تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يونس - الجزء الأربعون


قصة يونس – الجزء الأربعون

زعمنا الظن في الجزء السابق من هذه المقالة بأن الماء لم يُخلق خلقا كما خُلقت السماوات والأرض، كما افترينا القول بأن الماء أزلي وهو موطن الروح، فمن الماء خرج الروح، وهو بذلك مصدر الحياة والموت. كما افترينا القول بأن الروح هو الذي يدخل في الرياح التي تصرف تصريفا، فتنقلب على الفور لتكون ريحا مسخرة تسخيرا، فترسل لهدف محدد، فتتحرك إذن بأمر ربها. فقد ترسل من أجل جلب الخير للناس كالريح الطيبة التي تجري بالفلك في البحر، وكريح يوسف التي ردت إلى يعقوب بصره. فارتداد بصر يعقوب إليه كان (نحن نفتري الظن) بسبب الروح التي جاءت مع قميص يوسف. فالروح هي الشفاء من السقم. وبالمقابل، فإن هذه الروح قد تنقلب لتكون مصدر العذاب، كما حصل مع الأمم السابقة، وهم اللذين جاءتهم الريح الصرصر، والريح العاتية، والريح المصفرة، والريح العقيم، والريح العاصف، والريح القاصف، والريح التي فيها صر، والريح التي فيها العذاب الأليم.

 نتيجة مفتراة: الريح تتحرك بأمر ربها (أي بالروح)، وهذا الروح هو من أمر الله:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)

لذا، لا نجد في كتاب الله أن العذاب قد وقع على قوم إلا لحظة أن يجيء أمر الله، قال تعالى: 

حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ ۗ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَٰذَا ۖ إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82)

وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ۖ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَّمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ ۖ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ۙ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ ۖ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ۖ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (27)

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ ۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78)

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ ۖ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14)


والله هو من يستطيع أن يأتي بأمره: 

وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ۖ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)

لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ (65)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ (25)

وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46)

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُ (12)


ولكن هذا لا يمنع أن يُؤتي الله بعضا من عباده شيئا من الملك، فتصبح تلك الروح في ذلك الشيء على وجه التحديد تجري بأمر بعض عباد الله كما حصل مع سليمان:
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)

فكانت الريح عاصفة تجري بأمر سليمان رخاء حيث أصاب، أليس كذلك؟

ولو دققنا في الآيات الكريمة، لوجدنا أنه كما أن الريح مسخرة بأمر الله، فإن النجوم مثلا مسخرات أيضا بأمره، لذا نحن نفتري الظن بأنه لو آتي الله عبدا من عباده ملكا يخص النجوم مثلا (كما آتى الله سليمان ملكا يخص الريح)، لسُخّرت تلك النجوم له، فأصبحت تجري بأمره:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)

وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)


ولو حاولنا عقد مقارنة بين ما كان لداوود مع ما كان لولده سليمان، لوجدنا أن الله قد سخر الجبال لداوود:

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18)


بينما نجد أن الله قد سخر الريح لسليمان:

فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (36)

لكن المفارقة العجيبة تكمن – برأينا- أن تسخير الجبال لداوود لم يكن بوجود الأمر (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ)، بينما تسخير الريح لسليمان فقد كان بوجود الأمر (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ).

السؤال: ما الفارق بين الحالتين؟

رأينا المفترى: لما كانت الرياح مسخرة بأمر سليمان، كان النتيجة الطبيعية لذلك أن تجري الرياح رخاء حيث أصاب. فحركة الريح تعتمد على ما يريده سليمان نفسه، لذا، فهي تشتد وتتباطأ وتتوقف بأمر سليمان نفسه (فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ). لكن لما كانت الجبال مسخرة مع داوود (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ)، لم يكن ذلك بأمره، فلم تكن حركة الجبال مقيدة بما يريده داوود، فالجبال أصلا تمر مر السحاب:

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)

فحركة الجبال مقدرة من الله تقديرا، لا يتدخل داوود في حركتها بشيء وإن كانت مسخرة معه، لكنها لا شك تسبح:

فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)

وهي أيضا تئوب مع داوود:

وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا ۖ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ ۖ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10)

السؤال: لماذا كانت الجبال تسبح؟ وما السر الذي يجعل الجبال تسبح؟ وكيف كانت تئوب مع داوود؟

جواب مفترى: إنه الروح

تخيلات مفتراة: افترينا الظن في الأجزاء السابقة من هذه المقالة بأن الجبال هي عبارة عن مستقطبات الروح، فالروح الكامنة في الجبال هي التي تجعل الجبال تتحرك، فتمر مر السحاب:

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ۚ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ ۚ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)

فحركة الجبال تشبه تماما حركة السحاب المسخر بين السماء والأرض. وبالرغم أن السحاب يتكون بين السماء والأرض بحجم لا يقل عن حجم الجبال:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)

إلا أنها تتحرك، فتمر مر السحاب. فالروح (أو لنقل الطاقة) الكامنة في الجبال هي الكفيلة (نحن نظن) بديمومة حركتها الثابتة التي لا تتغير، وربما لهذا السبب نجد أن بعض الأقوام السابقة قد اتخذت من الجبال بيوتا:

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)

فكانوا آمنين:

وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82)

وكانوا فارهين:

وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)

فهؤلاء الذين اتخذوا من الجبال بيوتا آمنين هم أصحاب الحجر، فكان عقابهم بالصيحة:

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83) فَمَا أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (84)

وهم – لا شك عندنا - قوم صالح:

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61) قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

فهم ثمود:

كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)

السؤال: لماذا اتخذت ثمود من الجبال بيوتا؟ وما سر تلك البيوت؟

جواب مفترى: نحن نظن أن قوم صالح كانوا على علم بسر الروح الكامنة في الجبال، فاستفادوا منها من أجل منفعتهم الشخصية. فكانت بيوتهم هي مصدر الأمان الذي تحصل لهم:

وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82)

وبهذا الفهم المفترى يمكن أن نستوعب السر في الوحي الإلهي للنحل بأن تتخذ من الجبال بيوتا:

وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68)

وبهذا الفهم المفترى يمكن أن نستوعب السر في أن يكون مما يخرج من بطون هذا النحل فيه شفاء للناس:

ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا ۚ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِّلنَّاسِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)

فالسر في اتخاذ النحل بيوتا من الجبال، ثم خروج الشراب المختلف ألوانه الذي فيه شفاء للناس هو تلك الروح الكامنة في الجبال.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا خطيرة جدا: نحن نظن أن سر الشفاء هو وجود الروح، فقميص يوسف جاءت معه الروح (ريح يوسف)، والشفاء في الشراب الذي يخرج من بطون النحل هو الروح الذي اكتسبته من الجبال بفعل الروح المخزونة فيها، وكذلك كان سر الأمان في أصحاب الحجر هو الروح نتيجة اتخاذهم من الجبال بيوتا، فكانوا آمنين، وكانوا فارهين.

ولما وقع على قوم صالح (ثمود) العذاب، كان عذابا بالصاعقة وعذابا بالصيحة:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)


السؤال: لماذا؟ أي لماذا وقع عليهم عذابا بالصيحة وعذابا بالصاعقة؟

جواب مفترى: إن هذا الطرح يدعونا على الفور لأن نتدبر الفرق بين العذاب الذي يحصل بالصاعقة والعذاب الذي يحصل بالصيحة.

الفرق بين الصيحة والصاعقة

السؤال: من الذين أخذتهم الصيحة؟

عند بحثنا في آيات الكتاب الكريم، وجدنا أن الأقوام التالية قد حق عليهم عذاب الصيحة، وهم:

1. قوم صالح (ثمود)

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)

فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)


2. قوم شعيب

وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَّخَاسِرُونَ (90) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91)


3. قوم لوط

قَالَ هَؤُلاء بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73)

السؤال: من الذين أخذتهم الصاعقة؟

رأينا: لو بحثنا في آيات القرآن الكريم عن الأقوام الذين أخذتهم الصاعقة، لوجدنا على الفور أن الصاعقة قد أخذت عادا وثمود:

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44)


السؤال: فما هي الصاعقة؟ وما الفرق بين الصاعقة من جهة والصيحة من جهة أخرى؟

رأينا المفترى: تحدثنا في مقالات سابقة لنا عن الصاعقة، خاصة عندما تعرضنا للآية الكريمة التالية التي تخص بني إسرائيل:

وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55)

وزعمنا الظن حينئذ بأن الصاعقة تحصل عندما ينكشف الغمام الذي يحجب رؤية البشر للإله نفسه كما حصل مع موسى:

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاءِ ۚ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَىٰ أَكْبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ۚ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَٰلِكَ ۚ وَآتَيْنَا مُوسَىٰ سُلْطَانًا مُّبِينًا (153)

فالله (نحن نتخيل) يحجب نفسه عن خلقه بظلل من الغمام:

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210)

فما أن تجلى الله للجبل بانكشاف الغمام الذي يحجب رؤيته المباشرة حتى حصلت الصاعقة، فالصاعقة هي إذن (نحن نفتري الظن) ذلك الضوء الشديد الذي يخطف الأبصار، فهي إذن قوة الضوء، لأنها – برأينا- تقع على الأبصار، فالصاعقة التي أخذت بني إسرائيل أخذتهم وهم ينظرون:

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الصاعقة ترى بالأعين

أما الصيحة فهي – بالمقابل- قوة الصوت، وذلك لأنها تقع على الأسماع:

يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الصيحة تسمع بالآذان

نتيجة مهمة جدا: في حين أن الصاعقة تقع على الأبصار، فإن الصيحة تقع على الأسماع.

ولو عدنا الآن إلى ما حل بالأمم السابقة من العذاب، لبدأنا على الفور بعاد (الأمة الأولى من بعد نوح). فهؤلاء قد وقع عليهم عذاب بالصاعقة:

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)

ولكن ثمود (الأمة التي جاءت بعد عاد) فقد وقع عليهم العذاب بالصاعقة (كما حصل لثمود):

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13)

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44)


ووقع عليهم أيضا عذاب بالصيحة:

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَىٰ عَلَى الْهُدَىٰ فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17)

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)


وحصل (نحن نظن) نتيجة تلك الصيحة (قوة الصوت) والصاعقة (قوة الضوء) الرجفة:

فَعَقَرُواْ النَّاقَةَ وَعَتَوْاْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78)

ولو تدبرنا قصة ثمود أكثر، فإننا سنجد الآية الكريمة التالية:

فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7)

لنخلص إلى النتائج المفتراة التالية الخاصة بعاد:

- كان هلاك عاد قد حصل بالريح الصرصر العاتية

- لحق بهم بعد ذلك عذاب بالصاعقة

والنتائج المفتراة الخاصة بثمود:

- كان هلاك ثمود بالطاغية

- لحق بهم بعد ذلك عذاب بالصيحة

- لحق بهم بعد ذلك عذاب بالصاعقة

- حصلت فيهم الرجفة

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لما أنزل الله بثمود عذابا أكثر من العذاب الذي أنزله بعاد، فإن ثمود قد تحصل لهم من الآلهة التي كانت تنفعهم (وربما تضرهم) أكثر من الآلهة التي كانت عند عاد، لذا وجب (نحن نفتري الظن) إنزال عذاب أشد وأقسى للقضاء المبرم على الإفك الموجود بهذه الآلهة.

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: في حين أن ثمود قد تحصنوا بالجبال

وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82)

وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)


لم يكن عذاب الصاعقة (الضوء) كافيا للقضاء عليهم قضاء مبرما، لذا وجب إنزال عذاب آخر، وهو عذاب يطال أسماعهم حتى وإن كانوا قد تحصنوا بالجبال، التي قد تمنع عنهم عذاب الصاعقة (الضوء).

لنخلص من خلال ذلك إلى تصورات مفتراة من عند أنفسنا هي على النحو التالي: عندما يحق القول على أمة من الأمم، يصدر الله قوله للروح، فيتحرك الروح على الفور، ويتشكل بالطريقة التي تناسب عذاب القوم، فقد يدخل الروح في الريح، فتصبح ريحا صرصرا عاتية، فيتم تدمير القوم أنفسهم، ولكن لا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يتبع ذلك عذاب من نوع آخر وهو عذاب الصاعقة، فتتخطف أبصار القوم الذين وقع عليهم العذاب:

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44)

وإذا ما تحصنوا من هذه الصاعقة (قوة الضوء) بما قد يحميهم من إلحاق الأذى بهم (كالجبال مثلا) حتى يقع عليهم عذاب من نوع آخر وهو الصيحة، فيقع العذاب على كل من يسمع تلك الصيحة من الناس:

يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)

فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم من شيء:

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (26)

ولو دققنا في السياق القرآني التالي، لوجدنا أن عادا وثمودا على وجه التحديد كانوا مستبصرين:

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)

السؤال: كيف استطاعت ثمود أن تتخذ من الجبال بيوتا آمنيين وكيف كانوا يتخذون بيوتا فارهين؟

لو دققنا في السياقات القرآنية الخاصة بقصة ثمود، لوجدنا أنهم قد استوطنوا مكانين اثنين وهي السهول والجبال. ففي حين أنهم اتخذوا من السهول قصورا:

وَاذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُواْ آلاء اللّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُواْ إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75)

ولكن كانت بيوتهم التي نحتوها من الجبال هي مصدر الرفاهية والأمان لهم:

وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82)

وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)


فكيف تحصل لهم ذلك؟

رأينا المفترى: لو دققنا في السياق القرآني التالي، لوجدنا أن الله قد جعل لنا من الجبال أكنانا، أليس كذلك؟

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)

السؤال: كيف جعل الله لنا من الجبال أكنانا؟ وما هي تلك الأكنان؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن الأكنان هي جمع أكنة، وهي – برأينا- الغلاف الذي يحيط بالشيء ليمنع وصول التأثير الخارجي إليه، وليس أدل على ذلك من الأكنة التي تغلف القلوب:

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25)

وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)

وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)


فعندما تكون القلوب في أكنة، فهي إذن بمنأى عن دخول التأثير الخارجي إليها، ليحدث فيها تغيرا، فبعض الناس يمكن أن يكنوا في أنفسهم شيئا:

وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235)

فقد يكون في نفس الإنسان شيئا خاصا بالنسبة للنساء، كالحب مثلا، لكن هؤلاء الناس يحاولون حجب هذا الشعور في صدورهم، لذا لابد من تغليفه بما يمنع الآخرين من الوصول إليه.

السؤال: ما علاقة هذا بالأكنان التي جعلها الله لنا من الجبال:

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)
نحن نرى (ربما مخطئين) أن هذه الأكنان كانت من أجل أن تحجز تأثيرا خارجيا فلا يصل إلى ما يكون بداخلها، ولا شك عندنا أن ليس لهذا علاقة بالحر أو ببأس الناس بين بعضهم، لأن الذي يقي الناس من الحر، والذي يقيهم من بأسهم هي السرابيل: وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ.

لذا فإن الأكنان – نحن نفتري الظن- لا تقي الناس من الحر ولا تقيهم من بأسهم مادام أن هذه مهمة السرابيل (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ)، ليكون السؤال إذن هو: ما الذي يمكن أن يقي الناس من بأس الله؟

رأينا: لو تدبرنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن القوم الظاهرين لا يمكن أن يحصل لهم وقاية من بأس الله:

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)

فقوم فرعون كانوا كما جاء في الآية الكريمة قوما ظاهرين (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ)، لذا لم يكن متوقعا أن تحصل لهم الوقاية من بأس الله إن جاءهم. لذا كان لابد لمن أراد أن يق نفسه من بأس الله أن لا يكون ظاهرا.

السؤال: ما الذي فعلته ثمود إذن لتقي نفسها من البأس؟

رأينا: كان لابد لثمود أن تعمد إلى اتخاذ الأكنان الموجودة في الجبال. لكن معرفتهم تعدت مرحلة اتخاذ الأكنان من الجبال فقط، بل كانوا ينحتونها بأنفسهم، فهم لم يستفيدوا فقط مما هو متوافر في الجبال من الأكنان بشكل طبيعي، بل عمدوا إلى صناعة هذه البيوت (كأكنان) لتقيهم من البأس متى حل بهم.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لما كانت ثمود تتخذ من السهول قصورا، كانت تلك هي مساكنهم اليومية، ولكن كانوا على علم بأن هذه المساكن (الظاهرة) لم تكن لتشكل أكثر من قرى ظاهرة:

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)

لذا، كان لابد من إيجاد الملجأ الذي يتحصنون به إن وقع عليهم البأس، فكانت الجبال هي ملاذهم، فقد سبقهم في ذلك ابن نوح عندما ظن أن الجبل يمكن أن يعصمه من الماء:

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

لكن لما كان العذاب قد جاء به أمر الله (أي الروح) لم يغني ذلك عنه شيئا مادام أنه لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم. 

إن ما نود إثارته هنا هو الظن بأن الجبال فيها من الملاجئ التي قد يتخذها الإنسان لينجو من العذاب. وقد توافر في ثمود هذا العلم، إلا أنهم برعوا فيه عندما كانوا ينحتون تلك البيوت بأنفسهم، فكانوا هم أنفسهم أصحاب الحجر:

وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (82)

فكانت هي عبارة عن حجرات (من الحجر) التي تقيهم البأس، ولا زلنا لغاية اليوم نقوم بعملية الحجر على بعض الناس، فعندما تحجر على شخص، فإنك تحاول أن تضعه في مكان محصن حتى لا يصل إليه الآخرون، فيكون بذلك أشبه بالسجن الانفرادي.

فعمدت ثمود إلى صناعة الحجر، فكانوا هم – برأينا- أصحاب الحجر، وكان ذلك لغرض الوقاية من البأس إن جاءهم. فهم الذين استفادوا من أكنان الجبال لا بل وعمدوا إلى صناعتها، حتى أصبحت تعرف أرضهم من ذلك الوقت (نحن نفتري) بأرض الكنانة. فمصر التاريخية هي البلاد التي صنعت فيها الأكنان، أي ما يشبه الحجرات الجبلية التي تقي من البأس إن حصل. وهذا يوسف يدعو أهله ليدخلوا مصر آمنين:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99)

فكانت مصر التاريخية (ولازالت) هي أرض الكنانة. فيعقوب هو الذي طلب من أبناءه أن يتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ييأسوا من روح الله:

يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)

نتيجة مفتراة: فالروح (نحن نتخيل) تسكن في أكنان مصر.

لذا، جاء عذاب أصحاب الأيكة (قوم صالح – ثمود) بالصيحة، لأن من الاستحالة أن يطالهم العذاب بالريح أو العذاب بالماء أو العذاب بالصاعقة، فكان لابد من حدوث الصيحة، وهو العذاب بالصوت. فمن تحصن في حجره، فإن الصوت هو القوة الطبيعية الوحيدة القادرة على اختراقه. لذا نحن نرى أن الله قد ضرب على آذان أصحاب الكهف والرقيم سنيين عددا، ربما ليكونوا بمنأى عن تأثير الصوت عليهم:

فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)

وأما فرعون، فقد حاز على علم القرون الأولى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)

لا بل وتحصل له ما لم يكن لتلك الأقوام السابقة مجتمعة، فكان لابد من إنزال العقاب المناسب به، فكان الماء (أي الغرق) هو نهايته:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)

السؤال: ما الذي يمكن أن يفعله العذاب بالماء؟

افتراءات من عند أنفسنا:

- العذاب بالريح يدمر الأشياء

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42)

- العذاب بالصاعقة تدمر الأبصار:

فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ (44)

- العذاب بالصيحة تدمر الأسماع:

يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42)

- العذاب بالماء يدمر الفؤاد:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)

- الخ.

كانت مشكلة فرعون (نحن نرى) تكمن في فؤاده، فهو في شك من أمره، خاصة مع رب موسى:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)

والله هو من أرسل موسى وأخاه هارون إلى فرعون لعله يتذكر أو يخشى:

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

فكان السؤال الأول الذي طرحه فرعون على موسى وأخيه هارون هو:

قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)

فجاء رد موسى على النحو التالي:

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

فجاء السؤال الثاني من فرعون على النحو التالي:

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)

فرد عليه موسى قائلا:

قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى (52)

فكان فرعون نفسه (نحن نفتري الظن) على علم بتلك القرون الأولى (أي عادا وثمودا)، فقد حيز له علم ما في ذلك الكتاب مادام أنه يسأل بصيغة ما بال، بالضبط كما حصل مع يوسف عندما جاءه رسول الملك:

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50)

فقد كان يوسف يعلم ما بال تلك النسوة اللاتي قطعن أيديهن مادام أنه هو المتكلم، لكنه كان يريد للملك أن يعرف بنفسه ما بالهن.

ولما كان فرعون يعلم ما بال تلك القرون الأولى، فقد كان على علم بما في ذلك الكتاب الذي جاء فيه علم تلك القرون وهم عاد وثمود على وجه التحديد. انظر الآيات السابقة مرة أخرى. فالربط هنا بين هؤلاء الثلاثة، وهم: عاد وثمود وفرعون:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)

لذا، كان فرعون (نحن نتخيل) على علم بنقاط القوة ونقاط الضعف التي كانت تميز تلك الأقوام التي سبقته، وربما لهذا السبب استفاد من نقاط قوتهم، واستطاع أن يتجنب نقاط ضعفهم.

إن صح هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا، فإننا نتجرأ على الافتراءات التالية: استطاع فرعون أن يق نفسه العذاب الذي يمكن أن يقع عليه كما وقع على تلك الأقوام، فقد استطاع أن يتجنب عذاب الريح وعذاب الصاعقة وعذاب الصيحة. فلا العذاب بالريح سيجدي نفعا معه، ولا العذاب بالصيحة سينفع، ولا العذاب بالصاعقة سيقضي عليه تماما، فكيف سيقع عليه العذاب المبرم إذن؟

رأينا المفترى: جاء العذاب على فرعون من النوع التالي:

فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25)

فكان عذابه على نحو أن ينجي الله فرعون ببدنه، فلا الريح أهلكت بدنه، ولا الصيحة أهلكت سمعه، ولا الصاعقة أهلكت بصره، فخرج من الماء سالما ببدنه، فكان لم خلفه آية:

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)

ولكنه وإن نجاه الله ببدنه، إلا أنه خرج من الماء (كما نتصور) كالأنعام:

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)

فما أغنى عنه سمعه ولا بصره ولا فؤاده من الله من شيء:

وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون (26)

نتيجة مفتراة (1): خرج فرعون سليم جسمه

نتيجة مفتراة (2): خرج فرعون سليمة أذنيه

نتيجة مفتراة (3): خرج فرعون سليمة عيناه

نتيجة مفتراة (4): خرج فرعون غير سليم فؤاده

السؤال: ما الذي قضى على فؤاد فرعون؟

رأينا: إنه الماء. انتهى.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: إن الروح هي القوة الإلهية التي تتحرك بأمره، فهي التي تدخل في التراب فتحركه، وهي التي تدخل في الهواء فتتحكم بحركته، وهي التي تدخل في الضوء فتتحكم بقوته، وهي التي تدخل في الصوت فتتحكم بارتفاعه وانخفاضه، وهي التي تسكن في الماء فتتحكم في طغيانه، فإذا ما تحرك الروح بأمر ربه حتى تنقلب القوى الطبيعة هذه إلى مصدر عذاب على من نزل بهم العقاب الإلهي، فإذا دخلت في الهواء كانت ريح عقيم وريح عاتية، وهكذا، وإذا ما دخلت في التراب، أصبحت ريحا فيها صر، وريحا صرصرا عاتية، وإذا ما دخلت في الضوء أصبحت صاعقة، وإذا ما دخلت في الصوت أصبحت صيحة، وإذا ما دخلت في الماء، أصبحت طاغية:

إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)

فالذي يسيّر هذه القوى الطبيعة هو الروح الذي يأتمر بأمر الرب، وما أن يسخر الله تلك القوى الطبيعة الكامنة فيها الروح تسخيرا حتى تكون مصدر عذاب هذه الأقوام. ويتناسب نوع العقاب الرباني مع طبيعة آلهة القوم التي يعبدونها كما يتناسب أيضا مع عددها. فقد يحل العذاب على قوم من الأقوام بأكثر من طريقة، ويكون ذلك – برأينا- تبعا لعدد الآلهة المتواجدة فيهم والتي يظنون أنها تسخر لهم قوى الطبيعية هذه.

تخيلات مفتراة: نشأت في تلك الأمم البائدة فكرة تعدد الآلهة:

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (7)

فكانت الفكرة المسيطرة في هذه الأقوام (كما نتخيلها) على نحو أن للريح إله، وأن للتراب إله، وأن للضوء إله، وأن للصوت إله، وأن للماء إله. وكل واحد من هذه الآلهة (هم يظنون) قادر على التحكم بواحدة من ظواهر الطبيعة الخمسة هذه. وقد اجتمعت تلك الآلهة كلها في الأمة الأظلم والأطغى وهم قوم نوح:

وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52)

فكان فيهم خمسة آلهة هي:

وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)

ثم أخذت تتلاشى شيئا فشيئا، فربما تواجد في عاد من الآلهة أثنين، وحصلت ثمود على ثلاثة من الآلهة، وحصل فرعون بنفسه على أربعة منها:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)

فكان لفرعون آلهة:

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)

ولما تحصل لفرعون بشخصه هذا العدد الهائل من الآلهة، كان قادرا على معرفة الإفك المفترى في هذه الآلهة، فاستطاع أن يستخف قومه:

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

ثم تجرأ على أن ينصب من نفسه إلها لهم:

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)

فكان هو بزعمه ربهم الأعلى:

فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24)

فأضل فرعون قومه وما هدى:

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

السؤال: كيف نصب فرعون من نفسه إلها؟ ولماذا صدّق قوم فرعون ما قاله لهم فرعون بنفسه (أي أنه إله لهم، وأنه ربهم الأعلى)؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: بالذهب

السؤال: وكيف ذلك؟

رأينا المفترى: من أجل الإجابة على هذه التساؤلات، نجد الضرورة تستدعي أن نطرح السؤال التالي على الفور: لماذا أخرج السامري لبني إسرائيل في غياب موسى إلها لهم من الحلي؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نسأل: لماذا استخدم السامري حلي القوم ليخرج لهم ذلك العجل الذي قالوا على الفور أنه إلها؟

وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَالِمِينَ (148)

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)


السؤال: كيف كان فرعون يستطيع أن يقنع قومه بأنه إله لهم؟

جواب: دقق عزيزي القارئ – إن شئت- في السياق القرآني التالي:

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)

إذن، كان فرعون قد ألقي عليه أسورة من ذهب مادام أنه يرى أن نظيره لم يلق عليه أسورة من ذهب. فما فائدة تلك الأسورة من ذهب الملقاة على فرعون نفسه؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: لابد لمن كان إلها أن يتحصن بالذهب. انتهى.

السؤال: ما فائدة أن يكون عجل السامري من الحلي إذن؟

جواب مفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأنه حتى يكون هذا العجل إلها، فلابد أن يكون الذهب داخل في تكوينه.

السؤال: كيف يمكن أن نتصور الآلهة التي عبدتها الأقوام السابقة؟

جواب: لابد أن تكون هذه الآلهة قد دخل في تركيبها الذهب.

السؤال:لماذا؟

جواب مفترى: لأن الذهب (كما أسلفنا) هو السد المنيع من اقتراب الشياطين.

السؤال: لماذا يكون الذهب سدا منيعا من اقتراب الشياطين؟

جواب مفترى: إن هذا السؤال يدعونا إلى التفكر من جديد بالسر الذي يتواجد في هذا المعدن النفيس. ولكي نستبين سر هذا المعدن، فإننا نقدم الافتراءات الخطيرة التالية:
أولا، الذهب معدن لا يمكن تصنيعه في الأرض، وذلك لأن تصنيع الذهب يحتاج إلى قوة هائلة جدا، ونحن نقتبس العبارة التالية من أحد المواقع المهتمة بهذا الموضوع:

"كان العلماء يعتقدون أن مصدر الذهب على الأرض و في الكون هو انفجارات السوبرنوفا (المستعرات العظمي) إذ لا يمكنها التكوّن في النجوم نفسها مثل الكاربون و الحديد، لكن دلائل جديدة تُشير إلى مصدر أعنف بكثير لهذا العُنصر الثمين – اصطدام بين نجمتين بكثافات خيالية، حيث الملعقة الواحدة من إحدى النجمين بوزن جميع البشر على وجه الأرض" 

The ancient Aztecs believed gold was in fact “the sweat of the sun”. Though this isn’t literally true, the phrase is in fact a highly accurate metaphor. Gold, like most heavy metals, are forged inside stars through a process called nuclear fusion. In the beginning, following the Big Bang, only two elements were formed: hydrogen and helium. A few hundred million years after the Big Bang, the first stars were blazing away with their nuclear fires. These nuclear fires forced lighter elements together to make slightly heavier elements, and these nuclear reactions released a huge amount of energy. Gradually, these early stars began making elements such as carbon, nitrogen, oxygen — working their way up through the periodic table towards iron. But there was still no gold in the Universe. Once these earlier stars ran out of light elements to burn, they kicked in on the heavier ones. Finally, as they burnt silicon to make iron, they exploded as a supernova, and for a few short moments, each star would release as much energy as all the regular stars in that galaxy put together. In that cataclysmic explosion, for the first time, atoms of gold were manufactured — and then hurled out into the Universe, along with the other debris from that explosion.

 Another theory concerning the formation of gold that’s been gaining a lot of traction today is that the element can form following the collision of two neutron stars. Following the collapse of a massive star star – at least eight times more massive than the Sun – what remains is a extremely dense core. They have masses comparable to a star, but that mass is compressed into an object roughly 10 kilometers in diameter,or the size of a city on Earth. An other way to look at this would be to imagine cramming Mount Everest into your morning cup of coffee to achieve the same density as a neutron star. At these huge densities, the fabric and space and time is stretched by exotic physics.

 (source: http://www.zmescience.com/science/how-gold-is-made-science-064654)


ثانيا، الذهب لا يصدأ، ولا يتآكل بمرور الزمن

Gold doesn't even do that. What's called tarnishing in gold is really just discoloration and isn't the result of gold reacting with oxygen in the environment. This is because gold is a pretty unreactive element (source: https://www.quora.com/Why-does-gold-not-rust)

ثالثا، الذهب هو المعدن الأعلى قدرة على توصيل الموجهات الكهربائية (الضوئية):

Possibly gold’s greatest use to mankind didn’t became evident until early last century, when its fantastic electrical conductivity properties came to light. Solid state electronic devices use very low voltages and currents which are easily interrupted by corrosion or tarnish at the contact points. Gold is the highly efficient conductor that can carry these tiny currents and remain free of corrosion, which is why electronics made using gold are highly reliable. A small amount of gold is used in almost every sophisticated electronic device. This includes: cell phones, calculators, personal digital assistants, global positioning system units and other small electronic devices. (source: http://www.zmescience.com/science/how-gold-is-made-science-064654)

 رابعا، الذهب المعدن الوحيد الذي يكون أحادي التركيب:

Gold belongs to group Ib of the periodic table, as do silver and copper. Its atomic number is 79, and atomic weight is 197.0; it consists of a single isotope. Its metallic radius is 1.44A., univalent ionic radius 1.37A., and trivalent ionic radius 0.85A.table, as do silver and copper. (source: http://pubs.usgs.gov/circ/1969/0612/report.pdf).

السؤال: ما علاقة هذا كله بالحديث عن الآلهة؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: انظر – عزيزي القارئ- في القطعة الأثرية التالية التي وجدت في بنما:


  A striking artifact discovered in Panama, dated 700-1000 CE. “Winged Pendant, Gran Coclé,” credit: Gilcrease Museum

إن ما نحاول الوصول إليه هو علاقة الذهب بالإله، فالذهب هو المركب الذي لا يقدر على صناعته إلا من كان إلها، أو من يملك قدرات الإله الحقيقي. فالطاقة اللازمة لإنتاج ذرة واحدة من الذهب تحتاج إلى طاقة تعادل التحام نجمين من نوع المستعرات العظيمة (the collision of two neutron stars).

ولما كان الذهب هو العنصر الذي لا يصدأ لأنه لا يتفاعل مع الأكسجين، فهو أبدي، لذا علم الأقدمون (نحن نتخيل) سر أن يكون الذهب من مكونات الإله كعجل السامري مثلا. ولا شك أن فرعون قد أدرك القيمة الحافظة للذهب، فألقى على نفسه أسورة من ذهب، وبالتالي فقد عمل لنفسه درعا واقعيا من التأثيرات الخارجية، فأصبح في منأى عن التأثيرات الخارجية.

السؤال: لماذا لا يمكن أن يؤثر شيئا على الإله نفسه، أي لماذا لا يمكن أن يلحق الإله ضر من قبل الآخرين؟

إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39)

فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)


رأينا المفترى: لما كانت قدرة الإله لا متناهية، فإن باستطاعته أن يصنع الذهب، فيحيط نفسه بتلك الهالة العظيمة التي يعجز غيره أن يخترقها، فتشكل الحاجز المانع من الوصول إليه، أو إلحاق الضر به.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: تشكلت هذه الصورة الذهنية عن الإله في أذهان الأمم السابقة، فكان لابد لمن أراد أن يخلق إفكا في آلهة من دون الله أن يستعين بالسر المخزون في هذا المعدن النفيس. فإله بدون الذهب لا يمكن أن يكون كذلك. وربما لهذا السبب كان فرعون يغطي نفسه بالذهب، وربما لهذا السبب جاء عجل السامري من الذهب.

لكن لو تدبرنا ما حصل من بني إسرائيل عندما جاوز الله بهم البحر، لوجدنا أنهم قد وجدوا قوما يعكفون على أصنام لهم:

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ ... (138)

فجاء طلبهم على النحو التالي:

... قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ... (138)

فكان رد موسى على طلبهم على النحو التالي:

... قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَآئِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْاْ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُواْ يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلاء مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)

فكيف يمكن أن نتخيل ما حصل؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: عندما مر بنو إسرائيل بأولئك القوم الذين يعكفون على أصنام لهم، ظنوا أنها آلهة لأنها كانت مغطاة بالذهب، فظنوا أنها فعلا آلهة، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم إلها مشابها لآلهة هؤلاء القوم، لكن موسى كان على علم بأن هذه الآلهة ليست حقيقية لأنها متبرة تتبيرا، أي لا يعدو أن يكون إلها مزيفا لأنه الذهب فيه ليس أكثر من قشرة خارجية، فكان عملهم باطل. لأنهم ليس حقا مادام أن الحق يمكن أن يدمغه:

لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)

نتيجة مفتراة: هناك فرق بين من كان فعلا حقا (كله ذهب خالص) وبين ما كان متبر تتبيرا، والفرق بينهما هو كالفرق بين الحق والباطل.

السؤال: ما السر المخزون في هذا المعدن النفيس؟

رأينا المفترى: دعنا نتدبر الآية الكريمة التالية:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (91)

تساؤلات

- لماذا جاء مبدأ المقايضة هنا بتوافر عنصر الذهب على وجه التحديد؟ 

- إذا كان الله لن يقبل بملء الأرض ذهبا من الذين كفروا وماتوا وهم كفارا، فماذا عن من مات وليس من الكفار؟ وماذا لو كان منافقا؟ وماذا لو كان مؤمنا مقصرا؟ وماذا لو أنه من المؤمنين الذين خفت موازينهم؟ فهل يقبل الله مبدأ المقايضة معهم بالذهب؟

دعنا نتدبر أيضا الآيات الكريمة التالية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35)

تساؤلات

- لماذا توعد الله كل من يكنز الذهب والفضة ولا ينفقونها؟

- وماذا عن الذين يكنزون الأموال الأخرى غير الذهب والفضة؟ فهل سيلاقون النهاية نفسها التي سيلاقيها من يكنز الذهب والفضة؟

- ولماذا سيحمى عليها (أي على الذهب والفضة) لتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم؟

- أليس الذهب والفضة من متاع الحياة الدنيا كما النساء والبنين والخيل المسومة والأنعام والحرث؟

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)

- لماذا إذن جاء الوعيد الإلهي خاصا بمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقونها؟

- هل يجب على الإنسان أن لا يكنز الذهب والفضة؟

- وهل إذا كنت أملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فهل علي أن أنفقها كلها في سبيل الله؟

- السؤال: لماذا خسف الله بقارون وبداره الأرض؟ أليست تلك أمواله الخاصة؟

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

- ما علاقة وجود الكنوز الكبيرة بيد قارون مع وجود الفساد في الأرض؟

- فهل من يكنز الذهب والفضة هو ممن يبغي الفساد في الأرض؟

- الخ

جواب مفترى خطير جدا جدا: نعم. نحن نؤمن أن في كنز الذهب والفضة وقوع الفساد في الأرض.

السؤال: وكيف يكون ذلك؟ وما علاقة حصول الفساد في الأرض بكنز الذهب والفضة وعدم إنفاقها في سبيل الله؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن غاية قارون من كنزه الكميات الهائلة من الذهب والفضة هو إحداث الفساد في الأرض، فالله يبين لنا بأن هذا الرجل كان ممن يبغون الفساد في الأرض (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، ليكون الافتراء الخطير جدا الذي سنحاول تروجيه الآن هو أن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله هم من المفسدين في الأرض.

السؤال: وكيف ذلك؟

دعنا نتدبر الآيات الكريمة هذه الخاصة بقارون:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

منطلقين من الافتراءات التالية:

- كان قارون من قوم موسى

- بغى قارون على أولئك القوم

- الله هو من آتاه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة

- كان قارون من الفرحين

- الله لا يحب الفرحين

- كان على قارون أن يبتغ فيما آتاه الله من تلك الكنوز الدار الآخرة

- كان عليه أن لا ينسى نصيبه من الدنيا

- كان عليه أن يحسن لغيره كما أحسن الله إليه

- كان عليه أن لا يبغ الفساد في الأرض

- الله لا يحب المفسدين

- الخ.

نحن نظن أن أول ما يجب أن نتنبه له هنا هو أن قارون قد بغى على قوم موسى فقط. كما يجب أن ننطلق من الفهم المفترى الذي مفاده أن بغي قارون عليهم لا يعني بأي حال من الأحوال أنه قد استولى على أموالهم زورا وبهتانا، وذلك لأن مصدر كنوزه من الله نفسه، فالله هو من أعلمنا بأن كنوز قارون كانت منه (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ). فلا يجب أن ننظر إلى الأمر بطريقة معكوسة كأن نظن بأن بغي قارون على قومه كان باستيلائه على أموالهم.

لكن يبقى السؤال مطروحا على النحو التالي: إذا كان مصدر كنوز قارون من الله نفسه (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ)، فكيف يكون الرجل قد قام بفعل البغي عليهم؟

جواب مفترى: لأن هدف الرجل من جمع الكنوز كان بغية الفساد في الأرض.

السؤال: وما معنى ذلك؟

رأينا: لما جاء القول الرباني الموجه إلى شخص قارون بأن لا يبغي الفساد في الأرض (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ) لأن الله لا يجب المفسدين (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، فإن ذلك قولا إلهيا صريحا يبين لنا الهدف الحقيقي عند الرجل من كنزه الأموال الكثيرة. لتكون النتيجة المهمة جدا الآن على النحو التالي: كان قارون ممن يبغون الفساد في الأرض، لذا كان من المفسدين.

السؤال: وكيف كان الرجل من المفسدين في الأرض؟ وما علاقة هذا ببغي الرجل على قومه؟

بداية، نحن نريد الخوض في معاني بعض مفردات هذه الآية الكريمة بشيء من التفصيل لأنها ستشكل في نهاية المطاف (نحن نظن) فهما ربما يكون أكثر واقعية من الأفهام المتوافرة حتى الساعة.

أولا: وَآتَيْنَاهُ

حاولنا التفريق في مقالات سابقة لنا بين فعلين متقاربين في المعنى وهو فعل الإتيان وفعل العطاء. فالله قد آتى قارون الكنوز إتيانا، ولم يعطه ذلك عطاء. ليكون السؤال: ما الفرق بين أن تعطي وأن تؤتي؟

رأينا المفترى والخطير جدا: العطاء يكون دفعة واحدة بينما يكون الإتيان تدريجيا. قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)

فالشجرة لا تعطي أكلها عطاء ولكنها تؤتي أكلها، وذلك لأن ثمار الشجرة لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يكون ذلك تدريجيا.

والآيات الإلهية قد جاءت الأقوام تباعا، فجاءت بطريقة الإتيان ويس بطريقة العطاء:

سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211)

وكذلك هي الحال بالنسبة لما آتاه الله لآل إبراهيم مثلا، فلم يتحصلوا عليه دفعة واحدة:

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)

والقرآن العظيم جاء محمدا بطريقة الإتيان:

وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (87)

فما كان لمحمد أن يعجل به:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18)

وكذلك هي طريقة الحصول على الحكم والعلم، بالإتيان:

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)

فالعلم لا يتحصل دفعة واحده لأن الحصول عليه يكون بطريقة الإتيان.

والله هو من آتى إبراهيم رشده:

وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِه عَالِمِينَ (51)

فلا يمكن أن نتصور أن ذلك قد حصل دفعة واحدة، وإنما هي هبة تدريجية، تحصّل عليها إبراهيم شيئا فشيئا.

والله هو من كشف عن أيوب ضره وآتاه أهله:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

فلا يمكن أن نتصور أن ذلك قد حصل دفعة واحدة.

ونحن نتصور فعل الإتيان بالمشهد الذي حصل مع مريم، فهي من أتت قومها تحمل المسيح:

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

لذا، يستحيل أن تكون قد حضرت في قومها فجأة، فهيا هي (نحن نتخيل) قادمة إليهم من بعيد، يرونها بأعينهم، فتحققوا من شخصيتها بعدد أن اقتربت، حتى وصلت إليهم، وتيقنوا أنها هي مريم نفسها.

لكن العطاء، بالمقابل، فإنه يحصل (نحن نفتري الظن) دفعة واحدة، وبطريقة مفاجئة، قال تعالى:

فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى (5)

فأنت عندما تعطي شخصا شيئا ما، فإن ذلك يحصل مرة واحدة، فأنت لا تجزئ الشيء الذي تعطيه، فإذا ما كان بيدي رغيفا من الخبز، وأردت أن أنقله من يدي إلى يديك، ليصبح ملكا لك بعد أن كان ملكا لي، فإن ذلك يكون عطاء، فأقول أعطيت فلانا رغيفا من الخبز، ولا يمكن أن أقول بأني قد أتيتك رغيفا من الخبز. لأن الرغيف انتقل مني إليك كله مرة واحدة.

فالله هو من وعد محمدا بالعطاء:

وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)

فكان عطاءه هو:

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1)

ففي حين أن القرآن قد جاء محمد بطريقة الإتيان، فإن الكوثر قد جاءه بطريقة العطاء. فالقرآن جاء محمدا شيئا فشيئا، ولكن الكوثر تحصل له مرة واحدة.

السؤال: ما هو الكوثر الذي جاء محمدا دفعة واحدة؟

رأينا: لن ندخل بتفاصيل القضية كلها هنا، لكننا سنجمل القول لأن النقاش منصب على القضية الخاصة بقارون، لكن يكفي أن نبوح بالفهم أن الكوثر هو مصدر العلم، أي هو نافورة العلم، أي الكأس الذي تشرب منه، فقد شرب محمد من ذلك الكوثر حتى ارتوى، فكان كل ما خرج على لسان محمد قولا صادقا، لا شائبة فيه، فكان لا ينطق عن الهوى:

وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)

أما آلية عمل الكوثر، فهذه قضية كبيرة جدا، سنفرد لها أبحاثا خاصة بحول الله وتوفيق منه، لذا أسأل الله أن يأذن لي الإحاطة بشيء من علمه فيها، لا ينبغي لغيري، إنه هو الواسع العليم.

إن يهمنا قوله حتى الساعة هنا هو أن فعل الإتيان هو فعل تدريجي لا يجيء دفعة واحدة، لذا نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن قارون قد تحصل على الكنوز بطريقة تدريجية، فلم يتحصل على تلك الكنوز دفعة واحدة:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

ثانيا، كان قارون من الفرحين

السؤال: لماذا كان قارون من الفرحين؟ ولماذا لا يحب الله الفرحين؟ فهل حرّم الله على الناس الفرح؟ أليس الله هو من قال في كتابه الكريم أن الناس سيكونوا فرحين بما آتاهم الله من فضله:

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (170)

جواب مفترى: لو استعرضنا آيات الكتاب الحكيم التي ترد فيها مفردة الفرح لوجدنا أن الفرح بشكل عام مذموم، قال تعالى:

إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (120)

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (188)

فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44)

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ۖ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّوا وَّهُمْ فَرِحُونَ (50)

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَن يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81)

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (20)

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ ۖ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ ۚ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِهِ ۚ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ (36)


فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُرًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)

فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36)

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)

فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75)

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ (48)

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)


السؤال: لماذا جاء الفرح في كتاب الله مذموما بشكل عام؟                           

... إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)

رأينا المفترى: يجب علينا أن نميز بين الفرح في الحياة الدنيا والفرح في الحياة الأخرى. فالفرح في الحياة الأخرى شيء إيجابي:

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)


بينما الفرح في الحياة الدنيا فهو شيء مذموم:

ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ (75)

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)


جواب مفترى: لأن الفرح في الحياة الدنيا يكون بغير الحق. انتهى.

السؤال: لماذا يكون الفرح في الحياة الدنيا بغير الحق؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لأنه يؤدي إلى أن يصبح الإنسان الذي يشعر بالفرح مختالا فخورا:

لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)

السؤال: وكيف يؤدي الفرح إلى الاختيال والفخر؟

رأينا المفترى: بعيدا عن المعنى الشعبي الدارج بين الناس للفرح، فإننا نظن أن الفرح هو الشعور بأن الإنسان قد وصل إلى نهاية الأمر، فالإنسان الفرح يظن أنه قد أصاب كبد الحقيقة وأن هذا هو نهاية المطاف، فالذي يفرح بالعلم، يظن أنه قد أمسك بناصية العلم:

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)

وهذا لا يكون (نحن نؤمن يقينا) من سلوك الإنسان المؤمن الذي من أبجديات عقيدة قول الله تعالى:

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

فالمؤمن (الذي على علم) يؤمن على الدوام بأن هناك فوق كل ذي علم عليم:

... نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

فمتى تحصل الإنسان على علم، فإنه يصبح على مفترق طرق، إما أن يكون فرحا بما عنده من العلم:

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83)

وهنا يصبح فرحا، فيصيبه الشعور بالاختيال والفخر، وإما أن يكون بالمقابل ممن يطلبون من الله أن يزيدهم من العلم، فلا يسبب ذلك له الفخر والاختيال.

(دعاء: أعوذ بك ربي أن أكون فرحا بما آتيني من العلم، وأدعوك وحدك أن تزدني علما، إنك أنت العليم الحكيم – آمين)

وينطبق هذا على من يصبيه الله برحمة منه، فإما أن يصبح فرحا بما عنده، وينتابه الشعور بالفخر والاختيال:

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)

وإما أن يكون ممن يظنون أن هذا ليس نهاية المطاف وأن ما عند الله هو خير:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)

(دعاء: أعوذ بك رب أن أكون فرحا بما أذقتني من رحمة، وأدعوك وحدك أن تزيدني من فضلك، إنك أنت الرحمن الرحيم – آمين)

فالفرح إذن هو الظن بأن ما عندك هو نهاية المطاف، وأنه من الاستحالة أن يكون هناك خير مما عندك. لذا نجد أن من كان مؤمنا بفكر حزبه، ظانا أنه هو فقط من يملك ناصية الحقيقة وأن غيره مخطئ تماما، فهو إذن من الفرحين:

مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا ۖ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32)

(دعاء: أعوذ بك رب أن أكون فرحا، وأسألك وجدك أن تهديني صراطك المستقيم، إنك أنت العلي العظيم - آمين)

السؤال: لماذا؟

رأينا المفترى: لأن الشعور بالفرح يتبعه العذاب:

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

وذلك بسبب الفخر الذي يسببه ذلك الفرح:

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي ۚ إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (20)

نصيحة مهمة: على الإنسان الذي أصابه الفرح وأدى به إلى الشعور بالفخر أن يعلم أن فرح الحياة الدنيا إنما هو فرح زائف، لأن الحياة الدنيا كلها ليست أكثر من متاع الغرور:

اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26)

السؤال: متى يكون الفرح إذن حقيقيا ليس مزيفا؟

رأينا: في الآخرة:

قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (58)

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170)


السؤال: ما علاقة هذا بقارون الذي كان فرحا؟

... إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76)

رأينا المفترى: أصاب قارون الشعور بالفرح، لأنه ظن أنه قد حاز على ما يريد وأن هذا هو نهاية المطاف، وليس هناك خير مما جمع. فكان فرحا فخور، وهذا – برأينا- هو سر خروجه على قومه في زينته:

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)

فجاء رد الذين آمنوا من الذين أتوا العلم على النحو التالي:

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80)

فكانت عاقبة فخره الذي نتج عن فرحه وبالا عليه:

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ (81)

افتراءات مهمة لمن آتاه الله من فضله: حاول عزيزي المسلم أن لا تفرح مهما آتاك الله من فضله، وأعلم أن هذا الفضل قد ينقلب نقمة عليك إذا ما تحصل عندك الشعور بالفرح، عندما ظننت أنك قد وصلت إلى نهاية المطاف. فتذكر دائما أن الدار الآخرة لا تكون إلا لمن لا يريدون علوا في الأرض:

وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)

لأن الذين يريدون علوا في الأرض، ويريدون إحداث الفساد فيها، ليس لهم نصيب من الآخرة.

(دعاء: أعوذ بك رب أن أكون ممن يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، إنك أنت الغفور الرحيم – آمين)

نتيجة مهمة جدا: لما كان قارون من الذين فرحوا بما آتاهم الله، كان من الذين يريدون علوا في الأرض، لا بل وكان من الذين يبغون فسادا في الأرض:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

السؤال: إذا كان قارون يريد علوا في الأرض بسبب الفرح الذي أصابه، فكيف أراد أن يبغي في الأرض؟

رأينا المفترى: كان الأولى بقارون وهو الذي آتاه الله تلك الكنوز العظيمة (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ) كان الأولى به أن يبتغي بذلك الدار الآخرة، وأن لا ينس نصيبه من الدنيا. ولكن الرجل عمد إلى فعل العكس تماما، فقد وجه كل ما آتاه الله بغية الحياة الدنيا. وكان يريد الفساد في الأرض.

السؤال: كيف أفسد قارون في الأرض؟ 

جواب مفترى: بتلك الكنوز.

السؤال: وكيف فعل ذلك؟

جواب مفترى: نحن نفتري الظن من عند أنفسنا بأن قارون كان يعي تماما الهدف من جمعه لتلك الثروة العظيمة.

السؤال: وما هي بغية قارون من جمعه تلك الثروة؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن قارون قد جمع ثروته على شكل كنوز (وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ).

السؤال: وما هي تلك الكنوز؟

رأينا المفترى: إنها الذهب والفضة:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34)

السؤال: لماذا جمع قارون ثروته على شكل كنوز (أي ذهب وفضة)؟ لماذا لم يجمع ثروته على أشكال أخرى من متاع الحياة الدنيا كالنساء والبنين والخيل المسومة والأنعام والحرث؟ أليست تلك جميعها من متاع الحياة الدنيا؟

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)

السؤال المحوري: لماذا انحسرت شهوة قارون في الذهب والفضة من بين جميع شهوات الحياة الدنيا؟

جواب مفترى: لأن قارون كان يعي تماما ما يفعل. وهو يفعل ذلك من أجل غاية محددة في نفسه. 

سؤال: وما هي تلك الغاية إذن؟

رأينا المفترى: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن قارون كان يعلم أن في جمعه الذهب والفضة سيحدث فسادا في الأرض.

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

جواب: لأنه كان يريد أن يبغي على قومه:

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77)

السؤال: وكيف يمكن أن يبغي قارون على قومه عندما يعمد إلى جمع الذهب والفضة؟

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا هي أغرب من الخيال نفسه: نحن نفتري الظن بأن قارون كان يعي تماما بأن في جمعه الذهب والفضة سيحدث ضررا يصيب قومه، ويكون هذا هو بغيه عليهم. فالرجل على دراية تامة بمفعول الذهب في صد الشياطين. فإذا ما جمع قارون الذهب والفضة، وعمد إلى كنزها في مكان واحد، فهو بذلك قد ترك الساحة خالية تماما للشياطين يفعلون بالناس من حوله ما يريدون. فإفراغ يد الناس من الذهب والفضة، وإفراغ السوق من الذهب والفضة، سيجعل الشياطين قادرة على أن يفعلوا بالناس ما يريدون، فيحدثون الفساد كما يحلو لهم، لأن السوق كله قد خلى من هذه المعادن النفسية التي كانت تصد الشياطين، وتعيق حركتهم لا بل وتأثيرهم على الناس، فالشياطين – كما افترينا سابقا- تهاب الذهب والفضة، فلا يقربون المكان الذي يتواجد فيه الذهب والفضة، ولا يقربون الناس الذين يملكون في أيديهم تلك المعادن النفيسة.

الدليل

لكي لا يبقى كلامنا هذا في إطاره النظري دعني أقدم للناس بالمجان هذا الاختبار البسيط الذي (إن صح رأينا فيه) فسينفعهم بإذن الله. 

الاختبار

يشتكي بعض من الناس من مس الشياطين، فينقلب سلوك هؤلاء ليكون أقرب إلى الجنون منه إلى الوضع الطبيعي. فتنتابهم نوبات من الصرع. وتبدأ رحلتهم في طلب العلاج من عند أطباء الجسد المادي في العيادات والمستشفيات المرخصة، ويصرف لهم أطباء الأجساد بعض الأدوية والعقاقير التي قد لا تفيد في شيء أكثر من تثبيطهم، لا بل والتأثير السلبي على أجسادهم. 

ولما يجد الكثيرون منهم أن هذه العقاقير الطبية التي صفت لهم من قبل أطباء الجسد لا تفيد في شيء، ولا يتعدى مفعولها أكثر من مسكنات للجسد، تنتقل رحلة البحث عندهم في اتجاه آخر، فيذهبون إلى الأطباء الروحانيين (أي رجال الدين)، ويبدأ هؤلاء المشعوذون اللعب في أجساد وأرواح العباد عن غير علم، فيجربون معهم شتى أصناف العلاج الروحاني، والتي غالبا لا تجدي نفعا، وإن حصل مفعول إيجابي في بعضها فيكون ذلك محض الصدفة لا أكثر، فيظن الناس أن بعض هؤلاء المشعوذون قادرون على العلاج، فيصدقونهم وذلك لأن الغريق لا يهمه البلل (كما يقول المثل الشعبي).

السؤال: كيف الخروج من هذا المأزق؟ وهل لديك البديل؟ يسأل صاحبنا مستغربا.

رأينا المفترى: دعني أقدم لك – عزيزي القارئ- البديل التالي الذي يمكن أن تجربه بنفسك، وترى مدى فاعليته بأم عينك. فلك أن تقتنع بصحته أو أن ترده بالتجربة العملية الفردية. فأنت لست بحاجة إلى طبيب جسدي كما أنك لست بحاجة إلى طبيب روحاني، فكن أنت طبيب نفسك وطبيب من حولك، بعد أن تتيقن بأن الشفاء هو في نهاية المطاف بيد الله وحده كما جاء في قول إبراهيم:

وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)

إذا اشتكى شخص من حولك بمس من الشيطان (خاصة النساء)، فما عليك إلا أن تعمد إلى تشخص الحالة أولا، لتعرف إن كان ما يشكو منه هذا الشخص المصاب هو فعلا مس من الشيطان أم أوهام نفسيه لا علاقة للشيطان بها. والاختبار بسيط جدا هو على النحو التالي: خذ قطعا من الذهب، واطلب من الشخص المصاب أن يلبسها، ثم انظر النتيجة الفورية التي ستراها بأم عينك في غضون ساعات معدودة، أو على أكثر تقدير أياما قليلة: إذا كان ما أصاب هذا الشخص هو فعلا مس من الشيطان، فلن يطيق الشخص المصاب ذلك، وسترى أنه يتصرف بطريقة جنونية جدا، وسيبين أثر ذلك على جسمه على الفور. أما إذا كانت تلك أوهام نفسية لا علاقة للشيطان بها، فإن ذلك الذهب لن يحدث تأثيرا يذكر في الشخص المصاب.

السؤال: لماذا يحصل ذلك؟

رأينا: نحن نظن أنه بمجرد أن يلبس الشخص المصاب قطعا من الذهب، فإن ذلك سيسبب أذى مباشر للشياطين التي تسكن جسده، لذا فستثور فورا، وستحاول الخروج من جسده. ولكن ذلك سيسبب تأثيرا كبيرا في الشخص المصاب، لأن الذهب سيحرق تلك الشياطين، فسيشعر الشخص المصاب بذلك على الفور ويبين أثر ذلك على جسد الشخص وفي تصرفاته على الفور.

ملاحظة: إذا كان هذا التأثير شديدا جدا، اخلع الذهب على الفور، وانتظر قليلا، لأن الأمر ربما سيكون له نتائج كارثية.

السؤال: ما العمل بعد ذلك؟

رأينا: هذا ما سنتناوله بحول الله وتوفيق منه في الجزء القادم من هذه المقالة إن أذن الله لنا الإحاطة بشيء من علمه فيها. سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه فيها لا ينبغي لغيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانا نصيرا، وأعوذ به أن يكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقول عليه ما ليس لهم بحق، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو الواسع العليم – آمين.

 

المدّكرون: رشيد سليم الجراح      &       محمد المقداد


بقلم د. رشيد الجراح


23 أيار 2016