تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يوسف 26: اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا (3)




قصة يوسف 26: اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا (3)



السؤال: أين ذهبت تلك العصا؟

جواب: لقد انتهت إلى حيث انتهى هذا القميص.

السؤال: وأين انتهى هذا القميص؟

جواب مفترى: نحن نظن أن تلك العصا وهذا القميص كانا إرث النبوة العظيم الذي وصل إلى يوسف من عند جده الأول إبراهيم عن طريق آباءه إسحق ويعقوب:


وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (38)


وأظن أن الجدارية التالية التي وصلتني من عند صاحبي عالم الآثار المصري عصام درويش (من مؤلفات العالم المصري أسامة السعداوي) تظهر لنا إبراهيم يلبس ذلك القميص ويحمل تلك العصا:


ولهذه الجدارية وأمثالها من أرض مصر الخالدة قصة طويلة سيرويها لنا الأخ الكبير عصام درويش في مقالات لاحقة إن شاء الله. فالله أسأل أن يعلمني وأخي عصام ما لم يعلم أحدا من خلقه وأن يأذن لنا الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيرنا، إنه هو الواسع العليم – آمين.

السؤال: كيف وصلا (هذا القميص وتلك العصا) إلى يوسف؟

رأينا: كنا قد تحدثنا سابقا عن القميص، مفترين الظن من عند أنفسنا بأن يعقوب هو من ألبس يوسف ذلك القميص كجزء من ميراث النبوة يوم أن أرسله مع إخوته ليرتع ويلعب:

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12)

(للتفصيل انظر الأجزاء السابقة)

فاحتفظ يوسف بذلك القميص، ولم يطلع عليه أحد، حتى رأته يوما التي هو في بيتها وهو يلبسه، فراودته عن نفسه لما رأته من أمر هذا القميص، الذي كان يظهر فيه يوسف ويكأنه ملك كريم:

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)

وهو في ظننا كان السبب الذي دفع بالنسوة اللاتي جئن متحديات امرأة العزيز أن يقعن في الفخ نفسه:

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

فكان ذلك القميص هو برهان ربه الذي حال بينه وبين الوقوع في الفاحشة:

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)

حتى كان اليوم الذي أخرجه على العلن، ليذهب به بعض إخوته ليلقونه على وجه أبيه ليرتد بصيرا، فأشار إليه يوسف بصيغة التحديد مستخدما اسم الإشارة هَذَا:

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

فعاد الإخوة يحملون هَذَا القميص، وما أن فصلت العير حتى وجد يعقوب ريح يوسف:

وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ (94)

وما أن ألقى البشير منهم هَذَا القميص على وجه يعقوب حتى ارتد بصيرا:

فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96)

السؤال: لماذا ارتدّ يعقوب بصيرا بمجرد أن ألقي البشير هَذَا القميص على وجهه؟

رأينا: لأن هَذَا القميص من مقتنيات الجنة نفسها.

السؤال: وما علاقة ذلك بمقتنيات الجنة؟

باب: هَذَا القميص و تِلْكَ العصا

إن المدقق في السياق القرآني الخاص بالقميص يجد أن اسم الإشارة الذي استخدم معه هو هَذَا (وهو اسم الإشارة الذي يدل على القريب كما يحب أهل اللغة أن يفهمونا):

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

السؤال: لماذا استخدم اسم الإشارة هذا في سياق الحديث عن القميص؟

جواب لغوي: ليدل على القرب، فالقميص خاص بيوسف وهو لازال بين يديه، أليس كذلك؟

رأينا: هذا لا شك رد جميل لولا أن هناك سؤال آخر لابد أن يطرح على الفور خاص بالعصا، وانظر السياق القرآني قبل طرح السؤال:

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18)

السؤال: لماذا استخدم الإله اسم الإشارة تلك (الذي يدل على البعد) في إشارته إلى العصا؟ أليس الله قريب منا؟

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)

أليس الله أقرب إلينا من حبل الوريد؟

وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)

أليس الله أقرب إلينا من أنفسنا:

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لَّا تُبْصِرُونَ (85)

بعيدا عن التأويلات المجازية التي سيتحفنا بها أهل اللغة والشريعة من سادتنا أهل علم في الرد على تخريصاتنا هذه، يبقى السؤال التالي قائما: هل الله قريب أم بعيد مكانيا عنّا؟

رأينا المفترى: إذا ما تخلّينا عن التحليق في عالم المجازات والاستعارات، وحاولنا فهم الحقيقة كما هي فعلا (فالله هو الحق – انظر مقالتنا تحت عنوان: جدلية الحقيقة والمجاز)، فإن الحاجة ستكون ملحّة لجلب السياقات القرآنية التالية التي تتحدث عن القرب والبعد في القرآن الكريم، ولتوضيح الفكرة فسنحاول تقديم مثال واحد هنا نظن أنه له علاقة بفحوى الموضوع قيد النقاش، ألا وهو مثال الشجرة التي نهى الله آدم وزوجه عن الاقتراب منها. فدعنا ننظر إلى السياق القرآني الذي يتحدث عن الشجرة قبل الوقوع في العصية:

وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (35)

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)

ثم انظر بعد ذلك إلى السياق القرآني الخاص بالشجرة نفسها بعد أن أكلا منها (أي بعد الوقوع في المعصية):

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)

ألا تجد - عزيزي القارئ- أن هناك تغيرا في استخدام اسم الإشارة قد حصل؛ فبعد أن كان اسم الإشارة المستخدم هو هَذِهِ (الذي يدل على القريب) تحول ليكون "تِلْكُمَا" ليدل على البعيد؟ أليس المتكلم هو الله نفسه؟ وأليست الشجرة هي نفسها؟ فما الذي حصل يا ترى؟

رأينا: لو تدبّرنا ما قاله الشيطان لآدم وزوجه في سياق التغرير بهما للوقوع بالمعصية لوجدنا أنه يتحدث عن الشجرة نفسها على أنها شجرة الخلد:

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20)

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120)

ولعلنا لا نختلف كثيرا بأن الخلد هو عكس الموت:

وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)

وأن جُهد الشيطان كان منصبا على إقناع آدم وزوجه بأن تلك الشجرة ستجلب لهما الخلد (أي عدم الموت). لذا فإن الحياة هي من أهم ميزات تلك الشجرة.

السؤال الافتراضي: ماذا لو حصل آدم على شيء من تلك الشجرة؟ ألن تكون الحياة (عدم الموت) هي أهم خصائصه؟

منطقنا المفترى: إن كان هذا صحيحا، فإن لتلك العصا (نحن نظن) علاقة مباشرة بتلك الشجرة، فما أن ألقاها موسى في النار حتى خرجت تهتز كأنها جآن:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)

فكانت حيَّة تسعى:

فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)

فأمره الله بأن يأخذها، متعهدا بأن يعيدها سيرتها الأولى:

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

وطلب منه في الموقف نفسه أن يضمم يده إلى جناحه لتخرج بيضاء من غير سوء لتكون آية أخرى:

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)

فكانت تلك العصا وكان هذا القميص (الذي سلك موسى يده فيه) هما (نحن نظن) من آيات ربه الكبرى (لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى).

السؤال المحوري: إذا كان الله قد تعهد لموسى في الواد المقدس عند النار أن يعيد تلك العصا سيرتها الأولى، فكيف كانت سيرة تلك العصا الأولى؟ نحن نسأل لكي نفهم.

افتراء خطير جدا من عند أنفسنا: نحن نفتري القول من عند أنفسنا بأن آدم كان يتحكم بالملائكة (وهم ذكور الجن) الذين سجدوا له بتلك العصا. ولتقريب الصورة إلى الأذهان فإننا نعقد مشابهة بين ما كان يفعله آدم يوم أن كان في الجنة مسيطرا على الملائكة هناك بما كان يفعله سليمان بهم بمنسأته (التي هي أصلا الجزء المتبقي من تلك العصا بعد حادثة السامري – للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: باب السامري 1 و باب السامري 2 و ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته):

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)

فعندما كان أحد من الجن (الملائكة) يزيغ عن أمر آدم كان يستطيع آدم أن يذيقه من عذاب السعير بالقوة العجيبة الكامنة في تلك العصا التي كانت بيده بالضبط كما كان يفعل سليمان بهم. فكان ملك آدم عليهم ملكا عظيما. ونحن نستطيع أن نتخيل ملك آدم التي تنص عليه الآية الكريمة التالية:

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى (120)

بنفس الآلية التي وهبها الله لسليمان من بعد:

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)

فكانت نتيجة دعاء سليمان هذا أن سخّر الله له الريح والشياطين وآخرين مقرنين في الأصفاد:

قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ (36) وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38)

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)

السؤال: إذا استطعنا أن نفهم أن الله قد سخر لسليمان الشياطين (من الجن) وآخرين مقرنين في الأصفاد، فكيف نستطيع أن نفهم أنه قد سخر له الريح؟ ولماذا الريح على وجه التحديد؟

رأينا المفترى: إنها تلك العصا. إنها القوة الكامنة في تلك العصا على الطيران. فكما أن تلك العصا قد شقّت البحر (فكان كل فرق كالطود العظيم) والحجر (فانبجست منه أعين الماء) ولقفت ما كان السحرة يأفكون عندما كانت بيد موسى، فإن فيها من القوة الكامنة العجيبة ما يمكّن صاحبها على الطيران. فاستخدمها إبراهيم في خروجه سالما من النار، واستخدمها في انتقاله بين المكانين اللذين أسكانا فيهما من ذريته (إسحق في الأرض التي باركنا فيها للعالمين وإسماعيل عند البيت الحرام الذي ببكة). فكان دائم الترحال بينهما. واستخدمها سليمان في تسخير الشياطين من الجن، فما كان أحد منهم يستطيع أن يزغ عن الأمر. فكانوا في العذاب المهين حتى يوم موته:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)

واستخدمها سليمان للانتقال في أرجاء ملكه الواسع، فكانت تجري به الريح غدوها شهر ورواحها شهر:

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)


لكن هذا المنطق المفترى من عندنا لا يحل إشكالية السؤال الذي طرحناه عن اسم الإشارة عند الحديث عن هذا القميص وتلك العصا. فلماذا صاحب القميص اسم الإشارة هَذَا؟

اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93)

بينما جاء اسم الإشارة تِلْكَ للحديث عن العصا؟

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)

رأينا المفترى من عند أنفسنا الذي نطلب من القارئ الكريم أن لا يصدقه ما لم يجد أن الدليل من كتاب الله يدعمه: نحن نفتري القول بأن السبب في ذلك ربما يعود إلى أن العصا قد خرجت مع آدم عندما هبط من الجنة، فأصبحت تلك العصا، بينما بقي القميص في الجنة فلم يخرج مع آدم فبقي هذا القميص.

السؤال: كيف وصلا إلى إبراهيم؟

رأينا: حاولنا في بعض الأجزاء السابقة من هذه المقالة تمرير زعمنا المفترى بأن الله هو من ألبس إبراهيم ذلك القميص ليواري به سوءته بعد أن ألقاه القوم في النار، فظننا أن الله ما كان ليُخرِج إبراهيم من تلك النار مكشوفا السوءة، فألبسه هذا القميص من عنده مباشرة. وهو كما زعمنا في الأجزاء السابقة اللباس نفسه الذي نزعه الشيطان عن آدم في الجنة، وبقي فيها هناك حتى جاء اليوم الذي ألبسه الله إبراهيم. وانتقل هذا القميص كإرث نبوي من إبراهيم إلى إسحق فيعقوب وانتهى إلى يوسف – صاحب الاجتباء الرباني من بيت يعقوب.

لكن – إن صح ما تزعم- يبقى السؤال الآخر قائما: كيف حصل إبراهيم على العصا التي خرجت مع آدم؟

رأينا: إن هذا السؤال يعيدنا فورا إلى قصة آدم بعد الهبوط من الجنة لنثير حولها التساؤلات التالية:

- لماذا اختلف ابني آدم؟

- ولماذا قتل الأخ أخاه؟

- وما هي أداة القتل التي مكنته من قتل أخيه؟

- الخ

تخيلات: نحن نتخيل أن آدم وزوجه قد خرجا من الجنة منزوع عنهما لباسهما، بدليل أنهما اضطرا أن يخصفان على سوءاتهما من ورق الجنة:

فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ (22)

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

ولكن آدم (نحن لا زلنا نتخيل) هبط من الجنة يحمل بيده تلك العصا (بعد أن عصى ربه)، فما عادت حيّة لأن آدم كان قد نسي:

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

نتيجة مفتراة: كان آدم في الجنة (نحن نتخيل) يحمل في يده الأداة التي تمكنه من إخضاع الجن (خاصة الملائكة الذين سجدوا له) لطلباته. فلا يستطيع أحد منهم أن يزغ عن أمره لأنه كان سيذيقه بتلك العصا من عذاب السعير (كما كان يفعل سليمان بهم لاحقا). ولكن ما أن عصى آدم ربه حتى أصبحت تلك الأداة عصا (أي لم تعد تطيع أوامره لأنه ببساطة نسي العلم – علم الأسماء- الذي علمه إياه ربه. فما عاد يستطيع أن يستفيد من تلك الأداة بالطريقة نفسها التي كان يستفيدها منها عندما كان في الجنة قبل الوقوع في المعصية، فخرجت معه عصا بعد أن كانت (نحن نظن) حيّة تسعى:

          كانت معه في الجنة حية تسعى  =   فخرجت معه من الجنة عصا

فما عاد يستطيع تسخير الجن له بها، فتوقفت سيرة تلك العصا الأولى هناك. وعادت إلى سيرتها هذه (الأولى) يوم أن ألقاها موسى في النار في الواد المقدس، وهناك تعهد الله بنفسه أن يعيد تلك العصا سيرتها الأولى، فعادت – كما كانت- حيّة تسعى.

          وصلت إلى يد موسى عصا  =   فعادت حيّة تسعى في الواد المقدس طوى


تخيلات: خرج آدم من الجنة يحمل تلك الأداة وقد أصبحت عصا (لا تطيع أوامره)، وعندما نشب الخلاف بين الأخويين (ابني آدم) بعد أن قربا القربان الذي تُقبِّل من أحدهما ولم يُتقبَّل من الآخر، طوعت نفس أحدهما قتل أخيه الآخر، فقتله:

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)

فكان لابد للقاتل (نحن نزعم الظن) من تنفيذ فعل القتل بطريقة ما، أليس كذلك؟

السؤال: كيف قتل الأخ أخاه؟ وما هي أداة القتل التي وجدها المحققون في مسرح الجريمة؟ فهل يعقل أن يحدث قتل دون أداة؟

رأينا: نحن نظن بداية أننا يجب أن لا ننسى أن قتل الأخ أخيه هذا كان من باب القتل العمد:

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)

ليكون مراد القول هنا هو أن فعل القتل يحتاج إلى أداة ليحدث على أرض الواقع كما في فعل الصيد مثلا:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَو عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللّهُ عَمَّا سَلَف وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95)

ففعل القتل هو ما كان يفعله آل فرعون ببني إسرائيل مثلا:

وَإِذْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ (141)

وها هو موسى نفسه يقتل رجلا من آل فرعون:

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

وهذا داوود يقتل جالوت، فلا أظن أنه قد قتله دون وجود أداة:

فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاووُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاء وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)

نتيجة نظن أنها مهمة: صحيح أن طرق القتل متعددة، لكن لابد (نحن نزعم الظن) من وجود الأداة التي تمكّن القاتل من تنفيذ فعل القتل بالمقتول، ليكون السؤال هو: ما هي الأداة التي قتل بها أحد أبناء آدم أخاه عندما طوعت له نفسه قتله؟

تخيلات: لمّا كان أبناء آدم لازالوا حديثي العهد بالحياة الجديدة، فلا أظن أنهم قد توصلوا بعد إلى مخترعات بشرية كالقنابل والمدافع والبنادق والسيوف والسكاكين والأحزمة الناسفة والبراميل المتفجرة وغيرها تمكنهم من تنفيذ مرادهم، فحياتهم في هذه الأرض الجديدة لازالت بدائية بدليل أن الأخ القاتل لم يكن يعرف بعد كيف يواري سوءة أخيه عندما قتله حتى بعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه:

فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31)

لذا، فإننا نعتقد (ربما مخطئين) أن من الضروري أن يستخدم القاتل ما كان متوافرا لديه من أدوات في تنفيذ مراده. والحالة هذه، فإننا نفتري القول من عند أنفسنا بأن القاتل لم يجد حوله ما يمكنه من قتل أخيه إلا تلك العصا التي هبط بها آدم من الجنة.

نتيجة مفتراة: نحن نزعم الظن بأن ولد آدم (القاتل) قد استخدم تلك العصا نفسها في قتل أخيه (للتفصيل حول شخصية ابني آدم انظر سلسلة مقالتنا تحت عنوان: لماذا قدم لوط بناته بدلا من ضيوفه؟).

السؤال: وأين ذهبت تلك العصا؟

رأينا: بقيت تلك العصا في حيازة القاتل من ابني آدم حتى وصلت إلى يد إبراهيم.

السؤال: كيف وصلت تلك العصا إلى يد إبراهيم؟

جواب مفترى: نحن نظن أن إبراهيم حصل على تلك العصا ربما لأن الله قد أراه ملكوت السموات والأرض:

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75)

ولكن كيف ذلك؟

جواب: لما كان ملكوت كل شيء هو بيد الله:

قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (88)

فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (83)

فإن منطقنا المفترى من عندنا يدفعنا إلى الظن بأن إبراهيم قد رأى ما هو بيد الله نفسه: إنه ملكوت السموات والأرض. فما فائدة أن يكون إبراهيم قد رأى ملكوت السموات والأرض الذي هو بيد الله نفسه؟ نحن نسأل.

جواب مفترى: لو راقبنا ردة فعل إبراهيم الأولى بعد خروجه من النار لوجدناها في الآية الكريمة التالية:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)

لاحظ - عزيزي القارئ- كيف يتحدث إبراهيم هنا بصيغة المستقبل (سَيَهْدِينِ)، لنثير حول ذلك التساؤلات التالية:

-         أين هو رب إبراهيم الذي كان سيذهب إليه بعد خروجه من النار؟

-         وكيف سيهديه بعد أن يذهب إليه؟

-         ألم يكن رب إبراهيم قد هداه من قبل؟

-         الخ.

لو راقبنا الصيغة نفسها في كتاب الله لوجدناها قد تكررت مع موسى في الآيات الكريمة التالية:

فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ (60) فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)

ليكون السؤال الآن: ما معنى الهداية (سَيَهْدِينِ) في هذه السياقات القرآنية؟ فهل هي هداية إلى الله (من الكفر إلى الإيمان مثلا)؟

رأينا: كلا وألف كلا، نحن نظن أنها هداية للخروج من مأزق فقط. فهذا موسى يصل مع بني إسرائيل إلى حافة البحر فلا يستطيعون التقدم إلى الأمام خطوة واحدة، فأصبح البحر من أمامهم، وهذا فرعون وجنوده يتبعونهم مشرقين، فيصبح العدو من خلفهم، فيتراءى الجمعان، عندها يصحب يقينا في ذهن أصحاب موسى أنهم مدركون لا محالة، وما أن يجد موسى نفسه في هذا المقام حتى تكون ردة فعله هي:

قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)

ومما لا شك فيه عندنا أن موسى لم يكن يعلم آلية الهداية، أي كيف سيهديه ربه للخروج من هذا المأزق، لكن لمّا كان موسى مؤمنا يقينا بهداية ربه له لأن الله هو من وعده بذلك عند اللقاء الأول عندما طلب من موسى وأخيه هارون أن يذهبا إلى فرعون ليقولا له قولا لينا لعله يذكر أو يخشى:

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

عندها كان التردد باديا في ردة فعلهما:

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى (45)

فجاءهما التطمين الإلهي بأن الله معهما يسمع ويرى:

قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)

وفي هذه اللحظة (لحظة أن تراءى الجمعان)، لم يكن موسى ليفقد الإيمان بوعد ربه، فهو يعلم أن ربه معه يسمع ويرى (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، لذا لابد أنه سيهديه.

السؤال إذن: ما معنى قول موسى في ذلك الموقف أن ربه سيهديه (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى

رأينا: نحن نظن أن موسى قد قالها موقنا بأن ربه سيدله على الطريقة التي سيخرج بها مع بني إسرائيل سالما من فرعون وجنوده؟

السؤال: وما هي تلك الطريقة؟

رأينا: لم يكن موسى يعلم ما ستكون آلية الهداية (أي آلية الخروج من المأزق).

السؤال: وكيف تحققت على أرض الواقع؟

رأينا: إنها تلك العصا.

فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63)

نتيجة: كانت هداية الله لموسى في ذلك الموقف قد تحققت بأن أعلمه بأمر تلك العصا، فهي الأداة التي ستمكنه من النجاة ببني إسرائيل سالما من خطر فرعون وجنده القادمين من الخلف.

نتيجة خطيرة جدا: كانت العصا هي من أنقذت موسى وبني إسرائيل من قبضة فرعون وليس الله نفسه. كلام خطير، أليس كذلك؟

منطقنا المفترى: نحن نظن أن ما فعله الله هو هداية موسى إلى الأداة التي تمكنه من النجاة (وهي العصا). ولو كان الله هو من أنقذ موسى وبني إسرائيل، لما كان بحاجة إلى هداية موسى إلى تلك العصا، ولربما فعل ذلك بنفسه، كأن يفلق البحر من عنده دون الحاجة لأن يضربه موسى بالعصا. لذا نحن نفرق بين الإنقاذ والنجاة. فالله هو من نجى موسى وبني إسرائيل:

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ (50)

ولكن العصا هي التي أنقذتهم،  لأن الله كان (بمفردات أهل القواعد) هو الفاعل غير المباشر (فحصلت النجاة) بينما كانت العصا هي الفاعل المباشر (فحصل الإنقاذ) كما في الآية الكريمة التالية:

 وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103)

فالإنقاذ من النار لا يقدر عليه أحد كفاعل مباشر (نحن نظن) إلا الله. وانظر – إن شئت- في الآيات الكريمة التالية:

أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ (19)

أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ (23)

يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73)

نتيجة مفتراة: تمثلت الهداية التي كان ينتظرها موسى من ربه في ذلك المأزق في أن هداه الله إلى تلك العصا التي كانت بيمينه. فكانت هي الوسيلة المباشرة التي أخرجته وقومه من ذلك المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه.

السؤال: إذا كان هذا ما حصل مع موسى عندما قال بأن ربه سيهديه (سَيَهْدِينِ)، فما هي الهداية التي كان يبحث عنها إبراهيم عندما قال بأن ربه سيهديه (سَيَهْدِينِ)؟ وكيف تحققت على أرض الواقع؟

رأينا: نحن نظن أن إبراهيم قد وجد نفسه أيضا في مأزق مع قومه، فخطط القوم للتخلص منه، ولم يجد إبراهيم بدا من اللجوء إلى ربه لهدايته، أي لخروجه من ذلك المأزق:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98) وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99)

وتكرر اللفظ نفسه (سَيَهْدِينِ) في السياق القرآني التالي:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى جَاءهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُّبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30)

السؤال: كيف حصلت الهداية الإلهية لإبراهيم للخروج من هذا المأزق؟

افتراء خطير جدا جدا: لقد هدى الله إبراهيم إلى تلك العصا، وقد افترينا الظن من عند أنفسنا بأن إبراهيم قد استخدم تلك العصا في تجذيذ أصنام القوم:

فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)

عندها اتخذ القوم قرارهم بتحريق إبراهيم مع عصاه التي استخدمها في تجذيذ أصنامهم، غير مدركين بالطبع للقوة العجيبة التي وضعها الله في تلك العصا.

الدليل

نحن نجد الدليل على افتراءاتنا هذه في الآية الكريمة التالية التي تصور إبراهيم مكانيا مقارنة بقومه الذين ألقوه في النار:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

السؤال: وكيف كان القوم الذين ألقوه في النار هم الأسفلون (فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ) كما جاء بصريح اللفظ في هذه الآية الكريمة؟

منطقنا المفترى: لمّا كان القوم قد بنوا لإبراهيم بنيانا (قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا)، ولمّا كان القوم هم من سيقومون بإلقاء إبراهيم من فوق البينان إلى الجحيم (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ). كان من المفترض (نحن نتفكر) أن يكونوا من الناحية المكانية هم الأعلون (مادام أنهم متواجدون فوق البنيان) وهو – أي إبراهيم- الأسفل (مادام أنه هو الذي سيسقط في الجحيم)، أليس كذلك؟

لكن ما الذي حدث فعلا؟ ألم يصبحوا هم الأسفلون؟ انظر – عزيزي القارئ- السياق القرآني نفسه مرة أخرى جيدا:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

ليكون السؤال الذي لا مفر منه هو: كيف كانوا هم الأسفلون وهم المتواجدون فعليا فوق البنيان؟ ثم إذا كانوا هم الأسفلون، فمن هو الأعلى مكانة؟ أليس هو إبراهيم؟

السؤال: كيف حصل ذلك؟

تخيلات: ما أن حمل القوم إبراهيم وعصاه إلى فوق البنيان، وأرادوا أن يجعلوه في النار بإلقائه فيها من فوق ذلك البنيان حتى أدرك إبراهيم (كما فعل موسى) أن الله معه يسمع ويرى، فما فقد إبراهيم الأيمان المطلق بأن الله سيهديه إلى النجاة من هذا المأزق. فما خاب ظن إبراهيم. فعندما ألقى القوم بإبراهيم في النار (نحن نؤمن) حتى جعلهم الله هم الأسفلين، ونحن نتخيل أن ذلك قد حصل على أرض الواقع على نحو أنه ما أن دخلت تلك العصا التي كان لازال إبراهيم يحملها بيده في النار حتى خرجت من النار وهي تطير بإبراهيم إلى الأعلى بدل أن تنزل به إلى الجحيم.

السؤال: ومتى حصل ذلك بالفعل؟

رأينا: نحن نظن أن ذلك قد حصل بمجرد أن دخلت العصا في النار، فما أن ألقيت تلك العصا في النار حتى عادت إليها بعض قواها الدفينة، فخرجت طائرة بإبراهيم من النار، فما أصاب إبراهيم أذى سوى أن لباسه الذي كان يغطي سوءته وشعره وبعضا من أظفاره قد التهمتها تلك النار، ولكنها كانت – لا شك- بردا وسلاما على إبراهيم نفسه:

قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)

الدليل

نحن نظن أن الدليل على هذا الزعم المفترى من عندنا موجود في قصة موسى، ويمكن استنباطه بكل سهولة بعد طرح التساؤل التالي: لماذا طلب الله من موسى أن يلقي بالعصا بالنار في الواد المقدس؟ ألم يكن بالإمكان أن تعود القوة الكامنة إلى العصا دون الحاجة أن تلقى في النار؟

رأينا: حاولنا في مقالة سابقة لنا تقديم الظن بأن موسى قد ألقى عصاه في النار، بدليل أنها خرجت كأنها جان:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)

وحاولنا تدبر سبب خروج العصا من النار ويكأنها جآن على وجه التحديد، فظننا مفترين القول من عند أنفسنا بأنها قد شبّهت بالجان وذلك لأن الجان هو المخلوق من نار السموم أصلا:

وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ (27)

ليكون منطقنا المفترى من عند أنفسنا هو: كان لابدّ لتلك العصا حتى تعود إلى سيرتها الأولى أن تلقى في النار، لذا ما أن ألقيت مع إبراهيم في النار حتى اكتسبت بعض صفاتها الدفينة، فطارت به فوق البنيان بدل أن تنزل به إلى الجحيم، فكان القوم الذين ألقوا بإبراهيم في النار هم الأسفلون:

قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97) فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (98)

وكان إبراهيم هو الأعلى مكانيا. وبمثل هذا المنطق تكرر (نحن نظن) السيناريو نفسه في حالة موسى، فما أن ألقى موسى بتلك العصا في النار حتى خرجت تهتز كأنها جان. وكان ذلك سببا كافيا لأن يدب الخوف منها في قلب موسى، فولى مدبرا ولم يعقب (أي لم يكن لينظر وراءه من سرعة هروبه منها بالرغم من أنه كان حاف القدمين، فالله هو من طلب منه أن يخلع نعليه هناك:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

السؤال: لماذا خاف منها موسى ولم يخف منها إبراهيم؟ فلا يجب أن ننسى إن موسى كان يشتغل برعي الغنم في مدين. وهل تظن بأن الراعي يخاف من أفعى؟ وهل تظن أن شخصا سيرته كسيرة موسى ربما يخاف من حية (أفعى) فيولي منها مدبرا لا يعقب أبدا؟

جواب: نحن نظن أن الخوف قد دب في قلب موسى من تلك العصا التي خرجت كأنها جان لأن موسى كان من الذين ظلموا. وانظر – إن شئت- في تكملة السياق القرآني نفسه:

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

السؤال: ومتى كان موسى من الذين ظلموا؟

جواب: عندما قتل الرجل الذي هو من عدوه. وانظر – إن شئت- في ردة فعل موسى نفسه بعد تلك الحادثة مباشرة:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)

نتيجة: مادام موسى قد ظلم نفسه من ذي قبل لذا كان لابد أن يخاف في مثل ذلك الموقف، ولو كان إبراهيم أو محمد أو أي أحد آخر من رسل اله في ذلك الموقف لما خاف حتى لو خرجت تلك العصا كأنها جآن.

السؤال: لماذا يخاف الذين ظلموا من المرسلين (كموسى مثلا) في مثل هذا الموقف؟

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

رأينا: نحن نعلم يقينا أن موسى (كباقي رسل الله أجمعين) كان يبحث على الدوام عن الهدى، فهو أصلا من طلب من أهله المكوث لاستطلاع خبر النار علّه يجد عليها هدى:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

فقد كان موسى يبحث عن الهدى، وهو لا يمكن أن يقنط من رحمة ربه بأن يهديه مادام أنه قد غفر له:

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17)

لذا، نحن نتخيل أن موسى كان يؤمن بأن الله سيهديه، لكن لماذا خاف في ذلك الموقف وهو الذي جاء إلى النار باحثا عن الهداية أصلا؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن السبب في ذلك ربما يعود إلى أن موسى (وإن كان باحثا عن الهداية) لم يكن (نحن نظن) ليخطر على قلبه (وربما لم يكن يستطيع أن يتخيل) أن يكلّمه الله بنفسه مادام أنه كان من الظالمين. فلماذا؟

رأينا: نحن نعتقد أن موسى كان يعلم أن الله غفور رحيم، وهو يعلم الكرم الإلهي اللامحدود، لكن الذي لم يكن ليخطر ببال موسى هو أن يصل الكرم الإلهي أن يكلم الله بنفسه من كان قد وقع في فعل القتل وظلم نفسه كموسى. ويكأن موسى في تلك اللحظة يقول في نفسه (نحن نتخيل) هل يمكن أن يكون هذا الذي يخاطبني مباشرة هو الله نفسه؟ هل يمكن أن يخاطب الله من كان ظالما مثلي؟ لقد ظن موسى أن لحظة المحاسبة قد حانت. فهو يظن (نحن نتخيل) بأن هذه العصا التي خرجت من النار تهتز كالجان إنما هي موجهة إليه لتقتص منه جزاء ظلمه (قتله للنفس)، فموسى قد وكز ذلك الرجل وكزا فقضى عليه:

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15)

وقد ظننا في مقالة سابقة لنا الوكز يعني أن موسى قد استخدم تلك العصا في ضرب الرجل. وها هو رب موسى يطلب من موسى الآن أن يلقي بتلك العصا في النار فإذا هي تخرج كأنها جآن. عندها نسي موسى (نحن نتخيل) أنه حاف القدمين، والأهم من ذلك أنه نسي أن الذي يخاطبه مباشرة هو الله نفسه، فما كان منه إلا أن يولي مدبرا غير معقب (أي لم يكن – نحن نظن- لينظر خلفه):

وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ...

ظانا بأن وقت المحاسبة على تلك الفعلة الشنيعة (القتل) قد حانت بأداة القتل نفسها (وهي العصا).

ولكن التطمين الإلهي جاءه على الفور على النحو الذي تصوره بقية الآيات نفسها:

... يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)

... يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (31)


ويكأن الله (نحن نظن) يقول لموسى في تلك اللحظة أني أعلم أنك خائف، وأعلم سبب خوفك وهو ظلمك السابق، لكن لا يجب أن تنسى أني أنا الغفور الرحيم، وأن رحمتي وسعت كل شيء، فهي أكبر بكثير مما يمكن أن تتخيل يا موسى. لذا فإنك من المرسلين (أي نعم أنت رسولي الذي اخترته بالرغم من ظلمك) لأنك بدّلت حسنا من بعد سوء:

إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)

فموسى فعل فعلته التي فعل، فكان من الضالين:

وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19) قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20)

ولكنّه مكث سنين من عمره في مدين نادما مستغفرا، يحاول أن يبدّل حسنا بعد سوء:

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَن يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

نتيجة مفتراة خطيرة جدا: نحن نظن أن اصطفاء موسى بالرسالة قد تأخر بمقدار الفترة الزمنية التي لبثها في مدين، وكان ذلك حتى استطاع موسى أن يبدل حسنا بعد سوء. وقد جاء هروبه لهذه الغاية:

فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21)

(دعاء: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وأسألك رب أن أكون ممن بدّلوا حسنا بعد سوء، فإنك أنت الغفور الرحيم – آمين)

وسنتحدث عن سبب فرار موسى في مقالات مستقلة عن تطبيق الحدود الشرعية إن أذن الله لنا بشيء من علمه، طارحين حينها التساؤل المثير التالي: ألم يكن ألأجدر بالقاتل (كموسى) أن يسلّم نفسه ليقتص منه؟ فلماذا هرب موسى من العقاب؟ ولماذا خاف أصلا من العقاب؟

هذا ما سنحاول النبش فيه لاحقا، سائلين الله أن يهدينا رشدنا، فلا نفتري عليه الكذب – آمين.

عودة على بدء.

السؤال: ما الفرق بين ما حصل للعصا في حالة إبراهيم وما حصل للعصا في حالة موسى؟

رأينا: نحن نظن أن العصا قد ألقيت في النار في الحالتين، وقد خرجت من النار بنفسها في الحالتين، ولكن هناك (نحن نظن) فرقا جوهريا بين الموقفين، يتمثل في طبيعة النار التي دخلت فيها تلك العصا. ففي حين أن النار التي دخلت بها العصا في حالة إبراهيم كانت نارا من صنع القوم أنفسهم، لم تكن النار التي دخلت بها العصا في حالة موسى من صنع الناس، وإنما هي (نحن نظن) نار أعظم بكثير من ذلك، أشعلها ذلك النجم الذي هوى:

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1)

ولما كان هؤلاء النفر من الناس (وهم المرسلون) ممن يهتدون بالنجم:

وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16)

كانت النار التي حصلت في حالة موسى هي نار خاصة جدا بدليل أن موسى وحده هو من آنسها:

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا: لماذا قدم لوط بناته بدلا من ضيوفه؟)

وما أن وصل موسى إلى تلك النار حتى وجد الهداية عندها، فبدأ الحوار من عند الإله على النحو التالي الذي تظهر فيه المباركة لمن في النار ولمن حولها:

فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)

ثم استمر الحوار على النحو التالي:

يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)


تساؤلات:

-         ما هي تلك النار؟ وما هي ماهيتها؟

-         ومن هو الذي بورك فيها؟ (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ)

-         ومن هم الذي بورك من حولها؟ (أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا)

-         الخ.

إذا كنا نعلم أن الذي حول النار هو موسى، فمن هو الذي فيها؟

رأينا: لا شك عندنا أن كينونة ما كانت في النار، فحصلت المباركة له. لذا فهذه النار التي أنسها موسى من جانب الطور هي نار عظيمة، يستحيل أن تقارن بالنار التي أوقدها القوم لإبراهيم ليجعلوه فيها.

سؤال: وما فائدة هذا الطرح هنا؟

جواب مفترى: لما كانت النار هي التي أعادت للعصا بعض خصائصها الدفينة، كان هناك فرق بين الخصائص التي عادت للعصا عندما ألقيت في نار قوم إبراهيم وتلك التي عادت إليها عندما ألقيت في النار في الواد المقدس في حالة موسى. فما الفرق؟

رأينا: في حين أن نار إبراهيم قد أعادت للعصا قدرتها على الطيران، فإن نار الواد المقدس قد أعادت للعصا خصائص دفينة أخرى كثيرة، فأصبحت قادرة على أن تلقف عصي وحبال السحرة، وأصبحت قادرة أن تشق البحر وأن تفجر عيون الماء من الحجر وأن تدب الحياة في عجل السامري، وأن يسخر بها الجن، لذا عادت إلى سيرتها الأولى هناك في الواد المقدس طوى. وانظر – إن شئت في السياق القرآني الأوسع:


هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21)

فكانت تلك العصا آية كبرى. ولو تدبرنا السياق القرآني التالي لوجدنا أنهما أصبحا آيتين بعد أن أدخل موسى يده في جيبه (لتخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى):

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لاَ يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاء مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)

والله أعلم.

ليعود حديثنا من جديد من آية العصا (ذات المواصفات العديدة الخارقة) التي تعرضنا لها في هذا الجزء من المقالة إلى آية القميص ذات المواصفات المحدّدة والتي من أهمها أنها أعادت إلى يعقوب بصره والتي بدأنا الحديث عنها في الأجزاء السابقة.

السؤال: كيف حصل ذلك؟ أي ترد يعقوب بصيرا بمجرد أن ألقى البشير بالقميص على وجهه:

فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96)


هذا ما سنحاول النبش فيه في الجزء القادم من هذه المقالة إن شاء الله. فالله وحده أسأل أن يأذن لنا بعلم لا ينبغي لغيرنا. وأسأله وحده أن يعلمني وصاحبي عليّا ما لم نكن نعلم، وأن يجعل فضله علينا عظيما، وأن يهدينا إلى نوره الذي أبى إلاّ أن يتمّه ولو كره الكافرون، ونعوذ به أن نكون ممن يفترون عليه الكذب أو ممن يقولون عليه ما ليس لهم بحق، ونعوذ به أن نكون ممن يصدون عن سبيله أو ممن يبغونها عوجا - إنه هو العليم الحكيم.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح                     &    علي محمود سالم الشرمان

وأساله وحده أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيري، إنه هو الواسع العليم – آمين.

بقلم: د. رشيد الجراح

31 أيار 2014