تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يونس - الجزء الثالث والأربعون






قصة يونس – الجزء الثالث الأربعون

حاولنا في الجزء السابق من هذه المقالة افتراء القول من عند أنفسنا بأن تحديد جنس المولود (ذكرا كان أم أنثى) هو نتاج مشيئة الرجل نفسه، مصداقا لقوله تعالى: 

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49)
وزعمنا الظن بأن هذه المشيئة مرتبطة بالزمن الذي يحصل فيه الجماع بين الرجل وزوجته. فكان الافتراء على نحو أن أيام هبة الذكور والإناث هي ثمانية، تنقسم إلى قسمين رئيسيين وهما أيام الأنوثة وأيام الذكورة، فالأيام الأربعة التالية للطهارة من الدورة هي أيام إنجاب للإناث بينما الأيام الأربعة الأخرى التي تليها هي أيام إنجاب الذكور. والشخص نفسه هو صاحب القرار في أي هذه الأيام يحب أن يأتي زوجه، ونحن نفهم هذا (ربما مخطئين) من قوله تعالى:

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

فنحن نفتري الظن بأن عبارة (فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ) الواردة في هذه الآية الكريمة تضع الخيار بيد الرجل نفسه، فإن هو شاء الإناث عليه أن يأتي زوجه في وقت إنجاب الذرية من الإناث، وإن هو أراد الذكور فعليه أن يأتي زوجه في أيام إنجاب الذكور التي نفهمها (ربما مخطئين) من قوله تعالى:

... يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ (49)

الدليل

قال تعالى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

لو تدبرنا هذه الآيات الكريمة، لوجدنا فيها من الغرابة ما يدعو إلى التفكر، ففي حين أن الآية الأولى تأمرنا بأن نأتي النساء من حيث أمرنا الله (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ)، فإن الآية التالية مباشرة تبيّن لنا إمكانية أن نأتي نساءنا أنى شئنا (فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ). ليكون السؤال على الفور هو: كيف يأمرنا الله أن نأتي النساء بعد طهارتهن من المحيض من مكان محدد بعينه وهو الفرج (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة) ثم هو يحل لنا بعد ذلك أن نأتيهن أنّى شئنا؟ ألا يحدث هذا تناقضا في ذهن القارئ (من مثلي) لكتاب الله؟

جواب: نحن نظن أن الخلط في الفهم الإنساني هو ما يجلب التناقض في الذهن، فكيف يمكن فضّ هذا التناقض الظاهري؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الآية الكريمة الأولى:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)

جاءت لتحدد المكان بالضبط الذي يحق للرجل أن يأتي زوجته منه وهو الفرج (فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ)، فعبارة "من حيث" الواردة في قوله تعالى (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ) هي لا شك مكانية بدليل قوله تعالى:

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149)

ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (199)

وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68)


أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (6)

فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)


أما الآية الثانية، وهي قوله تعالى:

نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223)

فهي تحدد الكيفية التي يأتي بها الرجل زوجته، بما فيها الوقت الذي يريد الزوج أن يجامع فيه زوجته، فتحديد الحال والزمن مرتبط بمشيئة الرجل، فيستطيع الرجل أن يعاشر زوجته في أي وقت (When) وفي أي وضعية شاء (How)، لكن الشرط الوحيد الذي لا يقع ضمن مشيئة الرجل هو مكان الإتيان (Where) وهو الفرج. فمادام الرجل ملتزما بإتيان زوجته من حيث أمره الله (وهو الفرج)، فهو بعد ذلك مخير المشيئة في الحال (الزمان والكيفية)، بدليل وجود (أَنَّى) كما جاءت في سياقات قرآنية أخرى: 

وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)

قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (40)

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (47)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101)


وقد حاولنا في الجزء السابق من المقالة تسويق الظن بأن هذه المشيئة للرجل (الخاصة بزمان إتيانه لزوجه) هي ما يحدد له جنس الذرية، فإن شاء الرجل أتى زوجه في وقت تحصيل الذرية من الإناث (وهي الأيام الأربعة الأولى للطهارة من الدورة)، وإن شاء أتى زوجه في وقت تحصيل الذرية من الذكور (وهي الأيام الأربعة التالية لذلك).

وهذا - برأينا - ما كان من أمر فرعون، الذي جاءت الآية الكريمة التالية (نحن نظن) لتصور لنا حاله:

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13)

فزعمنا الظن حينئذ أن فرعون كان له ذريّة من البنين فقط، وهم – برأينا- من كانوا له شهودا. وذلك لأن فرعون (نحن نرى) قد ظن بأنه إله، فكان عليه أن يثبت ذلك لمن هم إله لهم (أي قومه)، فكان عليه أن يتصرف كإله، فاتخذ لنفسه شهودا، فكان شهود فرعون هم أبناءوه. والجدول التالي يوضح التقابل بين الإله الحقيقي (رب العالمين) وفرعون (من كان له ملك مصر):


الله (رب العالمين)
فرعون
-          لله شهود
-          شهود الله هم رسله، فيشهدون ويكتبون أعمال عباده
-          لم يكن شهود رب العالمين أبناءه، فالله لم يتخذ ولدا
-          لفرعون شهود
-          شهود فرعن هم رسله، فيشهدون ويكتبون أعمال من عبّدهم
-          كان شهود فرعون هم أبناؤه، لأن فرعون اتخذ ولدا

تساؤلات
- من هم أبناء فرعون؟

- كم كان عددهم؟

- ما هي مهامهم التي أوكلت إليهم؟

- ماذا كانوا يفعلون؟

- الخ.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن بأن الآيات الكريمة التالية تصور لنا قصة فرعون مع بني إسرائيل، في ذلك اليوم الموعود (يوم الزينة)، فهي تصور لنا (كما نفهمها) كيف تصرف فرعون كإله، فهو من حشر الناس ضحى، وهو من جعل أبناءه رسلا له يشهدون، وهو من أشعل النار ذات الوقود، وهو من أمد السحرة بتلك القوة التي أرهبت جميع الحاضرين (حتى أوجس موسى نفسه خيفة منهم)، الخ. قال تعالى

وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)

السؤال: كيف حصل الأمر على أرض الواقع؟

باب وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) 

بداية، نحن نرفض جملة وتفصيلا (كما تعرضنا لذلك في أكثر من مكان في مقالاتنا السابقة) أن تكون الواو في قوله تعالى (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ) التي جاءت في بداية هذه السورة الكريمة هي واو القسم (كما أتحفنا أهل الدراية من قبل)، ونفتري القول بأنها واو الحقيقة (للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)، فالله يسطر لنا حقائق كونية لابد من التسليم بها دون جدال، وواحدة من هذه الحقائق الكونية هي أن السماء فيها بروجا، مصداقا لقوله تعالى في مواقع أخرى من كتابه الكريم:

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (18)

تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا (61)


ولو تدبرنا الآية الكريمة التالية لوجدنا أن البروج هي عبارة عن مكان يمكن تشييده:

أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78)

فقد يظن الذي يتخذ البروج المشيدة أنه في مأمن من أن تلحق به المصائب كمصيبة الموت مثلا، لتكون وظيفة البروج – برأينا- هي الحماية والوقاية. ولكن يستحيل أن تكون البروج حتى وإن كانت مشيدة عصيّة على رب العالمين أو على جنود ربك (كالموت) مثلا.

ولكن البروج التي جعلها الله في السماء هي – لا شك- عصية على الشياطين وإن كانوا مرجومين في السماء:

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)

بدليل عدم استطاعة الشياطين من اختراقها، لأن السماء ذات البروج محفوظة من كل شيطان رجيم:

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (17) إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (18)

فمنطقنا المفترى الآن هو على النحو التالي:

- السماء هي رجوما للشياطين

- السماء فيها بروجا
- هذه السماء ذات البروج محفوظة من الشياطين

- الشياطين تحاول استراق السمع

- من يستمع منهم يجد له شهابا رصدا

- البروج هي محطات المراقبة والرصد، أي هي خطوط الدفاع من الأخطار الخارجية

- الخ

السؤال: كيف يمكن فهم هذا كله؟

منطقنا المفترى: نحن نفتري القول (كما ذكرنا في مقالات سابقة لنا) بأن الرجم هو ما يشبه الحجر (بمفرداتنا الدارجة). فعندما اتخذ الله قراره الأول بالرجم كان ذلك خاصا بمن رفض السجود لآدم وهو إبليس، فجاء الخطاب الإلهي موجها له على النحو التالي:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34)

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)


فالله هو من قام بفعل رجم إبليس، فعمد (نحن نفتري الظن) إلى حجر إبليس في مكان محدد لا يستطيع إبليس أن يخرج منه، كما نفتري القول من عند أنفسنا بأن هذا الرجم الذي أوقعه الله بحق إبليس هو ما يمنعه من أن يمارس طقوس العبادة، لذا لا يستطيع إبليس أن يقوم بفعل التوبة.

وأصبحت السماء رجوما للشياطين: 

وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5)

فلا يستطيعون استراق السمع، ولا يستطيعون النفاذ إلى الأعلى. ومن يتجرأ على ذلك يجد له شهابا رصدا

وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9)

فكان الله هو من حفظ السماء من كل شيطان رجيم:

وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (17)

فعندما يتم حجز أي شيطان في السماء، يصبح هذه الشيطان رجيما عندما يتم إيداع هذا الشيطان في حجرة خاصة به في السماء، فلا يستطيع الخروج منها، وتقع عليه المراقبة الدائمة التي تقيده، فلا يستطيع أن يحدث خرابا في السماء، فيكون بذلك شيطانا رجيما، وتكون السماء نفسها رجوما لهؤلاء الشياطين، ولكنها في الوقت ذاته محفوظة منهم.

نتيجة مفتراة 1: رجيم هو الشخص الذي وقع بحقه فعل الرجم (أي هي اسم الفاعل كما يحب أهل اللغة وصفه)

نتيجة مفتراة 2: رجوم هي الحجرات (الأماكن) التي يتم فيها حجز هذه الشياطين في حبس انفرادي (أي اسم مكان جمع كما يحب أهل اللغة وصفها)

(للتفصيل انظر مقالة فقه الرجم – رؤية جديدة). ودعنا الآن ننتقل إلى الآية الثانية في السياق القرآني الذي نحن بصدد محاولة تدبره:

وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2)

باب: وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2)

افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن اليوم الموعود الذي جاء في قوله تعالى (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ) هو يوم الزينة الذي حشر فيه فرعون الناس للمواجهة الفعلية بين موسى من جهة والسحرة من جهة أخرى.

الدليل

لو تدبرنا السياقات القرآنية على مساحة النص القرآني، لوجدنا أن الله هو من انظر إبليس نفسه (بطلب منه) إلى يوم محدد بعينه:
قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ (15)

قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (37) إِلَى يَومِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)

قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ (80) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)


نتيجة مفتراة: ذلك هو يوم الوقت المعلوم.

السؤال: فما هو اليوم الموعود؟

رأينا المفترى: هذا موسى ينظر السامري إلى موعد لن يخلفه:

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)

وكذا كان هناك موعد بين موسى ومن معه من جهة وفرعون وقومه وملئه وسحرته من جهة أخرى:

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58)

وهناك الموعد الحق بيننا وبين ربنا:

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (48)

ولو تدبرنا هذا الموعد الذي جعله الله لنا لوجدنا أنه يوم الحشر، أليس كذلك؟ انظر الآية السابقة في سياقها القرآني الأوسع:

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا (48)
وكذلك كان هناك حشر لفرعون:

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

وحصل ذلك ضحى في يوم الزينة:
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا مهمة جدا: كان هناك موعد بين فرعون ومن معه من جهة وموسى ومن معه من جهة أخرى، وحصل ذلك ضحى في يوم الزينة. فأطلق فرعون (كإله) نداء الحشر، فحضر الناس جميعا، وخرج فرعون ومن معهم في زينتهم العظيمة، في استعراض لمظاهر القوة:

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88)
ولم يقتصر ذلك – برأينا- على المال والبنين فقط:

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)

بل تعداه إلى الخير والبغال والحمير:

وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (8)
وهو ما ورثه بنو إسرائيل من قوم فرعون في نهاية المطاف:

قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)

إن ما يهمنا قوله هنا هو أن فرعون قد خرج في زينته، فكان أبناؤه جزءا من تلك الزينة:

ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13)

السؤال: ماذا كانت مهمة أبناء فرعون في يوم الزينة؟

رأينا المفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن أبناء فرعون كانوا هم الشهود، فهذا ما نفهمه نحن (ربما مخطئين) مما جاء في الآيات الكريمة التالية:
وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل بأن ما حصل في يوم الزينة كان على النحو التالي: حضر الناس كفريقين اثنين: فريق مع موسى وفريق مع فرعون، وكان ذلك بناء على نداء الحشر الذي أطلقه فرعون، وحصل اللقاء بين الطرفين في مكان سوى، أي منطقة تتوسط الأرض التي كان يسكنها بنو إسرائيل والأرض التي تعلوها صروح فرعون وقومه. فكانت أرض بني إسرائيل قبلة:

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)

وكانت أرض صروح فرعون وقومه فوق الأنهار الجارية:
وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)

ولازال إخواننا المصريين يستخدمون عبارات مثل وجه قبلي ووجه بحري كبقايا (نحن نظن) لذلك التقسيم التاريخي بين الطرفين.

افتراء خطير جدا جدا من عند أنفسنا لا تصدقوه: نحن نظن أنه لو تفحصنا جغرافية المكان لاستطعنا تحديده بعلامة جغرافية فارقة وهي الأخدود، فنحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن الفاصل بين المكانين هو أخدود واضح المعالم، فلم يتعدى بسببه طرف على أرض الطرف الآخر. تدبر عزيزي القارئ الكريم – إن شئت- السياق القرآني نفسه من هذا المنظور:

وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9)

فأشعلت في ذلك الأخدود نار ذات وقود، وكان فرعون هو (نحن نفتري الظن) من أشعلها ليمد السحرة بالطاقة العجيبة لتفعيل حبالهم وعصيهم التي سترهب خصمه، وكان ذلك انتقاما من الذين آمنوا بالله العزيز الحميد، وكان أبناء فرعون هم الشهود لفرعون على إيقاع العذاب بهؤلاء المؤمنين. لتصبح الصورة (في مخيالنا) على النحو التالي:

- يتخذ فرعون لنفسه في السماء بروجا

- تكون وظيفة هذه البروج المراقبة

- كان أبناء فرعون هم من يسيطر على هذه البروج

- كانت مهمتهم تتمثل في مراقبة من تحتهم من بني إسرائيل

- كانوا هم من يتولون الانتقام من الذين آمنوا

- كانوا ينتقمون منهم لأنهم لم يؤمنوا بفرعون كإله (من له ملك مصر)، بل لأنهم آمنوا بالله رب السموات والأرض

- كان الحد الفاصل بين الطرفين هو الأخدود
- كان هذا الأخدود مرتبطا بهم، فكانوا قادرين على إشعال النار فيه، فيرهبون عدوهم إذا ما حاول تجاوز حده المرسوم له

- كانت النار ذات وقود

- الخ

هذه هي بعض الافتراءات الخطيرة التي سنحاول تسويقها تباعا، ثم محاولة جلب الدليل الذي نظن أنه يدعمها. فالله وحده نسأل أن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يأذن لنا بشيء من علمه فيها، فلا نفتري عليه الكذب ولا نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو السميع العليم – آمين.

أما بعد،

دعنا نبدأ من النقطة الأخيرة في الافتراءات السابقة وهي أن النار التي أشعلت في ذلك الأخدود كانت نارا ذات وقود (النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ)، ليكون السؤال على الفور هو: لماذا كانت تلك النار هي نار ذات وقود؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لأن هناك نارا ليست ذات وقود. انتهى.

تساؤلات:

- ما هي النار ذات الوقود؟
- ما هي النار التي ليست ذات وقود؟

- من الذي يستطيع أن يشعل نارا ذات وقود؟

- من الذي يستطيع أن يشغل نارا ليست ذات وقود؟

- وهل فعلا يمكن أن تشتعل نارا بدون وقود؟

- الخ.

رأينا: للإجابة على هذه التساؤلات، لابد (نحن نرى) من طرح التساؤل الأولي التالي: لماذا أشعلت النار أصلا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن إشعال النار مرتبط بحضور الإله: إذا ما حضر الإله بنفسه إلى مكان محدد بعينه، فلابد أن تشعل النار. انتهى.

السؤال: أين الدليل على مثل هذا الافتراء الخطير جدا؟
جواب مفترى: نحن نجد الدليل على ذلك في قصة لقاء موسى ربه في الواد المقدس طوى. فلقد كانت العلامة الأولى التي آنسها موسى في ذلك المكان هي النار، فطلب من أهل المكوث ليذهب بنفسه في رحلة استكشافية لتلك النار التي آنسها:

إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

فلو تدبرنا هذه السياقات القرآنية كلها، لوجدنا أن الذي جلب انتباه موسى إلى ذلك المكان، وأن الدافع الذي جعله يترك أهله خلفه ليذهب إلى ذلك المكان هي النار التي آنسها. وما أن ذهب موسى إلى ذلك المكان حتى وجد من يناديه من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة، فكان المنادي هو الله نفسه:

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9)


إن هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا يدعونا على الفور إلى طرح التساؤلات التالية بخصوص تلك النار على وجه التحديد:

- ما هي تلك النار التي آنسها موسى؟

- ما هي ماهيتها؟

- من الذي أشعلها؟

- لماذا أشعلت هناك؟

- كيف أشعلت؟

- الخ.

لو تفقدنا السياقات الخاصة بهذه النار، لوجدنا على الفور بأن هذه النار قد أحدث البركة فيما هو داخلها وفيما حولها، بدليل قوله تعالى:

فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

فهذه إذن نار قد جلبت البركة لمن كان فيها ومن كان حولها، أليس كذلك؟

تساؤلات: 

- من الذي كان فيها؟ 

- ومن الذي كان حولها؟

- لماذا حصلت المباركة؟

- وكيف حصلت المباركة؟

- الخ

بداية، نحن نفهم أن البركة تحدث من الله نفسه، فها هم رسل الله يأتون بالبركات على أهل البيت:

قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73)

وقد حصلت المباركة لإبراهيم وإسحق ومن ذريتهما على وجه التحديد:

سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

ولكنها لم تتحصل لأهل بيت محمد:

يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (32) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

فكانت النتيجة أننا لازلنا إلى يومنا هذا ندعو الله في دبر كل صلاة (فيما يسمى بالصلاة الإبراهيمية) بأن ينزل البركات على أهل بيت محمد كما أنزلها على أهل بيت إبراهيم قائلين:

اللهم بارك على أهل بيت محمد كما باركت على أهل بيت محمد

(للتفصيل انظر الأجزاء السابقة)

وهذا عيسى بن مريم يحدث الناس بأن الله قد جعله مباركا أين ما كان:

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)
وهذا أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

وهذه البركات قد حلّت حول المسجد الأقصى ولم تدخله بذاته:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)

فكان هناك الأرض المباركة:

سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (111) وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112) وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَقَ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ (113)

وهي الأرض التي نجىّ الله إليها إبراهيم ولوطا:

وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)

السؤال: ما الرابط بين هذه السياقات كلها؟ ولماذا حلت البركات بهؤلاء الأشخاص وهذه الأماكن على وجه التحديد؟

جواب مفترى: نحن نظن أن الرابط هو الآية الكريمة التالية:

وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء مُّبَارَكًا فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ (10) رِزْقًا لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11)

السؤال: ما علاقة هذه الآية الكريمة بقصة البركات؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: إنه الروح. انتهى.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: لو تفقدنا هذا السياق القرآني، لوجدنا بأن الماء الذي ينزل من السماء هو ما يحقق الإنبات، وذلك لأنه أصلا ماء مبارك. فبذلك الماء المبارك تنبت الجنات وحب الحصيد، وبذلك الماء المبارك تخرج النحل الباسقات طلع نضيد، وهكذا.

السؤال: ما سر هذا الماء المبارك الذي أنزله الله من السماء؟ ولماذا يكون الماء المنزل من السماء على وجه التحديد مباركا؟

جواب مفترى: لو تدبرنا قصة الإنبات في الأرض، لوجدنا أن الأرض تكون أساسا ميتة، وما أن ينزل عليها الماء المبارك من السماء حتى تهتز وتربو وتنبت من كل زوج بهيج بعد أن كانت هامدة وخاشعة:

وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (33) وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنْ الْعُيُونِ (34)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)


فتدب الحياة في الأرض، فيخرج الزرع الذي يهيج، ثم ما يلبت بعد فترة مقدرة تقديرا أن يصفر، ثم يكون حطاما، ليكون ذلك ذكرى لأولى الألباب: 

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (21)

(دعاء: اللهم رب أسألك وحدك أن تهديني إلى نورك، وأن تعلمني من لدنك علما، فأكن من أولي الألباب الذين يتذكرون فيتقون فلا يسحرون، إنك أنت العليم الحكيم – آمين)

وهكذا يتكرر السيناريو نفسه مرة أخرى وأخرى، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. فتموت الأرض وتهمد وتخشع، وما تلبت أن تدب فيها الحياة من جديد بمجرد أن ينزل عليها الماء المبارك من السماء.

السؤال: ما الذي يجلب الحياة؟ وما الذي يحافظ على ديمومتها فترة من الزمن؟ وما الذي يجعلها مقدرة تقديرا بهذا النظام المحكم الذي لا يمكن أن يختل؟ 

جواب مفترى من عند أنفسنا: إنه الروح.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الماء الذي ينزل من السماء هو ماء مبارك لأن فيه الروح، وهو ما يجعله مباركا، وهو ما يبعث الحياة في الأرض، وهو ما يسبب الإنبات، فتكون في اشد حالاتها عندما تنزل وهو ما يؤدي بالزرع أن يهيج، وما أن تبدأ تلك الروح بالتلاشي شيئا فشيئا حتى تبدأ مرحلة الاصفرار، وإذا ما نفذ الروح تماما، أصبح الزرع حطاما تذروه الرياح. فسر الحياة كلها (نحن نفتري القول) موجود في الروح، وذلك هو أمر الله:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)

نتيجة مفتراة: نحن نفتري القول بأن البركات تحل بوجود الروح. انتهى.

عودة على بدء

في ذلك الواد كان هناك بقعة مباركة:

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)
وهناك اشتعلت النار:

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29)

فحلّت المباركة في البقعة المباركة بنزول الروح فيها. وكان ذلك في ليلة محددة بذاتها وهي ليلة القدر:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

الدليل

نحن نتخيل تلك البقعة المباركة على نحو أنها مكان منخفض، فسيح بعض الشيء، تحيط به الجبال من كل الجهات، كما هي أرض البَقعة القريبة من عمان البلقاء (عاصمة الأردن). فالمكان لا زال حتى الساعة يسمى بأرض البَقعة، وهي الأرض التي اتخذت مخيما للاجئين الفلسطينيين على أعقاب الحروب العربية الإسرائيلية، وأصبحت بعد ذلك مكانا دائما لمعيشتهم فيها، فأصبحت تعرف باسم "مخيم البقعة". فالذي يعرف جغرافية هذه المنطقة يستطيع أن يتخيل جغرافية البقعة المباركة التي حصل فيها اللقاء الإلهي مع موسى. وهي البُقعة التي اشتعلت فيها النار، وهي البُقعة التي طلب الله من موسى أن يخلع نعليه قبل دخولها، وذلك – برأينا- خوفا من أن تحل المباركة في نعلي موسى، فيصبحا مباركين، وعندها تصبح قصة بني إسرائيل مبنية في كثير من تفاصيلها على المحافظة والبحث عن نعلي موسى المباركين (للتفصيل انظر الأجزاء السابقة من هذه المقالة والمقالات الأخرى الخاصة بقصة موسى وقصة السامري)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: هناك في الأرض المقدسة وعلى مقربة من المسجد الأقصى توجد بقعة مباركة، وهي عبارة عن أرض منخفضة تحيط بها الجبال، وهي أرض يطلع عليها ذلك الطور، أو ما يسمى عند اليهود بحائط المبكى:

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

فكان هذا الطور في الجهة الغربية:

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44)

وتمت المناداة من الجهة الشرقية، وذلك لأن نور الله يأتي دائما من الشرق:

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (69)

فتكون الصورة على النحو التالي: يدخل موسى تلك البقعة المباركة خالعا نعليه، وتكون النار (التي ليست ذات وقود) مشتعلة حينئذ في تلك البقعة المباركة على مقربة من الشجرة:

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)

فيقف موسى بجانب الطور الغربي، سامعا من يناديه من الجهة الشرقية، وهناك يكون ميقات موسى مع ربه في تلك البقعة المباركة:

وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

السؤال: لماذا كانت هذه البقعة مباركة (فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب يعود إلى الروح (نحن نرى) قد نزل بها فعليا.

فالمتدبر للسياقات القرآنية يجد بأن المباركة لا تتوقف على الأماكن والأشخاص وإنما قد تحصل للزمن والأوقات كذلك، ففي ليلة مباركة أنزل الله الكتاب المبين:

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3)

فأصبح هناك ليلة مباركة، ونحن نفتري الظن بأن المباركة لتلك الليلة قد جاءت أيضا من نزول الروح فيها:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)
وهنا نود أن ننبه القارئ الكريم إلى ضرورة الفصل بين الملائكة من جهة والروح من جهة أخرى، فالملائكة شيء والروح شيء آخر، والملائكة تتنزل في تلك الليلة وكذلك يتنزل الروح فيها، والفرق يكمن في أن تنزل الملائكة يكون في كل الأوقات ولكن لتنزل الروح (نحن نفتري القول) لا يكون إلا فيها، أي في ليلة القدر.

لكن يبقى السؤال الكبير هنا هو: ما فائدة نزول الروح في تلك الليلة؟

جواب مفترى: نحن نظن أن نزول الروح في تلك الليلة هو ما يجعلها ليلة مباركة. انتهى.

السؤال: ما الذي يحصل إذا ما نزل الروح؟ وماذا لو لم ينزل أصلا؟ هل سيحدث ذلك فرقا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: بداية، نحن نظن أن نزول الروح يتطلب إشعال النار، ولكنها نار ليست ذات وقود.

السؤال: من الذي كان في النار عندما أشعلت في الواد المقدس؟

فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

جواب مفترى: إنه الروح

السؤال: لماذا كان الروح متواجدا في تلك النار؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: ليمد عصا موسى بالطاقة اللازمة لتفعيلها حتى تعود سيرتها الأولى، فتصبح قادرة على فعل الأعاجيب. انتهى.

السؤال: كيف حصل ذلك؟ وما الذي أشعل تلك النار؟ وما هي ماهية تلك النار؟

رأينا المفترى: تعرضنا في مقالات سابقة لهذه الجزئية وزعمنا القول بأن الذي أشعل تلك النار هو ذلك النجم الذي هوى، كما جاء في الآيات الكريمة التي تتحدث عن لقاء محمد ربه في ليلة الإسراء :

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)

فكان افتراؤنا على النحو التالي: هناك على الدوام ليلة محددة تحصل مرة واحدة بعد كل ألف ليلة، وتسمى ليلة القدر:

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)

(للتفصيل انظر الجزء السابق من المقالة الذي يتحدث عن حكاية ألف ليلة وليلة).

في هذه الليلة نزل الروح، فحصلت البركات، وحصل تنزيل الكتاب:

حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)

وكان ذلك هو روح القدس الذي نزل بالكتاب المبين جملة واحدة. وتولى الروح الأمين تنزيله قرآنا على قلب محمد في البلد الأمين.

نتيجة مفتراة (1): الروح هو الذي ينفذ الأمر الإلهي

نتيجة مفتراة (2): الروح قادر على التمثل (أي التشكل)

نتيجة مفتراة (3): الروح قادر على التجزيء

نتيجة مفتراة (4): الروح ينزل في الليلة المباركة (ليلة القدر) فقط

نتيجة مفتراة (5): روح القدس ينزل في الأرض المباركة (القدس)

نتيجة مفتراة (6): الروح الأمين ينزل في البلد الأمين (مكة)

تخيلات من عند أنفسنا: كانت تلك ليلة مباركة، حيث نزل فيها الملائكة والروح (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) بإذن ربهم، وقد حصل ذلك (كما نتخيله) مباشرة بعد أن هوى ذلك النجم، الذي يدل على الهداية الحقيقية:

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2)

فكان النجم نفسه هو الذي أشعل تلك النار التي آنسها موسى في الواد المقدس:

إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

وهناك وجد موسى الهداية الحقيقية. فكان النجم هو سبب إشعال تلك النار، وكانت تلك نارا ليست ذات وقود، وهو ما يميزها عن النار ذات الوقود.

عودة على بدء

لو عدنا إلى قصة فرعون، لوجدنا أن فرعون (كإله) يتصرف (نحن نفتري القول) بنفس منطق الإله الحقيقي، فهو يحشر الناس ضحى:

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) 
وقد كان حضور فرعون بنفسه إلى المكان بطريقة الإتيان:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

وكان ذلك محاكاة لفعل الإله نفسه:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210)

ولعل واحدة من أهم ميزات الإتيان هو الترتيب والنظام والانتظار:

أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (41)

بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)


فنقصان الأرض من أطرافها هو أمر منظم مرتب غير فوضوي.

وهذه مريم تأتي قومها، وذلك لأنهم (نحن نظن) كانوا في حالة ترقب وانتظار لقدومها إليهم:
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

فتكون الصورة في مخيالنا على النحو التالي: يطلب فرعون من موسى أن يجعل بينهما موعدا لا يخلفه أحد منهما في مكان سوى:

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى (58)

فيختار موسى الموعد في يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى:

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)

فيطلب فرعون نداء الحشر:

ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

وهنا تولى فرعون ليجمع كيده ثم يأتي:

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

ولكي يصور فرعون للناس بأنه فعلا ربهم الأعلى، وأنه فعلا إلها، كان لابد أن يجتمع الناس أولا، ثم تبدأ مراسم قدوم الإله، فيبدأ حضور الناس بناء على أهميتهم ومرتبتهم، فيحضر أراذل الناس أولا، ثم يبدأ حضور من هم أعلى شأنا، وهكذا، ليكون حضور فرعون آخر حدث في مراسم ذلك الحفل العظيم. وكان لابد من أن يحضر مع فرعون ناديه، لأن الإله الحقيقي يحضر ومعه زبانيته:

فَلْيَدْعُ نَادِيَه (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (18)
فكما يتنزل الملائكة والروح فيها كمراسم أولية لكي يأتي الإله الحقيقي، عمد فرعون إلى أن يحضر كيده وناديه في مقدمة لبروتوكولات إلهية ظن أنها تجعله يتصرف كما لو أنه إلها حقيقيا، ففرعون يعلم تماما أن الله يأتي في ظلل من الغمام ومعه الملائكة:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210)

وهنا نصل إلى تقديم الافتراء الخطير التالي: كان فرعون يعلم أن قدوم الإله يتطلب إشعال النار، ولكن المفارقة العجيبة هي أنه في حين أن نار الإله الحقيقي لا تكون ذات وقود، كانت نار فرعون ذات وقود:

وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ (22)

فهناك إذن فرق بين من يستطيع أن يشعل نارا ذات وقود (كفرعون) ومن يستطيع أن يشعل نارا ليست ذات وقود (كرب العالمين). 

السؤال: ما فائدة إشعال تلك النار التي هي ذات وقود أصلا؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: نحن نظن أن فرعون كان بحاجة أن يشعل تلك النار ليحاكي النار التي تشتعل عندما يأتي رب العالمين.

السؤال: وما فائدة إشعال النار أصلا؟ ربما يريد أن يسأل صاحبنا متعجلا الإجابة.

جواب مفترى خطير جدا جدا: ربما نستطيع أن نفهم غاية فرعون من إشعال النار لو أننا تدبرنا ما فعلت النار التي ليست ذات وقود في الواد المقدس في البقعة المباركة من الشجرة.

السؤال: وما علاقة هذا بذاك؟ 

جواب: لو تدبرنا ما حصل في الواد المقدس، لوجدنا أن النار قد أشعلت في الواد المقدس لهدف (نحن نفتري القول) أن تجعل الحياة تدب من جديد في عصا موسى عندما طلب الله منه أن يلقيها في تلك النار:

قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

فالذي أعاد للعصا سيرتها الأولى والذي أخرجها حية تسعى هو ما كان متواجدا داخل تلك النار: إنه الروح. فحتى تخرج العصا حية تسعى، تستطيع مقارعة فرعون وسحرته، كان لزاما أن تدب الحياة فيها من جديد. فما أن ألقى موسى عصاه في تلك النار حتى اكتسبت عصا موسى شيئا من الروح المتواجد في النار، فأصبحت قادرة على فعل الأعاجيب. فبتلك الروح التي دخلت فيها، التقفت عصا موسى حبال السحرة وعصيهم، وبتلك العصا شق موسى البحر، فكان كل فرق كالطود العظيم، وبتلك العصا انفجرت اثنا عشر عينا من الماء، وبقبضة من تلك العصا استطاع السامري أن يخرج للقوم عجلا جسدا له خوار، وبما تبقى من تلك العصا التي أصبحت منسأة بعد أن قبض السامري منها قبضة، عذب سليمان الشياطين، فما استطاع أحد من الجن أن يزغ عن أمره. وتلك هي المنسأة التي أكلتها دابة الأرض التي ستخرج لتكلم الناس بأنهم كانوا بآيات الله لا يوقنون:

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82)

(دعاء: اللهم أسألك أن أكون من عبادك الموقنين بآياتك، وأسألك أن أكون أول من تريهم آياتك فيعرفها، وأعوذ بك أن يكون أمري كأمر فرعون، إنك أنت السميع البصير – آمين).

نتيجة مفتراة: كانت كل تلك الأعاجيب التي نُفِّذت بواسطة العصا تكمن بوجود الروح فيها. فليس هناك قوة تستطيع أن تقف بوجه الروح الكامنة في تلك العصا. 

(دعاء: أعوذ بك ربي أن أكون ممن يوادّون من حادك ورسولك ولو كانوا آباءنا أو أبناءنا أو إخواننا أو عشيرتنا، وأسألك أن أكون ممن كتبت في قلوبهم الإيمان وأيدتهم بروح منك، إنك أنت العزيز الحكيم – آمين)

لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)

السؤال: لماذا أشعل فرعون تلك النار؟

جواب: ليمد سحرته بالقوة اللازمة لتفعيل عصيهم وحبالهم.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا: هذا ما سنخوض فيه في الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيق منه، سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه لا ينبغي لغيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأن يزدني علما وأن يهديني لأقرب من هذا رشدا. وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، فالله وحده أدعو أن أكون ممن أتوه بقلب سليم، فهداهم الصراط المستقيم، إنه هو العليم الخبير – آمين.


المدّكرون: رشيد سليم الجراح     &      علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

18 آب 2016