخل

السؤال: كيف يمكن أن تكون اليد مبسوطة؟ ما معنى مفردة بسط اليد؟

رأينا المفترى: تعرضنا في مقالة سابقة لنا عن معنى بسط اليد، وزعمنا الظن بأن بسط اليد لا تكون على صورة الشكل التالي لليد:



source: https://www.google.jo/search?q=hand+image+free+download&tbm=isch&tbo=u&source=univ&sa=X&ved=0ahUKEwjzg83UnuPVAhVKOBQKHfkICU0QsAQIIw&biw=1366&bih=638#imgrc=GnOxCI3CxXfizM:

 لأن شكل اليد لا تكون على هذه الهيئة عند الإنفاق. وليس أدل على ذلك من قوله تعالى:

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ۖ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ۚ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (14)

فلو كان البسط على شاكلة الصورة السابقة، لاستطاع من يبسط كفيه للماء أن يبلغ فاه، فنحن أصلا نملأ كفينا بالماء (أو أي شيء آخر) بهذه الطريقة. أليس كذلك؟

السؤال: كيف يكون إذن بسط اليدين بحيث يستحيل أن يبلغ الماء الفاه؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن بسط اليد وبالتالي بسط الكفين يكون على الشكل المعكوس تماما، كما في الصورة التالية لليد المبسوطة:



Source: https://www.google.jo/search?q=hand+image+free+download&tbm=isch&tbo=u&source=univ&sa=X&ved=0ahUKEwjzg83UnuPVAhVKOBQKHfkICU0QsAQIIw&biw=1366&bih=638#imgrc=CKrjpuAsIB0qPM:

وبهذه الهيئة (من البسط) يستحيل من يبسط كفيه للماء أن يبلغ فاه، لاستحالة أن يتجمع شيء من الماء يزيل عطش هذا الظّمآن. 

ولا أظن أن هناك توضيحا أكثر لهذا من طرقة بسط الكلب يديه، قال تعالى:

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ ۚ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ ۖ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ ۚ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)

فالكلب يبسط ذراعيه على النحو التالي:



Source: https://www.google.jo/search?q=dog+image+free+download&tbm=isch&tbo=u&source=univ&sa=X&ved=0ahUKEwi9y9bJoOPVAhWBwBQKHZfXB_AQsAQIIw&biw=1366&bih=638#imgrc=UopLZNdElvVZXM:

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا:نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن عملية بسط اليد أو الكفين أو الذراع تكون على نحو أن تكون راحة اليد إلى الأسفل. لذا نهانا الله عن بسط أيدينا كل البسط، لأن ذلك سيكون بمثابة إنفاق المال كله وبسرعة شديدة، عندها ستقعد ملوما محسورا:

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

لذا، مطلوب منك أيها المؤمن أن تبسط يدك لكن ليس كل البسط، حتى لا تنفق المال كله بسرعة شديدة، ويحق لك أن تبسطها لكن بحكمة، فتفتح راحتها إلى الأسفل بمقدار ما لا يجعلك تقعد ملوما محسورا في نهاية المطاف. والشكل التالي يوضح كيفية عدم بسط اليد كل البسط:



source: https://images.search.yahoo.com/search/images;_ylt=A0LEV1syKphZwDwAY5xXNyoA;_ylu=X3oDMTEyOGVxaWI2BGNvbG8DYmYxBHBvcwMxBHZ0aWQDQjQxMjZfMQRzZWMDc2M-?p=hand+image+free+download&fr=yset_widemail_chr_win#id=204&iurl=http%3A%2F%2Fwww.cliparts101.com%2Ffiles%2F155%2FDCAD4109B82D2EF588F2E161D3F1D799%2FHands.png&action=click

وبهذه الطريقة يمكنك أن تقبض وتبسط بحكمة، لأن الله هو نفسه من يبسط ويقبض وكل شيء عنده بمقدار:

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30)

وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82)

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (37)

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36)

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)


فالكل إذن مطلوب منه أن ينفق بحسب مقدرته:

لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (7)

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)


إن ما يهمنا قوله هنا هو أن بسط اليد كل البسط يقع في باب إلقاء النفس في التهلكة. لذا وجب على المنفق أن لا يبسط يده كل البسط.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: نحن نظن أن اليد هي التي تؤدي بك إلى التهلكة إن لم تقبضها وتبسطها بمقدار:

وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ۛ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195)

ويقابل بسط اليد كل البسط على الطرف الآخر جعل اليد مغلولة إلى العنق، فكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن اليد تبسط ككتلة واحدة، تبدأ من منطقة العنق حتى أطراف الأصابع، كما في الشكل التوضيحي التالي:



Source: https://images.search.yahoo.com/search/images;_ylt=A0LEVxIHQ5hZ4eMAkrxXNyoA;_ylu=X3oDMTEyOGVxaWI2BGNvbG8DYmYxBHBvcwMxBHZ0aWQDQjQxMjZfMQRzZWMDc2M-?p=arm+image+free+download&fr=yset_widemail_chr_win#id=5&iurl=http%3A%2F%2Fclipart-library.com%2Fdata_images%2F552878.gif&action=click

بدليل أن هناك اليد التي تبسط كلها في عملية القتل كما جاء في قوله تعالى:

لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28)

وهناك اليد إلى المرفق، وهي التي تغسل عند القيام إلى الصلاة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

ولو راقبنا سلوك الناس المنفقين، لوجدنا أنهم يمدوا أيديهم، فتتحرك اليد ككتلة واحدة كلها، فتمد وتقبض بمقدار بسبب وجود المفاصل الثلاثة الرئيسية، وهي:

- المفصل الأعلى الذي يربط اليد بالعنق

- المفصل الأوسط الذي يربط المرفق بالعضد

- المرفق الأدنى الذي يربط راحة اليد بالساعد

فتبدوا ويكأنها منتعشة، متحررة، سهلة الحركة لأن فيها مرونة كبيرة، ولا شك عندنا أنه كلما كان الإنفاق أكثر، كانت حركة اليد أكثر، وظهر ذلك على منطقة صدر المنفق، فيمشى رافعا الرأس، منتعش الصدر، واضحا ذلك على محيّاه.

لكن بالمقابل، فإن الذي يبخل، تجد أن يده لا تتحرك إلى بشق الأنفس، فتتباطأ يده في الحركة إلى درجة الجمود، ويتضح ذلك في حديث العامة من الناس، فعندنا في الأردن مثلا يقول الناس عن البخيل الذي لا يريد العطاء بأنه "بقصع بكتافه".

راقب عزيزي القارئ مجلسا فيه كثير من الناس حيث يطلب منهم دفع المال لغرض ما وخاصة المنطقة التي تربط اليد مع العنق (الكتف بالمفردات الدارجة)، عندها سترى بأم عينك من يبسط يده، ومن يغلها إلى عنقه، فتجد المنفق مرفوع الرأس، عريض الصدر ممدود اليد، وتجد على النقيض من ذلك من بقي رأسه مطأطأ وصدره حرجا ضيقا كمن يصعد في السماء، ويده مكفوفة لا تمتد أبدا. فهل في ذلك مجازا يا سادة؟ من يدري؟!!!

نتيجة مفتراة: إن آلية الأنفاق تبدأ من المنطقة التي تربط اليد بالعنق (الكتف)، فإذا ما كان هذا الكتف متحررا، فإن اليد تبدأ بالحركة من هناك، فتبسط اليد بمقدار ما تحرك الكتف، فكلما مد إلى الأمام أكثر كلما كان العطاء أكبر. وكلما تقاعس الكتف عن الحركة كلما قل العطاء إلى درجة أن تكون هذه اليد مغلولة إلى العنق، وفي هذه الحالة يصبح الشخص في أقصى درجات البخل. والله هو من نهانا عن مثل هذا التصرف:

وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا (29)

وتستطيع أن تكشف الأنفس الشح بأبسط تصرفات العطاء كمد سيجارة من الدخان لمن حولك. فتجد من يمد السيجارة بحركة سريعة بطول اليد إلى من حوله، وتجد من يمدها بتردد ويكأن يده لا تريد أن تمتد، وتجد من لا يمدها إطلاقا. فهذا التصرف على بساطته يعكس نفسية الشخص، فهو كذلك في كل تصرفاته. ونحن لا نريد القول بأن على الشخص أن يمد يده على الدوام لإعطاء السجائر لمن حوله، لكن هذا ليس إلا تصرفا بسيطا قد يلهمك شيئا عن نفسية هذا الشخص إن كان تصرفه على هذه الشاكلة في كل وقت وحين. 

استراحة لغوية أخرى: هو خير مقابل هو خيرا

راقب عزيزي القارئ – إن شئت- عبارة هو خير مقابل عبارة هو خيرا في الآيات الكريمة التالية:

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)


لو دققنا مليا في هذه السياقات، لوجدنا أن مفردة خير تأتي تارة مرفوعة () وتأتي تارة أخرى منصوبة بعد الضمير المنفصل هو، ليكون السؤال هو: لماذا هو خيرا وليس هو خير بالرغم أن الضمير المنفصل هو يعرب (حسب قواعد الأعراب) مبتدأ يحتاج إلى خير مرفوع؟ فلم إذن جاءت تارة (هُوَ خَيْرٌ) كخبر مرفوع؟ ولِم تأتي تارة أخرى (هُوَ خَيْرًا) تميزا منصوبا (كما يحب بعض أهل اللغة إعرابها في هذه الحالة)؟ فأين خبر الضمير المنفصل هو في هذه الحالات؟

رأينا المفترى: دعنا نضع قواعد الآباء جانبا بعض الوقت، ونحاول النظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، علنا نستطيع بإذن الله (إن شاء) أن نخرج بفهم مختلف يتوافق فيه اللفظ مع المعنى. 

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بداية أن الفرق بين المرفوع والمنصوب هو الحالة.ويتمثل رأينا المفترى بأن المرفوع حالته ثابتة أم المنصوب فحالته متغيرة. انتهى

مثال: عندما نقول فلان غني، فإن ذلك يعتبر جملة وصفة لحالة هذا الشخص كما نراها بأم أعيننا. لكن بالمقابل إذا قلنا وجدت فلانا غنيا، فإني بذلك أعبر عن حالتين لهذا الشخص، أحدهما صريحة (explicature) والأخرى ضمنية (implicature). أو لنقل الحالة الحالية مقابل حالته السابقة، فحالته الحالية هو أنه غني، وهي الحالة المصرح بها (غنيا)، لكن هذا يحمل ضمنا معنى مصاحبا وهو أن هذا الشخص ربما لم يكن كذلك من ذي قبل.

السؤال: ما علاقة هذا بالقضية الأعرابية؟ وكيف يؤثر هذا على فهم النص (هُوَ خَيْرٌ) مقابل (هُوَ خَيْرًا

رأينا المفترى: نحن نظن أن المرفوع يعبر عن حالة حقيقية ثابتة لا يمكن إنكارها، بينما يعبر المنصوب عن حالة متغيرة، فهو أساسا مفعولا. وعند إسقاط هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا على الآية الأولى:

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

نجد أن المجيء بالإفك هو فعلا خير لا جدال فيه، يستحيل أن يحدث فيه تغيير. وهذا – برأينا- ينطبق على كل السياقات القرآنية التي ترد فيها كلمة خير مرفوعة كخبر للضمير المنفصل هو، قال تعالى:

أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۚ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ۚ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (184)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)

إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ ۖ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ (150)

قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ ۚ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57)

وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَّمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)

إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ ۖ وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19)

وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)                 

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىٰ يَحْكُمَ اللَّهُ ۚ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)

فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا ۖ قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ ۖ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّىٰ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)

وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95)

وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ ۖ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ (126)

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ ۚ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44)

ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58)

أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72)

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ۚ وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39)

فالله هو خير الرازقين وهو خير الحاكمين، وما عند الله خير يستحيل أن يعتريه تغيير أو تبديل.والتوبة وتعظيم حرمات الله هو خير في كل زمان ومكان. والصبر هو لا محالة خير للصابرين جميعا في كل ظرف وحين، الخ. 

ولكن بالمقابل لو استعرضنا الآيات التي جاءت مفرد خير فيها منصوبة في العبارة نفسها (هُوَ خَيْرًا)، لوجدنا أنها تتحدث بشكل أساسي عن الإنفاق، قال تعالى:

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)


السؤال: لماذا؟ 

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك هو أن ذلك الشيء قد أصبح خيرا، فما بقي على حالته الأولى، وذلك لأنه قد حصل عليه تغيير. فمن يقدم لنفسه من خير لن يجده عند الله خير (كما هو على حالته الأولى التي قدمها به)، ولكنه سيجده قد تضاعف أضعافا كثيرة، فأصبح خيرا كثيرا نتج في الأصل عن خير محدد، قال تعالى:

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ۚ وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)

مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)


فأنت عزيزي المؤمن عندما أقرضت الله قرضا حسنا، فإنك – لا شك- قد قدمت كمية من المال محددة بالكم والمقدار، ولكن لما كان الله هو من اقترضها منك، فإنه قد عمد إلى مضاعفتها لك أضعافا كثيرة، فما عادت على الحالة نفسها التي قدمتها بها، ولكنها أصبحت أضعافا كثيرة (تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا)، أي أصبحت خيرا. انتهى.

وبالمقابل فإن الذي لم يقرض الله قرضا حسنا، وبخل بما آتاه الله، وقام هو بتمنيته فضاعفه لنفسه، حتى ظن أن هذا قد أصبح خيرا كثيرا:

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180)

ولكن الذي غفل عنه هذا الشخص هو أن هذا الخير الذي يراه أمام عينه قد تضاعف (هُوَ خَيْرًا) ليس أكثر من خداع بصري، لأنه يحسبه خيرا وهو في الحقيقة ليس كذلك (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ). فحسبته هذه هي حسبة خاطئة لا تمت إلى الحقيقة بصلة، لأن الحقيقة هو أن ذلك شر لهم (بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ).

عودة على بدء

نحن نريد أن نثير من خلال هذا النقاش الطويل الفكرة التي مفادها أن القرض الحسن يعطى للناس ويرد منهم كما هو دون زيادة تذكر في الدنيا، وينتظر الشخص الذي قدم هذا القرض مضاعفته له في الآخرة لأن الله هو المتكفل بتنميته له، لذا سيجده عند الله هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا. انتهى.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: ما تقدمه أخي المؤمن بربك من خير لنفسك كقرض لله نفسه هو خيرا وهو أعظم أجرا لأن الله قد غير حالته لك فما عاد ثابتا كما قدمته، قال تعالى:  

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ ۚ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ ۙ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ۙ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ۚ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ۚ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)

باب الدين

السؤال: إذا كان هذا هو القرض الحسن (إن صح زعمكم)، فكيف يختلف عن الدّين؟ ربما يريد صاحبنا أن يسأل. ألا يرد الدّين على تلك الشاكلة بدون زيادة تذكر على المبلغ المقدم من الدائن إلى المدين؟ ربما يريد أن يضيف صاحبنا قائلا.

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا لا تصدقوه: كلا وألف كلا. 

السؤال: هل جننت يا رجل؟ هل يزيد المدِين على المال الذي استدانه من صاحبه عند سداده؟

جواب مفترى: نعم هو كذلك. يجب الزيادة على "الدين" عند سداده. انتهى.

السؤال: وأين الدليل على ما تزعم؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق في آية الدَّين نفسها لننظر أنهتدي أم نكون من الذين لا يهتدون. قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

أما بعد،         

افتراء 1: الدين يكون بين المؤمنين (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ)

افتراء 2: الدين يكون لأجل مسمى (إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى)

افتراء 3: الدين يجب أن يكتب (فَاكْتُبُوهُ)

افتراء 4: الذي يقوم بالكتابة هو كاتب متخصص (يسمى كاتب العدل بالمفردات الدارجة) (وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ)

افتراء 5: يجب على الكاتب أن يكتب كما علمه الله (وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ)

افتراء 6: الذي يملّ هو الذي عليه الحق (وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ)

افتراء 7: على الذي عليه الحق أن يتق الله ربه (وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ)

افتراء 8: على الذي عليه الحق أن لا يبخس منه شيئا (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا

افتراء 9: في حالة أن كان الذي عليه الحق سفيها أو لا يستطيع أن يمل هو، يقوم بذلك وليه بالعدل (فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ)

افتراء 10: يجب أن يكون هناك شهداء للدين، رجلين أو رجل وامرأتان (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ)

افتراء 11: سبب وجود المرأتين هو أن تضل أحداهما فتذكر إحداهما الأخرى (أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ)

افتراء 12: لا يحق للشهداء أن يأبوا الشهادة (وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ)

افتراء 13: الدين يجب أن يكتب سواء كان صغيرا أو كبيرا (وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ)

افتراء 14: سبب كتابة الدين هو أن ذلك أقوم للشهادة (وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ) وأدنى أن تحصل الريبة (وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا)

افتراء 15: يجوز عدم كتابة الدين في حالة واحدة وهي أن تكون تجارة حاضرة (إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا)

افتراء 16: في حالة التبايع يجب توافر الشهادة (وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ)

افتراء 17: لا يلحق الشهيد ولا الكاتب أي ضرر جاء ذلك (وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ)

افتراء 18: إذا وقع ضرر على الشهود أو الكاتب، فإن ذلك يقع في باب الفسق (وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ)

افتراء 19: يُحكَم ذلك كله بتقوى الله (وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ)

افتراء 20: إذا بني العقد على هذه الشروط فإن النتيجة هي أن الله لا محالة سيعلمنا لأنه هو بكل شيء عليم (وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)

(دعاء: اللهم أدعوك وحدك أن أكون من عبادك المتقين الذي تعلمهم إنك أنت وحدك بكل شيء عليم – آمين)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم هذا كله؟

لكي نفهم هذا الأمر على حقيقته، فلابد من طرح تساؤلات عديدة، نذكر منها:

- لم يجب أن يكتب الدين؟

- كيف يجب أن يكتب الدين إلى أجل مسمى؟ وما هو الأجل المسمى للدين؟ وكيف يمكن تحديده؟

- لم يجب أن يكتب الدين كاتب بالعدل؟ لم لا يكتبه الدائن والمدين معا وكفى؟

- كيف يمكن للكاتب أن يكتب كما علمه الله؟

- لم يجب أن يملّ الذي عليه الحق؟

- ما المشكلة إذا كان الذي يمل هو الذي له الحق (صاحب الدين)؟

- لم يجب على الذي عليه الحق أن يتق الله ربه ولا يبخس من الدين شيئا؟ وكيف يمكن أن يبخس الذي عليه الحق من الدين؟

- لم يشترط وجود الولي للذي عليه الحق إن كان هذا الأخير سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو؟

- ومتى يمكن أن يكون الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو؟

- لم يجب أن يكون هناك شهود؟

- لم يجب كتابة الدين مهما كانت كميته؟

- لم لا تتوجب كتابة الدين إذا كانت تجارة حاضرة تدار عن تراض بين الطرفين؟

- كيف يمكن أن يحصل التبايع في حالة الدين؟

- لم لا يجب أن يلحق ضرر بالكاتب أو الشهود؟

- لم يحكم العقد كله بتقوى الله؟

- الخ.


باب وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن النقطة المحورية في فهم ماهية الدين على حقيقته تكمن في تدبر هذه العبارة (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا) الواردة في الآية الكريمة نفسها، فكيف يمكن أن يبخس المدين الذي يمل الدين على الكاتب من الدين شيئا؟ فهل إذا أدنتك أنا ألف دولار، هل يمكن لك أن تبخس من ذلك الدين شيئا عندما تقوم أنت الذي عليك الحق بإملاء ذلك الدين على الكاتب بالعدل؟ وكيف يمكن لك أن تبخس من ذلك المبلغ شيئا إن أردت؟ وهل يمكن لي أنا كدائن أن أقبل بأن تبخس من ذلك المبلغ شيئا؟ هل يمكن أن أقبل أن أعطيك ألف دولار وتقوم أنت بإملاء ذلك على الكاتب بالعدل على نحو أن المبلغ الذي يجب أن ترده إلي هو تسع مئة دولار مثلا؟ هل يمكن أن يقبل أي دائن لمثل هذا التصرف؟

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: نحن نفتري ابتداء بأن هناك احتمالية أن يبخس الذي عليه الحق من الدين شيئا (وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا).

السؤال: كيف يمكن أن يبخس الذي عليه الحق من الدين شيئا؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا مفردة تبخس ومشتقاتها في كتاب الله، لوجدنا أنها قد وردت في السياقات القرآنية التالية:

وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)

وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)


ولو تفقدنا هذه الآيات الكريمة على وجه التحديد، لوجدنا على الفور بأن النقيض من البخس هو وفاء الكيل. فمن وفّى الكيل هو الذي لم يبخس الناس أشياءهم، لكن الذي لم يوفّي الكيل فهو الذي بخس الناس أشياءهم. فتكون الصورة على النحو التالي:

أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ

منطقنا المفترى: إن أول ما يمكن أن نستنبطه من هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا هو التالي:

- إيفاء الكيل تحمل في ثناياها الزيادة 

- بخس الناس أشياءهم تحمل (بالمقابل) في ثناياها النقصان.

وهذا يعني بمفردات بسيطة أنك إذا أوفيت الكيل، تكون قد أعطيت الشخص حقه مزيدا غير منقوص كما كان يفعل يوسف مثلا:

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ ۚ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59)

لكن بخسن الشيء تعني – بالمقابل- نقصانه، كما حصل مع الذين شروا يوسف:

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

وهذا التقابل واضح جلي في الآية الكريمة التالية:

مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: يجب على الذي عليه الحق (المدين) أن يوفي الدين (فيزيده) ولا ينقص منه شيئا. وهذا برأينا (ربما مخطئين) معنى وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا.

السؤال: كيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن ذلك يكون على نحو أن القرض يجب أن يرد مزيدا غير منقوص.

السؤال المحوري: لم يجب أن يكون الذي يمل الدين هو الذي عليه الحق؟

رأينا المفترى: نحن ننفي جملة وتفصيلا أن يكون الذي يمل الدين هو الدائن (صاحب المال)، فالنص صريح لا لبس فيه في كتاب الله على نحو أن الذي يجب أن يمل الدين هو الذي عليه الحق، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ ...

ولو حصل أن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو، فإن ذلك التكليف ينتقل إلى ولي الذي عليه الحق، قال تعالى:

.... فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282)

السؤال: لماذا؟ أي لم يجب أن يكون الذي يمل هو الذي عليه الحق أو وليه؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا (فلا تصدقوه): نحن نفتري الظن بأن هذا هو الشعرة التي تفصل الحلال عن الحرام، وبكلمات أكثر دقة فإننا نظن بأن هذا الشرط هو الذي يفصل بين الدين (الحلال) والربا (الحرام). انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أنه في حالتي الدين والربا، هناك زيادة تقع في المال الذي تم أخذه من طرف لحساب الطرف الآخر، فأنت إذا أخذت مبلغا من المال، يجب أن تعيده لصاحبه مزيدا غير منقوص، لكن المشكلة تكمن في التفريق بين ما هو دين وما هو ربا. فكيف يمكن أن نميز بينهما؟

رأينا المفترى: إذا كانت الزيادة التي أضيفت إلى المال قد حددها المدين وأقرها بنفسه وهو الذي أملاها على كاتب العدل بوجود الشهود، فإن ذلك يصبح دينا. لكن بالمقابل إذا كانت الزيادة قد حددها صاحب المال وهو الذي أملاها على المدين، فإن ذلك يقع في باب الربا.

السؤال: لماذا؟ وما الفرق بين الحالتين؟

رأينا المفترى: دعنا بداية نعود إلى المعاملات الربوية سواء حصلت داخل أسوار البنك أم خارجه، لنجد أن البنك أو الدائن (كصاحب المال) هو الذي يحدد نسبة الزيادة في المال المدين. وهنا يكون البنك أو صاحب المال هو الذي ملّ شروط الدين، وهنا تقع أو مخالفة لأحكام الشرع، وهو وجوب أن يكون الذي يمل الدين هو الذي عليه الحق. فيصبح ذلك ربا محرما بدل أن يكون دينا مشرعا. انتهى.
السؤال: كيف يمكن تطبيق ذلك على أرض الواقع؟

جواب مفترى: هذا ما ستناوله بالتفصيل بحول الله وتوفيق منه في الجزء القادم من هذه المقالة إن أذن الله لنا بشيء من علمه فيها، فالله وحده أسأل أن يعلمني، وأن يزيدني علما، وأن يهدين لأقرب من هذا رشدا. وأعوذ به وحده أن أكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو العليم الحكيم – آمين.

المدكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الجراح

بقلم د. رشيد الجراح

24 آب 2017