فقه الحج - رؤية جديدة 8


فقه الحج - رؤية جديدة – الجزء الثامن

افترينا الظن في الجزء السابق من هذه المقالة بأن العذاب الإلهي المباشر قد نزل بأصحاب الفيل لأنهم كانوا أصحاب كيد ما كان يستطيع صده إلا من كان ذا كيد متين وهو الله نفسه، وذلك لأن كيدهم (نحن نرى) كان موجها ضد الإله نفسه، لذا وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الله، فكان الله هو من تكفل بصد كيدهم بكيده المتين:

وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)

وافترينا الظن كذلك بأن هذه هي النتيجة الحتمية لكل من كان صاحب كيد (غير الله)، فهو من سيجد نفسه أنه هو المكيد:

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46)

وزعمنا القول (ربما مخطئين) بأن كيد هؤلاء القوم قد وصل إلى درجة محاولة إسقاط السماء كسفا وزعزعة أركان الأرض كلها. فأصحاب الفيل قد قدموا إلى البيت ليس من أجل هدم جدرانه ونثر حجارته هنا وهناك فقط (كما صور لنا ذلك الفكر الشعبي السائد)، وذلك لأن هدم حجارة البيت هو عمل يمكن ترميمه حتى وإن تجرأ على فعله بعض الناس، بالضبط كما حصل أكثر من مرة عبر الفترات الزمنية المتعاقبة، حيث هدمت حجارة البيت، ولم ينزل العقاب الإلهي المباشر بمن فعل ذلك، وقد تم إعادة ترميم بناء البيت من جديد أكثر من مرة. لكن العقاب الإلهي المباشر قد وقع على أصحاب الفيل لأنهم (نحن نظن) قد تجرءوا على فعل ما يتجاوز هذا الحد، فلقد كان كيدهم – برأينا- على نحو أن لا يبقوا للبيت وجود في ذلك المكان. وسنرى لاحقا (بحول الله وتوفيق منه) أن هذا هو السبب الذي من أجله جلبوا معهم الفيل، فهي الأداة التي كانوا سيحاولون بواسطتها (نحن نتخيل) إفناء البيت عن الوجود، فلا يبقوا له أثرا في أرض الواد غير ذي الزرع.

وسنرى في هذا الجزء من المقالة بأن الغاية المرجوة عندهم كانت على نحو (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) أن يعيدوا توازن الكون بطريقة جديدة غير الطريقة التي أرادها الله. فالله نسأل أن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا وأن يزدنا علما، ونعوذ به أن نفتري عليه الكذب أو أن نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع البصير.

أما بعد،

السؤال: كيف كان من الممكن تنفيذ مرادهم هذا؟

عودة قصيرة على قصة إبراهيم

لو تدبرنا ما حصل مع إبراهيم فيما يخص البيت، لوجدنا بداية أن الله هو من بوأ لإبراهيم مكان البيت:

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)

ونحن نفهم ذلك على نحو أن البيت لم يكن قائما بذاته (كبناء) حينئذ، فجلّ ما كان موجود هو مكان البيت، أليس كذلك؟

ولو تدبرنا ما حصل بعد ذلك، لوجدنا بأن إبراهيم قد عمد إلى رفع القواعد من البيت مع ولده إسماعيل:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

ولم يعمل إبراهيم مع ولده إسماعيل على بناء سقف لذلك البناء الذي رفعوا قواعده، فأصبح البيت (نحن نتخيل) على شكل أيكة:

وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78)

وذلك لأن سقفه كان موجودا ولكنه مرفوعا. وقد افترينا القول بأن سقفه كان قد رفع من ذي قبل:

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)
ليكون السؤال الآن هو: لماذا رفع سقف البيت أصلا؟

عودة على قصة آدم الأولى: تخيلات أغرب من الخيال نفسه

عندما اتخذ الله قراره بخلافة آدم، كان الحدث الأول بعد ذلك هو إسكان آدم وزوجه الجنة:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)


وافترينا الظن في أكثر من مقالة سابقة لنا بأن تلك الجنة كانت على الأرض، فسكن آدم وزوجه في الأرض المقدسة (بيت المقدس)، فكانت المنطقة بأكملها مباركة:

وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ (137)

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)

ولكن ما أن وقع آدم في مصيدة الشيطان، حتى جاء القرار الإلهي للجميع بالهبوط منها:

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (38)

(دعاء: اللهم رب أدعوك وحدك أن يأتيني منك هدى، إنك أنت العليم الحكيم – آمين)

فخسر آدم (بسبب معصيته ربه) ما كان له في تلك الجنة.

السؤال: ما الذي خسره آدم فعلا بعد هبوطه من تلك الجنة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نتجرأ على الظن بأن واحدة من أهم الأشياء التي خسرها آدم حينئذ (بسبب معصيته ربه) هو بيته في تلك الجنة. فمن صفات الجنة الأساسية هي وجود الكواعب (جمع كعبة):

إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33)

فما عاد آدم يتمتع بالسكن في ذلك البيت. انتهى.

الدليل

قبل أن تحصل المعصية من قبل آدم كانت تلك الأرض (أي الأرض المقدسة) مباركة لأن الإله (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) كان متواجدا هناك حينئذ، فكان قريبا من مكان الشجرة بدليل اسم الاشارة هَذِهِ في هذه الآيات الكريمة:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)


ولكن ما أن وقع آدم في المعصية حتى حصل الجوع والعري والظمأ والضحى من قبل آدم وزوجه، وكانت أول ردات الفعل لما فعله آدم وزوجه حينئذ هو (نحن نتخيل) ابتعاد الإله عن المكان كله، فجاء الخطاب بصيغة النداء، وأصبحت الشجرة بعيدة، بدليل اسم الإشارة تِلْكُمَا التي ترد في هذه الآية الكريمة التي تبين لنا ما حصل بعد المعصية الأولى:

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)
(للتفصيل انظر المقالات السابقة)

السؤال: كيف يمكن أن نتخيل ابتعاد الإله نفسه عن المكان؟ وهل فعلا ابتعد الإله بنفسه عن مكان المعصية؟ وكيف حصل ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا غريبة جدا: لما كان الإله موجودا في تلك الأرض (الأرض المقدسة)، كان توازن الكون كله مبني على بقعة محددة في تلك الأرض، فكان ميزان السماء والأرض (نحن لا زلنا نتخيل) موجودا هناك (وسنرى لاحقا بحول الله وتوفيقه ماهية هذا الميزان). ولكن لما ابتعد الإله بنفسه عن مكان المعصية، تم نقل هذا الميزان إلى مكان آخر غير المكان الذي حصلت فيه المعصية.

نتيجة مفتراة (1): كانت الأرض قبل المعصية جنة خالصة، وكانت موزونة بطريقة محددة، فكانت تضاريسها هي تضاريس جنة المأوى

نتيجة مفتراة (2): بعد أن حصلت المعصية لم تعد الأرض جنة خالصة لأنه تم إعادة توزينها من جديد، فأصبحت تضاريسها تضاريس الأرض التي نعرفها الآن.

(للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: سفينة نوح ونظرية تشكل القارات)

السؤال: كيف تم ذلك؟

رأينا المفترى: ما أن ابتعد الإله عن مكان المعصية، حتى تم نقل ذلك الميزان من الأرض المباركة إلى أرض الواد غير ذي الزرع، فكان أول بيت وضع للناس هناك:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

الدليل

لما كان آدم متواجدا في الجنة، لم يكن ليصنف من فئة الناس، وذلك لأن آدم قد خلق أصلا بشرا:

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (28)

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ (71)


فآدم لم يخلق أساسا من ذكر وأنثى، لأن من كان من الناس فهو من جاء خلقه من ذكر وأنثى، قال تعالى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

ولكن لما عهد الله لآدم، ولما لم يكن لآدم عزم، كانت النتيجة الحتمية هي النسيان عند آدم، فتحول آدم من صفته البشرية الأولى إلى صفة الإنسانية (بسبب النسيان)، فأصبح من الناس لأنه نسي:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: كيف تم خلق المسيح عيسى بن مريم وكذلك مقالتنا تحت عنوان: نظرية الأمانة)

فتم نقل البيت من مكانه الأول في الأرض المباركة إلى مكانه الثاني في أرض الواد غير ذي الزرع. وكانت النتيجة الحتمية أن أصبح مكان البيت الأول في الأرض المقدسة غير مبارك ولكن استمرت المباركة حوله:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)

وذلك لأن مركزه، أي البيت الأول (أي الكعبة) قد نقل (نحن نفتري القول) إلى مكان آخر، فانتقلت البركة من هناك إلى أرض الواد غير ذي الزرع، فكان البيت بحد ذاته مباركا، ولكن لم تكن المنطقة حوله مباركة:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: كان البيت العتيق (الكعبة) متواجدا أصلا مكان المسجد الأقصى الجديد، وكان المكان كله مباركا، كما في الشكل التوضيحي التالي:


لكن حصل (نحن نتخيل) أن تم نقل الكعبة ذاتها (مكان المسجد الأقصى ذاته) إلى أرض الواد غير ذي الزرع، فانتقلت جزء من المباركة من مكان المسجد الأقصى (الكعبة) ووضعت في أرض الواد غير ذي الزرع، فكان البيت العتيق بحد ذاته مباركا فقط. وبقيت الأرض التي كانت محيطة بالبيت العتيق في الأرض المقدسة مباركة، وانتقلت البركة التي كانت في مكان البيت العتيق نفسه مع الكعبة المنقولة من هناك: قال تعالى:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)


السؤال: ما الذي حصل بعد ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نتخيل ما جرى بعد ذلك على النحو التالي: تحصل لآدم من الذرية ولدان (إدريس وإسرائيل)، فحصل الخلاف بينهما على ملكية ذلك البيت، فتم حسم الخلاف بتقريب القربان. وبالفعل تم تقريب القربان، فتقبل الله من أحدهما (إدريس) ولكنه لم يتقبله من الآخر (إسرائيل):

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: لماذا قدم لوطا بناته بدلا من ضيوفه)

ولكن لما كان هذا الأمر غير مقبولا عند إسرائيل، طوعت له نفسه قتل أخيه إدريس، فقتله:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30)

فظن أنه بذلك قد حاز على ملكية البيت الذي لم يكن أصلا من نصيبه، لكن هل فعلا استطاع إسرائيل أن يحوز على ملكية ذلك البيت؟

جواب مفترى: كلا وألف كلا.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لمّا كان إسرائيل من المعتدين، ولما كانت ملكية البيت ليست من نصيبه (بالحكمة الإلهية التي آثرت إدريس على أخيه إسرائيل)، لم يكن الله (نحن نفتري القول) ليدع هذا المعتد (أي إسرائيل) أن يسكن البيت، فما الذي فعله الله لكي يصد إسرائيل عن حيازة ملكية ذلك البيت؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن الله قد منع إسرائيل من التمتع بملكية البيت (الذي لا حق له به) وذلك عن طريق رفع سقفه:

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)

فما عاد أصلا بيتا، فأصبح قائما على شكل أيكة.

ومع توالي الأيام، تم الاعتداء على حجارة هذا البيت، فتهدمت جدرانه، وتناثرت حجارته، وما تبقى منه إلا مكانه. وما أن وصل الأمر إلى إبراهيم حتى كان مكان البيت فقط موجودا، فبوأه الله لإبراهيم:

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)

وجل ما فعله إبراهيم حينئذ هو رفع القواعد من البيت فقط، لتحديد مكانه الذي بوأه الله له؛ وما دام أن إبراهيم قد رفع القواعد من البيت من أجل غاية واحدة وهي تحديد مكان البيت، فهو إذن لم يعمد إلى وضع سقف له، لأن سقفه كان أصلا موجود لكنه مرفوعا:

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)

نتيجة مفتراة (1): مكان البيت موجود، لم يلحقه تخريب

نتيجة مفتراة (2): رفع إبراهيم القواعد من البيت في ذلك المكان

نتيجة مفتراة (3): سقف البيت موجود لكنه مرفوعا

نتيجة مفتراة (4): لم يعمد إبراهيم إلى وضع سقف لذلك البيت.

لتكون الصورة في ذهننا حينئذ على النحو التالي: كان مكان البيت (foundation) موجودا وكان سقفه (ceiling) موجودا أيضا.

السؤال: ما الذي يمكن أن نستفيده من مثل هذا الخيال المفترى من عند أنفسنا؟

جواب: نحن نتجرأ على الظن بأن جل ما يمكن للبشر أن يتدخلوا فيه (فيما يخص هذا البيت على وجه التحديد) هو البناء الذي يقع بين مكان البيت (foundation) والسقف (ceiling) كالقواعد والجدران. لكنهم لا يستطيعون العبث بالمكان والسقف.

السؤال: كيف يمكن التخلص من البيت نهائيا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأنه من الاستحالة بمكان القضاء على البيت (أي بيت) قضاء مبرما بمجرد هدم جدرانه ونثر حجارته. ولكن يمكن التخلص من البيت (أي بيت) بالتخلص من أساسه (foundation) وسقفه (ceiling)، أي بنسف ما رفعت القواعد عليه وهو الأساس (foundation) وبالتالي إسقاط سقفه (ceiling). فلو أدرت أنا أن أهدم بيتا عاديا، فلا يمكن فعل ذلك بمجرد هدم الجدران وطرح حجارته جانبا، ولكن لابد من التخلص من الأساسات التي بني عليها البيت وإسقاط سقفه.

السؤال: ما علاقة هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا مع قصة أصحاب الفيل؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأن أصحاب الفيل لم يقدموا إلى مكان البيت العتيق من أجل هدم جدرانه وطرح حجارته جانبا، لأن هذا عمل يمكن ترميمه حتى لو نجحوا في ذلك، فجدران البيت قد تم ترميمها أكثر من مرة في الفترات الزمنية المتعاقبة. لكن كان هدف أصحاب الفيل (وهم ذو كيد عظيم) أن يأتوا بنيان البيت من القواعد حتى يخر السقف، فهم قد قدموا إلى مكان البيت (نحن نتخيل) وفي نيتهم القضاء على البيت قضاء مبرما، فلا يعود له وجود في ذلك المكان إطلاقا، وبالتالي لا يمكن ترميم الضرر الذي كان من الممكن أن يحدثوه في البيت بمجرد هدم جدرانه ونثر حجارته. ونحن نفتري الظن بأن هدفهم هذا لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع إلا بأن يأتوا ذلك البنيان من القواعد حتى يخر السقف على الأرض.

السؤال: ما الذي كان من الممكن أن يحصل لو أنهم فعلا نجحوا في ذلك؟

تخيلات مفتراة أغرب من الخيال نفسه: نحن نظن بأنه لو نجح أصحاب في الفيل في مهمتهم تلك، واستطاعوا أن يأتوا على بنيان البيت من القواعد لخر السقف (المرفوع) مباشرة. انتهى.

السؤال: وما الذي كان من الممكن أن يحدث لو أنهم فعلا استطاعوا أن يأتوا بنيان البيت من القواعد ولو أنهم استطاعوا أن يجعلوا سقف البيت المرفوع يخر على الأرض؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نتخيل (ربما مخطئين) بأنهم لو نجحوا في ذلك لاختل توازن الكون كله، ولتشكلت تضاريس الأرض كلها مرة أخرى من جديد. انتهى.

الدليل

ربما يتعجل القارئ في طلب الدليل على مثل هذا الافتراء الخطير جدا الذي هو لا شك من عند أنفسنا، ولكي تتضح الصورة في ذهن القارئ لما نحاول جاهدين قوله، دعنا نجلب الآيات الكريمة التالية التي جاءت في سياق الحديث عن ما فعله قوم إبراهيم عندما أرادوا أن يوقعوا به أشد العذاب. فلقد قرر القوم بداية أن يبنوا له بنيانا:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)

فهم إذا من أرادوا بإبراهيم كيدا، لكن جاء التدخل الإلهي ليكونوا هم الأسفلين:

فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

وما أن أتموا ذلك البنيان حتى عمدوا إلى إلقاء إبراهيم في النار العظيمة التي أعدوها له من فوق ذلك البنيان، وكان ذلك من أجل تنفيذ كيدهم، فكان الله لهم بالمرصاد:

إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

فقد كان القوم قد مكروا مكرا عظيما كادت أن تزول منه الجبال:

وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)

فمادام أنهم قد مكروا، لذا سيجدوا الله نفسه لا محالة هو خير الماكرين:

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30)

فلقد كان مكرهم على نحو التخلص من هذا الرجل (إبراهيم) كما حاول أهل مكة التخلص من محمد. فكان ذلك من باب المكر. فجاءت ردة فعل الإله على النحو التالي: لقد أتي الله بنيانهم من القواعد:

قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ ... (26)

السؤال: ما الذي حصل عندما أتى الله بنيان القوم من القواعد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لو تدبرنا تتمة الآية الكريمة السابقة، لوجدنا بأنه ما أن يتم الإتيان على أي بنيان من القواعد حتى تكون النتيجة الحتمية هي أن يخر السقف:

... فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ (26)

نتيجة مفتراة مهمة جدا: إذا ما أُتي البينان من القواعد، فإن السقف لا محالة سيخر. لذا نحن نستنبط القول بأن إسقاط السقف (حتى يخر على الأرض) مرتبط بأن يؤتي البنيان من القواعد، فسقف البنيان (أي بنيان) لن يبقى ثابتا "معلقا" بين السماء والأرض إذا ما تم إتيان البنيان (أي بنيان) من القواعد. انتهى.

السؤال: ما علاقة هذا بقصة البيت المعمور والسقف المرفوع؟

وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لما ظننا (ربما مخطئين) بأن السقف المرفوع هو سقف البيت المعمور، فإن النتيجة الحتمية ستكون (كما نفهمها) على نحو أنه ما أن يتم الإتيان على بنيان هذا البيت من القواعد حتى يخر السقف (المرفوع).

السؤال: ما الذي كان من الممكن أن يحصل لو نجح أصحاب الفيل فعلا في مهمتهم؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن بأنه لو تمكن أصحاب الفيل فعلا من إتيان بنيان البيت من القواعد لخر السقف المرفوع، ولأسقطت السماء كسفا، ولاختل توازن الكون كله. انتهى.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن في البيت العتيق سر الميزان الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض، وهذا الميزان هو الذي يحفظ التوازن في الكون كله. انتهى.

السؤال: لماذا تدخل الإله بنفسه فأرسل جنوده (الطير الأبابيل) على أصحاب الفيل على وجه التحديد؟

جواب مفترى: لما كان كيد أصحاب الفيل (نحن نتخيل) على نحو التلاعب بالميزان، ما كان الله ليسمح بأن يختل توازن الكون، لأن الله هو من تعهد بأن يكون المكان حرما آمنا، فالله هو من مكّن للناس حرما آمنا. انتهى.

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)

السؤال: ما معنى أن ذلك حرما آمنا؟ وكيف مكن الله للناس حرمنا آمنا؟ ولماذا يمكن أن يتخطف الناس من حوله؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأن البيت هو سر الأمن في ذلك المكان:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

فإبراهيم هو من دعا الله أن يجعل هذا البلد كله آمنا:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126)

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35)

لكن الله هو من قرر بأن يكون أول بيت وضع للناس ببكة هو المكان الذي فيه آيات بينات (مقام إبراهيم)، فكان كل من دخل هذا المكان آمنا:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)

فأصبح البيت الحرام آمنا:

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67)

وكانت النتيجة أن قريش (سكان البيت الحرام) قد آمنهم الله من الخوف بعد أن أطعمهم من الجوع:

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4)

السؤال: ما سر الأمن في ذلك المكان على وجه التحديد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الحرم آمنا لأنه ببساطة تحت المراقبة المباشرة من الله، فالله (نحن نفتري الظن) لن يسمح لأحد أن يتلاعب فيه، لأنه لو نجح أحد في ذلك لاختل توازن الكون كله.

الدليل: البيت المعمور

السؤال: ما هو البيت المعمور؟ وما معنى أنه بيت معمور؟ وكيف يكون البيت معمورا؟

وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5)

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن مفردة "الْمَعْمُورِ" التي ترد في سياق الآيات الكريمة هذه لها علاقة مباشرة بفعل "عمر" ومشتقاته التي ترد في سياقات قرآنية عديدة. فالله هو من استعمر الناس في الأرض التي أنشأهم منها، قال تعالى:

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61)

ولا شك عندنا أنه ما أن استعمر الله الناس في الأرض حتى قاموا هم أنفسهم بعمارتها، قال تعالى:

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (9)

ولم يقتصر فعل العمارة على الأرض وإنما حصل في أجزاء محددة منها كالمساجد مثلا، قال تعالى:

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (18) أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19)

فبالرغم أن الناس يشتركون جميعا في عمارة الأرض إلا أن فئة محددة منهم (وهم المؤمنون) هم الذين يقومون بعمارة المساجد على وجه التحديد.

لنخلص من هذا النقاش بافتراء الظن بأن البيت العتيق هذا البيت معمورا (على الدوام)، وذلك لأنه من الاستحالة بمكان أن يؤتي على بنيانه من القواعد حتى يخر السقف. فالبيت الحرام (أي الكعبة) قد جعله الله على مر الزمان قياما للناس، وذلك لأنها قائمة لا تنقض:

جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97)

ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا التفريق واضحا بين الحج من جهة والعمرة من جهة أخرى، قال تعالى:

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)
ونحن نفتري الظن بأن العمرة ليست أكثر من عمل تعبدي يتحصل بمجرد القيام في البيت الحرام. فالناس يذهبون للعمرة (نحن نفتري الظن) من أجل الدخول في ذلك المكان وهو الذي جعله الله مثابة للناس وأمنا. فمجرد وصولك إلى مقام إبراهيم فقد أديت مناسك العمرة:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)
وقد كان مقام إبراهيم هو محل ذلك الأمن:

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)

ففي هذا البيت توجد آيات بينات، وفيه هناك مقام إبراهيم، ويتحصل الأمن لكل من دخل في هذا المكان. ولعلي أكاد أجزم الظن بأن إبراهيم قد اتخذ ذلك المكان مقاما له من أجل طلب الأمن الإلهي.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن البيت هو مكان آمن لكل من دخله (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا) من الرجال والنساء والولدان، لكن الحج ليس مفروضا إلا على الناس فقط (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً). وهنا نتوقف لنقدم الافتراءات الخطيرة التالية التي هي لا شك من عند أنفسنا، ونحن إذن نقدم هذه الافتراءات نطلب من القارئ الكريم أن لا يخرجها عن نطاق محاولة الاجتهاد الذي يمكن أن يصيب أو أن يخطئ، لذا لا نطلب من أحد الإيمان بها كعقيدة إلا أن وجد هو بنفسه أنها تستحق ذلك.

افتراء 1: يمكن دخول البيت الحرام من قبل الجميع (وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)

افتراء 2: ما أن يدخل أحد هذا المكان حتى يكون من الذين يعمرون مساجد الله، فتتحصل له العمرة

افتراء 3: تبقى النساء والولدان في هذا المكان لأداء مناسك العمرة فقط (أي الحصول على الأمان)

افتراء 4: يستطيع الناس (المكلفون من الذكور) دخول المكان والحصول على الأمان، وبالتالي الظفر بالعمرة

افتراء 5: يكلف هؤلاء الناس بأداء مناسك وشعائر الحج، فيصعدون على عرفات وحدهم (من دون النساء والولدان) في يوم الحج الأكبر

افتراء 6: تبقى النساء ويبقى الولدان في منطقة المسجد الحرام فلا يكلفون بالذهاب إلى عرفات:

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196)

الدليل
لو تفقدنا هذه الآية الكريمة، لوجدنا بأن أهل الرجل مكلفون فقط بحضور المسجد الحرام وكفى (ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ). ولو تدبرنا في فعل النبي الكريم، لوجدنا بأنه قد جاء خطابه في حجة الوداع يوم الحج الأكبر من على جبل عرفات موجها فقط للناس، فجاء في خطبته (كما نقلت لنا) ما نصه:

أيُّها النَّاسُ، اسمعوا قولي، فإنِّي لا أدري لعلِّي لا ألقاكم بعدَ عامي هذا، بِهذا الموقِفِ أبدًا.
أيُّها النَّاسُ، إنَّ دماءَكم وأموالَكم عليْكُم حرامٌ، إلى أن تلقَوا ربَّكم كحُرمةِ يومِكم هذا، وَكحُرمةِ شَهرِكم هذا، وإنكم ستلقونَ ربَّكم، فيسألُكم عن أعمالِكم وقد بلَّغتُ، فمن كانت عندَهُ أمانةٌ فليؤدِّها إلى منِ ائتمنَهُ عليْها وإنَّ كلَّ ربًا موضوعٌ، ولكن لَكم رؤوسُ أموالِكم، لا تظلِمونَ ولا تُظلَمونَ قضى اللَّهُ أنَّهُ لا ربًا وإنَّ ربا العبَّاسِ بنِ عبدِ المطَّلبِ موضوعٌ كلُّهُ، وإنَّ كلَّ دمٍ كانَ في الجاهليَّةِ موضوعٌ، وإنَّ أوَّلَ دمائكم أضعُ دمَ ربيعةَ بنِ الحارثِ بنِ عبدِ المطَّلب- وَكانَ مستَرضَعًا في بني ليثٍ، فقتلتْهُ هُذيلٍ- فَهوَ أوَّلُ ما أبدأُ بِهِ من دماءِ الجاهليَّةِ ..

أما بعدُ أيُّها النَّاس، إنَّ الشَّيطانَ قد يئِسَ أن يعبدَ في أرضِكم هذِهِ أبدًا، ولَكنَّهُ أن يطاعَ فيما سوى ذلِكَ فقد رضِيَ بهِ مِمَّا تحقِّرونَ من أعمالِكم، فاحذروهُ على دينِكُم.

أيُّها النَّاسُ: « إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ » ، ويحرِّموا ما أحلَّ اللَّهُ، وإنَّ الزَّمانَ قدِ استدارَ كَهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّهُ السَّمواتِ والأرضَ، وَ «إنَّ عدَّةَ الشُّهورِ عندَ اللَّهِ اثنا عشَرَ شَهراً منْها أربعةٌ حُرُمٌ» ، ثلاثةٌ متواليةٌ، ورجبُ الَّذي بينَ جُمادى وشعبانُ.

أمَّا بعدُ أيُّها النَّاسُ، فإنَّ لَكم على نسائِكم حقًّا ولَهنَّ عليْكم حقًّا، لَكم عليْهنَّ أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونَه، وعليْهنَّ أن لا يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ، فإن فعلنَ فإنَّ اللَّهَ قد أذنَ لَكم أن تَهجُروهنَّ في المضاجِعِ، وتضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ، فإنِ انتَهينَ فلَهنَّ رزقُهنَّ وَكسوتُهنَّ بالمعروفِ واستوصوا بالنِّساءِ خيرًا، فإنَّهنَّ عندَكم عَوانٍ لا يملِكنَ لأنفسِهنَّ شيئًا، وإنَّكم إنَّما أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واستحللتُم فروجَهنَّ بِكلمةِ اللَّهِ، فاعقلوا أيُّها النَّاسُ قولي، فإنِّي قد بلَّغتُ وقد ترَكتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم بِهِ فلن تضلُّوا أبدًا، أمرًا بيِّنًا كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ نبيِّهِ .

أيُّها النَّاسُ، اسمعوا قولي واعقِلوهُ تعلمُنَّ أنَّ كلَّ مسلمٍ أخو للمسلِمِ، وأنَّ المسلمينَ إخوَةٌ، فلا يحلُّ لامرئٍ من أخيهِ إلا ما أعطاهُ عن طيبِ نفسٍ منه فلا تظلِمُنَّ أنفسَكمُ اللَّهمَّ هل بلَّغتُ قالوا: اللَّهمَّ نعَم، فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّم: اللَّهمَّ اشْهَدْ.

الراوي: - المحدث: الألباني - المصدر: فقه السيرة - الصفحة أو الرقم: 454


فلو تدبرت عزيزي القارئ هذه الخطبة، لوجدت أن الرسول الكريم قد وجه الخطاب في بداية كل جزء من خطبته إلى الناس فقط، فكان يقول في بداية كل رسالة أراد إيصالها حينئذ (أيُّها النَّاسُ). ولو تدبرنا الفقرة التالية من خطاب النبي في ذلك الموقف على وجه التحديد، لربما أدركنا على الفور بأن النساء لسن من الناس:

أمَّا بعدُ أيُّها النَّاسُ، فإنَّ لَكم على نسائِكم حقًّا ولَهنَّ عليْكم حقًّا، لَكم عليْهنَّ أن لا يوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تَكرَهونَه، وعليْهنَّ أن لا يأتينَ بفاحشةٍ مبيِّنةٍ، فإن فعلنَ فإنَّ اللَّهَ قد أذنَ لَكم أن تَهجُروهنَّ في المضاجِعِ، وتضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّحٍ، فإنِ انتَهينَ فلَهنَّ رزقُهنَّ وَكسوتُهنَّ بالمعروفِ واستوصوا بالنِّساءِ خيرًا، فإنَّهنَّ عندَكم عَوانٍ لا يملِكنَ لأنفسِهنَّ شيئًا، وإنَّكم إنَّما أخذتُموهنَّ بأمانةِ اللَّهِ، واستحللتُم فروجَهنَّ بِكلمةِ اللَّهِ، فاعقلوا أيُّها النَّاسُ قولي، فإنِّي قد بلَّغتُ وقد ترَكتُ فيكم ما إنِ اعتصمتُم بِهِ فلن تضلُّوا أبدًا، أمرًا بيِّنًا كتابَ اللَّهِ وسنَّةَ نبيِّهِ
(للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان ثلاثية المرأة)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأنه لو كانت النساء حاضرات في ذلك الموقف، لما تردد الرسول الكريم أن يوجه لهن الخطاب أو جزء منه مباشرة، وذلك لأن الرسول الكريم مأمور من ربه بأن يقل لأزواجه وبناته ونساء المؤمنين ما يوحى إليه من ربه:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59)
عودة على بدء: قصة أصحاب الفيل

نحن نفتري القول من عند أنفسنا باستحالة وجود قوة كونية (غير الله) تستطيع أن تعبث بأمن هذا المكان، لأن الله هو من مكّنه للناس ليكون حرما آمنا:

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)
ولو حصل أن حاول نفر من الناس (نحن نفتري الظن) العبث بأمن هذا المكان، لجاء التدخل الإلهي مباشر، ولأنزل الله فيهم العقاب المباشر كما فعل مع أصحاب الفيل.

لذا، نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أصحاب الفيل كانوا (بما كان عندهم من كيد) يعون تماما ما هو مقدمون عليه، فلقد كانت جل غايتهم (كما نفهمها) هي زعزعة أمن ذلك المكان، وكان مخططهم يتضمن ما يلي:

- إتيان البيت من قواعده

- أن يخر السقف

- أن لا يعود البيت آمنا

- الخ

السؤال: لماذا فعلوا ذلك؟ وماذا كانت غايتهم من وراء فعلهم ذاك؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه يمكننا هنا أن نقحم (ربما مخطئين) قصة الفيل في هذا النقاش، لنطرح على الفور التساؤل التالي: لماذا الفيل؟ لماذا كان هؤلاء القوم هم أصحاب الفيل؟ وما الغاية المرجوة عندهم من إحضار الفيل في هذا الصراع الكبير؟

جواب مفترى: لمّا كان هؤلاء القوم (نحن نفتري الظن) أصحاب كيد، كانوا إذا على علم عظيم، فهم لا شك يعون تماما ما يفعلون، ولما كانوا أصحاب كيد، كان عليهم أن يتجهزوا بأفضل الوسائل والمعدات لتنفيذ مرادهم الخفي المدبر (أي كيدهم)، ونحن نتجرأ على الظن بأن واحدة من أهم أدوات تنفيذ مخططهم على الشكل المطلوب هو الفيل. فالقوم قد أحضروا الفيل (على وجه التحديد) لغاية محددة بعينها. ولما كان كلام الله مقصود بذاته، فإننا نتجرأ على الظن بأن تنفيذ مراد القوم لا يمكن أن يتم بأي وسيلة أخرى غير الفيل. فلو كان من الممكن استخدام أي وسيلة أخرى، لما ترددوا في ذلك، ولكن لما كان الفيل هو الوسيلة الوحيدة (نحن نفتري الظن) لتنفيذ مرادهم، كان عليهم أن يحضروه معهم، فكانوا هم على وجه التحديد من بين جميع الأقوام الأخرى أصحاب الفيل. فلم يأت ذكر الفيل في أي مكان آخر من كتاب الله غير هذا المكان، ليكون السؤال التالي هو: لماذا؟

استراحة لغوية قصيرة

بداية لابد من محاولة التعرف جيدا على معنى مفردة الْفِيلِ التي ترد في هذا السياق القرآني، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

ليكون السؤال اللغوي الأول هو: ما هو الفيل؟

افتراء (1): نحن نفتري الظن بأن الفيل هو الحيوان الذي نعرفه ويندر وجوده في مناطق شبه جزيرة العرب

افتراء (2): نحن نفتري الظن بأن الفيل هو حيوان ذات فصيلة واحدة فقط

افتراء (3): نحن نفتري الظن بأن الفيل كلمة تدل على النوع، لذا فالفيل الواحد يسمى فيل والمجموعة منه تسمى أيضا فيل. فالكلمة تجمع وتفرد على نفس اللفظ كما في الشكل التوضيحي التالي:

مفرد
جمع
فيل
فيل

ليكون السؤال هو: لماذا أستخدم نفس اللفظ (الْفِيلِ) للمفرد والجمع معا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: لو تدبرنا مفردات اللغة (أي لغة)، لوجدنا أن المفرد والجمع في اللغة لا يأتي على نفس الصيغة لجميع المفردات، فنحن نجد أن بعض المفردات لها لفظة تدل على المفرد وأخرى تدل على الجمع (ولد = أولاد)، وبعضها لها مفرد لا جمع له (امرأة = ؟)، وبعضها الآخر له جمع لا مفرد له (؟ = نساء)، وبعضها يكون المفرد والجمع على نفس الصيغة (أرض = أرض)، وبعضها تجمع على أكثر من شكل (شهر = أشهر وشهور) كما في الشكل التوضيحي التالي:

مفرد
جمع 1
جمع 2
سماء
سماوات
أرض
أرض
شهر
شهور
أشهر
امرأة
؟
؟
نساء

السؤال: لماذا؟ أي لماذا لا تجمع كل المفردات على نفس الشاكلة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن وجود صيغة للمفرد وأخرى للجمع مدفوع بالمعنى المراد في كل حالة من الحالات. فالشكل يحمل في ثناياه المعنى، فتصبح العلاقة بين الشكل والمعنى علاقة غير اعتباطية.

السؤال: ما علاقة المعنى بالشكل في حالتي الإفراد والجمع؟ أي ما علاقة المعنى بشكل الإفراد والجمع في كل حالة من الحالات السابقة؟

افتراء 1: نحن نظن أن الجمع لأي مفردة لا يتحصل إلا إذا كان هناك تباين، وبالتالي تنوع في الصنف

افتراء 2: نحن نظن أن الكلمة لا تجمع إذا كان هناك تطابق، وبالتالي استحالة التنوع في الصنف

افتراء 3: نحن نظن أن الكلمة لا تفرد إذا كان هناك تطابق، وبالتالي استحالة التنوع في الصنف

افتراء 4: نحن نظن أن وجود جمعين للمفردة الواحدة يدل على أن هناك مفردتان مختلفتان تماما في النوع

السؤال: كيف يمكن إثبات هذه الافتراءات باستخدام الأمثلة التوضيحية؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: دعنا ندقق في مفردتي السماء والأرض أولا. فلو تدبرنا ما جاء في كتاب الله عن هاتين الكلمتين لوجدنا بأن مفردة السماء تجمع على سماوات بينما تجمع مفردة الأرض على الأرض نفسها، قال تعالى:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)

أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15)


لتصبح الصورة على النحو التالي: 

مفرد
جمع
العدد (سبعة)
سماء
سماوات
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
أرض
أرض
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ

 السؤال: لماذا تجمع مفردة سماء على سماوات؟

جواب مفترى: لأن السماوات السبع متفاوتة. فكل سماء لها خصوصيتها التي تجعلها مختلفة عن السماء الأخرى. انتهى

السؤال: لماذا تجمع مفردة الأرض على المفردة نفسها (أرض)؟

جواب مفترى من عد أنفسنا: لأن الأرض (السبعة) لا تتفاوت. فكل أرض متطابقة تماما مع الأرض الأخرى، فبالرغم من وجود سبعة من الأرض (كما أن هناك سبع سماوات)، إلا أنها جميعا متطابقة، فالأرض الأولى متطابقة تماما مع الأرض الثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة.

نتيجة مفتراة (1): مادام أن هناك تفاوت بين الكينونات، فإن صيغة الجمع تختلف عن صيغة المفرد (كما في سماء = سماوات)

نتيجة مفتراة (2): مادام أنه ليس هناك تفاوت بين الكينونات، ومادام أن هناك تطابق، فلا داع بأن تختلف الصيغة في حالة المفرد عن الصيغة في حالة الجمع ( كما في أرض = أرض)

الدليل

لو تفقدنا الآية الكريمة التالية:

لوجدنا بأن صريح اللفظ يبين لنا (كما نفهمه بالطبع) بأن الله قد خلق سبع سماوات طباقا:

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ (3)

لنطرح التساؤل التالي على الفور: لماذا جاءت لفظة طباقا مع السماوات؟ ولم لم يأتي مثل هذا اللفظ مع الأرض؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأنه لو كانت السماوات أصلا متطابقة، لما استعدت الضرورة استخدام لفظة () طباقا عند الحديث عن السماوات، ولأصبح من البديهي الفهم أنها أصلا متطابقة، لكن لما كانت السماوات أصلا تتفاوت فيما بينها، كان الله هو من جعلها متطابقة، لكي يتم طيها في نهاية الأمر كطي السجل للكتب، كما جاء في قوله تعالى:

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
فلكي تطوى السماوات (كطي السجل للكتب) كان لابد من جعلها متطابقة في الحجم.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: السماوات متطابقة في الحجم لكنها لازالت متفاوتة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأنه على الرغم من تطابق السماوات في الحجم، إلا أنها لازالت كينونات متفاوتة في غير الحجم، بدليل قوله تعالى:

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6)

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)


فالسماء الدنيا (على وجه التحديد) هي التي زينها الله بزينة الكواكب، وهي التي زينها الله بمصابيح، وهي التي جعل الله فيها رجوما للشياطين. وهذا (نحن نتخيل) لا ينطبق على السماوات الأخرى. فالسماوات إذن متطابقة في الحجم لكنها متفاوتة في الشكل والغاية. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نكاد نجزم الظن بأن لو صح منطقنا المفترى هذا من عند أنفسنا، لربما استطعنا تسطير بعض الحقائق الكونية فيما يخص السماوات والأرض، نذكر منها:

- هناك سبعا من السماوات

- هذه السماوات متطابقة في الحجم، بدليل أنها ستطوى كطي السجل للكتب

- هذه السماوات متفاوتة في الشكل والوظيفة بدليل أن السماء الدنيا فقط هي من زينها الله بزينة الكواكب وبالمصابيح، وجعلها رجوما للشياطين

لكن بالمقابل:

- هناك سبعا من الأرض

- هذه الأرض جميعا متطابقة في الحجم

- هذه الأرض جميعا متطابقة في الشكل

- هذه الأرض جميعا متطابقة في الوظيفة

السؤال: لماذا تجمع مفردة ولد على أولاد وبنت على بنات؟

جواب مفترى: نحن نظن بأنه مادام أن للمفردة صيغة جمع تختلف عن صيغة المفرد منه (ولد = أولاد)، فلابد من وجود التفاوت. فبالرغم أن الأولاد يشتركون في الصفة الغالبة التي تجعلهم أصلا ضمن فئة الأولاد، إلا أن كل ولد يختلف عن الآخر، فهناك إذن (نحن نكاد نجزم القول) من الفروقات ما يدعو إلى اختلاف اللفظ بين صيغتي المفرد والجمع (ولد = أولاد). فلو كانوا جميعا متطابقين تماما، لما احتجنا (نحن نظن) إلى صيغة للجمع تختلف عن صيغة المفرد.

السؤال: لماذا لا نجد صيغة المفرد لكلمة نساء؟

جواب مفترى: نحن نظن أن من تدخل من الإناث مرحلة "النسوة"، فإنهن جميعا يشتركن في الصفات نفسها. فالنسوة ليست مرحلة عمرية وإنما هي مرحلة وظيفية، وهي مرحلة النكاح:

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (3)

فلا تدخل الأنثى مرحلة النكاح إلا أن أصبحت من النساء، وهذا يتطلب وصول مرحلة المحيض:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)
وهنا يطلب من هؤلاء النساء أن يدنين عليهن من جلابيبهن:

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (59)
فكل من بلغت المحيض، وبالتالي أصبحت مؤهلة لأن تنكح، فهي إذن من النساء.

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان حديث الإفك، وثلاثية المرأة)

ونحن نتجرأ على افتراء الظن بأن جميع النساء متطابقات في هذه الصفة، ولا اختلاف بين واحدة وأخرى في هذه الصفة، فكل من بلغت من الإناث مرحلة "النسوة" يشتركن في الصفات ذاتها. لذا لا نجد ضرورة بأن تفرد أنثى من النساء عن أنثى أخرى من النساء. فجاء اللفظ بصيغة الجمع الذي لا مفرد له.

السؤال: لماذا يجمع لفظ أنثى على إناث؟

جواب: لأن الأنوثة متفاوتة، فليس كل الإناث نوع واحد. فبالرغم أنهن جميعا يقعن في فئة الإناث نفسها، إلا أن لكل أنثى خصوصية تجعلها تختلف عن الأنثى الأخرى:

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49)

فالإناث لسن جميعا صنف واحد، فكما أن هناك اختلاف بين الذكور (فمنهم من ينجب ومنهم من يجعله الله عقيما)، فإن الإناث مختلفات كذلك:

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50)

السؤال: لماذا تجمع كلمة سنبلة على سنابل وسنبلات؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن كلمة سنبلة تدل على كمية من فصيلة واحدة، لكن مفردة سنبلات تدل على التنوع في الفصائل. قال تعالى:

مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261)

فالحبة الواحدة قد تنبت سبع سنابل (من نفس الفصيلة)، ولكن عندما تتنوع الفصائل، يأتي اللفظ على نحو سنبلات:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
فهذه – لا شك عندنا- سبع سنبلات من أنواع مختلفة.

وهذا المنطق المفترى من عند أنفسنا ينسحب على مفردة بقرة. فهي تجمع على لفظ بقر، كما جاء في قوله تعالى:

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70)

فالبقر إذن قد يتشابه على الناس لأنه ليس صنف واحد، فلكل بقرة ميزاتها وخصائصها الفردية التي تجعلها تختلف عن البقرة الأخرى، فيمكن للبقر أن يتشابه لكنه لا يتطابق.

فها هم قوم موسى يسألون نبيهم عن تلك البقرة، فما استطاعوا أن يذبحوا أي بقرة إلا بعد أن تبين لهم ماهيتها:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (68) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (71)

نتيجة مفتراة: مادام أن مفردة بقرة تجمع على بقر، فإن لكل بقرة من هذه البقر خصوصيتها التي تجعلها مختلفة عن البقرة الأخرى.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، فالبقر بحد ذاته هو أيضا أصناف متعددة، بدليل أن الملك قد رأى سبع بقرات سمان وسبع عجاف:

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
استنباطات علمية

لو صحت افتراءاتنا هذه، فإننا قد نستطيع تسطير حقائق كونية وعلمية لن تكلفنا الجهد الكبير والمال الوفير لإثباتها في المختبرات العلمية ومعامل التجريب، فنحن لا نحتاج أكثر من فهم المفردة القرآنية فهما دقيقا لنستطيع من خلالها الخروج باستنباطات علمية ربما تشكل دليلا كافيا على أن هذا القرآن ما كان ليفتري من دون الله.

فلو تفقدنا مفردة السماء (سماوات)، لخرجنا بالاستنباط التالي: السماوات متفاوتة في الشكل والوظيفة ولكنها متطابقة في الحجم

ولو تفقدنا مفردة الأرض، لخرجنا بالاستنباط التالي: هناك سبع من الأرض متطابقة تماما في الشكل والحجم والوظيفة

ولو تفقدنا مفردة ولد (أولاد)، لوجدنا أن كل ولد يختلف عن الآخر

ولو تفقدنا مفردة بنت (بنات)، لوجدنا أن كل بنت تختلف عن الأخرى

ولو تفقدنا مفردة النساء، لوجدنا أن جميع النساء متطابقات في هذه الصفة

ولو تفقدنا مفردة بقرة (بقر)، لوجدنا بأن كل بقرة تختلف عن البقرة الأخرى

ولو تفقدنا مفردة بقرة (بقرات)، لوجدنا أن هناك سبع أصناف من البقر

ولو تفقدنا مفردة سنبلة (سنابل)، لوجدنا أن كل سنبلة تختلف عن الأخرى

ولو تفقدنا مفردة سنبلة (سنبلات)، لوجدنا أن هناك سبع أصناف من السنابل

السؤال: هل يمكن أن ينسحب هذا المنطق على جميع مفردات اللغة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نعم.

الدليل

- الفاكهة (فواكه) أصناف

مُتَّكِئِينَ فِيهَا يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ (51)

فَأَنشَأْنَا لَكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَّكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19)

 
- النخل (نخيل) أصناف

وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99) 
- الزيتونة (زيتون) متنوع

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) 
 
- الرمان صنف واحد

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141) 

ولو طبقنا هذا المنطق على المفردات العامية، لربما خرجنا باستنباطات مماثلة:

- حمار (حمير) متنوع الأصناف

- الخ

- تفاحة (التفاح) متنوع الأنواع

- برتقالة (برتقال) متنوع الأنواع

- الخ

- بطاطا (صنف واحد)

- طماطم (صنف واحد)

- الخ

خاتمة: لعلنا نستطيع أن نفرد مؤلفات ضخمة لهذه الاستنباطات (وهو ما سنحاول فعله في مقالات منفصلة لاحقا بإذن الله)، ولعلنا لا نتردد أن ندعو طلبة الدراسات اللغوية إلى الخوض في هذا الموضوع لتسطير رسائل ماجستير ودكتوراه في هذا الموضوع الذي نظن أنه سيفتح بحول الله وتوفيقه أفاقا جديدة في التفكير. ولعل الهدف الأساسي من ذلك هو استنباط ما يسمى بك "القواعد اللغوية والنحوية" من كتاب الله، وبالتالي الكف عن تسطير قواعد لغوية من عند أنفسنا (كما هي الحال الدارجة الآن) ومن ثم إسقاطها على ما جاء في كتاب الله، فمثل هذا التصرف (ربما غير المسئول) هو ما أدى – برأينا- في نهاية المطاف إلى الظن بأن هناك في كتاب الله ما يشذ عن تلك القواعد التي سطرتها الأيدي البشرية. فكم من المؤلفات اللغوية ظهرت على مر العصور تحت مسمى غريب اللفظ في القرآن، ويكأن لسان حالهم يقول أن قواعدهم مطلقة الصحة والثبات ولكن المشكلة تكمن في كتاب الله. فنحن نظن أن فعلتهم هذه تناقض ما سطره الله في كتابه الكريم في قوله تعالى:

قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (28)

ومادام أن عقيدتنا مبنية على الإيمان المطلق بأن كتاب الله هو قرآنا عربيا غير ذي عوج، فالمشكلة إذن لا يمكن أن تكمن في كتاب الله (إن وجدنا ما يخالف قواعدنا اللغوية)، ولكن المشكلة الحقيقة تكمن في "القواعد اللغوية" التي سطرتها الأيدي البشرية. فبدل أن ننظر فيما اسمه بغريب القرآن، فإننا ندعو أهل العلم (وخاصة طلبة الدراسات العليا) إلى إعادة النظر في تخريصات الأقدمين اللغوية التي نؤمن يقينا بأن الله ما أنزل بها من سلطان.

لكن يكفينا هنا أن نعود من هذا النقاش الطويل إلى قصة الفيل مرة أخرى، لنطرح على الفور التساؤل التالي: لماذا تفرد وتجمع كلمة فيل على نفس اللفظ (فيل = فيل)؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لما كانت كلمة فيل تفرد وتجمع على نفس اللفظ، فإننا نتجرأ على الظن بأن الفيل نوع واحد، فجميع المخلوقات في هذه الفئة هي صنف واحد لا تفاوت بينها، فليس هناك فرق بين فيل وآخر، فجميعها متطابقة.

نتيجة مفتراة: جاء أصحاب الفيل إلى المكان ومعهم مجموعة من هذه الكائنات المتطابقة (الفيل)، وذلك من أجل غاية محددة بذاتها. فنحن لا نتخيل بأن أصحاب الفيل قد جاءوا إلى المكان ومعهم فيل واحد، وإنما جاء ومعهم مجموعة من هذه الكائنات التي تسمى الفيل.

السؤال: ماذا كانت غايتهم عندما أحضروا معهم هذا الكائن بأعداد كثيرة (وليس فيلا واحدا) إلى مكان البيت؟

جواب مفترى: قبل محاولتنا الإجابة على هذا التساؤل دعنا نثير التساؤل التالي عن مفردة أصحاب التي ترد في الآية نفسها:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

رأينا المفترى من عند أنفسنا: بداية، لابد من العودة إلى مفردة "أصحاب" في السياقات القرآنية، فلقد تعرضنا لهذه المفردة أكثر من مرة في مقالات سابقة لنا، وزعمنا الظن بأن مفردة "أصحاب" تحمل في ثناياها المعاني المفتراة التالية:

- الصحبة غير دائمة

- الصحبة مدفوعة بهدف محدد بعينه

- الصحبة لا تعني أن الشخص هو من أوجدها

- الصحبة تعني الاستخدام

- الخ

الدليل

لعل أوضح الأدلة على هذه الافتراءات هي مفردة أصحاب السفينة التي صنعها نوح:

فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (15)

فبالرغم أن نوحا هو من صنعها:

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37)

كانوا هم (وليس نوح) أصحابها. فكل من تواجد في السفينة كان من أصحابها بالرغم أنه ربما لم يشارك في صنعها.

ثانيا، ربما لا أكاد أتردد في القول أن أصحاب السفينة لم يمكثوا في السفينة طوال حياتهم، وإنما جاء مكوثهم فيها فترة من الزمن، وكانت الغاية من ذلك هي النجاة من العذاب، فالسفينة هي الأداة التي ستحميهم من خطر الطوفان متى حصل.

ثالثا، لا شك عندنا أن السفينة (أداة النجاة) كانت تجري بهم، فتنقلهم من مكان الخطر إلى مكان الأمن:

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)

السؤال: ما علاقة هذا كله بأصحاب الفيل؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن بأن الفيل لم يكن أكثر من وسيلة لتحقيق مآرب القوم، وستنتهي الحاجة إليها في حال تحقيق تلك المآرب.

السؤال: ما الهدف إذن من استخدامهم للفيل؟

جواب مفترى خطير جدا جدا من عند أنفسنا: نحن نظن بأن الهدف الذي من أجله جلب هؤلاء معهم الفيل إلى البيت هو نقل مكان البيت. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: جاء القوم إلى مكان البيت بهدف إتيان البيت من القواعد، لكي يخر السقف المرفوع، ولكن لما كان هدفهم يتجاوز هذا الحد، كان لزاما عليهم (نحن نرى) أن يجلبوا معهم الفيل من أجل نقل مكان البيت كله.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدا جدا: كان الهدف من جلب الفيل هو من أجل جر "مكان البيت" الذي بوأه الله لإبراهيم كله من أرض الواد غير ذي الزرع إلى مكان آخر سيختارونه هم بأنفسهم.

السؤال: ما الفائدة التي سيجنيها هؤلاء القوم (أصحاب الفيل) من جر مكان البيت كله؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن غايتهم كانت تتمثل في وضع "مكان البيت" الذي بوأه الله لإبراهيم في مكان آخر هم سيختارونه بأنفسهم.

السؤال: ما الذي سيستفيده هؤلاء من نقل مكان البيت من موضعه في ذلك الواد إلى مكان آخر؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الغاية كانت (كما نزعم بالطبع) من أجل التلاعب بالميزان. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه لو تمكن هؤلاء القوم من نقل مكان البيت من ذاك الواد غير ذي الزرع، وتم وضعه في مكان آخر، لحصل على الفور إعادة توازن للكون كله بطريقة جديدة كليا، مختلفة عن ما نشاهده الآن على أرض الواقع.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: كان الكون في الفترة التي أسكن الله آدم وزوجه الجنة قد تم توزينه بناء على مكان البيت الذي كان موجودا أصلا في مكان المسجد الأقصى الحالي. ولما وقع آدم بالمعصية، تم نقل "مكان البيت" (foundation) من منطقة المسجد الأقصى إلى منطقة الواد غير ذي الزرع، فحصل بناء على ذلك (نحن لازلنا نتخيل) إعادة توزين للكون كله من جديد، فتغيرت تضاريس الأرض كلها، واختلف توزيع مناخاتها، فلم تعد الأرض (كل الأرض) جنة كما كانت من ذي قبل، فظهرت القارات، وتباين المناخ، وأصبح التنوع (وبالتالي التباين) بين مناطق الأرض واضحا بعد أن كانت الأرض كلها جنة واحدة قبل المعصية.

السؤال: ما الذي كان من الممكن أن يحصل لو أن هؤلاء القوم قد نحجوا في نقل مكان البيت وتم وضعه في مكان آخر غير الواد غير ذي الزرع؟

رأينا المفترى: نحن نظن بأنه لو نجح هؤلاء القوم في تلك المهمة التي تجرءوا عليها، لحصل "توزين" للكون كله من جديد، ولاختلفت التضاريس من جديد، ولاختلف بالتالي توزيع مناخ الأرض، ولظهر تباين للجغرافيا والمناخ بطريقة جديدة غير التي نعرفها الآن.

السؤال: لماذا سيحصل كل ذلك بمجرد نقل مكان البيت من منطقة إلى منطقة أخرى؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأن كل هذا سيحدث بسبب الميزان. فأنت عندما تقوم بتشييد بناء ما، فلابد أن تحرص على "توزين" ذلك البناء، لتضمن الأمن (فلا يتساقط) والديمومة له (في يلحق به الأذى مع توالي الأيام). ولكن لو تم تشييد ذلك البناء بدون استخدام الميزان، فإن ذلك البناء لن يصمد كثيرا وستظهر عيوبه مع توالي الأيام. فالميزان (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) هو ما يضمن دوام واستقرار البناء على الشكل المطلوب على مر الزمان.

السؤال: هل الميزان فعلا بهذه الأهمية التي تدعيها؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل تتطلب منا الخوض في ماهية الميزان، فما هو الميزان إذن؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن بأنه لو تدبرنا جميع السياقات القرآنية التي ورد فيها ذكر الميزان، وهي قوله تعالى:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)

وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)

وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)


لربما صح أن نخرج بالاستنباطات المهمة التالية عن الميزان:

- الميزان هو شيء وضعه الله مع رفع السماء:

وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

- جاءت قصة الميزان مميزة لقوم شعيب:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)

وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)


- أنزل الله الميزان مع النبيين كما أنزل معهم الكتاب:

- لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

- الخ.

نتيجة مفتراة مهمة جدا من عند أنفسنا: نحن نظن أن الميزان لا يقل في الأهمية عن الكتاب، فالله هو من أنزل الكتاب والميزان.

السؤال: ما هو هذا الميزان الذي يبينه النص القرآني؟

تفنيد الفكر الشعبي السائد

لعلنا نحتاج بداية أن نبرهن بأن الفكر الشعبي السائد عن الميزان هو فكر مغلوط، ربما لا يرقى – برأينا- إلى درجة جدية التصوير القرآني له. فلقد درج العامة من الناس على فهم فكرة الميزان (كما روج لذلك أهل الدراية من قبلنا) على أنه تلك الآلة المصنوعة من قبل البشر والتي يتم بواسطتها قياس الكميات من الخضار والفاكهة والحب وغيرها في الأسواق. فإن أنت ذهبت إلى صاحب البقالة المجاورة لبيتك، وطلبت من عنده كمية من الدقيق مثلا، فإن صاحب البقالة يقوم بـ "توزين" (أي قياس كمية) ما طلبته بواسطة ذلك الميزان الموجود في دكانه، فلا شك أنه سيعطيك رطلا أو رطلين أو ثلاثة من الدقيق (بما يكافئ كمية المال الذي ستدفعه له)، ويتم هذا بعد أن يقوم بتوزين السلعة المطلوبة بتلك الآلة التي يستخدمها في قياس الكميات في متجره، كما في الصور التوضيحية التالية:









 source: http://www.thinkstockphotos.ae/royalty-free/weight-scale-pictures/?countrycode=JOR

السؤال: هل هذا هو الميزان الذي يبينه النص القرآني فعلا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن ننفي جملة وتفصيلا مثل هذا الفهم، وذلك لأن توزين الكميات من البضاعة يتم بما يطلق عليه النص القرآني لفظ "القسطاس المستقيم" (أو weight scale بالمفردات الأعجمية)، قال تعالى:

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)

أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)

وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3)


لذا علينا أن نفرق بين الميزان من جهة والقسطاس المستقيم من جهة. لذا نحن نتجرأ على الظن بما يلي:

- الميزان هو لفظ عام يدل على كل ما يمكن أن يستخدم في إحداث التوازن، فالتاجر يستخدم الميزان، والنجار يستخدم الميزان، والبناء يستخدم الميزان، والحداد يستخدم الميزان، وطالب الهندسة يستخدم الميزان، وعامل المختبر الكيميائي يستخدم الميزان، وهكذا. ولكن كل واحد من هؤلاء يستخدم ميزانه الخاص به الذي يحدث بواسطته التوازن، فلا ينتج اختلال أو عدم توازن، لأنه بدون الميزان لن تكون النتائج مرضية لكل صاحب حرفة. وهو ما يسمى بالمفردات الأعجمية scale.

- أما ما يستخدمه التاجر في قياس الكميات في متجره، فهو واحد من هذه الأدوات المتعددة، وهو ما يطلق عليه لفظ القسطاس المستقيم (أو weigh scale بالمفردات الأعجمية.

- هناك أنواع عديدة من الموازين، نذكر منها:

1. Spring scales أو Hydraulic or pneumatic scale

2. Digital scales

3. Supermarket and other retail scale

4. Balance scales

5. Roberval balance scale

6. Pendulum balance scales

7. Hybrid spring and balance scales

8. الخ



- إن فكرة إحداث التوازن ليست جديدة في تاريخ البشرية، وإنما هي فكرة كونية، نجد الدليل عليها في الرسومات الفرعونية من مثل الجدارية العظيمة التالية:

 
ونحن ندعو علماء الآثار كافة (وخاصة صاحبنا القديم الجديد عصام درويش) إلى جلب هذه الجداريات، ومحاولة تفكيك الشيفرة التي بنيت عليها مثل هذه الجداريات، ليجدوا (نحن نفتري القول) بأن الأمر جد خطير، وأنه يحمل في ثناياه أسرار كونية، نسأل الله أن نكون أول العالمين بها، إنه هو العليم الحكيم – آمين.

وللحديث بإذن الله بقية

دعاء: اللهم ربنا، رافع السماء وواضع الميزان، ندعوك وحدك أن تعلمنا ما لم نكن نعلم وأن تزيدنا علما وأن تهدينا لأقرب من هذا رشدا، إنك أنت السميع العليم – آمين.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

17 تشرين ثاني 2016