تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يونس - الجزء السادس والعشرون





قصة يونس – الجزءالسادس والعشرون

خلصنا في نهاية الجزء السابق من هذه المقالة إلى افتراء الظن من عند أنفسنا بأن إبراهيم قد نشأ يتيم الوالدين، فتربى في كنف أبيه آزر، وزعمنا الظن بأن قومه كانوا مشركين، فثار إبراهيم على شركهم، وحصلت المحاججة بينهما على هذا الأساس:

وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81)

وزعمنا الظن أيضا بأن شركهم كان من نوع خاص، وهو ما يقابل الحنفية الإبراهيمية، فالقوم لم يكونوا على الحنفية لأنهم – برأينا- اتخذوا الآلهة من دون الله، فكانوا مشركين من هذا النوع، بينما كان إبراهيم بالمقابل حنيفا ولم يكن من المشركين:

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (67)

وزعمنا الظن بأن من لم يكن "حنيفا" وكان من المشركين هو من زعم أن لله ولد، كما فعل اليهود والنصارى:

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)

فهم اللذين قالوا أن لله ولد، وبذلك كانت اليهود والنصارى على عقيدة تشبه عقيدة من ضاههوهم بالقول من الذين كفروا من قبلهم، وهم – برأينا- قوم إبراهيم.

لذا، تجرأنا على الظن بأن عقيدة الشرك عند قوم إبراهيم كانت مبنية على أساس أن الإله ثلاثة: كوكبا والقمر والشمس. وطار بنا الخيال إلى الظن بأن ثورة إبراهيم ضد شرك قومه كانت ثورة عقلانية منطقية، فبدأ إبراهيم بتفقد آلهة قومه الثلاث، الواحدة تلو الأخرى، فبدأ بالإله الأصغر وهو الولد، أي الكوكب:

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76)

ثم انتقل بعد ذلك إلى تفقد الإله الأوسط، القمر:

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77)

ثم انتهى إلى الإله الأكبر، الشمس:

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78)

وما أن بان لإبراهيم حقيقة هذه الكينونات حتى وجّه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفا، تاركا الشرك كله إلى غير رجعة:

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)

وفي نهاية تلك المقالة انتهينا إلى إثارة التقاطعات بين إبراهيم في هذه الجزئية وحفيده يوسف الذي بدأ قصة طفولته بالمعضلة الخاصة بهذه الكينونات الثلاث (الكوكب القمر والشمس) في رؤياه الشهيرة:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

لنثير بذلك سيلا من التساؤلات عن العلاقة بين الموقفين، خاصة ما يتعلق بحضور هذه الكينونات في القصتين. ليكون السؤال الأكبر هو: ما قصة هذه الكينونات في تلك العائلة الكريمة؟ فلا ننسى أن إبراهيم هو الأب الأكبر ليوسف، ولا ننسى قبل هذا وبعده أنه كان في تلك الرؤيا التي رأها يوسف اجتباء ليوسف نفسه (من دون إخوته جميعا) كما كان فيها إتمام لنعمة الله على يوسف وعلى آل يعقوب كما كان في ذلك إتمام لنعمة الله على آباءه إبراهيم وإسحق من قبل:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

السؤال: لماذا ارتبطت رؤية تلك الكينونات بالاجتباء الإلهي ليوسف من بين إخوته جميعا؟ ولماذا ارتبطت رؤية تلك الكينونات بإتمام النعمة الإلهية على يوسف وعلى آل يعقوب كما كان فيها إتمام لنعمة الله من قبل على إبراهيم وإسحق؟

السؤال: هل لرؤية تلك الكينونات (الكوكب والشمس والقمر) كما رأها إبراهيم ويوسف من بعده علاقة بإتمام النعمة الإلهية على بعض عباده؟

بداية، لابد من إعادة التأكيد على كيفية إتمام النعمة الإلهية على هذه العائلة الكريمة كما ترد في السياق القرآني التالي الذي تعرضنا له عند حديثنا عن تفاصيل قصة يوسف:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

فلو تدبرنا هذا السياق القرآني بشيء من التركيز لوجدنا فيه شيئا عجيبا: أن النعمة الإلهية لم تتم على يعقوب نفسه. انتهى.

لنخرج بالافتراءات التالية:

- ستتم النعمة الإلهية على يوسف (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ)

- ستتم النعمة الإلهية على آل يعقوب (وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)

- تمت النعمة الإلهية من قبل على إبراهيم وإسحق (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ)

- كان يعقوب بنفسه خارج هذه المعادلة كلها، فنعمت الله لم تتم على يعقوب نفسه.

التساؤلات:

- أين يعقوب نفسه في ذلك؟

- وكيف لم تتم النعمة الإلهية عليه؟

- ولماذا لم تتم النعمة الإلهية على يعقوب نفسه؟

إن المتدبر لهذا السياق القرآني يجد أن يعقوب يقر بنفسه أن ما سيحصل لولده يوسف هو اجتباء خاص من ربه (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)، وفيه تمام نعمت الله عليه وعلى آل يعقوب (وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ)، كما أتمها الله من قبل على أبويه إبراهيم وإسحق (كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ).

السؤال القوي جدا جدا: أين يعقوب نفسه في تمام تلك النعمة؟ ولماذا لم تتم النعمة الإلهية على يعقوب بالذات؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لأن يعقوب كان ينقصه العلم؟

السؤال: أين الدليل على ذلك؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن الدليل موجود في الآية الكريمة نفسها:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

فلاحظ عزيزي القارئ – إن شئت- كيف أن يعقوب يخص يوسف على وجه التحديد بشيئين اثنين:

- الاجتباء الإلهي (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ)

- والتعليم الإلهي له من تأويل الأحاديث (وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ)

بينما كان تمام النعمة الإلهية تخص يوسف وآل يعقوب وإبراهيم وإسحق من قبلهم، ويستثنى من ذلك يعقوب نفسه.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: لأن يعقوب كان نبيا، ولكن لم يكن معه الكتاب

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

لو تفقدنا هذه الآية الكريمة جيدا لوجدنا الفصل واضحا بين النبوة من جهة والكتاب من جهة أخرى، لتكون السيناريوهات المحتملة على النحو التالي:

- يمكن أن يتوافر لبعض عباد الله النبوة فقط

- يمكن أن يتوافر لبعض عباد الله الكتاب فقط

- يمكن أن يتوافر لبعض عباد الله الاثنتين معا: النبوة والكتاب

افتراء خطير جدا: توافر ليعقوب النبوة فقط، فلم يكن في ذلك تمام لنعمة الله

افتراء خطير جدا (2): توافر ليوسف الكتاب والنبوة، فكان في ذلك تمام لنعمة الله

افتراء خطير جدا: توافر لـ آل يعقوب الكتاب فقط، فكان في ذلك تمام لنعمة الله

الافتراء الخطير جدا جدا: حتى تتم نعمة الله على عباده فلا بد من وجود الكتاب

الدليل

لو تفقدنا الآية الكريمة السابقة في سياقها الأوسع لوجدنا أن الحديث عن لوط يحيط بها، فالآية التي تسبقها تتحدث عن لوط والآية التي بعدها تتحدث عن لوط أيضا:

فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (28)

السؤال: هل كان لوط من ذرية إبراهيم؟

جواب: كلا.

السؤال: هل كان لوط نبيا؟

جواب: نعم.

السؤال: كيف كانت النبوة والكتاب في ذرية إبراهيم وها هو لوط (وهو ليس من تلك الذرية) نبيا؟

جواب مفترى: لأن هناك فرق بين من كان نبيا من ذرية إبراهيم ومن كان نبيا من ذرية غيره كلوط مثلا.

نتيجة: من كان نبيا من ذرية إبراهيم كان يتمتع بخاصية أخرى وهي وجود الكتاب، لكن من كان نبيا من ذرية غيره فهو لا يتمتع بتلك الخاصية.

السؤال: لماذا لم تتم نعمة الله على يعقوب؟

جواب مفترى: لأن يعقوب كان من ذرية إبراهيم لكنه لم يكن يتمتع بالكتاب. فهو نبي بدون كتاب.

السؤال: وماذا عن يوسف وآل يعقوب؟

جواب مفترى: ستتم النعمة عليهم بالنبوة والكتاب معا.

السؤال: وماذا عن إبراهيم وإسحق؟

جواب: تمت النعمة عليهم بالنبوة والكتاب.

السؤال: لماذا لم تتم على يعقوب النعمة بالنبوة والكتاب.

جواب مفترى: لأن يعقوب لم يكن أكثر من نافلة، فنحن نظن أن دور يعقوب (على وجه التحديد) لم يكن ليتجاوز أن يكون حلقة وصل بين من أتم الله نعمته عليهم من قبله (وهما إبراهيم وإسحاق) ومن جاء بعده (وهم يوسف وآل يعقوب):

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

فالبشرى جاءت لإبراهيم أصلا بإسحاق:

وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (112)

فتحصلت الذرية لإبراهيم على الكبر بإسماعيل وإسحاق فقط:

الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء (39)

وما جاء يعقوب إلا حلقة وصل في تلك السلالة الطيبة:

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة يوسف خاصة الجزأين الثالث والرابع)

نتيجة مفتراة: كان الاجتباء الإلهي ليوسف وكان إتمام النعمة الإلهي على يوسف وآل يعقوب قد تمثلت بأن جعل الله فيهم النبوة والكتاب معا. فكان الذي ينقص يعقوب هو الكتاب وليس النبوة:

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لمّا وجد يعقوب أنّ نعمة الله عليه لم تتم كما أتمها الله على أبويه إبراهيم وإسحق من قبل، كان عليه أن ينتظرها في أبنائه، فكانت من نصيب يوسف:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

السؤال: ما الذي سيستفيده يوسف (وآل يعقوب كلهم) من الكتاب مادام أن النبوة حاصلة فيهم؟ وبالمقابل ما الذي خسره يعقوب عندما لم تتم نعمة الله عليه بالكتاب وتوقف الأمر عنده عند حد النبوة؟

جواب مفترى: إنه العلم بتأويل الأحاديث:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

فلو تدبرنا النص القرآني جيدا لوجدنا أن يعقوب كان ينقصه العلم بتأويل الأحاديث، وهو ما سيتحصل ليوسف عندما يتم الله نعمته عليه لاحقا:

السؤال: من أين سيتعلم يوسف من تأويل الأحاديث؟ أو بكلمات أخرى، ما هو مصدر العلم بتأويل الأحاديث؟

رأينا المفترى: من أجل العلم بتأويل الأحاديث، فلابد أن يتوافر الكتاب، لأن العلم بتأويل الأحاديث يأتي من الكتاب وليس من النبوة. انتهى.

فالفصل بين الكتاب والنبوة واضح تماما:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

السؤال: أين سيتعلم يوسف من تأويل الأحاديث؟ أو بكلمات أكثر دقة نحن نسأل: أين سيجد يوسف الكتاب الذي من خلاله سيتم تعليمه من تأويل الأحاديث؟

رأينا المفترى: تحدثنا عن هذه الجزئية في سلسلة مقالاتنا عن قصة يوسف، وزعمنا الظن حينئذ أن يوسف قد وجد ذلك عند أبيه الآخر، وهو الذي أشتراه من مصر. انظر عزيزي القارئ – إن شئت- السياق القرآني الذي نظن أنه يثبت افتراءنا هذا:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

فلو دققنا النظر في هذه الآية الكريمة لوجدنا على الفور أن علم تأويل الأحاديث قد تحصل ليوسف في بيت هذا الرجل، فالله هو من مكّن ليوسف في تلك الأرض (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ)، وهناك (في بيت ذلك الرجل) تعلم يوسف من تأويل الأحاديث (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).

سؤال خطير جدا: لماذا تحصل ليوسف العلم بتأويل الأحاديث في بيت هذا الرجل؟ لِم لم يتحصل ليوسف العلم بتأويل الأحاديث في بيت أبيه الأول (يعقوب)؟ ولماذا خصّ يعقوب يوسف بذلك العلم على وجه التحديد في خطابه الأول مع يوسف:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

جواب خطير جدا جدا: لأن هذا الرجل الذي تحصل ليوسف العلم بتأويل الكتاب في بيته هو من أصحاب النبوة والكتاب. انتهى.

السؤال: لماذا حصلت قصة يوسف كلها على تلك الشاكلة؟ لم أضطر يوسف أن يترك والده يعقوب (الذي يحبه حبا جما)؟ لِم لم يدْعُ يعقوبُ ربَّه أن يعيد له ولده المفقود؟ لماذا صبر يعقوب على فراق يوسف؟ لماذا بعث يعقوب بيوسف مع إخوته بالرغم من علمه بكيدهم لهم؟ لماذا سكت يعقوب على دعوى أولاده بأن الذئب قد أكل يوسف بالرغم من علمه بأن الدم الذي جاءوا به على قميص يوسف هو دم كذب؟ الخ.

رأينا المفترى: لأن يعقوب هو من رسم الخطة لأبنائه بأن يطرحوا يوسف أرضا (أي إبعاده من هذه الأرض إلى أرض غيرها)، فهو من دلهم أن يذهبوا به، فيلقوه في غيابة الجب، فيلتقطه بعض السيارة، ويعودوا إليه بالقول بأن الذئب قد أكله:

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)

فيعقوب في ظننا هو من رسم الخطة بإحكام، وما فعل الأبناء أكثر من تنفيذ خطة أبيهم لطرح يوسف أرضا دون دراية منهم.

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: لأن يعقوب يعلم أنه من أجل إتمام نعمة الله على يوسف وعلى آل يعقوب فلابد أن يذهب يوسف إلى من عنده علم الكتاب، ليتعلم هناك من تأويل الأحاديث الذي لم يكن يعقوب يملكه بنفسه.

وقد زعمنا الظن في سلسلة مقالاتنا عن قصة يوسف أن يعقوب كان قد أرسل يوسف إذن في "بعثة علمية" إلى ذلك الرجل الذي عنده النبوة والكتاب، وهو الذي اشترى يوسف من مصر بالرغم أن الجميع كانوا فيه من الزاهدين

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

فهو الوحيد الذي كان قادرا أن يرى قيمة هذا الغلام، غريب الديار.

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: يحصل اليقين عند يعقوب أن الله لن يتم نعمته عليه كما أتمها على أبويه من قبل إبراهيم وإسحاق، فكان نبيا ينقصه الكتاب، فيحدوه الأمل أن يتحقق ذلك في أبنائه، فيحتار فيهم، فيقع الخيار في بداية الأمر في اثنين منهم، وهما من كانا الأحب إليه:

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8)

فيبين للجميع أن قلب يعقوب متعلق بهذين الأخوين من دون أولاده جميعا. لكن ما هو إلا وقت ليس بطويل حتى تأتي الرؤيا ليوسف:

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

عندها، يتجه قلب يعقوب بالكلّية ليوسف، ويظهر للجميع أن مشكلة يعقوب الآن مجملة بوجود يوسف، فيقرر الأخوة قرارهم التاريخي:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

يعلم يعقوب (من خلال الرؤيا التي قصها يوسف عليه) أن الاجتباء الإلهي بالنبوة هي من نصيب يوسف من دون إخوته جميعا، لكن لابد ليوسف (النبي المرتقب) من الذهاب في رحلة علمية إلى من عنده علم الكتاب، ليتعلم عنده من تأويل الأحاديث، فيتحصل ليوسف (من هذه الذرية الطيبة) النبوة والكتاب معا:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

فيحكم يعقوب (بتأييد إلهي) الخطة على أبنائه اللذين ظنوا أنهم يستطيعون تحدي اختيار السماء لمن في الأرض، فيجهز يعقوب الولد الأحب إليه (يوسف) ويرسله مع إخوته اللذين سيكيدون به لا محالة، ولكنّه ينسج لهم خيوط خطة التخلص من يوسف: بطرحه أرضا (أي نفيه) وليس بقتله:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10)

وبالفعل يطبق الأولاد الخطة التي رسمت لهم دون أن يشعروا أنهم بذلك ينفذون الخطة الإلهية المحكمة لإتمام نعمته على يوسف وعلى آل يعقوب جميعا بأيديهم.

تخيلات مفتراة سابقة: ينطلق يوسف إلى ديار غير أرض أبيه وإخوته، فينتهي به المطاف في أرض مصر، ويكون يعقوب خلال تلك الفترة الزمنية من سفر يوسف إلى أرض مصر قد بعث برسالة لاسلكية (بالواتس أب الحقيقي) إلى ذلك الرجل مضمونها أن يوسف الآن في عهدتك.

ينطلق ذلك الرجل إلى أرض مصر، فيتوجه إلى حيث المكان الذي سيجد به الإرسالية (يوسف)، فينظر الرجل في السوق، فتقع عيناه على من كان كل من في السوق زاهدا فيه. فيشريه من السيارة اللذين كانوا فيه من الزاهدين بثمن بخس دراهم معدودة، ويعود راجعا به من حيث أتى ذلك الرجل. فيطلب الرجل من امرأته أن تكرم مثوى الغلام:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

وهناك بالضبط يحصل التمكين الأول ليوسف في تلك الأرض (وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ)، ويبدأ تعليمه من تأويل الأحاديث (وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ).

السؤال: من هو ذلك الرجل الذي اشترى يوسف من أرض مصر وتكفل بتعليمه تأويل الأحاديث؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: إنه أبوه الثاني

السؤال: ما الجديد في ذلك؟ ألم تقل ذلك من قبل؟

جواب مفترى: نعم، قلت ذلك من قبل، لكن الآن يجب أن نتعرف على هويته. ألا تريد – عزيزي القارئ- أن تعرف من هو هذا الرجل الذي اشترى يوسف من مصر، فكان الأب الثاني ليوسف، وهما من رفعهما يوسف معا في نهاية القصة على العرش؟

وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

جواب: بلا، من هو ذلك الرجل؟ هل فعلا تعرف من هو؟ يسأل صاحبنا.

جواب مفترى:نعم، أظن أني أعرفه، فهو (أنا افتري القول) من سلالة بيت النبوة نفسه، أي من ذرية الجد الأول إبراهيم نفسه:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

السؤال: من هو؟ لقد أشغلتنا بالبحث عنه. يرد صاحبنا مستعجلا.

جواب مفترى: إنه النبي الذي يواز والد يوسف الأول (يعقوب) في الذرية.

السؤال: من هو؟

جواب: دعنا بداية نتدبر من هو أب يوسف الأول. أليس هو يعقوب؟

جواب: نعم هو يعقوب. وهل في ذلك شك؟

السؤال: من هو النبي الذي يواز يعقوب تماما في ذرية إبراهيم؟

جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: إنه أيوب:

        يعقوب
      أيوب 

السؤال: من هو أيوب أصلا؟

جواب مفترى: إنه من يقابل يعقوب في الذرية الطيبة، فدعنا نعيد رسم ذرية ذلك البيت الطيب الذي جعل الله فيه الكتاب والنبوة، فنحن نعرف أن يعقوب قد جاء من وراء إسحاق، وهم من وهبهم الله لإبراهيم، أليس كذلك؟

                       إبراهيم

إسحاق
أيوب يعقوب

السؤال: إذا كنا نعرف خط الذرية في بيت إسحاق، فكيف هو خط الذرية في بيت إسماعيل الولد الأول لإبراهيم؟ وما علاقة أيوب بذلك؟ أو من يكون أيوب هذا إذا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: إنه ولد إسماعيل (الابن الحليم لإبراهيم)، لتصبح صورة الذرية في ذلك البيت الطيب (كما نتخيلها مفتراة من عند أنفسنا) على النحو التالي:

                       إبراهيم
         إسماعيل
إسحاق
           أيوب يعقوب

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: يتخذ إبراهيم قراره التاريخي بأن يقسم بيت النبوة الأول إلى بيتين أثنين، فيذهب بنصفه الأول إلى واد غير زرع عند بيت الله الحرام، وهناك يسكن فيه من أهله:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

ويبقى النصف الثاني يعيش في الأرض التي باركنا فيها للعالمين، إلى حيث كانت نجاته بعد حادثة التحريق:

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

فيرتبط الابن الثاني إسحاق بهذه الأرض المباركة، كما ارتبط الابن الأول إسماعيل بالبيت العتيق:

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (129)

فيضطر إبراهيم في نهاية المطاف إلى قسمة ميراث بيت النبوة الأول بين البيتين الجديدين، فيكون بعضها من نصيب الابن الأول (إسماعيل) ويكون بعضها الآخر من نصيب الابن الثاني (إسحاق).

السؤال: كيف تمت القسمة؟

رأينا المفترى: كان الكتاب من نصيب إسماعيل، وكانت العصا والقميص من نصيب إسحاق.

فتقضي مشيئة الله أن يجعل في بيت إبراهيم الكتاب والنبوة:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)

ليكون السؤال الآن: كيف كان الكتاب والنبوة في بيت إبراهيم وهو نفسه من قسم ذلك البيت إلى بيتين اثنين: بيت إسماعيل الموجود الآن في الواد غير ذي الزرع عند بيت الله المحرم مقابل بيت إسحاق الموجود في الأرض التي باركنا فيها للعالمين؟

إن هذا السؤال يدعونا على الفور إلى تفقد ما حل ببيت إسماعيل بعد موت والده إبراهيم، فلعل القارئ للقرآن يجد التفصيل واضحا فيما يخص بيت إسحاق، فهو من جاء ابنه يعقوب نافلة من وراءه؟

وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71)

وبعدها جاء يوسف ليكون الوريث الشرعي لهذا البيت الطاهر بعد أن أتم الله عليه نعمته وعلى آل يعقوب جميعا:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

ليصبح خط الذرية في هذا الفرع من البيت على النحو التالي:

إبراهيم ← إسحق ← يعقوب ← يوسف

لكن السؤال الذي ربما لا يجد المتدبر للنص القرآني إجابة واضحة له هو: ما الذي حلّ بيت أخيه إسماعيل في ذاك الواد عند بيت الله المحرم؟ أو كيف سار خط الذرية في ذلك الفرع بعد إسماعيل:

إبراهيم ← إسماعيل ← ؟

تساؤلات

- هل عاش إسماعيل في ذاك الواد طيلة حياته؟

- ماذا فعل خلال وجوده هناك؟

- كيف كان إبراهيم يشرف على ذلك الفرع من البيت؟

- ماذا حلّ بذلك الفرع من البيت بعد وفاة إبراهيم بالموت؟

- هل حصل لقاء بين إسماعيل وإسحاق بعد أن افترقا؟

- لماذا اختار إبراهيم أن يفرق بين ولديه: إسماعيل وإسحاق؟

- لِم لم يعيشا معا في أرض واحدة؟

- هل تحصل لإسماعيل الذرية؟

- أين ذهبت تلك الذرية (إن وجدت)؟

- ألا يعتبر إسحق (وذريته من بعده) من بني إسرائيل؟

- هل يعتبر إسماعيل من بني إسرائيل؟

- هل تعتبر ذرية إسماعيل (إن وجدت) من بني إسرائيل أيضا؟

- لماذا يصر أهل الدراية في الفكر الإسلامي على اعتبار بني إسرائيل هم من ذرية يعقوب (ولد إسحاق)؟

- الخ

هذه بعض التساؤلات التي نظن أنها بحاجة إلى إجابات تكون أكثر إقناعا مما هو متداول بين العامة (وأهل الاختصاص)، والتي نظن أن تبعاتها ستكون جمّة على مجمل النقاش في هذه القضايا العقائدية المتشابكة كتشابك خيوط العنكبوت. فنسج هذه الخيوط بالطريقة الاحترافية المعهودة عن العنكبوت هو ما يجعل ذلك البيت متقن الصنع، وإلا لأصبح عملا عشوائيا لا طائلة منه. لذا نسأل الله وحده أن يؤتينا رشدنا وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، وأن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشيء من علمه فيها لا ينبغي لغيرنا، ونعوذ به وحده أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، إنه هو السميع العليم – آمين.

أما بعد،

بعيدا عن الآراء المدفوعة بالعقائد المسبّقة التي نظن أنه ينقصها الدليل، فإننا سنحاول تسطير جملة من الافتراءات حول هذا الموضوع، وسنحاول الدفاع عنها تباعا بجلب الدليل القرآني الذي نظن أنه يؤيد ما نذهب إليه في هذا المقام.

الافتراءات

- عاش إسماعيل طيلة حياته في الواد غير ذي الزرع عند بيت الله المحرم

- رفع إسماعيل مع أبيه إبراهيم القواعد من البيت

- كان إبراهيم دائم التنقل بين البيتين

- انفصل البيتان انفصالا تاما بعد وفاة إبراهيم بالموت

- لم يحصل لقاء بين الإخوة إسماعيل وإسحاق بعد وفاة والدهما إبراهيم بالموت؟

- كان الفصل بين الإخوة ضروريا حتى يكون كلاهما نبيا

- تحصل لإسماعيل الذرية كما تحصل لأخيه إسحاق الذرية

- يعتبر إسماعيل من بني إسرائيل كما كان إسحاق من بني إسرائيل

- كانت ذرية إسماعيل من بني إسرائيل كما كانت ذرية إسحاق من بني إسرائيل

- تجمع كل بنو إسرائيل (من ذرية إسماعيل ومن ذرية إسحاق) في مصر تحت راية يوسف.

- الخ

النقاش

نحن نظن أن النقاش في هذه المحاور جميعها يجب أن ينطلق من السؤال المحوري التالي: لماذا فصل إبراهيم بين الأخوين: إسماعيل وإسحاق؟ لماذا اختار إبراهيم أن يعيش كل منهما في مكان بعيدا عن الآخر؟

رأينا: تعرضنا لهذه الجزئية في سلسلة مقالاتنا تحت عنوان لماذا قدم نبي الله لوط بناته بدلا من ضيوفه، وزعمنا الظن حينئذ أن الفصل الذي قام به إبراهيم بين الأخوين (إسماعيل وإسحاق) كان مدفوعا بضرورة عقائدية، فإبراهيم لم يكن ليرضى أن يميز بين الإخوة بطريقة غير عادلة كما قد يظن القارئ غير المتدبر للنص القرآني من الوهلة الأولى. فغالبا ما يشعر البعض (وإنْ لم يتجرءوا على البوح بذلك صراحة) أن في إسكان إبراهيم بعضا من ذريته بواد غير زرع شيء من الإجحاف بحق هذا الغلام وأمه. ونحن نظن أن هذا الفهم المغلوط قد تطور عند الكثيرين بسبب موروثات يهود عن هذه القضية على وجه التحديد، فهم (أي اليهود) من روجوا (زورا وبهتانا) للعالمين بأن إسماعيل هو الابن "غير الشرعي" لإبراهيم، وهم من تغنوا في كل محفل لهم بأفضلية إسحاق وأمه على إسماعيل وأمه، وهم من صوّروا للعالم أن هناك شعب مختار (مخدوم) وشعب منبوذ "خادم". وللأسف تسربت تلك الآراء إلى بطون أمهات كتب المسلمين على ألسنة أكثر أهل الدراية من أبناء المسلمين وثوقا ومعرفة. ونحن ندعو المجادل للعودة إلى بطون أمهات كتب المسلمين ليرى بأم عينه ما سطرت أقلام أهل الرواية عن أهل الدراية منهم في تلك الكتب. والمخجل المبكي في هذا المقام هو أنه لما انطلقت حناجر بعض المسلمين للدفاع عن إسماعيل، كانت حجتهم مدفوعة في مجملها بالعاطفة غير المستندة إلى الدليل الحاسم الذي يرد دعوى أهل الكتاب. والقارئ الكريم مدعو – إن هو أراد- للبحث في هذه الجزئية ليتأكد من اتهاماتنا هذه لأهل الدراية من أبناء المسلمين.

ولماّ كنّا – كعادتنا- لا نثق كثيرا بآراء أهل الدراية من أبناء الفكر الإسلامي الدارج كما نقلها لنا أهل الرواية في بطون الكتب الصفراء، فإننا مطالبون أن نعيد النظر في هذه القضايا، طارحين الآن تساؤلنا التالي: كيف يمكن أن نفهم أن في الفصل الذي قام به إبراهيم عدالة في التوزيع بين الأخوين: إسماعيل وإسحاق؟

رأينا: لما تعرضنا لهذه الجزئية سابقا قدمنا الافتراء الذي نظن أنه غير مسبوق التالي: لو لم يعمد إبراهيم إلى الفصل بين الأخوين إسماعيل وإسحاق لما انتهى الأمر بكل واحد منهما أن يكون رسولا نبيا. انتهى

السؤال: كيف ذلك؟

رأينا: بداية يجب أن نؤمن يقينا أن ما يفعله رسول كريم (من مثل إبراهيم) لابد أن يكون مدفوعا بضرورة عقائدية، فيستحيل أن يتصرف إبراهيم (نحن نؤمن) تصرفا كهذا من أجل مغنم دنيوي، ويستحيل أن يتصرف إبراهيم (نحن نؤمن) من تلقاء نفسه لو لم يكن الأمر له ضرورة عقائدية. وفي ضوء هذا الاعتقاد الذي لا يمكن أن يتزعزع عندنا، نعيد طرح تساؤلنا السابق عن فصل إبراهيم بين الأخوين على النحو التالي: ما الضرورة العقائدية التي استوجبت قيام إبراهيم بهذا التصرف؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن إبراهيم ما كان ليذر ولديه (إسماعيل وإسحاق) ليقعا في الغلط الذي وقع به ابنا آدم من قبل. فإبراهيم كان على دراية كافية بما حل بابني آدم عندما سكنا في نفس المكان. فلقد حصل الخلاف بينهما على ميراث النبوة. ولو بقي إسماعيل وإسحاق يسكنان المكان ذاته لحصل بينهما (نحن نفتري القول) ما حصل بين ابني آدم:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

فابني آدم اقتتلا على ميراث النبوة، وهو – برأينا- البيت الذي وضع للناس:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

ولو تدبرنا هذا السياق جيدا لوجدنا أن ذلك البيت قد وضع للناس.

السؤال: من هم الناس الذي وضع لهم أول بيت ببكة؟

رأينا: أنهم ابني آدم: إدريس وإسرائيل. (انظر سلسلة مقالاتنا السابقة)

الدليل

لما كنا نفهم أن الناس هم من خلقوا من ذكر وأنثى:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)

فإننا نستثني من تلك القائمة (أي الناس) ثلاثة، وهم:

1. آدم (فهو لم يخلق من ذكر وأنثى)

2. زوج آدم (فهي خلقت من نفس آدم)

3. عيسى بن مريم (فهو خلق من أم دون أب)

ليكون السؤال: من هم الناس (الذين خلقوا من ذكر وأنثى) فوضع لهم أول بيت ببكة:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

رأينا المفترى: إنهم ابني آدم.

السؤال: لماذا قربا قربانا؟

جواب مفترى: لكي يفضوا الخلاف بينهما.

السؤال: ماذا كانت طبيعة ذلك الخلاف؟ أو على ماذا اختلفا أصلا؟ أو ما هو الخلاف الذي أدى بهما في نهاية المطاف إلى أن يقتل أحدهما الآخر؟

جواب مفترى: إنه ملكية ذلك البيت الأول:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: يهبط آدم وزوجه بأمر إلهي من الجنة (التي عند الطور في البقعة المباركة من الشجرة) بعد المعصية، فيجدا نفسيهما في تلك البقعة من الأرض في الواد غير ذي الزرع، فيقرا بالظلم الذي أوقعا نفسيهما فيه بعد أن تقبلا نصيحة الشيطان، فتحصل لهما الفتنة من الشيطان، فتكون العاقبة الخروج من الجنة:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

في ذلك الواد، يعيش آدم وزوجه خارج الجنة. ينجب آدم وزوجه ولدين اثنين (وربما بنت واحدة أو بنتين اثنتين) فقط. يأتي الأمر الإلهي بوضع أول بيت للناس (أي ذرية آدم وزوجه) في ذلك المكان. يكبر الولدان فيصبحا في سن الزواج. وهنا تظهر المشكلة الأولى بينهما: من الذي سيسكن البيت؟

تخيلات مفتراة: يتوصل الأخوان إلى قرارهما الحاسم لفض النزاع بينهما: تقديم القربان. لتكون المنهجية على النحو التالي: يكون صاحب البيت من تقبل الله منه قربانه.

السؤال: ما هو القربان الذي قدماه؟

جواب مفترى خطير جدا: أنه الناقة

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13)

إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27)


ومنذ تلك اللحظة أصبح لله ناقة، وهو من رفض أن يكون له ولد:

أَلَا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (151) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (152)

وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)

فالرحمن الذي لا ينبغي له أن يتخذ ولدا، له الآن ناقة، أليس كذلك؟

السؤال: لماذا؟

جواب مفترى: لأن الله لا يتخذ مما يخلق

لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (4)

السؤال: لماذا اتخذ الله الناقة؟

جواب مفترى: لأنها لم تكن مما خلق الله. انتهى

(وسنتحدث عن هذه الجزئية إن شاء الله عندما يصل بنا الحديث إلى ربط قصة فرعون مع ثمود لاحقا بحول الله وتوفيقه)

على أي حال، لازلنا نتخيل أن الله تقبل القربان (الناقة) من أحدهما (إدريس)، ولم يتقبلها من الآخر (إسرائيل) وذلك لأن سنة الله هي على الدوام أن يتقبل من المتقين:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

يصبح إدريس هو المالك الفعلي لذاك البيت، لكن ذاك الوضع لم يكن ليرضي من لم يكن من المتقين (إسرائيل)، فيعمد إلى قتل أخيه من أجل الظفر بالغنيمة. وبالفعل يقتل الأخ (إسرائيل) أخاه (إدريس)، بعد أن طوعت له نفسه ذلك فيصبح من الخاسرين والنادمين:

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

وترتبط سنة الله الأبدية بأن من قتل نفسا بغير حق كمن قتل الناس جميعا منذ تلك اللحظة:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ (29) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30) فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

فتصبح الأرض كلها من نصيب إسرائيل القاتل، فيجريها على هواه:

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (93)

وتصبح الذرية كلها من إسرائيل القاتل، فأصبحنا كلنا بني إسرائيل:

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (32)

بعد أن كانت الذرية كلها من آدم، وكنا كلنا بني آدم:

يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (27)

(للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة)

عودة على قصة إبراهيم

لمّا كان إبراهيم يعلم أن الأرض الواحدة لا تتسع للأخوين معا، ولما كان يدرك أن الخلاف لا محالة سيدبّ بينهما إن بقيا يسكنان المكان الواحد معا، وجد لزاما عليه أن يفصل بينهما. فكان من حكمة إبراهيم (نحن نفتري القول) أن يتدارك وقوع المشكلة، لذا قام (مستبقا وقوع المشكلة) بالفصل بين الأخوين، فاختار لأحدهما مكانا لا يقل قدسية عن المكان الذي يسكن فيه ولده الآخر:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

السؤال: كيف فعل إبراهيم ذلك؟

رأينا: لمّا كان إبراهيم قد أرآه الله ملكوت السموات والأرض من قبل:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

كان إبراهيم على دراية بمكان ذلك البيت الأول الذي وضع للناس:

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96)

فكان ذلك البيت بنفسه مباركا، فأسكن من ذريته (الابن الأول: إسماعيل) عند ذلك البيت المبارك:

رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)

وترك بقية الذرية (الابن الثاني: إسحاق) يسكن في الأرض المباركة الموجودة حول المسجد الأقصى:

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)

فكانت النتيجة على النحو التالي: أسكن إبراهيم ولده الأول إسماعيل في أرض مباركة وأسكن ولده الآخر إسحاق في أرض مباركة.

افتراء (1): كان إسماعيل رسولا نبيا في الأرض المباركة عند بيت الله المحرم

افتراء (2): كان إسحاق رسولا نبيا في الأرض التي باركنا فيها للعالمين

فاقتسم الاثنان وراثة الأرض، فكانا من عباد الله الصالحين:

وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: لو لم يعمد إبراهيم إلى اقتسام الأرض بين ولديه، لربما (نحن نتخيل) حلّ الفساد في الأرض، وذلك بسبب الخلاف (وربما الاقتتال) الذي كان من الممكن أن يحصل بينهما كما حصل بين ابني آدم من قبل:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

أو كما حصل بين أبناء يعقوب من بعد:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا عن قصة يوسف)

نتيجة مفتراة: كان إبراهيم يعلم تبعات أن يعيش الإخوة في مكان واحد، فيستحيل أن يحصل الصلاح في الأرض مادام الإخوة يعيشون في مكان واحد، بل سيحل الفساد في الأرض لأن الاقتتال لا محالة سيحصل بينهما يوما ما (للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة يوسف)

السؤال: إذا كان إبراهيم قد قسم الأرض بين ولديه (إسماعيل وإسحاق)، فكيف سيقسم إبراهيم ميراث النبوة بينهما؟

رأينا: كان لابد لإبراهيم أن يكون عادلا أيضا في توزيع ميراث النبوة بين الأخوين.

السؤال: ما الذي فعله إبراهيم بهذا الخصوص؟

جواب مفترى: نظر إبراهيم في ميراث النبوة المتوافر بين يديه، فكان لابد أن يوزّع ذلك الميراث بعدالة لا تنقصها الحكمة

السؤال: كيف فعل إبراهيم ذلك؟

للإجابة على هذا التساؤل، كان لابد أولا من الإجابة على التساؤل التالي الذي يخص ميراث بيت النبوة نفسه: فماذا كان أصلا ذلك الميراث؟ أو بكلمات أكثر دقة: ما الذي كان على إبراهيم أن يوزعه بين ولديه إسماعيل وإسحاق من ميراث النبوة المتوافر بين يديه؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: كان ما يملكه إبراهيم كميراث بيت النبوة كله هو: العصا والقميص والكتاب. انتهى.

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان قصة يوسف)

السؤال: كيف قام إبراهيم بتوزيع ذلك الميراث؟

جواب مفترى خطير جدا لا تصدقوه ما لم تجدوا أن الدليل الذي سنقدمه يثبت ذلك: ترك إبراهيم العصا والقميص في بيت إسحاق، وأودع الكتاب عند إسماعيل.

السؤال: أين الدليل على ما تزعم؟ يسأل صاحبنا.

جواب: قبل أن نحاول تقديم تصورنا عن الموضوع، دعنا نطرح السؤال الاستباقي التالي: لماذا وزّع إبراهيم ذلك الميراث على هذا النحو الذي نفتريه من عند أنفسنا؟

جواب مفترى خطير جدا: لأن إبراهيم كان على علم أن ولده الثاني إسحاق لن يعيش طويلا حتى يتمكن من تسليم الكتاب ليعقوب من بعده

الدليل

لو رجعنا للبشرى التي جاءت بها الملائكة بيت إبراهيم في زيارتهم التاريخية، لوجدنا السياق القرآني التالي يصور لنا مجيء يعقوب من وراء إسحاق:

وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71)

ولو تفقدنا السياق القرآني التالي، لوجدنا أن يعقوب كان نافلة:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

السؤال: ما تبعات ذلك؟ وما علاقة هذا بتوزيع ميراث النبوة من قبل إبراهيم بين ولديه إسماعيل وإسحاق؟ أو بكلمات أكثر دقة نحن نسأل: ما معنى أن يأتي يعقوب من وراء إسحاق؟ وما معنى أن يكون يعقوب نافلة؟

رأينا المفترى: لما كان إبراهيم على يقين بأن يعقوب سيأتي من وراء إسحاق، ولما كان إبراهيم يعلم أن يعقوب لن يكون أكثر من نافلة، كان إذن يدرك (نحن نفتري الظن من عند أنفسنا) بأن إسحاق سيتوفاه الله بالموت قبل مولد يعقوب.

السؤال: كيف يمكن أن نفهم أن الله سيتوفى نفس إسحاق بالموت قبل مولد ولده يعقوب؟

جواب: لو تفقدنا مفردة "من وراء" في النص القرآني على مساحته لوجدنا أن ذلك يعني ما يخفى على الناظر، وهي لا تعني الخلف إطلاقا كما قد يظن العامة (وربما كثير من أهل العلم) عن معنى المفردة. فأنت عندما تقول أن فلانا قد فعل ذلك من ورائي، فأنت تقصد أنه قد فعل ما فعل دون أن يدعك ترى ما فعله. وأنت قد تقول أن المدرسة تقع وراء الجبل، والجبل نفسه أمامك، وهكذا. (للتفصيل انظر مقالتنا والله من ورائهم محيط).

تخيلات مفتراة من عند أنفسنا: نحن نتخيل إذن أن الأمر قد حصل على النحو التالي: ما أن تحمل امرأة إسحاق بيعقوب حتى يكون الموت لا محالة سيقضي على إسحاق، لذا سيأتي يعقوب من وراء إسحاق، فلن يحصل تواصل بين إسحاق (الوالد) ويعقوب (الولد).

السؤال: ما علاقة ذلك بتقسيم الميراث؟

جواب: لما أدرك إبراهيم أنه لن يحصل تواصل بين إسحاق ويعقوب من بعده، لم يعد هناك حاجة أن يترك الكتاب في هذا البيت، لأنه من أجل الاستفادة مما في ذلك الكتاب فلابد من وجود "المعلم". فإبراهيم (المعلم الأول) هو من علم إسماعيل وإسحاق ما في الكتاب. لذا يصبح إسماعيل معلما لما في الكتاب وسيصبح إسحاق أيضا معلما لما في الكتاب بعد أن يتوفى الله نفس إبراهيم بالموت. وهنا تبرز مشكلة "إسحاق" كمعلم لما في الكتاب: كيف سيستطيع إسحاق تعليم ولده (يعقوب) ما في الكتاب مادام أن ولده سيأتي من ورائه. فإسحاق إذن (نحن لا زلنا نطير بخيالنا هناك) لن يستطيع بدوره تعليم ولده يعقوب ما في الكتاب مادام أن هذا الغلام سيأتي من ورائه.

نتيجة مفتراة 1: لما كان إسحاق سيقضي بالموت قبل أن تتاح له فرصة تعليم ولده يعقوب، كان وجود الكتاب في هذا الفرع من البيت غير ضروري.

نتيجة مفتراة 2: لكن – بالمقابل- كان لابد من أن يترك إبراهيم في هذا البيت ما يحمي الطفل (يعقوب) حتى يكبر.

السؤال: وما الذي سيشكل له الحماية في هذا البيت؟

رأينا المفترى: العصا والقميص

نتيجة مفتراة 3: ترك إبراهيم العصا والقميص في بيت إسحاق

السؤال: وأين ترك إبراهيم الكتاب إذن؟

جواب مفترى خطير جدا: في بيت إسماعيل

السؤال: ما الذي سيفعله إسماعيل بذلك الكتاب؟

جواب: سيعلمه لولده من بعده.

السؤال: ومن هو ولد إسماعيل؟

جواب مفترى خطير جدا: أيوب

إن هذا النقاش يجبرنا على تقديم الافتراءات التالية:

- كان أيوب هو ولد إسماعيل

- كان أيوب عنده الكتاب الذي ورثه من والده إسماعيل

- تعلم أيوب ما في الكتاب من والده إسماعيل

- الخ

السؤال: ما الدليل أن أيوب هو ولد إسماعيل؟

رأينا: نحن نسوق الأدلة التالية التي نظن أنها تدعم افتراءنا هذا الذي مفاده أن أيوب هو ولد إسماعيل.

أولا، لو تفقدنا الآية الكريمة التالية لوجدنا أن الأنبياء والرسل المذكورين فيها هم جميعا من ذرية إبراهيم، ولكن دون ترتيب زمني، لنجد من بينهم أيوب ويوسف:

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)

ولو تفقدنا السياق القرآني التالي لوجدنا أن جميع الرسل المذكورين فيه قد جاءهم الوحي:

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (163)

نتيجة مفتراة: كان أيوب (كما كان يوسف) من ذرية إبراهيم

ثانيا، لو تفقدنا السياق القرآني التالي لوجدنا التفريق واضحا بين الهداية من جهة وإيتاء الكتاب المستبين من جهة أخرى:

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (114) وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (115) وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (116) وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118)

نتيجة مفتراة: لما كانت الهداية إلى الصراط المستقيم (وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) تختلف عن إيتاء الكتاب المستبين (وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ)، عدنا على الفور للنظر في السياق القرآني السابق الذي يتحدث عن يوسف وأيوب (على أساس أنهما من ذرية إبراهيم)، فوجدنا في السياق ذاته أن الحديث قد سبق عن إسحاق ويعقوب على وجه التحديد:

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)

لاحظ عزيزي القارئ – إن شئت- كيف يتحدث السياق القرآني عن هداية إسحاق ويعقوب (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا

السؤال: ما الذي يمكن أن نستنبطه بعد ربط السياقيين القرآنيين معا؟

رأينا المفترى: إن النتيجة المفتراة التي نحاول جاهدين أن نخرج بها بعد ربط الساقيين معا هي على النحو التالي: في حين أن الهداية كانت من نصيب إسحاق ويعقوب، لم يكن الكتاب المستبين من نصيبهما:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا...

وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (117) وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (118)

ولو جلبنا السياق القرآني التالي إلى النقاش هنا لوجدنا الفصل واضحا بين الهداية وإتمام النعمة:

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2)

لتكون السيناريوهات المحتملة على النحو التالي:

1. قد يتم الله نعمته على شخص دون هدايته (كما حصل لكثير من الناس بالرغم أنهم قد لا يسلمون)

وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81)

2. قد يهدي الله بعض عباد دون إتمام نعمته عليهم كما حصل ليعقوب الذي لم تتم نعمة الله عليه كما حصل لأبويه إبراهيم وإسحاق من قبل وكما حصل لولده يوسف وآل يعقوب من بعده:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

3. قد يتحصل بعض عباد الله على الاثنتين، كما حصل ليوسف ومحمد مثلا:

لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (2)

ولو رجعنا إلى قصة هذا البيت من أولها، لوجدنا السياق التالي:

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)

لتكون الهداية من نصيب إسحاق ويعقوب:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا...

وما تمت نعمة الله على هذا الفرع من البيت (آل) إلا بمجيء يوسف:

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

نتيجة: النبوة وعلم الكتاب يجتمعان مرة أخرى عند يوسف:

وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ (34)

رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)


تلخيص ما سبق: لما وزّع إبراهيم ميراث النبوة بين الأخويين إسماعيل وإسحاق، كان قراره على النحو التالي: أودع العلم (الكتاب والحكمة) في بيت إسماعيل وترك الملك (القميص والعصا) في بيت إسحق، قال تعالى

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (54)

فأصبحت الصورة كما نتخيلها على النحو التالي:

                             إبراهيم
         إسما(عيل)
إسحا(ق)
         أيوب يعقوب
الكتاب والحكمة الملك (العصا والقميص)
                              يوسف
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ

ثالثا، لو حاولنا البحث في سيرة حياة أيوب كما يصورها النص القرآني نفسه (في سعينا لإثبات أن أيوب هو ولد إسماعيل)، لوجدنا أنها لم تكن تخل من المشاكل العائلية:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

كما نجدها لا تخلو من المشاكل الصحية:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

ولو حاولنا مطابقة ذلك مع حياة يعقوب لوجدنا المشاكل العائلية واضحة تماما:

قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)

ولا تخلو أيضا من المشاكل الصحية:

وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

ولو تدبرنا قصة الرجلين جديدا، لوجدنا أن كلاهما استعاد عافيته وأهله في نهاية المطاف، فهذا يعقوب يرتد إليه بصره بعد أن ألقي عليه قميص يوسف:

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

وهذا أيوب يستعيد عافيته بعد أن ركض برجله، فحصل على مغتسل، بارد وشراب:

ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42)

رابعا، لما كنا نؤمن أن كل شيء في كتاب الله مقصود لذاته، كان لزاما علينا أن لا نغفل أيضا عن التوازن اللفظي بين الاسمين:

يعقوب (يع- قوب) أيّوب (أي – يوب)

وهذا التوازن اللفظي ظاهر لا يتوقف عند الاسمين فقط، بل يظهر واضحا أيضا في الحقبة الزمنية التي عاش بها يعقوب وأيوب، وليس أدل على ذلك مما قاله الملأ في ردهم على ما رأى الملك في منامه:

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (44)

فالفترة الزمنية التي عاش فيها يعقوب كانت تعلم ما هي الأضغاث، أليس كذلك؟

ولو بحثنا في النص القرآني على مساحته كله عن هذه المفردة (أَضْغَاثُ) ، لما وجدنا أنها (أي مفردة أَضْغَاثُ) قد وردت مرة أخرى إلا في سياق الحديث عن أيوب:

وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

السؤال: هل كان القوم الذي عاش فيهم أيوب يعلمون هم أيضا ما هي الأضغاث؟ من يدري؟!

خامسا، لا يتوقف التقابل المتوازن بين هذين النبيين الكريمين (أيوب ويعقوب) عند ما ذكرنا سابقا فقط، بل يتعداه إلى ما هو أكثر من ذلك. فلو تفقدنا النص القرآني التالي الذي يتحدث عن سيرة حياة أيوب:

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43)

لربما خرجنا ببعض التساؤلات المقلقلة التي تحتاج إلى إجابات حقيقية، نطرح منها بداية السؤال التالي: كيف وهب الله لأيوب أهله ومثلهم معهم؟

جواب: لما كنا نظن أن هذه جزئية مهمة جدا في سياق حديثنا هذا، رأينا أن الضرورة تستدعي أن نبدأ النقاش فيها بما جاء في بطون بعض أمهات كتب التفسير (تفسير القرطبي) عن هذه الآية الكريمة:

ووهبنا له أهله ومثلهم معهم

قال مجاهد وعكرمة قيل لأيوب صلى الله عليه وسلم : قد آتيناك أهلك في الجنة فإن شئت تركناهم لك في الجنة وإن شئت آتيناكهم في الدنيا . قال مجاهد : فتركهم الله عز وجل له في الجنة وأعطاه مثلهم في الدنيا . قال النحاس : والإسناد عنهما بذلك صحيح . قلت : وحكاه المهدوي عن ابن عباس . وقال الضحاك : قال عبد الله بن مسعود كان أهل أيوب قد ماتوا إلا امرأته فأحياهم الله عز وجل في أقل من طرف البصر , وآتاه مثلهم معهم . وعن ابن عباس أيضا : كان بنوه قد ماتوا فأحيوا له وولد له مثلهم معهم . وقال قتادة وكعب الأحبار والكلبي وغيرهم . قال ابن مسعود : مات أولاده وهم سبعة من الذكور وسبعة من الإناث فلما عوفي نشروا له , وولدت امرأته سبعة بنين وسبع بنات . الثعلبي : وهذا القول أشبه بظاهر الآية . قلت : لأنهم ماتوا ابتلاء قبل آجالهم حسب ما تقدم بيانه في سورة [ البقرة ] في قصة " الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت " [ البقرة : 243 ] . وفي قصة السبعين الذين أخذتهم الصاعقة فماتوا ثم أحيوا ; وذلك أنهم ماتوا قبل آجالهم , وكذلك هنا والله أعلم . وعلى قول مجاهد وعكرمة يكون المعنى : " وأتيناه أهله " في الآخرة " ومثلهم معهم " في الدنيا . وفي الخبر : إن الله بعث إليه جبريل عليه السلام حين ركض برجله على الأرض ركضة فظهرت عين ماء حار , وأخذ بيده ونفضه نفضة فتناثرت عنه الديدان , وغاص في الماء غوصة فنبت لحمه وعاد إلى منزله , ورد الله عليه أهله ومثلهم معهم , ونشأت سحابة على قدر قواعد داره فأمطرت ثلاثه أيام بلياليها جرادا من ذهب . فقال له جبريل : أشبعت ؟ فقال : ومن يشبع من فضل الله . فأوحى الله إليه : قد أثنيت عليك بالصبر قبل وقوعك في البلاء وبعده , ولولا أني وضعت تحت كل شعرة منك صبرا ما صبرت .

رحمة منا

أي نعمة منا . فعلنا ذلك به رحمة من عندنا . وقيل : ابتليناه ليعظم ثوابه غدا .

وذكرى لأولي الألباب

أي عبرة لذوي العقول وتذكيرا للعباد ; لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له وهو أفضل أهل زمانه وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب , فيكون هذا تنبيها لهم على إدامة العبادة , واحتمال الضرر



رأينا: لما كنت أظن أن ليس هناك ضرورة ملحة لتفنيد هذه "..."، لأنها بحد ذاتها تبطل بعضها بعضا، فلو قرأ العامة بأنفسهم هذه الخزعبلات من بطون تلك الكتب دونما تسويق لها من قبل "أهل الدراية"، لم ترددوا أن يلقوا بها جميعا في " ". ولو قرأها الناس في بطون كتب غيرهم من الأمم لتبسموا ضاحكين من هذا القول. ولانفجرت حناجر علمائهم بازدراء بضاعة غيرهم، أما لما كانت هذه الآراء لا تصل للعامة مباشرة إلا بعد تصفيتها (وفلترتها) بإضفاء طابع القدسية عليها، تقبّلها الناس دون مساءلة ولا محاججة. فعالمهم لا يحتاج أن يقدم لهم دليلا على ما يقول أكثر من القول أن هذا ما قاله ابن فلان وابن علان من سادتنا أهل الدراية المشهود لهم بالصلاح (وإن كان الدليل يثبت لنا على الدوام أنهم لم يكونوا من أصحاب الرأي الصواب).

أما نحن، فإننا نرفض هذه الآراء جملة وتفصيلا ما دام أن الدليل ينقصها، فهي – عندنا- ليست أكثر من آراء شخصية لا تسمن ولا تغني من جوع، والحالة هذه، يصبح لزاما علينا أن نعيد تدبر هذه الآية الكريمة من جديد، علّنا نخرج (بتوفيق من الله وحده) ببعض الأفهام التي قد تسدّ رمق الباحث عن الحقيقة حتى وإن لم تعجب المدافعين عن تراث الآباء والأجداد.

أما بعد،

قال تعالى:

وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43)

لنقدم (بناء على فهمنا لما فيها) الافتراءات التالية:

- الله هو من أصدر أمره بأن يهب لأيوب أهله (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ)

- الله هو من أصدر أمره بأن يهب لأيوب أهله ومثلهم (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم)

- الله هو من أصدر أمره بأن يهب لأيوب أهله ومثلهم معهم (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ)

- كان ذلك رحمة (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا)

- كان ذلك ذكرى لأولي الألباب (وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ)

- الخ

ولو توقفنا عند هذه الافتراءات، لربما حق لنا أن نستنبط القول بأن أيوب قد عانى في حياته من مشاكل شخصية، وقد تلخص ذلك في أن مسه الضر:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) 

وفصّل ذلك الضر في قوله تعالى:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41)

ليكون الافتراء الآن هو أن أيوب قد كان عرضة لمس الشيطان، وكان ذلك بنوعين من المشاكل: النصب والعذاب

وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)

السؤال: كيف يمكن أن نعيد فهم قصة هذا الرجل في أهله؟

رأينا: من أجل فهم قصة هذا النبي الكريم، فلابد من إعادة تدبر المفردات التي نظن أنها أشكلت على أهل الدراية من سادتنا العلم، فما خرجوا علينا (نحن نفتري القول) بتصور واضح عن قصة أيوب. والمفردات ذات العلاقة متعددة، نذكر منها:

المشكلة الأولى: وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ

المشكلة الثانية: وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا

المشكلة الثالثة: فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ

المشكلة الرابعة: ارْكُضْ بِرِجْلِكَ

المشكلة الرابعة: هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ

المشكلة الخامسة: مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ

فهذه مفردات تحتاج الواحدة تلو الأخرى إلى دراسة متأنية، وهو ما سنقحم أنفسنا فيه (متى ما أذن الله لنا بشيء من علمه فيها) ، سائلين الله أن يعلمنا ما لم نكن نعلم، وأن يزيدنا علما، وأن يهدينا لأقرب من هذا رشدا، طامعين أن ينفذ إرادته ومشيئته لنا الإحاطة بشيء من علمه فيها لا ينبغي لغيرينا، إنه هو الواسع العليم – آمين.

أما ما يخص حديثنا هنا، فإننا نظن أن المشكلة الأولى هي ما يجب تناوله في هذا الطرح، وهي المشكلة الخاصة بقوله تعالى عن أيوب:

... وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ

لتكون التساؤلات هي:

- ما معنى أن أيوب قد أوتي (بأمر من الله) أهله؟

- ما معنى أن أيوب قد أوتي (بأمر من الله) أهله ومثلهم؟

- ما معنى أن أيوب قد أوتي (بأمر من الله) أهله ومثلهم معهم؟

- الخ

لو تفقدنا السياقيين القرآنيين التاليين الخاصّين بهذا النبي الكريم، لوجدنا أن حصول أيوب على الأهل قد ورد بلفظين أثنين، فقد وردة مرة بلفظ "وَآتَيْنَاهُ" كما في سورة الأنبياء:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

ومرة أخرى بلفظ "وَوَهَبْنَا" في سورة ص:

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)

ولو تدبرنا الآيات الكريمة في سياقها لوجدنا أن ذلك قد حصل بعد أن استجاب الله نداء الرجل وبعد أن كُشف الضر عنه، لتكون الصورة المبدئية التي سنحاول الانطلاق منها على النحو التالي: مس الشيطان أيوب بالنصب والعذاب قبل أن يهب الله له أهله. وبالتالي فإن الله قد وهب لأيوب أهله بعد أن كشف عنه الضر:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

السؤال: ما معنى أن يهب الله الذرية لأيوب؟

رأينا: عندما تعرضنا لمفردة "وهب" الخاصة بالذرية، وجدناها قد جاءت عند الحديث عن من كان عنده مشكلة في الإنجاب، كما في حالة إبراهيم وهو من وهب الله له إسماعيل وإسحاق على الكبر:

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)

ولو دققنا في كل السياقات القرآنية الخاصة بحصول إبراهيم على الولد لوجدناها قد جاءت بصيغة الهبة:

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ ۖ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً ۖ وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27)


ولو انتقلنا إلى زكريا لوجدنا أن المنّة الإلهية عليه كانت بأن وهب له الذرية على الكبر:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)


ولو دققنا أكثر لوجدنا أن داوود قد حصل على الذرية (سليمان) هبة من الله:

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)

وكذلك حصلت مريم على الذرية (عيسى) كهبة من الله:

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

إن ما نود أن نصل إليه هو الافتراء التالي: عندما يتحصل لبشر الذرية بطريقة الهبة، فإن ذلك الشخص يكون في وضعه الطبيعي لا يستطيع الحصول على الذرية:

نتيجة مفتراة: كان أيوب يعاني في شبابه من مشكلة في الإنجاب، فما تحصلت له الذرية.

الدليل

لو صدقنا ظننا بأن أيوب هو نفس الرجل الذي اشترى يوسف من مصر، لوجدنا السياق القرآني التالي:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

السؤال: لماذا طلب هذا الرجل من امرأته أن تكرم مثوى الغلام (يوسف)؟

جواب مفترى: نحن نظن أن طلبه هذا كان مدفوعا بواحدة من اثنتين:

1. أن ينفعهما (عَسَى أَن يَنفَعَنَا)

2. أن يتخذاه ولدا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)

السؤال: وكيف سيكون في إكرام مثوى يوسف منفعة لهما (عَسَى أَن يَنفَعَنَا)؟ لماذا يريدا أن يتخذا يوسف ولدا (أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك كان لسببين، وهما:

1. كان هناك مشكلة زوجية بين الرجل وامرأته

2. كان الرجل والمرأة لا ينجبون الأطفال

الدليل

باب المرأة والزوجة

تحدثنا عن الفرق بين أن تكون المنكوحة من النساء (الأنثى) هي امرأة أو أن تكون زوجة لناكحها (الذكر). وزعمنا الظن أن عدم وجود التوافق بين الطرفين يؤدي بأن تكون المنكوحة من النساء امرأة لناكحها كما في حالة امرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون:

ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)

فهؤلاء ليسوا أزواج لبعولتهن، وإنما صفة المرأة أقرب إلى الوصف:

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)

نتيجة مفتراة:

مادام هناك مشكلة تدعو إلى الإصلاح بين الذكر (الناكح) والأنثى (المنكوحة)، فإن الرجل يسمى بعلا والأنثى تسمى امرأة، حتى يتم الإصلاح بينهما، فإن حصل الإصلاح بينهما فإن لفظ الزوج والزوجة تصبح هي الأصح كما حصل مع زكريا. فلقد كان هناك مشكلة حاصلة بين زكريا وامرأته، فكانت عاقرا:

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5)

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)


وما أن تمت المنة الإلهية على زكريا بالذرية حتى اكتملت بأن أصلح الله له تلك المرأة فأصبحت زوجا له:

فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

السؤال: لماذا خاطب الرجل الذي اشترى يوسف من مصر من كانت في بيته على أساس أنها امرأته؟

جواب مفترى: لأن هناك مشكلة ناشبة بين الطرفين. فالعلاقة بينهما لا تتصف بالتزاوج (أي التوافق)، فكان لابد من إصلاح المرأة أو على الأقل إطفاء جذوة الخلاف بينهما.

السؤال: كيف يمكن إطفاء جذوة الخلاف بينهما؟

جواب مفترى: بأن تكرم مثوى يوسف في تلك الدار

السؤال: كيف سيحصل ذلك؟ وما فائدة أن تكرم مثوى يوسف؟

جواب: بالمنفعة. فإكرام مثوى يوسف ربما يعود بالمنفعة عليهما معا (عَسَى أَن يَنفَعَنَا)

السؤال: وكيف ستتحصل المنفعة من وراء ذلك؟

جواب مفترى: لابد بداية أن نفهم معنى المنفعة.

السؤال: ما معنى المنفعة؟

رأينا: لو رجعنا إلى السياقات القرآنية الخاصة بالمنفعة لوجدنا السياق التالي الذي يتحدث عن فرعون وامرأته:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

فعدم الإقدام على قتل موسى الطفل واتخاذه قرة عين لهما سيسبب المنفعة لهما، أليس كذلك؟

السؤال: كيف سيكون ذلك؟

جواب: نحن نظن أن ذلك سيكون بنفس الطريقة التي يسببها الخمر:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219)

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

جواب: بنفس الطريقة التي يسببها الحديد:

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)

السؤال: وكيف يكون ذلك؟

جواب مفترى خطير جدا: بتليين الصعاب.

السؤال: كيف سيكون ذلك؟

تحدثنا في الجزء الرابع عشر من هذه المقالة تحت عنوان باب المنافع عن هذه الجزئية، فمن أراد التفصيل فعليه أن يعود إلى هناك، لكننا سنعيد هنا بعض الأفهام التي افتريناها هناك لعلاقتها بفحوى النقاش هنا:

أولا، المنفعة هي ما تقابل الضر:

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ۚ وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76)

قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۖ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71)

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ ۚ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)

قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۚ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)

وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106)

قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ ۚ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ۗ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ ۚ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)

يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12)

يَدْعُو لَمَن ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِن نَّفْعِهِ ۚ لَبِئْسَ الْمَوْلَىٰ وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)

وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ۗ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)

أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73)

فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)

سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا ۚ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا ۚ بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)

ثانيا، افترينا القول بأن المنفعة منفصلة تماما عن الطعام والشراب والمركب:

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)

نتيجة مفتراة: مادام أن لنا في الأنعام منافع ومنها نأكل، ومادام أن لنا فيها منافع ومشارب، ومادام أن لنا فيها دفء ومنافع، ومادام أننا نركبها ولنا فيها منافع، فإننا نستطيع أن نفتري القول بأن المنفعة هي شيء يختلف تماما عن المأكل والمشرب والدفء والركوب، فالأكل والشرب والدفء والركوب الذي نحصل عليه من الأنعام لا يدخل ضمن نطاق المنفعة.

ثالثا، مادام أن المنفعة منفصلة عن المأكل والمشرب والمركب والدفء، فإن فرعون وامرأته (وكذلك الرجل الذي اشترى مصر وامرأته) لا يحتاجون إلى شخص يجلب له المأكل أو المشرب أو الدف أو المركبة، فهم في غنى عن الحصول على ذلك من خلال تربية طفل في دارهما. لكن بالرغم من ذلك، فإن في تربية الطفل منفعة لهما، أليس كذلك (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا

رابعا، لو دققنا في كلا السياقين، لوجدنا على الفور أن المنفعة سابقة لاتخاذ الولد في كلا الحالتين (عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)، مما يدفعنا على الفور لاستنباط الافتراء التالي: المنفعة منفصلة عن (وهي سابقة لـ) اتخاذ الولد. فاتخاذ الولد شيء والمنفعة شيء آخر وقد لا يتلاقيان.

خامسا، ظننا أن المنفعة يمكن أن تتحصل لنا من الأنعام:

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)

وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً ۖ نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21)

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73)

وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا ۗ لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80)


السؤال: فما هي المنفعة التي كان سيجنيها من اشترى يوسف (وامرأته) من تربية يوسف في بيتهما؟ وما المنفعة التي كان من الممكن أن تجنيها امرأة فرعون (وربما فرعون نفسه) من الإبقاء على حياة موسى؟ وما هي المنفعة التي نتحصل عليها من الأنعام؟ وما هي المنفعة التي نتحصل عليها من الخمر؟ وما هي المنافع التي نتحصل عليها من الحديد؟ ما الذي يجمع بين هذه كلها؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: إنها تذليل العقبات بتلين العلاقة بين الطرفين.

السؤال مرة أخرى: كيف تتحصل المنفعة؟

جواب مفترى خطير جدا جدا: بالإلانة

السؤال: كيف تتم ذلك من خلال الحديد؟

رأينا المفترى: مادام أن الحديد فيه منافع، فهو المادة التي تطوع قسوة المواد الأخرى. فالصانع الذي يحتاج أن يطوع الخشب أو الحجارة أو غيرها، لابد له من المادة التي تلين قسوة هذه المواد، ولا أنفع من الحديد لأداء هذه الوظيفة.

السؤال: وكيف يتم ذلك في حالة الخمر؟

جواب: من أجل أن يقوم الطبيب بإجراء العملية الجراحية للمريض، فلابد من استخدام المادة القادرة على تلين المريض ليسمح للطبيب من القيام بالمهمة، ولا أنفع من الخمر (المخدر) لأداء هذه الوظيفة.

السؤال: وكيف يتم ذلك في حالة الأنعام؟

جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك يتم من خلال ما في الآية الكريمة التالية:

لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)

السؤال: ما معنى ذلك؟

جواب مفترى: من أجل تليين قلوب وجلود المؤمنين وبالتالي إصلاح العلاقة بين العبد وربه فلابد من ذبح الأنعام تقربا إلى الله

(نصيحة لنفسي: كلما وجدت أن العلاقة بيني وبين ربي قد أصابها الفتور أو الخلل بما كسبت يداي، فعلي أن أذبح الأنعام تقربا إلى الله، ليلين قلبي وجلدي لذكر ربي، وبالتالي لتصلح علاقتي مع ربي)

السؤال: وكيف يتم ذلك من خلال تربية الطفل في قصر فرعون؟

جواب مفترى: كانت العلاقة بين فرعون من جهة وامرأته من جهة أخرى تتسم بالقسوة، فكان لابد من محاولة إلانة القلوب وربما الجلود حتى تصلح العلاقة بينهما. فعلاقة امرأة فرعون بفرعون كانت علاقة غير سوية ينقصها الولد وربما المحبة، وليس أدل على ذلك من دعاء امرأة فرعون ربها بالخلاص من فرعون وعمله:

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11)

وليس أنفع من ذلك من الإبقاء على حياة الطفل (موسى) ليكون قرة عين لهما معا:

وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9)

السؤال: وكيف سيتم ذلك في بيت الرجل الذي اشترى يوسف من مصر؟

جواب مفترى: نحن نفتري القول أيضا بأن العلاقة بين الرجل وامرأته كانت تتسم بالقسوة، فكان لابد من محاولة تذليل الصعاب، وليس أنفع في ذلك من إكرام مثوى الغلام عندهما:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)

نتيجة مفتراة: المنفعة في هذه السياقات القرآنية تعني (برأينا) تليين كل ما يتصف بالقسوة

نعود إلى صلب الموضوع بالافتراء التالي: كانت العلاقة بين أيوب وامرأته تتصف بالشحناء (والقسوة)، فما كان من أيوب إلا أن يحاول إصلاح تلك العلاقة، فوجد في إكرام مثوى يوسف الطريقة الأنفع:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)

كما كان عدم وجود الولد من المعوقات الأخرى التي تضيف إلى قسوة العلاقة بين الطرفين. فلو كان الرجل وامرأته من المنجبين للذرية لما دعت الحاجة أن يتخذوا يوسف ولدا:

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (25)

عودة على بدء

دعنا نعود إلى قصة يعقوب كما تصورها الآيات الكريمة قيد البحث أحسن تصوير:

وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)

وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَى لِأُوْلِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44)


لنخرج بالسيناريو الخيالي التالي: كان أيوب يعاني من مشكلة عدم الإنجاب، كما كان يعاني من مشكلة سوء العلاقة بينه وبين امرأته، وكان ذلك كله بسبب مس الشيطان. فخرج الرجل يبحث عن ما يسكن العلاقة بينه وبين امرأته، فوجد في يوسف (الغلام الذي اشتراه من مصر) منفعة لهما. فعاد به إلى البيت وطلب منها أن تكرم مثواه.

وما أن نشأ يوسف في بيت ذلك الرجل حتى حصل له التمكين في الأرض، وبالمقابل بدأت مشاكل هذا الرجل (أيوب) تنحل، فكشف عنه ضره، وبدأ منذ تلك اللحظة بالحصول على الذرية.

السؤال: كيف حصل له ذلك؟

جواب مفترى: هذا ما سنتناوله في بداية الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيق منه. سائلين الله وحده أن ينفذ مشيئته وإرادته لنا الإحاطة بشي من علمه لا ينبغي لغيرنا، إنه هو العليم الحكيم، وأدعوه وحده أن يؤتيني رشدي، وأن يجعل لي من لدنه سلطانا نصيرا، وأعوذ به أن أكون ممن يفترون عليه الكذب، أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، وأعوذ به أن يكون أمري كأمر فرعون، إنه هو الواسع العليم – آمين.


المدّكرون: رشيد سليم الجراح & علي محمود سالم الشرمان

بقلم د. رشيد الجراح

9 أيلول 2015