تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

لماذا نصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟ الجزء الثاني



فقه الصلاة – الجزء الثاني

                                 تحذير               تحذير             تحذير

أرجو جلب انتباه الجميع بأننا ربما نتجرأ في هذا الجزء من المقالة على تقديم افتراءات نظن أنها فعلا غير مسبوقة، كما نعتقد جازمين بأنها من الخطورة التي ربما تغير كثيرا من مفاهيم العقيدة الدارجة التي ألفيناه من عند آبائنا، لذا يجب النظر إلى ما نطرح بعين المتفحص المتدبر وليس بعقلية الناقل المقلد. كما نطلب من الجميع أن يتفهموا أننا نطرح أفكارا أولية للتدبر وليس عقائد نهائية للتطبيق، فتبقى منتظرة الدليل الذي لا يرقى إليه الشك ليثبتها (أو لينفيها). وفي هذا المقام، فإننا نقول لمن أراد أن يأخذ ما نقول من باب العقائد بأن يتحمل فعلا المسئولية الكاملة عنها أمام الله، فنحن نتبرأ منه مما صنعت أيدينا ما لم يكن صحيحا، فلا يظنن أحد أنه يستطيع أن يلقي باللائمة علينا حينئذ، لأننا لسنا مسئولين عن عقائد الناس مادام أننا (كبشر) نعترف بملء الفيه بأننا قد نقع في الغلط. ونؤمن يقينا بأنه لن يخلصنا من سوء ما سولت لنا به أنفسنا ومن سوء ما صنعت أيدينا إلا أن ندعو الله وحده مخلصين له الدين أن لا نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق. فملخص عقيدتنا هو على النحو التالي: إن نحن أصبنا، فهذا خير أصابنا به الله، وإن نحن أخطأنا، فهذا من ظلمنا لأنفسنا. فالله وحده ندعوه مخلصين له الدين أن لا نكون ممن يحملون ظلما، إنه هو السميع البصير – آمين.

أما بعد،

سنتابع في هذا لجزء الثاني من المقالة بقية القضايا التي نظن أن لها علاقة بفقه الصلاة كما يمكن لنا أن نستنبطها من كتاب الله عن شعائر وطقوس هذه العبادة العظيمة. فقد كان الهدف منصبا في الجزء السابق على استنباط أوقات الصلاة الخمسة من القرآن الكريم (للتفصيل انظر الجزء السابق).

وسنتابع في هذا الجزء وفي الأجزاء القادمة بقية ما نظن أنه له علاقة مباشرة بهذه العبادة من مثل:

1. الوضوء للصلاة

2. التفريق بين ما يسمى بالفرض والسنة

3. عدد الركعات

4. الأقوال والحركات في الصلاة

5. توقيت الصلاة

6. علاقة الصلاة بالعبادات الأخرى وخاصة الزكاة

7. الخ

أما بعد،

دعنا نبدأ النقاش هنا بالآية الكريمة التالية:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

لنطرح على الفور التساؤل التالي: لماذا جاءت عبارة "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ" منصوبة ومعطوفة على عبارات "لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ" قبلها وعبارات "وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ" بعدها التي وردت جميعها مرفوعة؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن (كما أسلفنا في مقالات سابقة لنا) بأن الفرق بين الرفع والنصب يتمثل في وجود الإرادة الحرة للفرد أو عدم وجودها، فإذا ما كان الشخص يقوم بالعمل بمحض إرادة منه، لا يضطره إلى فعل ذلك أحد من الناس من حوله، فذاك يتطلب الرفع، وأما إذا كان الشخص يقوم بالفعل دون إرادة منه، مدفوعا لها من قبل غيره، فإن النصب هو الأولى. وهذا بالضبط ما تعرضنا له عندما حاولنا للتفريق بين حركة الرفع والنصب التي ترد في هذه الآيات الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)


فظننا أن الفرق بين "المؤمنون" من جهة و"المؤمنين" من جهة أخرى هو الفرق بين من آمن من تلقاء نفسه كأبي بكر وعمر مثلا مقابل من وجد نفسه مؤمنا من مثلي ومثلك نتيجة ما ألفى عليه آباءه. فأبو بكر وعمر هم مؤمنون لأنهم اختاروا الإيمان من تلقاء أنفسهم عندما وجدوا أنفسهم يعيشون في مجتمع غير مؤمن، بينما ربما أكون أنا وأنت مؤمنين لأننا وجدنا أنفسنا في مجتمع مؤمن، فنحن إذا لم نخيّر في هذه القضية على وجه التحديد حتى نتخذ قرارا في ذلك من تلقاء أنفسنا.

وينطبق مثل هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا على مفردات أخرى من مثل "كظيم" و "مكظوم"، ففي حين أن من كان كظيما (كيعقوب) فهو مسلوب الإرادة والتصرف:

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

بينما من كان مكظوما (كيونس) فهو من كان كذلك بمحض إرادة حرة منه:

فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48)

(للتفصيل انظر مقالتنا قصة يونس – الجزء الثامن)

وللتفصيل أكثر في هذا الموضوع، دعنا ندقق في الفرق اللغوي الظاهر بالرفع والنصب لمفردة (وَالصَّابِؤُونَ وَالصَّابِئِينَ) في الآيات الكريمة نفسها التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)


فبالرغم أن المفردة نفسها قد جاءت كـ اسم إِنَّ المشددة (كما يرغب النحويون أن يميّزوها عن غيرها) في الحالتين، إلا أنها وردت منصوبة في الآيتين الكريمتين التاليتين:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)

بينما جاءت مرفوعة في الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

وكان الافتراء الخطير الذي طالما حاولنا الترويج له يتلخص بدعوتنا إلى طرح جملة القواعد التقليدية التي وضعها الآباء والأجداد جانبا عند التعرض للتراكيب القرآنية، لأن تلك القواعد هي - برأينا ربما المغلوط - عبء على النص القرآني. لذا ظننا أن النص القرآني ليس بكتاب قواعد من صناعة البشر، ولا يجوز بأي حال من الأحوال (نحن نظن) إخضاع النص القرآني للقواعد التي هي من صناعة البشر، ومن ثم محاكمته بناء عليها. فالنص القرآني صناعة إلهية تخلو من العيب:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا (1)

بينما القواعد اللغوية ليست أكثر من صناعة بشرية ما أنزل الله بها من سلطان، تندرج في باب المجادلة:

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ (71)

ليكون السؤال المبدئي هنا هو: لماذا جاء اسم إِنَّ المشددة مرفوعا في هذه الحالة (وَالصَّابِؤُونَ) مقابل أنه قد جاء منصوبا في الحالات المتطابقة تركيبيا الأخرى (وَالصَّابِئِينَ)؟ أو بكلمات أخرى نحن نسأل: ما دلالة هذا الاختلاف (وَالصَّابِؤُونَ مقابل وَالصَّابِئِينَ) في هذه الآيات الكريمة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الفرق بين الرفع والنصب تكمن في حالة الموصوف، فهم تارة صابِؤُون وهم تارة أخرى صابِئِين.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا: نحن نفتري القول مبدئيا أن هناك الصَّابِؤُونَ وهناك الصَّابِئِينَ، لذا نحن نظن أن هناك نوعان من الذين صبأ- وا:

- فهناك من صبأ اختيارا من تلقاء نفسه

- وهناك من صبأ إتباعا لما ألفى عليه آباءه

والمنطق نفسه ينطبق (نحن نظن) على الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى. فهناك من آمن بقرار شخصي وهناك من آمن بقرار غير شخصي، وكذلك هناك من هاد بقرار شخصي وهناك من هاد (أي أصبح من الذين هادوا) بقرار غير شخصي، وهناك من تنصّر (أي أصبح من النصارى) بقرار شخصي وهناك من تنصّر بقرار غير شخصي.

ولتوضيح الفكرة أكثر، دعنا نطلب من القارئ الكريم أن يتخيل - مثلا- الفرق بين إيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من صحابة الرسول الكريم مقابل إيماننا نحن من وجدنا أنفسنا مؤمنين دون قرار فعلّي من تلقاء أنفسنا. ليكون السؤال هو: ما الفرق بين إيمان أبي بكر وإيماني أنا مثلا؟

رأينا: نحن نظن أن أبا بكر قد آمن بمحض اختيار تام من تلقاء نفسه، فهو من اختار طواعية ترك دين آباءه وأجداده وآثر أن يتّبع الرسول الذي بعثه الله فيهم، فهو إذن من طرح دين آباءه وأجداده وراء ظهره، وهو من اتخذ بنفسه القرار الجريء باللحاق بهذا الدين الجديد. لكن – بالمقابل- لم يكن إيماني (أنا) بنفس الطريقة والمنهج. فما آمنت أنا (بذاك الرسول الذي بعث فينا) إلاّ لأني وجدت آبائي من هذه الأمة. وفي نهاية المطاف كنا جميعا (أبو بكر وأنا وأنت) من الذين آمنوا. لكن هل نحن متساوون في الإيمان؟! من يدري؟!!

رأينا المفترى من عند أنفسنا 1: نحن نظن أن أبا بكر هو من الذين آمنوا، أي المؤمنون (حالة الرفع)

رأينا المفترى من عند أنفسنا 2: نحن نظن أن أنا وأنت من الذين آمنوا، أي المؤمنين (حالة النصب)

والمنطق نفسه ينطبق على إيمان الحواريين مقابل إيمان من جاء بعدهم من النصارى. فالحواريون هم من اتخذ القرار بنصرة الله وإتباع المسيح عيسى بن مريم:

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)


لكن - بالمقابل - تنصّر من جاء بعدهم فقط لأنهم وجدوا آباءهم على تلك الأمة (النصرانية)، وهكذا.

لتكون النتيجة التي نحاول جاهدين أن نصل إليها هي على النحو التالي: من اتخذ قراره بنفسه فهو يتمتع بحالة الفاعل المبادر بالفعل، أي الرفع: الصَّابِؤُونَ، وهو ما يسمى باللسان الأعجمي (the agent or the doer of the action)، أما من وجد نفسه تابعا من سبقه في قراره فهو يتمتع بحالة المفعول (أو الفاعل غير المبادر من تلقاء نفسه، أي المتلقي للفعل أو ما يسمى باللسان الأعجمي بـ the recipient of the action)، لذا فهو يحمل علامة النصب: الصَّابِئِينَ.

والآن دعنا نعود إلى الآيات الكريمة السابقة لنرى تداعيات هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا وكيف يمكن أن يختلف الفهم لكل حالة من الحالات الإعرابية (كالرفع أو النصب)، ولنبدأ بحالة الرفع في الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (69)

افتراء خطير جدا: نحن نفتري الظن بأن هذه الآية الكريمة تتحدث عن أولئك الفئة من الناس الذين اتخذوا قرارهم بأن يكونوا من "الذين آمنوا أو الذين هادوا أو النصارى أو الصابئون" بأنفسهم، فهم اللذين التحقوا بالركب ولم يكونوا أصلا كذلك من ذي قبل، وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري الظن أنهم هم الذين بادروا بفعل الإيمان بقرار شخصي منهم. فالذين آمنوا (في هذه الآية الكريمة) لم يكونوا مؤمنين أصلا ثم ما لبثوا أن تحولوا إلى الإيمان بقرار من أنفسهم (كأبي بكر وعمر وعلي وغيرهم من أصحاب محمد)، وكذلك هي الحال – برأينا- للذين هادوا، وكذلك النصارى (كالحواريين)، وكذلك (نحن نفتري القول) كان الصابئون.

أما الآيات الكريمة التالية التي جاءت بحالة النصب:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62)

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)


فهي تتحدث – برأينا- عن الذين آمنوا لأنهم وجدوا آباءهم قد التحقوا بركب الإيمان (من مثلنا)، فما كان إيمانهم نتاج قرار خالص من أنفسهم، وكذلك هم – برأينا- الذين هادوا وكذلك الصَّابِئِينَ، وكذلك النصارى.

ولو حاولنا تدبّر القرآن الكريم، لوجدنا فيه عشرات (بل مئات) الأمثلة على مثل ذلك الاختلاف الظاهري الذي يحمل في ثناياه برأينا معاني ودلالات عظيمة. ولتوضيح الفكرة لأهميتها من الناحية التطبيقية، فإننا سنجلب المثال المثير التالي الذي (نحن نظن) يمكن أن ينطبق عليه المنطق نفسه، فهناك اختلاف ظاهر (يستحيل التحايل عليه) في الآية الكريمة التالية:

لَّكِنِ الرَّاسِخونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

فلو راقبنا العطف في هذه الآية الكريمة جيدا، لوجدنا على الفور أن حالة الرفع هي المسيطرة على المعطوف والمعطوف عليه باستثناء حالة واحدة وهي (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ)، فبالرغم أن كل ما سبقها كان مرفوعا (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا) وأن كل ما لحقها كان مرفوعا أيضا (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) بقيت هي بنفسها منصوبة متوسطة ذلك السياق القرآني (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ).

السؤال: لماذا جاءت حالة (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ) منصوبة في وسط الحالات المرفوعة كما هو واضح من صريح اللفظ القرآني؟

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

رأينا المفترى: بداية، نحن نظن أن الرسوخ بالعلم لا يتم إلا بقرار من الشخص نفسه، وكذلك هو الأيمان، وكذلك إيتاء الزكاة. لكن إقامة الصلاة – على وجه التحديد- قد لا تكون بقرار محض من الشخص نفسه. فمن المفروض على الشخص أن يقيم الصلاة شاء ذلك أم أبى، فأنت لا تستطيع (كمسلم) أن لا تقيم الصلاة لأن الصلاة - كما نص عليها القرآن- كانت على المؤمنين كتابا موقوتا:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)

السؤال: كيف كانت الصلاة على المؤمنين كتابا موقوتا؟ وما علاقة هذا بالحركة الإعرابية لمفردة الْمُقِيمِينَ في عبارة "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ" التي نحاول أن نجد لها تخريجا (نظن أنه) منطقيا هنا؟

رأينا المفترى: نحن نؤمن أن كل شخص مطلوب منه إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة، أليس كذلك؟ ولكن هناك أمر يدعو للحيرة في هذا الفعل وهو أن الشارع الكريم قد طلب منا إظهار فعل إقامة الصلاة على الملأ. فلو تأملنا هذه العبادة على وجه التحديد جيدا، لوجدنا على الفور أنها فعل تعبدي مطلوب منا أن نبديه على الملأ، ليرى ذلك كل من حولنا بأم أعينهم. فإبداء الصلاة (على وجه التحديد) خير من إخفائها على عكس جميع الأعمال التعبدية الأخرى. فصلاة الرجل في المسجد مثلا خير من صلاته في بيته، وصلاة الرجل في المسجد الجامع خير له من صلاته في مصلى حارته، وصلاة الرجل في المسجد الأقصى خير من صلاة الرجل في مسجد مدينته، وصلاة الرجل في المسجد النبوي خير له من صلاته في مساجد بلده كلها، وصلاة الرجل في المسجد الحرام خير له من صلاته في أي مكان آخر على وجه الأرض.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك يكمن في كثرة الشهود وتنوعهم. فكلما كان الشهود على صلاتك أكثر، كلما كان أفضل، وكلما تنوع الشهود، كان الأجر أكبر. فأكبر تجمع على الأرض وأكبر تنوع في المجتمعين من المؤمنين يكون في البيت الحرام، لذا فإن الصلاة فيه لا تساويها صلاة في غيره. لذا نحن نتجرأ على تقديم الافتراء التالي: أن الأجر في الصلاة مرتبط بعدد وبنوعية الشاهدين عليها.

كما لا يفوتنا التنبيه هنا إلى أن هذا الظن (ربما) هو ما يجعل الصلاة – على وجه التحديد- كبيرة إلا على الخاشعين، كما جاء في الآية الكريمة التالية:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

ليكون السؤال المطروح على الفور هو: لماذا تكون الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الجواب يكمن في الآية الكريمة التالية:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)

السؤال مرة أخرى: لماذا الصلاة - على وجه التحديد- كبيرة إلا على الخاشعين؟ أليست هي دقائق معدودة؟ هل الصلاة أكبر من الزكاة أو من الصوم أو الحج، وهكذا؟

جواب مفترى: نعم، هي أكبر من ذلك كله، لأن الصلاة هي كتاب موقوت. انتهى.

السؤال: كيف يمكن فهم ذلك؟

رأينا: لما كان فعل الصلاة يجب أن يبدى للجميع، فإن من الأفضل أن يُصلي الإنسان أمام الناس، وكلما كان الجمع أكبر (كما زعمنا) كان الأجر أعظم، وذلك لأن الشهود أكثر.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن الإنسان يستطيع أن يخدع كل من حوله بهذه الأعمال كمّا ونوعا. فأنت لا تستطيع أن تتحقق بأن الشخص (أي شخص) قد قام بإيتاء الزكاة بالكمية المترتبة عليه فعلا، فذاك فعل متروك لضمائر العباد أنفسهم. أما في حالة الصلاة فإنها (نحن نظن) بمثابة الإقامة الجبرية المفروضة على الإنسان. فأنت مطلوب منك أن تحضر بنفسك لتوقع على السجل خمس مرات في اليوم والليلة، لا بل مطلوب منك أن تسلّم كتابك بنفسك خمس مرات في اليوم والليلة (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا). فالمحافظ على الصلاة مطلوب منه أداءها في أوقات محددة من اليوم والليلة لا يستطيع أن يترك شيئا منها.

إن الصلاة هي العبادة الوحيدة التي جاء وصفها في كتاب الله على أنها كبيرة:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

وفهمنا ذلك على النحو التالي: جاء وصف الصلاة (من دون العبادات جميعا) على أنها كبيرة بالرغم أنها (ربما) لا تتطلب وقتا وجهدا لإنجازها، وذلك لأنها مرتبطة (نحن نفتري القول) بزمن محدد (كِتَابًا مَّوْقُوتًا). فالعمل (أي عمل) لا يعتبر – برأينا- كبيرا إلا إذا ما كان إنجازه يتطلب الالتزام بمواعيد محددة وثابتة. فلو أنت عملت في وظيفة محددة، ولو أنه طلب منك إنجاز عمل محدد، فإن تلك الوظيفة وأن ذلك العمل لا يكون كبيرا بالنسبة لك إلاّ إذا كان يتطلب منك القيام به الحضور والمغادرة في أوقات ثابتة محددة. فمهما كان العمل شاقا، لا يكون كبيرا إذا كان الشخص يستطيع القيام به متى شاء، ولكنه يصبح كبيرا إذا تحدد القيام بذلك العمل في وقت محدد (كِتَابًا مَّوْقُوتًا).

مثال: تخيل أنك محكوم عليك بالإقامة الجبرية في مركز أمني، ألا يتوجب عليك الحضور في أوقات محددة للتوقيع وإثبات وجودك؟ ألا يطلب من المحكوم عليه بالإقامة الجبرية أن يثبت وجوده في المركز الأمني في الصباح والمساء مثلا؟ فكم من الوقت تحتاج لإثبات وجودك في المركز الأمني؟ ألا تستطيع القيام بذلك بوقت قصير (ربما ليس أكثر من بضعة دقائق للتوقيع ثم الانصراف في الحال)؟ لكن، ألا يجد الإنسان مشقة في ذلك؟ ألا يكون هذا العمل كبيرا بالنسبة له بالرغم أنه لا يتطلب الوقت والجهد الكبيرين؟

جواب: نعم، هو كذلك، لأنك مضطر أن تتفرغ لهذا العمل بالرغم عن المعيقات جميعا. فمهما كان الظرف الذي تمر به، ومهما كان الشاغل الذي قد يحجزك، إلا أنه وجب عليك أن تترك كل الأعمال الأخرى للحضور للمركز الأمني لبضع دقائق معدودة من أجل إثبات وجودك. فتصبح الدنيا كلها (على اتساعها) ويكأنها سجن مفتوح بالنسبة لك.

السؤال: لماذا؟ وما علاقة هذا بالصلاة التي هي فعلا كبيرة (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ

جواب مفترى: لمّا كانت الصلاة مفروضة على المؤمنين في أوقات محددة، وجب الالتزام بها في هذه الأوقات على وجه التحديد، فتصبح هذه العبادة على وجه التحديد كبيرة، لأنها تتطلب منك التفرغ لها في هذه الأوقات المحددة مهما كان الشاغل الذي قد يحجزك عنها حينئذ. فلو أنت كنت في وسط القيام بأي عمل، وحان وقت الصلاة، وجب عليك أن تترك كل شيء لتتفرغ للصلاة في وقتها.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الصلاة (كعبادة) هي بمثابة الإقامة الجبرية المفروضة (من السماء) على الإنسان المؤمن في هذه الحياة الدنيا.

السؤال: ما الذي سيحصل لو أنك لم تُقِم الصلاة في وقتها؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأن الذي يحصل في هذه الحالة مشابه تماما لما قد يحصل لو أن الشخص المحكوم عليه بالإقامة الجبرية قد تخلف عن الحضور إلى المركز الأمني للتوقيع في الوقت المحدد له.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نعلم بأنه لو تخلف الشخص المحكوم عليه بالإقامة الجبرية عن الحضور للمركز الأمني لمرة واحدة لإثبات وجوده في الوقت المحدد له، لربما عرّض نفسه للعقوبة، ولو تكرر غيابه أكثر من مرة، لدُقت أجهزة الإنذار التي تطالب بجلبه على الفور مهما كان السبب الذي منعه عن الحضور.

فبالرغم أن الفعل قد لا يتطلب أكثر من دقائق معدودة إلاّ أن الشخص يتضايق ويتثاقل من ذلك كثيرا، لأنها تصبح مقيّدة لحيرته الشخصية.

وكذلك هي الصلاة، تصبح كبيرة إلا على الخاشعين، لأنها كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، أي محددة بوقت معين، لذا تصبح الصلاة (بهذا المفهوم المفترى من عند أنفسنا) عبئا ثقيلا، فكانت فعلا كبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون. فلا يستطيع الإنسان أن يترك كل ما بيده على الفور (مهما كان الفعل الذي يقوم به في وقت الصلاة) ويتفرغ كليا لأداء الصلاة في وقتها (خمس مرات في اليوم والليلة) إلا إذا كان من الخاشعين:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45)

نتيجة مفتراة 1: كلما أُظهرت الصلاة أكثر (كالصلاة في المسجد مثلا)، كان الأجر (نحن نظن) أكبر

نتيجة مفتراة 2: كلما أخفيت الأعمال الأخرى (كالصدقة والإيمان وغيرها) كان الأجر (نحن نظن) أكبر.

فإخفاء الصدقات خير من إبدائها بصريح اللفظ القرآني:

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

لذا، تنقسم جميع الأعمال التي يقوم بها المؤمن إلى قسمين:

- قسم يستحسن فيه الإظهار وهي إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة (كما سنرى لاحقا بحول الله وتوفيق منه)

- وقسم آخر يفضل فيه الإخفاء وهي جميع الأعمال التعبدية الأخرى

فلا يستطيع أحد أن يقرر أنك صائم أو أنك لست صائما (حتى في شهر رمضان) إلا أنت. فيكفي أن تشهد لنفسك بالصيام وذلك لأن الصيام مرتبط بالتقوى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)

وهكذا هي الصدقات:

إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271)

فإخفاء الصدقات خير من إظهارها. وكذلك هو مقدار الزكاة، فلا أحد يستطيع أن يقرر مقدار الزكاة التي يتوجب عليك إخراجها من مالك إلاّ أنت بنفسك، وذلك لأنه لا أحد يعلم مقدار ما لديك من ثروة مستحق الزكاة فيها إلا أنت نفسك. لذا تستطيع أن تتحايل كما تشاء. وهكذا هو الإيمان، فقد تظهر لمن حولك من الإيمان ما تشاء، لكن الله وحده هو من يعرف حقيقة ما أظهرت وما أخفيت من إيمان:

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (25) وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

وكذلك هي كل الشعائر الأخرى، فعلمها عند الله وعند الشخص نفسه الذي يقوم بها:

وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270)

أما الصلاة، فالأمر فيها مختلف بشكل جذري، فأنت لا تستطيع أن تتحايل في تأديتها لأن الشهود عليك من حولك كثيرون:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

فالإنسان مجبور على فعل إقامة الصلاة حتى وإن كان غير راغب فيها، لذا مطلوب منه (لا بل مفروض عليه) أن يصلي شاء أو أبى، وإن ظهر لمن حوله أنه تارك للصلاة (حتى وإن كان غير راغب بها) لزم على كل من حوله أن يسأله وأن يحاسبه عليها. وهذا لا ينطبق في حالة الأفعال التعبدية الأخرى التي من المفترض بالمؤمن أن يؤديها. فحتى فريضة الحج فهي ملزمة فقط لمن استطاع إلى ذلك سبيلا:

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

لكن يبقى السؤال قائما: من يملك أن يقرر أنك تستطيع الحج أو لا تستطيعه؟ ألست أنت وحدك؟ لذا يستطيع من كان غير راغب في الحج أن يتعذر بعدم الاستطاعة، وحينها لا يكون لأحد الحق أن يتدخل بالأمر مادام أن الشخص نفسه قد قرر بنفسه عدم استطاعته الحج.

لتكون النتيجة الخطيرة المفتراة من عند أنفسنا على النحو التالي:

- الذي يرسخ بالعلم لا يمكن أن يرسخ فيه وهو غير راغب به (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ)، مرفوعة

- الذي يؤمن بما أنزل إلى محمد وما أنزل من قبله لا يمكن أن يؤمن وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ)، مرفوعة

- الذي يؤتي الزكاة لا يمكن أن يؤتيها وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ)، مرفوعة

- الذي يؤمن بالله واليوم الآخر لا يمكن أن يؤمن وهو غير راغب في ذلك (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)، مرفوعة

- لكن، الذي يقيم الصلاة قد يقيمها وهو غير راغب فيها، مجبور عليها (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ)، منصوبة

والآن لاحظ – عزيزي القارئ- كيف اختلفت الحركة الإعرابية للمقيمين الصلاة – على وجه التحديد- في الآية الكريمة قيد الدراسة:

لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)

نتيجة مفتراة 1: لمّا كانت الصلاة على المؤمنين كتابا موقوتا، وجب على كل مسلم أن يؤديها في وقتها شاء أم أبى، وللتأكد من ذلك فقد طلب الشارع الكريم منه أن يظهرها ليكون الناس من حوله شهداء عليه بأم أعينهم، لذا كان عليه أن يؤديها في وقتها حتى وإن كان غير راغب في ذلك.

نتيجة مفتراة 2: لمّا كانت الأعمال الأخرى مفضل فيها الإخفاء، فإن المراقب الفعلي للإنسان على القيام بها (بعد الله) هو الإنسان نفسه، لذا ليس لأحد الحق أن يراقبه فيها أو أن يشكك في قيام الشخص بها أو عدم قيامه بها. فالإنسان نفسه هو المسئول الوحيد عنها مادام أن إخفائها (كالصدقات) أفضل من إظهارها، ومادام أن التعذر عن القيام بها (كالحج مثلا) منوط بالشخص نفسه.

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: نحن نظن أن معظم الأعمال (باستثناء الصلاة) مفضل فيها الإخفاء، أما الصلاة فمن الأفضل إظهارها، فتصبح ملزمة للجميع ليكون الجميع شهداء على بعضهم البعض في هذه الجزئية بالذات.

سؤال ربما يدعو للحيرة: إذا كانت عبارة "وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ" قد وردت في هذه الآية الكريمة بهذه الصيغة، فهل وردت العبارة نفسها في النص القرآني على مساحته بصيغة الرفع "المقيمون للصلاة" في مواطن أخرى؟

جواب: نحن لم نجدها؟

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن إقامة الصلاة إجبارية، شاء من شاء وأبى من أبى. فذاك أمر غير مرتبط بإرادة الشخص لأنه مطلوب منه إقامة الصلاة حتى وإن كان غير راغب في ذلك

سؤال ربما يدعو للحيرة: إذا كانت عبارة "وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ" قد وردت في النص القرآني بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (المؤتين الزكاة)؟

جواب: نحن لم نجدها.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن إيتاء الزكاة فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار. فالإنسان نفسه هو الفاعل المبادر فيها

سؤال ربما يدعو إلى الحيرة: إذا كانت عبارة (الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ) قد وردت بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (الراسخين في العلم)؟
جواب: نحن لم نجدها.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن الرسوخ في العلم هو فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار.

سؤال ربنا يدعو إلى الحيرة: إذا كانت عبارة (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قد وردت بصيغة الرفع، فهل نجدها في مواطن أخرى بصيغة النصب (المؤمنين بالله)؟

جواب: نحن لم نجدها

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن الإيمان بالله (وليس الإيمان المطلق) هو فعل إرادي يقوم به الشخص طواعية لا يمكن أن يتم بالإجبار.

باب: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة

لو تدبرنا كتاب الله جيدا، لوجدنا بأن فعل إقامة الصلاة غالبا ما جاء مرتبطا ومصاحبا لفعل إيتاء الزكاة، قال تعالى:

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مَّعْرِضُونَ (83)

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (77)

وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78)

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)


ليكون السؤال على الفور هو: لماذا جاء فعل إقامة الصلاة مقترنا بفعل إيتاء الزكاة؟ ولِم لَم يأت مقترنا بالعبادات الأخرى كالصدقات والحج أو الصيام؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا الخطير جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن الزكاة لا تؤخذ إلا ممن يقيم الصلاة. فإذا كان الشخص مقيما للصلاة وجب عليه دفع الزكاة، أما إذا كان الشخص لا يقيم الصلاة، فلا تؤخذ منه الزكاة. انتهى.

السؤال: ما الذي يتوجب على من لا يقيم الصلاة أن يدفع؟ هل يعفى من الدفع تماما؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا، بل يجب عليه أن يدفع ما يترتب عليه من مال لبيت مال المسلمين رغما عنه، ولكن ذلك لا يقع في باب الزكاة وإنما يدفع ذلك (نحن نرى) في باب الجزية، قال تعالى:

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)

فالجزية لا تطلب فقط من الذين لا يدينون دين الحق من الذين آتوا الكتاب وإنما تؤخذ أيضا من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله.

السؤال: هل الذي لا يقيم الصلاة هو من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نعم. نحن نظن أن الذي لا يقيم الصلاة هو من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حتى وإن هو أنكر ذلك وتعلل بأنه من المؤمنين بالله واليوم الآخر.

السؤال: أين الدليل على ما تزعم؟ يسأل صاحبنا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الدليل يأتي من الآيات الكريمة التالية التي تحث المؤمنين بالله واليوم الآخر على إقامة الصلاة في وقتها، قال تعالى:

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

لتكون النتيجة المفتراة التي نحاول الوصول إليها من هذا السياق القرآني (كما نفهمه طبعا) هي على النحو التالي: الذين يستعينون بالصبر والصلاة هم الخاشعون الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم (وهذا هو الإيمان بالله) والذين يظنون أيضا أنهم إليه راجعون (وهذا هو الإيمان باليوم الآخر).

نعم، نحن نظن أن الذي لا يقيم الصلاة هو من الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر حتى لو هو أنكر ذلك. فإقامة الصلاة هو عمل تعبدي لله لا يقوم به إلا من كان يظن أنه ملاق ربه ومن ظن أيضا أنه إلى ربه راجع. وذلك لأن الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين مادامت أنها كتابا موقوتا:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)
فإقامة الصلاة (نحن نرى) هي الدليل العملي (والبرهان الفعلي) على أن الشخص مؤمن بربه وأنه إليه راجع. فمهما تعلل من لا يقيم الصلاة عن عدم إقامته للصلاة، ومهما تعذر عن تقصيره في ذلك، فإن السبب الحقيقي الذي يمنعه عن إقامة الصلاة التي هي على المؤمنين كتابا موقوتا هو أنه فعلا ليس من المؤمنين. انتهى.

لكن - بالمقابل – نحن نظن (ربما مخطئين) بأن الذي يدفع الشخص للنهوض من فراشه في الفجر الباكر لإقامة الصلاة، والذي يدفعه لترك عمله مهما كان متى جاء وقت الصلاة، والتفرغ لهذه العبادة العظيمة، هو إيمانه اليقيني بأنه ملاقٍ ربه وأنه إليه راجع. انتهى.

السؤال: كيف تؤخذ الزكاة من الذي لا يقيم الصلاة؟

رأينا المفترى: لمّا كان فعل إيتاء الزكاة هو – برأينا- فعل تعبدي ظاهري لأن الزكاة (غير الصدقات) تدفع للدولة، فإن الذي لا يقيم الصلاة (أي غير المؤمن) يدفع الزكاة على شكل جزية تؤخذ منه عند يد وهو صاغر.

السؤال: كيف يمكن التفريق بين الطرفين؟

رأينا: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية هي التي تفرق بين الطرف المؤمن الذي يدفع الزكاة والطرف غير المؤمن الذي يدفع الجزية، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الذي يقيم الصلاة يمكن له أن يقيمها في جماعة بدليل قوله تعالى:

وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

ويستطيع أيضا أن يقيمها لوحده بدليل قوله تعالى:

وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)


نتيجة مفتراة 1: يمكن إقامة الصلاة بشكل جماعي

نتيجة مفتراة 2: يمكن إقامة الصلاة بشكل فردي

لكن على الجميع أن يلبوا النداء للصلاة من يوم الجمعة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

السؤال: ما علاقة هذا بدفع الزكاة أو بدفع الجزية؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن كل من شُهِد له بأنه يلبي النداء للصلاة من يوم الجمعة، فهو إذا من المؤمنين المكلفين بدفع الزكاة. أما إذا لم يُشهَد للشخص الحضور للصلاة من يوم الجمعة، فهو إذا لا يكون من المؤمنين، ويجب أن تؤخذ منه الجزية عن يد وهو صاغر.

السؤال: ما الفرق بين الحالتين؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لما كان الذي يحضر للصلاة من المؤمنين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، فهو إذا لن يتجرأ على التلاعب بكمية المال الواجب عليه دفعه كزكاة لما غنم، فهو يعلم يقينا أن ما يدفعه هو لله:

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)

وهؤلاء "المصلين" هم الذين على صلاتهم دائمون، وهم الذين يعلمون يقينا أن في أموالهم حق معلوم:

إلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24)

أما الذي لا يأت إلى الصلاة من يوم الجمعة، فهو ليس من المؤمنين، مادام أنه ليس من الذين على صلاتهم دائمون، لذا لن يكون من الحريصين على تقديم المبلغ المطلوب منه على أكمل وجه، فهو ليس من الذين يظنون أن ما يقدمه من الحق المعلوم في ماله لله، وإنما ينظر إلى الأمر على أنه يقع في باب الجباية. لذا، لا يستبعد أن يكون من الذين يتلاعبون بنصاب الزكاة المطلوب منه دفعه، فيصبح إذا لزاما على القائم على بيت مال المسلمين مراقبتهم مراقبة شديدة.

السؤال: ما الفرق بين الزكاة والجزية؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ليس هناك دافع يدعو الإنسان إلى الالتزام بإقامة الصلاة التي هي أصلا على المؤمنين كتابا موقوتا إلا إيمان الشخص نفسه بأنه ملاق ربه وأنه إليه راجع. لذا تحصل المراقبة للشخص من تلقاء نفسه، وهذا الإيمان ينطبق أيضا على فعل إيتاء الزكاة، فالشخص المؤمن يقدم الزكاة من تلقاء نفسه لأنه يعلم يقينا بأن ذلك عمل تعبدي لله وحده، فيحرص إذا على تقديمها على أفضل وجه، فلا يحصل تلاعب عنده بمقدار ما عليه من الزكاة الواجب عليه دفعها إلى بيت مال المسلمين.

أما الشخص الذي لا يقيم الصلاة، فإنه ينتفي عنه صفة الإيمان بأنه ملاق ربه وانه إليه راجع، لذا قد يحصل التلاعب عنده بمقدار المال المترتب عليه دفعه إلى بيت مال المسلمين، لذا وجب على القائم على جمع الزكاة لبيت مال المسلمين أن يراقبه مراقبة حثيثة، فيكون إذن دافع للزكاة عن يد وهو من الصاغرين.

نتيجة مفتراة 1: الصدقات تختلف عن إيتاء الزكاة

نتيجة مفتراة 2: الصدقات يقوم بتوزيعها الشخص بنفسه على الفئات التي وردت في الآية الكريمة التالية:

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

نتيجة مفتراة 3: إيتاء الزكاة لا يقوم بتوزيعها الشخص بنفسه، وإنما هي بمثابة الضريبة الواجبة لبيت مال المسلمين، وتؤخذ من المؤمنين

نتيجة مفتراة 4: الجزية لا يقوم بتوزيعها الشخص نفسه، وإنما هي بمثابة الضريبة الواجبة لبيت مال المسلمين، وتؤخذ من كل الذين ليس هم من المؤمنين

نتيجة مفتراة 5: مقدار الجزية هي مقدار الزكاة نفسها

(وسنتعرض لهذه القضايا لاحقا بإذن الله وتوفيق منه، فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم، إنه هو العليم الحكيم)

الدليل: باب من الصاغرين

لو تفقدنا السياقات القرآنية التي وردت بها مفردة الصاغرين (أو الصاغرون) على مساحة النص القرآني، لوجدناها قد وردت في الحالات التالية:

1. في حالة إبليس

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13)

2. في حالة يوسف

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)

3. في حالة أهل سبأ الذين بعثوا لسليمان بهدية

ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37)

4. في حالة دفع الجزية

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)

السؤال: لماذا وردت مفردة (صاغرين أو صاغرون) في هذه السياقات على وجه التحديد؟

رأينا المفترى: لو دققنا في هذه السياقات جميعها، لوجدنا أنها تبين العلاقة بين طرفين، أحدهما قوي والآخر ضعيف (أم مستضعف)، وتبين فيها جميعا السيطرة المطلقة للطرف القوي على الطرف الضعيف، فيكون الطرف القوي في وضع يؤهله من مراقبة لا بل ومحاسبة الطرف الضعيف على ما كل يفعل. فالله هو من توعد إبليس بأن يكون إبليس من الصاغرين، وذلك لأن الله قادر أن يراقب (وبالتالي يحاسب) إبليس عن كل فعل يقوم به.

وكذلك هي الحال بالنسبة ليوسف، فتلك المرأة (الطرف القوي) قد توعدت يوسف ليس فقط بالسجن وإنما أيضا بأن يكون من الصاغرين إن هو لم يفعل ما تأمره به، فهي إذن لن تترك يوسف وشأنه في السجن، بل ستحاسبه على كل أفعاله حتى وهو في السجن.

وكذلك كان سليمان سيفعل بالقوم إن هم لم يلبوا نداءه بأن يأتوه مسلمين. فسليمان (الطرف القوي) سيستطيع أن يراقبهم مراقبة حثيثة لا بل وسيحاسبهم على كل أفعالهم.

والمنطق نفسه (نحن نفتري القول) يمكن أن ينطبق في حالة غير المؤمنين الذين يتوجب عليهم دفع مستحقات بيت مال المسلمين مما غنموا. فالقائم على بيت مال المسلمين (الطرف القوي) يتوجب عليه مراقبة هؤلاء لا بل ومحاسبتهم محاسبة دقيقة على كل ما يتحصل لهم من المغانم، وبالتالي أخذ ما يترتب عليهم من مال لبيت مال المسلمين عند يد وهم صاغرون.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه ليس هناك فرق في مقدار المال الذي يتوجب على رعايا الدولة تقديمه لبيت مال المسلمين سواء كانوا مؤمنين (يقيمون الصلاة) أو لم يكونوا مؤمنين (لا يقيمون الصلاة)، فالمبلغ هو نفسه لكن الفرق هو فقط في طريقة تقديمه. فالمؤمن هو من يقدمه دون مراقبة من القائم على بيت مال المسلمين وذلك لأن المؤمن مراقب لنفسه مادام أنه مؤمن أن تقديم الزكاة هو واجب ديني يعلم أن الله نفسه هو من يراقبه على دفعه على الوجه الصحيح. أما غير المؤمن فهو لا يظن بأن هذا واجب ديني وهو لا يؤمن بأنه ملاق ربه وهو لا يؤمن بأنه إلى الله راجع، لذا وجب أن يكون هناك من يراقبه مادام أنه لا يراقب نفسه مراقبة العبد المؤمن بربه الذي يظن أن هذا تكليف إلهي يقع على عاتقه.

نتيجة مفتراة 1: الزكاة هي الحق المعلوم الذي فرضه الله في أموال المؤمنين التي تدفع للناس كافة، أي هي – برأينا المفترى من عند أنفسنا- بمثابة الضريبة التي تدفع إلى بيت مال المسلمين

نتيجة مفتراة 2: الجزية هي الحق المعلوم الذي فرضه الله في أموال غير المؤمنين التي تدفع لناس كافة، أي هي – برأينا المفترى من عند أنفسنا- بمثابة الضريبة التي تدفع إلى بيت مال المسلمين

نتيجة مفتراة 3: الزكاة لا تؤخذ إلا ممن يقيم الصلاة

نتيجة مفتراة 4: الجزية تؤخذ من الذين لا يقيمون الصلاة

نتيجة مفتراة 5: مقدار الجزية هو مقدار الزكاة

نتيجة مفتراة 6: الزكاة يدفعها المؤمن ولا تحتاج إلى مراقبة القائم على بيت مال المسلمين لأن المؤمن مراقب لنفسه، فهذا المؤمن يعلم بقرارة نفسه أنه لو تحايل أو تلاعب بمقدار ما يتوجب عليه دفعه، فإنه كأنما يتحايل على ربه الذي يعلم السر وأخفى. فإن هو ظن أنه يستطيع أن يتحايل على الحاكم في الدنيا (صاحب بيت مال المسلمين)، فإنه يعلم يقينا أن هناك من سيحاسبه عليه محاسبة دقيقة في الآخرة.

نتيجة مفتراة 7: الجزية تؤخذ من غير المؤمن، لذا تتطلب المراقبة الحثيثة من القائم على بيت مال المسلمين، مادام أن غير المؤمن لا يعتقد بأن المال الذي يدفعه هو تكليف إلهي واجب عليه لبيت مال المسلمين.

باب وقت الصلاة وجمعها وقصرها

تحدثنا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان "لماذا نصلي خمس مرات في اليوم والليلة؟" عن جزئية محددة تخص الصلاة، مفادها أن الصلوات الخمسة المفروضة علينا في اليوم والليلة ليست مستنبطة من فعل الرسول ) أي "السنة" كما أحب أهل الدراية من قبلنا أن يروجوا لذلك في مؤلفاتهم(، وحاولنا افتراء الظن من عند أنفسنا بأنه يمكن استنباط عدد الصلوات الخمسة من كتاب الله، وزعمنا القول حينئذ أن هذا هو منطوق الآيتين التاليتين في كتاب الله (كما فهمناهم نحن)، فهذه هي الآية الكريمة الأولى:

أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78)

ففي هذه الآية (حسب ما نفهمه منها) نجد الحديث عن إقامة الصلاة في وقتين اثنين هما قبل دلوك الشمس (أي صلاة الفجر) وغسق الليل (أي صلاة العشاء)

ثم جاءت الآية الكريمة الثانية التالية:

وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

وفي هذه الآية الكريمة (حسب ما نفهمه منها) نجد الحديث عن إقامة الصلاة في ثلاثة أوقات وهي طرف النهار الأول (صلاة الظهر)، وطرف النهار الثاني (أي صلاة العصر)، وزلفا من الليل (أي صلاة المغرب).

كما افترينا القول حينئذ أن اثنتين من الصلوات الخمسة تقامان في الليل (الفجر والعشاء)، وأن اثنين منهما تقامان في النهار (طرف النهار الأول، أي صلاة الظهر، وطرف النهار الثاني، أي صلاة العصر)، بينما تقام صلاة واحدة بين الليل والنهار (زلفا من الليل: أي صلاة المغرب)، وهذه الصلاة على وجه التحديد هي (كما فهمناها) الصلاة الوسطى التي طُلب منا أن نحافظ عليها محافظة خاصة في الآية الكريمة التالية:

حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (238)

(للتفصيل انظر مقالتنا السابقة: لماذا نصلي خمس مرات في اليوم والليلة)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: يُفتح في السماء كتاب خاص لكل شخص مؤمن بربه، ويوجد في هذا الكتاب خمس مربعات للتوقيع فيها (إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا)، وهي أوقات الصلاة المفروضة خمس مرات في اليوم والليلة كما في الشكل التالي:  

               النهار             
                 الوسطى
          الليل
طرف النهار الأول: الظهر
طرف النهار الثاني: العصر
زلفا من الليل (الصلاة الوسطى) المغرب
غسق الليل (العشاء)
لدلوك الشمس (الفجر)
فإذا ما حضر الشخص لصلاة الظهر مثلا، يكون قد أقفل المربع الأول بالتوقيع فيه، وهكذا بالنسبة لكل وقت من أوقات الصلاة، فتكون الصلاة بذلك كتابا موقوتا:

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (103)

ولكن إذا تخلّف المؤمن عن الحضور لصلاة محددة في وقتها، بقي ذاك المربع مفتوحا (شاغرا)، إيذانا بالإبلاغ أن صاحب هذا الكتاب قد تخلف عن هذه الصلاة في وقتها، وإذا ما تكرر غياب المؤمن عن الصلاة، فإن أجهزة الإنذار في السماء تقرع كلها للتبليغ عنه، فتنطلق الرسالة من السماء مدوّية بأن هذا الشخص هو كمن يفر من وجه العدالة، وربما يصدر الأمر بإحضاره عنوة مهما كان المانع الذي يعيقه.

فتخيل - عزيزي القارئ - ما الذي يحدث عندما تسمع المنادي لصلاة الفجر قائلا (الصلاة خير من النوم) ثم تفضل النوم في فراشك الدافئ على القيام للذهاب للصلاة في وقتها! لعلي لا أتردد أن أقول لك بأن أجهزة الإنذار في السماء تدقّ كلها لتعلن تخلفك عن الحضور في الوقت المحدد، وأن رسالة قد انطلقت من السماء مفادها أنك فار من وجه العدالة في السماء. ولا أتردد بأن أقول لك بأن هذه الخانة التي لم تحضر للتوقيع فيها ستظل شاغرة ومفتوحة حتى تؤديها يوم القيامة (والله وحده يعلم أين وكيف ستؤديها هناك). لذا، كانت هذه الصلاة كبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون:

وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46)

لذا، لا أتردد أن أنصح نفسي أولا، ثم أنصحك بعد ذلك – عزيزي القارئ- أن لا تتلكأ بأن تؤدي الصلاة في وقتها إن كنت من الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون مهما كان المانع الذي قد يشغلك عنها. وأكاد أجزم الظن أن الذين لا يؤدون الصلاة في وقتها (إن فهموا الغاية منها) هم فقط من يظنون أنهم لن يلاقوا ربهم وأنهم لن يرجعوا إليه.

وهنا أجد لزاما أن أسطر الافتراءات الخطيرة التالية التي هي لا شك من عند نفسي:

الافتراء: مادام أن الصلاة هي كتابا موقوتا، فإن من الاستحالة بمكان:

1. أن يتقبل تأديتها في غير وقتها، فإذا ما فاتتك صلاة ما في وقتها، فإنه لا يسد عن ذلك تأديتها في وقت آخر

2. لا يجوز الجمع بين الصلوات مهما كان السبب. 

الدليل

عندما جاء تشريع الصيام، كان هناك رخصة واضحة في كتاب الله أن تصوم في أيام أخر لمن تعذر عليه الصيام في اليوم المحدد، فقال تعالى:

شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185)

فعدم الاستطاعة على الصيام في شهر من أشهر رمضان يمكن تعويضه في أيام أخر بدليل اللفظ القرآني (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَر)، ولا نجد مثل هذا التشريع واردا في حق عدم الاستطاعة على إقامة الصلاة في وقتها. فما فات من صلاتك لا يمكن تعويضه (نحن نفتري القول) إلا بالاستغفار:

لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)

أما بخصوص الجمع في الصلاة لعارض الحر أو البرد، فلا نجد دليلا على ذلك في كتاب الله، فبالرغم أن الرخصة قد جاءت لقصر الصلاة في أوقات الخوف واضحة وصريحة في كتاب الله:

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا (101)

إلا أنه لا يوجد دليل مثل هذا على الجمع بين الصلوات لمن فاته شيء منها في وقتها. ولا يجب أن ننسى أن مفردة "الجمع" قد وردت في آيات أخرى من كتاب الله كما في قوله تعالى:

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (23)

فلو كان الجمع ممكنا، لربما جاءت الآية الكريمة التي تتحدث عن قصر الصلاة (نحن نفتري الظن) على النحو التالي:

فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة وأن تجمعوا بينهما.....

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): يجوز قصر الصلاة في حالة الخوف

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2) لا يجوز الجمع بين صلاتين مهما كان السبب وذلك لأن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا

ومادام أن إقامة الصلاة هي عمل محدد بوقته، ومادام أنها تمثل الإقامة الجبرية المفروضة على العبد المؤمن بهدف الإقرار بالوحدانية لله فلا يعبد إله آخر من دونه، وجب الالتزام فيه بشيئين اثنين وهما،

1. الاغتسال للصلاة (أو ما يسمى بالوضوء)

2. الالتزام بالدور
 
باب الاغتسال للصلاة (أو ما يعرف بمسمى "الوضوء" للصلاة عند أهل الإسلام)

جاءت الآية الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

لتشترط على المسلم عند قيامه إلى الصلاة بفعل محدد في ثلاث حالات هي على النحو التالي:

1. في الحالة العادية حيث يتوجب فيها الغُسل: فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ

2. في حالة الجنابة حيث يتوجب فيها التطهر: وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ

3. في حالة تعذر الوصول إلى الماء حيث يتوجب فيها التيمم: وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ

ولا شك أن الغاية من ذلك كله ليس الحرج (مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ)، وإنما الظفر بالطهارة (وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

السؤال: لماذا يتوجب على المؤمنين "الغسل" (أو ما يسمى بالوضوء) في الأوضاع الطبيعية (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ)؟ أو بكلمات أكثر وضوحا نحن نسأل: ما فائدة الوضوء عند القيام إلى الصلاة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب طرح سؤال آخر هو: لم نغسل هذه الأعضاء الظاهرة من جسدنا (وهي الوجه واليدين إلى المرفقين والرأس والرجلين إلى الكعبين) عندما نريد القيام للصلاة؟

رأينا المفترى: بعيدا عن التأويلات التي وصلتنا من عند أهل الدراية، فإننا نظن أن السبب في غسل هذه الأعضاء على وجه التحديد تتمثل في أن هذه هي الأعضاء البارزة المحدّدة لجسم الإنسان كله من جميع الجهات، فالرأس هو الجزء الذي يحدد جسم الإنسان من الأعلى، والرجلان هما اللتان تحددان أطراف الإنسان من الأسفل، واليدان هما اللتان تحددان أطراف الإنسان من الجوانب، والوجه هو الذي يحدد طرف الإنسان من الأمام ليتميز عن طرفه من الخلف أو الوراء، وبذلك تتحدد أطراف الإنسان من كل الاتجاهات، أليس كذلك؟

السؤال: وما علاقة هذا بمسألة غسل هذه الأجزاء (أي الأطراف) عندما نريد القيام إلى الصلاة؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الإجابة على مثل هذا التساؤل (كما نحاول تسطيرها) يمكن أن نستنبطها من الآية الكريمة التالي:

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)

السؤال: وما علاقة هذه الآية بغسل الصلاة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الوضوء هو عبارة عن النور الذي تلبسه على أطراف جسمك من جميع الاتجاهات، لتستفيد منه في ذلك الظلام الرهيب الذي سيسود عندما يجمع الله الجميع للحساب.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما يقوم الناس جميعا لرب العالمين، ستكون الأرض التي بدلت غير الأرض مظلمة تماما:

يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)

وذلك لأن الشمس والقمر قد جمعا:

يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)

فيسود الظلام التام، فلا يستطيع الإنسان حينها أن يتلمس طريقه أو أن يرى ما حوله، ويبرز في هذا الظلام الحالك نور واحد تتراوح درجات إضاءته: وهو نور المؤمنين، وهم الذين يسعى نوره بأيديهم وإيمانهم:

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)

فتبين من بين كل ذلك الظلام ملامحٌ محددة للمؤمنين والمؤمنات، فتتحدد أطرافهم من ذلك النور الذي جلبوه معهم من الحياة الدنيا، كما سيأتي على ألسنتهم عندما يطلب منهم المنافقون والمنافقات أن يلتمسوا شيئا من نورهم، فيردون عليهم بالقول بأن يرجعوا وراءهم ليلتمسوا نورا:

يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13)

وفي تلك اللحظة يُضرب بين الطرفين بسور (فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ)، فيكون المؤمنون بربهم (وهم المصلون الذين اكتسبت أطرافهم جميعها نورا بما أسبغوا عليها من ماء غسل الوضوء) من داخل باب ذلك السور حيث الرحمة (لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ)، ويبقى المنافقون والمنافقات خارجه حيث العذاب المرتقب (وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ).

وفي هذه اللحظة يطلب من هؤلاء القابعين خارج الباب الكشف عن الساق للسجود فلا يستطيعون:

يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)

السؤال: لماذا يطلب من هؤلاء الكشف عن الساق؟

جواب مفترى: أليس ذلك من أجل السجود؟ ألم تكشف تلك المرأة التي جاءت سليمان عن ساقيها عندما رأت الصرح؟

قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)

ألم تكن وقومها يسجدون للشمس من دون الله؟

وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)

أليس السجود فقط لله:

أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25)

(للتفصيل انظر مقالة ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته: باب السجود)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن من كان يغسل (ويمسح على) أطراف جسمه الظاهرة (الوجه واليدين إلى المرفقين والرأس والرجلين إلى الكعبين) عندما كان يقوم إلى الصلاة في الحياة الدنيا، هو فقط من استطاع أن يكتسب ذلك النور الذي سيستفيد منه في تلك الظلمة الرهيبة، ويستمر ذلك حتى تشرق الأرض كلها بنور ربها:

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (70)

في الفترة التي تسبق مجيء الرب بنفسه من أجل الحساب، لا يكون هناك نور يمكن أن يُلتمس إلا نور المؤمنين الذي يسعي بين أيديهم وبأيمانهم:

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)

ويكون ذلك أول علامات البشرى لهم بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار.

رسالة قصيرة: عزيزي القارئ الكريم، إذا أردت أن تكون من المؤمنين والمؤمنات الذين يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فاحرس على الغسل عندما تريد القيام إلى الصلاة كما جاء في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

لأن ذلك بمثابة شحن أطراف جسمك بالطاقة "الضوئية" التي ستستفيد منها يوم يسود الظلام الحالك عندما يقوم الناس جميعا لرب العالمين:

يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)

ففي يوم القيامة، وهو اليوم الذي يقوم فيه الناس لرب العالمين، سيخسف القمر وسيجمع الشمس والقمر، وستنعدم مصادر الإضاءة كلها، عندها سيقول الإنسان (أَيْنَ الْمَفَرُّ). في مثل هذا الموقف الرهيب، لن ينفعك في تلك الظلمة الحالكة إلا نور واحد تكون قد جلبته معك، إنه الغسل للصلاة (أي الوضوء، وهي الكلمة التي تصف هذا العمل، لأن لها – برأينا- علاقة بالضوء)، فالوضوء هو عبارة عن اكتساب الضوء، فكلما أصبغت وضوءك وكلما أتقنته أكثر، كلما شحنت أطراف جسمك بالطاقة التي ستنيرها لنفسك في ذلك اليوم المجموع له الناس.

(دعاء: اللهم أدعوك وحدك أن أكون من عبادك المؤمنين الذين سيسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، إنك أنت السميع البصير – أمين)

لفتة مهمة: ولو دققنا في الآية الكريمة التي تتحدث عن الاغتسال عند القيام للصلاة، لوجدنا أن اللفظ هو "إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ"، ليكون سؤالنا على عجل هنا هو عن الغاية من وجود حرف الجر إِلَى في هذه العبارة. أليس من المتوقع أن يكون اللفظ على نحو "إذا قمتم للصلاة" مثلا كما في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

انظر المقابلة بين الحالتين في الجدول التالي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (9)

انظر المقابلة بين الحالتين في الجدول التالي:

فعل الشرط
جواب الشرط
المناداة
إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
الاغتسال
إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ
فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ
السؤال مرة أخرى: لماذا جاء اللفظ في حالة المناداة من يوم الجمعة باستخدام حرف الجر (لـ) بينما جاء اللفظ في حالة إقامة الصلاة باستخدام حرف الجر (إلى)؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا (1): لمّا كان السعي لذكر الله وترك البيع واجبا في كل مناداة من يوم الجمعة، جاء اللفظ باستخدام حرف الجر (لـ). فأنت مأمور (نحن نفتري القول) أن تسعى لذكر الله وأن تترك البيع كلما نودي للصلاة من يوم الجمعة؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا (2): لما كان غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين (نحن نفتري القول) غير واجبه في كل إقامة صلاة، جاء اللفظ باستخدام حرف الجر (إلى). فأنت لست مأمور بأن تغسل وجهك ويديك إلى المرفقين وتمسح برأسك وتغسل رجليك إلى الكعبين في كل مرة تقيم فيها الصلاة.

السؤال: ماذا لو كان اللفظ على النحو "إذا قمتم للصلاة فاغسلوا"؟ أي ماذا لو استخدم حرف الجر (لـ) بدلا من (إلى) في حالة إقامة الصلاة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأنه لو جاء اللفظ على هذا النحو، لوجب عليك أن تغسل وجهك ويداك إلى المرفقين وأن تمسح برأسك وأن تغسل رجلاك إلى الكعبين مع كل إقامة صلاة. ولما جاز لنا أن نقيم صلاة الظهر والعصر مثلا بغسل واحد، ولما صح لنا أن نقيم صلاة المغرب والعشاء بغسل واحد، ولما صح لنا أن نقيم صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء بغسل واحد، ولما صح لنا أن نقيم صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء جميعا بوضوء واحد. ولأصبح لكل إقامة صلاة غسلها الخاص بها.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إن المؤمن الذي يقوم إلى الصلاة هو من يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ويمسح برأسه ويغسل رجليه إلى الكعبين بالغسل نفسه مادام أنه لم يُحْدِث، فيبقى المؤمن في طهارة مادام أنه قائم إلى صلاته (أي محافظا على غسله).

باب الذهاب إلى الغائط

لو تدبرنا الآية القرآنية نفسها، لربما صح لنا أن نفتري القول من عند أنفسنا بأنه ليس هناك حاجة تستدعي الذهاب إلى الخلاء (الحمام) لغسل العورة (الجهاز البولي) عند كل غسل للصلاة، وأن المطلوب ممن يقيم الصلاة هو فقط غسل هذه الأطراف، وانظر عزيزي القارئ – إن شئت- في قوله تعالى من هذا الجانب:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

السؤال: لماذا؟ أي لِم يكتفي المسلم بغسل والمسح على هذه الأعضاء من جسمه دون الحاجة إلى غسل أعضاء عورته؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك ربما يعود إلى أن غسل العورة (الجهاز البولي) هو عمل يتوجب على المسلم فعله عند كل استعمال للحمام (أي الذهاب إلى الغائط):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة في جزئها الخاص بالوضوء، فإننا لن نجد ذكر للمجيء من الغائط، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ...

وقد جاء ذكر الغائط لاحقا بعد الحديث عن الجنابة (ملامسة النساء):

وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

وقد تأكد لنا هذا في آية أخرى من كتاب الله، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

السؤال: كيف يمكن أن نفهم ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه يجب الفصل بين الاغتسال للصلاة (بالوضوء) والمجيء من الغائط، فالإنسان يحتاج أن يذهب إلى الغائط في أي وقت من اليوم والليلة، فهذا الأمر (أي الذهاب للغائط) ليس مرتبطا بأوقات إقامة الصلاة. لذا وجب على المسلم (نحن نرى) أن يحرس على نظافة بدنه (خاصة جهازه البولي) بعد كل مرة يذهب فيها إلى الغائط. ونحن نكاد نجزم الظن بأن ما يفعله الإنسان من تنظيف لبدنه بعد الذهاب إلى الغائط هو ما يسمى (نحن نفهم) بالمفردات القرآنية بالتيمم. ليكون السؤال المطروح على الفور هو ما معنى التيمم؟

جواب مفترى خطير جدا: نحن نظن أن عملية التيمم هي علمية تنظيف تؤدي إلى إزالة الخبيث من الطيب. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا ندقق في الآية الكريمة التالية، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267)

فنحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الطيب هو ما يقابله الخبيث، فغالبا ما يكون الطيب مخلوط به شيء من الخبيث، وأن عملية إخراج (أو لنقل إزالة) الخبيث من الطيب تسمى عملية تيمم. فمن كان عنده شيء من الرزق الذي أخرجه الله له من نبات الأرض كالقمح والشعير مثلا، ويريد أن ينفق منه، فعليه أن يتحرى بأن لا ينفق من الخبيث منه، لأن هذه الطيبات من الرزق عادة ما يكون عالق بها شيء من الخبيث في حالتها الأولى عند جمعها، فلابد إذن من القيام بعملية تنظيف تؤدي إلى فصل الخبيث عن الطيب منه، وعلى المنفق من هذا الرزق أن يتخير الإنفاق من الطيب فقط (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ)، فلا يجوز للمسلم أن يجعل ما ينفق مما خبث منه، أي من الفضلات التي يطرحها جانبا بعد عملية التنقية (أو التنظيف) لهذا الرزق، فعليه أن يتحرى أولا إخراج الخبيث من الطيب (أي طرح الفضلات جانبا)، ثم يقوم بعملية الإنفاق من الطيب الذي تبقى عنده. وهكذا الحال هي بالنسبة لمن كان عنده شيء من الأنعام (أو أي شيء تحصل له مما كسب) ويريد أن ينفق منها، فلا يعمد مثلا إلى الأنعام الهزيلة الضعيفة المريضة، ثم يقوم بالإنفاق من "هذه الفضلات" على أساس أنها صدقة أو زكاة من ماله. بل يجب أن يكون الإنفاق من الطيبات تمثلا لقوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ...

ولو حاولنا تطبيق مثل هذا القول المفترى من عند أنفسنا في حالة استعمال الخلاء، فإنه يتوجب على الشخص الذي يستخدم الخلاء أن يتيمم صعيدا طيبا. فكيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: لا شك أن ما يخرج من جسم الإنسان عند ذهابه للخلاء هو ليس أكثر من فضلات (أي الخبيث)، يتوجب التخلص منها في الحال، وعليه أن يحرص على إزالة هذه الخبائث كليا حتى يبقى صعيدا طيبا.

السؤال: كيف يكون ذلك؟

رأينا المفترى: عندما يستخدم الشخص الحمام، فإنه يستخدمه لغايتين اثنتين: البراز والبول. وفي كلا الحالتين على الشخص أن يستخدم الماء لتنظيف أعضاءه التي خرج منها البراز أو البول كليا، وذلك لأن شيئا من هذا الخبيث يبقى عالقا في الجسم بعد عملية الإخراج. وإن تعذر وجود الماء لمستخدم الحمام، فعليه أن يستخدم ما ينوب عن الماء (كالورق والحجارة وحتى التراب) لتنظيف أعضاء جسمه التي خرج منها البراز أو البول، ولكن يجب أن يستخدم هذه الأدوات جميعا (الماء أولا ثم الورق والحجارة والتراب إن تعذر الوصول إلى الماء) بشكل جيد حتى يزيل جميع الخبائث التي قد علقت بجسمه عند عملية إخراجها من الجسم، خاصة تلك الأعضاء التي خرج منها البراز والبول، حتى يجد في نهاية المطاف أن هذه الأعضاء قد أصبحت طيبة، لا خبث عالق فيها بعد.

السؤال: ما معنى أن تصبح هذه الأعضاء صعيدا طيبا؟

رأينا: لو تدبرنا مفردة "صعيدا" على مساحة النص القرآني، لوجدناها قد وردت في السياقات التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8)

فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)


السؤال: كيف تصبح الأرض صعيدا جرزا أو صعيدا زلقا؟

جواب مفترى: إن من أبسط أبجديات التفكير هو أن الأرض الطيبة إذا ما أنزل عليها الماء فإنها ستهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

فنحن نرى أن الأرض الجرز هي تلك الأرض التي مات فيها كل شيء، ولا يمكن أن تبنت من جديد إلا إذا نزل عليها الماء من السماء:

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاء إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (27)

لكن إذا ما وقع على هذه الأرض العذاب (كالحسبان من السماء)، فإنها ستصبح صعيدا زلقا:

فَعَسَى رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40)

أي سيؤدي ذلك (نحن نرى) إلى انجراف التربة عن سطحها حتى تتكشف، فيصل الانجراف إلى منطقة الصخر (أو ما يشبهه)، حينها تصبح هذه الأرض صعيدا زلقا. لأنه ما أن نزل عليه الماء كعذاب (أي بكميات كبيرة وبشرعة شديدة) حتى انزلق عنها، فما عاد الماء يفيدها في عملية الإنبات. فلا تكن صالحة للإنبات بعد.

إن ما يهمنا طرحه هو أنه ما أن ينزل الماء على الأرض (سواء كانت صعيدا جرزا أو صعيدا زلقا) حتى يؤدي ذلك إلى تنظيف سطح التربة، فتزيل ما علق على سطحها من الخبث، فتعود كلها أرض طيبة. وهذا – برأينا- ما نفهمه من عملية تنظيف أعضاء الجسم التي خرج منها البراز أو البول، فيجب أن تيمم حتى تكون صعيدا طيبا:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

ولو تفقدنا مفردة "طَيِّبًا" على مساحة النص القرآني، لوجدناها قد وردت في السياق التالي:

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (69)

لنخرج من ذلك بالفهم المفترى من عند أنفسنا بأن الطيب مرتبط بالحلال. بينما الذي خبث لا يكون إلا نكدا، كما في قوله تعالى:

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)

فهناك إذن فرق بين البلد الطيب والبلد الذي خبث. فنحن إذا مأمورون في عملية التيمم بإزالة ما خبث من الطيب. فالله هو من أحل لنا الطيبات من الرزق:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)

والطيبات من النساء:

الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدا: نحن نفتري الظن إذن بأن عملية التيمم هي العملية التي يتم من خلالها التخلص من الخبيث عن كل ما هو طيب. فالإنسان (نحن نرى) مطالب أن يتيمم صعيدا طيبا كلما ذهب إلى الغائط.

السؤال: ما فائدة مثل هذا الافتراء الذي هو لا شك من عند أنفسنا؟

رأينا المفترى: نحن نرى بأنه لا يتوجب على المسلم أن يستخدم الحمام لغسل أعضاءه البولية عندما يقوم إلى الصلاة، ويكتفي فقط بعملية الغسل والمسح على أطراف جسمه التي أمرنا الله بها:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ...

نتيجة مفتراة مهمة جدا جدا: عملية الوضوء لا تتطلب الذهاب إلى الغائط وغسل أعضاء الجسم البولية وذلك لأن المسلم يكون أصلا قد يمّمها عندما ذهب إلى الغائط. فما يدعو إلى غسل أجزاء الجسم البولية هو (نحن نرى) فقط ما دعاه إلى الذهاب إلى الغائط. لذا، نحن نتجرأ على القول بأن الريح التي تخرج من جسم الإنسان لا تدعو إلى إعادة الوضوء من جديد إلا إذا ترافق ذلك مع ما يدعو إلى الذهاب إلى الغائط كأن يخرج مع تلك الريح شيء من الغائط. لذا، فإن ما يقوم به المسلم من استخدام للحمام لغسل أعضاءه البولية في كل وضوء للصلاة يقع في باب الحرص على إتمام الوضوء على أكمل وجه. أما إن هو وجد أن ذلك الريح الذي خرج منه لا يدعو إلى الذهاب إلى الغائط، فإن ذلك لا يدع (نحن نرى) أن يكون ناقضا للوضوء. انتهى.

باب لامستم النساء

لو تفقدنا الآية الكريمة نفسها، لوجدنا أن التيمم مطلوب كذلك في حالة ملامسة النساء، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

السؤال: لم يتوجب علينا التيمم في حالة ملامسة النساء؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن أن ملامسة النساء لا تعني – برأينا – حصول الجماع، وهي ليست أكثر من احتكاك خارجي يحصل بين جسم الرجل مع جسم المرأة. وذلك لأن الجماع يتحقق بمفردات القرآن على نحو الإتيان، كما في قوله تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

ويتحقق كذلك بفعل المس كما جاء على لسان مريم:

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)


لذا وجب علينا التفريق بين المس كما قالت مريم (وَلَمْ يَمْسَسْنِي) وبين اللمس كما جاء في حالة التيمم (لاَمَسْتُمُ):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

لتكون النتائج المفتراة من عند أنفسنا على النحو التالي:

افتراء (1): اللمس خارجي

افتراء (2): المس داخلي

الدليل

لو تفقدنا ما قالته مريم على وجه التحديد، لوجدنا أن المس هو المتطلب الأساسي لحصول الغلام في بطنها، فبدون المس يستحيل أن يحصل لمريم الغلام، وهذا ما تعجبت منه مريم عندما جاءها رسول ربها بالبشرى:

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)


نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتجرأ على القول بأن المس هو عملية اتصال بين الرجل والمرأة قد تؤدي في نهاية المطاف إلى وجود جنين في بطن المرأة نتيجة هذا الفعل.

ولكن لو تفقدنا مفردة اللمس، لوجدنا أنها جاءت في الآية الكريمة مصاحبة للمجيء من الغائط:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

فالتيمم (كما افترينا سابقا) هو عبارة عن إزالة ما علق بجسم الشخص من الغائط بعد عملية الإخراج، فهي هي إذن عملية تنظيف خارجية. وكذلك (نحن نفتري الظن) هي عملية التيمم في حالة ملامسة النساء. فهي عبارة عن إزالة لما علق بجسم الرجل نتيجة الملامسة الخارجية لجسم المرأة.

السؤال: لماذا يطلب من الشخص الذي يلامس النساء أن يتيمم؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لو دققنا في الآية الكريمة نفسها، لوجدنا أن الملامسة يمكن أن تحدث مع النساء جميعا (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء)، وليس فقط مع زوجات الرجل، لأنه لو كانت الملامسة خاصة بزوجات الرجل، لربما جاء اللفظ القرآني – برأينا- على النحو التالي:

أو لامستم نساءكم

لكن ما دام أن اللمس يمكن أن يحدث مع جميع نساء الأرض (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء)، فإن ذلك ينفي - برأينا - أن يكون هو عملية جماع، وإنما هي ليست أكثر من عملية لمس، أي احتكاك خارجي، وهذا الاحتكاك الخارجي يتطلب عملية تيمم.

السؤال: لماذا يتطلب لمس جسم النساء التيمم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: نحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن لمس الرجل لجسم المرأة ربما ينتج عنه إصابة الرجل بشيء من الأذى. انتهى.

الدليل

بداية يجب أن نسطر الافتراء الذي هو من عند أنفسنا الذي مفاده أن الغاية من عملية التيمم ليس تحقق النظافة وإنما تحقق الطهارة. ليكون السؤال المبدئي هو: ما الفرق بين النظافة والطهارة؟

رأينا: نحن نظن أن النظافة تتحقق بإزالة الأوساخ المادية التي تعلق بالجسم، ولكن الطهارة تحقق بإزالة أذى الشيطان، أي الرجس.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا نقرأ الآيات الكريمة التالية التي ورد فيها مشتقات لفظ الطهارة، قال تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُواْ وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)

لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)

وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا (48)

عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21)


فلو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لربما صح لنا أن نستنبط أن عملية الطهارة هي عملية إزالة لأذى الشيطان. فالأذى هو ما أحدثه الشيطان، والطهارة هي عملية تخلص من هذا الأذى.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا: نحن نتجرأ على الظن بأن عملية الوضوء هي عملية طهارة من رجس الشيطان ولا علاقة لها بنظافة الجسم من الأوساخ المادية التي تعلق به. فالحداد والنجار وعامل النظافة والميكانيكي يزيد الطين بلة عندما يتوضأ للصلاة، لأن الوضوء لا يؤدي إلى نظافة جسمه مما علق به من أثر العمل، لكنه مع ذلك مأمور بالوضوء إذا ما قام للصلاة في خضم عمله. وكذلك هي الصدقات، فهي عملية تطهير لأذى الشيطان حتى تكون النتيجة على نحو أن ما يتبقى من المال بعد عملية الطهارة هو مال طيب تماما.

السؤال: ما علاقة هذا بملامسة الرجل لجسد المرأة وبالتالي وجوب الوضوء؟

رأينا المفترى والخطير جدا: نحن نعلم يقينا بأن الأذى هو ما يصيب النساء بشكل طبيعي نتيجة حصول الدورة الشهرية. فالمحيض هو بحد ذاته أذى يصيب المرأة من الشيطان، وقد جاء المحيض كعملية بيولوجية طبيعية لتطهير جسم المرأة من هذا الأذى (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة تحت عنوان ثلاثية المرأة وماذا ستفعل النساء في الجنة). لذا عندما يقدم الرجل على لمس جسم المرأة، فإن هذه الملامسة قد تصيبه بشيء من أذى الشيطان يستوجب أن يتطهر منه. انتهى.

وهذا المنطق المفترى من عند أنفسنا يحمل في ثناياه افتراء الظن بأن ليس هناك مشكلة عقائدية في أن يلامس الرجل (بالسلام مثلا) جسد المرأة. لكن الحرج يكمن في أن تكون تلك المرأة في مرحلة المحيض حينئذ، أي مرحلة تطهر جسمها من أذى الشيطان، وفي هذه الحالة يمكن أن يصيب الرجل الذي لامس جسم المرأة شيء من أذى الشيطان. فالله هو من أمرنا بداية اعتزال النساء كليا في المحيض:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

فالغاية من اعتزال النساء كليا في المحيض (نحن نرى) تكمن في أن يتحرى الرجل أن لا يصيبه شيئا من ذلك الأذى الذي يتطهر منه جسم المرأة في تلك المرحلة.

ولعل من المحرج أن تسأل المرأة التي تحاول أن تصافحها مثلا إن كانت في مرحلة المحيض أو كانت قد تطهرت منه، لذا جاء الشرع ليحدد للإنسان ما يتوجب عليه فعله دون إحداث الحرج لغيره. فمن أراد أن يصد عن نفسه أذى الشيطان ولا يوقع النساء من حوله في حرج أن لا يعمد إلى مصافحتهن (أي لمسهن). ولكن إن حصل أن لامس جسمه شيئا من جسم المرأة (بالمصافحة مثلا)، فعليه واجب أن يتطهر بالوضوء لإزالة ما قد يكون قد علق بجسمه من هذا الأذى الذي أصاب المرأة التي لامس جسمه جسمها.

السؤال: ماذا عن أهل بيت الرجل نفسه (أي زوجاته)؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو حاولنا تدبر سيرة الرسول الكريم مع زوجاته من هذا الجانب (كما وصلنا من عند أهل الرواية)، لوجدنا فيه العجب الذي يدعونا إلى التدبر. فالبعض قد نقل لنا الروايات بأن الرسول كان يتوضأ إذا ما لامس جسمه جسم أحد زوجاته بالمصافحة أو التقبيل مثلا، لكننا نجد عند أهل الرواية أنفسهم بأن الرسول الكريم كان يقبل بعض زوجاته ويقوم بفعل الصلاة مباشرة دون الوضوء للصلاة من جديد.

السؤال: لماذا تضاربت الروايات في ذلك؟

رأينا المفترى: لما كان الأمر يخص الرسول نفسه مع زوجاته، فإننا لا نتوقع حرجا إن سأل الرسول زوجاته عن المحيض، فالرسول كان يعلم إن كانت إحدى زوجاته في مرحلة المحيض أو أنها كانت قد تطهرت منه كليا. لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن الرسول كان يقبل زوجاته ويصلي دون الوضوء من جديد إن علم أن زوجته طاهرة لم يمسها أذى الشيطان. لكن – بالمقابل- كان الرسول الكريم (نحن لازلنا نتخيل الموقف) يقوم بعملية الوضوء للصلاة من جديد إن حصلت ملامسة من طرفه لجسم إحدى زوجاته إن كانت في مرحلة المحيض.

ولعلنا نريد أن نتقدم بالنقاش قدما لافتراء الظن بأن هذا لا ينطبق فقط على زوجات الرجل (أي نساءه) وإنما على كل نساء العالمين بمن فيهن المحارم كالأم والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، وهكذا. فالنص القرآني في ملامسة النساء جاء مطلقا اللفظ على النساء جميعا:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (43)

فإذا ما حصلت ملامسة للرجل مع النساء جميعا (حتى لو كانت من محارمه) فهذا يتطلب (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) التيمم، لأن المسألة برأينا ليست مرتبطة بمجموعة محددة من النساء ولكن بجميع نساء الأرض (أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء). وربما يمكن استيعاب ذلك من خلال منطقنا المفترى من عند أنفسنا بأن الغاية من التيمم هو التطهر من أذى الشيطان. فملامسة الرجل لجسم المرأة الحائض يصيبه شيء من الأذى حتى لو كانت تلك المرأة من محارمه. لذا وجب على المسلم التيقن من مسألة طهارة المرأة التي يلامسها. فإذا ما كانت في مرحلة الحيض، فهذا يدعو إلى التيمم مهما كانت درجة صلة القرآبة له بها.

الدليل: لباس التقوى

قال تعالى:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

لو تفقدنا هذه الآية الكريمة لوجدنا أن للإنسان لباسين اثنين:

1. لباس يواري السوءة (الجسم)

2. لباس التقوى.

ليكون السؤال الحتمي هو ما الفرق بين هذين اللباسين؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن اللباس الذي يواري السوءة هو ما يمكن أن يغطيها فلا تنكشف للآخرين، أليس كذلك؟

ويمكن أن يكون هذا اللباس هو الثياب:

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9)

مهما كانت نوعية هذا اللباس، كأن يكون من حرير أو من سندس وإستبرق في حالة لباس أهل الجنة:

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)
 

أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)

يَلْبَسُونَ مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَقَابِلِينَ (53)


ولا شك أن الحلية هي جزء من اللباس، مادام أن اللباس هو ما يغطي السوءة كلها (الجسم) أو شيئا منها:

وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14)

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)


لكن لا شك عندنا أن الهدف من اللباس هو التغطية حتى لا يحصل الانكشاف، فالليل هو اللباس الذي يسترنا حتى لو لم يكن هناك لباس مادي:

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10)

ولا شك أن كثير من الناس (مثل بعض أهل الكتاب) يلبسون الحق بالباطل ليغطي عليه:

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (71)

فإلباس الحق بالباطل يؤدي إلى تغطية الحق، فلا يصبح ظاهرا للعيان.

(دعاء: أعوذ بك ربي أن أكون ممن يلبسون الحق بالباطل، إنك أنت السميع البصير – آمين)

ولا شك أن الرجل هو لباس لزوجه لأنه وقاية لها، وأن الزوجة هي لباس لزوجها لأنها وقاية:

أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187)

السؤال: إذا كان هذا هو (بشكل عام) اللباس الذي يواري سوءاتنا فلا تنكشف، فما هو إذن لباس التقوى الذي هو لا شك خير:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

بداية، نحن نظن أننا يجلب أن نلفت الانتباه إلى معلومة نظن أنها غاية في الأهمية مفادها أن اللباس (بغض النظر عن نوعه) يمكن أن ينزع عن الشخص بدليل أن الشيطان هو الذي نزع عن أبوينا لباسهما ليرهما سوءاتهما:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

فمادام أن اللباس يمكن أن ينزع، فهذا يدل على أن السوءة تبد للآخرين، فإذا ما نزع اللباس المادي عن الإنسان، فإن الناس من حوله سيرون سوءته، وهذا لا شك سيشكل له حرجا كبيرا.

السؤال المحوري: ماذا لو نزع عن الإنسان لباس التقوى الذي هو – لا شك- خير:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أنه لو حصل نزع للباس التقوى عن الإنسان، فإنه سيصبح عرضة للشيطان، عندها سيستطيع الشيطان أن يحدث بالإنسان ما لا يحمد عقاباه مادام أنه يرانا وقبيله من حيث لا نراه:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

نتيجة مفتراة 1: اللباس المادي يحفظ سوءة الإنسان عن الانكشاف للناس الآخرين من حوله

نتيجة مفتراة 2: لباس التقوى يحفظ الإنسان من الشياطين الذين يرونا من حيث لا نراهم

الدليل: باب الجنابة

لو تدبرنا الآيات الكريمة ذات العلاقة بالطهارة، لوجدنا الحديث واضحا عن حالة الجنابة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6)

ونحن نظن بأن الجنابة تتحقق عندما ينزل الرجل المني من عضوه الذكري بالجماع أو الاستحلام أو بالقذف الذاتي. ونحن نعلم أن على كل مسلم يكون في حالة جنابة أن يقوم بعملية التطهر (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ).

السؤال: لم يتوجب على من كان جنبا أن يتطهر؟ 

للإجابة على هذا التساؤل، فلابد (نحن نرى) من التعرض لمعنى مفردة (جُنُبًا) التي ترد في قوله تعالى:

... وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ...

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لو مفردة (جُنُبًا) ومشتقاتها في السياقات القرآنية على مساحة النص القرآني كله، لوجدناها قد وردت في السياقات القرآنية التالية:

أولا، وردت للحديث عن الجار الجنب والصاحب بالجنب في قوله تعالى:

وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (36)

وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (12)
ثانيا، وردت عند الحديث عن أخت موسى التي بصرت بأخيها موسى في يد آل فرعون عن جنب، قال تعالى:

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11)

السؤال: كيف نفهم هذه السياقات القرآنية؟ وبكلمات أكثر دقة دعنا نطرح التساؤلات التالية:

1. من هو الجار الجنب؟

2. من هو الصاحب بالجنب؟

3. كيف بصرت الأخت بأخيها عن جنب؟

4. الخ

باب الجار الجنب

نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الجار الجنب هو الجار الذي يكون ملاصقا لك من كل الاتجاهات. فجارك الذي يسكن إلى اليمين منك هو جار جنب بالنسبة لك، وكذلك الجار الذي يسكن عن شمالك. والجار الذي يسكن من أمامك هو جار جنب بالنسبة لك، وكذلك الجار الملاصق لك من الخلف.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى خطير جدا: نحن نظن أن الجار الجنب هو القاطن بجنبك فيستطيع أن يكشفك، فتصبح أنت بالنسبة له مكشوفا له، كما أنه هو مكشوف لك. انتهى.

باب الصاحب بالجنب

أما صاحبك الذي بالجنب، فهو الذي يسكن بجنبك لكن لا يكون انكشافك لك مباشرا. فهو الذي يسكن بجنبك لكن لا تكون انكشافه لك مباشرا.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: تخيل أنك تسكن في عمارة من طوابق، ويحيط بتلك العمارة بيوت أخرى من حولك. فالذي ينكشف عليك مباشرة وتنكشف عليه مباشرة، فهو جارك الجنب، ويكون الانكشاف أفقي. لكن الذي يسكن من فوقك في العمارة والذي يسكن تحتك في العمارة، فإنك لا تكون مكشوفا له مباشرة، لذا فهو صاحبك بالجنب.

ولو تفقدنا اللفظ بين الحالتين (الجار الجنب) مقابل (والصاحب بالجنب)، لوجدنا أن الأول لا يستخدم معه حرف الجر الباء، فهو جار جنب، أما الثاني فقد استخدم معه حرف الجر الباء، وذلك لوجود (نحن نرى) حاجزا بينك وبينه. فالباء هي عبارة عن حاز بين الطرفين.

باب فبصرت به عن جنب

أما أخت موسى فقد بصرت بأخيها عن جنب، فهي التي رأت بطريقة غير مباشرة ما آل إليه مصير أخيها في يد آل فرعون. فقد كانت مراقبة لما يحدث عن جنب. فهو تتبع حركات آل فرعون دون علم منهم أنها تراقبهم.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا أن مفردة جنبا تحمل في ثناياها الانكشاف. لذا عندما نقرأ في الآية الكريمة التالية عبارة (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا):

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (6) 

فإننا قد نستطيع أن نفتري الظن بأن الشخص إذا ما كان جنبا فهو إذا قد عرض نفسه للانكشاف. انتهى.

السؤال: لم يكون الشخص الجنب منكشفا.

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن الشخص إذا ما كان جنبا فإنه يكون قد انكشف للشياطين.

السؤال: لماذا يكون الشخص الجنب منكشفا للشياطين؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لأن الجنابة تحمل في ثناياها نزع اللباس عن الشخص.

السؤال: أي لباس ينزع عن الشخص الجنب؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الشخص الجنب هو من نزع عنه لباس التقوى. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما تحصل الجنابة لشخص ما، فإن ذلك يحدث في عملية الجماع والاستحلام والقذف التلقائي من الشخص. فحتى لو أحث الشخص الجنابة هو لابس ثيابه التقليدية، لكن ذلك لا يمنع أن يحصل له انكشاف للشياطين لأن هذه العملية تؤدي إلى نزع لباس التقوى عنه الذي هو خير.

السؤال: لماذا لباس التقوى خير كما جاء في الآية الكريمة التالية:

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا: نحن نظن أن اللباس الذي يواري السوءة (أي الثياب) هو لباس يقي الإنسان من المؤثرات السلبية الخارجية كالبرد والحر، كما أنه يحفظ سوءة الشخص من الانكشاف للناس من مثله. لكن لباس التقوى هو خير لأنه يقي الإنسان من مؤثرات الشياطين التي قد تحدث بالإنسان ما لا قد يحمد عقباه. لذا على الإنسان أن يتطهر على السريع من الجنابة، لكي يقي نفسه من خطر الشياطين التي تراه من حيث لا يراها.

السؤال: كيف يمكن أن يتطهر الإنسان من الجنابة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا: بأن يلبس لباس التقوى من جديد بعد أن نُزِع عنه بفعل الجنابة.

السؤال: كيف يستطيع الإنسان أن يلبس لباس التقوى من جديد بعد الجنابة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: بالماء، قال تعالى:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

دقق عزيزي القارئ في هذه الآية الكريمة جيدا لتجد على الفور بأن الماء الذي ينزله الله لنا من السماء (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء) له أربع وظائف مترابطة وهي: (1) تطهير لنا (لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ) و(2) إذهاب رجز الشيطان عنا (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) و (3) الربط على قلوبنا (وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ) و(4) تثبيت أقدامنا (وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ).

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن التطهر بالماء هو الوقاية الحقيقة التي تمكن الإنسان من أن يلبس لباس التقوى، فلا تستطيع الشياطين من النفاذ إليه، وبالتالي إحداث الضرر في جسمه.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن الشياطين هي عبارة عن مخلوقات إلهية كما أننا نحن البشر مخلوقات إلهية مثلهم، لكن الفرق بين الطرفين يكمن (برأينا) في مادة الخلق. ففي حين أن خلقنا نحن البشر جاء من تراب وماء (طين):

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)

أَلَمْ نَخْلُقكُّم مِّن مَّاء مَّهِينٍ (20)

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2)


جاء خلق الجآن من نار:

وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27)

لذا، نحن نفتري الظن بأن الجآن (ومنهم الشياطين) تهاب الماء فلا تستطيع الاقتراب منه، لأن الماء (لا شك عندنا) هو العدو اللدود للنار. فبالماء تطفأ النار. فالشياطين تهاب الماء لأن الماء يؤثر فيها بالضرر، فلا تقترب منه.

نصيحة: أنا أنصح نفسي وأنصح غيري (من يؤمن بمثل هذه الافتراءات) أن يعمد إلى التطهر مباشرة بعد إحداث الجنابة، لأن الماء يعيد عليه لباس التقوى الذي نزع عنه في الجنابة، فلا تؤثر الشياطين في جسمه وفي قلبه 

باب الربط على القلوب

لو تدبرنا الآية الكريمة نفسها، لوجدنا بأن الماء الذي ينزله الله لنا من السماء له وظيفة الربط على قلوبنا، قال تعالى:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

السؤال: كيف يمكن للماء الذي ينزله الله علينا من السماء أن يربط على قلوبنا؟

جواب مفترى: دعنا ندقق في قوله تعالى:

اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23)

لو دققنا في هذه الآية الكريمة جيدا، لوجدنا الربط واضحا بين الجلود والقلوب. فما أن تلين الجلود حتى تلين القلوب أيضا.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن الجلود مربوطة مباشرة مع القلوب. فما أن تقشعر الجلود (تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ) حتى يكون ذلك سببا في أن تلين تلك الجلود وتلين معها القلوب أيضا (ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ).

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن غسل الجلود بالماء الذي ينزله الله لنا من السماء تؤدي إلى عملية تليين لتلك الجلود ولكنها تؤدي أيضا إلى تليين تلك القلوب. فما يحدث للجلد ينعكس مباشرة على القلب. فعندما يكون الشخص في حالة غضب بسبب أمر ما، فإن من المناسب أن يقوم ذلك الشخص الغضبان بغسل جسمه بالماء، لأن عملية غسل ذلك الجسم بالماء يؤدي إلى عملية تليين لتلك الجلود وبالتالي تليين للقلب، مما يؤدي إلى هدوء ذلك الشخص. وربما يعود السبب في ذلك أنه في حالة الغضب ترتفع درجة حرارة الجسم بسبب تأثير الشياطين (التي هي أصلا من نار) في جسمه، وما أن يقوم الشخص بعملية غسل للجسم حتى يكون ذلك إطفاء لنار الشياطين التي أوقدوها في جسمه وبالتالي نفاذها إلى صدره.

الدليل

لو تفقدنا الآية الكريمة التالية، لربما وجدنا فيها العجب:

وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)

فنحن لا نتردد أن نسأل عن السبب الذي جعل الربط على قلوب فتية الكهف لازما بالرغم أنه مضروب عليهم آذانهم. فلم ربط على قلوبهم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نكاد نجزم الظن بأن السبب في الربط على القلوب حتى لا ينفذ إليهم الشياطين حتى في منامهم. فو لم تربط قلوبهم، لربما سنحت الفرصة للشياطين للنفاذ إلى قلوبهم.

ولو دققنا في السياق القرآني التالي، لوجدنا أن الله قد ربط على قلب أم موسى حتى لا تبدي به، قال تعالى:

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10)

السؤال: لماذا ربط الله على قلب أم موسى؟

جواب مفترى: حتى لا تبد بطفلها. فلو لم يربط الله على قلب أم موسى لاستطاع الشيطان أن ينفذ إلى قلبها، وبالتالي التلاعب بها، ومن ثم قد يسول لها ما لا يجب. وستكون العاقبة حينئذ وخيمة. لكن عملية الربط على قلبها هو الذي منعها أن تبد به بالرغم أن فؤادها قد أصبح فارغا.

وقد تعرضنا في مقالات سابقة لنا لمعنى أن يكون فؤاد أم موسى فارغا حينئذ، وزعمنا القول بأنه قد أصبح ممتلئا، فما عادت تستطيع أن تسكت (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)

السؤال: كيف تمت عملية الربط على قلب أم موسى؟

جواب مفترى خطير جدا: نحن نظن أن الربط على قلبها كان بالاغتسال بالماء والشرب منه. انتهى.

الدليل

قال تعالى:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

فبالماء الذي ينزله الله علينا من السماء تربط القلوب.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: ما أن أصبح فؤاد أم موسى فارغا (أي ممتلئا) حتى كادت أن تبدي به، وفي تلك اللحظة، عمدت المرأة (بتدبير إلهي) إلى الماء فغسلت جزءا من جسمها به، وشربت شيئا منه، فهدأت نفسها، فأذهب عنها رجز الشيطان، لأن ذلك الماء هو الذي ربط على قلبها. ولو كان فرعون ذكي جدا (مثلي) وانتبه إلى ما فعلت أم موسى، لربما عرف حينئذ أن المرأة تخفي في قلبها ما لا تستطيع أن تبديه على لسانها. لكن ذلك الغبي (أي فرعون) لم يكن يدرك التدبير والمكر الإلهي الذي لا يستطيع مجاراته.

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)

باب الرجز فاهجر

نحن لا نكاد نمل من تكرار الظن القول بأن الرجز مصدره الشيطان، بدليل قوله تعالى (وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ) في الآية الكريمة نفسها:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11) 

السؤال الخطير جدا جدا: إذا كان الرجز مصدره الشيطان، فكيف نفهم التوجيه الإلهي لمحمد (وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ) في قوله تعالى:

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)

تخيلات خطيرة جدا جدا لا تصدقوها: نحن نفتري القول بأن هذه الآية الكريمة كانت من أوائل ما نزل على محمد من الآيات المتلوة عليه من ربه، وفي هذه المرحلة كان محمدا (نحن نفتري القول) ضالا، مصداقا لقوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) كما جاء في الآيات الكريمة التالية:

وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7)

السؤال: كيف كان محمدا حينئذ ضالا عندما وجده ربه؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا: قبل أن يجد الله نبيه محمدا، كان محمد ضالا يبحث عن الهداية، لكن تلك الضلالة التي كان فيها محمد حينئذ كان مصدرها (نحن نفتري الظن) الشيطان نفسه. ليكون السؤال الآن هو: لماذا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: في تلك المرحلة من حياة محمد، كان الرجل باحثا عن طريق الهداية بكافة السبل والوسائل، وقد عاني الرجل معاناة شديدة (نحن لازلنا نتخيل) من أجل الوصول إلى الحقيقة، فحاول سلوك كل الطرق الممكنة التي تتيح له الوصول إلى الحقيقة. ولكن في مرحلة ما قبل الهداية التي جاءته مباشرة من ربه، كان له علاقة مع الشيطان الذي هو لا شك مصدر الرجز (أرجو أن لا تقص هذه العبارة عن سياقها الذي وردت فيه للترويج لأفكار نحن لم نقصدها). وكان محمد (نحن لازلنا نتخيل) يعلم أن الشيطان هو سبب ذلك الرجز.

لكن عندما جاءته الهداية الإلهية المباشرة، جاءه التوجيه الإلهي بأن يهجر الرجز، فلا يعد يتعامل مع مصدر هذا الرجز، وهو الشيطان نفسه.

الدليل

ولو تدبرنا مفردة الهجران التي جاءت في سياق الحديث عن الأمر الإلهي لمحمد بهجر الرجز:

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)

لوجدناها قد جاءت في السياقات القرآنية التالية:

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67) أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءهُم مَّا لَمْ يَأْتِ آبَاءهُمُ الْأَوَّلِينَ (68)

وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)


لنخرج من هذا باستنباط الظن بأن الهجر هو ترك ذلك الشيء. فمحمد إذن مطالب بأن يهجر الرجز:

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)

السؤال: ما الذي فعله محمد حتى يهجر ذلك الرجز؟

رأينا المفترى: إنها الطهارة بالماء.

دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في سياقات هذه الآيات الكريمة لتجد أن الله قد طلب من محمد (وهو المدثر) بتطهير ثيابه، وكذلك بأن لا يكثر من الجماع (المني):

يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ (6)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: نحن نظن أن رجز الشيطان لا يطهره إلا الماء الذي ينزله الله لنا من السماء، قال تعالى:

إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11)

فهذا الماء هو الذي:

1. يطهرنا الله به

2. ويذهب به عنا رجز الشيطان

3. ويربط به على قلوبنا

4. ويثبت به الأقدام

(دعاء: اللهم أدعوك وحدك أن أكون من عبادك المتطهرين، وأسألك وحدك أن تعلمني كيف أتطهر بالماء الذي تنزله علينا من السماء، وأن تذهب عني وعن أهل بيتي رجز الشيطان، وأن تربط به على قلوبنا، وأن تثبت به أقدامنا، إنك أنت العليم الحكيم – آمين)

وللحديث بقية بإذن الله 

المدّكرون

رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان
 
بقلم د. رشيد الجراح

16 شباط 2017