تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

ملخص جدلية عذاب القبر


ملخص جدلية عذاب القبر[1]
دراسة في الإحالة النصية من منظور نظرية الحلول المثلى

ملاحظة: النص الكامل بإطاره النظري مكتوب باللغة الإنجليزية
مقدمة
لقد أشكل هذا الأمر على العامة لأنّ علماء الأمة-كما يعلم الجميع- قسموا أنفسهم إلى فريقين: فريق يؤمن بعذاب في القبر وآخر لا يؤمن به[2]، وقدّم كل طرف حجته التي ظنّ أنّها تؤيد ما ذهب إليه، ودعا هذا الجدال إلى ظهور طرف ثالث (انظر ) يتخذ الموقف التالي: ما جدوى البحث بمثل هذه الأمور الخلافية إذا كان ما يترتب عليها هو من أمر الآخرة؟! فتمثل موقفهم في التفضيل بعدم الخوض في مثل هذه الأمور الغيبية، ولكنّنا نرى أنّ هذا الطرف الثالث قد أخطأ في تصوير الموقف وذلك لسبب بسيط وهو: لا يمكن تجميد فكر الأمة لمجرد الخلاف، فالخلاف والنقاش لابد أنْ يؤدي في النهاية إلى تبلور الحقيقة، فقد يسعف تسليط الضوء بكثافة على هذه الأمور في تجليها وانكشاف الغمام عنها، ونحن في هذا المقام لا نريد إعادة صياغة الأفكار القديمة، ولكننا نرى أنّ هناك متسعاً من المكان لتسليط الضوء على هذا الأمر من زوايا جديدة ربما تفتح على بعضنا أفاقاً لمتابعتها ومن ثم تأييد التفكير للأمة بأكملها في اتجاه معين.

الافتراض النظري
إنّنا نزعم – حسب فهمنا اللغوي على أقل تقدير- أنّه لا يمكن أنْ يكون هناك عذاب في القبر، وما تناقله الفكر المعاكس من أدلة على وجود عذاب في القبر تتضارب بشكل لا لبس فيه مع صريح اللفظ القرآني، وسنحاول تبيان ذلك بحول الله وتأييده فيما سيأتي. ومن الجدير بالذكر أنْ نعيد التذكير هنا أنّ منهجيتنا تتلخص بمتابعة إشارات الترابط النصي في القرآن الكريم كله، فلقد  دلت الأبحاث اللغوية أنّ الترابط النصي (textual cohesion) يمكن قياسه من الإشارات (cohesive elements) التي تعين القارئ على ربط المعلومات مع بعضها داخل النص الواحد أو قد ترجعه إلى معلومات وردت في سياقات سابقة أو لاحقة (Kintsch & Van Dijk, 1978; Graesser et al., 1994; Trabasso & van den Broek, 1985; Zwaan & Radvansky, 1998); Givon, 1995; Zwaan, 1996)، ومن الجدير بالذكر أيضاً القول أنّ هذه الإشارات قد ترد داخل الآية الواحدة أو السياق الواحد (locally) وقد ترد في سياقات أخرى (globally) (أنظر  Gernsbacher, 1990 (Graesser, McNamara, Louwerse, & Cai, 2004; Louwerse, 2002; ، ولكن من المفيد أنْ نذكر هنا أنّ الترابط النصي لا يعني وجود أو عدم وجود رابط وإنما هي درجة (أو قوة) الترابط التي يجب أنْ تؤخذ بالحسبان، فقد تكون الإشارة قوية في موطن ما وقد تكون أقل قوة في موطن آخر وهكذا، فهي إذاً تدرجية (continuum)، فارتباط لفظة في آية في موطن ما من القرآن الكريم مع موطن آخر لا شك تثير روابط جديدة، وهكذا، ولقد دلت الأبحاث العلمية إنّ فهم كيفية ترابط هذه الإشارات تساعد في فهم النص بشكل أكثر دقة  (e.g., Britton & Gulgoz, 1991; McNamara, 2001; McNamara, Kintsch, Songer, & Kintsch, 1996، وبمتابعة تلك الإشارات النصية في كتاب الله تبين لنا ما يلي:

أولاً، ليس هناك نص صريح واضح في كتاب الله-على الرغم من جدّيّة الأمر- يؤكد أنّ الكافرين من الناس يعذبون في قبورهم، أما الأحاديث النبوية في هذا الشأن فهي إما ضعيفة، أو أنّ ما هو موجود منها في الصحيحين- كما يعلم علماء الأمة- هي في مجملها أحاديث آحاد، ولا أرغب الدخول في هذه الجدلية لأنّ الأمر ليس من شأن العامة مثلي، ولكن يعلم علماء الأمة ما يترتب على أحاديث الآحاد في أمور العقيدة. وقد كانت هذه الفكرة محورية في الجدل الدائر بين المؤمنين بعذاب القبر والمنكرين له (أنظر )، ولذا فأنا لن أخوض في تلك الأحاديث ليس لأني أردها – كما قد يسيء البعض الفهم- ولكني أرغب في الدفاع عن موقفي بما لا يمكن لأحد أنْ يشكك ولو بحرف واحد فيه وهو كتاب الله تعالى، فجميع الأدلة التي سأقدمها ظانا أنّها تدعم موقفي مستمدة- بحول الله- من القرآن الكريم وحده، وهذا يعني بالضرورة أني لن أقتبس كذلك من أقوال الآخرين وإنْ تقاطعت معهم في بعض الأفكار والخواطر، ولكني أنوي أنْ أقحم نفسي في بناء فكر مستقل تتبلور جوانبه بطريقة عرض الفكرة نفسها.
يتلخص المنهج كما تصوره نظرية الحلول المثلى (optimal solutions) أو ما يشابها من منظور ترتيب الأولويات (setting up priorities) أنّ من الطبيعي أنْ تتعدد الآراء و تتضارب الأفكار، فليس هناك أفكار بشرية مطلقة الصحة، فقول البشر واجتهاداتهم تؤخذ أحياناً وترد في أغلب الأحيان، وبهذا تكون أفكارهم قابلة للنقض (violable)، ولكننا نرى أنّ السبب الرئيس وراء تضارب الآراء مع بعضها هو تضارب المحددات (conflicting demands or conflicting constraints) التي تحاكمت لها تلك الآراء، أي التي أُخذت بالحسبان عند مناقشة أمر ما، وكان ذلك بتمييز درجة أهمية أو قوة تلك الضوابط وهو ما يسمى بترتيب الضوابط أو ترتيب الأولويات ( constraint ranking)، وهذا يعني بكلمات بسيطة أنّ هناك ضوابط قوية (high ranking) وهناك ضوابط أقل قوة (low ranking)، وهكذا.
والملفت للنظر أيضاً أنّنا غالباً ما نختلف حتى في ترتيب تلك الأولويات، وبذلك تكون نقطة البداية لقبول أو رد الفكرة هي البحث في كيفية ترتيب الضوابط التي نحاكم الفكرة على أساسها حتى يتم التوصل إلى النتيجة المطلوبة أو الحل الأمثل (optimal solution)، فإذا ما اختلفنا في ترتيب أولوياتنا لابد أنْ نتوصل إلى نتائج مختلفة وبالتالي اختلاف في الرأي، أما إذا ما انطلقنا من نفس الترتيب فغالباً ما سنتوصل إلى نتائج متشابه (وليس بالضرورة أنْ تكون متطابقة).
ومما لا شك فيه أنّ تلك الضوابط تتداخل مع بعضها، فلكل شخص الحق أنْ يقدّم ما يشاء من أدلة وأراء كيفما يتصورها، وبالتالي يكون عدد الخيارات أو البدائل لا نهاية لها (infinite)، ولكن لا شك أنّ جميع البدائل يتم محاكمتها على الضوابط التي تم الاتفاق على ترتيبها في البدء وقبل كل شيء، ويكون الحل الأمثل هو الذي لا ينتهك كثيراً من تلك الضوابط، وإنْ تم انتهاك الضوابط جميعها ينظر إلى ترتيبها، فانتهاك ضابط منخفض الأهمية والترتيب (low ranking) أقل خطورة من انتهاك ضابط مرتفع الأهمية والترتيب (high ranking). وبالتمثيل على ذلك نقول ربما يتناقض رأي ما (ح1) مع الضابط (س) بينما ينتهك الرأي الآخر (ح2) الضابط (ص)، فأي الرأيين أجدر بالتبني؟ إنّ الجواب بكل بساطة هو الرأي الذي خالف الضابط المنخفض على سلم تدرج الضوابط كما في الشكلين التاليين (حيث تتدرج الضوابط أفقياً والبدائل عموديا):

ص
س
المدخلات

*!
ح1
*

ح2?

لاحظ أنه عندما يكون الترتيب على نحو أنّ (س) يسيطر على (ص) يكون البديل (ح2) أجدر بالتبني (ويشار إليه بالرمز?) ولكن عندما يعكس ترتيب الضوابط تنقلب الصورة رأساً على عقب ليكون الرأي المنافس (ح1) أحق بالأخذ والبديل (ح2) أحق بالرد (ويشار إليه بالرمز !).

س
ص
المدخلات

*!
ح1?
*

ح2

وبتطبيق نفس المنطق على موضوع جدلية عذاب القبر فإنّ جميع الآراء أو الحلول (ح1، ح2، ح3 ... الخ) المتعلقة بهذا الموضوع (وبغيره بلا شك) مضبوطة بالكتاب والسنة، فالكتاب ضابط والسنة ضابط[3]، ومما لا شك فيه أنّ ضابط الكتاب أقوى من ضابط السنة، فإذا ما حصل تضارب (حسب ظن البشر) بين ما هو موجود في الكتاب وما هو موجود في السنة[4]، لجأنا إلى ترتيب الضابطين بتقديم الكتاب على السنة، ونتخذ الرأي الذي لا يعارض الكتاب وإنْ عارض-حسب ظننا- ما هو موجود في السنة كما في التمثيل التالي:

 ض2 السنة
ض1 الكتاب
المدخلات عذاب القبر

*
ح1    (يوجد عذاب في القبر)
*

ح2)     لا يوجد عذاب في القبر)

فإنْ قلنا أنّ هناك عذاب في القبر خالف-حسب ظننا- بعض النصوص الموجودة في الكتاب، وإنْ قلنا لا يوجد عذاب في القبر خالف- حسب ظننا- بعض النصوص الموجود في السنة، فأي الرأيين أحق بالأخذ أو الرد؟ إنْ صحّ ما ندعي فلا شك أنّ التمسك بما في الكتاب أولى من التمسك بما هو موجود في السنة، وهذا بالضبط ما سنحاول تبيانه بالأدلة من كتاب الله في الصفحات التالية.

ثانياً، تتلخص منهجيتنا في نقل دليلينا على عدم وجود عذاب في القبر على مرحلتين، تتمثل المرحلة الأولى في تبيان الأدلة النقلية من القرآن التي تتعارض مع الإدعاء بوجود عذاب في القبر، وتتمثل المرحلة الثانية –وهي الأهم- في إعادة تفسير الأدلة المنقولة من الكتاب التي استخدمها معظم من ادعى بوجود عذاب في القبر.

المرحلة الأولى: نفي عذاب القبر
أولاً، إننا نؤمن أنّ من أبجديات عقيدتنا أنّ الله سيحاسب الخلائق أجمعين، ونؤمن كذلك أنّ ذلك الحساب سيكون بعد أنْ يقوم الناس لرب العالمين، ونومن أنّ كلاً سيأخذ كتابه إما بيمينه أو من وراء ظهره:
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَىٰ سَعِيرًا (12)              الإنشقاق 7-12
ونؤمن بالمشي على الصراط، ونؤمن أنّ كل فريق سيذهب إما إلى جنة أو إلى نار:
وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (71) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (72) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73)     الزمر 71-73
وسؤالنا الأول هو: ما فائدة كل ذلك إنْ بدأ العذاب في القبر؟ هل سيصبح هناك معنى للحساب يوم ينفخ في الصور النفخة الثانية ما دام العقاب قد حل قبل ذلك؟ فهل –يا ترى – يعاقب الله قبل أنْ يحاسب؟!
إننا ندعي حسب فهمنا أنّ هذه الآيات تتضارب بشكل جلي مع أحاديث عذاب القبر[5]، فأيهما أولى بالقبول؟ أنقبل أحاديث عذاب القبر لنرد مثل هذه الآيات؟ أم نقدم هذه الآيات على تلك الأحاديث؟ إنّ من أبجديات عقيدتنا مراعاة الأولويات، فتقديم الآيات أولى بعقيدة المؤمن.
ثانياً: إنّنا نعلم بنص القرآن الكريم أنّ ردة فعل الكافرين الأولى على بعثهم من قبورهم ستكون-بنص كتاب الله- على نحو:
 وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ                    الروم (55)
وسؤالنا هو: هل من كان يعذب في قبره –من نوع عذاب رب العالمين- ينقضي كل ذلك وكأنه ساعة من نهار؟ أليس في ذلك تقليل من جدية عذاب رب العالمين الذي قال في كتابه الكريم:
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ                                إبراهيم (7)
          وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ                                                                  الحجر (50)
ثم كيف بعذاب جهنم (النار يعرضون عليها) يقع في حفرة لا يزيد قطرها عن المتر الواحد[6]، وهم من يقتبسون أحاديث عذاب القبر يقتبسون في الوقت نفسه الأحاديث التي فحواها أنْ لو طارت شرارة واحدة من نار جهنم على الأرض لأهلكت الأرض ومن عليها، روي في المعجم الأوسط - (ج 6 / ص 125:(

عن انس بن مالك قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لو أنّ غربا من جهنم جعل وسط الأرض لآذى نتن ريحه وشدة حره ما بين المشرق والمغرب ولو أن شررة من شرر جهنم بالمشرق لوجد حرها من بالمغرب

فكيف إذاً بعذاب جهنم يقع على من هو في حفرة صغيره؟ لقد درج في ذهن العامة –من مثلي – أنّ في القبر عذاب حتى أصبح بعضهم يخاف عذاب القبر ويحسب له أكثر من عذاب جهنم نفسها، أليس في ذلك - عزيزي القارئ- تتفيه لعذاب الله؟[7]
لاحظ –عزيزي القارئ- كيف نفهم أنّ التضارب الظاهر ليس فقط بين الآيات والأحاديث وإنّما بين نصوص الأحاديث بعضها مع بعض، فبعضهم يروي أحاديث عذاب القبر (أي إمكانية حدوث عذاب النار على الأرض) وآخرون يرون هول عذاب رب العالمين من نوع نار جهنم (استحالة حصول مثل عذاب النار على الأرض).
والأخطر من ذلك أنّ بعض تلك الأحاديث وصلت للناس مجزوءة، فروّجوا لجزء من الحديث وغطوا على جزء آخر من الحديث نفسه، فالخطر الحقيقي –في ظننا- أنْ تسلك هذه الأمة طريق ومنهاج بني إسرائيل الذين جعلوا كتبهم قراطيس يبدون بعضها ويخفون أكثرها، قال تعالى في حقهم:
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ۗ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَىٰ نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ ۖ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ۖ وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ                                                           الأنعام (91)
وحتى لا ينعت القارئ كلامنا هذا بالافتراء على الآخرين ندعوه إلى التأمل بالنص الكامل لإحدى الأحاديث المروية عن عذاب القبر كما وردت في فتح الباري على صحيح البخاري:
الحديث‏:‏
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ شُعْبَةَ سَمِعْتُ الْأَشْعَثَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ فَقَالَتْ لَهَا أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدُ صَلَّى صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ زَادَ غُنْدَرٌ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ
الشرح‏:‏
قوله‏:‏ ‏(‏سمعت الأشعث‏)‏ هو ابن أبي الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر‏)‏ وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند المصنف في الدعوات ‏"‏ دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا‏:‏ إن أهل القبور يعذبون في قبورهم ‏"‏ وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك فنسبت القول إليهما مجازا، والإفراد يحمل على المتكلمة‏.‏
ولم أقف على اسم واحدة منهما‏.‏
وزاد في رواية أبي وائل ‏"‏ فكذبتهما ‏"‏ ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت ‏"‏ دخلت علي امرأة من اليهود وهي تقول‏:‏ هل شعرت أنكم تفتنون في القبور‏.‏
قال‏:‏ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال‏:‏ إنما يفتن يهود‏.‏
قالت عائشة‏:‏ فلبثنا ليالي، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هل شعرت أنه أوحي إلى أنكم تفتنون في القبور‏.‏
قالت عائشة‏:‏ فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر ‏"‏ وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن في هذه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية، وفي الأولى أنه أقرها‏.‏
قال النووي تبعا للطحاوي وغيره‏:‏ هما قصتان، فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولم يعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة فذكرت لها ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته انتهى‏.‏
وقال الكرماني‏:‏ يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ سرا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به انتهى‏.‏
وكأنه لم يقف على رواية الزهري عن عروة التي ذكرناها عن صحيح مسلم، وقد تقدم في ‏"‏ باب التعوذ من عذاب القبر ‏"‏ في الكسوف من طريق عمرة عن عائشة ‏"‏ أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها‏:‏ أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم أتعذب الناس في قبورهم‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذا بالله من ذلك‏.‏
ثم ركب ذات غداة مركبا فخسفت الشمس ‏"‏ فذكر الحديث، وفي آخره ‏"‏ ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر ‏"‏ وفي هذه موافقة لرواية الزهري وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بذلك‏.‏
وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة ‏"‏ أن يهودية كانت تخدمها، فلا تصنع عائشة إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية‏:‏ وقاك الله عذاب القبر‏.‏
قالت‏:‏ فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب‏؟‏ قال‏:‏ كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة‏.‏
ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته‏:‏ أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر، فإن عذاب القبر حق ‏"‏ وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم بحكم عذاب القير إذ هو بالمدينة في آخر الأمر كما تقدم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه‏.‏
وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدمة مكية وهي قوله تعالى ‏(‏يثبت الله الذين آمنوا‏)‏ وكذلك الآية الأخرى المتقدمة وهي قوله تعالى ‏(‏النار يعرضون عليها غدوا وعشيا‏)‏ والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم من حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون وإن التحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين، ثم أعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليما لأمته وإرشادا، فانتفى التعارض بحمد الله تعالى‏.‏
وفيه دلالة على أن عذاب القبر ليس بخاص بهذه الأمة بخلاف المسألة ففيها اختلاف سيأتي ذكره آخر الباب‏.‏
قوله‏:‏ ‏(‏قال نعم عذاب القبر‏)‏ كذا للأكثر، زاد في رواية الحموي والمستملي ‏"‏ حق ‏"‏ وليس بجيد لأن المصنف قال عقب هذه الطريق‏:‏ زاد غندر ‏"‏ عذاب القبر حق ‏"‏ فتبين أن لفظ ‏"‏ حق ‏"‏ ليست في رواية عبدان عن أبيه عن شعبة، وأنها ثابتة في رواية غندر عن شعبة وهو كذلك‏.‏
وقد أخرج طريق غندر النسائي والإسماعيلي كذلك وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة‏.‏
‏(‏تنبيه‏)‏ ‏:‏ وقع قوله ‏"‏ زاد غندر إلخ ‏"‏ في رواية أبي ذر وحده، ووقع ذلك في بعض النسخ عقب حديث أسماء بنت أبي بكر وهو غلط‏.‏
انتهى الاقتباس من فتح الباري
وهنا نتوقف –كما يقول عادةً مقدم برنامج الجزيرة الإخبارية في بداية برنامجه ما وراء الخبر- لنثير تساؤلين اثنين: أولهما، لماذا روّجوا بشكل كبير لجزء من الحديث وهو الجزء الذي يثبت عذاب القبر، وأغفلوا الجزء الآخر من الحديث وهو الذي ينكر عذاب القبر (انظر ما تحته خط في الحديث السابق)، فالنبي بصريح اللفظ يقول " كذبت يهود، لا عذاب دون يوم القيامة"، أليس من روى الطرف الثاني صحابي جليل كالذي روى الطرف الأول من الحديث؟ لا بل فهم يؤكدون التضارب في الشق المتعلق بإثبات عذاب القبر ويثبتون صراحةَ اللفظ في الشق المتعلق بإنكاره (الرجاء قراءة النص المقتبس من فتح الباري بتمعن).
وثانيهما يذكر الشرح أنّ النبي (صلى الله عليه وسلم) خرج في الطرقات يصيح بأعلى صوته يستعيذ من عذاب القبر، أليس كذلك؟ (نقول خرج إلى الطرقات يصيح بأعلى صوته – انظر ما تحته خط في الحديث السابق) ثم تكون النتيجة أنّ هذا الحديث (ومثله أحاديث القبر الأخرى) من أحاديث الآحاد، فـ يا للمفارقة لا يسمع استعاذة النبي بأعلى صوته في الطرقات إلاّ شخصاً واحدا (لربما كان المسلمون في إجازة في ذلك اليوم، من يدري!!!)[8] انتهى.

ثالثاًً، لقد كانت ردة فعل الكافرين على بعثهم من قبورهم يوم القيامة على نحو:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)                                                   يس 51-52
ألا يعني ذلك أنّهم مستغربين لعملية البعث؟ فكيف لمن كان يعذب في قبره منذ يومه الأول فيه يستغرب من بعثه يوم القيامة ليتساءل عن مصدره حتى يدرك حينها أنّ ذلك وعد الرحمن وصدق المرسلين؟ فهل من كان منغمساً بعذاب ربه له أنْ ينسى المصدر الذي بعثه من مرقده أو السبب الذي يعذب من أجله؟ ألم تكن ردة فعل الكافرين حتى وهم في أشد العذاب الطلب من خزنة النار أنْ يطلبوا هم من ربهم أنْ يخفف عنهم يوماً من العذاب، ولنتدبر حوار أهل النار لنرى هل فعلاً ينسوا مصدر عذابهم أو حتى سببه:
وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ ۖ قَالُوا بَلَىٰ ۚ قَالُوا فَادْعُوا ۗ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)                                                        غافر 47-50
فها هم يتذكروا دعوة رسلهم ويعلموا السبب الذي من أجله يعذبوا، وهم قبل كل شيء يعلموا مصدر عذابهم، وتحصل عملية التذكر وهم في أشد عذاب جهنم، فكيف بهم ينسوا ذلك بسب "عذابهم في قبورهم"؟! إنّنا نفهم وجود تضارب بين هذه الآيات وأحاديث عذاب القبر، فأيهما أولى بالإتباع؟

رابعاًًً، إنّنا بحاجة أنْ نتوقف قليلاً لنتدبر ألفاظ الآية نفسها: 
قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ             يس (52)
فمما لا شك فيه أنّ الكافرين-بصريح اللفظ القرآني- كانوا في مرقدهم، ونسأل القارئ الكريم عن معنى قوله تعالى " مِن مَّرْقَدِنَا"، وحتى نستجلي فهم اللفظ القرآني ندعو إلى عقد مقارنة مع آية أخرى في كتاب الله مركزين على هذا اللفظ:
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا                                                          الكهف (18)
هذه الآية تتحدث عن قصة أهل الكهف، أليس كذلك؟ ألم يكن أهل الكهف رقودا في كهفهم؟ فهل كانوا يعذبون وهم رقود؟ لقد أُستخدم فعل "الرقود" في الحالتين: حالة الكافرين المستغربين لعملية البعث وحالة أهل الكهف، وسؤالنا هو: ما وجه الشبه في الحالتين حتى يُستخدم الفعل ذاته؟ أم هل هي صدفة أنْ ترد نفس اللفظة في الحالتين؟! كلا وألف كلا، فالله لا يستخدم إلا اللفظة التي تؤدِ المعنى الذي لا يمكن لغيرها أنْ تؤديه، فلب القول أنّ أهل الكهف كانوا رقودا، والكافرين يقولون بصريح اللفظ القرآني أنهم كانوا هم كذلك في قبورهم رقودا، لا بل ولنتدبر ردة فعل أهل الكهف يوم أنْ بعثوا من مرقدهم ونقارن ذلك بردة فعل الكافرين يوم القيامة:
وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا                                                                                    الكهف (19)
وكذلك هي ردة فعل البشر كافة (مؤمنهم وكافرهم) يوم القيامة:
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ (113)
فمما لا شك فيه أنّ من كان راقدا ينقضي الوقت عليه بسرعة شديدة لدرجة أنّه لا يحس بسرعتها، فهل من كانت حالته كذلك يكون واقع في عذاب جهنم (أو في عذاب النار لمجرد أنّه يعرض عليها كما سنرى لاحقاً)؟!
          وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ                  الروم (55)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ ۚ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ                                                                                              يونس (45)
فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ ۚ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ۚ بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ                                               الأحقاف (35)
إننا نفهم أنّ أحاديث عذاب القبر تتضارب مع صريح اللفظ في هذه الآيات القرآنية، ومع المعاني المستقصاة منها حسب فهمنا لها.

خامساً، إننا بحاجة أيضاً أنْ نتدبر الآية نفسها (آية استغراب الكافرين لبعثهم) في سياقها الأوسع فنورد الآية التي سبقتها مباشرة:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا ۜ ۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَٰنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52)                                                    يس 51-52
ألا تصور هذه الآيات الكريمات خروج الكافرين من الأجداث (وليس من النار)؟ وهنا نتوقف لنفهم ما هي الأجداث التي يخرج منها الناس يوم القيامة، ولنتدبر النص القرآني التالي:
فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۚ ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44) المعارج 42-44
ألا تصور هذه الآيات أيضاً خروج الكافرين من الأجداث؟ ولكننا نتساءل عن علاقة آية خروجهم من الأجداث "يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ" مع الآية التي سبقتها "فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ"، ألا يعني ذلك أنّ الله قد أعطى الكافرين مهلةً (فرصة من العذاب) حتى يوم الخروج من الأجداث؟ فكلمة "يوم" في الآية (43) لا شك عائدة على كلمة "يومهم" في الآية (42)، فلب القول إذاً أنّ الله قد أمهل الكافرين حتى ذلك اليوم، فهل يتراجع الله –حاشاه جل وعلى- عن وعده؟! إنّ القول بعذاب في القبر يناقض بشكل لا لبس فيه هذا الوعد من الله بإمهال الكافرين حتى يوم الحساب الأكبر.
وترد الفكرة ذاتها في سياق آخر في كتاب الله:
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ ۘ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَىٰ شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ ۖ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَٰذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)              القمر 5-8
لا بل وتتأكد الفكرة ذاتها بشكل جلي في قوله تعالى:
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ ۖ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)                    إبراهيم 42-43
فما فائدة هذا التأخير إنْ كانوا فعلاً يعذبون في قبورهم؟ إنّ الله قد وعد بتأخير العذاب حتى ذلك اليوم، فالله ليس بغافل عن ما يفعل الظالمون وإنّما هو وعد منه بتأخير حسابهم حتى ذلك اليوم الذي ستشخص فيه الأبصار، ولا ننسى أنّ الله سبحانه قد وعد زعيمهم الأكبر (إبليس) بتأخيره إلى يوم الوعد المعلوم، فهل يمكن أنْ يعمل أحد ذنباً ويعصى ربه أكثر من إبليس نفسه، ولكننا نعلم أنّ الله ليس بغافل عما يعمل وإنما هو الوعد بالتأخير إلى اليوم المعلوم:
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)                                                    الأعراف 13-15
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)                                                                                                    الحجر 36-38
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (79) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (80) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (81)                                                                                                   ص 79-81
فهل نقبل هذا التناقض بين وعد الله بإمهال وتأخير الكافرين إلى يوم يبعثون والقول أنّ الكافرين من الناس يعذبون في قبورهم لمجرد أنّهم يعرضون على النار؟
وأخيراً، لقد ورد في أكثر من موضع من كتاب الله الحديث عن ما سيؤول إليه الكفار بعد موتهم، ونحن بحاجة إلى تدبر تلك الآيات لنربطها بجدلية عذاب القبر، فلقد جاء في كتاب الله:
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ                               المؤمنون (35)
قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَٰذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84)                     المؤمنون 82-84
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67) لَقَدْ وُعِدْنَا هَٰذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68)                                                                              النمل 67-68

أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18)
الصافات 16-18
أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ۖ ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)  ق 3-4
وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50)                                                الواقعة 47-50
إنّ المتمعن بهذه الآيات الكريمات يدرك حقيقة جلية وهي أنّ الله سبحانه لم يكذِّب المتحدين أنهم سيكونون تراباً وعظاما بعد موتهم وإنما كذّب إدعائهم أنّ الله غير قادر على بعثهم من قبورهم، ولنتدبر الحوار كما يصوره القرآن الكريم:
أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (18)
الصافات 16-18
فالكافرون في الآيات السابقة يقدّمون الادعاءات التالية:
1.     أنهم سيموتون     (أَإِذَا مِتْنَا)
2.     أنهم سيكونون تراباً وعظاما (وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا)        
3.     أنهم متشككين من قضية البعث بعد تلك الحالة "أي تراباً وعظاما"        (أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)
وجل ما نود أنْ نجلب انتباه القارئ له في هذا السياق هو ربط الآية الكريمة السابقة (وكذلك آيات كثيرة في كتاب الله تؤكد حقيقة وقوع الموت) مع الآية الكريمة التالية:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَىٰ عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36)
إنّ فحوى الخطاب في هذه الآية يؤكد أنّ من وقع عليه عذاب نار جهنم لا يمكن أنْ يكون ميتاً، فهو عذاب شديد ولكنه لا يقضي بالموت على من وقع عليه.
وكما نرى يأتي الرد الرباني ليؤكد على حتمية البعث بقوله تعالى " قُلْ نَعَمْ"، ولكنه لا ينفي وقوع الموت وتحولهم إلى عظاما وترابا، لا بل ويزيد على ذلك ليصور هيئتهم في تلك اللحظة بالجملة الحالية "وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ"، وهنا لا بد من التعرض لمعنى قوله تعالى وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ، إننا نعتقد أنّها لا تعني بأي حال من الأحوال أنّ أجسادهم ملتهبة من شدة حرِّ عذاب القبر وذلك لأنها هي الحالة نفسها التي يكون عليها حتى من يسجد لله تعالى:
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ   النحل (48)

والاهم من ذلك أنّ جميع الخلائق مؤمنهم وكافرهم سيبعثون في ذلك اليوم على تلك الهيئة:
وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87)

فهل يا ترى نتناسى هذه المعاني لنقبل بجدلية عذاب القبر لمجرد أنّ آل فرعون يعرضون على النار؟!
إننا بحاجة أولاً –وقبل كل شيء – أنْ نفهم كيفية وماهية العرض على النار.
***    ***    ***




المرحلة الثانية: إعادة تفسير الدليل القرآني الذي زعموا أنّه يثبت عذاب القبر
لقد ذهب معظم من ظنّ بوجود عذاب في القبر أنّ الدليل القرآني الذي يدعم موقفهم يأتي في جله من فهمهم للآيات الكريمات التاليات:
(1)      النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ           غافر (46)


(2)      وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ          الأنفال (50)


(3)      وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ                              الأنعام (93)
                                                                                                     
وسنحاول تفنيد إدعاءاتهم بقراءة مفردات هذه الآيات كما ترد في كتاب الله.

الدليل الأول
أولاً، لقد جاء في سياق الحديث عن آل فرعون قوله تعالى:
          النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر (46)
إنّ التناقضات السابقة تدعونا إلى إلقاء ظلال الشك على الاجتهادات المتعلقة بعذاب القبر والتي بُنيت على هذه  الآية الكريمة. إننا نعتقد أنّ القراءة اللغوية الصحيحة لهذه الآية الكريمة-كما سنبين بعد قليل- لا تدعم بأي شكل وجود عذاب في القبر، لا بل إنّّها لا تتعارض مع التصور الذي نطرحه بعدم وجود عذاب في القبر، وكل ما نحتاجه هو الفهم الدقيق لمفردات الآية نفسها، لذا نتوقف هنا للحظة لنطرح الأسئلة التالية:
- هل فعلاً تذكر الآية القرآنية أنّ آل فرعون يتعذبون في قبورهم؟
- ماذا سيحل فعلاً بآل فرعون قبل دخولهم النار يوم تقوم الساعة؟
- ما هي النار التي يُعرض عليها آل فرعون غدواً وعشيا؟
- ماذا يعني قوله تعالى " النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا"؟ فهل ذلك عذاب؟
- ماذا يعني قوله تعالى غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟
إننا نودّ عدم الدخول في جدال، لذا سنحاول التمسك بالأفكار التي قلما يختلف فيها الكثيرون، فنقول أنّ الآية القرآنية تؤكد –وقبل كل شيء- أنّ ما سيحل بآل فرعون قبل الدخول في أشد العذاب يوم القيامة هو العرض على النار بصريح اللفظ القرآني "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا"، أليس كذلك؟ وسؤالنا يكون إذاً على نحو: ما معني ذلك؟ ما هي النار؟ وكيف هو العرض؟ هل هو فعلاً عذاب؟ وإنْ كان كذلك فهل يكون ذلك العذاب وهم في قبورهم؟ وحتى نتمكن من محاولة الإجابة على هذا التساؤل لابد من الخوض في معنى قوله تعالى: "النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا"
لقد وردت لفظة "النار" في هذه الآية الكريمة، ونحن بحاجة أنْ نتعرف على ما هي تلك النار التي يعرض عليها آل فرعون غدوا وعشياً، وسؤالنا مفاده: هل هي نار جهنم نفسها أم هي نار أخرى خاصة بآل فرعون غير نار جهنم؟ قال تعالى:
أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  هود (16(

وقد وردت لفظة النار على أنّها مأوى ومثوى الكافرين يوم القيامة:

وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ    الجاثية (34)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ                            فصلت (24)

والأهم من ذلك في هذا السياق أنّ النار هي المكان الذي سيخلد في الكافرون ولا يخرجون منه:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ               التغابن (10)

ولقد وردت لفظة النار نفسها "النَّار" مرتبطة بآل فرعون في موضع آخر من كتاب الله، قال تعالى:
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)                                                               هود 97-98

وهذه الآية الكريمة (هود 98) تؤكد أنّها النار التي ستكون هي نفسها مأوى الكافرين جميعا مصداقاً لقوله تعالى:
وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ    الجاثية (34)
فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ۖ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ                            فصلت (24)
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ               التغابن (10)
وجميع الآيات تشير إلى أنّ ذلك سيحصل في يوم القيامة:
يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَٰذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14)                   الطور 13-14
ونخلص إلى القول أنّ جميع السياقات القرآنية يشير إلى النار التي ستكون مآل الكافرين يوم الحشر الأكبر وهو ذلك اليوم الذي يكون فيه فرعون أول قومه ليرد معهم تلك النار، فمراد القول أنّ لفظة النار لا ترتبط في سياقها القرآني مع القبر وإنما مع يوم القيامة "يوم الحساب والعقاب".

ثانياً، ونتحول للحديث عن عرض آل فرعون على النار، فما هو العرض الذي تتحدث عنه الآية القرآنية؟
          النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ غافر (46)

لقد ورد في كتاب الله بصريح اللفظ أنّ الكافرين جميعا سيعرضون على ربهم، قال تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ                                                          هود (18)

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا    الكهف (48)
فمما لاشك فيه أنّ هذه الآيات تتحدث عن حقيقة عرض الكافرين على ربهم، وهنا ندعو القارئ إلى تدبر التطابق العجيب في الموقفين: عرض آل فرعون على النار وعرض الكافرين على ربهم؟ ونتوقف لنلفت انتباهه إلى سؤال غريب وهو: هل سيرى الكافرون ربهم عند عرضهم عليه؟ فالجواب بكل تأكيد النفي قطعاً، وذلك لأنّ التشرف برؤية الله- حسب معتقدنا- شرف لا يحضى به إلاّ ذو حظ عظيم، أليست رؤية رب السموات والأرض بحد ذاتها أكبر نعمة يكافأ بها المؤمن يوم القيامة؟ فكيف إذاً بالكافر يعرض على ربه ليتمتع برؤيته؟ وهل من يرى ربه يوم القيامة يمكن أنْ يعذب بعدها؟[9] وقد يرد البعض بالقول: وما علاقة ذلك بعذاب آل فرعون في قبورهم؟
إنّ ما نبغي الوصول إليه القول أنّ معنى "يعرض على" يتطلب وجود معروض ومعروض عليه، فعندما تقول مثلاً "عرض التاجر البضاعة"، فهذا –مما لا شك فيه- أنّ البضاعة هي المعروض والزبائن هم من عرضت عليهم البضاعة، وبهذا يكون من معاني "يعرض على" أنّ ليس بالضرورة أنّ يرى الطرفان بعضهما البعض، فيكفي أن يرى طرف واحد الطرف الآخر، ومما لا شك فيه أنّ المعروض عليه يرى المعروض ولكن ليس بالضرورة أنْ يرى المعروضُ المعروضَ عليه، فالزبون يرى البضاعة التي لا ترى الزبون. وأنت عندما تقول "عرضنا المريض على الطبيب" فهناك احتمال- ولو من حيث المبدأ- أنْ لا يرى المريضُ الطبيبَ ولكن لا شك أنّ الطبيب يرى المريض، فهناك المعروض (المريض) وهناك المعروض عليه (الطبيب).
فأول ما علّم الله تعالى آدم الأسماء كلها عرضهم على جمع الملائكة في عملية العرض الأولى:
          وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ                                                                                                                                               البقرة (31)
فمن المعروض ومن المعروض عليه؟ ففي حين أنّ المعروض "الأسماء ومسمياتها" لم تتدخل في الحوار كان رد المعروض عليه "وهم الملائكة" على نحو:
          قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ                        البقرة (32)
فعندما يعرض الكافرون على ربهم سبحانه –لا شك- يراهم هو ولكن لا يمكن للكافر أنْ يرى ربه، فالرؤيا تكون إذاً من طرف واحد. ومن سيجادل في ذلك فليتمعن فحوى الآيات الكريمات التاليات:
كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ                                                           المطففين (15)
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)
القيامة 22-25
وهذا – باعتقادنا- هو الحال بالنسبة لآل فرعون: فهناك معروض وهناك معروض عليه، ويتمثل السؤال الأهم بـ من هو المعروض ومن هو المعروض عليه في هذه الحالة؟ ونحن نعتقد أنّ الإجابة على هذا التساؤل تحل الإشكالية التي وقع فيها المفسرون لهذه الآية الكريمة.
إننا نعتقد أنّ المعروض هم "آل فرعون" والمعروض عليه "هي النار"، ولهذا فعندما يعرض آل فرعون على النار نعتقد أنّ النار ترى آل فرعون بينما لا يرى آلُ فرعون النار، فلقد ذكرنا أنّ ليس شرطاً أنْ يرى المعروض (آل فرعون) المعروض عليه (النار)، ، والدليل على ذلك قوله تعالى:
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)                                                                       الكهف   100-101
فهنا ترد صيغة " وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ"، فتتمثل الصورة بوجود جهنم ووجود الكافرين مرة أخرى وحدوث عملية العرض كما في الحالة السابقة، والسؤال هو: لماذا تغير اللفظ هنا على نحو "لِّلْكَافِرِينَ" وليس على الكافرين مثلاً؟ فليس هناك أدنى شك أنّ المعروض هنا هي جهنم والمعروض عليه هم الكافرون الذين سيروا النار في تلك اللحظة، فعندما تعرض جهنم للكافرين سيتمكنون من رؤيتها ولكن عندما يعرض الكافرون على النار لن يتمكنوا من رؤيتها، لذا فآية الكهف تتحدث عن يوم القيامة بلا شك وعندها سيرى الكافرون النار، آما آية غافر فتتحدث عن ما قبل يوم القيامة فيعرض آل فرعون على النار فتراهم وقد لا يرونها هم. ولنتدبر آية الكهف التي تتحدث عن رؤية الكافرين للنار يوم القيامة في سياقها الأوسع:
وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100) الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاء عَن ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (101)                                                                     الكهف   100-101
وسؤالنا هو: ألا تؤكد هذه الآية الكريمة أنّ أعين الكافرين كانت مغطاة وسمعهم معطل قبل هذا اليوم؟ ألا يعني ذلك أنهم لا يستطيعون الرؤية؟ ألا يؤكد ذلك ما ذهبنا إليه أنّ الكافرين لا يستطيعون رؤية النار عندما يعرضوا عليها وسيرونها فقط عندما تعرض لهم؟ نستنتج أنّ اللفظ القرآني يؤكد أنّ هناك حالتين من العرض: عرض الكافرين على النار وعرض النار للكافرين، ففي حين أنّ الكافرين في الحالة الأولى لا يرون النار، يستطيع الكفار رؤية النار في الحالة الثانية، وسنتعرض للحديث عن توقيت كل حالة فيما بعد. وحتى يتيقن القارئ أنّ الروية حدث منفصل عن العرض ندعوه إلى إمعان التفكير في قوله تعالى في سورة الشورى:
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ (45)                    الشورى
فما فائدة قوله تعالى "يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ" إذا كان بمجرد عرضهم على النار يقع العذاب عليهم؟ إننا ندعي أنه عندما يعرض الكافرين (وليس آل فرعون فقط) على النار لا شك تراهم النار، ولكن حتى يروا هم النار "يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ". فالسؤال هو: إلى ماذا ينظر الكافرون من طرف خفي إنْ كانوا يعذبون في النار في تلك اللحظة؟
والغريب أنّ علماء الشريعة الذين غالباً ما يتسلحوا بالدليل اللغوي لإثبات حجتهم قد غفلوا عنه هذه المرة، فمما لا شك فيه أنّ حرف الجر "على" مثلاً يحمل في ثناياه علاقة مكانية تتضمن الاتجاه والقرب المكاني، وتتطلب تحديد المعروض بالنسبة للمعروض عليه، فمما لا شك فيه أنّ المعروض لا يوازي المعروض عليه مكانياً، فعندما يعرض الكافرون على ربهم لا يمكن أن يكونوا في موازاة مع ربهم، وكذلك هي الحال عندما يعرض آل فرعون على النار:

                                                                       
                          

 








ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ حرف الجر "على" لا يحمل معنى الاحتواء على الإطلاق، فــ لكي يعذب آل فرعون في النار يجب أنْ تحتويهم تلك النار كما في الشكل التالي:

ولكي يرى المعروضُ المعروضَ عليه فيجب أنْ ينظر إليه من مسافة، فأنت لا ترى الشيء  بكليته إنْ نظرت إليه وأنت بداخله بل لا بد أنْ يكون بينك وبينه مسافة مكانية، وهذا بالفعل ما تصوره الآية الكريمة عند استخدام اللفظ "يعرض على":
وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ                                الشورى (45)     
فلو كانت الرؤية جزءاً من عملية العرض لكانت العبارة "يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ" غير مبرره في هذا السياق، ولكن ما دام العرض حدثاً والرؤيا حدث آخر منفصل كان الاستخدام مبررا.

ثالثاًًً، إذا كانت عملية عرض آل فرعون على النار هي عذاب يصيبهم (كما يدعي الكثيرون) فلم يتوقف العذاب بعض الوقت؟ ألا تذكر الآية الكريمة أنّ العرض غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟ فما هي حالهم ظهراً وعصراً؟ أليس ذلك إذاً تخفيفاً للعذاب؟ وهل يتوقف عذاب جهنم عن الكافرين ولو لحظة واحدة؟ ألا يصطرخ الكافرون ليتوقف العذاب عنهم بعض الشيء:
          أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ             البقرة (86)
          خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ                                            البقرة (162)
          خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ                                            آل عمران (88)
          وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ                                 النحل (85)
ألم يقل الله تعالى
          إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75)   الزخرف
وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (37)                                             فاطر36-37
وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50)                       غافر 49-50
فبتدبر الآية الكريمة التالية ندرك أنّ مجرد رؤية الكافرين (الظالمين) عذاب جهنم لا ينقطع عنهم أبدا:
وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ                       النحل (85)
وهذا يدلنا أنّه إذا رأى آل فرعون (وغيرهم) العذاب عندما يعرضون عليها لا ينقطع العذاب ولا يخفف عنهم، فكيف إذاً نفهم قوله تعالى في السياق نفسه النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا؟ وتؤكد الآية نفسها أنّ الكافرين إذا رأوا العذاب لا ينظرون، أي لا يؤجل عنهم لحظة واحدة، فهاهو إبليس يطلب من ربه التأجيل فيقول:
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)                                                                                         الحجر 36-38
إنّ هذا يؤكد ما ذهبنا إليه سابقاً أنّ آل فرعون يعرضون على النار ولكنهم لا يرونها لأنه بمجرد الرؤية يستمر العذاب ولا ينقطع أبدا.
وقد يقرأ البعض قوله تعالى " النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا" على أنها تدل على أن العذاب مستمر وليس متقطع، فبالنسبة لهم يدل التعبير غُدُوًّا وَعَشِيًّا على الاستمرارية، فـ لهؤلاء نورد الآيات الكريمات التاليات:
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (17) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (18)     
الروم 17-18
فما المقصود إذاً بقوله تعالى " حِينَ تُمْسُونَ" و "وَحِينَ تُصْبِحُونَ" و " وَعَشِيًّا" و "وَحِينَ تُظْهِرُونَ"؟ ثم أين الضحى وأين الليل بطوله، وأين دلوك الشمس وأين غسق الليل؟ أليست هي أوقات اليوم والليلة؟ ألم تُذكر جميعها في كتاب الله؟ وإنْ كان كذلك، فماذا ستكون حال آل فرعون في تلك الأوقات؟
أما عملية العرض المتقطعة فتكون للنار نفسها، فالفعل المضارع "يعرضون" يدل هنا أنّ الحدث يحصل متقطعاً ولكنه متكرر بدليل قوله تعالى " غُدُوًّا وَعَشِيًّا" وليس على سبيل الدوام، وأما عذاب جهنم فهو غير منقطع ولا متوقف، فالعرض يكون على النار لتنظر زبائنها غدواً وعشياً كصاحب السلعة الذي يتفقد بضاعته صباحاً ومساءاً.

رابعاًًً، لقد ورد في كتاب الله الكريم إنّ عملية عرض الكافرين على النار لن تكون لآل فرعون فقط، وإنما لكل من كفر بربه، قال تعالى في محكم التنزيل:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ                                                                                              الأحقاف (34)
فعملية العرض على النار تسبق عملية الدخول في العذاب، ولعل القارئ قد أدرك بنفسه أنّ هذا الحوار الذي يوجه إلى الكافرين سيكون ليس وهم في قبورهم وإنما حدث من أهوال يوم القيامة، والقارئ مدعو لعقد مقارنة بين هذه الآية الكريمة وآية عذاب آل فرعون، ونعيدهما معاً لتعقد المقارنة بسهوله:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
ففي الآية الأولى نجد أنّ العرض يحدث في يوم ما، أما في الآية الثانية فالعرض متكرر، وسؤالنا هو: ما الفرق؟ كيف تؤكد الآية الأولى أنّ العرض يحدث في يوم واحد ويتم بعدها دخول الكافرين في النار بينما تؤكد الآية الثانية تكرار عملية العرض غدواً وعشياً حتى يأتي يوم الدخول في أشد العذاب؟ فهل هناك عرضان على النار؟ وإن كان كذلك فكيف يختلف العرض الأول عن العرض الثاني؟ إنّ جل القول هو أنّ العرض على النار ليس عذاب فعلي في النار لأنهم لا يرونها بينما تراهم هي، ويصبح ذلك عذاب عندما يرى الكافرون النار بدليل الآية التي أوردناها سابقاً:
          وَإِذَا رَأى الَّذِينَ ظَلَمُواْ الْعَذَابَ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ             النحل (85)
ولكن ماداموا في قبورهم فهم يعرضون على النار فتراهم النار وليس بالضرورة أنْ يروا هم النار، وقد يقول قائل كيف ترى النار الكافرين؟ فنرد بالقول من كتاب الله:
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ۖ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا   (12)
وهو نفس التشخيص الذي نجده في صور أخرى لجهنم:        
يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ                                     ق (30)
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)                                                                     الملك 7-8
نعم هي تلك جهنم التي تستعد وتتهيأ وتنتظر الكافرين، هي نفسها التي يعرض عليها الكافرون وهي نفسها التي يعرض عليها آل فرعون. ولا ننسى كذلك أنّ الله قد عرض مثلاً الأمانة على مخلوقات له كالسموات والأرض والجبال، قال تعالى:
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا                                                                    الأحزاب (72)
فكما تم عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال تم كذلك عرض آل فرعون على النار، فهل بالضرورة أنْ تكون الأمانة (المعروض) قد رأت السموات والأرض والجبال (المعروض عليهم)؟!
***    ***    ***
ولكن يبقى السؤال التالي: متى يعرض آل فرعون (لا بل كل الكافرين) على النار؟ ويأتي الجواب جلياً لا لبس فيه في سورة الحاقة التي تصور عملية عرض آل فرعون أجمل تصوير، ولنتدبر ذلك المشهد بتمعن مركزين على فكرة العرض:
وَجَاء فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)
 فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً (10)
 إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاء حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11)
 لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)
 فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13)
 وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14)
 فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15)
 وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)
 وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)
 يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18)
ففي قوله تعالى " يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ " لا شك يحدث العرض ويكون ذلك عندما تقع الواقعة " فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ"، وستقع الواقعة يوم "فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ" ، ويكون المشهد على النحو التالي:
          - ينفخ في الصور نفخة واحدة "فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ
          - فتقع الواقعة فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ
          - يعرض الكافرون (بما فيهم آل فرعون) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ     
وهذا يعني أنّ عملية العرض تتم بعد النفخة الأولى (أي يوم أنْ تقع الواقعة)، فكلمة يَوْمَئِذٍ في قوله يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ تعود بلا شك على كلمة َيَوْمَئِذٍ في قوله فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ ، ولكننا نعلم أنّ هناك نفخة أخرى في الصور
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ                                                                                            الزمر (68)
ففي النفخة الأولى يصعق من في السموات والأرض وفي الأخرى يقوم الناس لينظروا، ولاحظ عزيزي القارئ أنّ عملية "العرض" تتم بعد النفخة الأولى وهذا يعني أنّ الكافرين (وعلى رأسهم آل فرعون) سيعرضون على النار في ذلك الوقت، وفي هذا عدل إلهي أنْ يتم عرض جميع الخلق من الكافرين على النار في وقت واحد وهو الوقت الذي لا يبقى فيه أحد على قيد الحياة[10] - وهو الوقت نفسه الذي تتحضر جهنم (أعاذنا الله وإياكم منها) لاستقبال زبائنها، ولكنهم سيدخلون في أشد العذاب يوم تقوم الساعة، وسنحاول بعد قليل أن نبين الفرق بين الواقعة (النفخة الأولى) والساعة (النفخة الثانية)[11].
ولنرقب الدقة القرآنية في آية عذاب آل فرعون في قوله تعالى:
          النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا    وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
لاحظ عزيزي القاري كيف تصور الآية الكريمة عملية العرض من الناحية الزمنية على أنّها حدث سابق للساعة، ففي الحدث الأول الذي يصوره الشطر الأول من الآية تتم عملية العرض:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا
ويصور الشطر الثاني من الآية الكريمة الانتقال إلى يوم تقوم الساعة:
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ
فدخول آل فرعون أشد العذاب -بنص الشطر الثاني من الآية الكريمة- ليس عندما ينفخ في الصور نفخة واحدة (الواقعة) وإنما عندما تقوم الساعة، فالانتقال الذي تصوره الآية الكريمة لـ آل فرعون من عملية العرض إلى عملية الدخول في أشد العذاب يكون من حالتهم بعد النفخة الأولى (العرض على النار) إلى حالتهم يوم تقوم الساعة (دخولهم أشد العذاب) وليس بين حالتهم في القبر الآن وحالتهم يوم القيامة، وإلاّ كيف يمكن ربط ذلك بقوله تعالى:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92)                يونس 90-92
وسؤالنا هو: كيف يتعذب آل فرعون في قبورهم وزعيمهم وكبيرهم وسيدهم لا يمس بدنه العذاب؟ وقد يرد البعض (وقد ردوا فعلاً) بالقول: ولكن ليس بالضرورة أنْ يكون العذاب جسدياً، فالله يتخيّر نوع العذاب الذي يريد، فيعذب بما يشاء لتتنوع أشكال العذاب وأصنافه، فنرد على من يظن ذلك قائلين: وماذا نفعل إذاً بقوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا[12] كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا                                                                               النساء (56)
هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20)                                         الحج 19-20
ولنرقب آية عذاب آل فرعون:
          النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا
أليست هي إذاً النار نفسها؟ فكيف نفهم أنّ عذاب الكفار في النار يقع على جلودهم وعذاب النار على آل فرعون عذاب معنوي يقع عليهم كذلك الذي يقع على النائم إنْ رأى في منامه ما يتعبه؟! أهما إذاً ناران مختلفتان؟ إنّ عذاب النار (سواءً لآل لفرعون أو لغيرهم) عذاب حقيقي وهو عذاب الجسد، وإذا كان آل فرعون يتعذبون الآن في جهنم كما يظن من يقرأ آية عذاب آل فرعون فلابد أنهم يتعذبون بأجسادهم، وسؤالنا هو: كيف يكون ذلك وزعيمهم الآن ناجٍ ببدنه؟!
والأغرب من ذلك ربط ذلك بالصورة التي وردت في كتاب الله لمن يكنز الذهب والفضة ولا ينفقها في سبيل الله، ألم يتوعدهم الله بأنْ ستكوى بها جباههم وجلودهم وظهورهم؟
يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ
التوبة (35)
ومن أكثر أموالا (ذهباً وفضة) من قارون – أحد أكبر رجال بلاط فرعون؟
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ                                                      القصص (76)
وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ                                                                                                                           العنكبوت (39)
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ                                                غافر (24)
فهل يا ترى جسد قارون كذلك (كصاحبه فرعون) في إجازة الآن، فيتعذب عذاباً معنوياً؟

رابعاً، لا بل إننا بحاجة أنّ نقرأ آية عذاب آل فرعون في سياقها الأوسع فلنورد الآيات التي تليها ونتدبرها:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِّنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48)                                             غافر 46-48
فمتى سيتم التحاجّ في النار: هل عندما يعرضون على النار أم عندما يدخلون في أشد العذاب؟ وإذا كان الجواب بلا شك –كما تصوره الآية الكريمة- عندما يدخلون في أشد العذاب، فلِمَ سكتوا كل تلك الفترة الطويلة؟ لِمَ لَمْ يتم التحاج أثناء عملية العرض إنْ كان ذلك العرض عذاباً؟ فنحن نعرف أنّ الناس يتحاجون في الشيء في أوله، فعندما يتبين الأمر تكون ردة فعل الناس الأولى هي التحاج فيما بينهم، وإذا كان آل فرعون يعذّبون في النار في قبورهم عندما يعرضون عليها فلم لم يحصل بينهم تحاج طوال فترة العرض ولا يتم ذلك إلاّ بعد دخولهم في أشد العذاب يوم تقوم الساعة؟ إننا نعتقد أنّ عدم حدوث التحاج  بينهم أثناء عملية العرض على النار لأنّهم يكونون حينئذ رقوداً في قبورهم فلا يحصل بينهم اللقاء، و يكون لقائهم الأول يوم أنْ يدخلوا في أشد العذاب يوم تقوم الساعة.
ولا ننسى كذلك أنّ التحاج يكون بين الفئة المستضعَفة والفئة المستضعِفة، وحتى يتم التحاج لابد من وجود سيدهم الأكبر الذي كانوا هم له تبعا، فكيف سيتم ذلك اللقاء وهو الآن ناج ببدنه؟! ونحن نعتقد استحالة أنْ يحضر فرعون مع قومه ليتم التحاج بينهم فيكون هو ناج من العذاب ببدنه بينما هم يعذبون في النار! ويأتي التأكيد على ذلك في الآية التالية مباشرة:
          قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ                           غافر 48
فالذين استكبروا وعلى رأسهم فرعون وهامان وملائهم هم جميعا مع قومهم فيها، والعذاب واقع عليهم جميعا، فيتحاجون في النار عندما يجتمعون فيها. وسيكون ذلك بصريح اللفظ القرآني على النحو التالي:
إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ ۖ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ ۖ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)                                                                        هود 97-98
فلنتدبر ألفاظ الآية الكريمة لنجد فرعون، ونجد قومه، ونجد النار، ونجد يوم القيامة، وهي جميعها مفردات عذاب فرعون قومه، ونجد كذلك التأكيد على فكرة أنّ فرعون نفسه هو من سيتقدم قومه إلى مصيرهم في النار يوم القيامة "يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ".

الدليل الثاني
لقد اقتبس الكثيرون الآية القرآنية التالية كدليل على عذاب القبر، قال تعالى:
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ                              الأنعام (93)

إننا ندعي أنّ الآية الكريمة لا تتحدث عن عذاب القبر وإنما هو مشهد من أهوال يوم القيامة، ودليلنا على ذلك يأتي من الآية الكريمة نفسها.
أولاً، جاء في الآية الكريمة أنّ الظالمين في غمرات الموت "وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ"، وسؤالنا يخص معنى كلمة غَمَرَاتِ، فمتى يكون الظالمون في غَمَرَاتِ الْمَوْتِ؟ لا شك أنّ كلمة غَمَرَاتِ مشتقة من الفعل "غمر" كما في قولنا "غمر الماءُ الرجلَ" أي أصبح الماء يحيط به من كل جانب، وإنْ دلّ هذا على شيء فهو يدل أننا لا نتحدث هنا عن سكرات الموت (كما ظن البعض) لأنّ الموت لم يغمر الإنسان كلياً في هذه اللحظة بعد، ولو كانت تعني سكرات لوردت لفظة سكرات نفسها بدل غمرات بدليل أنّه في مكان آخر من كتاب الله جاء قوله عز وجل على النحو التالي:
وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ                                                  ق (19)
فما الذي يمنع أنْ تأتي على صيغة الجمع "سكرات" بدلاً من كلمة "غمرات" لو كان ذلك هو المعنى المقصود؟ إننا نعتقد أنّ كلمة غمرات لا علاقة لها بسكرات بل هي مفردة لها معناها الذي لا يمكن لمفردة أخرى أنْ توفيه.
ثم لنتدبر استخدام اللفظ بصيغة الجمع، وهذا يدل أنّ الغمر أصبح كثيفاً وكبيراً ولا يتم ذلك إلا بعد أنْ يكون قد قطع زمناً طويلاً في هذه الحالة.
ثانياً، لقد جاء في نص الآية الكريمة أنّ الملائكة تطلب من الظالمين أنْ يخرجوا أنفسهم وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، ولو كان ذلك عند حدوث الموت لعلمنا –حسب معتقدنا- أنّ هناك ملكاً واحداً للموت فلِمَ وجود جمع الملائكة؟ فالآية إذاً لا تتحدث عن ملك الموت وإنما عن ملائكة العذاب.

ثالثاً، لقد جاء طلب الملائكة على نحو أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ، ونحن نعلم أنّ الخروج يعني الانتقال من مكان إلى مكان، وغالباً ما يكون من الداخل إلى الخارج (ولنا العبرة في قصة خروج إبليس من الجنة)، فكيف إذاً بالميت أنّ يخرج وهو في تلك اللحظة  سيدفن، أي سينتقل من الخارج إلى الداخل، فما هو الخروج الذي تتحدث عنه الآية الكريمة؟ لعل الكثيرون ظنوا أنّها خروج الروح من الجسد، فنقول كلا وألف كلا، إنّ نص الآية الكريمة بصريح اللفظ يدل على خروج النفس وليست الروح، ونحن نفهم بالمنظور الإسلامي أنّ النفس غير الروح وسنتعرض لذلك عند الحديث عن الجسد والروح والنفس معاً، ويكفي هنا أنْ نورد الآية الكريمة التالية لتأكيد فكرة أن الروح غير النفس مصداقاً لقوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (7)                                                                                                     التحريم 6-7     
لاحظ عزيزي القارئ كيف تتحدث هذه الآيات عن عذاب النفس ووجود ملائكة العذاب، وعن كيفية الجزاء وهذا اليوم الذي سيحصل فيه كل ذلك، فهل يكون ذلك كله في القبر أم في يوم القيامة.        
وليتيقن القارئ أنّ النفس غير الروح ندعوه لتدبر الآيتين التاليتين:
وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)                        الذاريات 20-21
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا                 الإسراء (85)
ففي حين أنّ الله يطلب منا التدبر والإبصار في النفس، يستحيل ذلك في أمر الروح لأنّها من أمر ربنا.

رابعاً، هل تعود كلمة اليوم في قوله تعالى " الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ"، وفي قوله تعالى لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ۖ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ على يوم الموت أم على يوم الحساب والعقاب؟

خامساً، ولنتدبر الآية الكريمة التي تتحدث عن "عَذَابَ الْهُونِ
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ     الأحقاف (20)
ونلفت انتباه القارئ الكريم إلى التطابق العجيب بين هذه الآية الكريمة والآية السابقة التي نحن بصدد فهمها، ونعيد الآيتين معاً لتتم المقارنة بسهولة ويسر:
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ                        الأحقاف (20)
"... وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ                      الأنعام (93)
بعد كل ذلك يأتي سؤالنا: متى يكون "عَذَابَ الْهُونِ" إذاً: في القبر أم يوم القيامة؟

الدليل الثالث
ولا بد أيضاً من تسليط الضوء على آية أخرى غالباً ما استخدمت للتدليل على وجود عذاب في القبر، قال تعالى:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ                     
الأنفال (50)
ففى هذا دليل -كما ظن الكثيرون- على عذاب القبر، أليس كذلك؟ فهم يعتقدوا أنّ الملائكة يبدءون ضرب الكفار لحظة الموت، فنقول كلا وألف كلا، لأنّ في ذلك عدم دقة في فهم معاني مفردات الآية نفسها، فنحن نعتقد أنّ الضرب يحدث بعدما يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ- وذلك بنص الآية نفسها- وليس عندما يموت الكافر مباشرة، وقد يرد البعض على الفور بالقول: وما الفرق؟ نقول أنّ الملائكة-كما ورد في الآية نفسها- لا تميت الكفار وإنما تتوفى الكفار، وهذان معنيان مختلفان، فالإنسان يموت والإنسان يتوفى، ونحن بحاجة للتفريق بين الحالتين، ودليلنا على ذلك قوله تعالى:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ                                            الزمر (42)
وسؤالنا هو: كيف يتوفى الله الأنفس حين موتها؟ فهل يعني ذلك أنّ الله يميت الأنفس حين موتها؟ أليس في ذلك تناقض؟ وإنْ كان كذلك، فما فائدة اللفظ إذاً؟ والأهم من ذلك كيف ستقرأ الآية نفسها؟
لقد دأب الكثيرون على قراءة الآية بالوقف بعد قوله تعالى حِينَ مَوْتِهَا وبالوصل عند قوله فِي مَنَامِهَا ۖ  وذلك بدليل إشارة الوصل ۖ ، فقسموا الآية عند ذلك، فنقول كيف سيستقيم المعنى إنْ قرأت الآية على ذلك النحو
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا.
......
وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
إننا نعتقد أنّ ذلك غير صحيح، فليس هناك وقف في هذا الموضوع وليس هناك وصل في ذاك، فالوقف يجب أنْ يكون بعد قوله تعالى "فِي مَنَامِهَا" (أي عند إشارة الوصل) حتى يستقيم المعنى ويتوازن طرفا الآية الكريمة على النحو التالي:
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا / وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ [13]
.....
فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ / وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى ۚ ...
فيستقيم المعنى ويتوازن طرفيا الآية الكريمة، وبهذا يكون المعنى أنّ الله يتوفى (1)  الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وهو كذلك يتوفى (2) وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ ، وبذلك يفهم الحذف الموجود في الآية، فكلمة يتوفى موجودة في الطرف الأول اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا، ولكنها محذوفة تقدر في الطرف الثاني من شطر الآية الأول وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا
وبهذا يستقيم المعنى في الشطر الثاني من الآية الكريمة، فالله (1) فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ،  وهو سبحانه (2) وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى
فنخلص إلى القول أنّ الوفاة إذاً تحدث للطرفين (1) للأنفس التي قضى عليها الموت و كذلك (2) للأنفس التي لم تمت في منامها، ودليلنا على ذلك قوله تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىٰ أَجَلٌ مُسَمًّى ۖ ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ                                                                               الأنعام (60)
فهل يموت الإنسان عندما ينام، كلا إنها الوفاة فقط.
وإنْ صح هذا الإدعاء فإننا نفسر بذلك حقيقة جدلية أعيت الكثيرين في قوله تعالى:
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ                آل عمرآن(55)
مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ     المائدة (117)
فهل فعلاً مات عيسى بن مريم؟ كلا وألف كلا، وهل عيسى بن مريم إذاً حي لم يمت؟ كلا وألف كلا، هذه أحجية، أليس كذلك؟ إننا نفهم أنّ عيسى ليس ميتاً وهو ليس حياً كذلك، وإنما توفاه الله، فلم يرد في كتاب الله أنّ عيسى قد مات وإنما ورد أنّه توفي، ولنتدبر الدقة القرآنية في قوله تعالى:
وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنْتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)
وسؤالنا هو: هل فعلاً كان عيسى ابن مريم شهيداًً على الناس حتى يقول عن نفسه " وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ"؟ أليس الله هو الشهيد والرقيب على الناس جميعاً؟ فيرد البعض على الفور بالقول لم لا يكون شهيداً عليهم ما دام فيهم؟ فلا ضير في ذلك، فنرد بالقول إذا كان عيسى بن مريم لازال حياً (كما يعتقد الكثيرون) فلم لا تستمر شهادته عليهم؟! لم انتقلت الرقابة إلى ربه يوم أنْ توفاه الله؟ الجواب-كما نظن- لأنه ليس حياً الآن بل هو متوفى؟ فهل يستطيع من يتوفاه الله بالليل (كما في قوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ)  مثلاً أنْ يقوم بأعمال الشهادة أو الرقابة؟ فلب القول أنّ عيسى لا يستطيع القيام بأعمال الشهادة على قومه لأنّه ليس حياً، فمثله كمثل النائم الذي يسقط عنه عبء الرقابة حتى يستيقظ.
وهذا الإدعاء يسلط الضوء أيضاً على جدلية عودة عيسى بن مريم للحياة "إي نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان"، فلقد شكك البعض بهذه الحقيقة، وتساءل الكثيرون عن سبب عودة ابن مريم على وجه الخصوص، وظن البعض أنّ ذلك تكريماً له من دون أنبياء الله ورسله، فنقول أنّ كل ذلك غير صحيح، والسبب - كما نظن - هو لأنّ عيسى بن مريم متوفى. ففي ذلك تحقيقاً وليس خروجاً عن نواميس الكون، فمن توفي بالليل يستيقظ بالنهار (إن لم يمت بالطبع)، أليس كذلك؟ ومادام عيسى بن مريم متوفى (وهو لم يمت) لا بد أنْ يستيقظ وإنْ طالت الفترة الزمنية، فها هم أهل الكهف يستيقظوا من سباتهم بعد أنْ لبثوا ثلاثمئة سنين وازدادوا تسعا.
إنّ الفهم الدقيق لألفاظ القرآن يزيل – لا شك- الإبهام الذي يصادف الكثيرين، وما أهمنا هنا هو التفريق بين أنْ يكون الشخص متوفى أو أنْ يكون ميتاً، فالوفاة تحدث للميت وللحي.[14]
نعم إننا نفهم معنى توفي الذي جاء في آية عذاب الملائكة للكافرين على نحو ما جاء في كتاب الله، قال تعالى:
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ    البقرة (281)
وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ۚ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ                                                                                                              آل عمران (161)
نخلص إلى النتيجة أنّ الملائكة لا ولن يضربون الكفار إلا بعد أنْ "تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ"  ولا يكون ذلك إلاّ بعد الحساب، ولنتدبر الآية مرة أخرى متسلحين بهذا المعنى، قال تعالى:
وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا ۙ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ         الأنفال (50)
إنها الصورة نفسها التي تتكرر في قوله تعالى:
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ ۜ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32)

ويكون ذلك بعد أنْ يتلقى الكافر كتابه بشماله فتؤمر الملائكة بأخذه إلى عذاب الحريق.


الخاتمة
لقد حاولنا في هذه العجالة تسليط الضوء على قضية جدلية في الفكر الإسلامي من منظور لغوي بحت، ألا وهي جدلية عذاب القبر، فاجتهدنا في تقديم الدليل على استحالة وجود عذاب في القبر على مرحلتين، كانت الأولى تتلخص بجمع الأدلة من بعض آيات القرآن الكريم التي يتعارض فحواها – حسب فهمنا لها- مع القول بوجود عذاب في القبر، ولذا قدمنا منطوق النصوص القرآنية على فحوى بعض الأحاديث المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم والتي تتعلق بعذاب القبر، والتي بيّنّا في مكان آخر أنها لا تتناقض فقط مع ما نفهم من منطوق الآيات القرآنية وإنما مع نصوص الأحاديث نفسها، والتي لم تنقل للعامة بالموضوعية التي لا بد أن ترتبط بالنقل عن رسولنا الكريم، فنحن نؤمن إيماناً يقينياً أنْ ليس هناك في سيرة محمد بن عبد الله ما يجب إخفاءه، فهو نفسه يقول تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي، ولكنه في الوقت نفسه يحذر من يكذب عليه أن يتبوأ مقعده من النار، وكانت المرحلة الثانية تتمحور حول تبيان أنّ الدليل القرآني الذي قدمه الأقدمون لإثبات إدعائهم بجود عذاب في القبر قد أسيء فهمه، وحاولنا مناقشة مفردات ثلاث آيات كريمات تم إشغال ذهن العامة في فكرة مستوحاة منهم على نحو ما لا تعني مفرداتهم إطلاقاً.

أسأل الله أن أعلم منه ما لا تعلمون، وكفى بالله رقيبا. وكفى بالله شهيدا،    وكفى بالله وكيلا، وكفى بالله حسيبا، وكفى بالله نصيرا.



بقلم د. رشيد الجراح
مركز اللغات
جامعة اليرموك
الأردن
 2009













 [1] هذا البحث منشور باللغة الإنجليزية في  العدد الأول من المجلد الثالث في المجلة العلمية International Journal of Linguistics
[2] انظر إثبات عذاب القبر للبيهقي  at www.alsunnah.comالروح لابن قيم الجوزية، وعذاب القبر في الميزان لعكاشه عبد المنان، المنهاج، الجامع لأحكام القرآن، تفسير القرآن العظيم، إثبات عذاب القبر، الغيبيات في ضوء السنة، موقف المدرسة العقلية من السنة
ثم انظر فضل الاعتزال، ميزان الاعتدال، لسان الميزان، شفاء الصدر في نفي عذاب القبر، الكتاب والقرآن، دفع الشبهات، السنة ودورها في الفقه الجديد
الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة

[3] فالكتاب ضابط والسنة ضابط وأقوال الصحابة ضابط وأقوال التابعين ضابط وأقوال العلماء ضابط والعادة ضابط والعرف ضابط ولغة العرب ضابط، ولك ما شئت أن تعتبره ضابط.
[4] إننا نود التأكيد أننا نؤمن إيماناً مطلقاً أن ليس هناك تضارب بين الكتاب والسنة، فالسنة مكملة للكتاب والإيمان بها من ركائز العقيدة، أما التضارب الظاهر في ربط بعض الأحاديث ببعض الآيات القرآنية (أو حتى بين الآيات نفسها أو الأحاديث مع بعضها) فهو تضارب في فهم البشر وتفسيرهم لما هو موجود في الكتاب والسنة، لذا فإننا نؤكد مرة أخرى أنّ ما نقوم به هو محاكمة للآراء البشرية لما هو في الكتاب والسنة وليس لنصوص الكتاب والسنة نفسها.
[5] من يدعي أنّ أحاديث عذاب القبر لا تتضارب مع فحوى هذه الآيات الكريمات (التي تؤكد جميعها أنّ الحساب سيبدأ بعد أنْ يقوم الناس كلهم لرب العالمين) فليقدم لنا فهمه لعذاب القبر في ضوء هذه الحقيقة القرآنية الجلية
[6] هنا لا نتحدث عن عذاب الله الذي وقع على بعض الأمم والأقوام السابقة (أي العذاب الأرضي) في الحياة الدنيا، وإنما عن عذاب النار بعد الموت، وسنرى لاحقاً كيف تتحدث الآيات –خصوصاً آية عذاب آل فرعون - عن عذاب النار "النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا"
[7] والأهم من ذلك تلك القصص المخيفة التي بتناقلها العامة عن ما شاهده غيرهم- في غالب الأحيان- عن قصص القبور، ولتتأكد من درجة انتشار الأكاذيب والافتراءات فأنت مدعو للبحث تحت عنوان "عذاب القبر" في الشبكة العنكبوتية لتجد العجب العجاب
[8] والمفارقة الأكبر أنّ البيهقي يوّلف كتاباً تحت عنوان "إثبات عذاب القبر" فيذكر جميع تلك الأحاديث ويذكر هذا الحديث المروي عن عائشة ولكنه –يا لله- لا يورد الجزء المبتور دائما من الحديث وهو الذي ينكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم القول بعذاب القبر. تصور معي: كتاب كامل حول عذاب القبر يذكر فيه تقريبا كل شيء إلا ذلك الجزء، وسؤالنا هو: لماذا أخفي ذلك الجزء: خوفاً على الدين أنّ يُحدَث فيه ما لا يجب؟ 
[9] ربما يرد البعض بالقول أنّ الكافرين قد يروا ربهم رؤية غضب، ولكننا نعارض مثل هذا الاعتقاد لانّ النظرة الفيزيائية لرب السموات والأرض هي بحد ذاتها نعمة وشرف ما بعده شرف، وجمال المنظر لا يمكن أنْ يطغى عليه شيء. ولنتدبر قوله تعالى:
            كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ                         المطففين (15)
            وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)       القيامة 22-25
            وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41)                        عبس 38-41
[10] لقد شغلت هذه المسألة فكر كثير من الناس متسائلين عن العدل الإلهي في أنْ يقع العذاب على الناس في قبورهم بعد أنْ يموتوا مباشرة، وتساؤلهم ملخصه: كيف أنّ هناك أناس يتعذبون في قبورهم منذ بدء الخليقة بينما يقع العذاب على غيرهم بعد الآلف السنين ولنفس السبب ليس إلا لأنهم خلقوا بعدهم؟ لقد كانت ردة فعل الفكر الإسلامي المعاكس أنّ الرد يكمن في اختلاف وتنوع أصناف وشدة العذاب، ولكننا نظن أنهم غفلوا عن السؤال التالي: ماذا لو كانوا يعذبون لنفس السبب كالكفر مثلاً، فهل يتفاوت عذاب الله على من يعذبوا لنفس السبب؟ إنّ تبني الفكر الذي نطرحه يحل هذه الإشكالية برمتها، وذلك لأنّ عملية عرض الكافرين على النار تتم لكافة الخلق في الوقت ذاته، ويكون ذلك بعد النفخة الأولى في الصور، يوم يصعق من في السموات والأرض وهو يوم أنْ تقع الواقعة، وفي هذا  عدل إلهي أنْ يتم الحساب والعقاب بنفس الطريقة والدرجة على من أرتكب نفس المعصية دون الرجوع إلى تفاوت العامل الزمني في الخلق والموت.
[11] إننا ندعي أنّ الساعة هي النفخة الثانية، وذلك لأنّ فيها يقوم الناس لربهم:
قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ ۚ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ                                                                                                                          الأنعام (31)
وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا                                                                      الكهف (36)
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ                                                  الروم (55)
يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ ۗ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ                                                                                                                                            الشورى (18)
وبعدها يحصل الحساب:
إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ                                                                                   طه (15)

[12] لاحظ عزيزي القارئ كيف تصور آية عذاب آل فرعون المشهد باستخدام لفظة "النار" نفسها
[13] لذا يجب تصحيح الرسم القرآني هنا بإبدال علامة الوقف أولى  ۗ  بعلامة الوصل أولى  ۖ .
وسنرى في بحث لاحق أنّ الوفاة تكون بتعطيل عمل المستقر والموت يكون بتعطيل عمل المستقر والمستودع، قال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98)
فالنفس البشرية تتكون من مستقر (وهو القلب) مستودع وهو العقل ( أو المخ بتعبير أدق)، فعندما يتوفى الإنسان يتوقف عمل القلب (ولا أعني هنا أداة ضخ الدم وإنما أداة التفكير واتخاذ القرار) ولكن عندما يموت الإنسان يتوقف عمل القلب (أداة التفكير واتخاذ القرار) والمخ (أداة التخزين واسترجاع المعلومة). والقلب هو المستقر (أي المكان) الذي تمكث فيه المعلومة لفترة وجيزة حتى يتم اتخاذ القرار، ولما يحدث ذلك تنتقل المعلومة إلى المستودع، فالأرض مستقر لأننا نمكث فيها فترة وجيزة، قال تعالى:
فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ۖ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ        البقرة (36)
فنحن نفهم أنّ عيسى عند الله متوفى (أي معطل عنده عمل المستقر كالنائم مثلا، لكنّ مستودعه لازال يعمل وبالتالي فعندما يعود إلى الأرض يرجع له المستقر عاملاً كما كان (وسنتحدث عن دقائق الأمور في هذا الشأن –بحول الله وتوفيقه- في بحث مستقل عند الحديث عن النفس والروح والجسد)[14]