تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

#والعلماء هم الظالمون (1)











تنبيه: هذه المقالة لا تعبر سوى عن وجهة نظر كاتبها، وهي بأي حال من الأحوال غير ملزمة إلا له، لأنه يعتقد أن هذا هو الحق، ولو استطاع أحد أن يثبت خطأ الكاتب، فهذا مما سيثر البهجة لديه، وهو (أي الكاتب) لا شك مستعد ليتخلى فوراً عن هذه الآراء، لذا فإننا نهيب بالقارئ الكريم أن يبحث عن فجوات في هذا الطرح ليتم تصحيحه، كما نحثه على أن لا يؤمن بما جاء في هذه المقالة، لأنّ الإيمان بذلك يعني إقامة الحجة عليه، وبالتالي تحمله تبعات مثل هذه المواقف التي من الممكن أن تكلّفه ما (قد) لا يحتمله، لذا فإننا نرى أن لا يكلف القارئ نفسه عناء قراءتها في البدء، وإن هو فعل أن لا يقتنع بما جاء فيها، ومن ثم إلقائها إلى recycle bin على جهاز الحاسوب الذي قرأها منه.

 أما بعد:
والعلماء هم الظالمون
نعم، العلماء هم الظالمون، ولا شك أنهم هم من أهم أسباب بلاء هذه الأمة كما كانوا سببه الأول والأخير عند الأمم الأخرى، وربما يستغرب البعض مثل هذا القول، فنرد بالقول بأن مقالتنا هذه تقحم نفسها في هذا الموضوع الذي لا شك سيكون له – إنْ صحّ- تداعياته الخطيرة على حياة الناس العاديين. ونحن ننوى أن نبيّن كيف يكون العلماء هم الظالمون، وكيف أنهم من أهم أسباب تأخر هذه الأمة وبقائها في ذيل القافلة. وسنحاول تفصيل الأمر باستعراض بعض الأمثلة من حياة الناس، نذكر منها:
1. حرب الخليج
2. العمل في دول الخليج العربي
3. جواز السفر الغربي
4. حكومة سمير لا قمحة ولا شعير

ولكن قبل الخوض في تفاصيل هذه القضايا لا بد من تجلية بعض المسوغات العقائدية لما سنزعم في مقالتنا هذه.

من هم العلماء؟
يحدد لنا النص القرآني -بما لا يدع مجالاً للتأويل- من هم العلماء، فقد وردت هذه المفردة في موقعين من كتاب الله، قال تعالى:

أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الشعراء (197)

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ فاطر (28)

ونحن نعلم أنّ مفردة "العلماء" مشتقة من "العلم"، فالعلماء هم من تحصل لهم العلم، وقد أثبت القرآن الكريم أنّ العلم ربما يتحصل للكائنات الأخرى غير الإنسان، قال تعالى:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ ۖ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ النور (41)

فكل من وصله العلم بالشيء أصبح عالماً فيه، ولكن درجة العلم متفاوتة بين عالم وآخر. ونحن نظن أنّ العلم يتحصل بالنقل[1]، وقد بدأت رحلة الإنسان مع العلم منذ "اليوم الأول" لخلقه، فالله سبحانه قد علمّ آدم الأسماء كلها، وبذلك انتقل ذلك العلم من المصدر الإلهي إلى آدم، فأصبح آدم عالماً متميزاً على بقية مخلوقات الله بتلك الهبة الربانية.
وهذا القرآن العظيم هو علم نُقل إلى محمد من المصدر الإلهي، قال تعالى:

وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ البقرة (120)

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ۚ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا النساء (113)

فالعلم إذاً قد جاء إلى النبي محمد من مصدر رباني، وهو ليس علم محمد من نفسه. وقد قام صلى الله عليه وسلم قام بدوره بنقل ذلك العلم إلى الناس، فتحصل لهم العلم به:

كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ البقرة (151)

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ آل عمران (164)

بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ۚ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ العنكبوت (49)

هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ الجمعة (2)

ولا شك أنّ المصدر الصحيح للعلم هو المصدر الإلهي:

 فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا ۖ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ البقرة (239)

عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ القلم (5)

والعلم لا شك درجات:
 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ المجادلة (11)

تنتهي جميعها عند العلم الإلهي:
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ يوسف (76)

فالعلم كله عند الله:

قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ الملك (26)

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا
شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
البقرة (216)

وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۗ ذَٰلِكُمْ أَزْكَىٰ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ البقرة (232)

هَا أَنْتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ آل عمران (66)

فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ النحل (74)

إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ النور (19)

لذا، فمهما بلغ الإنسان درجة متقدمة من العلم فلا يمكن أن يشكّل علمه ذاك إلاّ نزراً يسيراً من علم الله اللامتناهي:

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا الإسراء (85)

وهناك علم اختص الله به نفسه فلا يعلمه غيره:

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ النمل (65)

فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ السجدة (17)

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ ۖ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ ۚ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا
الأحزاب (63)

سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ يس (36)

وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً ۙ وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا ۙ وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ ۙ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلًا ۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَىٰ لِلْبَشَرِ المدثر (31)

فحتى الجن لا تستطيع الحصول على مثل ذلك العلم:

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ سبأ (14)

وهناك أشياء نفى الله عن نفسه أن يعلّمها لأنبيائه:

وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ يس (69)

وهناك أشياء أجّل الله العلم بها حتى حين:

وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ص (88)
سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ القمر (26)
كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) النبأ
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) التكاثر

والله سبحانه لا يساوي بين من يعلم ومن لا يعلم:
أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ ۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ[2] الرعد (19)

أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الزمر (9)

لأنّ من آتاه الله العلم هو الأقرب إلى الهداية وإلى الحق:

ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ ۚ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ النحل (27)

ولكن ذلك العلم لا يؤتيه الله إلا لمن شاء له أن يكون عالماً به:
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
البقرة (255)
والله سبحانه يثبت في كتابه الكريم أن الغالبية لا تعلم، قال تعالى:
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ يونس (55)
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يوسف (40)
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يوسف (68)
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ ۚ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ النحل (38)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا ۖ هَلْ يَسْتَوُونَ ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ النحل (75)
وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ ۙ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
النحل (101)
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ۖ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ ۖ هَٰذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي ۗ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ ۖ فَهُمْ مُعْرِضُونَ الأنبياء (24)
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ النمل (61)
فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
القصص (13)
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ القصص (57)
وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ الروم (30)
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ الروم (56)
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
لقمان (25)
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ سبأ (28)
قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ سبأ (36)
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ
ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الزمر (29)
فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ
وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الزمر (49)
لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ غافر (57)
مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الدخان (39)
قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
الجاثية (26)
وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الطور (47)
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ
المنافقون (8)

وبالمقابل فإن الكثرة (التي لا تعلم) تتبع الظن، فالذي لا يعلم غالباً ما يسلك طريقاً غير طريق العلم، وهي طريق الظن وهوى النفس:

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ
هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ
الجاثية (24)
وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا النجم (28)
وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَخْرُصُونَ
الأنعام (116)
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ۗ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ يونس (66)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ القصص (50)
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ۚ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَىٰ النجم (23)

فمن لديه العلم لابد أن يقدّم الدليل على علمه:

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ۖ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ الأحقاف (4)

ولا شك أن أنبياء الله قد آتاهم الله علماً، فكانت تتلخص مهمتهم بنقل ذلك العلم إلى الناس، فنبي الله إبراهيم يدعو أباه إلى الإيمان لأنه قد تحصّل له علماً لم يتحصّل لأبيه، قال تعالى على لسان نبيه إبراهيم:
يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا مريم (43)

افتراء من عند أنفسنا: ولكن ذلك لا يعني أن العلم مقتصر على الأنبياء، بل على العكس، فقد يتحصل للناس العاديين من العلم ما لم يتحصل للأنبياء أنفسهم، كلام خطير، أليس كذلك؟
الدليل
لو تدبرنا العبرة المستقاة من قصة موسى مع ذاك الرجل الصالح لوجدنا فيها توجيهاً إلهياً ربما غفلنا عنه لقرون، فلقد جهد كليم الله موسى في أن يتبع ذلك العبد الصالح ليتحصل له العلم:
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَىٰ هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰ أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) الكهف

ولكن جاء رد الرجل واضحاً:
قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68)
الكهف

نعم، لقد تحصّل لذاك العبد الصالح من العلم ما لم يتحصل لنبي الله وكليمه موسى عليه السلام، وعلى الرغم من دعوة علمائنا الأجلاء لنا بقراءة سورة الكهف (ولو مرة واحدة في الأسبوع) إلاّ أنّه - للأسف الشديد- لم يجد هذا التوجيه الرباني طريقه إلى التطبيق العملي بسبب ما أضفى العلماء على الأنبياء من القدسية، فهم قد جعلوا الأنبياء أعلم خلق الله، وجاءت طائفة أخرى لتضفي تلك القدسية على بعض الأولياء والصالحين، كالصحابة والتابعين وأهل البيت عليهم جميعاً أفضل الصلاة وأتم التسليم، وتتابع هذا المسلسل حتى ذهبت بعض الطوائف والفرق لتضفي مثل تلك القدسية على شيوخ الطريقة وهكذا، ولو زعم رشيد الجراح في يوم ما أنه رأى في منامه (وليس في الحقيقة) أنه ربما يكون أكثر علماً من ابن عمر أو أبي حنيفة أو حتى أحد تابعي التابعين لأقاموا الدنيا فوق رأسه ولما أقعدوها (وقد فعلوا)، ولكننا نقول لعلمائنا الأجلاء: ما الفائدة التي ربما تستنبطوها من قصة ذهاب موسى (نبي الله وكليمه وهو واحد من أولي العزم من الرسل) في رحلة طويلة ليطلب العلم من عبد من عباد الله لا يذكر القرآن الكريم اسمه بصريح اللفظ؟ ثم، ألم تستفيدوا من أدب نبي الله مع ذلك الرجل؟ فهل كابر موسى وصرخ بالرجل بأنه نبي الله وكليمه؟ ثم لننظر إلى رد ذلك الرجل، ألم يؤكد لنبي الله أنه لا يستطيع مجاراته في العلم، وأنه لن يصبر على علم لم يحط به خبرا؟

لقد نخر علماؤنا الأجلاء في أذهاننا أن عصر العلم قد ولى وانتهى، فلا يمكن لنا أن نصل إلى ما وصل إليه من سبقنا في الزمن، وهنا سأطرح سؤالاً بسيطاً: إذا كان الأمر كذلك: فما فائدة وجودنا أصلاً؟ ألم تنتهي رحلة العلم مع من رحل؟ ماذا نعمل نحن على وجه هذه البسيطة؟ نأكل، نتزاوج، ننام، نردد ما قالوا، وكفى.
رأينا: كلا وألف ألف كلا، نحن نعلم وربما نعلم أكثر مما علموا هم، وما نحن بحاجة له هو أن نعطى الفرصة (وربما الثقة) لأنفسنا بأننا قد نعلم. فالله سبحانه أمرنا أن نبقى على الدوام مطالبين زيادة ذلك العلم:
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۗ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ۖ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا طه (114)

(دعاء: رب زدني علما، إنك أنت العليم الحكيم)
لأنه لا يمكن أن نتخيل ما يمكن أن يتحصل لنا من علم إن نحن اجتهدنا في طلبه، ولنمعن التفكير بما كان يستطيع القيام به من تحصل له شيء من ذلك العلم:
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ النمل (40)

وكل ما يجب علينا أن نلتزم به في رحلة العلم التي ننشدها هو أن لا نتجرأ بأن نقول (كما يفعل بعض الناس) على الله بغير علم:
قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ يونس (68)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ الحج (3)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ الحج (8)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ
الحج (71)
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
النور (15)
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
الروم (29)
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ لقمان (6)
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ لقمان (20)
وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ ۗ مَا لَهُمْ بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ الزخرف (20)
فقد نسب بعضهم العلم لأنفسهم:
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ القصص (78)
فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ ۚ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الزمر (49)
فاستحقوا بذلك الختم على قلوبهم:
كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الروم (59)
والله سبحانه كان قد نهى نبيه نوح أن يسأله عن ما "ليس لنوح علم به" لأن ذلك فعل لا يقوم به إلا من أراد أن يكون من الجاهلين، قال تعالى:
قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ۖ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۖ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ هود (46)
وقد نهانا الله سبحانه عن إتباع سبيل وأهواء الذين لا يعلمون:
قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ يونس (89)
ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ الجاثية (18)
فنحن إذاً مطالبين بإتباع سبيل الذين يعلمون، والابتعاد عن طريق الذين لا يعلمون، أليس كذلك؟
*** *** ***
وهنا نصل إلى ذروة ما نقصد في بحثنا هذا، وتتمثل المعضلة التي نود طرحها في تطابق عجيب يمكن تلخيصه على النحو التالي: لقد وجّهنا الله إلى إتباع سبيل الذين يعلمون ونهانا أن نتبع سبيل الذين لا يعلمون، وفي الوقت ذاته أثبت ربنا في كتابه الكريم أنّ العلم الإلهي هو سبب الاختلاف بين الناس:
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ آل عمران (19)
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ الشورى (14)
وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ الجاثية (17)
وتتأكد الفكرة نفسها حتى عند الأمة الواحدة، فلقد كان بنو إسرائيل على وفاق حتى جاءهم العلم الإلهي:
وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّىٰ جَاءَهُمُ الْعِلْمُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ يونس (93)
إذاً نحن نفهم من هذه الآيات الكريمة أن العلم هو سبب الاختلاف، لذا نحن نثير تساؤلاً (نظن أنه) مهماً، ألا وهو: كيف يكون العلم سبباً للاختلاف؟ أليس العلم طريقاً للمعرفة ومن ثم الهداية كما أسلفنا سابقاً؟ ألا يجدر بالعلم أن يؤدي بنا إلى التوافق بدلاً من الاختلاف؟
رأينا: كلا، لقد بيّن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن سبب الاختلاف هو العلم، فكيف يكون ذلك؟
النتيجة: العلم هو سبب الهداية وهو – في الوقت ذاته- سبب الاختلاف، وبالتالي فالعلماء إما أن يكونوا سبباً في الهداية أو سبباً في الاختلاف. وهذا بالضبط ما سنحاول تجليته من الأمثلة التي سنقدمها.
إنّ أول ما يمكن أن نسلّط عليه الضوء في هذا المقام هو ما تكرر في الآيات الكثيرة في كتاب الله حول التأكيد الرباني أنّ الإنسان قد يجحد بآيات ربه على الرغم من علمه بها، كما حدث لآدم يوم أن عصى ربه، فالله قد أودع في آدم علماً، ولكن ذلك العلم لم يثن آدم عن الوقوع في المعصية، وتكرر مثل هذا الأمر مع نبي الله موسى عليه السلام، فقد آتاه الله حكماً وعلماً يوم أن بلغ أشده، ولكن ذلك لم يثنه عن قتل الرجل الذي هو من عدوه، ولنتدبر النص بأكمله كما يرد في سورة القصص:
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) القصص 14-16
وهو بالضبط ما كان من أمر نبي الله ورسوله يوسف، فقد همّ بالمرأة كما همّت هي به من قبل (لولا أن رأى برهان ربه)، وقد حصل ذلك بعد أن كان الله قد آتاه حكماً وعلماً:
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ ۖ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ كَذَٰلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ۚ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) يوسف 22-24
إنّ فحوى الكلام هو أنّ حصول العلم لا يعني عدم الوقوع في المعصية، وهذا المعنى تكرر في كتاب الله في أكثر من موضع، تتجلى أوضح صوره بالشرك:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة (22)
وفي إيقاع الأذى برسل الله وأنبياءه:
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ ۖ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ۚ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ الصف (5)
وتبدأ الصورة تقل وضوحاً في تحريف كلام الله:
أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ البقرة (75)
وفي أكل أموال الناس:
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة (188)
وفي الكذب:
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران (75)
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ المجادلة (14)
وفي خيانة الأمانة
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الأنفال (27)
وتبدأ المشكلة الحقيقية في صورتين رئيسيتين وهما:
1. كتمان الحق و
2. إلباس الباطل ثوب الحق،
وهذا المعنى تكرر عدة مرات في كتاب الله
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة (42)
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ البقرة (146)
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ آل عمران (71)
فنحن نظن أنّ البلاء يعم على الأمة، وتتكاثر الشدائد والمحن، وتشتد الصعاب يوم أن يكتم "الذين يعلمون" الحق، لا بل تتفتت الأمة بأكملها وتنهار وتفقد هويتها وتتفرق إلى فرق وطوائف عندما تقوم فئة من العلماء بالفعل المشين ألا وهو إلباس الحق بالباطل (أو إلباس الباطلَ ثوبَ الحق)، فهناك فئة من العلماء لا تقف عند كتمانهم الحق، وإنما تقوم بما هو أدهى وأمرّ: تزيين الباطل بقشور من الحق، فيلبسون الباطل ثوب الحق، فيضلّوا الناس عن علم، لأنّ الناس العاديين مجبولين بطبعهم على علم بالقشور، قال تعالى:
وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) الروم 6-7
فإذا ما قامت فئة من العلماء بتزين الباطل بظاهر من الحق حسبه الغالبية الساحقة من الأمة أنه الحق بعينه (ربما كما أفعل أنا الآن)، فوقعوا فريسة سهلة، تستطيع تلك الفئة من العلماء أن يسيّروهم كما يريدون، وفي المقابل قامت فئة أخرى من العلماء برفض الرأي الأول متسلحين بالدليل ولديهم المسوغات والمبررات على صدق دعواهم (كما يظنوها هم)، وعندها يدبّ الخلاف بين علماء الأمة فتضيع الحقيقة في صراع فكري لا يرضي جميع الأطراف على حد سواء، فيذهب كل طرف في طريق قلما تلتقي مع طريق الفريق الآخر، ويبدأ كل طرف منهم بحشد التأييد لرأيه وموقفه، فينبثق عن هذا الطرف أهل.....، وعن الطرف الآخر أهل..... . ويصعب على الإنسان العادي (من مثلي) أن يميّز إلى أي أهل يحسن به أن ينتمي، وبسبب صعوبة التمييز يؤثر عندها أن يرث فرقته وأهله كما ورث دينه أصلاً، فإن هو ولد من عائلة تنتمي إلى أهل ....، أصبح هو من نفس العائلة والفرقة والطائفة، وغالباً ما يقوم بالدفاع عن طائفته حتى لو لم يكن على علم بمفردات تلك الطائفة. وهذا ما نفهمه من قوله تعالى:
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ ۚ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۖ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ ۗ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ البقرة (213)
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ آل عمران (19)
وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ الشورى (14)
وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ ۖ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ الجاثية (17)
فهذه الآيات الكريمات تشير جميعها إلى أنه عندما جاءهم العلم (أي العلماء) اختلفوا (ومن ثم تفرقوا) ليس لأنّ العلم الذي جاء يمكن أن يفسّر أو أن يُحْمل على أكثر من وجه، وإنما كان سبب الاختلاف هو البغي بينهم، فكيف يكون ذلك؟
لقد نهى الله في سياق الموضوع نفسه عن إحداث الفرقة بين الناس، قال تعالى:
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ ۚ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَٰلِكَ فَادْعُ ۖ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ۖ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ ۖ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ ۖ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ ۖ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ۖ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
فلقد نهانا الله أن نتفرق في الدين "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ"، ولكنه أثبت في الوقت ذاته أن تلك الفُرقة لم تحصل إلا بعد أن جاءنا العلم "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ"، ولم يكن ذلك إلا لشيء واحد ألا وهو: البغي "وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ".
فما هو البغي إذاً؟ إننا نفهم أن البغي في سياقه القرآني يعني انتصار طائفة على أخرى، قال تعالى:
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ الشورى (39)
ذَٰلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ الحج (60)
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ القصص (76)
إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ ص (22)
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
ص (24)
إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الحجرات (9)
فالله سبحانه قد حرّم البغي بغير الحق:
قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ الأعراف (33)
فنهانا عنه:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ النحل (90)
فالذي يبغي على الآخرين هو من يرفض الحق الذي جاء من عندهم ليس لأنه يرى أن قولهم خاطئ وإنما كرهاً بالمصدر الذي جاء من عنده:
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ البقرة (90)
افتراء من عند أنفسنا: إننا نعتقد أنّ بعض علماء الفرق الإسلامية ترفض الرأي الآخر ليس لعلمهم بخطأ ذلك الرأي (ووجود الدليل على ذلك، وتوافر القناعة لديهم) وإنما كرهاً بتلك الطائفة التي تتبنى ذلك الرأي، فلقد رفضت ثلة من بني إسرائيل –كما تشير الآية السابقة- الحق الذي جاء به محمد (وكثير من الأنبياء السابقين) ليس ليقينهم أن هؤلاء مخطئون، وإنما "بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ". لقد عطّل كرهم لغيرهم بصيرة قلوبهم، وهذا واضح تماماً في السياق الأوسع الذي وردت فيه الآية الكريمة السابقة:
وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90)
لذا فلقد رفض فرعون رسالة موسى ليس لقناعته بعدم صدق الرسالة وإنما كرهاً ببني إسرائيل:
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
ولو دققنا النظر في الآية الكريمة لوجدنا أن البغي عادة ما يكون على من حولك وخصوصاً بين المتجانسين:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)
فالله سبحانه يأمر بثلاث أشياء هي (1) العدل (2) الإحسان (3) إيتاء ذي القربى وينهى عن ثلاثة أشياء هي (1) الفحشاء (2) المنكر (3) البغي، أليس كذلك؟ ولو دققنا النظر في التقابل الذي تفرضه الآية نفسها لوجدنا أن النقيض من العدل هو الفحشاء وأن النقيض من الإحسان هو المنكر وأن النقيض من إيتاء ذي القربى هو البغي.
المفردة (المطلوب)
المفردة المقابلة (المنهي عنه)
العدل
الفحشاء
الإحسان
المنكر
إيتاء ذي القربى
البغي
فها هو قارون من قوم موسى فيبغي عليهم:
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ القصص (76)
وها هم الأخوة يبغي بعضهم على بعض:
إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ ص (22)
قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ
ص (24)
فالناس هم ذو قربى لبعضهم البعض، ولكن عندما يختاروا أن يكرهوا بعضهم البعض، ويرفضوا آراء بعضهم ليس لصحة الرأي أو لخطأه وإنما كرهاً بصاحب الرأي يصبح ذلك بغياً بينهم، فتعتدي طائفة على أخرى، مصداقاً لقوله تعالى:
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ الحجرات (9)
فالعلاقة بين الناس يجب أن تخلو من البغي وتكون متوازنة كذاك التوازن الذي تصوره الآية الكريمة التالية:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) الرحمن 19-20
فالبحران بينهما برزخ يمنع أحدهما أن يبغي على الآخر، فحتى لو كان أحدهما بحجم المحيط والآخر بحجم البحر الصغير فلا يحق لأحدهما أن يبغي على الآخر، لأن ذلك سيترك الكون كله في فوضى عارمة. وأظن أن هذا ما يجب أن يبنى عليه علاقة الأغلبية بالأقليات الموجودة في كل مجتمعات الأرض.
*** *** ***
ونقف هنا للحظة للتمييز بين من يقع في الخطأ وهو غير عالم أنه مخطئ (كحالتي)، ومن يقع في الخطأ وهو عالم به (كحالتي أيضاً)، أي يقع في الخطأ على علم، فهؤلاء هم من أضلهم الله على علم، وهنا تكمن المشكلة، فنحن إذاً مدعوين للتمييز بين نوعين من العلماء الذين قد يقعون في الخطأ، فمن العلماء من يقع في الخطأ على غير علم به (ربما لخطأ في القياس أو الاستنباط، الخ)، ولكن بعضهم قد يقع في الخطأ وهو عالم به، والقرآن الكريم يسمي هذه الفئة من الناس بالظالمين:
"... وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ" البقرة 145
فمن جاءه العلم واتبع غير سبيل الحق فهو – دون أدنى شك- من الظالمين، فالظلم كما يرد في القرآن الكريم يعني في ظننا "ارتكاب المعصية بالرغم من العلم فيها"، فلا يسمى من يقع في المعصية ظالماً إلا إذا كان قد امتلك العلم فيها من قبل، فها هو آدم يحذره ربه من أن يكون من الظالمين بعد أن أودعه الله العلم بما لا يجب عليه فعله، وهو الأكل من الشجرة، فقول الله يشير صراحة إلى أنّ آدم سيصبح من الظالمين إنْ هو أكل من الشجرة، قال تعالى:
وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ البقرة (35)
وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ الأعراف (19)
وكما وقع آدم في المعصية بالرغم من أنّ الله قد أودع فيه العلم من ذي قبل ونبّهه إلى خطر المعصية التي سيقع فيها، أوقع موسى نفسه في الظلم لأنّ الله كان قد أودع فيه العلم قبل الوقوع في المعصية، ولننظر إلى كيفية اعتراف نبي الله موسى بذنبه:
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) القصص 14-16
وهكذا كان خطاب ذي النون من قبل:
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ الأنبياء (87)
فالمطلوب من الإنسان ليس "عدم الوقوع في الظلم" وإنما عدم الإقرار به أو عدم الرجوع عنه بالتوبة ليشمله الله بالغفران. فها هم الأنبياء أنفسهم يقعون في الظلم (أي الذنب بعد العلم)، ولكنهم لا يصرّون عليه، بل يبادرون بالاعتراف بظلمهم، فيتوجهوا إلى الله بالتوبة، فيغفر الله لهم لأنه "هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". فمن أهم سمات المؤمنين أنهم لا يصرّوا على ذنب عملوه إن تبيّن لهم خطأهم:
وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران (135)
دعاء: ربنا إنا ظلمنا أنفسنا فاغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم
*** *** ***
وبهذا نصل إلى استنتاجات مهمة تتمثل بما يلي:
1. الإقرار بأن العلماء قد يقعون في الخطأ عن غير علم
2. الإقرار بأن العلماء قد يرتكبون الظلم (اقتراف الخطأ) عن علم
3. حاجة العالم إلى الرجوع عن الخطأ والتوبة والبراءة منه إن علم أنه مخطئ
وهنا قد يبادرنا البعض بالتساؤل التالي: كيف يقع العالم في خطأ وهو عالم به؟ فنرد بالقول أن ذاك وارد جداً، وما يهمنا هنا هو الخوض في صورتين اثنتين ذكرناهما سابقاً، نستطيع استنباطهما من قوله تعالى:
ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ البقرة (42)
1. كتمان الحق (وعدم البوح به)
2. إلباس الحق بالباطل
ولا شك – لدينا- أن كلا الصورتين على درجة من القبح حتى استحقا النهي (والذم) الصريح من رب العباد في كتابه الكريم. ونحن نظن أن النوع الأول ولا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ أشد خطراً على الأمة من النوع الثاني وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. فالأسلوب القرآني في النهي والزجر عادة ما يبدأ بالأشد خطورة، قال تعالى:
قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)
فالشرك لا شك أشد خطورة من باقي الذنوب.
المهم في الموضوع هو الاستنباط الذي خرجنا به وهو وجود نوعان من العلماء
- فهناك نوع من العلماء يرى الحق واضحاً بيّنا، ولكنّه يؤثر السكوت وعدم البوح به (ويكأن الأمر لا يعنيه)، فهؤلاء العلماء –حسب ظننا- هم السبب المباشر في خنوع الأمة وسكوتها، فنحن نظن أن الأمة تتوقف عن التقدم إلى الأمام متى كتم علماؤها الحق، وآثروا أن لا يرتفع صوتهم به.
- وهناك النوع الآخر من العلماء وهم الذين يرون الحق واضحاً بيّناً ولكنهم يستخدموه كسوة للباطل، فيروجوا للباطل بثوب الحق، ولعلي أجزم أن هذا النوع هو أشد خطراً من النوع الأول، بالرغم أن كليهما مذموم بقول رب العالمين، لأن هذا النوع من العلماء هم السبب المباشر ليس فقط لركود الأمة وإنما السبب في تفتت الأمة إلى طوائف وملل متناحرة ومتصارعة، يكون هدف كل منهم إثبات أنه هو (وليس خصمه) على حق، فينقلب الموقف من بحث عن الحقيقة أينما كانت وحيثما حلت، إلى بحث عن أدلة على صدق موقفه، وعندما تتعارض بعض الأدلة والشواهد مع موقفه يقوم بتحريفها ولو بالتأويلات المجازية حتى يخضعها لموقفه، فبدل أن يخضع رأيه للنص، يلوي عنق النص ليوافق رأيه، وهنا تبدأ الفرقة بين علماء الأمة.
وربما لا نحتاج إلى كثير عناء للتمثيل على النوع الأول من العلماء وهم من يكتم الحق، فأصوات العلماء التي لا ترتفع بقول الحق لأي سبب كان هي دليل ملموس في كل مكان وزمان. فكم من علمائنا يعرف الحق ولكنه لا يرفع صوته به، فلو كنت معه في جلسة خاصة لسمعت منه كلاماً غير الذي يقوله على الملأ، فهم لا يبوحون بما يعلمون.
ولكن تكمن المشكلة الأكبر في النوع الأخر الذي يصعب تميزه، وهم الذين يلبسون الحق بالباطل، ولكن من هم هؤلاء؟
إننا نعتقد أنهم الذين يحاولون إيجاد التبريرات للباطل، وهذا هو لب النقاش الذي سنستطرد به في مقالتنا هذه.
إننا نزعم أن إيجاد المبررات لشيء في أصله خطأ هو الظلم بعينه مهما كانت درجة الإقناع، ومهما كانت تلك المبررات التي يسوقها العالم للتدليل على وجاهة رأيه، فلقد ساد في الفكر الديني مقولة فحواها الأخذ بالظروف السائدة، فتم إخضاع الفتاوى الدينية لظروف الحال (المكان والزمان)، وهذا بالضبط ما لا نتقبله على الإطلاق، ونعتقد أنه سبب الوقوع في الظلم، فعندما يسوق العالم المبررات لدعم رأي هو في الأساس خلاف الأولى متعللاً بالظروف والأحوال فهذا لا شك سيؤدي بالتالي إلى الوقوع في الظلم.
فنحن نؤمن أن الفتوى الدينية يجب أن تكون مستقلة عن ظرف المكان والزمان، ولا يجب أن تتغير بتغيره، لأن ذلك سيفتح المجال لجميع التأويلات والتفسيرات التي لا شك ستجد المبرر والحجة لذلك، وبالتالي سيصبح الأمر الديني متقلباً ومتغيراً لا يحتكم إلى النص الديني، وإنما إلى تأويلات متباينة مدفوعة بعوامل خارجية لا قيد لها ولا ضابط، ولو كان هذا الأمر مقبولاً لما كان هناك حاجة أصلاً إلى النص الديني. وتستطيع التأكد عملياً من وجاهة ما نزعم على النحو التالي: قم بعرض فتوى معينة على فئة من العلماء في بلد ما وتحت نظام سياسي معين، وقم بعرض تلك الفتوى على علماء غير محكومين بتلك الظروف ولا بسلطة ذلك النظام السياسي عليهم، فإن اختلفت الفتوى تستطيع عندها أن تدرك أنّ ظلماً قد وقع، ولكن إذا لم تتغير الفتوى بتغير الظرف فذلك يعني عدم وقوع الظلم.
إننا نؤمن أنه مهما كان المسوغ ومهما كان الظرف السائد فلا يجب أن يكون ذلك سبباً في إتباع ما هو خلاف الأولى، فما يحكم الفتوى الدينية هو النص الديني فقط، أما ظروف الزمان والمكان فلا يجب أن تقدّم بأي شكل من الأشكال على النص الديني، لأن ذلك سيكون مدفوعاً بقوة الحجة، فصاحب اللحن في الحجة عنده القدرة على قلب الحقائق، وجميعنا يعرف أن هناك جماعة من الناس لديهم القدرة على قلب الأبيض إلى الأسود، والأسود إلى الأبيض، وهنا سيقع الناس في حيرة، تارة يميلون مع هذا الرأي وتارة مع الرأي الآخر، تبعاً لمصالحهم وظروفهم، فتنقلب حال الأمة إلى مؤيد ومعارض، ونحن كأمة ليس لنا إلا سبيلاً واحداً مصداقاً لقوله تعالى:
قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ يوسف (108)
فنحن نربو بالأمة أن يكون تبرير الخطأ هو منهجها، فأنا شخصياً لا أجد أجدر (ولا أقوى) من حجة إبليس يوم أن رفض السجود لآدم:
قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف (12)
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (76) ص 75-76
أليست تلك حجة مقنعة؟ لِمَ يسجد إبليسُ لآدم؟ أليست الأسبقية في الخلق لإبليس؟ أليست الخيرية في مادة الخلق لإبليس؟ لِمَ إذاً يطلب منه السجود لآدم؟ ألا ترى -عزيزي القارئ- أن في حجة إبليس منطق مقنع؟ إنني لا أجد تبريرات علمائنا الأجلاء للخطأ بأعظم ولا بأجدر من حجة إبليس يوم أن رفض السجود لآدم، ولكن يبرز السؤال الأكبر: هل تُبرّر حجة إبليس رفضه الأمر الإلهي بالسجود لآدم؟
إننا ندعو علمائنا الأجلاء أن لا يكون ذلك هو ديدنهم: تبرير ما لا يبرر، فالخطأ خطأ، والصواب صواب، مهما قدمت التبريرات ومهما سيقت الأعذار والمسوغات، وحتى لا يبقى كلامنا هذا في إطاره النظري سنقدم الأمثلة التي ذكرناها في المقدمة لبيان حجتنا هذه (التي ربما تكون من نفس الباب: تبرير الخطأ)
حرب الخليج
لقد شقت تلك الحادثة التاريخية صف الأمة شقاً عظيماً، واختلاف الناس في تحليلها ومن ثم اتخاذ الموقف المبدئي منها، وشق ذلك الاختلاف طريقه إلى فتاوى علماء الأمة بين من يعارض ومن يؤيد، فأصبح العالم الإسلامي صفين متباينين في الرأي والموقف. وما يهمنا في هذا الطرح هو الإطار العام لموقف السادة العلماء، وتتلخص المعضلة بأكملها في جملة واحدة: هل فعلاً كان كلا الرأيين صائباً؟ لا أظن ذلك. وأنا أعتقد أن أحدهما هو الرأي الصائب أما الآخر فهو رأي باطل ألبسه أصحابه ثوب الحق. فأي الرأيين هو الرأي الصائب؟ إننا نظن أن الإجابة على هذا التساؤل قد يتجلى إن نحن طرحنا سؤالاً آخر، ألا وهو: ماذا كان موقف السادة العلماء من ذلك الأمر قبل حدوثه؟ وبكلمات أدق، كيف كان رأي السادة العلماء قبل تلك الحادثة؟ وبكلماتنا نحن، يكون السؤال على النحو التالي: ما هو موقف السادة العلماء من الأمر دون إخضاعه لظروف الزمان والمكان؟
لقد كنت في تلك الفترة لازلت شاباً يافعاً (أحلى شاب في العالم) باحثاً عن إشباع شهواتي، ولم أكن بأي حال من الأحوال أعلم أن لي موقفاً مبدئياً ثابتاً من أي شيء، وكنت أتغير بين ليلة وضحاها، فأنا في الصباح غير أنا في المساء، في الصبح عبادة وفي المساء صياعة، والعكس تماما في اليوم التالي، ولكني كنت أسمع في لحظات العبادة القليلة في مساجد العالم الإسلامي إما مباشرة أو من خلال التلفزيون والراديو (وأحياناً أقرأ في الجرائد والمجلات) دعوة السادة العلماء إلى وحدة الأمة بأكملها، ولسان حالهم يقول أن لا شيء يعدل مثل هذا الهدف، فهو الهدف الأسمى لهذه الأمة، وقد كانت كتب التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا وحتى كتب الطبخ والرياضة تلعن بأشد عبارات السب والشتم اتفاقية سايكس بيكو التي قسّمت الأمة إلى دويلات ومزارع على غرار George Orwell's Animal Farm . وقد كان خطاب العلماء من المحيط إلى المحيط (وليس فقط إلى الخليج) هو التخلص من تلك الاتفاقية اللعينة الشيطانية، التي صاغها السياسيون الغربيون الحاقدون وعاونهم على تنفيذها الخونة والعملاء من أبناء هذه الأمة حكّاماً ومحكومين (هذا ليس كلامي، بل هو ما فهمته من لغة المنابر والمساجد قبل حرب الخليج الأولى – وأرجو أن يصححني من عاش في تلك الفترة إن كنت مخطئاً). وجاءت حرب الخليج ووضعت اتفاقية سايكس بيكو على المحك، وأصبح هناك فرصة للتخلص من تبعات تلك الاتفاقيات الغربية التي حيكت ضد هذه الأمة، وتم التخلص من واحدة من تلك المزارع الصغيرة. وبرزت الحاجة إلى استصدار الفتاوى بخصوص تلك الحادثة، فصدرت الفتاوى في اتجاهين اثنين متعاكسين، فكان أهل العلم في الصف الداعم لصدام حسين يتغنون بأمجاد الماضي القديم الذي هو عائد لا محالة على أيدي هذا "البطل الهمام"، وكان العلماء في الطرف الآخر يتوعدون هذا "الشيطان الرجيم" بالعقاب الصارم بكل الوسائل التي يمكن الوصول إليها، ونحن هنا نثير تساؤلا بسيطاً جداً: يا ترى: هل هذا هو ديننا؟ هل عجز إسلامنا وكتابنا وسنتنا أن يدلّنا على الحق؟ لقد صاغ العلماء في الجانبين حججهم متسلحين بظروف الحال والمكان، أليس كذلك؟ ولكن ألم يكن كل منهم يملك حجة توازي حجة إبليس (إن لم تكن تفوق عليها) في الدهاء والمكر؟ وأين سأكون أنا الذي لا استطيع أن أميّز الغث من السمين في تلك اللحظة؟ إلى أين سأنظم؟ إلى جيش معاوية أم إلى معسكر علي؟! ألا يقع إثمي (بغض النظر عن المعسكر الذي اخترت الانتماء إليه) على كاهل هؤلاء العلماء الذين أوقعوا الأمة بأكملها في حيرة لم تستطع حتى اللحظة الخروج من نتائجها الكارثية.
لقد اختار الكثيرون من علماء الطرف الأول مساندة صدام حسين مدفوعين (على ما أظن) بالقهر الذي كانوا يشعرون به من كل ما يتمتع به أهل الخليج من الثراء، فهم يظنون أن تلك الثروة يجب أن تكون من مقدرات الأمة بأكملها، وها هو المخلص الذي سيعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وفي المقابل اختار الكثيرون من علماء الطرف الثاني (على ما أظن) الحفاظ على مكتسبات يصعب التنازل عنها، ولكن الأمر الذي لا يمكن المجادلة فيه هو قيام كل طرف بإلباس فتواهم ثوباً دينياً، فها هو الطرف الأول يختار النصوص القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى الوحدة ولمِّ الشمل (حتى لو كان ذلك بالقوة)، وها هو الطرف الثاني لا يجد حجة أقوى من مقاتلة الفئة الباغية، المهم بالأمر أن كلا الطرفين أخضع فتواه للتأويل المدفوع بظروف المكان والزمان، فحتى يبرر الطرف الأول حجته ذهب إلى القول بأن صدام حسين سيوحّد صف الأمة وينقذها من تبعات سايكس بيكو وكل مؤامرات الغرب، وبالغ الطرف الآخر في شيطنة الرجل حتى أصبح التخلص منه ومحاربته أمراً مواز في الأهمية والأولوية محاربة الشيطان الرجيم نفسه، وكان المشهد في مساجد الوطن العربي (وحتى العالم الإسلامي بأكمله) على النحو التالي: فريق يرفع يده إلى السماء يدعو لصدام بالنصر وآخر يرفع يديه يدعو عليه بالذل والخزي. فـ إلى من سيستجيب ربنا الذي في السماء؟
لقد استجاب الله دعاء الطرف الثاني فأذلّ صدام وهزمه، أليس كذلك؟ لقد هزم صدام بدعاء مساجد ذلك الطرف؟ وكانت تلك الحجة الأقوى لهذا الطرف: فلو كان صدام مخلصاً لهذه الأمة -كما تظنون- لنصره الله، ولكن انظروا كيف كانت خاتمته؟ لقد كانت هذه هي النتيجة التي خلص إليها السواد الأعظم من الناس الذين لا يتعدى علمهم الظاهر من الحياة الدنيا (العلم بالقشور). وقد أخذ بعض أهل الفريق الأول يتراجعون عن موقفهم ظانين أنهم (ربما) كانوا مخطئين، وخرجت بعد ذلك الدعوات إلى التقارب من جديد، وتناسي الماضي وفتح صفحات جديدة في كتاب هذه الأمة؟ ولكن يبقى السؤال التالي: ماذا لو حصلت للأمة مشكلة مشابهة (إن شاء الله)، كيف سيكون موقفهم تجاهها؟ إنني لا شك قيد أنملة أنها ستشق الأمة من جديد كما انشقت دائماً. وهذا سيثير تساؤلاً بسيطاً: لماذا؟ الجواب (حسب ظني): أنهم مرض هذه الأمة وعلتها الأولى: العلماء.
ولكن النقاش السابق يثير لدى القارئ الكريم سؤالاً مفاده: أي الفريقين كان على حق؟ وأي الفريقين كان يلبس الباطل ثوب الحق؟
فأرد على هذا التساؤل بالقول أنني لن أدلي برأيي في هذا الموضوع، ولكني سأقترح طريقة بسيطة جداً يستطيع القارئ من خلالها الإجابة بنفسه على هذا التساؤل (وكل تساؤل مثله).
تتمحور الطريقة التي أظن أنها ستخرج الأمة بأكملها من فوضى الفتاوى بالاقتراح التالي الذي يمكن أن نستنبطه باستدعاء آية قرآنية واحدة ستحل الإشكال برمته، والآية الكريمة هي ما جاء في قوله تعالى:
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ آل عمران (61)
نعم، لنجمع علماءنا الجاهزين على الدوام (أو ما يسمى on call باللسان الأعجمي) لإصدار الفتاوى، ثم نطلب منهم أن ندعو "أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ" ثم " نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ".
هل هذه هي الطريقة؟ ربما يرد البعض بالقول، نعم، هي كذلك، تدبر –عزيزي القارئ- الآية التي تلي الآية السابقة مباشرة:
إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ ۚ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ آل عمران (62)
مما لا شك فيه أن كثيراً من علمائنا الأجلاء سيتردد ألف مرة قبل أن يبتهل ليجعل لعنت الله على الكاذبين، ألا ترون ذلك معي؟ فلنمعن التفكير في النتيجة التي يقررها ربنا إن حصل ذلك في الآية التالية مباشرة:
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ آل عمران (63)
نعم، هؤلاء هم المفسدون. إنهم الذين لا يؤمنون إيماناً مطلقاً بما يقولون، همهم فقط فلسفة الكلام واصطياد المواقف، ونحن نظن أنهم بذلك إنما يقلبوا الدين من تشريعات ربانية سماوية إلى فلسفية بشرية أرضية.
ولكن ربما يرد البعض بالقول: ماذا لو فعلوا؟ ماذا لو فعلاً ابتهلوا فجعلوا لعنت الله على الظالمين؟ فنرد بالقول: هل كان هذا الابتهال صادقاً أم كاذباً؟ فإن استطاعوا أن يخدعوا الناس العاديين، هل يستطيعون أن يخادعوا الله أو أن يخدعوا أنفسهم؟ لا شك أنهم لن يستطيعوا أن يخدعوا الله، أما أنفسهم فإن خدعوها مرة لن يستطيعوا أن يخدعوها كل مرة، لأن الله قال:
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ الأنعام (82)
فمن أين للعالِم أن ينعم بالأمن (حتى مع نفسه) إن هو ألبس إيمانه بذاك الظلم؟
وللتدليل على الموقف: دعنا نوجه إلى علمائنا الذين يدعون لحكامنا على المنابر بطول البقاء والتأييد سؤالاً بسيطاً: هل فعلاً تؤمنون بذلك؟ هل تعتقدون بصحة ما تفعلون؟ هل تعتقدون فعلاً أن للحاكم الذي تدعون له شرعية دينية؟
وتستطيع أن تكشف صدق دعواه بكل يسر وسهوله: فلو راقبته جيداً لوجدت أنه يناقض نفسه من موقف إلى آخر، وربما في الموقف الواحد، فلو أجرت معه قناة الجزيرة - مثلاً - لقاءً عن مشاكل الأمة وهمومها لأطاح برؤوس حكام العرب والمسلمين إلى الدرك الأسفل من النار، ولكن لو حدث وأن أجرت معه قناة بلده المحلية لقاءً عن انجازات قيادته الرشيدة، لما ترددت لحظة واحدة أن تستنبط من فتواه (هذا إن لم يكن قد قالها بصريح اللفظ) أن صاحب الجلالة أو السمو أو الفخامة لن يسبقه سوى محمد بن عبدالله إلى أعلى درجات عليين، إنه نفس العالم الذي كان يتحدث قبل قليل عن جواز ضرب عنق الحاكم الآخر لأنه –حسب معتقده الديني- لو حدث أن أصبح للأمة حاكمين لجاز ضرب رأس أحدهما، ولكن بالنسبة له فالأمر بسيط ومعلل: لا ضير أن يضرب رأس أي حاكم في سبيل وحدة الأمة ما عدا "صاحب" المزرعة التي يعيش هو فيها.
وتستطيع بكل يسر أن تكشف صدق العالم من كذبه بطريقة أقل يسر وسهوله: اسأله عن أمر لا يخصه بالذات ثم أتبع ذلك بما يخصه، وانظر كيف ينتقل إلى المجادلة وإلباس الحق بالباطل إن هو وقع فريسة كلامه، فعلى سبيل المثال، اسأله عن مسألة انفصال جنوب السودان أو استقلال شمال العراق بالقول: ما رأيك بما يدور في السودان بخصوص مسألة الانفصال؟ أو ما رأيك باستقلال الأكراد في دولة خاصة بهم في شمال العراق؟ وما ظنك بمشكلة الصحراء الغربية؟
لا شك أنك ستجد الغالبية الساحقة من علماء الإسلام ينكرون مثل هذا الصنيع، فهم لا يقبلوا أن تكون جنوب السودان دولة مستقلة، والويل كل الويل للأكراد ولمن يقف في صف البوليساريو من عذاب ربهم يوم القيامة كيف يشرخون وحدة هذه الأمة، وهكذا من عبارات الاستنكار والشجب، وعيونهم تقطر دمعاً على هذه الأمة التي تتمزق من أطرافها، ولن يغيب تاريخ الأندلس وكارثة فلسطين عن خطاباتهم هذه، وسيجلبون لك عشرات الآيات الكريمة التي تدعو إلى الوحدة ومئات الأحاديث التي ربما تكفر من تسوّل له نفسه شق صف هذه الأمة الخالدة الواحدة التي مثلها كالجسد الواحد الذي إن اشتكى منه عضو تداع له سائر الجسد بالحمى والسهر، أليس كذلك؟
والآن جاء دور سؤالك المفاجئ: فما رأيك باستقلال البحرين والإمارات ولبنان والأردن وتونس، الخ، كدول ذات سيادة؟ هل هذه (وكل الكيانات الأخرى من المحيط إلى الخليج دون استثناء) كيانات ذات سيادة تستحق منك أن تدافع عنها يا عالمنا الجليل؟ كيف ينبرى صوتك وترتفع حنجرتك بالتصدي لانقسام السودان والعراق ولا ينبري صوتك لاستقلال تلك المزارع التي في معظمها لا تملك ولو جزءاً من مقدرات جنوب السودان أو شمال العراق؟ لم تقبل أن تكون هنا دولة ذات سيادة تستحق أن تدافع عن استقلاليتها بكل ما آتاك الله من علم، ولا ترضى في الوقت ذات أن تكون هناك دولة مستقلة في شمال العراق بالرغم من أن عناصر الديمغرافيا والجغرافيا والتاريخ وغيرها تؤهل الشمال أكثر من الجنوب ليكون كياناً مستقلاً؟ ثم، ألا تملك جنوب السودان مقومات دولة تزيد عن ما تملكه عشرات المزارع العربية الأخرى؟ أيهما أحق بالانفصال جنوب السودان أم لبنان؟ لم ترتفع الاصوات و يجتمع زعماؤك وقادتك ومن ورائهم علماؤنا الأجلاء للتأكيد على سلامة لبنان واستقلاليته ولا يجتمعوا للمطالبة بحق تقرير المصير لجنوب السودان أو شمال العراق؟!
الجواب الجاهز عند هذه الشرذمة من العلماء: يكفي هذا الانقسام الحاصل فلم نزيد الطين بلة! ربما هكذا سيرد معظم علمائنا الأجلاء.
ولكن يا سادة هل هذا هو موقف الدين؟ هل هذا هو إسلامنا؟ هل نعطي الفتوى الشرعية (الرخصة) لما حصل وتم، ونتوقف عن إعطائها لما سيحصل؟ هل هو حق لمن حصل عليه وليس حق لمن لم يحصل عليه بعد؟ لقد أذهلني موقف بعض علماء المسلمين في جنوب السودان عندما نادوا بأن هذا شأن دنيوي ولكل شخص الحق في الاختيار؟ هل فعلاً عجز ديننا أن يكون له موقف ثابت من مثل هذه القضايا؟
أقول لكل علماء المسلمين لا يجوز لكم أن تحلوا لأنفسكم ما تحرموه على غيركم، لو فعلاً اتخذ علماء المسلمين موقفاً مبدئياً مدفوعاً بالفتوى الدينية ومجردة عن العوامل الخارجية رضي من رضي و غضب من غضب، وطبقوها على أنفسهم (قبل أن يطالبوا غيرهم بتطبيقها) لما استطاعت أن تعلو حنجرة واحدة بعكس ذلك؟ ولكن كيف لك أن تطبق الدين عليّ ولا تطبقه على نفسك؟ أليس تلك إذاً انتقائية مقيتة؟ أليس من حقي أن أحصل على ما كنت قد حصلت عليه أنت؟ كيف بك تهاجم دعاة القومية في شمال العراق أو جنوب السودان وأنت نفسك من تدافع ليس فقط عن القومية بل عن القومية القطرية التي لا تستند إلى أي مقومات الاستقلال أو السيادة؟
إنّ من يرضى بأي قطر عربي كوحدة سياسية مستقلة ذات سيادة لا يجوز له أن ينبت ببنت شفة أو أن يصدر الفتاوى بخصوص استقلال أقطار وظهور قوميات جديدة. إن الذي قبل أن تكون لبنان أو الأردن أو الكويت أو السعودية أو سوريا أو مصر دولا وكيانات مستقلة لا يجب عليه أن يخضع غيرهم لفتاوى الدين التي تحرم عليهم الاستقلال أو الانفصال، فلا تحلوا لأنفسكم ما تحرموه على غيركم.
أيجوز أن تتمتع كل حارة في دول الخليج بثروة النفط الذي تمتلكه ومن ثم تحرّم ذلك وتمنعه عن شعب بأكمله في جنوب السودان تفوق مساحة بلدة المفترض مساحة فرنسا العظيمة؟ كيف بك تجيز لنفسك التمتع بثروات محافظة كانت يوماً في جنوب العراق وتحرّم ذلك على عدة محافظات مجتمعة في شماله؟
عزيزي العالم، إنّ من أراد أن يتصدى لهمّ الأمة أو أن يتكلم بشأن الفتوى فعليه أن يتحمل هو نفسه تبعاتها قبل غيره حتى لو كان ذلك يمسّه شخصياً، فالعدل العدل، قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ المائدة (106)
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الأنعام (152)
فـ يا أيها العلماء دعوني أذكركم بأن هؤلاء الذين تنحازون إلى صفهم لن يغنوا عنكم من الله شيئاً، ولن يحملوا من أوزاركم شيئاً، فاتقوا الله في الناس واتقوا الله في أنفسكم:
وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَنْ تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ فاطر (18)
المثال الثاني: العمل في دول الخليج
الفتوى: حرام حرام حرام
نعم، إننا نعتقد أنه لا يجوز العمل في دول الخليج العربي، وعلى كل مسلم ومسلمة يعمل في تلك الدول أن يتنازل عن عمله ويعود إلى بلده فوراً، ونحن نظن أننا نملك الدليل من كتاب الله على هذه الفتوى التي نشعر أننا على استعداد أن نتحمل تبعاتها الدنيوية والأخروية (في الدنيا والآخرة)
وحتى نوضح ما نقصد من هذه الفتوى، فيجب أن نذكّر مرة أخرى في هذا المقام بالتساؤل الذي دافعنا عنه في المقدمة ألا وهو: هل يجب أن نتذرع بالحجج (الواهية) مهما بلغت من قوة في الإقناع إن هي عارضت النص الديني؟ الجواب كلا، فلا يجب أن يتقدم أي عذر أو حجة على صريح اللفظ في النص الديني الذي يجب أن نحتكم إليه، فالوقوف عند النص هو من أهم سمات فكرنا الديني الإسلامي، وإذا ما أصبح هناك تعليل عارض صريح ومضمون النص فيجب أن يضرب بذلك التعليل عرض الحائط، ونحن نفهم أن الالتزام بالمسلمات الدينية أهم بكثير من التبريرات التي يمكن أن تساق لمخالفة تلك المسلمات.
ولهذا فإننا نؤمن أن المسؤولية الأولى للعلماء هي: أن ينبري كل عالم للدفاع عن قداسة النص الديني، وليس تبرير ما يخالف النص الديني، وفي هذا سؤالُ يطرح على كل علماء الخليج العربي أولاً (وهم الذين غزوا الفضائيات وهدفهم لا شك لتكون كلمة الله هي العليا)، وعلى بقية علماء الإسلام من بعدهم، سؤال فحواه: أيهم أعلى مقاماَ وأرفع منزلة –حسب فكرنا الديني- المسلم أم غير المسلم؟ لا أظن أن أحداً من علماء الإسلام يستطيع أن يجادل في أن المسلم يجب أن يقدم على غير المسلم في كل شيء، أليس كذلك؟
ولو قرأنا نصوص كتابنا العزيز لوجدنا العشرات من الآيات الكريمات التي تقدم المسلم على غير المسلم، ولوجدنا الآيات التي ترفع من شأن المسلم وتحط من شأن غير المسلم، ولو تفحصنا السنة المطهرة لوجدناها تطبيقاً عملياً لمثل هذا الاعتقاد، ولما وجدناها خالفت هذا المبدأ تحت أي ظرف أو بأي حجة كانت.
ويقودنا هذا الفهم إلى إثارة تساؤلاً بسيطاً: هل انبرى علماء الإسلام للدفاع عن هذا المبدأ؟ ألا يرى علماء الإسلام حق المسلم ينتهك صباح مساء مقابل ما يتمتع به غير المسلم في بلاد الإسلام نفسها؟ وفي الجهة الأخرى كيف يقبل من يظن نفسه مسلما أن يعامل بطريقة دونية، يُقدّم فيها غير المسلم عليه في كل شيء، لا شك أنهم يتعللون بحجج ودوافع الزمان والمكان والحاجة الملحة، الخ. ولكن هل تجوع الحرة لتأكل بثدييها.
وحتى لا يبقى كلامنا نظري فإننا نقدم مثال العمل في دول الخليج (ولا يظن أحد أن هذا ينطبق على دول الخليج فقط وإنما هي الحال في كل بلاد الإسلام، ولكن المشكلة أكثر وضوحاً في دول الخليج لحجم العمالة الأجنبية فيها).
لعل كل الذين عملوا (وربما الذين لم يعملوا في دول الخليج) قد علموا بخبر الفرق في الأجر بين من هو خليجي ومن هو غير خليجي، ففي حين يتقاضى الخليجي أجراً يفوق أضعاف ما يتقاضاه الوافد المسلم، ما يكون من أمر هؤلاء "الغرباء" إلا أن يقبلوا بواقع الحال، وقلوبهم "من الداخل تلعن اليوم الذي أضطرهم للعمل في مثل هذا الموقع"، ونتيجة لذاك فغالباً ما يغيب الإخلاص في العمل، فيوقعهم مثل هذا الواقع في محرمات أشد خطورة.
ولو توقف الأمر عند هذا الحد لقلنا أن ذلك يبقى تفاضلاً بين أبناء المسلمين أنفسهم، ولكن ما يزيد الطين بله هو ما يكون من أمرهم مقارنة بمن يحمل جواز السفر غير العربي وغير الإسلامي. فلا شك أن من يحمل الجواز السفر الغربي يتقاضى أجراً يفوق أضعاف ما يتقاضاه من وصل إلى تلك البلاد من أرض الإسلام والمسلمين لنفس العمل، فغالباً ما أبرمت العقود على جواز السفر، فلو كان المسلم يحمل جواز سفر غربي (أمريكي أو أوروبي) لتقاضى بالدولار أو اليورو أضعاف ما يتقاضاه المسلم الذي يحمل جواز سفر بلد عربي أو إسلامي بالدينار أو الريال.
وللأسف الشديد تجد من العلماء من يقوم بتبرير مثل هذا الفعل، ولسان حالهم يقول: كيف يرضى الأوروبي بالأجر الذي يرضى به المسلم أو العربي؟ إذاً لا بد من دفع الأجر حسب حالة السوق، فنرد على مثل هؤلاء العلماء بالقول: نعم هي كذلك! إنّ حاجة السوق (حسب النظرية الرأسمالية) تقدم على النص الإلهي الذي يشدد على أن المسلم هو أعلى شأناً من غير المسلم، أليس كذلك؟ ألا تتقون الله في أبنائكم ونسائكم وأنفسكم؟ أقول لمثل هذه الشرذمة من العلماء إذاً دعونا ندعو أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل معاً إلى الله فنجعل لعنت الله على الكاذبين، ولننتظر لنرى من سيكون لهم الأمن وهم مهتدون.
وفي المقابل، كيف سيكون رد من رضي بهذا الأمر من أبناء المسلمين أنفسهم؟ لا شك أن ذلك معلل بدافع الحاجة، أليس كذلك؟ كلا وألف كلا. فلو أمعنا النظر في تلك العمالة لوجدنا أن معظمها هي من الأيدي الماهرة التي كانت لها فرص لا بأس بها في بلدها، ولكنها ذهبت إلى دول الخليج بسبب المغريات (الفرق بين حالهم في مسقط رأسهم وما سيتقاضونه في بلاد الخليج)، فهل أشرف هؤلاء على الهلاك حتى اضطروا للعمل في تلك البلاد، ويقبلوا ذلك الوضع الذي يحط من قدرهم كمسلمين؟ وماذا لو تبين أن كلامنا هذا صحيح، وأنه لا يجوز للمسلم أن يرضى بأن يكون أقل شأناً من غير المسلم مصداقاً لقوله تعالى:
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (8)؟
فماذا سيكون ردهم على سؤال ربهم: لماذا رضيتم بهذا الوضع؟ ثم لنسأل الصادقين المخلصين من أبناء الأمة الإسلامية: أتقبل أن ينتهك مبدأك وعقيدتك مقابل ثروة الأرض بأكملها؟ ألا ترى أنك لو تركت ذلك لله وحده، ألا تعتقد أن الله سيبدلك خيراً منه؟ إننا نؤمن أيماناً مطلقاً أن الحفاظ على مثل هذا المبدأ (أي أن تكون العزة لله ولرسوله وللمؤمنين) لا يقل في أهميته عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، فهذه شعائر ديننا وذلك مبدأ من مبادئه، فكما لا نفرط بالشعائر فلا يجب أن نتنازل عن المبادئ.
ثم لننظر مع المسلم العامل الذي يقبل بواقع الحال إلى الأمر من زاوية أخرى، فنقول له: إلى من ستجني تلك "الثروة"؟ لزوجتك؟ لأبنائك؟ ألا ترى أنك كلما جنيت لهم أكثر كلما زادت طلباتهم؟ هل الحصول على المال لبناء القصر، وشراء السيارات الفارهة، الخ، أهم لديك من أن تحافظ على عقيدتك ودينك؟
وسيرد البعض بالقول: هل أنا وحدي من يفعل ذلك؟ وهل سيقوم الدين كله على ظهري أنا؟ فنقول نعم، ونرد عليك بآية واحدة من كتاب الله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ المائدة (105)
إننا نخلص إلى نتيجة واحدة مفادها أنك إذا كنت تعتقد أن هذا الوضع (العمل في دولة إسلامية بأجر أقل من الأجر الذي يتقاضاه غير المسلم لنفس العمل) يتعارض مع عقيدتك، فلا يجب أن تتمسك بهذا العمل لحظة واحدة مهما كانت المسوغات والمبررات، إن الحفاظ على دينك وإقامة مبادئه أولى من التمسك بمتاع من الدنيا زائل.
ولنتخيل الموقف على الوجه التالي: لنتصور أن الغالبية الساحقة من أبناء الإسلام رفضوا أن يكونوا أدنى من غير المسلم في المعاملة، ألا ترى أن ذلك سيردع أصحاب القرار السياسي عن انتهاك محارم الله؟! ألا ترى أن في ذلك إقامة لحدود الله؟ فهل الحد هو رجم الزناة أو جلدهم وقطع يد السارق وكفى؟ وماذا سيفعل هؤلاء بقول ربنا:
وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25)
وفي الوقت نفسه فإننا نذكر من يعتقد أن كلامنا هذا ليس أكثر من محض هراء (وهو بحق لم يجانب الصواب) بالقول: الإخلاص الإخلاص بالعمل، أسألك الله أن تخلص في عملك وأن لا يكون ما ترى من التفاضل في المعاملة دافعاً يوقعك في محارم الله، فما دمت أنك قد رضيت ووافقت على ما أنت عليه بمحض إرادتك فعليك أن تتحمل تبعات اختيارك. فالوفاء بالعقود من أهم سمات المسلم الصادق الذي يطلب دنياه من أجل آخرته.
التجنس في بلاد الغرب
الزمان: السنة العاشرة بعد الألفين ميلادية
المكان: أرض أوروبا العظيمة (سويسرا، فرنسا، بلجيكيا، بريطانيا، ... الخ.)
الموضوع: الحجاب، بناء المآذن، الجنسية، الإرهاب، الخ.
الفتوى: يحرم التجنس بجنسية دولة غير مسلمة
لقد خرج الملايين من المسلمين قاصدين الهجرة إلى الشمال طوال القرنين الماضيين، متذرعين بأسباب متعددة، فمنهم من خرج باحثاً عن فرصة عمل، ومنهم من خرج للدراسة، ومنهم من هرب من بلاده خوفاً من النظام السياسي، وهكذا.
ونحن إذ لا ننكر صنيعهم هذا، فالله سبحانه طلب السعي في مناكبها، وأمرنا بالهجرة في أرض الله الواسعة إن اضطررنا، وقد كان صلى الله عليه وسلم على علاقة اقتصادية جيدة مع غير المسلمين وخصوصاً اليهود الذين كانوا يسكنون حول المدينة، وأمر نفراً من أتباعه بالهجرة إلى الحبشة، وهاجر هو بنفسه إلى المدينة. فالهجرة لا تتعارض مع تعاليم ديننا، بل الذي يتعارض مع ديننا –حسب فهمنا- هو دعوة بعض المفكرين والعلماء مقاطعة البضائع الأجنبية للضغط عليهم لتعديل مواقفهم السياسية تجاه هذه الأمة، فنقول أن المقاطعة الاقتصادية لم تكن في يوم من الأيام وسيلة مبررة في شريعتنا، بل العكس، فالمقاطعة الاقتصادية هي سلاحهم هم وليست سلاحنا نحن، ولنتذكر أول مقاطعة اقتصادية تعرض لها النبي صلى الله عليه وسلم في مكة في شعب بني طالب، إلاّ أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستخدم المقاطعة الاقتصادية كسلاح حتى في أشد أوقات قوة الدولة الإسلامية (ناهيك عن أوقات بدايتها)، وحسب ظني لا نجد آية واحدة في كتاب الله تدعو إلى مقاطعة الكافرين اقتصادياً (وسأكون شاكراً لو أن أحداً يرشدني إلى مثل تلك الآية، فتأكد بأنني سأتخلى فوراً عن موقفي هذا)، إن جلّ ما أعرفه هو أن النبي استخدم المقاطعة مع بعض المسلمين كالذين تخلفوا عن غزوة تبوك.
المهم بالموضوع أن العمل في بلاد غير بلاد المسلمين والمعاملة الاقتصادية معهم أمر مبرر ومفهوم ضمن تعاليم ديننا، وقد وجد أبناء المسلمين في غالبية تلك البلاد التي انطلقوا إليها معاملة أفضل من تلك التي يجدونها في بلدانهم الأصلية، ومع مرور الزمن انقلب هدفهم من العمل في تلك البلاد إلى التوطين والمواطنة، فأصبحوا يطالبون بالحصول على جنسية تلك البلاد التي يعيشون فيها، وهنا يظهر مشهد جديد: هل هذا أمر يتقبله ديننا؟ أيجوز للمسلم الحصول على جنسية بلد غير مسلم؟ لقد ظهر في تلك البلاد العلماء الذين انبروا لتشريع فقه جديد يعرف بفقه الجاليات المسلمة في بلاد غير مسلمة، ولكننا نقف هنا للحظة لنطرح عليهم سؤالاً واحدا: هل وجودكم كمواطنين في تلك البلاد أمر يقبله الدين؟ لا شك أن هذا التساؤل قلما يثار هذه الأيام لأنه أصبح من قبيل المسلّمات التي لا نقاش فيها: إنّ هذا أمر لا ضير فيه.
إننا نعتقد أن وجودكم كمواطنين في تلك البلاد هو أمر يتعارض مع العقيدة، وهذا بالضبط ما سنحاول تبيانه بحول الله في هذا الجزء من المقالة.
إننا نعتقد أن المصائب التي تنزل بالأمة هي فتنة الهدف منها تمحيص الغث من السمين، وها هم المسلمون في أوروبا وأمريكا وجميع البلاد غير المسلمة يتعرضون للفتنة، فقضية المآذن والحجاب والجنسية والمواطنة هي في مجملها اختبارات حقيقية لهذه الأمة، ونحن إذ نظن أن في هذه الأمور اختباراً للمسلمين لتمحيصهم، فإننا في الوقت نفسه نعتقد أن في مثل هذه المواقف اختبارا حقيقيا للعلماء لتصحيح العقائد التي انحرفت عن الطريق لمدة من الزمن. وبكلمات أخرى نقول إن من أهم الفوائد التي يجب على العلماء الخروج بها من جميع الفتن التي تقع على الأمة هي مراجعة فتاويهم لتصحيح عقيدتهم.
إن الوضع القائم في بلاد الغرب –كما نتصوره- هو على النحو التالي: المسلمون يلهثون (بل ويستجدون غير المسلمين) لمنحهم جواز السفر في تلك البلدان التي يقطنون فيها، أليس كذلك؟ وهنا نعود إلى نفس المبدأ الذي انطلقنا منه في الجزء السابق عند الحديث عن العمل في دول الخليج العربي، ألا وهو: هل من العزة للمسلم أن يستجدي غير المسلم لمنحه جواز سفر؟ هل يرى علماء الإسلام في هذا التصرف عزة المسلم التي قال الله فيها:
وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ آل عمران (139)
فأين عزة المسلم في مثل هذا التصرف؟ ولم لا يكون الأمر على عكس ما هو حاصل؟ لم لا نرى غير المسلمين يلهثون للحصول على جواز سفر بلاد الإسلام؟ فهل شاهدنا يوماً طوابير من الدنمركيين والسويسريين وحتى المجريين (الغجر منهم) يقفون طوابير أمام سفارات مصر وسوريا والأردن والصومال والسودان وحتى دول الخليج الغنية؟ لا شك أن ذلك سيسبب الضحك عند القارئ الكريم، هل من المعقول أن يقف هؤلاء عند قنصليات الصومال والسودان وجيبوتي؟! ماذا تقول يا رجل؟ هل أنت بكامل قواك العقلية؟! ربما لا، ولكن سأسألك سؤالاً واحداً: لم لا؟ لم لا يقفون؟
الجواب: لأنه ليس من قبيل العزة الحصول على جواز سفرك، لا أعتقد أن واحداً منهم يرى في ذلك مفخرة، هل تنتظر من الانجليزي أو الفرنسي أو حتى الاسباني والبرتغالي أن يتنازل؟ إن كان كذلك، فلمن العزة إذاً: لنا أم لهم؟ من الذي عطّل الآية الكريمة السابقة؟ ألسنا نحن الذين نلهث ورائهم للحصول على جنسيتهم؟ من أظهر للعالم كله أننا نحن المسلمين أبعد خلق الله عن العزة؟
ولو تفحصنا مياه البحر المتوسط لوجدناها قد ملئت بجثث أهل العزة (المسلمين) الذين يموتون غرقاً في سبيل الحصول على موطئ قدم في أوروبا، أليست تلك الجثث شاهداً على هجرتهم إلى بلاد النعيم والثراء والحرية؟ أليس من العار على علماء الإسلام أن يروا مثل هذه المناظر ولا ترتفع حناجرهم بفتوى أن العزة للمسلم ولا يجوز له أن يفرط بها مهما كان السبب؟
لا شك أنهم ربما يجدوا لهؤلاء تبريراً "لاستشهادهم"، ولكن يبقى السؤال الذي نطرحه على أنفسنا: على من نكذب نحن؟ فهل يا ترى يقبل أقل أهل الغرب قدراً ومنزلة بجواز سفر أعتى "دولنا" العظيمة"؟ كلا وألف كلا، ولكن بالمقابل، ألا يتباهى وزرائنا ومثقفونا وحتى بعض علمائنا بأنهم من حملة جواز السفر الأمريكي أو البريطاني أو الفرنسي؟ ثم، ألم يصبح من قبيل الموضة أن يحمل أهل الثراء من المسلمين نسائهم في أشهر الولادة السابع والثامن (لربما تكن ولادة مبكرة) أو التاسع لتضع منقذ المسلمين ومخلصهم في مستشفيات أمريكيا للحصول على جواز سفر لهذا الهمام القادم؟ ألا يضمن له والده بذلك مستقبله، ويؤمنه من عثرات الزمان؟ نقول لمثل هؤلاء لا نجد إلا أن نذكركم بقول الحق:
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ
النحل (45)
ثم لننظر إلى الأمر من الزواية الأخرى: هل يمكن أن يكون المسلم منافقاً؟ هل يبطن المسلم ما لا يظهر؟ إننا نظن أن من أبسط مفاهيم الإسلام هو الوفاء بالعقود، قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1)
وقال تعالى:
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ
يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ النحل (91)
أليس الحصول على جواز سفر هو إبرام عقد مع تلك الدولة بأن تكون مخلصاً لها؟ ماذا لو حصل أن حدث صراع بين تلك الدولة غير المسلمة ودولة مسلمة؟ هل أنت على استعداد أن تُخْلص لتلك الدولة وتسدد بندقيتك تجاه إخوانك من المسلمين؟ هل تستطيع أن تفعل ذلك كما فعل بعض المسلمين المنتسبين في الجيش الأمريكي الذي غزا أفغانستان والعراق؟ إلى من سيذهب ولائك حينئذ: إلى أهل البلد الذي تحمل جواز سفره أم إلى الناس الذين تشترك معهم في العقيدة والدين؟ لا تكن منافقاً وتقسم كاذباً، إنك لن تستطيع أن تفعل ذلك.
ثم، أليس جواز السفر هو وثيقة ولاء وانتماء؟ ألا يعني حصولك على جواز السفر أنك تعلن ولائك لأهل ذاك البلد؟ وهل يجوز أن يتخذ المسلم غير المسلمين أولياء؟
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ آل عمران (28)
الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا
النساء (139)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ المائدة (57)
وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ المائدة (81)
ولو دقق علماؤنا الأجلاء جيداً في قرآننا لوجدوا دليلاً قوياً بأن الولاية قد لا تكون حتى للمسلم نفسه غانيك عن غير المسلم. وكيف ذلك؟ هل هذا صحيح؟ نعم، لنقرأ الآية الكريمة التالية التي وردت في سورة الأنفال – السورة التي يعلم مضامينها علماؤنا الأجلاء – قال تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)
دقق –عزيزي القارئ- بصريح اللفظ في هذه الآية الكريمة، لمن الولاية؟ الجواب: الولاية فقط للمؤمنين الذين هاجروا، ولا تجوز الولاية حتى للمؤمنين الذين لم يهاجروا (أي الذين لا زالوا يعيشون في بلاد غير مسلمة)، نعم يجوز نصرهم لكن لا تجوز ولايتهم، وهذا فرق كبير. فكيف إذاً بولاية الكافرين الذين قال الله فيها:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ المائدة (51)
ولكن كم انبرى من علماء المسلمين للدفاع عن ولاية الكافرين متعللين بنفس العذر الذي نهانا الله أن نتعلل به:
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ المائدة (52)
ولكننا لا نجد أجدى ولا أنفع من أن نذكركم بالنتيجة التي ستؤول إليها حال من يفعل ذلك في خاتمة الآية السابقة نفسها
... فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ المائدة (52)
وفي هذا المقام فإنني أوجّه الكلام إلى غير المسلمين بالقول: لا تصدقوا من يقسم لكم بالولاء من أبناء المسلمين، لأنّ ديننا لا يقبل الولاء لغير الإسلام. ومهما حاول هؤلاء تمرير الفكرة المعاكسة فلا تصدقوهم، وأنا على يقين أنكم تعرفون أنهم لا يظهرون كل ما يبطنون، فحتى لو أسروا لكم بالمودة لكنهم لا شك يخفون شيئاً لا يعلمه إلا الله:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ (2) الممتحنة
نعم، لا ضير أن تقبلوهم كعمالة كما تعملون أنتم في بلادنا، فأنتم لا تطلبون منا الجنسية لأنكم تحترمون أنفسكم، ومن يحترم نفسه ودينه من أبناء الإسلام لن يطلب منكم الجنسية، فإسلامنا لا يقبل بأقل من المعاملة بالمثل. نعم خيروهم بين الجنسية ودينهم: إما أن يختاروا دينهم أو أن يختاروا الجنسية، فإن رفضوا هذه المعادلة فاعلموا أنهم كاذبون مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فها هو النص كاملاً من كتابنا:
الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141) إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ وَلَا إِلَىٰ هَٰؤُلَاءِ ۚ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (143) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (144)
إن جل ما أطلبه من المسلمين هو قراءة الآيات القرآنية التالية من سورة المائدة ضمن هذا الإطار: ولاية المسلم لغير المسلم:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51)
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ ۚ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52)
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ ۙ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ ۚ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)
إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55)
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57)
وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58)
*** *** ***
ولكن الذي يندى له الجبين ويخجل منه كل لبيب هو خطاب علمائنا الأجلاء على المنابر في مثل هذه المواقف، في تلك البلاد وفي بلاد الإسلام.
أما بالنسبة لخطاب علماء المسلمين في تلك البلاد التي يعيشون فيها فإننا نجد لزاماً أن نذكرهم بالقول:ألم تتغنوا بالأمس بديمقراطية فرنسا وسويسرا؟ ألم تتفجر حناجركم بالخير الذي تمخضت عنه تلك الديمقراطية من رفاهية في كل مجالات الحياة؟ ألم تنتقدوا بلاد الإسلام بالتخلف لأنها لا تتخذ من الديمقراطية طريقاً للنجاة؟ ما لكم لا ترضون اليوم بما تمخضت عنه نتائج الاستفتاء في سويسرا أو قرارات مجلس الأمة الفرنسي؟ أليست تلك هي أدوات الديمقراطية؟
إنكم ببساطة –يا سادة – لا تفهمون معنى الديمقراطية، هل تقبلوا بنتائج الديمقراطية إن كانت تنصفكم وترفضونها إن هي لم تأتي بالخير الوفير لكم؟ إنكم لا تختلفون بتفكيركم هذا عن تفكير أي حاكم عربي لا تتمخض صناديق الاقتراع له بأقل من 90% في أسوأ الأحوال وأشدها جفافاً. هل من المنطق أن نقبل ببعض الكتاب ونكفر ببعضه؟! هذه هي نتائج الديمقراطية التي تؤمنون بها أنتم، ومن المنطق والحق أن تقبلوا بما تتمخض عنه ما دامت هي في نظركم –كما كانت على الدوام- وسيلة الخلاص وقارب النجاة. أما لمن يظن أن الدين هو الحق، فإننا نفهم بأن رأي الأغلبية (أي الديمقراطية) لم تكن في يوم من الأيام الأسلوب الأمثل لاتخاذ القرار في ديننا، ولعلي أجد لزاماً أن أذكركم أنه في اليوم الذي قرر المسلمون الاحتكام إلى رأي الأغلبية كانت الهزيمة هي حليفهم، ولا أجد كثير عناء أن أذكركم بقصة معركة أحد.
أما في بلاد الإسلام: ففي الجمعة الماضية كان موضوع الخطاب الحماسي الذي أثار مشاعر المئات في مسجد قريتنا الصغير عن خطر ازدياد المسيحيين في دول الخليج، "فها هو الخطر داهم، لقد أصبحت بلادنا محطاً ومرتعاً خصباً لهم ولإرسالياتهم التبشيرية، وها هي كنائسهم تنتشر، و... و...، الخ."، كانت هذه بعض العبارات التي استخدمها الخطيب على المنبر إن لم تكن بالحرفية فـ بفحوى الفكرة التي استطعت أن أخرج منها بعد جهد في متابعة الموضوع، وقد ألهب خبر وجود مسيحي أو يهودي في مجلس الأمة البحريني حدة النقاش، فأصبح خبراً تتناقله كل الفضائيات العربية والأجنبية وموضوع للخطابة عن الخطر الداهم من الغرب على هذه الأمة، فخرج المصلون يسبون ويشتمون حكامنا على الخنوع والتساهل مع هؤلاء ومن يروّج لهم في بلادنا، وعلى مثل هذا الشعور انقضت تلك الجمعة.
في الجمعة التالية جاء موضوع الاستفتاء السويسري على بناء المآذن، فجلب في ثناياه موضوع الحجاب في فرنسا وإحراق المصحف في الدنمرك والفلم المسيء للنبي في هولندا وهكذا، وكانت خطبة ذاك الخطيب المفوّه تركز على موضوع عدم التسامح عند الغرب تجاه المسلمين المتواجدين بينهم، فكان مما قال (حسب فهمي المتواضع بالطبع): تلك أمة لا تقبل الآخر ولا تفهم معنى التعايش والمشاركة، إنهم يكرهوننا ولا يمكن أن يقبلوا بنا، فمهما حاولنا أن نكون مسالمين فهم يكنون لنا العداء والبغضاء، وقد جلب عشرات الآيات والأحاديث التي تتحدث عن بغضهم لنا.
فثارت حفيظة الناس، وخرجوا من المسجد في ذلك اليوم يكيلوا لك النصارى واليهود بأشد عبارات الشتم، ولم يكن بوسعهم أكثر من أن يرفعوا أيديهم وتعلوا حناجرهم بالدعاء والتضرع إلى الله أن يأخذهم (أي اليهود والنصارى) أخذ عزيز مقتدر بسبب كرههم للإسلام والمسلمين.
أما أنا فقد كنت طوال تلك الخطبة أود البكاء (وما كان يمنعني سوى أن يظن الناس أن بكائي هو على حالة المسلمين في أوروبا، أو أن يسيء البعض الظن بي فيعتقدوا أن بكائي كان بسبب الإيمان والخشوع الزائد في قلبي –كخشوع تجارنا الذين يلبسون الدشداش والطاقية الأبيضين كبياض الحمامة في يوم الجمعة – يوم عطلتهم- بعد أن كانوا قد أكلوا الربا أضعاف مضاعفة طوال أيام الأسبوع الستة الباقية)، كلا، لقد كان بكائي على أن هؤلاء هم علماء الأمة الذين يصعدوا منابرها وينبروا للدفاع عنها، أقسم بالله العظيم أن معاداة عاقل خير من مودة أحمق.
يا الله كنيسة في بلد عربي في الجمعة السابقة خطر يداهم الأمة الإسلامية بأكملها، أما مئات المساجد في أوروبا وخمسة ملايين مسلم في فرنسا وحدها لا يشكل خطراً على تلك الأمم؟ أنت أقمت الدنيا –يا سيدي- ولم تقعدها في الجمعة الماضية عن خطر تواجدهم في بلادنا (حتى وهم لم يطلبوا جواز السفر العربي العظيم)، أما هم فلا يحق لهم أن يعبروا عن غضبهم لتواجدك في بلادهم كمواطنين يتمتعون بكامل حقوق المواطنة، ما هذا المنطق؟ أين ذهبت عقول الناس؟ ألا يجدر بالمسلم أن يكون منصفاً حتى ولو كان ذا قربى؟ لماذا يرتفع صوتنا بخطر نائب في البرلمان من أصحاب الديانات الأخرى ولا يشكل انتخاب عشرات البرلمانيين المسلمين في دولة واحدة من دولهم خطراً على تلك الأمة؟ لماذا يشكل وجود وزير واحد من أصحاب الديانات الأخرى في حكومة مسلمة خطر الحروب الصليبية القادم من الغرب ولا يشكل تنافس المسلمين على رئاسة الدولة في بلدانهم خطراً عليهم؟ فكم من المسلمين (وغير المسلمين) يظنون أن باراك أوباما نفسه من المسلمين؟ أليس والده مسلم؟ أليست جدته مسلمة؟ ألم ينشأ في صغره في بلد مسلم؟ لم لا يشكل ذلك خطراً عليهم؟
إن عدم الإنصاف وغياب العدل يفقد الناس نعمة الإبصار، قال تعالى:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
كان الأولى بخطيبنا المفوّه أن تصدع حنجرته بعدل الإسلام وقبول مبدأ المساواة في المعاملة، فكما لا نقبلهم عندنا كمواطنين، فالأولى بنا أن لا نقبل نحن أن نكون عندهم مواطنين، وكما نقبلهم عندنا عمالة فقط فلا يحق لنا أن نطالبهم بأكثر من العمالة، فهي علاقة الند بالند.
أما إذا أردت أن يكون الكون كله لك، لا تريدهم أنت في بلادك وتطالبهم أن يقبلوك دون شرط ولا قيد في بلادهم، فهذا أسخف ما يكون، إنه الظلم بعينه (وربما فيه البغي)، فيا أخي الخطيب: هل تريد أن يكون كل سكان الأرض مسلمين مثلك؟ إن مشيئة الله لم تقض بذلك، فهل تريد أن تعارض مشيئة الله؟ قال تعالى:
وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ الأنعام (35)
هل تريد أن يكون الناس على وجه الأرض كلهم أمة واحدة؟ لقد قضت مشيئة الله بخلاف ذلك:
وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ المائدة (48)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
النحل (93)
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ الشورى (8)
أم تريدهم أن لا يكون مشركين؟ فمشيئة الله لم تقض بذلك:
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ۗ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ الأنعام (107)
فهل تريد أن تتحدى مشيئة الله؟
إن المطلوب من المسلم هو العدل ولا أقل من العدل، قال تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ المائدة (8)
وتأكد –عزيزي القارئ- أن كلامي هذا كله مدفوع بقوله تعالى:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَنْ تَعْدِلُوا ۚ وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)
كان الأولى بمن يرى في حظر الحجاب في فرنسا خطراً على إسلامه أن يهاجر منها، فلم هاجرت من بلدك العربي إلى أوروبا مدفوعاً بحاجة دنيوية؟ لم لا تقوم بالهجرة المعاكسة لغرض رباني؟ لم فررت من نظامك السياسي يوم ظننت أنه قد قهرك؟ لم لا تهرب من النظام السياسي الذي لا شك سيقهرك؟ هل تعتقد أنك ستخرج منتصراً في هذا الصراع في أوروبا؟ أذكرك يا عزيزي أنك مخطئ، فتلك أمم يعرفون كيف سيتخلصون منك ومن أمثالك، ليس بصراخ خطيبنا على المنبر وإنما بالقانون وفي ساحات المحاكم. تلك أمة تدرك ما تفعل وتخطط لما تعمل، ولن يكون صراخك أكثر من زبد يذهب جفاءً. وسأذكرك بعد 300 سنة أن ابنك الذي هو من صلبك سيكون من أشد المطالبين بالتخلص من الحجاب في تلك البلاد، فكم من أبناء المسلمين يتخذوا مواقف مؤيدة لفكر أهل تلك البلاد.
ثم ألم يكن ألأجدى بخطيبنا المفوّه أن يطالب حكامه بمبدأ المعاملة بالمثل؟ فلو كنت يا أخي من المنصفين (ومن غير الجاهلين) لكان خطابك على النحو التالي: المطالبة بالمعاملة بالمثل، فكما يسن البرلمان الفرنسي قانوناً يحظر الحجاب في بلدهم، فادعوا برلمان دولتك –يا رحمك الله- أن يسن التشريعات التي تمنع السفور؟ وكما يصوت الشعب السويسري على حظر المآذن فاطلب من حكومة قوية بنيت على مبادئ راسخة كحكومة السيد سمير الرفاعي العتيدة أن تجري الاستفتاء على أجراس الكنائس؟ ثم انظر عندها كيف ستكون ردة الفعل، وكيف سيقف العالم بأكمله إجلالاً لك وتوقيرا.
ثم، يا سيدي الكريم، من الذي نبه الغرب إلى حظر الحجاب؟ ألم يحظر الحجاب في تركيا وتونس قبل أن يحظر في فرنسا؟ ألم يمنع ذكر الله في مساجد بلاد الإسلام كلها قبل أن يمنع في سويسرا؟
أقول لمثل هؤلاء الخطباء، والله إنكم لستم أكثر من دمى متحركة في يد حكامكم، وهم المستفيد الأول والأخير من أمثالكم، لتشتموا فرنسا ما شئتم، ولتسبوا الدنمرك وسويسرا كما يحلو ويطيب لكم، فتلك البلاد لا تمنع الشتم حتى وأنت في أراضيها غانيك عن شتمها من وراء البحار، ولكن هل تجرؤ على أن تنبت ببنت شفة بخصوص الهدية التي قدمتها زوجة مدير الأحوال المدنية أو الجمارك أو حتى الجامعة في بلدك الكريم إلى صاحبتها في مناسبة رأس السنة الميلادية؟
ربما: من يدري!
حكومة سمير لا قمحة ولا شعير
أما المثال الذي سنسوقه لبيان حجتنا بأن الفتوى الدينية تفقد قيمتها وتأثيرها في الناس عندما تعلّل بظروف الحال (لنقض المبادئ الدينية التي نصت عليها شريعتنا) فهو مثال حكومة السيد سمير الرفاعي الأردنية
المكان: مجلس النواب الأردني
الزمان: كانون الأول من السنة العاشرة بعد الألف الثاني الميلادي
الموضوع: الحصول على ثقة مجلس النواب الأردني
المشكلة: فتوى جماعة الإخوان المسلمين بخصوص مشاركة الجيش الأردني في قوات حفظ السلام الدولية
نقول إلى كل المشاركين في النقاش الدائر حول الموضوع بأننا لا نرضى منذ البداية بأقل من أن ندعو أبناءنا وأبناءكم وأزواجنا وأزواجكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين. فلقد منيت هذه الأمة بمصيبة عظيمة وهي أن أبناءها يبطنون ما لا يظهرون، إنه انفصام الشخصية، العيش بشخصيتين اثنتين، واحدة على الملأ والأخرى مع نفسك (وربما مع فئة قليلة جداً ممن تثق أنهم لا يمكن أن يشوا بك- ربما أمك وبناتك، ولا أظن أني أقبل الرهان على الزوجة والأبناء)، وهذا الانفصام هو ما يشبه مبدأ التقيّة عند بعض فرق المسلمين. فالغالبية الساحقة من أبناء المسلمين (وخصوصاً أهل السنة والجماعة) ينتقدون مبدأ التقيّة الذي خرجت به بعض فرق الشيعة، ولكن من المحزن أنهم لا ينتقدون هذا المبدأ إلا إن تعلق الأمر بتلك الطائفة، في حين أنهم يمارسون التقيّة صباح مساء، ولا أقصد هنا العامة من الناس بل أهل العلم والنخبة منهم. فهل يا ترى يمكن للمسلم أن يخفي ما لا يظهر، ويقول ما لا يفعل، ويفعل ما لا يقول، فلقد ذم الله بأشد عبارات الهجاء من يقول ما لا يفعل:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) الصف
فلقد شرّع بعض علماء المسلمين مثل هذه التقية بحجة ما جاء في قوله تعالى:
لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28) قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ۗ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29)
فنقول لمثل هؤلاء العلماء دعنا نوافقكم الرأي للحظة، ولكن هل الحديث هنا عن العلاقة بين المسلمين أنفسهم؟ فهل يعود الضمير في قوله تعالى إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً على المؤمنين؟ الجواب النقي قطعاً، ومما لا شك فيه أن التقيّة لا تجوز بين المسلمين المؤمنين، وقد أجازها الله مع الكافرين في حالات محددة، لذا فإنني أود أن أستطرد قليلاً فأتوجه بالكلام إلى غير المسلمين –عطفاً على ما سبق في الموضوع السابق- بالقول: أنه إذا وجدتم المسلمين يوالونكم فلا تصدقوهم فذاك من باب التقيّة وهي إظهار ما لا يخفون في صدورهم، وأنا على يقين أن أشد الموالين للكفار من أبناء الإسلام لا يوالي الكفار إلا لحاجة في نفس يعقوب قضاها، ولكن ليعلم أن فوق كل ذي علم عليم، وأن الله سيفضح أمره لا محالة، فالله سبحانه لم يتقبل من نبيه الكريم نفسه أن يخفي شيئاً في نفسه، فعاتبه بالقول:
وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا الأحزاب (37)
فالعلاقة بين المسلمين يجب أن تكون مبنية على الصدق والنصح، فلا يجب أن يبطن المسلم لأخيه المسلم (حاكماً كان أو محكوما) ما لا يخفيه في نفسه، ولعلي أجزم بأن هذا السلوك ليس فقط سلوك العامة بل هو سلوك كثير من العلماء، فكم من العلماء يتحدث بما لا تطمئن له نفسه، والسبب هو (حسب ظنهم) ليتقوا منهم تقاة. وأكثر ما يتكرر هذا السلوك في علاقة العالِم بالحاكم، فكم من العلماء لا يرتفع صوته إلاّ بما يرضى به الحاكم حتى وإن خالف عقيدته، ومنهجه وأدواته في ذلك التبرير (أو بكلمات أدق إلباس الحق بالباطل).
فها هم ثلة من الآخرين يصوّرون للحاكم أن البلاد هي جنة الله على الأرض لا فيها نصب ولا مخمصة، وطريقه وطريقهم إلى الجنة ليست سوى مسألة وقت (هذا إن كان هناك حاجة لاستئذان خازنها)، فما عمل الحاكم في أرض الله ليس له جزاءً إلا الفردوس الأعلى من الجنة، وفي الوقت الذي ترتفع حناجرهم بهذا الكلام ترى إمارات التكذيب بادية في نبراتهم وحركاتهم، ولو خلوت به (ولو خلا هو بنفسه) لعزا كل الهوان والضعف الذي تمر به الأمة إلى حكّامها. ولو حصل وسألته سؤالاً واحداً: لماذا إذاً لا تصرّح فعلاً بما تؤمن به؟ لجاء جوابه على الفور ويكأنه يقول: أتريدني أن أهلك؟!
لا يا عزيزي لا نريدك أن تهلك، ولكنّا نطلب منك شيئاً واحداً وهو أن تتفرغ لأحكام الحيض والنفاس، فمثل هذه القضايا لا يقدر عليها كل العلماء، فاعرف وزنك ولا تهلك نفسك وتهلك الآخرين معك في الدنيا والآخرة، فتبوء بإثمك وإثمهم، ونحن نقول لمثل هؤلاء العلماء إن لم يكن هناك بد، فكن ممن يكتمون الحق (أي اسكت يرحمك الله) ولا تكن ممن يلبسون الحق بالباطل.
أليس من واجبنا النصح للمسلمين حكاماً ومحكومين؟ فلم إذاً نكذب عليهم؟ صحيح أن أذن الحاكم تستهوي الكذب، ولكن ذلك لن ينفعك في يوم الحساب الأكبر الذي تحذّر الناس منه في كل فرصة تتاح لك، ولنذكرك بقول الله:
يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66) وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) الأحزاب
ما يهمنا في هذا النقاش هو شيء واحد ألا وهو: كيف تفقد فتاوى العلماء قيمتها يوم تتقلب حسب الحالة، وسنحاول أن نبين كيف يكون العلماء هم الظالمون يوم أن يستخدموا فتاويهم الدينية لخدمة مصالح غير دينية، مدفوعة بظروف الحال (الزمان والمكان) مهما كانت الأهداف والنوايا، فنحن نفهم أن شريعتنا لا تبرر الوسيلة حتى وإن كانت الغاية سليمة.
المثال:
لقد احتدم النقاش في مجلس الأمة الأردني في مناقشات نيل الثقة على حكومة السيد سمير الرفاعي حول ما صدر من فتوى لجماعة الإخوان المسلمون فيما يتعلق بمشاركة القوات المسلحة الأردنية في قوات حفظ السلام الدولية، ولكن لكي نفهم حيثيات الفتوى خصوصاً للقارئ غير الأردني فلا بد من البدء ببعض الحقائق التي لا يمكن إلا أن يقر بها الجميع.
أولاً، بدأت مشاركة القوات المسلحة الأردنية في قوات حفظ السلام قبل سنين عديدة
ثانياً، خرج الآلاف من أبناء المسلمين المنتسبين للقوات المسلحة الأردنية في تلك القوات
ثالثاً، تقاضى هؤلاء الجنود أجراً على ذلك العمل
رابعاً: حدث أن خرج بعضهم أكثر من مرة
خامساً، ذهب بعضهم إلى دول إسلامية كأفغانستان والعراق وذهب آخرون إلى دول غير إسلامية كـ هايتي، في حين ذهب طرف ثالث إلى دول نصف إسلامية كــ ساحل العاج
سادساً، قضى ثلة من أولئك الجنود نحبهم في تلك البلاد فأقيمت لهم مراسم تشيع جثمان الشهيد يوم أن عاد ملفوفاً بعلم بلاده التي ظن أنه جندي محارب في سبيلها.
سابعاًً، استخدم أولئك الناس تلك الأموال التي كسبوها في إطعام أبنائهم وتعليمهم وفي بناء بيوتهم وتزويج بناتهم، وأدّخر آخرون بعض تلك الأموال لتنفيذ جزء من وصيته تخص شراء الأكفان له من تلك الأموال التي ظن أنه كسبها بعرق جبينه يوم وفاته.
ثامناً: لم يصدق نفر غير قليل من الأردنيين أن الفاكهة واللحوم يمكن أن تتواجد في البيت على مدى يومين متتاليين إلا بعد أن عاد من يكسب لهم قوتهم (عامود البيت باللسان الأردني المجازي) من قوات حفظ السلام، ولا يمكن أن يصدق نفر آخر أن هناك فرصة لهم ليأكلوا اللحوم أو الفاكهة (أو حتى البندورة- الطماطم الأردنية الشهيرة) إلا بواحدة من اثنتين: (1) رحيل حكومة سمير الرفاعي إلى غير رجعة بإذن الله أو (2) التحاق معيلهم بقوات حفظ السلام حتى وإن كان ذلك للمحافظة على استقلال جنوب السودان بعد إجراء الاستفتاء العظيم عليه في مطلع عام 2011.
النتيجة بناء على فتوى الإخوان والأخوات المسلمين والمسلمات: كل ذلك المال الذي كسبه حرام، وذلك الجهد الذي بذله ليس في سبيل الله ولا حتى في سبيل بلده، ومن مات منهم في تلك الديار هو أبعد ما يكون عن الشهادة.
المطلوب من الشعب الأردني: التصفيق لشجاعة الإخوان المسلمين في قول الحق.
تكبير: الله أكبر الله أكبر الله أكبر
ولكن يبقى سؤال بسيط يخالج بال من يصعب عليه ربط الأحداث مع بعضها البعض من أمثالي وأخي المسلم الذي لم يبقى سوى أن يقبّل يد ضابطه المسئول عنه أن لا يبعثه إلى أفغانستان أو العراق أو هايتي وساحل العاج منذ سنين طويلة، سؤال مفاده: أين كانت فتواكم هذه قبل سنين؟ أم هل كان الدين آنذاك في إجازة؟ لربما نزل عليكم طارق من السماء الآن يخبركم بهذه الفتوى العظيمة!
لا يا سادة: فتواكم -لا شك عندنا- صحيحة، ولكن هدفكم ووسيلتكم غير نبيلة، ولن يكون لها أثر على الناس، وأنتم تتحملون جزءاً من الوزر أمام الله على خيانتكم للأمة. لقد كان الأجدر بكم أن تجتمعوا منذ اليوم الأول لقرار الحكومة بالمشاركة في قوات حفظ السلام قبل سنين وأن ترتفع حناجركم بذلك منذ البداية ليهلك من هلك عن بينة وليحيا من حيّ عن بينة، ولا يجوز لكم أن تستخدموا فتواكم كسوط ضد الحكومة، تطلقوه متى شئتم وكيفما أردتم، لقد تلاعبتم بكلام الله ليخدم أغراضكم الدنيوية ، لقد بررت غايتكم وسيلتكم غير النظيفة.
أقسم بالله العظيم أني من أشد الكارهين لحكومة السيد سمير الرفاعي (فأنا أعتقد أن ذلك الرجل لا يصلح أن يكون حارس مزرعة والده غانيك أن يكون حارساً ومؤتمنا على الوطن بأكمله)، وأظن في الوقت ذاته أن البلد قد أحسن صنعاً عندما منح هذا الرجل وأمثاله وظيفة مع زملائه من الوزراء وإلاّ لكان جلهم ممن يتقاضون من صندوق المعونة الوطنية، فمن الأفضل أن يحصل هؤلاء وأمثالهم ممن لا يملكون حرفة تعينهم على كسب قوتهم على معاشاتهم من وزارة المالية بدلاً من أن يأخذوها من وزارة التنمية الاجتماعية.
وأقول لشخص مثل الأستاذ الدكتور الذي يقف على يمين السيد رئيس الوزراء أقول: هل لو كان ذلك الشخص (أقصد رئيس الوزراء- سيدك ومعلمك) في واحدة من دروس اللغة العربية التي كنت تدرّسها أقول هل كان سينجح في ذلك المساق حتى لو كان من مستوى مساقات 100 في جامعتك العتيدة؟ الجواب لا أظن (وبالمناسبة لم أكن سأنجح أنا في ذلك المساق – فعربيتي ليست بأحسن حالاً)، ولكن لله الحمد، هذه هي النتيجة الحتمية لمجازاتك اللغوية التي قضيت عمرك فيها، فعليك أن تكمل ما تبقى لك من عمرك رحلة المجاز والتحريف حقيقية على أرض الواقع.
المهم، أقول أقسم بالله أني من أشد المنكرين لتلك الحكومة، ولكني أصبحت أشد إنكاراً لفعلة الإخوان المسلمين لأني أعلم أن الوزارة بطاقمها لم تدّعي يوماً بأنهم ممن لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها أو أعين يبصرون بها، ولكني أخشى أن تكونوا أنتم قد وصلتم إلى درجة بل أضل سبيلا، فلقد خالفت الحكومة أمراً دنيوياً عن علم فأصبحوا ظالمين لما يخص أمر دنياهم، ولكنكم أنتم كتمتم علماً أخروياً (عن علم) فأصبحتم ظالمين لما يخص دنياكم وأخراكم.
يعلم القاصي والداني أنكم لم تشاركوا في مجلس النواب، وأخطأتم الظن حين حسبتم أن الأمة بأكملها ستخرج إلى الشوارع بدافع فتواكم تلك، فماذا كانت النتيجة؟ لقد استهزئ الجميع بتلك الفتوى – حتى وإن كانت حسب ظني هي الحق بعينه- وفقدت تلك الفتوى قيمتها وتأثيرها على الناس، وحصل السيد سمير الرفاعي على 111 صوتاً يوم الاقتراع على الثقة بحكومته، ربما لا لشيء وإنما ليثبت من أعطاه الثقة عدم ثقته بكم، لقد أفدتم الرجل من حيث لا يعلم، والسبب في ذلك ربما لأن فتواكم لم تكن خالصة لله، لقد سلطتم الدين على رقاب العباد كعقاب لهم، ولم تستخدموا الدين لينير درب العباد، وشتان بين هذا وذاك.
متى يا ترى ستخرج فتواكم بحرمة مجلس الأمة والانتخابات برمتها؟ ربما بعد مشاركتهم العشرين بعد المئة. لم لا تخرج فتواكم منذ اليوم الأول؟ هل يختلف الدين بين اليوم والأمس؟ هل ما كان حلالا في الأمس يصبح حراماً اليوم؟ وما هو حرام اليوم يصبح حلالا في الغد؟ إذا كان الدين على هذه الشاكلة فلا نستغرب ولا يجب أن نستنكر أنه لن يكون له تأثير يذكر في حياة الناس. ولا نستغرب أن الله قد نزع من قلوب الناس المهابة منكم ومن فتواكم، فلم يعد لكم تأثير يذكر في حياة الناس، ولعلنا نجزم أن عالماً واحداً يزرع الله له مهابة في قلوب الناس بحجم علماء الأمة بأكملهم، وأن عالماً واحد ربما يقض مضاجع الحكام أكثر من جيوش مدججة بالسلاح (هذه صورة مستقاة من مسرحية شكسبير ريتشارد الثالث – مش شطارة من عندي في صنع المجازات)، ولا أشك أن علمائنا لا يعرفون السبب: إنه الفتوى الخالصة لوجه الله المجردة عن المنافع والحسابات.
إن أقل ما يتوقع الشعب الأردني من جماعة الإخوان المسلمين هو الاعتذار على ما اقترفوه بحقهم من ذنب طوال تلك الفترة التي بقيت الحبال الصوتية في حناجرهم لا تهتز لتصدع بقول الحق، فلو كان في الأمة كلها شخص واحد على استعداد أن يقف عند محارم الله ولكنكم لم تنقذوه من الوقوع فيها لتحملتم أنتم (كما يتحمل علماء المسلمين بأسرهم) وزر ذلك الرجل.
وفي المقابل، لم تكن ردة الفعل من قبل الحكومة أقل جهلاً ولا أقل مكراً. فقد نصّبوا من أنفسهم العلماء المدافعين عن الدين فأصدروا الفتاوى المضادة لفتوى الإخوان المسلمين، فوقعوا وأوقعوا الناس في بلبلة كان الخروج منها ميسراً وسهلاً، ولا يتطلب العناء الكبير، ولكن ربما كان هذا ممكناً لو كان بينهم صاحب لب، ألم يسألوا أنفسهم كيف سيصدق جزء كبير من الشعب فتوى الحكومة وهم من هم؟ هل أصبح فلان وفلان من المنظرين بالفتوى الدينية (والله إن حالكم ليس بأحسن من حالي، فها أنا وأنتم نخرّص ولكن انتبهوا وليكن كل منا جاهزاً ليتحمل تبعات ما يخرص به أمام الله أولاً وأمام الناس بعد ذلك).
نقول لو كان في الحكومة ذو لب لكانت ردة الفعل هي الترويج لفتوى الإخوان المسلمين، لم لا؟ هل الحكومة الأردنية نصبت من نفسها يوما أنها تقيم الشريعة وتحمي حدود الدين؟ أقول لو فعلت الحكومة ذلك لكفاها، فما المتوقع أن تحدثه فتوى الإخوان المسلمين تلك في الناس؟ ولنعقد مقارنة بسيطة، هل أثرت مثلاً فتوى حرمة التعامل مع البنوك الربوية في الناس؟ لعل الجميع يعرف أن كل علمائنا الأجلاء (حتى مقدمي البرنامج الصباحي والمسائي يسعد دينك) يحرمون التعامل مع البنوك الربوية، أليس كذلك؟ ولكن هل قللت تلك الفتوى من زبائن تلك البنوك؟ الجواب: كلا وألف كلا، ليس لشيء سوى لأنها فتوى صدرت من علماء لم يرعوا حق الله في العباد، ما الذي تغير على فكر "البنك العربي"- مثلاً- حتى يصبح البنك العربي حرام أما البنك العربي الإسلامي على الطرف المقابل من الشارع نفسه حلال؟ أليست تلك هي النتيجة الطبيعية لفتواهم: وأحل الله البيع وحرم الربا؟ فعلى يمين الشارع هذا حلال، وأما الذي على يسار الشارع فهذا من أصحاب الشمال؟ (وأنا بالتأكيد لا أميّز اليمين من الشمال، أهي يمين الصاعد أم شمال النازل؟) كيف سيثق الناس بفتواهم وهم يركبون السيارات التي موّلتها برامج التقسيط من البنوك الإسلامية، أما نظرائهم على الطريق فسياراتهم مقسّطة على برامج البنوك الربوية، وهم الذين يخطبون على المنابر بنا في كل جمعة وحتى في دواوين العزاء (وربما صالات الأفراح هذه الأيام) أن نتقي الشبهات.
أقول كان يكفي الحكومة أن تعلن فتوى الأخوان المسلمين وأن لا تصدر فتوى ضدها، ثم تجعل المشاركة بين أفراد الجيش اختياريه، فهل يا ترى سيعير الجيش بالاً لفتوى الإخوان؟ أنا على يقين أن الغالبية الساحقة لن تعيرها انتباهاً كما فعل غالبية الناس بخصوص فتوى البنوك الربوية. وحتى تحبط الحكومة تلك الفتوى كان يكفيها أن تزيد مكافأة المشاركين 500 أو 1000 دينار، أو حتى أن تعد المشارك برتبة عسكرية إضافية، ثم لينظروا كيف سيزيد الطلب والإلحاح على المشاركة، فالتلويح بمبلغ من المال سيذهب بتلك الفتوى في مهب الريح، ألا نذكر كيف سال لعاب العلماء أنفسهم على مبلغ من المال فعملوا مستشارين للشركات الربوية ليحلوا لهم الحرام؟ فهل غابت عن أذهاننا فتاوى العلماء التي أحلت البورصة الأردنية التي نهبت جيوب الناس وأوقعت الاقتصاد كله في كارثة لن يتعافى معها إلا بزوال تلك الفئة من العلماء؟
وأخيراً، ألم يكن الأجدر بعلمائنا أن يتصدوا بكل ما أُتوا من قوة لحكومة السيد سمير الرفاعي بدلاً من التلاعب بفتوى الدين؟ لم لا يذكّروا السيد سمير الرفاعي بالتاريخ وبما تركه أسلافهم من إرث تاريخي؟ لم لا يذكّروا السيد سمير بما قاله أجدادهم بعد طول التجربة والخبرة بأن "حكومة سمير لا قمحة ولا شعير".
في المثل الأردني الفلاحي الدارج: إذا كان الحكّى مجنون يكون المستمع عاقل، ولكن ما الذي يحصل عندما يكون الطرفان مجانين؟ الجواب: حوار الطرشان.
الخاتمة
يا علماء المسلمين من أقصى الأرض إلى أقصاها: اتقوا الله في العباد، ولتنتبهوا لأهمية الفتوى التي تصدرونها، إننا أمة نؤمن بكل ما جاء بكتاب ربنا، فنحن أمة نختلف عن كل أمم الأرض، إن الفتوى الدينية هي المسيرة لحياة الناس فلا تستهينوا بها ولا تجعلوها عرضة للأهواء والأحوال، ولا تستغلوها لتنفيذ مآربكم ومقاصد حكامكم، إن ذلك لن ينفعكم في الدنيا وسيكون وبالاً عليكم في الآخرة. إننا أمة لن يعيدنا إلى جادة الصواب إلا الفتوى لأننا نعلم أن المتمسك بهذا الدنيا لا يقبل إلا بها، فهو قد قرأ في كتابنا العزيز قول ربنا سبحانه:
وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا الأحزاب (36)
فالانتخابات وصناديق الاقتراع لا تأخذ بالمسلمين إلى جادة الصواب، فهذه ليست أدواتهم ولا أساليبهم التي يتقنوها، فتلك هي أساليب الأمم الأخرى وهي الأمهر في تنفيذها والتحاكم إليها، لقد نشبت مشكلة في صناديق الاقتراع عام ألفين بين جورج بوش الابن ومنافسه آل غور على رئاسة البيت الأبيض وسيادة العالم، ولكن هل سمعنا أن أمريكيين اثنين تشاجرا نتيجة ذلك الخلاف؟ كم مرة أجريت الانتخابات في كل أوروبا والأمريكيتين وحتى في الهند، لكن هل سمعنا أنهم قد صفّوا الخلاف بينهم بالدماء أو حتى بالتشاجر؟
ولكن بالمقابل، كم من الرؤوس طاحت على الأرض وكم من الدماء سالت في الشوارع على انتخابات العمدة في كفر الدوار أو الانتخابات البلدية في معان والطفيلة؟ وها هم طلبة من الجامعة الأردنية العتيدة (دار المعرفة والتنوير) ينقلوا بالعشرات إلى المستشفيات بعد إعلان نتائج انتخابات جمعيات طلابية؟ هل هذا ما كسبوه من المعرفة والعلم في رحاب هذا الصرح العلمي الشامخ؟ ألم يسأل علماؤنا أنفسهم عن السبب؟ إننا نظن أن هذه الأمة لا يمكن أن تتقن لعبة صناديق الاقتراع، فهي إما أن تزورها (وأعوذ بالله من شر نفسي والتهمة التي ألقيها على أكتاف حكامنا المعصومين) أو أن يكذبوا بعضهم البعض بنزاهتها (وأعوذ بالله من شر نفسي والتهمة التي ألقيها على أكتاف وزراء داخليتنا المبجلين) أو أن يطيح بعضهم برؤوس بعض (وأعوذ بالله من شر نفسي ومن التهمة التي ألقيها على أكتاف شعبنا الأبي).
قال تعالى:
"... وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ" البقرة 145
وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [1] الملك 10
فصدق بهم قول الحق سبحانه:
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاء مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُواْ يَظْلِمُونَ (177) الأعراف 176-177
*** *** ***
دعاء: اللهم إنا ندع أبناءنا وأزواجنا وأنفسنا ونبتهل إليك فاجعل لعنتك على الكاذبين.
[1] للتفصيل في هذا الموضوع انظر مقالاتنا تحت عنوان "هل لعلم الله حدود؟
[2] لاحظ عزيزي القارئ كيف يثبت القرآن الكريم أنّ محل العلم هو القلب، ففي هذه الآية الكريمة يبين الحق سبحانه أن الذي لا يعلم كمن هو أعمى، ولو استدعينا آية أخرى لربط العلم بالعمى لوجدنا الحق يقول:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
فالعمى يحدث للقلوب، لذا فإن الذين عندهم العلم ليسوا عمياناً