تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

كيف تم خلق عيسى بن مريم 8؟




زعمنا الظن في الجزء السابق من هذه المقالة أن أصحاب الكهف والرقيم هم حواريو المسيح عيسى بن مريم الذين جاءهم الوحي المباشر من الله أن يؤمنوا به وبرسوله، فاستجابوا لهذه الدعوة وكانوا مسلمين:
          وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
وهم أنفسهم الذين لبّوا دعوة المسيح بالنصرة فكانوا أنصار الله:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
فكانوا هم – برأينا- الفتية الذين أمنوا بربهم وزادهم الله هدى:
          نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)
وهم الذين أووا إلى الكهف طالبين أن يؤتيهم الله رحمة من لدنه وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدا:      
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10)
وحصل كل ذلك بعدما أتخذ قومهم من دون الله إلها آخر (المسيح عيسى بن مريم):
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
فكان الاعتزال هو القرار الأمثل الذين اتخذوه للخروج من تلك الأزمة بأقل التكاليف وأعظم الفائدة، فكان الكهف هو المكان الذي أووا إليه:
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)
كما افترينا القول حينها أن ذلك الكهف الذي أوى الفتية إليه هو المكان نفسه الذي أنزل الله المائدة عليهم فيه عندما طلبوا من رسولهم المسيح عيسى بن مريم أن ينّزل ربه عليهم مائدة من السماء، وقد حصل ذلك مباشرة بعد أن أوحى الله إليهم أن يؤمنوا به وبرسوله. دقق – عزيزي القارئ- في تسلسل الأحداث كما تصوره الآيات الكريمة التالية:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)
نتيجة: ما أن آمن الحواريون وأصبحوا من المسلمين بعد أن جاءهم وحى مباشر بذلك من الله حتى طلبوا من رسولهم (عيسى بن مريم) أن ينزل عليهم ربه تلك المائدة من السماء.
وفي نهاية ذلك الجزء من المقالة قدمنا الوعد للقارئ الكريم بأن نتابع (إن أذن الله لنا بشيء من علمه) الحديث في الموضوع نفسه طارحين بقية التساؤلات التالية:
-        أين هم هؤلاء الفتية؟
-        هل لازالوا متواجدين في كهفهم حتى الساعة؟
-        أين هو ذلك الكهف؟
-        هل نستطيع أن نجد مكانه؟
-        هل يمكن التدليل على ذلك بالبرهان العملي؟
وهذا بالضبط ما سنحاول أن نقحم أنفسنا فيه في هذا الجزء من المقالة سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، وأن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشيء من علمه لا ينبغي لأحد غيري، وأن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب، وأن يتقبلنا في أن نكون من أنصاره كما كان الحواريون أنصاره:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)
أما بعد
باب: ما معنى قول الحواريين لرسولهم: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟
رأينا: لو تدبرنا النص القرآني الذي جاء فيه سؤال الحواريين هذا، لوجدنا أنه قد حصل مباشرة بعد أن آمنوا بالله وبرسوله وبعد أن أصبحوا مسلمين بوحي مباشر من الله. انظر السياق القرآني الأوسع:
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111) إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (112)
وبناء عليه، نحن لا نتردد أن نستعجب من أمر الحواريين هذا. كيف بهم يؤمنوا بالله وبرسوله ويشهدوا على أنفسهم أنهم قد أصبحوا مسلمين، ليكونوا بعد ذلك أنصار الله ثم يأتي سؤالهم على هذه الشاكلة:
          هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء
فهل في ذلك شك؟ أي هل في "استطاعة" الله تنزيل مائدة من السماء مجال للشك؟ ألا يعلم هؤلاء المؤمنون بربهم أن الله على كل شيء قدير:
          مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)
فإذا كانت قدرة الله على فعل كل شيء لا محدودة، فكيف بهم يقوموا بصياغة طلبهم من رسولهم على تلك الشاكلة (هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ
          هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء...
بل الأغرب من ذلك في رأينا هو رد رسولهم المسيح عيسى بن مريم على طلبهم ذاك على نحو:
          قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ...
تساؤلات:
-        هل يشك عيسى بن مريم في أنهم مؤمنين؟
-        لماذا طلب منهم أن يتقوا الله؟
-        ألم يكونوا هم أنصارى الله؟
-        لماذا إذن استجاب المسيح بعد ذلك لطلبهم ودعا ربه؟
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
رأينا: نحن نظن أن هذه الإشكالات قد تولدت نتيجة الفهم الذي نظن أنه خاطئ والذي وصلنا من عند أهل الدراية كما نقله عنهم أهل الرواية. فهم يظنون أن في طلب الحواريين ذاك تحدي لرسولهم، لذا جاء رد رسولهم عليهم بأن يتقوا الله فلا يقع عليهم العذاب نتيجة لهذا الطلب (انظر أمهات كتب التفاسير).
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن مثل هذا الفهم هو فهم مغلوط لسبب بسيط وهو لو أن طلبهم هذا كان من باب (عدم التقوى أو الإيمان) فلن يذعن المسيح لطلبهم بعد ذلك ويدعو ربه بأن ينزل عليهم تلك المائدة. ثم لو دققنا في طلبهم تلك المائدة لوجدنا أن التبرير كان إيمانيا خالصا:
          قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
لذا نحن نعيد إثارة التساؤلات نفسها:
-        لماذا طلب الحواريون ذلك من رسولهم؟
-        لماذا رد عليهم رسولهم بأن يتقوا الله؟
-        لماذا استجاب رسولهم لطلبهم ودعا ربه بأن ينزل عليهم تلك المائدة؟
السؤال الأول: لماذا طلب الحواريون من رسولهم أن يدعو ربه بأن ينزّل عليهم مائدة من السماء؟ وبكلمات أكثر دقة نحن نسأل: لماذا كان طلبهم على نحو مائدة من السماء؟ لماذا لم يطلبوا من رسولهم كما طلبوا من موسى من ذي قبل مثلا: أن يروا الله جهرة؟ فما قصة المائدة؟
جواب: لقد افترينا الظن في واحدة من الأجزاء السابقة أن طلب الحواريين تنزيل المائدة على وجه الخصوص كان مدفوعا بما شاهدوه بأم أعينهم من أمر رسولهم المسيح عيسى بن مريم، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: لقد ظننا على الدوام بأن المسيح عيسى بن مريم لم يأكل قط طعاماً من الأسواق، فهو كان يأكل الطعام:
مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75)
ولكن ذلك الطعام لم يكن كطعام غيره من رسل الله الذين كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق:
وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)
والسبب هو – برأينا- لأن عيسى بن مريم لم يأكل من طعام أهل الأرض قط، ولكنه كان يأكل من رزق يأتيه من السماء مباشرة بالضبط كما كان يحصل في حالة أمه في المحراب:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
وما أن وضعت مريم ابنها المسيح عند تلك الشجرة حتى جاءها الأمر الإلهي بالأكل من طعام البشر بنفسها، ولكن لم تؤمر بأن تطعم ابنها منه:
وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا (26)
وهنا أخذت مريم (أم المسيح) تأكل مما يأكل منه الناس ويشربون، ولكن المسيح نفسه لم يكن يستطيع أن يأكل من ذلك الطعام، واستمر الرزق يأتيه مباشرة من السماء. ومن هنا – نحن نتخيل- جاء طلب الحواريين من رسولهم أن يطلب من ربه أن ينزل عليهم تلك المائدة، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: لما رأى الحواريون أن المسيح (معلمهم) لا يشاركهم الطعام والشراب، استغربوا من أمره، فسألوه عن ذلك فأخبرهم أنه لا يصح له أن يأكل من طعام أهل الأرض، لذا جاء في ردهم أن واحدة من أسباب طلبهم ذلك هو أن يعلموا أنه قد صدقهم:
          قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا ... (113)
ولم يتوقفوا عند ذلك بل جاء طلبهم مدفوعا بأن يكونوا شهداء على ذلك:
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113)
ولو دققنا في طلبهم ذاك لوجدنا أن الحواريين يطلبوا تنزيل المائدة عليهم على وجه التحديد بدليل مفردة (عَلَيْنَا) في الآية الكريمة نفسها:
قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَاء تَكُونُ لَنَا عِيداً لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114)
(للتفصيل أكثر في هذه الجزئية انظر الأجزاء السابقة)
إن ما يهمنا قوله هنا هو أن طلب الحواريين لا يجب أن يفهم من جانب سلبي أو تشكيكي، فهم قوم آمنوا بربهم وبرسوله بوحي مباشر من الله وهم قد أصبحوا مسلمين، ويمكن أن يثبت رأينا هذا رد رسولهم على طلبهم عندما طلب منهم أن يتقوا الله:
                   قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ...
السؤال الثاني: ما معنى قول المسيح لهم  "اتَّقُواْ اللّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
رأينا: نحن نرى ضرورة فهم رد المسيح بمعزل عن فهمنا الشعبي والمتمثل في أنه عندما تسمع شخصا يقول كلاما قد لا يروق لك وتظن أن فيه شيء من "عدم الإيمان" ترد عليه بالقول (اتق الله) كنصيحة له. فهذا – في ظننا- من باب القول غير الدقيق الذي قد لا ينم – برأينا- عن معرفة بمعنى التقوى، ولكن كيف ذلك؟
بادئ ذي بدء لابد لنا أن نشير بأننا نفهم رد المسيح على طلب الحواريين على النحو التالي: المسيح لا ينكر عليهم طلبهم ذاك، ولكنّه يوجههم (فهو معلمهم) إلى أن يقوموا بما هو أكثر من الإيمان لكي يتحقق لهم طلبهم ذاك، ألا وهو فعل التقوى. لتصبح الصورة على نحو ويكأن المسيح يقول للحواريين – نحن نتخيل فقط- ما مفاده أنكم إن كنتم تريدون فعلاً أن ينزّل الله عليكم تلك المائدة من السماء فعليكم بالتقوى.
السؤال: ما هي التقوى؟ وكيف تختلف التقوى عن الإيمان؟
باب : معنى التقوى
لا شك أن هناك عشرات الآيات في كتاب الله التي تتحدث عن التقوى، وتحث المؤمنين من عباد الله عليها. ولكن ما يهمنا هنا هو النبش في أمرين وهما:
1.     أن التقوى تختلف عن الإيمان
2.     أن فعل التقوى يتحقق بوسائل وبطرق محددة بعينها
أولا: التقوى تختلف عن الإيمان:
لو دققنا جيدا في بعض آيات الكتاب الكريم لوجدنا بما لا يترك مجالا للشك أن الفصل واضحا بين الإيمان من جهة والتقوى من جهة أخرى:
          وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ                       البقرة (103)
          يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ                آل عمران (200)
          وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ        المائدة (65)
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ                                                                              الأعراف (96)
          يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ      الحجرات (1)
          يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ                                                                                                    الحشر (18)
ولو دققنا في النص القرآني التالي لوجدنا أن التقوى هي مرحلة مصاحبة للإيمان من جهة وللإحسان من جهة أخرى:
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّآمَنُواْ ثُمَّ اتَّقَواْ وَّأَحْسَنُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)
(وسنتحدث عن معنى التقوى في مقالات قادمة إن أذن الله لنا بشيء من علمه)
ثانيا: كيف يتحقق فعل التقوى؟
نحن نظن أن هناك أعمال محددة بذاتها يمكن أن يقوم بها المؤمن يمكن أن تتحقق من خلالها التقوى، وهذه الأعمال يمكن ذكرها على النحو التالي:
-        عبادة الله وحده
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)
-        الأخذ بالكتاب بقوة وذكر ما فيه:
وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (63)
وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّواْ أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)
-        تنفيذ القصاص:
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179)
-        الصيام
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)
-        إتباع صراط الله المستقيم
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)
ولما كنا نظن أن الحواريين قد عبدوا ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم، وقد أخذوا ما أتاهم الله بقوة وذكروا ما فيه، وقد اتبعوا صراط الله المستقيم، ولا نظن أنهم يمكن أن يترددوا في تنفيذ القصاص الذي شرعه الله، لم يترددوا في القيام بفعل الصيام الذي كتب عليهم كما كتب على الذين من قبلهم طلبا للتقوى (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
عودة على بدء: لما طلب الحواريون من رسولهم عيسى بن مريم أن ينزل ربه عليهم مائدة من السماء، جاء رد المسيح على طلبهم ذاك هو أن يقوموا بفعل التقوى (قَالَ اتَّقُواْ اللّهَ)، فما كان من الحواريين برأينا إلى أن يقوموا بفعل الصيام طلبا للتقوى (وسنتحدث لاحقاً عن معنى التقوى وعلاقته بالصيام إن أذن الله لنا بشيء من علمه)
أما ما يهمنا هنا هو العودة إلى قصة الحواريين (أهل الكهف) بهذا المفهوم، ولكن كيف يمكن أن نربط هذا بقصتهم؟
رأينا: لو تدبرنا قصة أهل الكهف لوجدنا بأن أول فعل قام به أصحاب الكهف بعد أن بعثهم الله من مرقدهم هو طلب الطعام، فما أن استيقظ الفتية من سباتهم العميق حتى كان الشعور بالجوع واضحا عندهم بدليل أنهم طلبوا جميعا أن يبعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة ليأتيهم برزق من طعامها:
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
فما السبب في أن يكون طلبهم الطعام هو أول ما يخطر على بالهم جميعا؟
جواب: لما كان الفتية هم مجموعة من الشباب، ولما كان النوم قد أخذ منهم قسطا من الزمن ليس بالطويل (كما جاء على لسانهم أنفسهم (يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) لا نظن أن الجوع سيحل بهم جميعا في نفس الوقت لو أن الأمر كان طبيعيا، فربما يجوع بعضهم ولا يجوع البعض الآخر، ولربما يفكر البعض بالطعام بينما يفكر البعض الآخر بشيء غير الطعام، فلم إذن كان تفكيرهم جميعا بالطعام في آن واحد؟
رأينا: نحن نظن أن ذلك كان بسبب الصيام، ولكن كيف ذلك؟
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نظن أن الفتية قد أووا إلى الكهف في بداية اليوم، وما أن وصلوا إلى هناك حتى تدارسوا أمرهم، وما هي إلا وقت الظهيرة حتى أخذهم النعاس إلى غفوة من النوم في وضح النهار، وما أن استيقظ الفتية حتى ظنوا أن ذلك اليوم أو بعضه قد انقضى وهم في صيام، وما أن ينقضي اليوم حتى يبدأ تفكير الصائم بالإفطار، فيكون الطعام هو شغله ليكسر صومه مع انقضاء اليوم، فنحن لا ننسى أن الصيام يحدث في اليوم (وهو من طلوع الفجر: عند الخيط الأبيض من الخيط الأسود) حتى الليل. وهنا يطلب الفتية أن يذهب أحدهم إلى المدينة لينظر أيها أزكى طعاما فليأتيهم برزق منه ليكون مائدة إفطارهم في ذلك اليوم من صيامهم.
نتيجة: لقد كان الفتية في حالة صيام عندما أووا إلى الكهف وما أن استيقظوا من مرقدهم حتى طلبوا الطعام. ونحن نظن أن صيامهم هذا جاء بسبب طلب المسيح عيسى منهم أن يتقوا الله، فكان الصيام واحدة من الطرق التي يمكن أن يتم التوصل إلى التقوى من خلالها.
تخيلات من عند أنفسنا: لقد طلب الحواريون من عيسى بن مريم أن يدعو ربه لينزل عليهم مائدة من السماء، فكان رد عيسى بن مريم عليهم بأن يتقوا الله، فما كان من الحواريين إلا أن يقوموا بفعل الصيام عن الطعام والشراب، لينتظروا تلك المائدة التي سينزلها الله عليهم إنْ تحقق عندهم فعل التقوى. يقوم الحواريون بفعل الصيام، تتحقق التقوى، يدعو المسيح عيسى بن مريم من ربه أن ينزل عليهم تلك المائدة:
          قَالَ اللّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لاَّ أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ (115)
يأكل الحواريون مع رسولهم المسيح عيسى بن مريم من تلك المائدة، فيكون شهداء عليها، ويكون ذلك هو ما يتحدث عنه الفكر المسيحي تحت عنوان العشاء الأخير، ونظن نحن أنه العشاء الأول والأخير، ولكن لماذا؟
1.     لماذا يسمى بالعشاء؟ لِم لَم يكن "بمفرداتنا" فطورا في الصباح أو غداء في وقت الظهيرة كما في حالة موسى مثلا:
فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
رأينا: نحن نظن أن تلك المائدة كانت عشاء لأنها حصلت في وقت العشاء، وكان السبب في ذلك – كما نتخيله نحن- يكمن في أن الحواريون كانوا ورسولهم المسيح عيسى بن مريم في حالة صيام، فالصائم يقوم بكسر صيامه في وقت العشاء (أي قدوم الليل)
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ    البقرة (187)
2.     لماذا نظن أنه العشاء الأول والأخير وليس العشاء الأخير كما يظن أهل الفكر المسيحي؟
رأينا: لأن تلك الحادثة قد حصلت فقط مرة واحدة لم تتكرر بعدها، فهي المناسبة الوحيدة التي أكل فيها المسيح مع غيره من البشر طعاما على مائدة واحدة.
أين نزلت تلك المائدة عليهم؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن تلك المائدة قد نزلت عليهم في ذلك الكهف، فلقد افترينا في الجزء السابق من هذه المقالة أن الكهف هو عبارة عن تجويف طبيعي داخل جبل لها منفذان، تدخله الشمس عندما تطلع (أي بعد أن ترتفع في كبد السماء، وهذا هو المكان الذي يمكن الدخول إلى الكهف والخروج منه من خلاله، وتدخله الشمس في لحظة الغروب وهذا المنفذ ليس مخصصا للدخول منه أو الخروج من خلاله إلى الكهف (للتفصيل انظر الجزء السابق) وهناك من خلال فتحته الشرقية المرتفعة تنزل المائدة على المسيح عيسى بن مريم مع الحواريين، فيكون عشاؤهم لكسر صيامهم في ذلك اليوم).
يتخذ الحواريون من ذلك الكهف مكان للخلوة والتعبد:
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)
تحدث الفتنة في قومهم بعد أن رفع الله المسيح عيسى بن مريم إليه، يتخذ بعض من قومهم المسيح عيسى بن مريم إلها من دون الله:
هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
رفض الحواريون فعلة قومهم تلك جملة وتفصيلا:
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14)
يتخذ الحواريون قرارهم باعتزال قومهم حتى تهدأ تلك العاصفة، فيتوجهوا إلى الكهف ليأووا فيه بعض الوقت، تأخذهم سنة من النعاس، فيلبثوا في كهفهم ثلاث مئة سنين ويزدادوا تسعا:
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)
يستيقظ الفتية من مرقدهم هذا، فيشعروا ويكأنهم قد لبثوا اليوم كله أو بعضه، يكون الليل قد أسدل أستاره. لما كان الفتية في صيام طلبوا جميعهم أن يبعثوا أحدهم بورقهم إلى المدينة لينظر في طعامها وليأتيهم برزق من أحسنه:
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
وهنا نصل إلى ذروة مرادنا بطرح التساؤل المثير التالي: هل يمكن التدليل على هذا الظن بالبرهان العملي؟
جواب: نعم، نحن نظن أن بإمكاننا أن نثبت زعمنا هذا متى ما استطعنا أن نقدم الدليل العلمي على مكان تواجد الفتية، وبكلمات أكثر دقة نقول أننا يمكن أن نثبت زعمنا إن نحن استطعنا بحول الله وتوفيق منه أن نجيب على التساؤل الكبير التالي: أين هو كهف أولئك الفتية؟
باب: مكان الكهف
لعلنا نظن أن بإمكاننا أن نحدد مكان تواجد ذلك الكهف على أرض الواقع، والناس مدعوون جميعا إلى الذهاب إلى المكان الذي سنشير إليه بعد قليل ليروا رأي العين ذلك الكهف ويطلعوا على ما فيه.
ولكن قبل الخوض في هذا الجزئية المهمة جدا لابد من التطرق إلى التساؤلات النظرية العقائدية التالية:
-        هل يمكن أن يحصل بشر مثلنا على معلومة كهذه؟
-        هل نحن مؤهلون للتوصل إلى مثل هذه المعلومة؟
-        وهل يصف كتاب الله لنا المكان ويقدم لنا المعلومة التي تثبت مكان ذلك الكهف؟
-        ثم ما فائدة أن نجد الكهف ونطلع على ما فيه بأم أعينا؟
هذه - في ظننا- تساؤلات كبيرة جدا لابد من تجليتها أولا قبل محاولتنا تحديد مكان الكهف على الخارطة الجغرافية باستخدام  Google earth مثلا.
فالله وحده أسأل أن يهدينا رشدنا وأن ينفذ كلمته بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بعلم لا ينبغي لغيري إنه هو السميع المجيب.

أما بعد
السؤال الأول: هل يمكن لبشر أن يتوصل إلى المعلومة الأكيدة عن مكان تواجد هل الكهف؟
رأينا: نعم، هو كذلك. فنحن نظن أن هذه من المعلومات التي قد أذن الله لبشر أن يتوصلوا إليها.
الدليل
نحن نقرأ الدليل على ذلك من الآية الكريمة التالية التي جاءت في قصة أصحاب الكهف نفسها:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)
السؤال: وأين الدليل الذي تزعم في هذه الآية الكريمة؟
جواب: نحن نظن أن الدليل وارد في مفردة نبأهم (نَبَأَهُم).
سؤال: وكيف ذلك؟
جواب: نحن نظن أنه يمكن استقصاء الدليل في ذلك متى ما فهمنا معنى مفردة نَبَأَهُم
باب النبأ
سؤال: ما هو النبأ؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن النبأ هو عبارة عن خبر يختلف الناس فيه، يمكن أن لا يعرفه بعضهم كما حصل في حالة الملائكة:
          وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)
ولكن لا شك قد يعلمه آخرون كما في حالة آدم:
قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (33)
ولا شك عندنا أن السرية التامة تحاط بالنبأ كما في حالة أن أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا:
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)       
نتيجة: الناس لا شك سيختلفون فيما هو نبأ كما تصور ذلك الآيات الكريمة التالية:
عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3)
ولكن الله لا شك مظهر خبره للناس كما تبين ذلك تتمة تلك الآيات نفسها:
عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5)    
وقد تأكدت فكرة علم الناس بما هو نبأ في الآية الكريمة التالية:
          وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (88)
نتيجة: لما كان النبأ هو أمر مختلف فيه كان خبره الأكيد يأتي من الله وحده، بعلم يأذن له لأحد من خلقه.
          (دعاء: اللهم ربي أسألك وحدك أن يكون قد جاء حين علمنا بنبأ أهل الكهف)
إن هذا الطرح يعيدنا على الفور للخوض في الحادثة التي حصلت كسبب نزول آيات قصة أهل الكهف، لذا نحن نستميح السادة العلماء أهل الدراية والرواية أن يستمعوا لما نقول (ولو بعين المتشكك) لأننا سنخالفهم الرأي جملة وتفصيلا بما سنقلوه للناس في هذا الشأن.
أما بعد،
نحن نكاد نجزم أن الرواية التي يتناقلها أهل العلم عن سبب نزول آيات قصة أهل الكهف هي قصة بمجملها مغلوطة، ولكن كيف؟
رأينا: نحن نظن أن اليهود لم يسألوا النبي الكريم عن أهل الكهف إطلاقا، ولكنهم سألوه (كما تشير بعض أجزاء تلك الرواية) عن ذي القرنين وعن الروح فقط، والدليل على ذلك بسيط وهو ورود عبارة (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ) في بداية هاتين القصتين:
          وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (85)
          وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا (83)
نتيجة: لقد جاء نفر إلى النبي فسألوه بصريح اللفظ عن الروح (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) كما سألوه بصريح اللفظ أيضا عن ذي القرنين (وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي الْقَرْنَيْنِ)، ولكنهم لم يسألوه عن أهل الكهف، ولو فعلوا لجاء النص القرآني في ظننا على النحو التالي:
          ويسألونك عن أصحاب الكهف والرقيم
ولكن المتدبر للنص القرآني يجد أن اللفظ عن أهل الكهف جاء على النحو التالي:
          أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)
السؤال: لماذا جاء النص القرآني الخاص بأهل الكهف على هذا النحو؟ ألم يسألوا الرسول عنهم إذن؟
رأينا: كلا لم يسألوا الرسول عن أهل الكهف، ولكن الذي حصل كما نتخيله هو على النحو التالي: جاء القوم إلى عند الرسول فتحدثوا في أمر أهل الكهف، فاختلفوا فيه، فذكر كل منهم تفاصيل مختلفة، فكان ذلك ليس أكثر من نبأ مختلف فيه. وهنا جاء التنزيل الإلهي المباشر إلى النبي ليقص عليه نبأهم بالحق:
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)
فالقوم كانوا مختلفين في نبأ أهل الكهف فجاء قص نَبَأَهُم بِالْحَقِّ من عند الله مباشرة.
الدليل
نحن نجد الدليل على ما نزعم في الآية الكريمة التالية:
                             أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)          
لعل القارئ لهذه الآية الكريمة يدرك على الفور بأن الخطاب هنا موجه إلى شخص النبي نفسه، ليتأكد لنا أن النبي عندما سمع نبأ أهل الكهف من الذين قصوه عليه من عندهم واختلفوا فيه تعجب النبي نفسه من الأمر، فظن أن في ذلك أمر عجبا، فجاء قول الحق ليثبت للنبي الكريم بأن نبأ أهل الكهف هو نبأ صحيح بحد ذاته وهو من آيات الله، ولكن المشكلة تكمن في تفاصيل النبأ كما قصه عليه القوم، فجاء القص الإلهي ليصحح المغالطات التي وقع فيها من قص ذلك النبأ على النبي، فما كان من النبي إلا أن يعرّف بعضه ويعرض عن بعضه بالضبط كما حصل في حالة يوم أن أسر إلى بعض أزواجه حديثا:
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)
فما جاء النبي من نبأ من عند الله مباشرة هو الحق ولا شيء غيره. وما جاء على لسان من أنبأ النبي به من عند نفسه فهو كلام كان فيه شيء من الحق ولكن أكثره من عند نفس الذي قص النبأ على النبي.
والأهم من ذلك كله، برأينا هو أن القص القرآني لنبأ الفتية بالحق قد جاء ليزيل العجب الذي وقع في نفس النبي محمد عندما سمع نبأهم من الذين رووه له. (وسنرى لاحقا بحول الله وتوفيقه كيف زال العجب بنبأ أصحاب الكهف من قلب محمد بالتجربة الحقيقية)
السؤال الثاني: هل نحن مؤهلون للتوصل إلى مثل هذه المعلومة؟
نحن نفتري الظن بأنه مادام أن قصة أصحاب الكهف هي نبأ فلابد أن يأتي العلم به ولو بعد حين (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)، لذا فالله وحده أسأله أن يكون قد جاء ذلك الحين الذي يبين فيه نبأ أهل الكهف، وأسأله تعالى أن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب إنه هو السميع المجيب.
السؤال الثالث: ما فائدة أن نجد الكهف ونطلع على ما فيه بأم أعينا؟
جواب: نحن نظن أن الفائدة ستكون عظيمة يمكن أن يفهمها القارئ بنفسه متى ما بان مكان ذلك الكهف، وراءه رأي العين واطلع على ما فيه بأم عينه. وسنتحدث عن ذلك في نهاية هذا الجزء من المقالة بحول الله وتوفيقه.
السؤال الرابع: وهل يصف كتاب الله لنا المكان ويقدم لنا المعلومة التي تثبت مكان ذلك الكهف؟
رأينا: لما كانت عقيدتنا تصورها الآية الكريمة التالية أحسن تصور:
وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38)
كان لزاما علينا أن نؤمن إيمانا يقينيا بأن هذا الكتاب يجيب على كل صغيرة وكبيرة، والمطلوب منا هو أن نقرأ كتاب الله بالتدبر الذي طلب الله منا أن نتخذه منهجا:
          أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)
دعاء: فالله وحده أسأل أن يفتح قلوبنا للحق، فلا تقفل إنه هو السميع المجيب.

سؤال: ما دام أنك تظن أن نبأ أصحاب الكهف لابد أن يُعْلَم ولو بعد حين، وما دام أنك تظن أننا مؤهلون لأن نعلم نبأهم، وأن ذلك مفصل في كتاب الله، فهل تستطيع أن تثبت لنا بالدليل العملي أين هو ذلك الكهف؟
جواب: نعم، ربما أستطيع ذلك، وأظن أن كتاب الله يبين لنا المكان الذي يتواجد فيه ذلك الكهف الذي أووا الفتية إليه.
سؤال: وأين هو ذلك المكان إذن؟
جواب: نحن نظن أن الإجابة على هذا التساؤل يمكن أن نستنبطها من الآية الكريمة التالية التي جاءت في قصة أهل الكهف نفسها:
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (21)  
سؤال: وأين الدليل؟ هل في هذه الآية دليل على مكان تواجد كهف الفتية؟
جواب: نعم هناك الدليل وهو يتمثل بكلمة واحده وهي كلمة مَّسْجِدًا. لنخلص إلى النتيجة البسيطة التالية: إن كهف الفتية يقع تحت مسجد، فعندما أعثر الله عليهم ما كان ممن وجدوهم إلا أن يتخذوا قرارهم بأن يقيم على أولئك الفتية مسجدا، أليس كذلك؟
نتيجة: لابد من أن نبحث عن ذلك المسجد الذي يقع فوق ذلك الكهف الذي أوى الفتية إليه، فأين هو يا ترى؟
جواب: نحن نجد الجواب على ذلك في الآية الكريمة التالية:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
نعم إنه المسجد الأقصى.
افتراء خطير جدا جدا: نحن نفتري الظن بأن المسجد الأقصى قد بني فوق كهف أولئك الفتية، فكهف أولئك الفتية يقع مباشرة تحت المسجد الأقصى، كما نفتري الظن بأن الذين قاموا ببناء ذلك المسجد في تلك البقعة من الأرض هم القوم الذين أعثرهم الله على أولئك الفتية.
الدليل
نحن نستطيع أن نستطيع التدليل على موقفنا العقائدي هذا بجلب الإشارات التالية
1.     أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا مسلمين
2.     البعد المكاني للمسجد الأقصى عن مكان تواجد الفتية الأصلي
3.     أن المسجد الأقصى مبارك حوله
4.     الإسراء بالنبي إلى المسجد الأقصى
5.     الحفريات اليهودية تحت المسجد الأقصى
وسنتحدث عن هذه الإشارات تباعا
أولاً: أن أصحاب الكهف كانوا مسلمين
لقد زعمنا الظن بأن أصحاب الكهف والرقيم هم حواريو المسيح عيسى بن مريم، وهم الذين جاءهم الوحي المباشر من الله للإيمان به وبرسوله، فآمنوا وكانوا مسلمين:
          وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111)
وهم الذين رفضوا أن يتخذوا من دون الله آلهة كما فعل قومهم:
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
ولما رفض الحواريون أن يشركوا مع الله أحد كانوا مسلمين، لأن الدين عند الله الإسلام منذ أن خلق الله آدم وحتى يرث الأرض ومن عليها:
إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)
وما حصل اختلاف بين أهل الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم كما تشير هذه الآية الكريمة. فلو لم يختلف الذين أتوا الكتاب لكان مكان العبادة على الدوام هو المسجد، لأن المسجد هو بمفهومنا – كما يمكن أن نستنبط ذلك من الآية الكريمة التالية- هو مكان العبادة الذي لا يشرك مع الله فيه أحدا:
          وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18)
نتيجة: لما رفض أولئك الفتية أن يتخذوا (كما فعل قومهم) من دون الله إلها، كان المكان المؤهل للعبادة التي تعكس عقيدتهم هو المسجد.
فمتى تمت الدعوة لأحد مع الله لم يعد مكان العبادة يطلق عليه لفظ المسجد، لذا عندما اتخذ اليهود والنصارى أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم لم يعد المكان الذي يخصص للعبادة يسمى مسجدا:
اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)
فأصبحت ليست أكثر من صوامع وبيع (كما هي أساسا مساجد) ليذكر فيها اسم الله:
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
تخيلات من عند أنفسنا: بعد أن رفع الله المسيح إليه وطهره من الذين كفروا، وبعد أن اعتزل الفتية قومهم، كان الخلاف سائدا بين القوم حول ماهية المسيح عيسى بن مريم، فظن بعضهم بأنه إله وظن آخرون أنه ولد الله، بينما بقيت فرقة صغيرة منهم تظن أن المسيح عيسى بن مريم عبد الله ورسوله وكلمته وروح منه، ولم يحسم هذا الخلاف إلا يوم أن أعثر الله القوم على أولئك الفتية:
وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (21)
وهنا ظهرت تلك الفرقة التي غلبت على أمرهم، فكان قرارها هو بناء المسجد على هؤلاء الناس ليبقى هذا المسجد هو الآية لبينة على أن هؤلاء الفتية كانوا مسلمين وأن دين عيسى بن مريم هو دين الإسلام، فهم الذين لم يشركوا مع الله أحدا آخر، فيكون المسجد هو مكان العبادة الذي يشهد بالوحدانية لله.
ثانيا، البعد المكاني للمسجد الأقصى عن مكان تواجد الفتية الأصلي
لو دققنا في قصة المسيح عيسى بن مريم لوجدنا أن فصول القصة تجري في منطقة الأرض المباركة، فعيسى بن مريم ولد هناك وعاش هناك ومن هناك رفعه الله إليه، لذا فإن المنطقة الجغرافية التي يجب أن تكون ساحة للبحث عن حواري المسيح عيسى بن مريم لا يجب أن تتجاوز حدود تلك المنطقة. فلقد اعتزل الفتية قومهم اعتزالاً، ولم يبتعدوا كثيرا عن موطنهم الأصلي بدليل أنهم أرسلوا أحدهم ليبحث لهم عن رزق من طعام المدينة، وحذروه أن يطلع أهل المدينة على خبرهم، لذا فإن تلك المدينة التي كان يسكنوها لا تبتعد كثيرا عن ذلك الكهف الذي أووا إليه. لنستنتج من خلال ذلك أن المسجد الذي بناه القوم يوم أن أعثرهم الله عليهم لابد أن يكون في حدود تلك الأرض المباركة. ولو تفقدنا جميع السياقات القرآنية لما وجدنا أن القرآن يذكر غير المسجد الذي أسرى بالنبي إليه من المسجد الحرام الموجود أصلا ببكة:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
ثالثا: لو تدبرنا هذه الآية الكريمة جيدا لوجدنا أن المباركة التي أنزلها الله على ذلك المكان تقع حول المسجد الأقصى وليس في المسجد الأقصى نفسه. فالمسجد الأقصى بحد ذاته لم يكن من الأرض المباركة، ولكن الأرض التي تقع حوله هي الأرض المباركة. انظر السياق القرآني جيدا:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
فلماذا؟ أي لماذا المباركة حول المسجد الأقصى وليست فيه؟ فلو كانت المباركة موجودة في المسجد الأقصى نفسه لذكر القرآن ذلك كما جاء في الحديث عن مباركة النار المقدسة يوم أن نادى الله نبيه موسى في الواد المقدس طوى:
          فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8)
لاحظ كيف أن المباركة لم تأتي لما حول النار وإنما لما في النار، ليكون سؤالنا مرة أخرى هو: لماذا جاءت المباركة لما حول المسجد الأقصى وليس للمسجد الأقصى نفسه؟
رأينا: نحن نظن أن تضاريس تلك المنطقة التي تقع حول المسجد الأقصى تحتوي على
-        مكان تواجد آدم الأول على الأرض
-        الجبال التي وضع إبراهيم عليها الطير ليريه الله كيف يحيى الموتى
-        المكان الذي نادى الله فيه موسى
-        المكان الذي اشتعلت فيه النار المقدسة
-        المكان الذي وضعت فيه أم المسيح ابنها المسيح عيسى بن مريم فيه
وعلى مقربة من هذه الأماكن جميعا يقع المسجد الأقصى الذي دارت حوله تلك الأحداث جميعها. فبالقرب منه تقع تلك الجنة التي تواجدت فيها تلك الشجرة التي أكل منها آدم وزوجه، فأخرجه الله بسبب ذلك من تلك الجنة بأكملها. وكان هناك جبال أربعة محيطة بالمكان وضع إبراهيم جزءا من الطير على كل واحدة منها ودعاها فأتته سعيا. وفي الواد القريب من المسجد الأقصى يقع الواد المقدس طوى الذي نادى الله فيه نبيه موسى، واشتعلت النار المقدسة فيه. وبالمقابل من الواد تجلى الله لواحدة من تلك الجبال فدكها دكا بعد أن طلب موسى الرؤية المباشرة للذات الإلهية. فلم يتبقى إلا ثلاثة منها. وبالقرب من المكان وعلى ربوة ذات قرار ومعين وضعت مريم طفلها المسيح عيسى بن مريم. وإلى هناك أسرى بمحمد من المسجد الحرام ليريه الله من آياته:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
ثالثا، الإسراء بالنبي إلى المسجد الأقصى
ولو تدبرنا آية الإسراء هذه مع الآية التي تتحدث عن قصة أهل الكهف لربما استطعنا أن نجلب انتباه القارئ الكريم إلى ملحوظة نظن أنها غاية في الدقة، فلنقرأ الآيتين التاليتين معا:
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ (1)
          أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (9)
ولندقق في الذي وضعنا تحته خط في هاتين الآيتين الكريمتين وهي عبارة (مِنْ آيَاتِنَا)، لنقدم من خلال ذلك الافتراء الخطير التالي:
لقد كان السبب في رحلة الإسراء هو أن يري الله نبيه (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)، فكان في ظننا أهل الكهف الذين تعجب النبي من أمرهم عندما أنبأه القوم بخبرهم هي واحدة من تلك الآيات التي أراها الله لنبيه في تلك الرحلة العظيمة.
 فنحن نفتري الظن أن العجب كان هو ردة فعل النبي عندما سمع بنبأ الفتية من الذين اختلفوا في نبأهم عنده، فجاء القص الحق من الله لنبيه لنبأهم بالحق عن أمر أولئك الفتية، ولم يتوقف الأمر عند هذا، فقد أسرى الله بنبيه في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ليريه من آياته، ولا شك أن أهل الكهف والرقيم كانوا واحدة من تلك الآيات التي أراها الله لنبيه في تلك الرحلة (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا).
رابعا، الحفريات اليهودية تحت المسجد الأقصى
لعلنا بحاجة أن نجلب انتباه الناس جميعا إلى التساؤل التالي: ما الذي يبحث عنه اليهود تحت المسجد الأقصى مباشرة؟ هل فعلا يبحثون عن هيكل سليمان؟ ألا يعلم هؤلاء اليهود أن سليمان أصلا لم يكن يسكن تلك الأرض ولكن الريح كانت كان تأتي به إليها في زيارات متكررة:
          وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)
(للتفصيل انظر مقالاتنا تحت عنوان مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته)
ثم ألا يعترف اليهود أنفسهم بأن سليمان (ووالده داوود من قبله) ليسوا أكثر من ملوك من ملوك الأرض؟ ثم ألا يقرون بأنفسهم بأن داوود وولده سليمان ليسوا أصلا من آل يعقوب؟ فما هو الهيكل الذي يبحثون عنه؟
نحن نقول لهؤلاء اليهود بأن ما تسمونه الهيكل (وما نؤمن نحن بأنه الصرح الذي كان من أدوات حكم سليمان) موجود في البحار (انظر سلسلة المقالات تحت عنوان مادلّهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته)، فاذهبوا للبحث عنه هناك.
ليكون السؤال الذي نثيره الآن هو: ما الذي يبحث عنه اليهود في حفرياتهم الجارية الآن تحت المسجد الأقصى؟
رأينا: بغض النظر عن الهدف والدوافع، لكننا نقول لهؤلاء اليهود (وللناس أجمعين) أن المفاجأة ستكون صاعقة عليكم جميعا حينما تكتشفون (إن لم تكونوا قد اكتشفتم أصلا) أن ما هو موجود مباشرة تحت المسجد الأقصى هو ذلك الكهف الذي أووا إليه الفتية، فإن أنتم هدمتم المسجد الأقصى فستقدمون الدليل للعالم أجمع أن هؤلاء الفتية كانوا مسلمين، وأن الدين عند الله الإسلام، عندها ستخدمون دين الإسلام الذي هو دين الله الحق من حيث لا تحتسبون:
          وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50)  
ولا شك أن الصاعقة ستنزل قوية على رؤوس أصحاب الكنائس عندما سيجدون ليس فقط الكهف الذي أوى الفتية إليه، ولكن سيجدون أيضا الرقيم (ما رقمه الفتية بأمر مباشر من معلمهم المسيح عيسى بن مريم) وفيه الدليل الصارخ بأن المسيح لم يكن إلها من دون الله، وأن المسيح لم يكن ولد الله، وأن المسيح لم يكن إلا رسول الله وكلمته وروح منه ألقاها إلى مريم، وسيعلم حينها الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
وستكون الكارثة ربما أكبر على رؤوس أصحاب اللحى والعمائم البيضاء والسوداء ممن يظنون أنهم من أهل الإسلام الذين أنفقوا قرونا من الزمن وهم يتناحرون في أمر علي معاوية، وقسموا العباد والبلاد إلى طوائف وأحزاب كل حزب بما لديهم فرحون، فتركوا الاسم الذين اختاره الله لهم وهو "الإسلام" ورضوا أن يسموا أنفسهم بأهل سنة وجماعة مقابل أهل تشيع وآل بيت. فاشتعلت المخاصمات بينهم وسالت دماء الناس في الشوارع تجري كالأنهار على أتفه الأسباب لا لشيء وإنما بغيا بينهم، وهم الذين تركوا كنوز هذا الكتاب العظيم تفلت من بين أيديهم وتقع في أيدي غيرهم، ليستجدونها بعد ذلك استجداء بعد أن كانوا أحق بها.
أما نحن فإننا نقول للجميع بأنه لا تهمنا تسميات سميتموها أنتم وآبائكم ما أنزل الله بها من سلطان ولكن الذي يهمنا هو شيء واحد فقط: الحقيقة.
ونحن على استعداد أن نذهب مع الحقيقة حيثما كانت، فـ والله الذي لا إله سواه لو علمت أن دين الله الحق في أقصى أرجاء المعمورة لما ترددت بالهرولة إليه، ولو علمت أن الحق في قول من يظن الناس أنه أقل خلق الله شأنا لما ترددت أن أتبعه، فنبينا موسى قد اتبع من لم يذكر القرآن اسمه ومكانته ليتعلم منه.
فالله وحده أسأل أن يدلنا على الحق حيثما وجد وأن يهدينا إلى أهل الحق حيثما كانوا، ونسأله تعالى أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لنا أن نرى رأي العين أعيننا كيف يتم الله نوره ولو كره الكافرون.
يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32)
وأن نكون من الذين يرون آيات الله بأم أعينهم فيعرفونها:
          وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93)

الحمد لله

وللحديث بقية
المدّكرون:        رشيد سليم الجراح
                   علي محمود سالم الشرمان
                   28 تموز 2013

بقلم: د. رشيد الجراح