تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يوسف 19: مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ




قصة يوسف 19: مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ



حاولنا في الجزء السابق من هذه المقالة تمرير زعمنا بأن دخول إخوة يوسف على أخيهم كان بسبب مشكلة نشبت بينهم وبين فتيانه، فهؤلاء الغرباء عن البلاد (كان ظننا) لم يكونوا منطوين تحت لواء الدولة المصرية حينئذ. فمادام أنهم كانوا قادمين من البدو، لم يكن لهم (نحن نزعم) سجلات في قيود الدولة المصرية. لذا افترينا القول من عند أنفسنا بأن هذا كان أحد الأسباب الرئيسة التي دفعت بإخوة يوسف للعودة إلى مصر مرة ثانية، وقرأنا ذلك في عبارة "وَنَمِيرُ أَهْلَنَا" في الآية الكريمة التالية:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

فإخوة يوسف كانوا – في ظننا- يخبرون أباهم بعد أن انقلبوا إليه من مصر بأنه "لا نمير" لأهلهم جميعا في قيود وسجلات الدولة المصرية، أي لم تكن لهم "نمرة" (كما نقول بالعامية)، أو أرقام وطنية كما ظهر في الآونة الأخيرة في معظم الدول العصرية، فكانت الحاجة ملحّة أن يتم "تنميرهم" (أي تسجيلهم في سجلات الدولة الرسمية)، وبخلاف ذلك لا حق لهم في الكيل من عند عزيزها، فهم قد مُنعوا الكيل:

          فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

وقد كان إحضار أخ لهم من أبيهم هو ما سيدفع بالعزيز أن يكتل لهم:

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59) فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (60)

فرجعوا إلى أبيهم ليخبروه بشرط العزيز هذا:

          فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

وذلك لأنهم (نحن نظن) سيصبحون جميعا حينئذ جزءا من الدولة المصرية، ربما ليتم استدعاءهم للخدمة العسكرية مثلا في حالات الضرورة. فمن أراد أن يستفيد من خدمات الدولة، فعليه (نحن نفتري القول) أن يقوم بالواجبات التي توكلها الدولة إليه عند الحاجة. فمن غير المنطقي أن تقوم الدولة بإطعام الناس في سنين القحط، ثم إذا ما انتهت حاجتهم إليها تركوها ورحلوا عنها (كما يفعل البدو في بلاد الأعراب).

ولمّا كان يوسف (نحن نفتري القول) يعلم كيف يصرف شؤون البلاد، كان اشتراطه عليهم أن يأتي إليه الإخوة جميعا بمن فيهم أخ لهم من أبيهم ليس حاضرا معهم الآن، فالدولة العصرية لا تقبل (نحن نظن) بأن يتم جلب بعض الأبناء للخدمة العسكرية في أوقات الضرورة والسكوت عن آخرين، فسجلات الدولة يجب أن تكون كاملة غير ناقصة أو لا تكون، فلا أظن أن يوسف سيرضى أن يفتح ملفا ليعقوب وجزءا من أبناءه. فلابد للملف (إن فتح) أن يتم تسجيل الجميع فيه وإلا سيبقى مغلقا وللأبد:

فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (60)

لذا زعمنا الظن بأن إخوة يوسف قد منعوا الكيل حينئذ لأنه لا حق لهم في أموال الدولة المصرية ما لم يتم "تنميرهم" فيها. لذا جاء طلب الإخوة من أبيهم أن يبعث معهم أخاهم (نحن نزعم) ليصار إلى تنمير أهلهم جميعا في مصر (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا)، فتصبح لهم قيود "نمرة" في سجلات تلك الدولة. وعندها يصبحوا مؤهلين جميعا للحصول على الكيل من عند عزيزها.

ولعلي أجزم القول أن يوسف قد استغل هذه الوفرة الاقتصادية التي تحققت لمصر حينها ليزيد من قوتها العسكرية. فأصبحت مصر في زمن يوسف هي حاضرة الدنيا (أم الدنيا كما يرغب إخواننا المصريين أن يسمونها). فتوالت عليها القوافل (السيارة) من كل حدب وصوب.

(دعاء: فالله وحده أسأل أن يهيئ لمصر صِدّيقا حفيظا عليما، ليعود بها لتكون حاضرة الدنيا، فيأتيها السيارة من كل مكان يطلبون قوتهم منها كما كانت في أيام يوسف الصديق - آمين)

نتيجة: نحن نظن أن عودة الإخوة إلى أرض مصر كانت مدفوعة بالحاجة إلى تنمير أهليهم (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا) كما جاء في الآية الكريمة قيد البحث:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

السؤال: هل هذا هو السبب الوحيد الذي دفع بالإخوة للعودة إلى مصر مجددا؟

رأينا:  نحن نظن أنه كان هناك سبب آخر دفع بإخوة يوسف للعودة إلى مصر. فما هو؟

جواب: ليعيدوا البضاعة التي جعلها فتيان يوسف في رحالهم بأمر من يوسف نفسه:

          وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

دقق - عزيزي القارئ- في هذه الآية الكريمة جيدا لتجد أن يوسف قد رسم الخطة جيدا، وكان هدفه منها هو أن يعيد الإخوة إلى أرض مصر مرة أخرى رغما عنهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). ولكن كيف ذلك؟

تخيلات: عندما دخل الإخوة على أخيهم من أجل أن يكتل لهم، لم يستجيب يوسف لطلبهم مادام أنهم ليسوا من أفراد الدولة المصرية، فمنعهم الكيل:

          فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

ولو دققنا في صيغة الفعل "مُنِعَ" في هذه الآية الكريمة لوجدنا أنه جاء على صيغة المبني للمجهول (كما يحب أهل العربية أن يسمونه)، والسبب في ذلك أن يوسف (نحن نظن) لم يمنعهم الكيل من عنده، وأن فتيانه لم يمنعوهم الكيل من عندهم، ولكنهم في الحقيقة منعوا الكيل في نهاية المطاف، فكيف تم ذلك؟

رأينا: لأن منعهم الكيل لم يكن من يوسف أو من فتيانه ولكنه كان منعا بالقانون، فالقانون في الدولة المصرية حينئذ هو الذي لم يكن يسمح لهم أن يكتالوا، وما كان يوسف أو فتيانه يستطيعون أن يخرقوا القانون، فهم في نهاية المطاف ليسوا أكثر من مؤتمنين على تنفيذ القانون. فكان رد يوسف عليهم (نحن نتخيل) على النحو التالي: أنا أشعر تماما بحاجتكم إلى الكيل، لكن القوانين المعمول فيها في بلاط ملك مصر (قال يوسف لهم) لا تسمح لنا بأن نكتل لكم. فأنا أقدم لكم شديد الاعتذار عن عدم استطاعتنا أن نساعدكم بهذه الطريقة، لكننا نستطيع أن نساعدكم (أضاف يوسف قائلا) بطريقة أخرى وهي أن نجهزكم بجهاز لتعودوا إلى بلادكم.

فما كان من يوسف إلا أن جهزهم بنفسه، انظر صيغة الفعل هذه المرة:

          وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59)

نتيجة: لم يستطع إخوة يوسف الحصول على الكيل (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ)، ولكن يوسف قام بتجهيزهم (وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ)، فما الفرق؟ أي ما الفرق بين أن يكتل لهم يوسف أو أن يجهزهم بجهازهم؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن الكيل كان يعطى للناس بالمجان بينما كان الجهاز مدفوعا الثمن

الدليل

لو تدبرنا ما طلبه يوسف من فتيانه بعد أن جهز إخوته بجهازه، لوجدنا أنه قد طلب من فتيانه أن يقوموا بفعل آخر وهو أن يجعلوا بضاعتهم (أي بضاعة إخوته) في رحالهم:

          وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

السؤال: ما هي بضاعتهم التي طلب من فتيانه أن يجعلوها في رحال إخوته؟

رأينا: إنها ما دفعه إخوة يوسف ثمنا لذاك الجهاز.

الدليل

نحن نظن أن جلب الدليل على ما نفتري من قول من عند أنفسنا في هذه الجزئية يحتاج إلى إثارة عدة تساؤلات خاصة بمفردة البضاعة نذكر منها:

-        ما هي البضاعة التي طلب من فتيانه أن يجعلوها في رحالهم؟

-        لماذا طلب يوسف من فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟

-        وما هي الرحال؟

-        وكيف وضع فتيانه تلك البضاعة في رحال إخوة يوسف؟

-        ولماذا لم يتنبّه إخوة يوسف إلا أن بضاعتهم قد جعلت في رحالهم إلا بعد أن انقلبوا إلى أهلهم (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ)؟ فلماذا لم يعرفوها في طريق عودتهم مثلا؟

-        وكيف كان ذلك سببا في رجوعهم (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

-        الخ

بداية، نحن نظن أن البضاعة هي "كل مادة" تستخدم في التبادلات التجارية، فهي ما كان يستخدمه الناس من أجل شراء احتياجاتهم، فلقد كان يوسف نفسه بضاعة عندما وجده السيارة "في غيابة الجب":

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

وما أن وصلوا به إلى سوق مصر حتى تم شراءه:

          وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

ولا شك عندنا أن البضاعة "مادة التبادل التجاري" تختلف من بلد إلى بلد، ولا شك أن القيمة السوقية لبعضها أفضل من القيمة السوقية للأخرى، فبعض البضاعة قد يتم تصريفها بسرعة، وبعضها قد يصعب تصريفها، فيوسف كان بضاعة، ولكن الذي اشتراه دفع فيه ثمن بخس، ومن شراه كان فيه من الزاهدين، وهكذا، وبمثل هذا المنطق المفترى من عند أنفسنا نحن نتخيل أن البضاعة التي جاء بها إخوة يوسف في رحلتهم الأخيرة إلى أرض مصر لم تكن بضاعة ذات قيمة سوقية عالية بدليل أنها كانت "بِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ"، أي لقد كان تصريفها صعب بعض الشيء، لذا طلب إخوة يوسف الكيل (المجان) والتصدق عليهم:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

نتيجة مفتراة: كان الناس في زمن يوسف يستخدمون البضاعة في التبادلات التجارية التي تجري في أسواقهم، فقد تعطيني أنت زيتا وأعطيك أنا فاكهة، وقد تعطيني البقر وأعطيك الإبل، وقد تعطيني الضأن وأعطيك المعز، وهكذا. لذا نحن نتخيل أن إخوة يوسف قد هبطوا مصرا في رحلتهم الأولى ومعهم بضاعة ليتم إجراء التبادل التجاري مع أهل البلاد المصرية بها، فماذا كانت تلك البضاعة؟

رأينا: لما كانت البضاعة يمكن أن تكون أي شيء يستخدم في التعاملات التجارية، فنحن لا نستثني من ذلك بعض "المعادن النقدية الثمينة" كالذهب والفضة مثلا، ولعلي أجزم أن إخوة يوسف قد هبطوا مصر في رحلتهم الأولى يحملون معهم معادن ثمينة من الذهب والفضة ليشتروا بها من محاصيل مصر الزراعية فتسدهم الحاجة في سنين القحط الشديد.

الدليل

نحن نظن أنه مادام أن يوسف قد طلب من فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم، ومادام أن الإخوة لم يدركوا أن يوسف قد رد عليهم بضاعتهم إلا بعد أن انقلبوا إلى أهليهم عندما فتحوا جميع متاعهم:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

فنحن نفتري القول أن تلك البضاعة كانت صغيرة الحجم يمكن إخفاؤها بسهولة عن أعين الناظرين.

تخيلات: نحن نتخيل أنه لمّا طلب يوسف من فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم، عمد الفتيان إلى وضع تلك البضاعة بطريقة لا يمكن الوصول إليها إلا بعد أن يفتحوا رحالهم كلها متى ما انقلبوا إلى أهليهم وقاموا بفتح كامل متاعهم، ولننظر إلى ما حصل من أمر الإخوة بعد أن رجعوا إلى أبيهم، فالنص القرآني يبين أنه ما أن رجعوا إلى أبيهم حتى حصل بداية حوار طويل مع والدهم، وفيه راودوه عن أخيهم:

          فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

إلا أن الوالد رفض طلبهم هذا رفضا قاطعا:

قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

فسكت الأبناء بعض الشيء، ربما خجلين في أنفسهم من فعلتهم القديمة في الزمان، الحاضرة في الذاكرة والمكان، وما عادوا إلى فتح الملف من جديد مع والدهم إلا بعد أن استراحوا في ديارهم، وقاموا بفتح رحالهم جميعا، وذلك لأن المفاجأة كانت كبيرة لهم ولوالدهم يعقوب، ألا وهي وجود بضاعتهم وقد ردت إليهم في رحالهم:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

وفي هذه اللحظة بالذات أدرك يعقوب (نحن نتخيل) بأنه لا مفرّ من الرضوخ لطلبهم، وإرسالهم مرة أخرى إلى أرض مصر، ولكن لماذا؟ أي لماذا رضي يعقوب أن يرسل معهم أخاهم بعد أن وجدوا البضاعة وقد ردت إليهم في الرحال؟

رأينا: نحن نجد الإجابة على هذا السؤال متوافرة في العبارة التي قالها الأبناء لأبيهم في الآية نفسها وهي عبارة "مَا نَبْغِي". ولكن كيف ذلك؟

رأينا: نحن نظن أن البغاء هو اعتداء طرف على طرف آخر:

          مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ (20)

وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (33)[1]

إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

رأينا المفترى: مادام أن هؤلاء هم أبناء الأنبياء، ومادام أن والدهم يعقوب هو نبي الله من تلك السلالة الطاهرة (إبراهيم- إسحق- يعقوب)، فإن "البغي" هو آخر شيء يمكن أن يفكر فيه هؤلاء القوم، فهم بكل بساطة لن يبغوا (أي لن يعتدوا ظلما وجورا) على أحد حتى وإن كان غريبا أو حتى إن كان غائبا، فهم لا شك ممن يدفعون للناس حقوقهم ولا يبخسوا منها شيئا، لذا كان لابد أن يكفوا البغي بأنفسهم، ولكن كيف ذلك؟

رأينا: لقد ذكرنا آنفا أن يوسف قد منعهم الكيل لأن قوانين البلاد (في ظننا) لم تكن تسمح له بأن يكتل لمن لم يكن من أفراد الدولة المصرية، ولكنه في الوقت ذاته لم يمنعهم الجهاز، فقام بنفسه بتجهيزهم بجهازهم:

          وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59)

ونبههم إلى أن الكيل لهم مشروط بأن يأتوه بأخ لهم من أبيهم:

          فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (60)

فرجع الأبناء يراودن أباهم لكي يتحصّلوا على الكيل:

          فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

ولن يتحصل لهم ذلك إلا بعد أن يتم "تنميرهم" في سجلات الدولة المصرية:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

السؤال: لماذا جهزهم بجهازهم مادام أنه قد منعهم الكيل؟

جواب مفترى مهم جدا: نحن نظن أن إخوة يوسف قد مُنعوا الكيل لأن الكيل (كما افترينا القول آنفا) كان يعطى لأفراد الدولة المصرية فقط وبالمجان (أي بدون ثمن)، فكان ذاك حق لأفراد الدولة المصرية على حكومتهم في زمن الشدة. ولم تكن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يتم بها توزيع الخيرات التي خزّنها يوسف استعدادا لمواجهة سنين الشدة. فلقد كان هناك (نحن نتخيل) طريقة أخرى لمساعدة الناس تكمن في إعطاء الناس من خيرات البلاد المخزّنة مقابل الثمن (أي البدل). فكيف ذلك؟

تخيلات: نحن نظن أن يوسف قد قام بالإعداد الكامل لسنين القحط الشديد، فأخذ يخزّن ما يكفي أفراد الدولة جميعا من المئونة لمواجهة تلك السنين. وكانت تعطى هذه المؤن للناس بالمجان (أي دون ثمن). ولكن يوسف لم يكن (نحن نتخيل) ليمنع من أراد الزيادة من أن يأخذها من باب التجارة مثلا. ولكن تلك لا تعطى إلا بثمنها. وعندما جاء إخوة يوسف ليكتالوا منعهم الكيل مادام أن الكيل مجاني وهو حق حينئذ لأفراد الدولة المصرية فقط. ولكنه كان مستعدا أن يعطي من أراد أن يدفع البدل (الثمن) من تلك الخيرات. ومن هذا الباب قام إخوة يوسف بشراء بعض الحاجيات بما كان لديهم من "بضاعة". فاستلمها فتيانه منهم، وقام يوسف بتجهيزهم بجهازهم الذي اشتروه منه بنفسه، وما أن انتهى من جهازهم حتى أصدر الأوامر على انفراد لفتيانه أن يجعلوا ما أخذوه من إخوته "البضاعة" في رحالهم:

          وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

ونحن نتخيل ذلك على نحو أن يوسف هو من أشرف بنفسه على عملية التبادل التجاري بينه وبين إخوته، فأخذ منهم بضاعتهم (الذهب والفضة) وقدم لهم بضاعة من عنده (من خيرات البلاد). وقام بإصدار أوامره لفتيانه أن يضعوا ذاك الجهاز في الرحال، وأن يجعلوا بضاعة إخوته فيه، ولا شك عندنا أن فتيانه قد قاموا بالمهمة على أكمل وجه، فوضعوها بطريقة لا يمكن الوصول إليها إلا بعد أن يعود الإخوة إلى بلادهم ويفتحوا رحالهم كاملة ليجدوها قد ردت إليهم:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 1: لم يكن يوسف يستطيع أن يكتل لإخوته مادام أن الكيل كان بالمجان لأفراد الدولة المصرية فقط، ولكنه جهز إخوته بجهازهم مقابل البضاعة التي كانت معهم.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا 2: قام فتيان يوسف بوضع الجهاز الذي جهزه يوسف لإخوته في رحالهم، وهناك عمدوا أن يجعلوا البضاعة في الرحال بطريقة لا تجلب انتباه الإخوة إليها.

السؤال: لقد قلت سابقا بأن يوسف كان حفيظا على أموال الدولة المصرية فلم يكن ليفرط فيها حتى لإخوته، فلماذا إذن عمد إلى رد البضاعة لهم بعد أن بادلهم إياها بجهازهم؟ ألم يكن الأجدر به أن يضعها في خزينة الدولة؟ أليس في ذلك تحايل على القوانين؟

رأينا المفترى: لقد كانت تلك خطة محكمة من يوسف لأنه يعلم أن هذه البضاعة لا شك ستعود إلى خزينة الدولة قريبا، وأنه هو الضامن لها.

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: لأنه يعلم أن هذا التدبير هو الذي سيجبر والده يعقوب على النزول عند رغبة أبناءه بأن يرسل معهم أخاهم إلى أرض مصر، ولكن كيف ذلك؟

رأينا: لا شك أن يوسف يعلم أن والده يعقوب لا يمكن أن يقبل "البغاء" (أي الاعتداء على الآخرين)، فنبي الله يعقوب لا يمكن أن يبغي على أحد، فيستحيل أن يأخذ شيئا ليس له في حق، فهو رجل يعرف كيف يدفع للناس حقوقهم. لذا كان يوسف يعلم يقينا بأنه ما أن يرى والده يعقوب البضاعة (أي الأموال) التي دفعها أولاده لعزيز مصر ثمنا لما جهّزهم به من جهاز قد ردت إليهم حتى يظن على الفور بأن هذا قد حصل بالخطأ من قبل فتيان العزيز الّذين أعدوا لهم متاع رحالهم، وأن هؤلاء الفتيان سيواجهون المتاعب بسبب ذلك، لأنهم سيكونون مسئولين أمام العزيز نفسه على التفريط بها، ولا شك أن عزيز مصر سيطلب منهم أن يردوا ما فرطوا به من البضاعة إلى خزينة الدولة من أموالهم الخاصة ربما بعد أن تُنسب إليهم تهمة سرقة أموال الدولة. لذا كان لابد ليعقوب (الذي لا يبغي) من رد تلك البضاعة (الأموال) إلى أصحابها على الفور وذلك لسببين اثنين على الأقل:

-        السبب العقائدي: لأن يعقوب وبنيه ليسوا بسارقين (وسنرى تبعات هذا لاحقا بحول الله وتوفيقه)، فالسرقة بشريعتهم جريمة كبيرة تستحق قطع اليد

-        السبب الإنساني: لأن يعقوب وبنيه ما كانوا ليكونوا سببا في شقاء الآخرين خاصة من أخطأوا في وضع تلك البضاعة في متاع أبنائه.

تخيلات من عند أنفسنا: ما أن رأى يعقوب أن البضاعة (وهي ما دفعه أبناؤه ثمنا لما أحضروه من هناك) قد ردّت في متاع أبناءه حتى أدرك بأن هذه الأموال لابد أن تعود إلى أصحابها على الفور، ولتبسيط الفكرة دعنا نضرب المثال التالي: تخيل - عزيزي القارئ- لو أنك أرسلت واحدا من أبنائك إلى محل تجاري ليحضر لك بعض "مستلزمات البيت"، وما أن عاد إليك ولدك يحمل تلك "الأغراض" التي اشتراها من ذلك المحل حتى تبين لك عندما قمت بفتحها أن الأموال التي أرسلتها مع ولدك ليدفعها ثمنا لتلك الأغراض متواجدة في "الأكياس" التي جاء يحملها الولد من هناك، فما الذي يجب عليك أن تفعله على الفور (ربما قبل أن تستهلك ما اشتريته بها)؟ ألا تبعث بولدك نفسه على الفور مرة أخرى إلى المحل التجاري ليرد الأموال إلى صاحب أو عامل المتجر الذي اشترى منه تلك الحاجيات؟ أليس هذا ما يجب أن يفعله من كان في قلبه مثقال ذرة من "ضمير"؟ فما بالك برجل مثل يعقوب النبي؟ هل تراه يسكت على ذلك؟

جواب مفترى: نحن نتخيل أن هذا بالضبط ما حصل عندما رأى يعقوب أن البضاعة قد وجدت في متاع أبناءه، لقد ظن يعقوب (نحن نتخيل) أنها ربما وضعت هناك من باب الخطأ. فلابد من إرجاعها إلى أصحابها. لذا يجد من أراد أن يتدبر النص القرآني أن نبرة خطاب يعقوب مع أبناءه بخصوص العودة إلى أرض مصر مصطحبين أخاهم قد انخفضت إلى أدنى مستوياتها:

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

ولو راقبنا هذه الآية الكريمة جيدا لما وجدنا يعقوب الآن يعارض عودة أبناءه إلى مصر لأن هذا أمر لا مفر منه وذلك من أجل (نحن نظن) رد البضاعة التي وجدوها في متاعهم إلى أصحابها قبل كل شيء، ولكنه في الوقت ذاته يحاول الآن أن ينتزع من أبناءه "موثقا" للحفاظ على أخيهم بعد أن قدم بعض التنازلات عن موقفه المتشدد السابق:

          قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64)

نتيجة: نحن نعتقد أنه سيكون لهذه الجزئية على وجه التحديد تداعياتها الهائلة في بقية أحداث قصة يوسف مع إخوته، ولكن كيف ذلك؟

رأينا: ما أن يعود إخوة يوسف ومعهم البضاعة التي وجدوها في متاعهم، وما أن يقوموا بتسليمها لأصحابها (أي لعزيز مصر وفتيانه) حتى يكونوا قد قدموا بذلك الدليل العملي الذي ربما يصعب إنكاره على أنهم قوم لا يسرقون. فلو كانت السرقة من طباعهم لما كانوا (نحن نعتقد) مضطرين إلى أن يعيدوا البضاعة التي وجدوها في رحالهم بعدما انقلبوا إلى أهلهم، فمن - يا ترى- سيحاسبهم عليها؟ ومن سيستطيع أن يثبت أنهم قد سرقوها؟ الخ.

إن ما يهمنا الخروج به هنا هو أن إخوة يوسف قد اثبتوا بالبرهان العملي أنهم ليسوا بسارقين. ولو تدبرنا بقية أحداث قصة يوسف لوجدنا أن هذه هي الحجة نفسها التي استخدموها لاحقا لمحاولة تبرئة أنفسهم من تهمة السرقة التي وُجِّهت إليهم عندما فُقِد صواع الملك:

          فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)

فها هو لسانهم جميعا ينطلق بكل قوة ليؤكدوا للعزيز ومن حوله بأنهم قوم لا يسرقون:

          قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)

السؤال: كيف يقول إخوة يوسف للعزيز ومن حوله بأنهم أصبحوا يعلمون أنهم ماجاءوا ليفسدوا في الأرض وما كان سارقين؟ فكيف علم عزيز مصر أن هؤلاء العير ما كانوا سارقين؟ هل اختبر أمانتهم من ذي قبل؟

رأينا: نحن نظن أن الرسالة التي يريد أن يوجهها هؤلاء الإخوة (أبناء الأنبياء) لعزيز مصر هي على النحو التالي: لقد علمتم جميعا (يا أهل مصر) بأننا قد أعدنا البضاعة (الأموال) التي وجدناه في رحالنا عندما عدنا إلى ديارنا في الرحلة الأولى، ولو كانت السرقة من طباعنا (أظنهم كانوا يقولون) لما اضطررنا أن نرجع من تلك البلاد البعيدة لنعيد تلك البضاعة إليكم. فنحن (أبناء الأنبياء) مَا نَبْغِي، أي لا نأكل مما ليس لنا فيه حق:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن رسالة الإخوة الموجّه لمن اتهمهم بالسرقة كانت (في ظننا) على النحو التالي: إنكم الآن تعلمون جميعا أن أحد أسباب عودتنا بهذه السرعة إلى أرض مصر هو أن نعيد تلك البضاعة التي وجدناها في متاعنا، وأن هذا السلوك لا يقوم به من كانت السرقة من طبائعه.


ثانيا، لعلي أجزم الظن أيضا بأن هذا التدبير المحكم من يوسف كان الهدف منه ليس فقط أن يجبر إخوته على العودة إلى أرض مصر ليردّ البضاعة متى ما وجدوها في رحالهم:

          وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

ولكن الهدف الآخر هو أن يعيدهم إليه بأقصى سرعة ممكنة، فلا أظن أن يوسف كان سينتظر حولا كاملا حتى يرجع الإخوة إليه في العام التالي، فكيف حصل ذلك؟

رأينا: نحن نظن أن يوسف يعلم أن والده يعقوب وإخوته "لا يبغون"، فهو يعلم تماما بأنه ما أن يرى والده وإخوته بضاعتهم وقد ردت إليهم في رحالهم حتى يكون القرار (كما خطط له يوسف بنفسه) هو العودة إلى أرض مصر بالسرعة القصوى، ربما لهدفين اثنين وهما:

1.     لا نبغي (عندما يردوا البضاعة التي وجدوها في متاعهم إلى أصحابها)

2.     نمير أهلنا (عندما يقومون بتسجيل أهلهم في قيود الدولة المصرية ليتسنى لهم الحصول على الكيل)

ثالثا، لو راقبنا النص القرآني جيدا لوجدنا أن إخوة يوسف لم يكونوا ميسورين جدا من الناحية المادية، فهم لم يكونوا يستطيعون شراء جميع حاجياتهم خلال سنين القحط كلها بدليل أنهم عندما قدموا في المرة التالية جاءوا ببضاعة مزجاه، وطلبوا من عزيز مصر أن يتصدق عليهم:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

فحالتهم الاقتصادية (نحن نظن) لم تكن تدل على وجود الوفرة المالية عندهم، لذا كان لزاما عليهم أن يأتوا عزيز مصر بأخيهم الذي هو من أبيهم، وأن يقوموا "بتنمير أهلهم" ليحصلوا على الكيل (المجاني)، انظر تسلسل الأحداث كما تجليها الآية الكريمة نفسها التي جاءت على لسان الإخوة أنفسهم:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

ولو حاولنا أن نتدبر النص أكثر لوجدنا أن ما كان يطلبه إخوة يوسف من أرض مصر هو الكيل، أليس كذلك؟

لكن لو حاولنا أن نربط ذلك بكامل السياقات القرآنية التي ترد فيها مفردة الكيل، لوجدنا الضرورة تستدعي التمييز بين الكيل من جهة والميزان من جهة أخرى:

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (85)

ولو دققنا أكثر لوجدنا أن عملية الوزن تكون باستخدام القسطاس المستقيم:

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)

أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183)

ولو راقبنا جميع السياقات القرآنية التي تتحدث عن قصة يوسف مع إخوته لوجدناها تفرد الكيل ولا تأتي على ذكر الميزان أو القسطاس المستقيم:

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59)

فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

السؤال: لماذا؟ لماذا كان يوسف يستخدم الكيل في توزيع ما ادخره من الخيرات على الناس؟ ولِم لَم يكن يستخدم الميزان (القسطاس المستقيم) كما نزعم؟

رأينا: نحن نظن أن ما كان متوافرا عند يوسف هو ما كان يقوم بتخزينه من الحصاد:

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47)

ولو دققنا في السياق أكثر لوجدنا أن تلك المحاصيل قابلة للتخزين:

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48)

لذا نحن نفتري الظن بأن تلك المحاصيل لم تكن تقدر بالميزان (القسطاس المستقيم) وإنما بالكيل.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن الكيل يحتاج أن يوفّى:

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (35)

السؤال: كيف يمكن أن يوفّى الكيل؟ وما الفرق بين الكيل من جهة والوزن بالقسطاس المستقيم من جهة أخرى؟

رأينا: الدقة (أي التقدير)

السؤال: وكيف ذلك؟

جواب مفترى: نحن نظن أن يوسف لم يكن يقوم بتقديم المساعدة للناس باستخدام القسطاس المستقيم لأن ذلك كان سيتطلب إعطاء الجميع القدر ذاته، وبكلمات أكثر دقة نحن نفتري القول بأنه لو كان يوسف يقوم بتوزيع الخيرات المتوافرة عنده باستخدام الميزان، لحصل كل قادم إليه على الكمية نفسها التي سيحصل عليها الآخرون، وهذا ما نظن أن يوسف لم يكن يفعله، بل على العكس فنحن نظن أن يوسف لم يكن يعطي الجميع الحصة نفسها، فقد كان يعطي بعض الناس حصة أكثر من حصة الآخرين، فلو ذهبت أنا وأنت إلى يوسف ليكتال لنا معا، فلربما (نحن نظن) أعطاني حصة أكبر من تلك التي كان سيعطيك إياها.

السؤال: لماذا؟

رأينا: نحن نظن أن عملية توزيع "المئونة" (أو rations باللسان الأعجمي) في زمن يوسف كانت مبنية على أساس الحاجة، وليس على أساس "القسط" بين الناس، وذلك لسبب بسيط جدا وهو أن حاجة كل شخص تختلف عن حاجة الآخر. فنحن نظن أن إخوة يوسف أنفسهم لم يأخذوا جميعا الكيل نفسه لو أن يوسف قد اكتال لهم أصلا، فقد يأخذ بعضهم كيلا أكثر من كيل الآخر، والسبب في ذلك يعود إلى حاجة كل واحد منهم، ولكن كيف ذلك؟

رأينا: تخيل معي – عزيزي القارئ- أن أحد إخوة يوسف كان رجلا يقوم على عائلة مكونة من عشرة أشخاص بينما شقيقة الآخر يقوم على عائلة مكونة من خمسة أفراد، فهل كان يوسف سيعطيهما الكمية نفسها؟

جواب: كلا وألف كلا، فنحن نظن أن يوسف كان يوزع بالكيل وليس بالوزن (باستخدام القسطاس المستقيم)، لذا كان عليه أن يوفّي الكيل كل حسب حاجته منه (To each according to his needs).

الدليل

نحن نقرأ الدليل على هذا الافتراء الذي هو من عند أنفسنا في الآية التي جاءت على لسان إخوة يوسف أنفسهم عندما كانوا يراودون أباهم عن أخيهم في عبارة "ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ":

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

السؤال: لماذا كان ذلك الكيل على وجه التحديد "كيلا يسيرا"؟ ألم يكن كيلا عاديا ككيلهم مثلا؟ وهل هناك كيل يسير وكيل غير يسير؟

رأينا: نحن نظن أن كيل أخيهم الذي هو من أبيهم سيكون كيلا يسيرا وذلك لأنه لم يكن (نحن نظن) يقوم على عائلة كبيرة تستحق أن تحصل على كيل كبير. فهذا الأخ (على وجه التحديد) لم يكن (نحن نظن) قد تزوج بعد، لذا فهو لا يحتاج إلى الكيل الذي يجلب المشقة، فلو كان كيل أخيهم هذا كيلا غير يسير لربما جلب له مشقة الطريق:

فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)

ولكن الكيل اليسير هو الكيل الذي لن يجلب المشقة:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8)

نتيجة: نحن نظن أن واحدة من الرسائل التي كان الإخوة يريدون أن يوصلوها إلى أبيهم كنوع من أنواع المراودة له عن أخيهم هذا الذي طلبه عزيز مصر هو تأكيدهم له بأنهم سيحاولون الحفاظ عليهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، وأنه في الوقت ذاته لن يلقى أخوهم هذا من أعباء السفر والرحلة كثير عناء لأن كيله على وجه التحديد سيكون كيلا يسير:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

السؤال: كم كان كيل ذلك الأخ إذن؟

جواب: ما يحمله بعير واحد، انظر الآية مرة أخرى:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

نتيجة مفتراة: مادام أن هذا الأخ سيحصل على كيل بعير واحد فقط وأن ذلك كيل يسير، فإننا نتخيل أن كيل إخوته الآخرين لم يكن كيلا يسيرا، ولكن لماذا؟

رأينا: لأن بعضهم كان سيحصل على أكثر من كيل بعير واحد.

تخيلات: نحن نظن أنه لمّا كان توزيع الكيل من عند يوسف مبنيا على الحاجة، كان كل واحد منهم سيحصل على كمية من المئونة تختلف عن الآخر، لذا كان بعضهم مضطرا أن يجلب معه أكثر من كيل بعير واحد، فقد يكون كيل أحدهم ما يحمله بعيران، وقد يكون كيل أخ لهم آخر ما يحمله ثلاثة من البعير، وهكذا. لذا كان كيل بعضهم غير يسير لأنه يحتاج أن يتحمل أعباء السفر وهو يسوق أمامه وخلفه أكثر من بعير واحد. لكن هذا الأخ على وجه التحديد لم يكن سيضطر لذلك مادام أن كيله سيكون بعيرا واحدا فقط، لذا ستكون أعباء سفره أقل من غيره من إخوته.

نتيجة مفتراة: لعلنا نجزم الظن بأن هذا الأخ على وجه التحديد كان أصغر إخوته سنا على الإطلاق. فهو لم يكن يحتاج أن يعيل الكثير ممن حوله، وربما (نحن نظن) لم يكن قد تزوج بعد، فلم تكن له أهل (زوجة وأبناء) يقوم على إعالتهم.

الدليل

لعلنا نستطيع أن نجلب الدليل على ذلك بطرح التساؤل التالي: لماذا أرسل يعقوب أبناءه الآخرين جميعا؟ ولماذا لم يرسل ابنه هذا في رحلتهم الأولى؟

جواب: ربما يظن الكثيرون بأن السبب في ذلك يعود إلى أن يعقوب كان يخشى عليه من كيد إخوته به.

رأينا: لا شك أن هذا صحيح، لكن يبقى التساؤل نفسه قائما: كيف سيرضى الإخوة أن يحضروا الكيل لأخيهم الذي لم يبذل جهدا في الحصول عليه؟ وكيف يقبل هذا الأخ أن يحصل على ما جهد الإخوة في الحصول عليه؟ ألا يدل ذلك على أن هؤلاء الإخوة لازالوا يعملون "بالسخرة" عند أخيهم؟ ألا تدل على أن يعقوب النبي لازال يحب هذا الولد من أبناءه أكثر من غيره؟ ألا يدل ذلك على أن يعقوب لازال في ظلاله القديم؟ لِم لَم يثير ذلك الغيرة في نفوس الإخوة؟ لم لم يذكروا بأن أباهم لازال يفضله عليهم كما كان يفضل يوسف من ذي قبل؟ ألم يقل الإخوة أن يوسف وأخاه هذا أحب إلى أبيهم منهم:

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8)

لِم لَم يلجأ الأبناء إلى هذه الحجة في مراودتهم أباهم عنه؟ لِم لَم يقولوا له بأنك لازلت تفضله علينا؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن تفضيل يعقوب لأحد من أبناءه على غيره قد انتهى عندما تم طرح يوسف أرضا:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

فما أن تم طرح يوسف أرضا حتى خلا لهم جميعا وجه أبيهم، وما عاد يعقوب يفضل أحد أبناءه على الآخرين، وما عاد الإخوة يثيرون هذه القضية من جديد مادام أنها لم تعد تشكل لهم معضلة (للتفصيل انظر الأجزاء الأولى من هذه المقالة).

السؤال: لماذا إذن لم يبعث يعقوب ولده هذا للحصول على الكيل من أرض مصر مع إخوته في المرة الأولى؟

رأينا: لعلي أجزم الظن بأن أحد تلك الأسباب يعود إلى أن هذا الأخ لم يكن مضطرا للحصول على المئونة مادام أنه لا يقوم على إعالة غيره، فهذا الولد لازال شابا يافعا، يستطيع الحصول على رزقه بنفسه، ويستطيع تحمل مشقة الجوع إن اضطر إلى ذلك، فلا زالت المحنة (سنين القحط) في بداياتها، لذا لم يكن مضطرا أن يهبط مصرا في المرة الأولى. ولو كان هذا الولد (نحن نتخيل) يقوم على إعالة غيره، كأن يكون رب أسرة تحتاج إلى المئونة لما تردد في الهبوط مصر، أو البحث له عن طريقة لسد حاجاتهم، أو ربما هبط إلى أرض مصر مع قافلة أخرى غير قافلة إخوته، انظر ما قاله يعقوب:

قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

فقرار يعقوب كما نقرأه هو"أن لا يرسله معهم" (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ)، لذا نحن نفهم من ذلك أن يعقوب كان على استعداد أن يرسله مع غيرهم (انظر مفردة معكم في الآية الكريمة) لو أن المسألة كانت متوقفة فقط على الكيد به. لكن السبب الآخر الذي لم يكن يجبر يعقوب على أن يرسل ولده هذا مع إخوته إلى أرض مصر هو – في ظننا- أن كيل هذا الولد هو كيل يسير:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

فما كان ذهاب هذا الولد (أو عدم ذهابه) سيزيد في الكيل أو سينقص منه الكثير، فهم يستطيعون أن يتدبروا أمرهم حتى دون الحاجة إلى كيله لأنه (كَيْلٌ يَسِيرٌ).

وربما يظن البعض بأن يعقوب قد اختار هذا الولد من دون إخوته ليبقى يقوم على خدمته (انظر أمهات كتب التفاسير)، لكننا نرفض هذا المنطق جملة وتفصيلا، لأن ذلك يعني أن يعقوب لازال يفضل أحد أبناءه عليهم جميعا، ولربما شعر الأبناء أن وجه أبيهم لم يخل لهم بعد، ولربما حاولوا الإطاحة به كما فعلوا بيوسف:

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9)

رأينا: نحن نتخيل أن السبب الذي دفع بكل من هبط من أبناء يعقوب أرض مصر هو الحصول على المئونة التي تكفي عائلته الخاصة، أي أهله. فلقد كان لإخوة يوسف أهل (أبناء وزوجات) وكان كل واحد منهم مسئولا عن توفير أقواتهم:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

ثانيا، لو تدبرنا ما قاله الإخوة لعزيز مصر من أجل أن يقبل بمبدأ الفداء بعد "حادثة السرقة المدبرة" هو أنهم ذكروا بأن هذا الأخ على وجه التحديد له أبا شيخا كبيرا:

قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78)

ولو كان لأخيهم هذا أهل مثلهم (زوجة وأولاد)، لما تردد الإخوة (نحن نتخيل) أن يسوقوا هذا الأمر كمبرر للفداء.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن إخوة يوسف كانوا يعلمون أن كل واحد منهم مسئول عن توفير قوت أهله (زوجاته وأبناءه)، لذا عليه أن يهبط بنفسه مصرا للحصول على الكيل. ومادام أنه كان يقوم على إعالة غيره، فإن كيله (نحن نظن) لن يكون كيلا يسيرا، فكان لابد أن يقوم به بنفسه، ولا أظن أن أحدا منهم كان يستطيع أن يسند المهمة إلى غيره. ولكن قصة أخيهم هذا كانت مختلفة بعض الشيء، فهو لازال يعيش "عازبا"، لا همّ له سوى والده الشيخ الكبير، لذا كان بقاءه بجانب والده هو ما أملته الضرورة وليس تفضيلا له على غيره من إخوته، لأنه لو كان الأمر تفضيلا لتسابق الأبناء في ذلك لأن المخدوم هو نبي الله يعقوب، فذاك شرف يحرص كل منهم على أن يكون له منه نصيبا مفروضا.

دعنا نعود فنربط هذا الأمر بالتساؤل الذي طرحناه سابقا وهو: لماذا طلب يوسف من فتيانه أن يجعلوا بضاعة إخوته في رحالهم؟ ألم يكن يوسف مؤتمنا على أموال الدولة؟ فإذا كان يوسف قد منعهم الكيل لأنهم ليسوا من رعايا الدولة المصرية حينئذ، وإذا كان يوسف قد حافظ على أموال الدولة بهذا التصرف (كما زعمنا)، فكيف به يجعل البضاعة (ثمن الجهاز الذي جهزهم به) في رحالهم؟ أليس ذلك تحايلا على القانون؟

رأينا: كلا وألف كلا، نحن نظن أن ذلك لا يقدح بأمانة يوسف على الإطلاق ربما للأسباب التالية:

1.     يوسف يعلم أن هؤلاء الإخوة "لا يبغون"، وأنهم - لا شك- سيرجعون بتلك الأموال متى ما وجدوها في رحالهم بعد أن ينقلبوا إلى أهلهم. فعودتهم بتلك الأموال إلى أرض مصر لا محالة حاصلة.

2.     لقد فعل يوسف ذلك على مرأى ومسمع من الحاضرين:

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

فيوسف لم يحاول أن يقوم بذلك بالسر، فلو كانت فعلة يوسف تلك فيها شبهة السرقة لما تجرأ على العلن بها على مرأى ومسمع الموظفين من حوله. أليست هذه هي الشفافية التي يتحدثون عنها في "المزارع العربية" (على غرار George Orwell’s Animal Farm)؟ هل يستطيع رئيس الجامعة التي أعمل فيها مثلا أن يستفيد من التكنولوجيا الحديثة وينشر ما يحصل عليه من أموال كرواتب وعلاوات ومكافئات مثلا في نهاية كل شهر على الشبكة العنكبوتية ليراه من حوله فيكون قدوة لهم، فما باله يتيح لنفسه أن يطلع على ما أحصل عليه أنا كموظف في تلك المؤسسة ولا يسمح لي بأن أطلع على ما يحصل عليه هو؟ هل هناك ما يخجل منه متى ما رءاه من حوله؟ أليست تلك أموال الناس نتقاضى منها جميعا بالقانون؟ فما بال القانون يتيح له أن يطلع على خصوصيات الآخرين ولا يسمح للآخرين الإطلاع على خصوصياته؟ ولم يكن الحصول على الراتب من الخصوصيات التي لا يحق للآخرين الإطلاع عليها؟

رأيي المفترى: لو أن صاحب السلطان (بغض النظر عن حجم سلطانه) لا يرى أن فيما يحصل عليه من أموال الناس التي يعمل عليها شبهة قد تجر عليه ما قد لا يحمد عقباه لما تردد أن يؤذن مؤذن في العير رافعا كتابه بيمينه ليقول:

فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ (19)  

ولكن لما كانت الشبهات تحف به من كل حدب وصوب، خط القانون بيمينه الذي يمنع غيره من الإطلاع على الخبايا والالتفافات التي من خلالها يأكل أموال الناس بالباطل بعد أن يشرعنه بقوانين وأنظمة وتشريعات تحل له ما حرم الله عليه:

فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)

السؤال: وأنا شو دخلني بهالكلام؟ ما أنا حالي ألعن من حالهم، هل تظنون - يا سادة- بأنه لو صارت الأمور إليّ، ألن أكون أكثر دهاء وحيلة منهم؟ من يدري!!! لنعد إلى قصة يوسف أحسن.

3.     مادام أنها بضاعة فهي معروفة القيمة، لذا يسهل ردها لو أن الإخوة لم يعودوا بها، فسجلات الدولة المصرية مسجل فيها مقدار البضاعة التي أمر يوسف فتيانه أن يجعلوها في رحال إخوته.

4.     وأظن أن يوسف هو من سيتحمل دفعها من جيبه (حسابه الخاص) لو أن البضاعة لم ترد. فلعلي أجزم القول بأن يوسف قد كان هو شخصيا من تكفّل رد تلك البضاعة لو أن إخوته لم يردوها، فهذا الموقف قد حصل من يوسف في موطن آخر عندما فُقِد صواع الملك، حينها أذن مؤذن بالعير أنهم لسارقون:

فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70)

فحتى يظهر يوسف على أنه هو من ينقذهم من هذه الورطة التي أوقعوا فيها أنفسهم فقد تكفل بأن يقدم لمن يجيئ بذاك الصواع حمل بعير قبل أن يعمد إلى تفتيشهم، مؤكدا أنه يكفل السداد بشخصيته الاعتبارية، وانظر – إن شئت- عبارة "وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ" في الآية الكريمة التالية:

قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (72)

5.     الخ.

تخيلات من عند أنفسنا: لقد دبر يوسف الخطة المحكمة بنفسه، ونفذها بالتعاون مع فتيانه، وبعلم من حوله جميعا، فكان بذلك يحفظ للجميع حقوقهم، فلا يفرط بأموال الدولة، وفي الوقت ذاته يستخدم شخصيته الاعتبارية كعامل على خزائن الأرض وكعزيز مصر ليتكفل السداد في حالة تخلف إخوته عن رد الأموال إلى خزينة الدولة بأقصى سرعة ممكنة. لكن لمّا كان يوسف يعلم أمانتهم وأنهم قوم "لا يبغون"، فهو على يقين تام بأن الخطة ستنفذ بالطريقة التي رسمها، فإخوته سيجدون بضاعتهم متى ما انقلبوا إلى أهلهم، وسيعرفونها، وسيردونها بأقصى سرعة ممكنة.

الدليل

لو تدبرنا القصة كاملة كما تجليها السياقات القرآنية لوجدنا أن إخوة يوسف قد عادوا في رحلتهم الثالثة إلى أرض مصر وقد نفدت منهم "البضاعة غير المزجاة"، وما عادوا أرض مصر هذه المرة إلا ببضاعة مزجاة، فطلبوا من عزيزها أن يوفِ لهم الكيل وأن يتصدق عليهم:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)  

السؤال: لماذا جاءوا هذه المرة ببضاعة مزجاة؟ ولم كانت بضاعتهم هذه المرة مزجاة؟ وما هي البضاعة المزجاة أصلا؟ وأين ذهبت بضاعتهم غير المزجاة التي كانت بحوزتهم في الرحلة الأولى والثانية إلى أرض مصر؟

رأينا المفترى: نحن نظن أن البضاعة "غير المزجاة" هي البضاعة التي يسهل التعامل بها في السوق، ولكن البضاعة المزجاة (نحن نفتري القول) هي البضاعة التي يصعب تصريفها. فالمتعاملون في السوق لا يكونون راغبين فيها كثيرا.

الدليل

لو عدنا إلى واحدة من أحداث قصة يوسف السابقة لوجدنا السياق القرآني التالي الذي يصور لنا حركة التجارة في سوق مصر حينئذ:

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)

ولو تدبرنا هذا السياق القرآني لوجدنا أن أركان التجارة متوافرة جميعها هناك، وهي:

1.     السوق، وهي السوق المصرية (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ)

2.     الذي باع يوسف في السوق، وهم الذين (شَرَوْهُ)

3.     الذي اشترى يوسف من السوق، وهو الذي (اشْتَرَاهُ)

4.     العملة المستخدمة في هذا التبادل التجاري، وهي الدراهم (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ)

السؤال: لماذا استخدمت الدراهم في شراء يوسف؟ ولماذا لم يستخدم إخوة يوسف الدراهم في شراء حاجياتهم من السوق عندما جاءوا من البدو؟

جواب مفترى من عند أنفسنا: نحن نظن أن "الدراهم" هي العملة التي يستخدمها أهل البلاد الواحدة في تعاملاتهم التجارية في سوقهم، فأهل مصر مثلا يستخدمون الدراهم الخاصة بهم في تعاملاتهم في سوقهم، وأهل الشام يستخدمون الدراهم في التعاملات فيما بينهم، فلهؤلاء دراهمهم الخاصة بهم، ولهؤلاء دراهمهم الخاصة بهم.

ولكن يبقى التساؤل التالي قائما: ماذا لو أراد أهل الشام أن يتعاملوا مع أهل مصر؟ فأي الدراهم سيستخدمون؟ هل يستخدمون الدراهم الدارجة في السوق المصرية أم تلك الدارجة في السوق الشامية؟

رأينا: لن يقبل أهل مصر بدراهم أهل الشام، ولن يقبل أهل الشام بدراهم أهل مصر، لأن الدراهم هي (في ظننا) العملية المحلية (أي المستخدمة في السوق المحلي)، لذا لابد من وجود "عملة" يقبل الطرفان أن يتعاملا بها فيما بين بعضهم البعض.

مثال: لو أحضرت أنا شخصيا "دراهم أردنية" مثلا، وذهبت بها إلى أسواق أخرى، فهل أستطيع أن أتعامل بها في السوق المصرية أو السوق الجزائرية أو المغربية أو العراقية أو اليمنية، الخ؟

جواب: كلا، لأن "الدينار الأردني" هو دراهم أردنية مقبولة في السوق الأردني فقط، وهكذا هو الدينار التونسي أو الجنيه المصري أو السوداني. لذا لابد لي أن استخدم "دراهم" مقبولة في ذلك السوق الذي أتواجد فيه.

تخيلات: نحن نتخيل أن إخوة يوسف قد جاءوا قادمين من البدو، لذا لم تكن لديهم دراهم مصرية ليتعاملوا بها في السوق المصرية، فكان لزاما عليهم أن يأخذوا "بضاعة" وليس "دراهمهم المتداولة" فيما بينهم للهبوط إلى أرض مصر وإجراء التعاملات التجارية في أسواقها.

السؤال: ماذا كانت تلك البضاعة؟

رأينا المفترى: لعلي أجزم الظن بأنهم هبطوا مصرا وفي جيوبهم "العملة" العالمية حينئذ، وهي في ظننا الذهب والفضة، والسبب في ذلك أن الذهب والفضة لم تكن "دراهم محلية" وإنما "عملة عالمية" يمكن التعامل فيها في جميع الأسواق. فكل أهل سوق لا يترددون بأن يأخذوا الذهب والفضة كبضاعة مقابل أي بضاعة يطلبها صاحب الذهب والفضة.

نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن "البضاعة" هي كل مادة قابلة للمقايضة في التعاملات التجارية، ولا ننسى أن يوسف نفسه كان في يوم ما بضاعة:

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

تخيلات: مادام أن إخوة يوسف لم يكونوا مصريي الجنسية، فهم لا يملكون دراهم السوق المصرية المحلية، لذا نحن نتخيل أنهم هبطوا في رحلتهم الأولى والثانية إلى أرض مصر يحملون في جيوبهم بضاعة (ذهبا وفضة) لإجراء التبادلات التجارية في السوق المصرية ، فتمت المبادلات التجارية بتلك البضاعة. وهي البضاعة نفسها التي طلب يوسف من فتيانه أن يجعلوها في رحالهم لعلهم يرجعون:

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

ولما كانت تلك البضاعة صغيرة في حجمها، استطاع فتيان يوسف أن يجعلوها في رحال الإخوة فما استطاع الإخوة أن يدركوا ذلك إلا بعد أن فتحوا متاعهم عندما انقلبوا إلى أهليهم:

وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

الدليل: لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا

لو تدبرنا الآية الكريمة التالية لوجدنا أن يوسف يقول بأن معرفة إخوته لبضاعتهم ضرورة لكي تنفذ خطته التي رسمها:

وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62)

السؤال: كيف سيعرف الإخوة بضاعتهم؟ وهل كان من الممكن أن لا يعرفونها؟

جواب مفترى: نعم، لو كانت تلك البضاعة التي وجدوها في رحالهم هي بضاعة غير بضاعتهم التي ذهبوا بها إلى أرض مصر لما استطاعوا أن يعرفونها، وذلك لأن البضاعة (نحن نظن) تختلف من موطن إلى آخر، فالمسكوكات الذهبية والفضية مميزة في كل بلد من البلدان. صحيح أن المادة الخام هي الذهب والفضة نفسها، إلا أن طريقة صكّها تختلف من بلد إلى آخر. لذا نحن نتخيل إخوة يوسف وقد هبطوا مصرا يحملون في جيوبهم مسكوكات ذهبية وفضية تميّز بلادهم التي جاءوا قادمين منها. وما أن فتح الإخوة متاعهم بعدما انقلبوا إلى أهليهم حتى وجدوا بضاعتهم نفسها (من الذهب والفضة) وقد ردت إليهم، وهنا لم يكونوا يستطيعون أن ينكروا بأن هذه البضاعة على وجه التحديد هي بضاعتهم التي هبطوا بها مصر وأنها يجب أن ترد إلى أصحابها الحقيقيين مادام أنهم قد حصلوا مقابلها على بضاعة أخرى جلبوها من هناك.

نتيجة: ما نفدت من إخوة يوسف تلك البضاعة (الذهب والفضة) حتى هبطوا مصر في رحلتهم الثالثة وهم يحملون بضاعة مزجاة، وهنا أصبحت مهمتهم أكثر صعوبة في الحصول على ما يبغونه من السوق المصرية.

السؤال: لماذا؟

رأينا: لأن البضاعة المزجاة هي البضاعة التي يصعب تصريفها في التبادلات التجارية في الأسواق، ومن هنا جاء طلبهم من يوسف أن يوفِ لهم الكيل وأن يتصدق عليهم:

فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88)

نتيجة: وهنا فقط لم يستطع يوسف أن يسكت على كتمان أمره أكثر من ذلك، فما كان منه إلا أن سألهم عن ما فعلوا به وبأخيه من قبل:

قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89)

السؤال: لماذا عمد يوسف على إظهار شخصيته لهم في هذه اللحظة على وجه التحديد؟ ولم لم يفعل ذلك من ذي قبل؟

هذا ما سنحاول النبش فيه في الجزء القادم بحول الله وتوفيق منه، فالله وحده أسأله أن يعلمني وصاحبي عليا ما لم نكن نعلم، وأن يجعل فضله علينا عظيما، وأن يهدينا إلى نوره الذي أبى إلاّ أن يتمّه ولو كره الكافرون، ونعوذ به أن نفتري عليه الكذب أو أن نقول عليه ما ليس لنا بحق، إنه هو العليم الحكيم.

وأساله وحده أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيري، إنه هو الواسع العليم – آمين.

المدّكرون: رشيد سليم الجراح        &        علي محمود سالم الشرمان

بقلم: د. رشيد الجراح

13 نيسان 2014




[1] للتفصيل حول مفهومنا للبغاء الذي جاء في هذه الآيات الكريمة، انظر مقالتنا تحت عنوان: كيف تم خلق عيسى بن مريم؟ الجزء التاسع.