تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

فقه الحج - رؤية جديدة 7



فقه الحج - رؤية جديدة – الجزء السابع

لنبدأ هذا الجزء الجديد من المقالة بالاقتباس التالي من موسوعة الويكيبديا عن الأغنية الشهيرة (القلب يعشق كل جميل) التي أنشدتها أم كلثوم في 3 شباط من عام 1971، وهي قصيدة للشاعر الكبير بيرم التونسي. وجاء في موسوعة الويكيبيديا عن هذه القصيدة ما نصه:

"عندما توفي الشاعر بيرم التونسي في يناير 1961، كان قد ترك لأم كلثوم بعضاً من أشعاره، ومن هذه الأشعار كانت هذه الأغنية التي تحدث عن الحب الإلهي، وعن السلام الداخلي الذي يتحقق بزيارة مكة المكرمة، وتنتهي الأغنية بمشهد يتخيل فيه الشاعر نفسه (وإن لم يقل ذلك) في الجنة، ويتمنى أن يكون مصير كل أحبابه مثل مصيره." انتهى الاقتباس.

أما نص القصيدة فهو على النحو التالي:


القلب يعشق كل جميل


وياما شفتِ جمال يا عين


واللي صدق في الحب قليل


وإن دام يدوم يوم ولا يومين


واللي هويته اليوم


دايم وصاله دوم


لا يعاتب اللي يتوب


ولا بطبعه اللوم


واحد مافيش غيره


ملا الوجود نوره


دعاني لبيته


لحد باب بيته


واما تجلى لي


بالدمع ناجيته


*******


*******


كنت ابتعد عنه


وكان يناديني


ويقول مصيرك يوم


تخضع لي وتجيني


طاوعني يا عبدي


طاوعني انا وحدي


ما لك حبيب غيري


قبلي ولا بعدي


أنا اللي أعطيتك


من غير ما تتكلم


وانا اللي علمتك


من غير ما تتعلم


واللي هديته إليك


لو تحسبه بإيديك


تشوف جمايلي عليك


من كل شيء أعظم


سلم لنا


تسلم


مكة وفيها جبال النور


طالّة على البيت المعمور


دخلنا باب السلام


غمر قلوبنا السلام


بعفو رب


غفور


فوقنا حمام الحما


عدد نجوم السما


طاير علينا يطوف


ألوف تتابع ألوف


طاير يهني الضيوف


بالعفو والمرحمة


واللي نظم سيره


واحد ما فيش غيره


*******


*******


جينا على روضه


هلا من الجنة


فيها الأحبة تنول


كل اللي تتمنى


فيها طرب وسرور


وفيها نور على نور


وكاس محبه يدور


واللي شرب غنى


وملايكة الرحمٰن


كانت لنا ندمان


بالصفح والغفران


جاية تبشرنا


يا ريت حبايبنا


ينولوا ما نلنا


يا رب توعدهم يا رب


يا رب واقبلنا


دعاني لبيته


لحد باب بيته
وغايتنا هنا أن نبين أن هذا الشاعر الكبير قد عبّر بطريقته عن نظرته الخاصة لزيارة البيت العتيق، فهو يرى أن هذه الزيارة هي دعوة خاصة ومباشرة من ربه إلى لقاءه عند بيته العتيق، فهو يرى بأن الإله يتجلى هناك ليملأ الوجود نوره، كما يرى أن المناجاة تكون مباشرة بين العبد وربه في ذلك المكان والزمان على وجه التحديد، والمقطع التالي ربما يخلص مراد الشاعر بشكل واضح:
  

واحد مافيش غيره


ملا الوجود نوره


دعاني لبيته


لحد باب بيته


واما تجلى لي


بالدمع ناجيته
وسنحاول أن نتابع في هذا الجزء من المقالة مثل هذا النوع من التفكير، بمحاولة فهم ما يخص فقه عبادة الحج كما جاءت في كتاب الله الكريم، ظانين في الوقت ذاته أننا سنتجرأ على افتراءات ربما تكون غير مسبوقة، وهي من الخطورة بمكان تدعونا أن نطلب من كل من لا يستطيع سماع ما يخالف العقيدة التي ألفى عليه آباءه أن يتوقف فورا عن القراءة، ويتركنا وشأننا نخرص وحدنا، فلا يشغل نفسه فيما لا يعنيه. سائلين الله وحده أن يؤتينا رشدنا، وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يزدنا علما، ونعوذ به وحده أن نفتري عليه الكذب أو نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع البصير – آمين.

أما بعد،

القضية الأولى: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام

لو تدبرنا قصة إسكان إبراهيم جزء من ذريته عند بيت الله المحرم، لوجدناها قد جاءت مصاحبة لدعوة إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، وذلك لأن هذه الأصنام كانت هي السبب في ضلال كثير من الناس، قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

وهنا نتوقف لنطرح كثيرا من التساؤلات التي هي - برأينا - مثيرة فعلا للتفكير، نذكر منها:

- لماذا دعا إبراهيم ربه أن يجنبه هو شخصيا عبادة الأصنام في هذا المقام؟

- ألم يكن إبراهيم هو أول من ثار على عبادة قومه للأصنام من ذي قبل؟

- ألم يكن إبراهيم هو من جعل أصنام قومه جذاذا من ذي قبل؟

- ألم يكن فِعلُ إبراهيم هذا هو السبب الذي جعل قومه يوقعون به أشد العذاب الذي يستطيعونه حينئذ؟

- ألم يكن الله هو من نجا إبراهيم من عذاب قومه نتيجة ثورته على عبادة قومه للأصنام؟

- فكيف إذن بإبراهيم يعود بعد هذا كله ليطلب من ربه أن يجنبه هو شخصيا عبادة الأصنام؟

- ألا يمكن أن نستدل من ذلك أن إبراهيم قد خشي على نفسه عبادة الأصنام فعلا؟

- فهل كان من المحتمل أن ينكص إبراهيم على عقبيه فيعود إلى عبادة الأصنام كما كان قومه يفعلون من قبل؟

- وإذا كانت هناك احتمالية (ولو قليلة) أن يعود إبراهيم نفسه إلى عبادة الأصنام، فهل كان هذا ممكن لبنيه؟

- وكيف يمكن أن تقع ذرية إبراهيم من بعده في هذا المطب؟

- فهل يمكن لهذه الأصنام (إن كانت فعلا حجارة لا تسمن ولا تغني من جوع كما صوروها لنا في كتب التراث) أن تسبب الضلال لإبراهيم نفسه ولمن هم من ذرية هذا النبي الرسول العظيم؟

- ولماذا دعا إبراهيم ربه أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام هنا بالذات عندما أسكن بعضا منهم في هذا الواد غير ذي الزرع؟

- لِم لَم يدع إبراهيم ربه بمثل هذا الدعاء عند ذريته الذين تركهم هناك في الأرض المقدسة؟

- الخ.

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن إبراهيم لم يدع ربه بمثل هذا الدعاء في الأرض المقدسة (بيت المقدس) لأن عبادة الأصنام غير ممكنه هناك. ولكن إبراهيم دعا ربه هنا في الواد غير ذي الزرع أن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام وذلك لأنّ عبادة الأصنام هنا (نحن نفتري الظن) ممكنة.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن السبب في ذلك بسيط جدا، وهو- برأينا - على النحو المفترى من عند أنفسنا التالي: من أجل أن تعبد الأصنام، فلابد من وجودها، أي لابد لمن أراد أن يعبد الأصنام أن يتوافر له شيء من هذه الأصنام.

السؤال: ما علاقة هذا بعبادة الأصنام في الأرض المقدسة مقابل عبادتها في الواد غير ذي الزرع؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن عبادة الأصنام في الأرض المقدسة (بيت المقدس) غير ممكنة لعدم توافر الأصنام هناك. أما عبادة الأصنام في أرض الواد غير ذي الزرع (البيت العتيق) ممكنة لأن الأصنام متوافرة فيها. انتهى.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: لأن الأرض المقدسة تخلو من توافر الأصنام فيها بينما تتواجد الأصنام في البيت العتيق؟

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الإجابة على مثل هذا التساؤل تتطلب معرفة ماهية الأصنام التي تُعبد. فبداية يجب التخلي عن الفكرة الشعبية التي مفادها أن الأصنام عبارة عن حجارة صماء لا تسمن ولا تغني من جوع، بل هي – برأينا- آلهة من دون الله بدليل أن إبراهيم قد خشي على نفسه وعلى بنيه (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ) أن يقعوا فريسة لها لأنها فعل يمكن أن تضلهم كما أضلت كثيرا من الناس (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ). فحتى تصبح تلك الحجارة الصماء أصناما (آلهة)، فلابد أن تكمن فيها القدرة على أن تضل شخصا بمواصفات إبراهيم نفسه أو أبناءه من بعده. لذا نحن نستنبط الظن (ربما مخطئين) أن الحجارة (التي نعرفها) لا تصبح أصناما إلا عندما يكون مكنونا فيها من القدرة على ضلالة الناس:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (35) رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (36) رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

فلو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لوجدنا أن صريح اللفظ يبين لنا بأن الأصنام هي نفسها من أوقعت كثيرا من الناس في الضلالة (رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ)، لذا نحن لا نتردد أن نكرر الاستنباط بأن الحجارة (التي نعرفها) لا تصبح أصناما إلا إن كانت قادرة على إحداث الضلالة للناس.

ويقودنا مثل هذا الافتراء إلى الظن بأن الأرض المقدسة تخلو من مثل هذه الحجارة (التي هي فعلا أصناما)، بينما تتوافر هذه الحجارة (التي هي فعلا أصناما) في أرض البيت الحرام.

السؤال: وأين هي الحجارة (التي هي فعلا أصناما) في البيت الحرام.

جواب مفترى: نحن نظن أن الأصنام هي الحجارة التي تكون مؤهلة لأن يعكف عليها الناس. انتهى.

الدليل

دعنا نعود إلى قصة إبراهيم منذ البداية، فهذا إبراهيم يبادر قومه بالتساؤل التالي:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)

فإبراهيم ينظر بداية إلى هذه الحجارة على أساس أنها تماثيل، ولكن ردة فعل القوم كانت على النحو التالي:

قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)

وهنا لا يتردد إبراهيم بأن يتوعد (بالكيد) هذه التماثيل التي أصبح يصفها إبراهيم نفسه على أنها أصناما:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)

نتيجة مفتراة (1): وصفت الحجارة الصماء مرة على أنها تماثيل

نتيجة مفتراة (2): وصفت الحجارة الصماء مرة أخرى على أنها أصناما.

السؤال: ما الفرق بين التماثيل والأصنام إذن؟

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: مادام أن الهدف هو الاعتكاف، فلا ضير أن تسمى هذه الحجارة تماثيل. ولكن ما أن يصبح الهدف هو العبادة حتى تصبح أصناما.

نتيجة مفتراة (1): التمثال هو حجر موجود من أجل الاعتكاف

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)

نتيجة مفتراة (2): الأصنام هو حجر موجودة من أجل العبادة

قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71)

السؤال: هل يوجد هناك في أرض البيت العتيق تماثيل يمكن العكوف عليها؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نعم

السؤال: هل يوجد هناك في أرض البيت العتيق أصنام قد عبدت؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: كلا.

السؤال: ما هي التماثيل التي تتواجد في أرض البيت الحرام؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: نحن نظن أن التماثيل التي تتوافر في أرض البيت الحرام هي الحجارة التي يعكف عليها الناس هناك.

السؤال: على ماذا يعكف الناس في تلك الأرض (البيت العتيق)؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الناس تعكف هناك على التمثال الموجود في تلك الأرض وهو البيت العتيق. فالبيت العتيق هو – برأينا- التمثال الأكبر في تلك الأرض. انتهى.

تلخيص ما سبق: هناك في تلك الأرض يقع أول بيت وضع الناس، فكان عبارة عن حجارة، لكنها حجارة ذات سر عظيم، فلو عمد الناس على عبادتها هي بذاتها، لأصبحت صنما، ولكن لما كان الناس يعكفون على ذلك البيت (كحجارة)، ولا يعبدونها (كصنم)، كان البيت العتيق عبارة عن تمثال، فأصبح ملاذا للعاكفين، قال تعالى:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)

فالمتدبر للنص القرآني يجد أن الله هو من طلب من نبيه إبراهيم أن يطهر بيته (أي البيت العتيق) للعاكفين.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: البيت العتيق هو عبارة عن تمثال يحق للناس العكوف عليه، لأن فيه (نحن نرى) من السر العجيب الذي يجعل الناس يعبدونه لو أنهم اتخذوه صنما. انتهى.

السؤال: ما هو السر الموجود في البيت الحرام الذي كان من الممكن أن يتخذه الناس صنما، فيعبدونه من دون الله، لأنه لا شك يفعل لهم الأعاجيب لو أنهم فعلا فهموا السر المكنون فيه؟

إن هذا السؤال: ينقلنا فورا إلى الباب الثاني من هذه المقالة وهو باب السقف المرفوع.

القضية الثانية: باب السقف المرفوع وإسقاط السماء كسفا (البلد الآمن)

دعنا نحاول تدبر الآية الكريمة التالية:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92)

فلو حاولنا جلب هذه الآية الكريمة في سياقها الأوسع، لوجدنا أنها قد وردت في سياق الحديث عن الخطاب الذي دار بين محمد من جهة وقومه من جهة أخرى، قال تعالى:

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا (89) وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92)

إن أكثر ما يهمنا في هذا الطرح هو التساؤل التالي: لماذا طلب قوم محمد على وجه التحديد أن يسقط السماء عليهم كسفا؟ وهل فعلا جاء هذا الطلب من قبل قوم آخرين لرسولهم غير قوم محمد لمحمد؟

جواب مفترى: إن ما تكاد تطير له الألباب (حسب فهمنا للنص القرآني) أن هذا الطلب (أي إسقاط السماء كسفا) لم يأت إلا (1) من قوم محمد (وهم من كانوا يسكنون الواد غير ذي الزرع) و (2) من قوم شعيب (أصحاب الأيكة)، وهم من ظننا أيضا أنهم يسكنون أرض الواد غير ذي الزرع:

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)

(للتفصيل انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة خاصة ما يتعلق بمعنى الأيكة)

السؤال: لِم لَم يأت مثل هذا الطلب إلا على لسان قوم شعيب (أصحاب الأيكة) ومن قوم محمد فقط؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن محمد وشعيب (من بين جميع رسل الله) هم من كانا يملكان إمكانية أن يسقطا السماء على قومهما كسفا.

السؤال: لماذا لم تكن الإمكانية متوافرة لإسقاط السماء على القوم كسفا عند الرسل الآخرين؟ ولماذا كان محمد وشعيب (على وجه التحديد) يستطيعان ذلك؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن محمدا وشعيبا (على وجه التحديد) كانا يتوافر لهما إمكانية إسقاط السماء على قومهما كسفا لأنهما كانا يملكان الأدوات اللازمة لإسقاط السماء كسفا.

الدليل

دقق عزيزي القارئ – إن شئت – في الآية الكريمة نفسها، قال تعالى:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92)

السؤال: هل جاء طلب هؤلاء القوم على هذا النحو من فراغ؟ ألا ترى - عزيزي القارئ - أن الآية الكريمة ترشدنا إلى الظن بأن محمدا قد أخبر قومه بأنه يستطيع هو بنفسه أن يسقط السماء كسفا؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفهم (ربما مخطئين) هذه الآية الكريمة على النحو التالي: حصلت المواجهة بين محمد وقومه، وكانت واحدة من الآيات التي أخبر محمد قومه لإثبات صدق دعوته هي قوله لهم بأنه يستطيع أن يسقط السماء كسفا. وهنا جاء دور قومه المجادلون في آيات الله، الذين يتحينون كل فرصة لإثبات بطلان دعوة نبيهم، فطلبوا من محمد تنفيذ قوله لهم (بأنه يستطيع أن يسقط السماء كما زعم) عليهم كسفا حتى يؤمنوا بالرسالة التي جاءهم (كرسول) بها.

ولعل الدقة تتطلب (نحن نرى) أن نتدبر ترتيب المفردات خاصة موقع مفردة (عَلَيْنَا) في هذه الآية الكريمة قيد البحث، لنسأل بناء على ذلك التساؤل التالي: لم وردت هذه المفردة بعد عبارة (كَمَا زَعَمْتَ

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا...

ولم لم تأت سابقة لهذه العبارة (كَمَا زَعَمْتَ) على النحو التالي؟

أو تسقط السماء علينا كما زعمت كسفا

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن محمدا قد أوصل لهم الرسالة التي مفادها أنه يستطيع أن يسقط السماء كسفا وكفى. لذا جاءت عبارة (كَمَا زَعَمْتَ) سابقة لمفردة علينا، ومن هنا جاء طلب القوم (نحن نتخيل) برهان ذلك (أي إسقاط السماء كما زعم) عليهم، فجاءت عبارة (عَلَيْنَا) لاحقة لعبارة (كَمَا زَعَمْتَ):

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا...

ولم يأت النص القرآني على نحو:

أو تسقط السماء علينا كما زعمت كسفا

فلو جاء الطلب على هذا النحو، لظننا بأن محمدا قد توعدهم بأن يسقط السماء عليهم كسفا. ولربما حق لنا أن نفهم الكلام على أنه يقع في باب التهديد. لذا نحن نتجرأ على القول بأن محمدا لم يهدد قومه بإسقاط السماء عليهم، ولكنه أخبرهم فقط بالاستطاعة المتوافرة عنده بأنه يستطيع أن يسقط السماء، فكان ذلك (نحن نفهم) من باب الإخبار وليس من باب التهديد، فحاول القوم (نحن نتخيل) حينئذ استغلال هذه المعلومة التي أخبرهم بها محمد لإثبات أن قوله لهم ليس أكثر من زعم من محمد نفسه، فطلبوا منه برهان ذلك بإسقاط السماء (أي الاستطاعة المتوافرة عنده) عليهم:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا...

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (1): نحن نفهم الآية إذن على نحو أن محمدا قد أخبر قومه بالاستطاعة المتوافرة عنده لإسقاط السماء (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا (2): طلب القوم من محمد برهان استطاعته تلك بإسقاط السماء عليهم كسفا (أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا)

ولو حاولنا تدبّر الآية الكريمة نفسها أكثر، لوجدنا بأن القوم يتجرؤون على طلبين اثنين (يكادان يكونان من قبيل عمل المستحيل بالنسبة للعقل البشري العادي)، وهما:

1. إسقاط السماء عليهم كسفا

2. الإتيان بالله والملائكة قبيلا

ولكن لو دققنا أكثر في نص الآية الكريمة، لوجدنا أن الطلب الأول كان يتخلله قولهم له (كما زعمت):

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا...

لكن لا نجد مثل هذه العبارة (كَمَا زَعَمْتَ) في الطلب الآخر وهو الإتيان بالله والملائكة قبيلا. ونحن نفهم الموقف على النحو التالي: كان طلبهم الخاص بإسقاط السماء عليهم كسفا هو – برأيهم- من باب ما كان محمد قد زعمه (أي قاله لهم بنفسه)، فقالوا:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا...

فمحمد إذن (نحن نفهم) قد قال لهم ذلك، لكنهم فهموه على أنه ليس أكثر من كلام مزعوم، يستحيل تنفيذه على أرض الواقع. فلقد ظن القوم أن ما قاله لهم محمد من هذا الباب هو كلام مبالغ فيه، ربما (بالنسبة لهم) غير قابل للتنفيذ، ولكي يستغلوا الموقف لصالحهم، فقد جاء تحديهم له بأن ينفذ ذلك على أرض الواقع (أي عليهم)، ليثبت لهم صدق دعواه، ومن ثم صدق رسالته.

السؤال: لماذا قال لهم محمد أنه يستطيع أن يسقط عليهم السماء كسفا؟ هل كان فعلا يبالغ فيما قال؟ وهل كان فعلا كلاما مزعوما (كما ظنوا) فلا يستطيع محمد تنفيذه على أرض الواقع؟

جواب: كلا وألف كلا، لقد كان محمد يستطيع أن ينفذ ذلك، فيسقط السماء عليهم كسفا.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن محمدا (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) كان يملك أدوات إسقاط السماء كسفا. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟ وهل فعلا يمكن أن تسقط السماء كسفا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا: نحن نفتري القول أن هناك إمكانية أن تسقط السماء كسفا.

السؤال: وأين الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: دعنا بداية نتدبر معنى مفردة " تُسْقِطَ" التي ترد في الآية الكريمة نفسها:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا...

السؤال: ما معنى مفردة (تُسْقِطَ

جواب مفترى: لو تتبعنا هذه المفردة ومشتقاتها على مساحة النص القرآني، لوجدناها قد وردت في السياقات التالية:

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59)

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فَي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49)

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (9)


السؤال مرة أخرى: ما هو السقوط إذن؟ وكيف يمكن أن تسقط السماء؟

رأينا المفترى: نحن نطلب منك - عزيزي القارئ- أن تحاول أن تتصور كيفية سقوط الورق عن الشجرة (وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ)، فهل يمكن أن نصف هذا المشهد باستخدام فعل الوقوع، كأن نقول مثلا "وقعت الورقة عن الشجرة"؟

جواب مفترى: أنا شخصيا استبعد احتمالية الرضا بمثل هذا الوصف، فالورقة لا تقع وقوعا وإنما تسقط سقوطا. انتهى.

السؤال: ما الفرق؟

رأينا المفترى: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا بأنه بالإضافة إلى أن السماء يمكن أن تسقط كسفا كما جاء في أكثر من سياق قرآني، إلا أن السماء كلها يمكن أن تقع وقوعا كما جاء في قوله تعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (65)

لنخرج من هذا النقاش بالاستنباطات المفتراة من عند أنفسنا التالية عن ورق الشجر:

افتراء (1): الورق يسقط عن الشجرة سقوطا

افتراء (2): الورق لا يقع عن الشجرة وقوعا

لكن بالمقابل، نحن نفتري ما يلي فيما يخص السماء:

افتراء (2): يمكن للسماء أن تُسقط كسفا

افتراء (3): يمكن للسماء أن تقع وقوعا

السؤال: ما الفرق بين أن تقع السماء أو أن تسقط السماء كسفا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن فعل الوقوع (إذا ما حصل) فإنه يحدث مرة واحدة، دفعة (جملة) واحدة، وبشكل سريع جدا. أما السقوط فلا يحدث دفعة واحدة، ولا يحدث مرة واحدة، ولا يحدث بشكل سريع.

الدليل

نحن نفتري القول بأن لساننا العربي يجيز لنا أن نقول "سقطت الطائرة" مثلا، لكنه لا يجيز لنا أن نقول "وقعت الطائرة". ليكون السؤال المبدئي هو: لماذا؟ أي لماذا تسقط الطائرة سقوطا ولا تقع وقوعا؟

رأينا المفترى من عند أنفسنا: عندما نقول بأن الطائرة مثلا قد سقطت، فهذا يعني أن سقوطها قد حصل من ارتفاع، ولكنها (أي الطائرة) لا تصل إلى الأرض كتلة واحدة، فهي تتفتت في جو السماء قبل أن تصل أجزاؤها المتناثرة إلى الأرض شيئا فشيئا، فسقوطها إذن يشبه سقوط الأوراق عن الشجر. فورق الشجر يتطاير في جو السماء شيئا فشيئا حتى يصل إلى الأرض متناثرا هنا وهناك، ففعل السقوط يحدث بشكل بطيء ويؤدي إلى تفتت الكتلة كلها، فتصل أجزاؤها متناثرة على الأرض. ونحن نفتري الظن بأنه لو أن هناك احتمالية بأن تقع الطائرة وقوعا، لوصلت كلها – برأينا- جملة واحدة إلى الأرض. وهذا أقرب إلى المستحيل، لذا فالطائرة تسقط ولا تقع.

السؤال: ماذا عن السماء؟

جواب: نحن نفتري الظن بأن السماء يمكن أن تقع وقوعا كما جاء في قوله تعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (65)

كما يمكن أن تسقط سقوطا كما جاء في قوله تعالى:

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (9)

السؤال: ما الفرق إذن بين سقوط السماء ووقوع السماء؟

رأينا: لو تدبرنا جميع السياقات الخاصة بسقوط السماء، لوجدناها على نحو أنها تسقط كسفا، قال تعالى:

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92)

فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ (9)

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)


السؤال: ما معنى كسفا إذن؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن كسفا تعني (كما نفهمها طبعا) أجزاء متقطعة غير متصلة، وليس أدل على ذلك من صورة السحاب المركوم:

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44)

تخيلات مفتراة: لو سقطت السماء كسفا، لرأيناها كما نرى السحاب المركوم الذي يكون عبارة عن كتل متقطعة منفصلة عن بعضه البعض. لكن ماذا لو أن السماء وقعت على الأرض وقوعا؟

جواب مفترى: نحن نظن أنه لو وقعت السماء على الأرض، لوصلت إلى الأرض كلها جملة واحدة، مرة واحدة.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن ليس هناك قدرة لأحد غير الله وحده أن يجعل السماء تقع وقوعا على الأرض، وذلك لأن الله (نحن نفتري القول) هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (65)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: مادام أن الله هو وحده من يمسك السماء، فلا يمكن أن تقع إلا بإذنه (وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ). انتهى.

السؤال: ماذا عن إسقاط السماء كسفا؟ فهل هذا ممكنا لأحد غير الله؟

جواب مفترى: نعم، نحن نظن أن هناك احتمالية إسقاط السماء كسفا، وأن هذا ممكنا لغير الله، بدليل ما طلبه القوم من شعيب:

كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187)

وبدليل ما طلبه القوم من محمد:

وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً (92)

السؤال: ما الفرق بين ما يمكن أن يقوم به الله وما يمكن أن يقوم به بشر مثل شعيب ومحمد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه لو شاء الله لجعل السماء كلها تقع على الأرض وقوعا مرة واحدة، جملة واحدة. فالله هو وحده من يمسك السماء والأرض أن تزولا كليا، فلا أحد غيره قادر بعد ذلك على أن يمسكهما إن زالتا:

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)

لكن ما يستطيع البشر (كشعيب أو كمحمد) فعله فلا يتعدى (نحن نرى) إمكانية إسقاط السماء كسفا، أي أن تسقط هذه الكينونة مجزئة شيئا فشيئا، فلا يؤدي ذلك إلى زوال السماء.

السؤال: ما هي أدوات إمساك السماء أن تقع؟

جواب مفترى: يد الله

وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)

السؤال: ما هي أدوات إمساك السماء أن تسقط كسفا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نظن أن ما يمسك السماء أن تسقط كسفا هو الأساس (foundation) التي بنيت عليه القواعد من البيت:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

فنحن نظن (ربما مخطئين) بأن مكان البيت الذي بوأه الله لإبراهيم هو الأساس الذي يمسك السماء أن تسقط سقوطا. انتهى.

الدليل

من أجل جلب الدليل على مثل هذا الافتراء الذي نظن أنه من الخطورة بمكان أن يقلب موازين التفكير، علينا أن نخرج في استراحة قصيرة لنتدبر ما جاء في السورة الكريمة التالية التي تتحدث عن قصة أصحاب الفيل، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)  أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)  وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3)  تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

باب قصة أصحاب الفيل

حاول عزيزي القارئ – إن شئت- أن تتوقف لساعات قليلة لنتدبر معا هذه الآيات الكريمة بعيدا عن الصورة الذهنية التي رسمت في مخيالك بسبب ما وصلك من عند سادتنا أهل الدراية كما نقله لنا هل الرواية عنهم في بطون كتب التراث عن هذه الآيات الكريمة، فدعنا نحاول نضع القصص الشعبية )التي هي برأينا أبعد ما تكون عن الحقيقة التي تسطرها آيات الكتاب الكريم( جانبا لفترة قصيرة من الزمن، ومن ثم محاولة تقديم فهما جديدا مفترى من عند أنفسنا عن القصة نفسها، وسنترك لك حرية الاختيار بعد ذلك بين ما سطره أهل الدراية من علم وما نحاول نحن افتراءه من "تخريصات" ربما تكون من نسج خيالنا. فلك أن تتمسك بإرث الآباء (وهو ما لا نلومك عليه) أو أن تأخذ بآرائنا الجديدة (وهو ما لا ننصحك كثيرا به).

أما بعد،

دعنا ننطلق في النقاش هنا بطرح التساؤلات التالية حول الآيات الكريمة التي وردت في هذه السورة العظيمة:

- من هم أصحاب الفيل؟

- لماذا جعل الله كيدهم في تضليل؟

- كيف جعل الله كيدهم في تضليل؟

- لماذا أرسل الله عليهم طيرا أبابيل؟

- ما هي تلك الطير الأبابيل التي أرسلت عليهم؟

- كيف رمتهم تلك الطير بحجارة من سجيل؟

- ما هي أصلا تلك الحجارة التي هي من سجيل؟

- وما هو سجيل أصلا؟

- كيف جعلتهم كصف مأكول؟

- ما هو أصلا العصف المأكول؟

- الخ.

إن غايتنا من طرح مثل هذه التساؤلات (في محاولة منا لفهم هذه الآيات الكريمة) ربما تتبلور أكثر بعد مناقشة التساؤل المحوري التالي: لماذا أرسل الله على هؤلاء القوم (على وجه التحديد) جنوده (الطير الأبابيل)؟

جواب مقترح: ربما يرد القارئ الكريم على سؤالنا هذا بالقول المعهود وهو أن هؤلاء القوم قد حاولوا الاعتداء على بيت الله الحرام. ومادام أن للبيت رب يحميه (كما جاء على لسان جد النبي الكريم عبد المطلب كما تروي كتب التراث)، فلا بد إذن من تدخل الإله بنفسه لحماية بيته من اعتداء القوم، أليس كذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن هذا الفهم غير دقيق، وذلك لأن الاعتداء على البيت قد حصل أكثر من مرة في مراحل زمنية متعاقبة، لكن مع ذلك لم يحصل التدخل الإلهي المباشر في كل مرة حاولت مجموعة من الناس الاعتداء على هذا البيت. فنحن نقرأ في كتب التراث أنه خلال فترة صدر الإسلام الأولى مثلا قام الحجاج بن يوسف بهدم البيت عندما تصدى عبد الله بن الزبير لدولة بني أمية في مكة، كما نقرأ في بعض كتب التراث أن القرامطة مثلا قد سرقوا الحجر الأسود ونقلوه إلى البحرين فترة طويلة من الزمن قبل أن تتمكن الدولة الإسلامية حينئذ من إرجاعه إلى موطنه الأصلي. ولا شك عندنا أن محاولات اعتداء عديدة أخرى قد وقعت على البيت في الفترات الزمنية المتعاقبة، وهنا بالضبط نتوقف على الفور لنطرح التساؤل المثير التالي: لماذا لم يتدخل الإله (كأن يرسل الطير الأبابيل) في كل مرة يحصل فيها اعتداء على بيته؟ من يدري؟!

السؤال بطريقة أخرى: ماذا لو قام نفر من الناس (هذه الأيام) بالاعتداء على البيت، فهل سيتدخل الإله بنفسه فيرسل عليهم جنده (كالطير الأبابيل مثلا) لصد الخطر الداهم على البيت كما فعل مع أصحاب الفيل؟!

جواب مفترى من عند أنفسنا: كلا وألف كلا. ذلك لن يحصل.

السؤال: لماذا إذن حصل تدخل الإله في قصة أصحاب الفيل فقط؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن ما قام به أصحاب الفيل يقع في نطاق الفعل الذي يستدعي التدخل الإلهي المباشر، بينما ما قامت به الأقوام الأخرى في الفترات الزمنية المتعاقبة من اعتداءات على البيت لا يؤدي إلى التدخل الإلهي المباشر.

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لو دققنا في قصة إبراهيم نفسه، لوجدنا بأن إبراهيم يرفع القواعد من البيت، أليس كذلك؟

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127)

السؤال: إذا كان إبراهيم قد رفع مع ولده إسماعيل القواعد من البيت، فهل كان البيت حينئذ قائما؟ ألا نستطيع أن نستنبط أن البيت أصلا قد كان مهدما من قبل أن يعمد إبراهيم مع ولده إسماعيل على رفع القواعد منه؟ هل تدخل الإله ليحمي بيته من قبل ذلك حتى لا يتم هدم البيت وحتى يصل إلى إبراهيم وكل البشرية من بعده قائما؟ ألم يبوء الله لإبراهيم مكان البيت فقط؟

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: عندما بوأ الله لإبراهيم مكان البيت، لم يكن البيت (نحن نفتري القول من عند أنفسنا) قائما. لذا نحن نتجرأ على طرح التساؤل التالي: لماذا لم يكن البيت قائما على الدوام؟ ولماذا لم يتدخل الإله بنفسه لحماية بيته حتى يبقى قائما في كل وقت وحين؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول بأن هدم البيت ممكنا في كل وقت وحين، وأن هذا الفعل (أي هدم البيت) لا يؤدي إلى التدخل الإلهي المباشر. لكن يبقى التساؤل المثير قائما: لماذا حصل التدخل الإلهي المباشر في قصة أصحاب الفيل على وجه التحديد؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن ما تجرأ عليه أصحاب الفيل لم يكن من قبيل هدم البيت وكفى، فهم قد تجرؤوا على ما هو أكثر من ذلك، حتى استحق التدخل الإلهي المباشر.

السؤال: ما الذي فعله أصحاب الفيل على وجه التحديد حتى تطلب الأمر أن يتدخل الإله بنفسه لصد خطرهم عن البيت.

جواب مفترى خطير جدا جدا: إنه الكيد، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)  أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2)  وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3)  تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5)

لو تدبرت عزيزي القارئ هذه الآيات الكريمة نفسها، لبان لك على الفور أن هؤلاء القوم قد كان لهم كيد، وأن الله هو من صد كيدهم، فجعله في تضليل (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ). لنخرج من هذا النقاش بالفكرة المحورية التالية: كان سبب التدخل الإلهي المباشر ضد أصحاب الفيل مدفوعا أصلا بكيد هؤلاء القوم. ليكون السؤال الآن هو: ما هو كيد هؤلاء القوم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أنه مادام أن هؤلاء القوم قد كانوا ذا كيد، فإن الله وحده هو القادر على صد خطرهم، قال تعالى:

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)

ولو تدبرنا هذه الآيات الكريمة في سياقها الأوسع، لوجدناها مصاحبة لذكر السماء (ذات الرجع) والأرض (ذات الصدع)، قال تعالى:

وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)

ليكون سؤالنا الآن هو: لماذا ارتبط كيد الكافرين (الذي لا يمكن أن يصده إلا كيد رب العالمين) مع كينونتي السماء (ذات الرجع) والأرض (ذات الصدع)؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن أصحاب الفيل (وهم أصحاب كيد) قد جاءوا إلى البيت من أجل غاية محددة بذاتها. فالهدف ليس فقط هدم حجارة البيت، لأن هذا الفعل قد فعله أقوم أخرى غيرهم ولم يجر عليهم العقاب الإلهي المباشر. فما يميز اعتداء أصحاب الفيل على البيت عن الاعتداءات الأخرى هو وجود الكيد عند هؤلاء القوم على وجه التحديد، لتكون النتيجة المفتراة من عند أنفسنا هي الآن على النحو التالي: لا شك – عندنا- أن في جعبة أصحاب الفيل كيد (أي هدف غير معلن) أكبر بكثير من مجرد هدم حجارة البيت العتيق. انتهى.

السؤال: ماذا كان كيد أصحاب الفيل (أي هدفهم غير المعلن صراحة) عندما قدموا إلى البيت العتيق؟

جواب مفترى من عند أنفسنا خطير جدا جدا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نفتري القول بأن كيد أصحاب الفيل كان يتعلق بزلزلة أركان السماء والأرض. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن (ربما مخطئين) بأن أصحاب الفيل قد قدموا إلى البيت في مهمة خطيرة وفريدة من نوعها، وهي – برأينا- العمل على التلاعب بميزان السماء والأرض، وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري الظن بأن أصحاب الفيل كانوا يخططون لإسقاط السماء كسفا (أي السماء ذات الرجع) وتغيير التوازن في الأرض (ذات الصدع).وهذا عمل لا يستطيع أحد أن يتصدى له إلا رب السموات والأرض، فاستدعى الأمر حينئذ التدخل الإلهي المباشر، فأرسل عليهم جنوده من الطير الأبابيل التي رمتهم بحجارة من سجيل، فجعلتهم كعصف مأكول.

الدليل

لو تدبرنا الآيات الكريمة التي تصور لنا ماهية الكيد، لوجدنا قصة يوسف حاضرة على الفور، فلقد كان إخوة يوسف هم أول من عمدوا إلى الكيد بأخيهم:

قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)

ولعل تحذير يعقوب ليوسف من كيد إخوته كان له علاقة مباشرة بالرؤيا التي راءاها يوسف:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4) قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)

فلو قص يوسف على إخوته رؤياه هذه، لكانت النتيجة الحتمية هي كيد إخوته له (قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا).

ولو تابعنا تفصيل القصة نفسها، لوجدنا أن نسوة المدينة قد كدن أيضا بيوسف:

فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34)


وسنرى لاحقا عند متابعة النقاش في قصة يوسف بحول الله وتوفيق منه كيف أنه لو حصل النسوة على ما أردن، ولو فعلا نفذ كيدهن العظيم، لتغيرت موازيين الأرض كلها. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو السميع البصير – آمين.

ولو تدبرنا قصة موسى مع فرعون، لوجدنا أن فرعون قد جمع كيده ثم أتى:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)


وسنرى لاحقا عند متابعة النقاش في قصة موسى مع فرعون بحول الله وتوفيق منه كيف أنه لو فعلا نفذ كيد فرعون، هن العظيم، لتغيرت موازيين الأرض كلها. فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو السميع البصير – آمين

نتيجة مفتراة (1): إن أول موجبات الكيد هو عدم التصريح علانية بالهدف المنشود. فإخوة يوسف سيكيدون له، لكنهم لم يعلنوا ذلك صراحة، وكذلك كان النسوة غير معلن. فبالرغم من توافر الهدف المبطن عندهن إلا أنهن لم يعلن ذلك صراحة على الملأ. وكذلك كان كيد فرعون، فمن كان له كيد فلابد أن يكون ممن يسرون النجوى، وانظر عزيزي القارئ في الآية الكريمة السابقة مرة أخرى من هذا الجانب:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

فمن كان له كيد، فإنه يدبر الأمر إذن بسرية مطلقة، تتطلب التخطيط الخفي من أجل تحقيق الهدف غير المعلن (الكيد).

نتيجة مفتراة (2): نحن نظن أن واحدة من مقومات الكيد هو الاستعلاء، فمن دبر الكيد ضد خصمه، فهو لا شك ممن ينشدون الاستعلاء، فامرأة العزيز تقول ذلك بصريح اللفظ، فهي من تريد العلو مقابل من دبرت ضده الكيد (أي يوسف)، ليكون من الصاغرين:

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)

ولو تدبرنا قصة فرعون نفسه، لوجدنا أن الكيد حاضر فيها بشكل جلي ومرتبط بشكل مباشر مع الاستعلاء في الأرض:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)


ولو دققنا في تفاصيل كيد فرعون، لوجدنا قصة الصرح حاضرة:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

فبناء الصرح كان برأينا واحدة من أدوات الكيد الذي يكون غايته الاستعلاء في الأرض، فهذه الآيات الكريمة (كما نفهمها) تبين لنا بأن كيد فرعون قد وصل إلى أسباب السموات والأرض، فمشكلة فرعون الحقيقة هي مع رب السموات والأرض، فهو إذن يريد أن يصل أسباب السموات والأرض ليطلع إلى إله موسى.

ولو دققنا في السياق القرآني التالي، لوجدنا أن الكيد حاضر عند كل من كانت هذه غايته:

مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)

لذا، نحن نتجرأ على استنباط القول بأن الكيد موجه بالدرجة الأولى ضد رب السموات والأرض، لذا فإن القادر على صده هو الإله نفسه:

إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)

فمن كاد ليوسف مثلا، فهم إذن من احتجوا على الحكمة الإلهي التي آثرت يوسف عليهم:

قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91)

فكان إخوة يوسف (وهم من كادوا له) إذن من الخاطئين. وكانت امرأة العزيز من الخاطئين لأنها لا شك لم ترض بالحكمة الإلهية من امتناع يوسف عن الوقوع معها في فعل الفاحشة:

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29)

ولو رجعنا إلى قصة إبراهيم مع قومه، لوجدنا الكيد فيها حاضرا أيضا:

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)

قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)


فإبراهيم يكيد بآلهتهم، وهم بالمقابل يريدون به كيدا، لذا نحن نتجرأ على تقديم الافتراء الخطير جدا التالي الذي هو لا شك من عند أنفسنا: نحن نظن أن الكيد موجه في الأساس ضد الإله نفسه، فهو إذن صراع آلهة. ومادام الأمر على هذه الشاكلة، فإن المنتصر هو في النهاية الإله الأوحد رب العالمين، وذلك لأن كيده لا محالة متين:

فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)

فمادام أن الكيد (نحن نرى) موجه ضد الإله نفسه، فالله هو إذن من يستدرج كل من يكيد من حيث لا يعلم.

(دعاء: أعوذ بك رب أن أكون من الذين يكيدون، فأشهدك وحدك أني قد أسلمت لك حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، وأدعوك وحدك أن تكيد لي، فإنه لا يصرف عني كيدهم إلا أنت، سبحانك، لا قوة إلا بك، إنك أنت العزيز الحكيم – آمين)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا جدا: نحن نظن أن كل من كان له كيد، فهو إذن في مواجهة مباشرة مع رب العالمين، لأنه بذلك لا يرضى بالحكمة الإلهية.

السؤال: ما علاقة هذا كله بقصة أصحاب الفيل؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أصحاب الفيل كان عندهم كيد موجه ضد الإله نفسه، لذا وجدوا أنفسهم في مواجهة مباشرة مع الله، فكان الله هو من تكفل بصد كيدهم بكيده المتين:

وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)

وستكون النتيجة التي لا جدال فيها أن كل من كان صاحب كيد (غير الله) سيجد نفسه أنه هو المكيد:

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46)

لو دققنا في هذه الآيات الكريمة، لوجدنا المصاحبة واضحة بين الكافرين الذين هم لا شك مكيدون (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ) من جهة وسقوط السماء كسفا من جهة أخرى (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا). لذا دعنا نسطر الافتراءات التالية بناء على فهمنا لما جاء في هذه الآيات الكريمة:

- هناك من يريد كيدا (أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا)

- الذين كفروا هم لا محالة المكيدون (فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ)

- هؤلاء يزعمون أن لهم آلهة غير الله (أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ)

- يمكن لهؤلاء أن يروا كسفا من السماء ساقطا (وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا)

- إذا رأى هؤلاء كسفا من السماء ساقطا، سيقولون بأنه سحاب مركوم (يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ)

- جاءت الدعوة إلى عدم مواجهة هؤلاء مواجهة مباشرة من الناس (َذَرْهُمْ)

- سيلاقى هؤلاء القوم (أصحاب الكيد) يومهم الذي فيه يصعقون (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ)

- لن يغني عنهم في ذلك اليوم كيدهم شيئا (يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)

- لن يكونون إذن منصورين (وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)

- الخ.

السؤال: ما الذي يمكن أن نستنبطه من هذا كله؟

رأينا المفترى الخطير جدا جدا (لا تصدقوه إن شئتم): نحن نفتري القول أن بعض الناس يمكن أن يصل كيدهم إلى درجة محاولة إسقاط السماء كسفا وزعزعة أركان الأرض كلها. انتهى.

الدليل: باب العذاب الذي وقع على قوم شعيب (أصحاب الأيكة)

جاء التصوير القرآني لما حصل لقوم شعيب (أصحاب الأيكة) في سورة الأعراف على النحو التالي:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85) وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُواْ إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِن كَانَ طَآئِفَةٌ مِّنكُمْ آمَنُواْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَآئِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ فَاصْبِرُواْ حَتَّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93)

لتكون أول الاستنباطات المفتراة من عند أنفسنا عن عذاب هؤلاء القوم هو أن العذاب قد وقع عليهم على نحو أنه رجفة:

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)

وتأكدت هذه الصورة الذهنية مرة أخرى في سورة العنكبوت على النحو التالي:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)

وفي سورة هود جاء التصوير القرآني لعذاب القوم على نحو أنه صيحة، قال تعالى:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86) قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89) وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

وفي سورة الشعراء كان ذلك كله قد حصل في يوم واحد، سمي بمفردات النص القرآني يوم الظلة:

إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)
السؤال المحوري: لماذا كان عذاب قوم شعيب على نحو رجفة؟ ولماذا كان عذابهم على نحو صيحة؟ ولماذا سمي اليوم الذي وقع عليهم العذاب فيه يوم الظلة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا (1): نحن نفتري القول بأن العذاب الذي وقع عليهم بداية كان عبارة عن رجفة لأن الأرض كلها قد رجت:

إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)

جواب مفترى من عند أنفسنا (2):نحن نفتري القول بأن العذاب قد وقع عليهم بعد ذلك على نحو صيحة من السماء:

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (12) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الأَيْكَةِ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ (13) إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (14) وَمَا يَنظُرُ هَؤُلَاء إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ (15)

جواب مفترى من عند أنفسنا (3): نحن نفتري القول بأن ذلك كله قد حصل في يوم سمي يوم الظلة، لأن السماء (نحن نرى) كانت قد أسقطت كسفا، فظن القوم أنه سحاب مركوم:

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46)

السؤال: لماذا وقع عليهم العذاب بداية على نحو رجفة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الرجفة لها علاقة بما حدث في السماء والأرض حينئذ، فنحن نتخيل بأن من الاستحالة بمكان أن ترج الأرض إلا عندما يختل توازنها. فمن أجل أن ترج الأرض كلها، فلابد من التلاعب بالميزان الذي وضعه الله بعد أن رفع السماء، قال تعالى:

وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9)

فلو دققنا في قصة ميقات موسى وقومه للقاء ربه، لوجدنا أن القوم قد أخذتهم الرجفة:

وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

وقد تجرأنا على الظن في مقالات سابقة لنا أن الرجفة قد حصلت حينئذ بسبب انكشاف الغمام عندما تجلى الإله لهم؛ فإذا ما تجلى الإله، فإن أول موجبات هذا التجلي هو انكشاف الغمام الذي يأتي سابقا لقدوم الإله ليحجب رؤيته المباشرة من قبل الجميع، وما أن ينكشف شيء من الغمام حتى تحصل الصاعقة، فتدك كل ما يصله النور الإلهي كما حصل للجبل يوم أن تجلى له ربه:

وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

وهذا – برأينا- هو ما أحدث الرجفة في الأرض عندما وقع العذاب على قوم شعيب الذين أخذتهم الرجفة حينئذ، وكان ذلك (نحن نرى) بسبب تجلي الإله نفسه.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدا: مادام أن الإله قد تجلى بنفسه، فلابد أن ترجف الأرض كلها، لأنها ببساطة لا تستطيع تحمل هول المشهد.

لذا، نحن نتجرأ على الظن بأن قوم شعيب قد أخذتهم الرجفة:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37)
لأن الله جاء بنفسه ليوقع بهم العذاب الذي طلبوه من رسولهم، فهم الذين طلبوا أن يسقط عليهم نبيهم شعيبا السماء كسفا. انظر عزيزي القارئ – إن شئت- في هذا السياق القرآني جيدا:

إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184) قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185) وَمَا أَنتَ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)

وبالفعل (نحن نتخيل) نفذ شعيب تهديده لهم، فأسقط عليه السماء كسفا، فظنوا أنه سحاب مركوم:

وَإِن يَرَوْا كِسْفًا مِّنَ السَّمَاء سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (46)

فما أغنى عنهم كيدهم شيئا، فلاقوا يومهم الذي يوعدون، فكان هو – برأينا- يوم الظلة:

فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَاء إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191)

ونحن نتجرأ على القول بأن هذا اليوم كان يوم ظلة، لأن الإله قد جاء بنفسه في ظلل من الغمام:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210)

فإذا ما جاء الله بنفسه في ظلل من الغمام والملائكة، فإن الأمر لا محالة قد قضي. انتهى.

ولو تدبرنا قصة شعيب مع قومه أكثر، لوجدنا بأن ذكر الميزان قد كان حاضرا فيها على الدوام، قال تعالى:

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)

وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)


ليكون السؤال الآن هو: ما هي قصة الميزان في قوم شعيب؟ فهل حقا كان القوم يتلاعبون بالميزان الذي نعرفه (كما صور لنا ذلك الفكر الشعبي السائد)؟ وهل لو أخسر قوم ما الميزان (بالصورة النمطية التي نعرفها)، فهل سيجلب ذلك عليهم العذاب الإلهي المباشر؟ ألم تخسر جميع الأقوام على مر العصور الميزان الذي نعرفه؟ ألا يخسر كثير من الناس الميزان (الذي نعرفه) في أيامنا هذا؟ فما بال العذاب الإلهي المباشر لا يقع علينا إذا؟ نحن نتساءل فقط.

رأينا المفترى: دعنا من هذه "..." التي نظن أنها لا تسمن ولا تغني من جوع، ولنتدبر الأمر بشيء من الجدية التي يتطلبها النص القرآني، فلو عدنا إلى قصة الميزان كما جاءت في كتاب الله، لوجدنا أن الأمر فعلا أمر جلل، أكبر بكثير من مجرد الميزان البشري الذي يستخدمه الناس في كيل الحبوب والخضار والفاكهة في الأسواق التجارية. فإليك عزيزي القارئ الآيات الكريمة التي تتحدث عن الميزان بمفردات القرآن نفسه، ثم حاول بنفسك أن تتدبر ماهية الميزان الذي يتحدث عنه النص القرآني.

فالله هو من أنزل الميزان:

اللَّهُ الَّذِي أَنزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17)

والله هو نفسه من رفع السماء ووضع الميزان:

وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7)

والله هو من أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

السؤال: ما هو إذن هذا الميزان الذي يتحدث عنه النص القرآني؟ فهل هو فعلا الميزان الذي صنعه الحداد أو النجار في معمله؟ من يدري؟!

السؤال الجوهري: لم جاءت قصة الميزان خاصة بقوم شعيب على وجه التحديد؟ ولِم لم ترد عند الحديث عن قصة أي قوم آخرين؟ فما خصوصية هؤلاء القوم فيما يتعلق بالميزان؟

هذا ما سنتناوله بحول الله وتوفيق منه في الأجزاء القادمة من هذه المقالة. فالله وحده أدعوه أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا، إنه هو السميع العليم – آمين.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح 7 تشرين ثاني 2016