تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

نظرية الأمانة - الجزء التاسع

نظرية الأمانة: الجزء التاسع
كان النقاش منصبا في الجزء السابق على التفريق بين التكاثر بطريقة الخلافة (النفخ) والتكاثر بطريقة الملك (الوراثة). وحاولنا تمرير زعمنا بأنه لو بقي آدم يعيش في الجنة دون أن يقرب وزوجه تلك الشجرة التي نهاهما الله عن قربها لتم التكاثر في الجنة بطريقة الخلافة، وربما كانت الآلية مشابهة تماما لما تم في حالة المسيح عيسى بن مريم، فما كان سينشأ عن ذلك أنساب، ولعُرِف الشخص منا بذاته كما في حالة آدم والمسيح عيسى ابن مريم، ولما اضطررنا أن نكون شعوبا وقبائل لنتعارف:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
فلقد أصبحنا شعوبا وقبائل بطريقة الجعل، فنحن لم نخلق على تلك الشاكلة أصلا. لذا عندما انتقلت الذرية (نحن نتخيل) من التكاثر بطريقة النفخ (الخلافة) إلى طريقة الملك (الظهور) انتقلت الذرية جميعا من آدم (ولم تكن في ظهره) إلى ظهور أبناءه. وكان سبب ذلك كله هو تلك الشجرة التي قربها آدم وزوجه نزولا عند إرادة الشيطان ورفضا لإرادة الله ربهما الذي خلقهما.
السؤال: كيف حصل ذلك؟
للإجابة على هذا التساؤل، نجد لزاما أن نعود مرة أخرى إلى إشكالية خلق المسيح عيسى بن مريم، لنطرح التساؤل الكبير التالي: لم قضت مشيئة الله أن يُخْلَق شخصٌ كالمسيح عيسى بن مريم؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نتساءل: ماذا لو لم يُخلق المسيح عيسى بن مريم أصلا؟ هل كانت ستثار كل هذه الجلبة حول طريقة هذا الخلق المختلفة تماما عن خلق البشر جميعا (حتى آدم نفسه)؟ ألم يخلق المسيح فقط من أنثى؟ وما بال رسول رب مريم الذي تمثل لها بشرا سويا؟ لم لا نعتبر أن ذاك الرسول المتمثل لمريم بشرا سويا والذي قام بالنفخ في مريم هو والد المسيح عيسى؟ أي لم لا نفترض أن عيسى هو ابن ذلك الروح؟
هذا ما سنحاول الخوض فيه، وهدفنا الرئيس هو محاولة فهم آلية الخلق بالنفخ التي نعتقد جازمين أنها لا تؤدي إلى وجود الأنساب للتعارف على عكس طريقة الملك (بالوراثة) التي تؤدي إلى وجود الأنساب، فيكون هناك والد وهناك ولد:
وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4)
وهذه الطريقة هي طريقة الخلق في كبد. أما طريقة الخلق بالنفخ فهي طريقة الخلق التي لا كبد فيها.
أما بعد،
حاولنا في جزء سابق من هذه المقالة التمييز بين الملائكة من جهة والروح من جهة أخرى، وزعمنا أن الروح (جمع) عبارة عن كيان متعدد الكيانات المنفصلة، يشكل كل واحد منه روحا (مفرد) يقوم بوظيفة موكلة إليه. فزعمنا أن الله ينفذ قوله بإرادته في واحدة من مشيئته بتلك الروح:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)
وإِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)
مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)
وحاولنا الترويج لزعمنا بأن الله أرسل إلى مريم ابنت عمران رسولا هو "روحنا":
واذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا مريم (17)
وكانت مهمته تكمن في أن يهب لها غلاما زكيا:
قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)
وتم النفخ فيها (في فرجها) من ذلك الروح:
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ                                             الأنبياء (91)
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ                   التحريم (12)
فزعمنا القول أن شيئا من تلك الروح قد انفصلت عن ذلك الكينونة (روحنا) الذي تمثل لمريم بشرا سويا، ودخل في فرج مريم، وحاولنا تشبيه ذلك بصورة الدخان الذي يدخل في مكان ما بعد أن ينفصل عن مصدره (النار) التي جاء منها.
ولو توقفنا مع الآيات الكريمة التالية مرة أخرى، لربما وجدنا مفارقة عجيبة:
وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)  قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)   
ليكون السؤال الآن هو: من الذي وهب لمريم غلاما زكيا حسب نص الآيات الكريمة هذه؟ أليس هو الروح؟ ألم يقل لمريم (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)؟ ألا يحق لنا إذن أن نطرح التساؤل المربك التالي: من الذي يهب للناس الذرية سواء ذكورا أو إناثا ؟ أليس هو الله مصداقا لقوله تعالى؟  
لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ             الشورى (49)  
فلماذا قال ذلك الروح الذي أرسله الله إلى مريم (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا)؟ ولِم لَم يقل (ليهب الله لك غلاما زكيا)؟
جواب مفترى: لا شك عندنا إذن أن الروح يشترك في فعل الهبة، ولننظر في السياقات القرآنية الأخرى التي ورد فيها هذا الفعل (يهب)، فقد جاء في حالة إبراهيم بصيغة الجمع:
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84)
وكذلك جاء الفعل نفسه في حالة داوود:
وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (30)
وفي حالة زكريا:
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)
ولا تقتصر الهبة على الولادة بل تتعداها إلى الرسالة مثلا:
          وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)
السؤال: لماذا؟ أي لماذا يرد الفعل "يهب" بصيغة الجمع؟
جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك ربما يكمن في أن الهبة تتطلب نفاذ إرادة الله بواحدة من مشيئته، ولا يتحقق ذلك على أرض الواقع إلا من خلال الروح الذي هو من أمر ربي:
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)
وتكون الآلية على نحو ما تصوره الآية الكريمة التالية:
إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: الهبة من الله ينفذها الروح بأمر من ربه، فترد بالنص القرآني بصيغة الجمع (وَهَبْنَا)، ربما لتدل - في رأينا - على اشتراك الروح بالفعل.
ولكي نستجلي الصورة لابد من العودة إلى وقت خلق البشري الأول (آدم).
وقت خلق آدم
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ                             الحجر (29) 
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ                             ص (72) 
لنجد أن الذي قام بالنفخ في ذلك المخلوق هو الله نفسه (وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي). ولكن في حالة المسيح فقد جاء فعل النفخ بصيغة الجمع:
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ                                             الأنبياء (91)
وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ                   التحريم (12)
ربما ليدل ذلك -حسب ظننا- على أن الروح (كـ كينونة) قد اشترك في عملية النفخ في مريم. فكان هو من نفّذ مراد الله بمشيئته فيما يتعلق بالمسيح عيسى بن مريم:
ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (35)  
كما يدل على أن تلك خصوصية لم تحصل إلا في حالة عيسى وآدم فقط، لذا فهي حادثة فريدة غير قابلة لأن تتكرر.
نتائج مفتراة
1.      تم خلق آدم بطريقة النفخ وجاء النفخ مباشرة من الله، فعرف آدم بذاته فليس له نسب
2.      تم خلق المسيح بطريقة النفخ وجاء فعل النفخ من رسول رب مريم الذي وهب له غلاما زكيا (وهو روحنا)، فعرف المسيح بذاته ولم يكن له نسب
3.      جاء خلق الناس من ذكر وأنثى وجعلوا شعوبا وقبائل ليتعارفوا، فأصبح لهم أنساب:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)
وهنا ربما تكمن الإجابة على السؤال الذي طرحناه سابقا والذي مفاده: ما دلالة عبارة (عِنْدَ اللَّهِ) في الآية (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)؟
وربما يرشدنا مثل هذا الطرح إلى أنه ما أن حصل ذلك النفخ في آدم وفي عيسى حتى أصبحا بشرا خالصا، ولم يكونا من الناس، فاكتسبا من الصفات البشرية ومن القدرات الفريدة التي لم تتحصل لغيرهما من البشر، نذكر منها اعتمادا على ما جاء في سلسلة: كيف خلق الله عيسى بن مريم؟ ما يلي مع التصرف:
1-    لم يمكث عيسى في بطن أمه سوى ليلتين ويوم واحدة 
فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا (23)
فالذي تمثل لها بشرا سويا جاءها في الحجاب (مكان نومها) في الليلة الأولى، فوهب لها غلاما زكيا، وفي الصباح الباكر خرجت مريم بعد أن دخل عليها زكريا وسألها عن ما في بطنها:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
فزكريا هنا يشير إلى ما في بطن مريم (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا)، فترد عليه على أنه من عند الله (قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ)، وهنا تخرج مريم متجهة إلى مكان قصيا (مكان المسجد الأقصا) لتضع مولودها المسيح هناك. فتضعه في تلك الليلة وتبيت هناك حتى الصباح حيث تقفل راجعة إلى محرابها لتأتي به قومها تحمله.
2-    لم يأكل عيسى طعام أهل الأرض قط، بل كان يأكل مما ينزله الله له من رزق من السماء فقط:
فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا          مريم 26
3-    كلم عيسى الناس في المهد
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا  (29)  قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)  مريم
4-    ولد عيسى صبيا ولم يولد طفلا – أي لم يمر بمرحلة الطفولة مطلقا:
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا                                                       مريم 29
وسنحاول أن نثير بعض هذه النقاط التي نظن أن لها علاقة مباشرة بفحوى الموضوع الذي نتحدث عنه هنا وهو قضية الروح في الخلق بالنفخ. ولنبدأ بالتساؤل التالي: ما دلالة وجود عبارة عند الله في الآية الكريمة التي تبرز التشابه الجزئي بين عيسى وآدم؟
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
للإجابة على هذا التساؤل ظننا سابقا في مقالتنا عن خلق عيسى بن مريم أنه لابد من العودة إلى الآية الكريمة التالية التي تصور ما قالته مريم في يوم من الأيام لزكريا وهو الذي كفلها في المحراب:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
فحاولنا تسويق ظننا في سلسلة كيفية خلق عيسى بن مريم المتمثل باستحالة أن يكون اسم الإشارة (هَذَا) يعود على الطعام كما ظن السادة العلماء أهل الدراية من قبلنا، وذلك لسببين اثنين على الأقل:
1.      يستحيل أن زكريا كان يسأل مريم السؤال نفسه كلما دخل عليها المحراب (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً      قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) كما يستحيل أن يكون رد مريم (إن كان هذا ما قصده زكريا في كل مرة) هو الرد نفسه في كل مرة أيضا. فهل تتخيل – عزيزي القارئ- أن زكريا كان سيسأل مريم عندما يدخل عليها المحراب ليجد عندها الرزق السؤال: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا في كل مرة؟ وهل تتخيل إذا سألها هذا السؤال في المرة الأولى والثانية والثالثة، الخ. هل سيكرر السؤال نفسه كلما دخل عليها المحراب؟ ألا يصبح ذلك أمرا مملا؟ ألا ترى أن مثل هذا الفهم ربما يصور زكريا ويكأنه شخص فاقد الذاكرة؟ من يدري؟!!!
رأينا: كلا وألف كلا، فنحن نظن بأنه لو حصل وسأل زكريا مريم عن ذلك الطعام (الرزق) لما كان سيسألها أكثر من مرة أو مرتين أو حتى ثلاث مرات على أكثر تقدير. لذا لابد من طرح السؤال التالي: ما معنى سؤال زكريا لمريم يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ فإلى ماذا كان يشير زكريا في تلك اللحظة عندما استخدم اسم الإشارة (هَذَا): إلى الرزق أم إلى شيء آخر؟ من يدري؟!!!
2.      لو تفقدنا رد مريم على سؤال زكريا لوجدناها ترد بالصيغة التالية : قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ؟ ليكون السؤال التالي على الفور هو: لماذا استخدمت الضمير هُوَ؟ لِم لَم تقل شيئا كهذا (إنه من عند الله) ؟ فهل يمكن أن نتحدث عن الطعام باستخدام الضمير "هُوَ"؟ من يدري؟!!!
رأينا المفترى من عند أنفسنا: نحن نعتقد أن الآية الكريمة يجب أن تقرأ – وليعذرنا السادة العلماء أهل الاختصاص في القراءات القرآنية على ظننا هذا- بالوقف التام بعد مفردة رِزْقاً. لتصبح علامات الوقف التام (م) واجبة على الآية على النحو التالي:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً  م     قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
لتكون الصورة (إن صح ظننا هذا) التي حصلت على أرض الواقع على النحو التالي: يدخل زكريا المحراب على مريم فيجد عندها الرزق، فيسألها عن مصدره فتخبره بأنه من عند الله، ولكن هذا السؤال (إن حصل فعلا) لم يكن ليتكرر كثيرا من زكريا، فـ لربما سأل زكريا مريمَ مثل هذا السؤال مرة أو اثنتين، فأصبح زكريا يدرك أن كل رزق يجده عند مريم في محرابها هو من عند الله، لذا لم يكن زكريا بحاجة أن يكرر السؤال نفسه كلما دخل عليها المحراب ووجد عندها رزقا، ولا أظن أن مريم كانت ستجيب بنفس الصيغة لو أن زكريا كان يكرر السؤال نفسه في كل مرة كان يدخل فيها عليها المحراب، لذا لابد أنه قد أصبح من المعلوم عند زكريا أن مريم يأتيها رزقها من عند ربها في محرابها. ليكون السؤال الآن على النحو التالي: على ماذا كان يشير زكريا عندما سأل مريم (يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذاَ
رأينا المفترى الخطير جدا جدا: نحن نظن أن زكريا كان في تلك المرة على وجه التحديد قد سأل مريم عن بطنها الذي انتفخ بالحمل
تخيلات مفتراة: نحن نتخيل زكريا يدخل على مريم المحراب كل يوم ليتفقد رزقها، وليقيم الصلاة فيه:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)
ولا ننسى أن مريم نفسها كانت مأمورة أن تركع مع الراكعين في ذلك المحراب:
يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)
فكان يجد زكريا عندها الرزق الذي يأتيها من السماء، لذا أصبح زكريا يعي تماما مصدر هذا الرزق الوافر عند مريم، فلم يحاول زكريا (نحن نفتري القول) أن يطلب من مريم شيئا من ذلك الرزق لنفسه أو لغيره، لأنه يعلم أن هذا رزق خاص بمريم لا يحق لغيرها أن يأكل منه، وفي واحدة من المرات (نحن لا زلنا نتخيل) يدخل زكريا المحراب على مريم وكان أول ما شدّه فيما رأى في تلك المرة هو انتفاخ بطن مريم بالحمل، فيستغرب تماما مما يجد من أمر مريم، فهو قد تركها البارحة لا حمل فيها، وها هو يعود إليها اليوم وقد انتفخ بطنها بالحمل ويكأنها امرأة في شهرها التاسع، فالبطن منتفخ جدا، ويكأنها على وشك أن تضع ما في بطنها، فيصعقه المشهد، فما يكون منه إلا أن ينطلق لسانه على الفور بالسؤال التالي: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذاَ؟ مشيرا (نحن نظن) إلى ما في بطنها.
فما يكون من مريم إلا أن تستخدم الضمير هُوَ الذي يدل على العاقل (كما يرغب أهل اللغة أن يسمونه)، وتضيف إليه عبارة "مِنْ عِندِ اللّهِ". ولو حاولنا أن نربط هذا التركيب (هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ) الذي ورد في هذه الآية الكريمة مع ما جاء في الآية الكريمة الأخرى التي تتحدث عن التشابه الجزئي بين عيسى وآدم لوجدنا التطابق الذي يسلب الألباب. وانظر – إن شئت- في الآيتين معا، مركزا على ما وضعنا تحته خط:
... قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
نتيجة مفتراة: لقد كان عيسى بن مريم من عند الله ولكنه لم يكن من الله. فما الفرق؟
أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ اللّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا (79)
ليصبح لزاما علينا التفريق بين ما هو من الله وما هو من عند الله. وليكون عيسى بن مريم من عند الله، لينفي بذلك كليا أن يكون عيسى بن مريم من الله، لأنه لو كان كذلك، أي لو كان عيسى بن مريم من الله، لصحّ أن نقول بأنه ولد الله، ولكن لما كان عيسى بن مريم من عند الله، لذا يستحيل أن يكون ولد الله: فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؟
نتيجة: كان عيسى بن مريم كما جاء على لسان مريم من عند الله: قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ
نتيجة: كان عيسى بن مريم كما جاء التأكيد الرباني على ذلك من عند الله: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
ثانيا: نحن نظن أن عيسى بن مريم لم يمر بمراحل الخلق التي مر بها الناس أجمعون (نطفة- علقة - مضغة):
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ                                                                            غافر (67) 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ       الحج (5)
ونحن نظن أن السبب في ذلك يعود إلى أن من مر بهذه المراحل فلابد أن يكون له أب. وهذا يستحيل أن يكون قد حدث في حالة المسيح عيسى الذي هو كلمة الله وروح منه. وهذا فرق جوهري (نحن نظن) بين الخلق بالنفخ (الخلافة) والخلق بالوراثة (الملك).
ثالثا، نحن نزعم الظن بأن عيسى لم يمر بمرحلة الطفولة أيضا
السؤال: لماذا لا يمكن أن يكون عيسى بن مريم قد مر بمرحلة الطفولة؟
جواب مفترى: لوجود نفخة من روح الله فيه، لذا يستحيل أن يمر بمراحل الضعف والقوة التي نمر بها نحن من خلقنا من النطاف:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ                                                                                                                الروم (54)
كما يستحيل أن يكون عيسى بن مريم قد مر بمرحلة النسيان التي مررنا بها نحن من مكثنا في بطون أمهاتنا شهور تسعة، فخرجنا لا نعلم شيئا:
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ                   النحل (78) 
نلاحظ في مجموع هذه الآيات الكريمة بأن أول مراحل الحياة بعد الولادة (بعد الخروج من بطون أمهاتنا) هي مرحلة الطفولة (فالطفل يخرج من رحم أمه عند الوضع )، ولو حاولنا تفقد صفات هذا المخلوق في تلك اللحظة لوجدنا أنها الضعف – عدم معرفة أي شيء – عدم القدرة على فعل أي شيء – الاعتماد الكلي على غيره في كل شيء
السؤال: فهل كان المسيح ابن مريم كذلك عندما وضعته أمه؟
رأينا: كلا وألف كلا. فلقد خرج المسيح صبيا، متكلما بما أتاه الله الكتاب، وجعله نبيا وجعله مباركا، وأوصاه بالصلاة والزكاة، وبرا بوالدته مادام حيا، ولم يكن جبارا شقيا:
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا   (33)
وبناء عليه فإننا نفتري القول بأن المسيح ابن مريم لم يمر بمرحلة الطفولة مطلقا ولا ينبغي له، وذلك مرده إلى أن فيه نفخة من روح الله، ومن كان به نفخة مباشرة من روح الله فقد صار قويا (ليس ضعيفا) عالما (ليس جاهلا) وزكيا (لا شيء من الحرام فيه).
الخلق بالملك (الظهور)
الخلق بالنفخ (الوراثة)
-        تراب هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ
-        نطفة – علقة – مضغة ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ
-        الطفولة ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا
-        الأشد ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ
-        الشيخوخة ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا
-        تراب إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ
-        لا    ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ
-        صبيا قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
-        كهلا وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً
-        لا
الخلق بالظهور (الملك)
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ                   النحل (78) 
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)
الخلق بالنفخ (الخلافة)
إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (59)
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (46)
إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (110)
الدليل
لو دققنا النظر في دقة التعبير القرآني لوجدنا أن القرآن يصور حالة المسيح في تلك اللحظة التي أتت به أمه قومها تحمله على أنه كان صبيا:
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
ولو عقدنا مقارنة مع يحيى (ابن زكريا) لوجدنا أن يحيى قد أخذ الكتاب بقوة وآتاه الله الحكم وهو لازال صبيا:
يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
السؤال: فهل أخذ يحيى الكتاب في اللحظة التي خرج فيها من بطن أمه؟ وهل آتاه الله الحكم في تلك اللحظة؟
رأينا: كلا وألف كلا، وذلك لأن يحيى قد خرج من بطن أمه طفلا، ثم انتقل بعد ذلك إلى مرحلة أن يكون صبيا. ولكن المفارقة في حالة المسيح عيسى ابن مريم تكمن في أنه خرج من بطن أمه صبيا مباشرة، فما مر بمرحلة الطفولة التي من أهم خصائصها الضعف وعدم العلم.
لقد أدرك بنو إسرائيل في تلك اللحظة هذه الحقيقة، فالغلام الذي تحمله مريم ليس بطفل وإنما هو أكثر نضوجا من الطفل، فهو صبيا.
الدليل
نحن نعلم من مشاهداتنا اليومية استحالة تمييز جنس المولد (ذكرا كان أم أنثى إذا كان لازال طفلا حديث الولادة. ونحن ندعو كل من يجادل أن يذهب بزيارة إلى أحد مستشفيات الولادة ليرى بأم عينه كيف يلبسون الطفل الذكر شيئا من اللباس ذات اللون الأزرق بينما يلبسون الطفلة الأنثى شيئا من اللون الوردي لتمييز الجنس للناظر. ولكن ما هي إلا أشهر قليلة وربما لا تتعدى السنة الأولى من العمر حتى يستطيع الناظر تمييز الذكر عن الأنثى من المواليد الجدد. وهناك نحن نظن تبدأ مرحلة الصبا. إنها المرحلة (نحن نظن) التي يمكن أن تميّز فيها جنس المولود من شكله.
ولو أمعنا في ردة فعل بني إسرائيل لوجدنا أنهم لم يجدوا كثير عناء في تحديد جنس من أتت مريم به قومها تحمله، لقد انطلق لسانهم على الفور بالقول بأنه صبي (وليس أنثى):
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
لذا، نحن نظن بأن المشهد كان على النحو التالي: تأتي مريم بعد وضعها ولدها عيسى تحمله في مهده، فيقابلها القوم من بني إسرائيل، فيسألوها عن ما جاءتهم به تحمله، فينكرون عليها فعلتها تلك:
          فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)
مستذكرين لها في الوقت نفسه تاريخ أبيها وأمها من قبل:
يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)
فما صدر من مريم أكثر من إشارة إليه:
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ...
فمريم لم تحاول أن تنطق بكلمة واحدة تشير إلى ما في داخل المهد، فما يكون من القوم إلا أن ينظروا ما في المهد بأنفسهم، ليجدوا أنه صبيا (أي يستطيعون تحديد جنسه) بمجرد النظر إليه. وانظر – إن شئت تتمة الآية السابقة نفسها:
... قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه لما نظر القوم في المهد بأم أعينهم لم يروا طفلا حديث الولادة عمره يوما أو بعض يوم فقط، ولكنهم يرون صبيا يانعا وجيها مكتمل الصورة والشكل الذي يبين دون أدنى شك جنسه (صَبِيًّا) ، فيقولون بلسان حالهم جميعا إنه ليس طفلا بل صبيا (صَبِيًّا).
رابعا، نحن نظن أن المسيح ابن مريم لم يبلغ مرحلة الشيخوخة نهائيا، فمادام أن عيسى لم يبدأ مراحل حياته بالضعف (الطفولة) فلن تنتهي إلى الضعف (الشيخوخة):
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67)
 فلابد لمرحلة الشيخوخة (الضعف الأخير) أن تكون قد بدأت بمرحلة الطفولة (الضعف الأول) ، وإذا لم تكن هذه، فلن تكون تلك (نحن نظن طبعا).
الدليل
لو تفقدنا النص القرآني كله لوجدنا - كما أشرنا في سلسة مقالاتنا عن خلق عيسى- أن المسيح ابن مريم لم يكلم الناس من حوله (بني إسرائيل) سوى مرتين فقط : (1) في المهد و(2) كهلا:
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ                                                               آل عمران (46) 
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ                       المائدة (110)  
مفردة ( كهل )
عند البحث و التنقيب عن هذه المفردة في النص القرآني و جدنا ما يلي :
1-    لم تذكر هذه المفردة سوى مرتين فقط  في الآيتين السابقتين، و ليس لها أي ذكر أو اشتقاق أو تصريف آخر في آية أخرى
2-    لم تذكر هذه المفردة سوى للمسيح عيسى بن مريم حصرا
و بالبحث في قواميس اللغة لمعرفة معناها و جدنا اختلافات كبيرة ، مثل جاوز سن الشباب و لم يصل للشيخوخة أو الرجل في عمر ( 30 -50 ) سنة ، أو الرجل الذي خطه الشيب من عمر ( 34 – 60 ) سنة ، أو من عمر ( 30 – 40 ) سنة ، و هذا كله ديدن من يعتمد على المرويات و التراث لفهم كلام الله. و لكن باعتمادنا فقط على ما جاء في كتاب الله وجدنا عند البحث عن مراحل حياة الإنسان في القرآن بأنه لا ذكر مطلقا لما يسمى ( مرحلة الكهولة أو الكهل)، فمراحل حياة الناس جميعا في الكتاب تصورها الآيات الكريمة التالية:
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ                                                                                                                             البقرة (233)
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ       الحج (5) 
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ                                                القصص (14) 
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ                                                                                                                          الروم (54) 
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ                                                                                      غافر (67) 
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ                                                                                                  الأحقاف (15)  
و بعد النظر في كل هذه المراحل العمرية المفصلة في كتاب الله، نحن نفتري الظن بأن مفردة (كهلا) لا تعني بأي حال من الأحوال أي من هذه المراحل العمرية من عمر الإنسان التي جاءت في كتاب الله. ولما كانت هذه المفردة قد ارتبطت حصرا بالمسيح عيسى بن مريم ، تأكد لنا صحة هذا الظن الذي أوضح لنا معناه عندما زعمنا في مقالاتنا السابقة أن "كهلا" تعني الفترة الزمنية التي قام فيها المسيح عيسى بن مريم بنشر تعاليم الشريعة الجديدة وهو يسمى عند أهل الديانة النصرانية بفترة (الكرازة).
لتكون المراحل العمرية للإنسان  كما شرحناها في مقالة من هي زوجة موسى؟ ) هي :
1-    مرحلة الطفولة    (ثُمَّ يخْرِجُكُمْ طِفْلًا)   غافر 67
2-    مرحلة بلوغ الأشد  (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)   غافر 67
3-    مرحلة الشيخوخة    (ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا) غافر 67
و هناك – لا شك- تقسيمات فرعية بين هذه المراحل الرئيسة، و لكن أكثر الذي يهمنا هنا هو مرحلة بلوغ الأشد (ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)، التي نحاول أن نربطها بكهولة المسيح ابن مريم. فمرحلة بلوغ الأشد (بَلَغَ أَشُدَّهُ) تبدأ – نحن نظن- بعد مرحلة بلوغ النكاح، ليكون الشخص الذي بلغ أشده قد أقترب من سن (20) عشرين سنة (كما في قصة يوسف )
ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)  وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)                                   يوسف 22 - 23
وبالإضافة إلى هذه، فهناك مرحلة بلوغ أشده مع الاستواء كما في حالة موسى:
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)
وهناك أيضا مرحلة بلوغ الأشد في الأربعين من العمر كما في حالة الإنسان الموصى بوالديه إحسانا:
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
لتكون مرحلة بلوغ الأشد منقسمة إلى ثلاث مراحل هي – كما افتريناها حينئذ من عند نفسه – على النحو التالي:
1-    مرحلة بلغ أشده  : هي مرحلة سن العشرين سنة من العمر
2-    مرحلة بلغ أشده و استوى :  هي مرحلة سن الثلاثين سنة من العمر
3-    مرحلة بلغ أشده و بلغ أربعين سنة : هي مرحلة سن  الأربعين سنة من العمر
السؤال المفترى: إذا كانت مرحلة الكهولة بالنسبة للمسيح عيسى – كما نظن – هي فترة قيامه بوظيفته في نشر التعاليم والرسالة والشريعة في بني إسرائيل (أي سن الكرازة)، فهل يمكن تحديد عمر المسيح عيسى عند هذه الفترة؟
رأينا: لمّا لم ترد مفردة (كَهْلًا) إلا خاصة بالمسيح ابن مريم، حاولنا البحث و التنقيب في النص القرآني عن ما يمكن أن يسعفنا في فهم هذه المفردة، فوجدنا مفردة أخرى – نحن نظن –يمكن أن تفيدنا في تحديد عمر المسيح عيسى عندما كان كهلا، ألا وهي مفردة "وجيها"
باب : وجيها
لم ترد هذه المفردة (وَجِيهًا) في النص القرآني إلا في سياقين، كان أحدهما خاصا بالمسيح ابن مريم:
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ                                                                                                                    آل عمران   (45)
وجاءت مرة أخرى خاصة بموسى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا                      الأحزاب (69) 
ليكون السؤال إذن هو: لماذا قال الله عن عيسى أنه (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) وعن موسى  أنه (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) ؟ فما وجه الشبه؟ وما الفرق بينهما إذن ؟
الجواب : بعيدا عن ما جاء في كتب التراث عن هذه المفردة، فمن شاء أن يأخذ من ذلك العلم الغزير فلينبش بنفسه عنه فهو موجود في أماكن كثيرة سهل الوصول إليها.
أما نحن، فإننا نظن – مفترين القول من عند أنفسنا- بأن مفردة (وجيها) ربما تحمل في ثناياها الافتراض التالي : الهيئة (أي الشكل) التي لا تتغير حتى مع مرور الزمن، أي أن هيئة الإنسان تبقى ثابتة على الدوام، لا تتغير بفعل تأثير عوامل الزمن فيها.
الدليل
لاحظ عزيزي القارئ أن عيسى (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) ، بينما موسى (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا)، ليكون السؤال الحتمي هو: ما الفرق بين وجاهة عيسى من جهة ووجاهة موسى من جهة أخرى؟
لنبدأ بوجاهة موسى، فنحن نفتري الظن بأن وجاهة موسى قد كانت عند الله (وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا)، أليس كذلك؟ فمتى إذن حصلت؟
افتراء خطير جدا من عند أنفسنا: نحن نظن أن وجاهة موسى قد حصلت بعد حصول أمر جلل حدث لموسى، ألا وهو حادثة "الصعق"
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ            الأعراف (143)  
توضح الآية الكريمة أن موسى قد خر صعقا بعد أن رأى الجبل الذي دك بسبب التجلي الإلهي له، ليكون السؤال الآن هو: ما معنى أن يكون موسى قد صعق؟
جواب مفترى خطير جدا جدا لا تصدقوه: نحن نظن أن موسى قد مات بسبب تلك الصاعقة
الدليل
ها هم قوم موسى يطلبون من نبيهم موسى نفسه أن يريهم الله جهرة:
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً...
فما وجد موسى بدّا – نحن نظن- من الإذعان لطلبهم هذا، فيختار سبعين رجلا لميقات ربه:
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِّمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاء مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)
فما يكون من هؤلاء إلا أن يذهبوا لميقات رب موسى لينظروا إليه، فما الذي حصل؟
جواب: أخذتهم الصاعقة، وانظر - إن شئت - في تتمة الآية السابقة:
... فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55)
تخيلاتنا: طلب بنو إسرائيل من نبيهم موسى أن يروا الله جهرة، فما كان الله ليرد طلبهم، ولما جاءوا لميقات ربهم، نظر بنو إسرائيل إلى ربهم ليتجلى لهم، فجاءهم ربهم في ظلل من الغمام:
هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (210)
وما أن بدأ الغمام يتجلى، حتى حصلت الصاعقة، فتجلي الغمام يكون (نحن نفتري القول) مصحوبا على الدوام بحصول الصاعقة، وهناك كان النفر من بني إسرائيل ينظرون إلى تجلي الغمام حتى أخذتهم الصاعقة المصاحبة له:
... فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55)
ولكن ما الذي حصل بعد ذلك، أي بعد أن أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون إلى التجلي الإلهي؟
جواب: لا شك أنهم قد ماتوا جميعا بدليل أن الله قد بعثهم من موتهم بعد ذلك، وظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى:
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (55) ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57)
(للتفصيل في هذا الموضوع انظر مقالة د. رشيد الجراح تحت عنوان: صلات قرابة: نوح وإبراهيم وموسى)
ولو تدبرنا السياقات الخاصة "بالصعق" لوجدنا أنها ملازمة للموت ثم البعث بعد ذلك، وليس أدل على ذلك مما سيحصل عندما ينفخ في الصور:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ الزمر (68) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ                                                                  الطور  (45)
لكن يبقى التساؤل التالي قائما: ماذا حدث بعد أن (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) ؟
جواب: لقد أفاق:
... وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)
نتيجة: من يصعق، فلا بد أن يفيق من الصعقة، وهذا بعث من بعد الموت.
السؤال: ما علاقة ذلك بوجاهة موسى؟
رأينا: في تلك اللحظة التي أفاق فيها موسى من موته، وكان ذلك عند الله (أي عندما تجلى الله للجبل في حضور موسى) اكتسب موسى شيئا من ذلك النور الإلهي، فما عاد جسمه أو شكله سيغيره عوامل الزمن. فجاءت التبرئة الإلهية جلية لموسى لتكذب كل من آذى موسى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)
ولم يتوقف الكرم الإلهي على موسى عند هذا الحد، وإنما زاده بأن
اصطفاه على الناس  (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ)
أعطاه الرسالة           (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي)
اصطفاه بكلامه       (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي)
كتب له الألواح       (وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ)
الدليل
وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ  (143)  قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)                            
السؤال: متى تمت نعمة الله على موسى بالكتابة له في الألواح وبالاصطفاء على الناس بالرسالة وبالكلام؟ أي في أي مرحلة عمرية حصل ذلك كله؟
رأينا: لو راجعنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن الله قد آتى موسى الحكم والعلم عندما بلغ أشده واستوى (أي بلغ الثلاثين من العمر – كما زعمنا سابقا):
ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)                                                                   القصص 14 – 15
ولو راجعنا الآية الكريمة التالية، لوجدنا أن موسى قد لبث بعد ذلك ما يقرب من العشر سنين في أهل مدين يرعى الغنم عند من أنكحه إحدى ابنتيه:
قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ  (27)  
خرج موسى من هناك وسار بأهله متجها إلى الأرض المقدسة من جديد، الأمر الذي يدفعنا إلى الظن بأن موسى قد قارب الأربعين سنة من العمر عندما قضى الأجل في مدين وقفل عائدا من هناك:
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ  (28) فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ  (29)                                                                                         القصص 27 – 29
وهناك قابل ربه في الواد المقدس، فأرسله وأخاه هارون إلى فرعون:
اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)
فلبث هناك بعض الوقت، حتى استطاع (بتأييد من ربه) أن يخرج ببني إسرائيل من أرض مصر، وهناك كانت نهاية فرعون:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
وهناك بدأ ميقات موسى مع ربه، فذهب للميقات، و حدثت الصعقة، واصطفاه بالرسالة وبالكلام، وكتب له في الألواح:
وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ  (143) قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)  وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِّكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)               الأعراف 141 - 145
السؤال: كم كان عمر موسى حينئذ؟
رأينا: لا شك أن موسى قد دخل مرحلة الاستواء والأربعين سنة من العمر ( 40 سنة )
لننتقل الآن إلى وجاهة عيسى. ليكون السؤال على النحو التالي: لماذا كان عيسى فقط (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
رأينا: إذا كانت وجاهة موسى قد حصلت بسبب تلك الصاعقة، وإذا كانت قد حصلت عندما آتاه الله الكتاب وحصل له الاصطفاء بالرسالة وبالكلام، فإن وجاهة المسيح ابن مريم قد بدأت منذ اللحظة الأولى لولادته وحتى وفاته. فالمسيح هو كلمة الله وروح منه:
إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ                                                                                                 آل عمران    (45)  
لذا يستحيل أن تؤثر عوامل الزمن بتلك الكلمة، فكان وجيها في هيئته. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، لأن المسيح قد بدا بالتبشير بالرسالة الجديدة التي وكله الله بها منذ اللحظة الأولى التي تكلم فيها مع من هم حوله:
قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)
فكان وجيها في رسالته.
ويمكن لنا أن نستنبط مما سبق ظننا المفترى التالي:  لما كان موسى قد اصطفاه الله برسالاته وكلامه وكتب له في الألواح بعد أن وصل (وربما تجاوز بقليل) سن الأربعين من العمر، فإن الظن يميل عندنا إلى أنه السن نفسه الذي بدأ فيه المسيح عيسى بن مريم نشر دعوته وتعاليم الشريعة الجديدة إلى بني إسرائيل، خاصة للحواريين الذي أوحى الله لهم أن يؤمنوا برسوله. فتكون "الكهولة" هي الفترة التي وصل فيها المسيح إلى عمر  (بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)، فمن بلغ سن الأربعين من العمر، فهو من يتلفظ بحق الوالدين عليه:
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
وها هو المسيح يبر بوالدته مادام حيا:
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)
وربما يؤكد زعمنا هذا التشابه بين المسيح عيسى بن مريم من جهة والنبي محمد من جهة أخرى فيما يخص مفردة وردت في كتاب الله في سياق حديث المسيح ابن مريم بالبشارة بالرسول الذي سيأتي من بعده (وهو أحمد):
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ                                                             الصف    (6)
فكان الرسول محمد مبشرا :
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا                                                           الفرقان (56) 
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا                                 الأحزاب  (45)
إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا                                              الفتح (8) 
وكذلك كان عيسى بن مريم مبشرا
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ                                                             الصف  (6)
نحن نظن بأن هذا مما يمكن أن نسوقه لتأكيد زعمنا السابق بأن المسيح عيسى كان في سن الأربعين من العمر ( 40 سنة ) عندما بدأ بتعليم الحواريين من حوله تعاليم الدين الجديد، و كذلك كان النبي محمد عندما بدأ دعوته في سن الأربعين من العمر (40 سنة) ، أي كان مبشرا عندما (بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)
الخلاصة: إن التكاثر بالخلافة يتحصل بطريقة النفخ، فلا يمر المولود بمراحل الخلق التي نعرفها وهي التراب والنطفة والمضغة المخلقة وغير المخلقة والاستقرار في الأرحام (تسعة أشهر) ثم الخروج طفلا ثم بلوغ الأشد وأخيرا الشيخوخة، فيبدأ ضعيفا وينتهي ضعيفا:
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ       الحج (5) 
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ                                                القصص (14) 
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ                                                                                                                          الروم (54) 
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ                                                                                      غافر (67) 
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ                                                                                                  الأحقاف (15)
ولكن التكاثر بالخلافة (النفخ) لا يمر إلا بمراحل ثلاث فقط وهي:
-        التراب
-        الصِبا
-        الكهولة
والله أعلم          
المدّكرون
رشيد سليم الجراح                               محمد عبد العزيز السيسي              علي محمود سالم الشرمان
بقلم.     د. رشيد الجراح    &        م. مح
مد السيسي