تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ (7): باب العرش


الافتراءات السابقة
-        سليمان يوجه الدعوة (بالإرسال والبعث) أن يحشر له جنوده من الجن والإنس والطير
-        يلبي الجميع الدعوة باستثناء النمل
-        يظن سليمان أن النمل لم ينظم إلى جنود سليمان خروجاً عليه
-        يتوجه سليمان بجنوده آتياً (الذهاب قاصداً) واد النمل ليضمهم إلى ملكة كرها بعد أن رفضوا (حسب ظنه) الانضمام طواعية
-        ما أن تحس نملة ببأس سليمان قادم إليهم حتى تطلق نداء إلى رفيقاتها بالدخول في مساكنهم استسلاماً لسليمان وجنوده
-        يفهم سليمان منطق تلك النملة، فينفجر بالضحك من قولها (منطقها) لكنه لا يخاطبها لأنه يعلم أن ليس لتلك النملة لسان (لغة). فهي ليست أمم أمثالنا كالطير الذي يطير بجناحيه
-        النمل (كالكتاب وكالجلود وكالأيدي وكالأرجل) يمكن أن ينطق ولكنه لا يفهم منطق الآخرين
-        يعلم سليمان أن النمل لم يفهم دعوته بالحشر إليه
-        يعلم سليمان أن ذلك النمل لا يمكن أن يكون جزءاً من جنوده لأنه ليس أمة مثلنا
-        يقضي سليمان ليلته قريباً من واد النمل (فهو لم يدخله أصلاً)، فيحتفل بالنصر بأن تعرض عليه الصافنات الجياد
-        تشغله مداعبة النساء في تلك الليلة عن ذكر ربه (التسبيح) وقت العشاء
-        تقع الفتنة لسليمان بأن يتم إلقاء جسد على كرسيه
-        يحاول سليمان أن يفهم ما حصل من تلقاء نفسه، فيظن أن ذلك كان بسبب الهدهد
-        يخرج باحثاً عن الهدهد متوعداً إياه بالذبح أو بالعذاب الشديد
-        يقدم الهدهد لسليمان الحجة الدامغة أنه لم يكن متواجداً في المنطقة لحظة أن ألقي الجسد على كرسيه
-        يفحم الهدهد سليمان بالحجة، فيسكت غضبه بعض الشيء، ولكنه يرسله بكتاب منه إلى تلك المرأة في سبأ يدعوهم فيه أن يأتوه مسلمين قبل أن يأتيهم بجنود لا قبل لهم بها
-        يذهب الهدهد فيلقي الرسالة إليهم، وهناك تبدأ قصة سليمان مع تلك المرأة التي كانت تملكهم (بالمناسبة، هي لم تكن ملكة ولكنها كانت تملكهم)
(للتفصيل أنظر الأجزاء السابق مع الرجاء بعدم الاقتباس، فالنص يؤخذ كتلة واحدة أو أن لا يؤخذ أبداً، والله أسأل أن لا يعفو عن من يجتزئ شيء منه دون إذن مسبق مني).
وكنا قد وعدنا القارئ الكريم أن نتابع النقاش حول قصة سليمان مبرزين التساؤلات التالية:
-        ما هو الهدهد؟ وكيف أوصل الهدهد الرسالة لتلك المرأة وقومها؟ كيف عاد بالرد؟ الخ؟
-        من هي تلك المرأة؟ وأين هي ديارها (سبأ)؟ ولماذا كانت امرأة هي التي تملكهم؟ لم لم يكن الذي يملكهم رجل منهم؟ ولم استجابت لطلب سليمان؟ وما هي الهدية التي أرسلتها لسليمان؟ لماذا ردّ سليمان هديتها إليها؟
-        كيف تم إحضار عرشها إلى سليمان؟ ولماذا العرش؟ وما هو العرش الذي أحضر؟ ومن الذي أحضره؟ وما هو عفريت الجن الذي تبرع بإحضار العرش لسليمان قبل أن يقوم من مقامه؟ ومن هو "الذي عنده "علم من الكتاب" الذي كان حاضراً في ملأ سليمان؟ وكيف استطاع أن يحضر العرش قبل أن يرتد لسليمان طرفه؟
-        كيف تعرفت المرأة على عرشها؟
-        لماذا أُمرت أن تدخل الصرح؟ وما هو ذلك الصرح؟
-        لماذا كشفت عن ساقيها عندما رأت الصرح؟
-        الخ.
دعاء: اللهم رب أنفذ قولك بمشيئتك وإرادتك لي الإحاطة بشيء من علمك لا ينبغي لأحد غيري إنك أنت العلي العظيم، وأسألك ربي أن تؤتيني كفلين من رحمتك وأن تجعل لي نورا أمشي به وأن تغفر لي إنك أنت الغفور الرحيم
أما بعد،
الهدهد
تعرضنا تحت عنوان استراحة قصيرة في الجزء الرابع من هذه المقالة إلى تعريف الهدهد، وافترينا الظن أن وظيفة الهدهد الرئيسة كانت تكمن في نقل الرسائل من سليمان إلى الآخرين (الإرسال والبعث)، فلقد وجه سليمان دعوته بالحشر:
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ               النمل
ونحن نفهم أنه عندما يقوم إنسان بتوجيه دعوة بالحشر فإن ذلك يكون باستخدام آلية معينة، فموسى يطلب من فرعون أن يكون حشر الناس ضحى:
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى                                     طه
فهذا فرعون يحشر الناس أولاً ثم يقوم خطيباً بهم منادياً:
فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (23)
فلا شك أن هناك من قام بنقل تلك الدعوة (دعوة فرعون) إلى الآخرين. فالحشر يتم بـ الإرسال:
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ            الأعراف (111)
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ                      الشعراء (53)
أو بـ الابتعاث:
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ                      الشعراء (36)
فافترينا القول أن الهدهد هو من أوكلت له تلك المهمة، زاعمين الظن أن مفردة الهدهد نفسها تعني الذاهب العائد، وكان زعمنا ذاك مبنيا على ملاحظة أن مفردة الهدهد تتألف من مقطعين هما (هد—هد)، فـ "هد" الأولى تعني الذي يذهب في طريق ما و"هد" الثانية تعني الذي يعود بنفس الطريق التي سلكها في ذهابه، وقد حاولنا تسويق زعمنا ذاك بالمنطق المفترى التالي:
إنّ الجذر الثنائي "هد" الذي تتألف منه مفردة الهدهد له علاقة بأفعال الهداية (هدى، يهتدي، اهدي، اهدن، ونحوها)، واشتقت منه مفردات عديدة ذات صلة بالموضوع نذكر منها على سبيل المثال مفردة "اليهود"، ولكن كيف؟
جواب: ها هم نفر من بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة بعد أن خالفوا أمر نبيهم موسى وأخيه هارون، فرفضوا دخول الأرض المقدسة التي كتب الله لهم:
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ                                                                                       المائدة 24
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ             المائدة 25
فما تكون النتيجة غير أن يُحرِّم الله عليهم تلك الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أربعين سنة فيتيهون في الأرض:
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ                                                                                                المائدة 26
ولكنهم يعودون إلى ربهم بعد أن كانوا قد انحرفوا عن الطريق، فيقولون بألسنتهم أنهم قد "هادوا"، ومنذ تلك اللحظة أصبح ذلك النفر "التائب العائد" من بني إسرائيل يعرفون باسم "اليهود":
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
فلو استثنينا الضمير المتصل "نا" من مفردة " هُدْنَا"، لوجدنا أنها تعود إلى الجذر "هد"، فمفردة يهود تعني (في ظننا) العائدون أو التائبون ( أي الراجعون إلى الطريق نفسها بعد أن تاهوها)، فهم قد تاهوا في الأرض أربعين سنة، ولكنهم تنبهوا بعد حين (أربعين سنة) إلى سوء ما فعلوا، فاتخذوا قرارهم بالعودة إلى الله، فسلكوا طريق العودة، فكانوا يهودا.
وربما يؤكد ظننا هذا ما قاله موسى نفسه عندما توجه تلقاء مدين، فحتى لا يخطئ طريقه إن هو اعتمد على ظن من عند نفسه طلب موسى من ربه أن يهديه سواء السبيل:
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ                       القصص 22
وها هم القوم يطلبون من داوود أن يهديهم إلى سواء الصراط:
إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ                                            ص 22
ونحن جميعاً نطلب من ربنا أن يدلنا على الطريق الصحيح حتى لا نضل طريقنا إليه:
اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ                                                               الفاتحة 6
(دعاء: اللهم رب إني شئت أن اتخذ إليك سبيلاً فاهدني إلى صراطك المستقيم لأقول عليك الحق، وأعوذ بك ربي أن يقعد لي إبليس صراطك المستقيم فأكون ممن يفترون عليك الكذب)
نتيجة مفتراة: لقد بعث موسى بالهدهد لينقل دعوته إلى واد النمل وإلى غيرهم بأن يأتوه مسلمين، فتأخر الهدهد في العودة إلى سليمان. وما أن دخل سليمان إلى المكان الذي كان يتواجد فيه كرسيه خلال فترة غياب الهدهد حتى وجد جسداً ملقىً عليه، فتثور ثائرته، ظاناً (بعد تمحيص الأمر باعتماده على قدرته في الفهم) أن الهدهد كان طرفاً في المؤامرة التي ربما ظن أنها كانت تحاك ضده، فخرج باحثاً عن الهدهد، متوعداً إياه بالذبح أو بالعذاب الشديد. ولكنّ فطنة الهدهد تبقيه بعيداً عن متناول يد سليمان في ساعة غضبه، فيحط بعيداً عنه بعض الشيء:
          فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22)
ويوجه إليه الخطاب التالي على الفور:
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26) قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)
ونستطيع من خلال هذا السياق القرآني العظيم أن نخرج بالاستنباط البسيط التالي:  لم يمكث الهدهد عن سليمان مسافة بعيدة، ويكأنها مسافة يمكن أن يرى المتخاطبون بعضهم البعض، بدليل مفردة "غَيْرَ بَعِيدٍ"، فعندما تزلف الجنة غير بعيد، فإن الناظر إليها يمكن أن يراها، حتى وإن لم تكن في متناول يده بعد:
          وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31)
ولم يستمر "بقاء الهدهد غير بعيد عن سليمان" فترة طويلة من الزمن بدليل مفردة " فَمَكَثَ"، فمن يمكث في مكان ما لا يمكن أن يكون ذلك طويلاً، فهذا موسى يطلب من أهله أن يمكثوا حتى يعود إليهم بعد أن يستطلع الخبر عند النار التي آنسها من جانب الطور:
إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى                                                                                                 طه (10)
فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ                                   القصص (29)[1]
فلا أتخيل أن موسى قد ترك أهله ومكث في ذلك المكان (عند النار) فترة طويلة من الزمن. والله قد فَرَقَ القرآن ليقرأه رسوله على الناس على مُكْثٍ:
وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلًا           الإسراء (106)
وما هي إلا لحظات حتى يستطيع الهدهد أن يثير حفيظة سليمان بحب المعرفة (أو ما يحب أن يسميه بعض علماء التربية بالقلق المعرفي)، ويكون ذلك بتحدي العلم الذي عند سليمان قائلاً:
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ
ويزيده رغبة في حب المعرفة عندما يحدد له أن ما جاء به هو نبأ وأنه من سبأ:
وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ
سؤال: فما هو النبأ؟
رأينا: نحن نزعم الظن أن النبأ هو الخبر غير المحسوب مسبقاً (أي غير متوقع) والذي لا يخلو من عنصر المفاجأة، لا يستطيع الإنسان الوصول إليه من تلقاء نفسه، ولابد أن ينقل إليه من طرف آخر.
الدليل
عادة ما يكون النبأ غير معلوم لدى مجموع القوم كأنباء الغيب مثلاً:
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ ۖ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَٰذَا ۖ فَاصْبِرْ ۖ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
ولمّا كان الملائكة لا علم لهم بعلم الأسماء، عجزوا أن ينبئوا الله بها:
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
نتيجة: أنا لا أستطيع أن أنبئك بشيء ما لم يكن عندي علمه.
وكان أول ما فعل آدم بعد أن علّمه الله الأسماء كلها أنه أنبأ الملائكة بما ليس لهم به علم من ذي قبل:
قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ                               البقرة (33)
نتيجة: استطاع آدم أن ينبئ الملائكة بأسمائهم لأن علم الأسماء قد تحصل له من الله مباشرة من ذي قبل.
نتيجة مفتراة: النبأ لا يكون معلوم ولابد من طرف آخر ليخبر به الآخرين عندما يتحصل للمنبئ العلم بالنبأ، فما كان محمد ولا قومه على علم بأنباء القرى (الرسل والأقوام) التي قصهم الله عليه، ولكن الله هو من قص على نبيه أنبائها:
تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا ۚ وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِن قَبْلُ ۚ كَذَٰلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْكَافِرِينَ
ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْقُرَىٰ نَقُصُّهُ عَلَيْكَ ۖ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ                      هود 100
وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ ۚ وَجَاءَكَ فِي هَٰذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ                                                                            هود 120
والله نفسه هو من أنبأ نبيه بالأخبار الصحيحة:
يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
وقد كان يوسف ينبئ صاحبي سجنه ما سيأتيهما من طعام قبل أن يأتيهما:
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ              يوسف
ومما لاشك فيه أن من عميت عليه الأنباء لا يسأل عنها:
فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ
ولكن من أراد الأنباء، فلا شك سيبحث عنها:
يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا ۖ وَإِن يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُم بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنبَائِكُمْ ۖ وَلَوْ كَانُوا فِيكُم مَّا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا                        الأحزاب 20
وقد طلب الله منا أن ندقق بصحة النبأ إن جاء به أحد إلينا:
          يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ[2]
ولا يصبح الخبر الذي لازال طي الكتمان نبأ إلا لحظة أن يتم البوح به:
وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَىٰ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ ۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَٰذَا ۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ
فالإنسان تبقى أخباره مجتمعة طي الكتمان حتى ينبأ بها كلها دفعة واحدة:
يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ
نتيجة مفتراة: النبأ لا يكون معلوم عند الآخرين، ولكن لابد للنبأ من أن يبين في نهاية المطاف، وذلك لأن له مستقر:
          لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ ۚ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ                                 الأنعام (67)
وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ
وأكاد أزعم أن مفردة "النبات" تحوي في ثناياها "النبا". فالنبات يبقى متخفيا تحت التراب، "فذاك حديث قد أُسِر به إلى الأرض"، وما أن تخرج الأرض ما أسر فيها حتى تبدأ تنبئ بما كان مختبئا في باطنها:
وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا ۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ
وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا
لِّنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا
فتكون الصورة على نحو أن ما هو موجود في باطن الأرض (لا يعلمه الآخرون) خبر غير موجود في حسبان الآخرين، وما أن تبدأ الأرض بإخراج "نباتها" حتى تبدأ تحدث أخبارها، فهي إذاً تنبئ عما فيها. فتكون عمليه خروج تلك الأخبار هي بمثابة أنباء للآخرين عما كان مختبئا في باطن الأرض، وكذلك هي عملية خروج البشر من باطن الأرض يوم يبدءون بالخروج من التراب، وربما يكون ذلك هو النبأ العظيم الذي كانون عنه يتساءلون:
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6)

نبأ الهدهد إلى سليمان
يقدّم الهدهد نبأ يقيناً إلى سليمان:
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ               (22)
فاليقين هو عكس الظن:
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا
فالهدهد يؤكد لسليمان بأن ما جاءه به من نبأ هو نبأ يقين وليس إتباعا للظن. فيكون ذلك النبأ الدليل المادي الملموس على براءته من حادثة الجسد، فسليمان لم يكن عنده خبر ملكة سبأ وقومها أصلاً (وربما لم يرسل إليها من قبل بدليل أنه ما أن علم بها حتى بعث الهدهد نفسه برسالة إليهم)، ولم يكن ذلك النبأ يشكل أصلاً واحدة من الخيارات التي ربما دارت في ذهنه في ذلك الوقت كسبب لتأخر الهدهد، فيصبح ذلك بالنسبة له نبأ، أي خبراً تكشف له عندما لم يكن ذلك "الخبر الجديد" أصلاً في حسبانه.
وحتى لا يظن سليمان أن تأخره كان مقصوداً، يسوق الهدهد له سبب تأخره بأنه لم يأته فقط بالنبأ ولكنه قام بمراقبة تلك المرأة وقومها فترة من الزمن حتى علم أنهم قوم قد ابتعدوا عن جادة الصواب عندما سجدوا للشمس من دون الله:
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26)
ويثير الهدهد حفيظة سليمان عندما يذكر له أن تلك المرأة قد (1) أوتيت من كل شيء و (2) لها عرش عظيم:
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ                     النمل 23
فها هو الهدهد يتحدى سليمان بما وجده من أمر تلك المرأة في جانبين وهما: (1) أنها قد أوتيت من كل شيء و (2) أن لها عرشاً عظيما، فما هي الرسالة التي يود الهدهد أن يوصلها إلى سليمان من خلال ذلك؟
رأينا: نحن نفتري الظن أن الهدهد يريد أن يقول لسليمان أن تلك المرأة عندها من أسباب القوة ما ينقصك أنت يا سليمان، ولكن كيف؟
دعنا لا ننسى أولاً أن سليمان قد أكد أنه قد أوتي من كل شيء عندما ورث والده داوود:
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
ويكأن الهدهد إذن يقول لسليمان: صحيح أنك قد أوتيت من كل شي (وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ) ولكن هذه المرأة قد أوتيت من كل شي أيضاً (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ)، فأنت وهي متساوون في ذلك، ولكنها تزيد عليك بأن لها عرش عظيم (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ). وسنرى لاحقاً أن مثل هذا الظن ربما يقدم لنا إجابة عن السؤال التالي: لم طلب سليمان من الملأ أن يحضروا له عرشها على وجه التحديد؟ لم لم يطلب منهم أن يحضروا له شيئاً آخر غير العرش؟
 رأينا: سليمان كان له كرسي ولكن لا يذكر القرآن الكريم أن لسليمان عرش. لذا سنرى لاحقاً أن سليمان قد طلب إحضار شيء لم يكن عنده أصلاً.
ولكن لمّا كان سليمان يعلم أن للهدهد لسان (لغة) لم يستبعد احتمالية الكذب، فما كان منه إلا أن حمّله رسالة منه إلى تلك الملكة، متوعداً إياه بالعذاب الشديد إن لم يكن نبأه الذي جاء به صحيحاً:
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27) اذْهَبْ بِكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28)
ولكننا نظن أن سليمان قد كان أكثر اهتماماً بأمر المرأة الآن من انشغاله بالهدهد نفسه وبحادثة الجسد الذي ألقي على كرسيه، فهو يريد أن يعرف سر تلك المرأة، وكيف أوتيت من كل شيء. والأهم من ذلك هو أن يتحصل على عرشها.
ولو تدبرنا النص القرآني حول من أوتي من كل شي فلا نجد أن ذلك قد تحصل إلا لثلاثة نفر وهم:
1.     ذو القرنين:
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا
2.     سليمان (ووالده داوود)
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ ۖ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ
3.     وهذه المرأة
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ
فما معنى أن تكون تلك المرأة قد أوتيت من كل شيء؟
رأينا: لما كانت تلك المرأة قد أوتيت من كل شيء، فهذا ينقلنا على الفور للإجابة على التساؤل التالي: لم كانت تلك المرأة هي من تحكم تلك المملكة؟
جواب: لو تدبرنا ردة فعل الملأ من قومها لوجدنا أن إطاعتهم لها كانت غير مشروطة لأنهم ببساطة لا يستطيعون الخروج عن أمرها:
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
فبالرغم أن القوم – كما يقولون- هم أولو قوة وأولو بأس شديد إلا أنهم يأتمرون بأمر تلك المرأة دون أدنى تردد، فيكون السؤال الآن على النحو التالي: لم يأتمر رجال أولو قوة وأولو بأس شديد بأمر امرأة طاعة تكاد تكون عمياء؟
رأينا: لسببين
1.     تلك المرأة كانت صاحبة علم وبالتالي هي صاحبة رأي سديد (وهو ما سنركز عليه بعد قليل بحول الله وتوفيقه، لنرى كيف تحصلت تلك المرأة على ذلك العلم)
2.     أن تلك المرأة كان لديها من أسباب القوة ما يفوق ما عند الرجال أولي القوة وأولي البأس من قومها:
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
فبالرغم من أنهم أولو قوة وأولو باس شديد إلا أنهم يرجعون الأمر برمته إليها لتقرر هي ما ترى (فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ)، فيطلبوا منها أن تنظر ما تأمر، لينفذوا أمرها دون تردد. ولا يذكر القرآن الكريم أن أولئك الملأ على قوتهم وبأسهم الشديد قد عارضوها في شيء، حتى بعد أن أسلمت مع سليمان لله رب العالمين.
البأس
سؤال: فما هو البأس؟ لم نعت القوم أنفسهم بأنهم أولوا بأس شديد بعد أن وصفوا أنفسهم بأنهم أولوا قوة (قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ)؟ فما الفرق بين القوة والبأس؟
افتراء من عند أنفسنا: القوة لا علاقة لها بالأشياء المادية كالجسد والأسلحة، قال تعالى:
وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ                                                                                                        الأنفال (60)
فالقوة المادية مفهومة من عبارة "رِبَاطِ الْخَيْلِ"، ولكن ما هي القوة أصلاً التي جاءت منفصلة عن رباط الخيل، فالله يطلب منا أن نعد لأعدائنا شيئين اثنين مما نستطيع وهما:
1.     القوة (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ)
2.     رباط الخيل (وَمِنْ رِبَاطِ)
فما هي القوة التي أمرنا الله أن نعدها؟
رأينا: القوة هي الثبات على المبدأ:
          يَا يَحْيَىٰ خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ۖ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا ۚ سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)
فإذا كانت القوة تعني القوة المادية فقط (الجسمية والسلاح)، فكيف سيستطيع يحيى أن يوفر ذلك وهو لا زال صبياً؟ وكيف سيأخذ موسى الألواح بقوة؟ من يدري!!![3]
سؤال: فما هو البأس إذاً؟
رأينا: نحن نظن أن البأس هو في الأساس صفة لله، فجاء بصيغة المفرد:
يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ۚ قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29)
وقد وصف الله به نفسه ومن يقوم بتنفيذ أمره،  فجاء بصيغة الجمع:
فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ         الأنعام 43
سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ                                                                الأنعام 148
وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ                     الأعراف 4
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا إِلَّا أَن قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ               الأعراف 5
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ                          الأعراف 97
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ                       الأعراف 98
حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ                                                          يوسف 110
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ                                     الأنبياء 12
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ              غافر 84
فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ ۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ                                                                                         غافر - الآية 85
ولكن القرآن الكريم يثبت أن البأس الشديد قد يتحصل للناس أيضاً:
فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ۚ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولًا
قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَىٰ قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ ۖ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا ۖ وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
ونحن نفتري الظن أن البأس الشديد مصدره الحديد:
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ
افتراء من عند أنفسنا: نحن نزعم الظن أن القوم كانوا أولو بأس شديد لما كان يملكوه من الحديد (الأسلحة)، ولكن بالرغم من ذلك إلا أن تلك الملكة كانت تملك ما يجعل أولئك الرجال لا يخرجون عن سيطرتها قيد أنملة، لا بل ويرجعون الأمر برمته إليها لتنظر فيه. فما هو الذي كانت تملكه تلك المرأة حتى قدّمت لها الطاعة غير المشروطة ممن يملك البأس الشديد من الرجال؟
رأينا: إنه العلم، لقد تحصّل لتلك المرأة من العلم ما تخضع به رقاب الرجال أولي القوة وأولي البأس الشديد. فما هو مصدر علمها؟ وهل كانت تلك المرأة تملك أصلاً علماً كما نزعم؟ وما هو الدليل على ذلك؟
جواب: نعم، كان لتلك المرأة علم بدليل أن سليمان قد أكد لها ذلك:
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ
فهذه الآية الكريمة تشير بما لا يدع مجالاً للشك أن لتلك المرأة علم وإن كان سليمان (ووالده داوود بالتأكيد) قد سبقها إلى ذلك.
السؤال: من أين جاء مصدر علمها؟
رأينا: نحن نفتري الظن أن مصدر علم تلك المرأة قد جاء في مفردة واحدة وهي "نظر" ومشتقاتها مثل "فَانظُرِي" و "فَنَاظِرَةٌ":
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ      النمل 33
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ                         النمل 35
السؤال: ما معنى ذلك؟ أي كيف كانت تلك المرأة تنظر؟ وأين كانت تنظر؟ ولم كانت تنظر؟
غالباً ما خلط أهل العلم بين فعلين مشتقان من هذا الجذر (ن ظ ر)، ونحن ندعو إلى ضرورة التفريق بين مفردتين مشتقتان من هذا الجذر وهما:
1.     انظِر (بكسر الظاء): وتحمل معنى التأخير إلى أجل:
قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ                                                     ص 79
2.     انظُر (بضم الظاء) وهي التي تعني المراقبة بالعين:
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ      آل عمران 137
أما اسم الفاعل (كما يحب أهل اللغة أن يصفوه) منهما فهو ناظر في الحالتين:
قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ                                                                                       البقرة 69
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ                                          الأعراف 108
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ                              الحجر 16
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ                                          الشعراء 33
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ                         النمل 35
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَٰكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنكُمْ ۖ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ ۚ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ۚ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ ۚ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا ۚ إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا                                                               الأحزاب 53
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)                    القيامة
واسم المفعول هو "منظر" (منظرين)"
قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ                                                      الأعراف 15
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُّنظَرِينَ                          الحجر 8
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ                                                     الحجر 37
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ                                                     ص 80
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ                         الدخان 29
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن أن القوم طلبوا من تلك المرأة أن تقوم بفعل النظر:
وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ
الذي نزعم أنه الرؤية بالعين، فلقد كانت تلك المرأة تقوم بذلك الفعل لترى بأم عينها ما لا يستطيع الرجال من قومها الذين هم أصلاً أولوا قوة وأولوا باس شديد أن يروه هم بأم أعينهم، ولندقق بالسياقات القرآنية التي جاء فيها فعل النظر "انظر" أولاً:
انظر (بضم الظاء) تعنى الرؤيا والمراقبة بالعين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ    البقرة 104
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ          البقرة 259
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ      آل عمران 137
مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا                                          النساء 46
انظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا                            النساء 50
مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ ۖ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ                                       المائدة 75
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ                          الأنعام 11
انظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ ۚ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ                       الأنعام 24
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِهِ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ                                                 الأنعام 46
قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ ۗ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ                       الأنعام 65
وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۗ انظُرُوا إِلَىٰ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمْ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ                          الأنعام 99
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ                           الأعراف 84
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ ۖ وَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ                               الأعراف 86
ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ                                                                                          الأعراف 103
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ                                                       الأعراف 143
بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ                                                                         يونس 39
فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ                                                                          يونس 73
قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ                                                                                                        يونس 101
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ                    النحل 36
انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا                 الإسراء 21
انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا                                    الإسراء 48
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا                                             طه 97
انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا                                    الفرقان 9
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ۚ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ               النمل 14
اذْهَب بِّكِتَابِي هَٰذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ                               النمل 28
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ                         النمل 33
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ                                   النمل 51
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ                                     النمل 69
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ               القصص 40
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                                                                 العنكبوت 20
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ ۚ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ        الروم 42
فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                                                            الروم 50
فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ                                                     الصافات 73
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ                                   الصافات 102
فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ                                    الزخرف 25
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ                   الحديد 13
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن فعل النظر يتطلب استخدام العين (الرؤية)، فهذا موسى يطلب من السامري أن يرى بأم عينه ما سيحل بإلهه (العجل):
قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ ۖ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا                         طه 97
كما يتطلب فعل "انظر" أيضاً القيام بالتدبر والتفكر، فهذا إبراهيم يطلب من ابنه أن يتدبر الأمر الذي يعرضه عليه (الذبح) ليحسم أمره فيه:
فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ                                   الصافات 102
نتيجة: نحن نفتري الظن أن تلك المرأة كانت تستخدم النظر (الرؤية) والتدبر في فعل النظر، فهي تنظر فترى شيئاً بأم عينها، ولكنها لا تتوقف عند ذلك بل تقوم بتدبره بفطنتها وحكمتها، ومن هنا جاء قول قومها لها على النحو التالي:
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)
ولكن عندما تحدثت عن النظر من تلقاء نفسها جاء قولها على صيغة "ناظرة" (ما يحب أهل اللغة أن يسموه بصيغة اسم الفاعل):
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
ونحن نفتري الظن أن المرأة ستقوم بثلاث أشياء متتابعة وهي:
1.     النظر لترى بأم عينها
2.     تدبر الأمر بعد أن تراه (رؤية عينية مباشرة أو رؤية عينية تصورية، وهذا ما سنتحدث عنه لاحقاً)
3.     الانتظار لترى ما ستؤول إليه الأمور
الدليل
لو تدبرنا القص القرآني في سياقه الأوسع لربما استطعنا أن نجلب الدليل على زعمنا هذا:
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32) قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33) قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
إن المتدبر لهذا السياق القرآني يجد شيئاً ربما يكون غاية في الغرابة وهو رد المرأة على اقتراح الملأ من قومها:
          قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34)[4]
الأمر الذي يثير التساؤلات التالية:
-        كيف عرفت المرأة بما يفعله الملوك؟ وما هو مصدر المعلومات لديها؟
-        لم لم يكن الملأ من قومها على علم بذلك؟
-        كيف تدبرت المرأة الأمر فاتخذت القرار بإرسال الهدية؟ ألا يدل ذلك على الحكمة ورجاحة العقل عندها؟
-        والأهم من ذلك كله هو: ألم يكن أمر المرأة أصلاً غير معلوم عند سليمان نفسه حتى جاءه الهدهد بنبإها؟ فكيف إذاً وصل خبر سليمان إليها؟ ففي حين أن سليمان لم يكن على علم بها، كانت هي على علم به، لا بل وبخبر ما يفعل الملوك عندما يدخلوا كل قرية؟
افتراء خطير جداً جداً جداً: لقد كانت المرأة على علم بكل ما كان الملوك يفعلوه، لأنها – نحن نزعم القول- كانت مراقبة لهم في كل تحركاتهم؟ فكيف كانت تفعل ذلك؟
رأينا: لأنها كانت تنظر، فترى. فتتدبر، وذلك هو مصدر علمها ورمز قوتها وسلطتها على قومها. ولكن كيف؟
جواب: للإجابة على هذا السؤال نحن نرى لزوم النبش في سؤال آخر ربما توصلنا الإجابة عليه إلى مبتغانا هنا، والسؤال الجديد هو: أين كانت تلك المرأة تنظر؟
جواب مفترى: في العرش
افتراء من عند أنفسنا: إن العرش الذي كانت تملكه هو – في رأينا- ما كان يمكّنها من أن تنظر فيه لترى ما يدور من حولها، وهو ما لم يكن عند سليمان نفسه. وربما يفسر لنا هذا الزعم لاحقاً لم طلب سليمان أن يحضر عرش تلك المرأة إليه على وجه التحديد.

الدليل
يثبت القرآن الكريم أن العرش هو كينونة متصلة بالذات الإلهية، فالله هو رب العرش العظيم:
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ                                                                                                            التوبة 129
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ۚ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87)                                                                                                   المؤمنون
ولكن المتدبر للنص القرآني الذي وردت فيه قصة تلك المرأة على لسان الهدهد يجد في السياق نفسه أن العرش العظيم هو أصلاً لله (اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ)، ولكن الملفت للانتباه أيضاً أن السياق القرآني نفسه يثبت أن لتلك المرأة عرش عظيم (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ):
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24) أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩ (26)
رأينا: في حين أن الله هو رب الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (بصيغة المعرفة الذي لا يساويه عرش آخر) كان لتلك المرأة عَرْشٌ عَظِيمٌ (بصيغة التنكير الذي من الممكن أن يكون هناك عرش غيره مواز له).
فما هو العرش؟ ولم كان لتلك المرأة عرش عظيم؟
رأينا: غالباً ما ظن الناس أن لكل ملك عرش، فنقول كلا، فليس لكل ملك عرش. فسليمان نفسه لم يكن له عرش، ولا يذكر القرآن الكريم أن ملك مصر زمن نبي الله يوسف قد كان له عرش، ويثبت القرآن الكريم أن يوسف نفسه كان له عرش[5]:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
وهذه الملاحظة تقودنا إلى طرح الافتراءات التالية التي هي بلا شك من عند أنفسنا:
افتراء (1): نحن نفتري الظن أن سليمان (وجنوده من الجن والإنس) لم يكونوا على علم بخبر تلك المرأة وقومها لأن سليمان لم يكن له عرش، وقد علمت هي بخبر سليمان (لا بل وكل الملوك) بسبب ذلك العرش الذي كان لها، فكانت تتابع أخبارهم مباشرة (دون أن يعلموا هم بخبرها):
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ[6]
فلم يكن سليمان يعلم خبرها حتى جاءه الهدهد بنبإها.
افتراء (2): نحن نفتري الظن أيضاً أن الهدهد قد وصل إلى خبر تلك الملكة وقومها بطريق الصدفة، فهو يقول لسليمان أنه قد وجد تلك المرأة وقومها:
إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23) وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)
فمفردة "وجدت" التي استخدمها الهدهد ليصور لسليمان كيفية عثوره على تلك الملكة تدل على أن الأمر لم يكن بتخطيط منه، فمن وجد شيئاً لا يكون هو من خطط له ليكون على تلك الشاكلة التي يجدها عليه، فهذا موسى مثلاً يجد امرأتين عند ماء مدين، ولكنّ ذلك الحدث لم يكن بأي شكل من الأشكال بتدبير من موسى:
وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ[7]
ولا أظن أن موسى كان يعلم ما سيحصل له عندما دخل المدينة على حين غفلة من أهلها لأنه بكل بساطة لم يكن هو من خطط له:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ
وها هم إخوة يوسف يجدون بضاعتهم في متاعهم ولم يكونوا على علم بذلك من قبل:
وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ ۖ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي ۖ هَٰذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا ۖ وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ۖ ذَٰلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ
لذا نحن نتجرأ أن نزعم أن موسى وفتاه قد عثرا على الرجل الذي كانا يبحثان عنه مصادفة بعد أن كانوا قد أضاعوه عند الصخرة:
فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
(وسنتحدث بحول الله وتوفيقه عن هذه القصة بتفصيل في مقالة منفصلة بحول الله وتوفيقه، فنسأل الله أن يأذن لنا بشيء من علمه إنه هو السميع العليم)
وها هو موسى يصاحب الرجل ويجدا معاً الجدار دون تخطيط مسبق منهما:
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
وها هو ذو القرنين لم يكن على علم بما سيلاقي في كل محطة ينزل بها، لذا فهو يجد:
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًا ۗ قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا                       
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا      الكهف 93
وهكذا هي الحال بالنسبة لكل من يجد شيئاً:
وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا
وَنَادَىٰ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ
إن عثور الهدهد على تلك المرأة وقومها بطريق المصادفة "وجد" يثير عندنا تساؤلات عديدة منها:
- كيف استطاعت تلك المرأة أن تبقى بعيدة عن علم سليمان نفسه؟
- كيف استطاعت أن تبقى بعيدة عن متناول جن سليمان؟
- لم استطاع الهدهد على وجه التحديد أن يصل إليها؟
ولنبدأ بالتساول الأول: كيف استطاعت تلك الملكة أن تبقى بمنأى عن علم سليمان فلا يحيط بها خبرا إلا بعد أن ينبئه الهدهد الذي وجدهم بطريقة عرضية؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نرى أن سر ذلك كان يكمن في أن لها عرش عظيم، وهذا يدفعنا إلى تقديم الافتراء الثالث الخطير جداً وهو:
افتراء (3) لم يكن قوم تلك المرأة (وهم أولو قوة وألو بأس شديد) يستطيعون الوصول إلى عرشها، فعرشها كان في مكان لا يصله غيرها، فذاك ببساطة علم خاص بها (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ). فالعرش لها ولا دخل لقومها (ولا لغيرهم) به شيئا.
الدليل
لو تدبرنا النص القرآني الذي جاء على لسان الهدهد لوجدنا أن فعل "وجد" الذي ذكره الهدهد قد جاء مرتين، مرة يتحدث عن تلك المرأة وعرشها في الآية 23 من السياق القرآني:
          إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
ومرة أخرى يتحدث عنها بصحبة قومها وهم يسجدون للشمس من دون الله في الآية التي تليها مباشرة (24) من السياق نفسه:
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24)
افتراء من عند أنفسنا: لما كان الهدهد قد وجدها مرتين، فنحن نتخيل ما راءه الهدهد على النحو التالي: يجد الهدهد المرأة في مكان ما وقد أوتيت من كل شيء ولها وعرش عظيم (إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ)، فلا ينفك عن مراقبتها شيئاً من الوقت حتى يجدها مرة أخرى مع قومها في مكان آخر تقوم بصحبتهم بفعل السجود للشمس من دون الله (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ). لذا نحن نفتري الظن أن ذلك العرش كان من أسرار قوة وسلطة وعلم تلك المرأة حيث يشهد لها سليمان نفسه بالعلم عندما جاءت إليه:
          فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ
كما يعلم سليمان أن من له عرش عظيم كهذا لابد أن يكون صاحب علم، ولابد أن يكون ممن يقوم بفعل السجود:
قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا ۚ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
ولكن المفارقة العجيبة تكمن في أن سليمان يؤكد لنفسه ولوالده (وربما لطالوت من قبلها: أي للملوك) أنهما كان أصحاب علم من قبلها وكانوا يقومون بفعل السجود مثلها، ولكن الفرق بينهما أن سليمان والملوك من قبله كانوا مسلمين (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ)، ولكنها هي وقومها لم يكونوا مسلمين، لذا ما أن أسلمت مع سليمان لله رب العالمين حتى اعترفت بظلمها لنفسها:
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ ۖ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ ۗ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
(وسنرى لاحقاً بحول الله وتوفيقه تبعات هذا الفهم على قضية كشف المرأة عن ساقها لاحقاً عندما رأت الصرح)
أما دليلنا الثاني على أن عرش تلك المرأة كان منفصلاً عن قومها، فيأتي من طريقة نقل الهدهد رسالة سليمان إليها، ولكن كيف؟
السؤال: كيف قام الهدهد بنقل الرسالة؟
جواب: بطريقة الإلقاء (فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ)
سؤال: وكيف وصلت الرسالة إلى الملكة؟
جواب: بطريقة الإلقاء (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ)
مفارقة عجيبة: سليمان يطلب من الهدهد أن يلقي الرسالة إليهم (أي إلى القوم: فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ)، فما يكون من الهدهد إلا أن يقوم بإلقاء الرسالة فتقع في يد الملكة نفسها بدليل أن الملكة قد خاطبت قومها بأن الرسالة قد وقعت فعلاً في يدها، فجاء الخطاب بصيغة (أُلْقِيَ إِلَيَّ):
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29)
وهي من ستقوم بقراءة الرسالة بنفسها على الملأ من قومها:
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31)
السؤال: كيف استطاع الهدهد أن يفعل ذلك؟
الجواب: إنه الإلقاء، ولكن كيف؟
الإلقاء
إن أشهر حادثة تصور لنا عملية الإلقاء هو ما حصل مع موسى منذ أن ألقته أمه في التابوت وفي اليم إلى أن ألقي السحرة ساجدين مروراً بإلقاء السحرة حبالهم وعصيهم وإلقاء موسى عصاه لتلقف ما كانوا يأفكون وأخيراً إلقاء موسى الألواح يوم أن عاد من لقاء ربه:
أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ ۚ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي (39)
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّ مُوسَىٰ أَنْ أَرْضِعِيهِ ۖ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي ۖ إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)

فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32)
فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)
قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَٰلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)
قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) ۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ ۖ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)
قَالَ لَهُمْ مُوسَىٰ أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46)
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا ۖ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) ۞ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ ۖ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117)
قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَىٰ (65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا ۖ فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَىٰ (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَىٰ (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا ۖ إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ ۖ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ (70)
ولا شك عندنا أن فعل الإلقاء لا تنقصه الدقة (لا بل المهارة) في التنفيذ، فهذا موسى يلقي الألواح فلا تتكسر:
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي ۖ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ ۖ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ ۚ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)
والدليل على أن الألواح لم تتكسر بسبب الإلقاء يأتي من أن موسى يأخذ تلك الألواح نفسها بعد أن سكت عنه الغضب:
وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ ۖ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ                                                                                            الأعراف 154
ولا شك أن عملية إلقاء الكافرين في جهنم تكون عملية محسوبة النتائج:
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا ۗ أَفَمَنْ يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ۖ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40)
أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24)
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26)
تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8)
إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7)
ذَٰلِكَ مِمَّا أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ۗ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39)
قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (97)
وها هو الله نفسه من يلقي الرعب في قلوب الذين كفروا:
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)
وها هم القوم يشيدوا البنيان الذي سيتم من فوقه إبراهيم ليستقر في سواء الجحيم الذي أعدوه له:
          قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ                                        الصافات (97)
(للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: لماذا قدّم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه؟)
والله قد ألقى وأمر ملائكة أن تلقي في الأرض رواسي، فجاء الخطاب أحيانا بصيغة المفرد:
وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ ۚ
وجاء أحياناً أخرى بصيغة الجمع:
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10)
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19)
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7)
وقد حصل فعل الإلقاء على كرسي سليمان، فلا شك أن من قام بفعل الإلقاء كان من المهارة لدرجة أن يسقط الجسد على الكرسي نفسه.
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
وها هو فرعون يطلب أن يلقى على من يتحدى ملكه أسورة من ذهب:
فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53)
وها هو الشيطان يلقي في أمنية كل رسول ونبي قبل محمد:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52)[8]
وأخيراً يثبت الله أن السمع يمكن أن يتم إلقاءه، فكيف يكون ذلك؟
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)
كما أن الفن في الإلقاء لن ينقص من سيلقي أعذاره يوم القيامة لكن ذلك لن يشفع له:
وَلَوْ أَلْقَىٰ مَعَاذِيرَهُ (15)
رأينا: لا شك أن المهارة في التقاط آيات الكتاب الحكيم تتطلب من الشخص أن يلقي السمع إليها، ولا شك أن تقديم الأعذار تتطلب مهارة لا ينقصها الإتقان منقطع النظير لتكون مقنعة (وسنتحدث بحول الله وتوفيقه عن هذه القضية إن أذن الله لنا بشيء من علمه في مقلات لاحقة)
وكما أن هناك من "ألقى"، هناك من "أُلقى إليه":[9]
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ
فالمرأة تقول بملء فيها أن الكتاب قد ألقي إليها، وتخرج إلى قومها لتحدثهم بمضمون ذلك الكتاب، فالسؤال الذي نطرحه هو كيف استطاع الهدهد أن يلقي كتاب سليمان إليها من دون قومها؟
رأينا: نحن نظن أن الهدهد قد ذهب بكتاب سليمان مباشرة إلى المكان الذي وجد فيه المرأة لها عرش عظيم فألقى إليها الكتاب هناك، ولم يذهب إلى المكان الذي كانت تسجد وقومها فيه للشمس من دون الله. لذا نحن نقدم الافتراء التالي:
كان لتلك المرأة مكان خاص لا يستطيع الآخرون التواجد فيه حيث كان هناك عرشها العظيم الذي راءه الهدهد بأم عينه فحدّث سليمان به، وكان ذلك العرش هو الوسيلة التي تمكن المرأة من أن تملك الرجال أولي القوة وأولي البأس الشديد فتدبر أمرهم تدبيراً رشيداً، فلا يستطيع أحد منهم أن يخرج عن أمرها. وهنا يجب التوقف عند جزئية غاية في الدقة في السياق القرآني نفسه يخص مفردة "تَمْلِكُهُمْ"
          إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)
فغالباً ما ظن أهل العم والدراية (كما تظهر في مؤلفاتهم) أن تلك المرأة كانت ملكة، فينعتوها بتلك الصفة، فنرد بالقول أن القرآن الكريم لم يثبت لها هذه الصفة (أي أنها ملكة) ولكنه أثبت أن تلك المرأة كانت تملكهم، فما الفرق؟
رأينا: إنّ هناك فرق بين الملك والمالك. فالمرأة كانت مالكة لهم ولكنها لم تكن ملكة عليهم، وشتان بين هذا وذاك، فها هم الملأ من بني إسرائيل يطلبون ملكاً ليكون عليهم ولكنهم لا يطلبون شخصاً ليملكهم:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ                                    البقرة 247
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ              البقرة 248
وكان زمن يوسف ملك على مصر ولكنه لم يكن يملك مصر:
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ                                                     يوسف 50
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ                                                                                                                   يوسف 54
قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ                         يوسف 72
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ   يوسف 76
وقد أوتي يوسف نفسه الملك، فكان ملكاً (وسنرى لاحقاً أن هذا كان سبباً في عرشه):
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ                                               يوسف 101
وتحصل الملك أيضاً لسليمان ولوالده داوود من قبله:
وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ       ص 35

ولا ننسى قصة الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا:
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا
الملك: هو صاحب القرار لكنه لا يملك ملكية خاصة، فملكيته عامة لا تخوّله الوصول إلى الخصوصيات، أما المالك بالمقابل فهو صاحب الملكية الخاصة الذي تمكنه من الوصول إلى الخصوصيات، وليس أدل على ذلك من ملك اليمين:
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا
وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۖ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ۚ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا                          النساء 24
وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ۚ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۚ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ۚ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ                                                                                            النساء 25
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا                                                                    النساء 36
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ                                                                         النور 33
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ۚ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ                                                                  النور 33
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفُسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ              النور 33
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا          الأحزاب 50
لَّا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا                                                          الأحزاب 52
لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ۗ وَاتَّقِينَ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا                   الأحزاب 55
إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ                           المعارج 30

وهذا موسى يؤكد أنه يملك نفسه وأخاه هارون فقط:
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

والخصوصية في الملكية واضحة في قصة المفاتيح:
لَّيْسَ عَلَى الْأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
وحتى تملك الشيء لابد أن يذلّل لك كالأنعام مثلاً:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ            يس (71)
لذا نحن نظن أنه بالإضافة إلى أن الله هو ملك يوم الدين، لكنه أيضاً هو مالك يوم الدين:
          مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ                                                             الفاتحة (4)
وربما بهذا يمكننا أن نفهم كيف أن الله هو مالك الملك:
قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                 آل عمران (26)
ويصدق ظننا هذا ما جاء في قوله تعالى يصف ذلك اليوم:
          يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ ۖ لَا يَخْفَىٰ عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ ۚ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ                                                                                                     غافر (16)
عودة على بدء: لقد كانت تلك المرأة تملك قومها لأنها كانت تستطيع الوصول إلى خصوصياتهم، ولكن كيف كانت تستطيع ذلك؟
إن هذا الزعم يعيدنا على الفور للحديث عن ماهية ذلك العرش، لنطرح السؤال التالي: ما هو العرش؟

أما بعد:
تعرضنا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان "معنى حرف الجر على في العربية" إلى هذه الجزئية، وسنحاول في هذا الجزء من هذه المقالة مراجعة ما افتريناه هناك لنبني عليه ما تحصل لنا من علم جديد (وإن كان هو أيضاً مفترى)، إلا أننا لا نعدم الرجاء من الله وحده أن يؤتينا من لدنه علماً فتنبع فيه الحق ولا نفتري عليه الكذب إنه هو السميع المجيب.
أما بعد:
العرش
قدمنا الزعم في تلك المقالة أن ورود عبارة تتحدث عن استوى الرحمن على العرش سبع مرات في كتابه الكريم لها دلالاتها التي يجب أن لا تخفى على أحد. فلقد جاءت تلك العبارة في ست مواضع من كتاب الله متلازمة مع حرف الانتقال "ثم":
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ                                                                               الأعراف  (54)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ                    يونس (3)

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ      الرعد (2)

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا                                                                                     الفرقان (59)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ                                                           السجدة (4)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ                                                                                      الحديد (4)
وجاءت في الموطن السابع خالية من حرف الجر "ثم" كما في الآية الكريمة التالية:
الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ                                                          طه (5)
وكان الزعم الذي قدمناه آنذاك هو: أن انتقال العرش حصل من سماء إلى سماء حتى انتهى عند السماء السابعة، فكان ظننا هو أنه عندما اكتمل استواء الرحمن على العرش في السماء السابعة (أي في آخر مرحلة من مراحل الاستواء) جاء قوله على هذا النحو:
الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ                                                          طه (5)
بينما كان الاستواء قبل ذلك يكون على نحو:
          ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ
وحاولنا النبش في مفردات الآية الكريمة التالية التي تشير إلى أن العرش قبل ذلك كان متواجداً على الماء:
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۗ وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ        هود (7)
فالعرش كان – نحن نفتري القول- على الماء لحظة أن خلق الله السموات والأرض، وتشير الآية الكريمة أن الرحمن لم يكن مستوياً عليه، وما حصل الاستواء إلا بعد أن خلق الله السموات السبع ومن الأرض مثلهن بدلالة ورود كلمة "ثم" التي تفيد الانتقال، ونعيد الآيات الكريمة هنا مرة أخرى لتأكيد الفكرة نفسها:
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ                                                                               الأعراف  (54)
إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ                    يونس (3)

اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ۖ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ۚ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ      الرعد (2)

الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا                                                                                     الفرقان (59)
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۖ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ ۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ                                                           السجدة (4)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ                                                                                      الحديد (4)
وحاولنا حينئذ التفريق بين استواء الرحمن على العرش واستواء الرحمن إلى السماء كما في الآيات الكريمة التالية:
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ                                                                      البقرة (29)
          ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)                                                    فصلت
فيرد الاستواء إلى السماء في الكتاب العزيز مرتين فقط (بينما ورد الاستواء على العرش بالمقابل سبع مرات)، ونحن نفهم من هذه السياقات القرآنية أن الاستواء إلى السماء حصل مرتين، وهنا يجب التمييز بين الاستواء إلى السماء يوم أن كانت كتلة واحدة:
ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ،
والاستواء إلى السماء لحظة أن قضاهن الله سبع سموات:
 ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ
فحصل ذلك في يومين (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ)، ونحن نستطيع تصور المشهد على النحو التالي:
كان العرش بداية على الماء ولكن لما استوى الله إلى السماء وقضاهن سبع سموات كان لزاماً انتقال العرش انتقالاً تدريجيا، فانتقل أولاً إلى السماء الأولى واستوى الرحمن عليه " ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، ثم إلى الثانية "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فالثالثة "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فالرابعة "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فالخامسة "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، فالسادسة "ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ"، إلى أن وصل إلى السماء السابعة فكانت الصورة على نحو "الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ".
لقد كان استواء الرحمن على العرش يحدث في كل مرة ينتقل العرش من سماء إلى السماء التالية وذلك لضرورة تثبيت العرش (للتفصيل انظر سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: معنى حرف الجر على في العربية).
افتراء من عند أنفسنا: كان العرش على الماء ولم يكن مستوياً (مستقراً) وذلك لأن الرحمن لم يكن قد استواء عليه بعد، ولما انتقل العرش إلى السماء الأولى كان استواء الرحمن عليه ضرورة لتثبيته (أي في حالة الاستقرار والثبات في تلك اللحظة)، وحصل ذلك في السماء الثانية والثالثة حتى السماء السابعة، وقد يرد البعض بالقول: لم لم يحصل كل ذلك دفعة واحدة؟ لم جاء تدريجياً على هذا النحو؟ فنرد عليه بالقول أن الإجابة على مثل هذا التساؤل موجودة في الآية التي تليها مباشرة، وكل ما هو مطلوب هو إمعان التفكير بمفردات الآية جيداً، وربط الآيات مع بعضها البعض:، فلنقدم الآيتين معاً مرة أخرى ونتأملهما جيداً:
ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)                                                     فصلت
لقد كان انتقال العرش انتقالاً تدريجياً من سماء إلى سماء ليتم وحي الله في كل سماء أمرها. فما فائدة العرش إن لم يكن لتلك الغاية؟
وعند التدقيق في السياقات القرآنية المرتبطة بهذا الموضوع نجد لزاماً التعرض للآية الكريمة التالية، ومن ثم ربطها بقضية استواء الرحمن على العرش، قال تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا                                     الطلاق (12)
فالآية الكريمة تشير إلى أن الله قد خلق سبع سموات (ومن الأرض مثلهن) وكان هناك عرش واحد فقط، وقد حاولنا أن نبين أن العرش قد انتقل انتقالاً تدريجياً من سماء إلى أخرى حتى بلغ السماء السابعة، ولكن الآية السابقة تثير تساؤلاً جديداً وهو أن الله (كما خلق سبع سموات) خلق من الأرض مثلهن، فأين إذا تلك "الأراضين" (إن صح القول وإن كنت على يقين أنه لا يصح) السبعة؟[10]
إن المتتبع لقصة انتقال العرش من سماء إلى سماء واستواء الرحمن على العرش في كل سماء لكي يوحي في كل سماء أمرها (وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا) يبين لنا أن كل سماء كان لها أرضها الخاصة بها، فالسماء الدنيا لها أرضها، والسماء الثانية لها أرضها، وهكذا. وهذا الكلام يمكن فهمه من قوله تعالى:
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12)                                                    فصلت
وربط ما تتضمنه هذه الآية الكريمة مع ما صرحت به الآية السابقة في قوله تعالى:
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
فالسماء الدنيا قد زينت بمصابيح وحفظا، لذا فقد أوحى الله في كل سماء أمرها، وهذا ربما يجيب على احتمالية وجود كائنات غيرنا في هذا الكون، ولكننا نزعم أنه إن صح هذا الاعتقاد فسيكون ذلك ليس ضمن نطاق سمائنا الدنيا (لأن السماء الدنيا لها أرض واحدة، والقارئ مدعو لمراجعة جميع الآيات التي تتحدث عن الحياة الدنيا)، ولكن قد يكون ضمن نطاق السماء الثانية والثالثة وهكذا (للتفصيل حول هذا الموضوع انظر فهمنا لقصة يأجوج ومأجوج الذي قدمناه ضمن مقالة لنا تحت عنوان "مصادر التشريع في الإسلام").
إن هذا الفهم المفترى من عند أنفسنا يدعونا إلى إعادة النظر بما في أذهاننا من تصور لماهية تلك السموات السبع، فغالباً ما ظن الناس أن تلك السموات السبع متواجدة فوق بعضها البعض مستندين في ذلك على أفهامهم للآيات الكريمة التالية:
الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ                                                                                   الملك 3
أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا                                          نوح 15
ونحن نستميح أهل العلم والدراية العذر أن نخالفهم الرأي بأن مفردة "طباقاً" ربما لا تعني الفوقية (أي واحدة فوق الأخرى)، ونفتري الظن أن المفردة تدل على التطابق (أي identical باللسان الأعجمي)، فالسموات في مخيلتنا هي عبارة عن سبع سموات متجاورة متطابقة، وهذا سيفسر لنا بحول الله وتوفيقه سبب أن يكون حملة العرش ثمانية على وجه التحديد (وليس سبعة أو تسعة مثلاً):
          وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ
كما سنتحدث عن كيفية تصورنا لذاك العرش في ضوء الآيات الكريمة التالية:
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ    غافر 7
وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ                                                                         الزمر (75)
ولكن حتى نفهم ذلك ونستطيع تصور المشهد لابد لنا أن نغوص بمفردة العرش نفسها لنطرح التساؤلين التالين:
1.     ما هو العرش؟
2.     لم العرش؟       
افتراء من عند أنفسنا: العرش هو "مكان الحكم"، وربما يفسر هذا الظن حتمية نزوله في يوم الحساب الأكبر:
          وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ                                                                         الزمر (75)
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19)                                                                     الحاقة 16-19
تساعدنا السياقات القرآنية المتنوعة في تجلية مشهد استواء الرحمن على العرش كما تصورها آيات الكتاب الكريم. فلقد وردت هذه المفردة ومشتقاتها في أكثر من موطن من كتاب الله، فوردت عند الحديث عن بلقيس (كما يحب أن يسميها أهل الرواية وأهل الدراية ومن جمع بينهما، ونزار قباني):
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ               النمل (38)
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ          النمل (41)
          فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ                                                                                                       النمل(42)
ووردت كذلك عند الحديث عن يوسف:
          وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي
حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ
إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
وهنا نجد لزاماً إثارة التساؤل التالي: لم ورد ذكر العرش عند الحديث عن يوسف وتلك المرأة (وإن على وجه التحديد)؟ ولم لم يرد ذكر العرش عند الحديث عن فرعون مثلاً؟ ألم يكن فرعون ملك مصر؟ ألم تتكرر قصة فرعون عشرات المرات في القرآن؟ لِم َلَمْ يتحدث الله عن "عرش فرعون" مثلاً؟!
الجواب: لأننا نزعم أن فرعون لم يكن له عرش
- ولكن كيف ذلك؟ ألم يكن هو حاكم مصر وسيدها والرب المطاع فيها؟ فلم لا يكون له عرش؟
جواب: ذلك يتطلب منا فهم معنى مفردة العرش كما تجليها السياقات القرآنية.

سمات العرش
أولاً، غاباً ما وقع في قلب العامة (مدفوعين بآراء أهل العلم) أن العرش هو صفة ملازمة للملوك، فمن كان ملكاً (هم يظنون) يكون له عرش بينما من لم يكن ملكاً فليس له عرش، لذا فإن الله قد ذكر في كتابه الكريم أنه هو رب العرش:
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ       التوبة (129)
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ                الأنبياء (22)
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ                                         المؤمنون (86)
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ                     المؤمنون (116)
اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ۩                                                   النمل (26)
سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ                                  الزخرف (82)
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ                                                                                                                   غافر 15
ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ                                                                         البروج 15
فالله هو ذو العرش لأنه - ببساطة- هو الملك:
          أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ                                                                                                                 البقرة (107)
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                            آل عمران (189)
فبالرغم أنها سبع سموات إلا أن لله عرش واحد:
     قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ[11]                                  المؤمنون (86)
فلله عرش واحد (الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) وذلك بسبب عدم وجود الشريك له في الملك:
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا
                                                                                      الفرقان (2)
فمتى أصبح هناك شريك في الملك، لن يكون هناك عرش:
          لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ الأنبياء (22)
والسبب كما تصوره الآية الكريمة نفسها هو الفساد، فمتى أصبح هناك أكثر من عرش، ظهر الفساد:
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)
وهذا يعيدنا بالضبط إلى النقطة التي انطلقنا منها وهي سبب ورود العرش عند الحديث عن قصة يوسف عندما رفع أبويه على العرش، وكذلك عند الحديث عن ملكة سبأ على وجه التحديد، فنحن نظن أن واحد من الأسباب ربما يعود إلى عدم وجود الفساد في حالة يوسف وفي حالة ملكة سبأ، لأن من أساسيات وجود العرش هو العدل، فمتى عمّ العدل أصبح هناك حاكم واحد وانتفت الدعوة إلى الانقسام.
فلو تدبّرنا قصة ملكة سبأ لوجدنا أنها كانت تملكهم وما خرج أحد منهم عن أمرها، فكان شعبها شعباً موحداً، فشاورتهم بالأمر:
          قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ (32)
فردوا عليها بالمشورة والنصح، ولكنهم لم يعدموا في الوقت ذاته القول أن الأمر منوط بها كصاحبة للعرش، فأمرها مطاع:
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)
فاتخذت هي القرار الذي ظنته مناسباً، فما ثاروا ولا انتفضوا ضد قرارها:
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ
إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35)
والمتتبع لأمر مصر في زمن يوسف النبي يجد أن العدل كان يعمّ الأرض، فقد بدأ العدل في تلك البلاد ينتشر منذ أيام حكم الملك الذي سبق يوسف، وليس أدل على عدل ذلك الملك مما فعل يوم انتهى إليه خبر ما فعلت النسوة بيوسف، وكيف عامل يوسف بعد ذلك بكل ما يتطلبه العدل الحقيقي بالرغم أن يوسف كان غريبا عن أرض مصر، والأهم من ذلك فإن سيرة الرجل تبين أن مملكته كانت موحدة غير منقسمة، فهو الحاكم المطاع، وقد كان ذلك بسبب عدل الرجل، فمشورته للملأ كانت جلية حتى في أقل الأمور أهمية، فها هو يشاركهم حتى أحلامه:
وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ ۖ
يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)
ولكن بالرغم من كل ذلك لا يذكر القرآن الكريم أن لذلك الملك عرش وهو الذي ما أنفك يطلب النصح والمشورة من ملأه. فطلب الفتوى من الملأ (وهم حاشية) كان من أهم ميزات ملك مصر (وإن لم يكن صاحب عرش) (كما كان سمة بارزة في حكم تلك المرأة من سبأ وهي صاحبة عرش عظيم)، لذا لا نستغرب كثيراً عندما نجد أن الله نفسه يتحدث عن ملائه:
          وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (8)   الصافات
          مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ                                     ص (69)
ولكن يجب التنبيه إلى أن من ميزات العرش كذلك أن يكون الملأ (حاشية السلطان) ممن يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فصحيح أن فرعون كان له ملأ، إلا أنهم كانوا سبباً رئيسياً في هلاكه، فبدل أن ينصحوه، كانوا يؤولون له الأمور على غير حقيقتها حتى أهلكوه وهلكوا معه، فهم من حث فرعون على التصدي لموسى:
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ
أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ                               الأعراف (127)
وهم أصلاً من تآمروا على موسى حتى دون علم فرعون نفسه:
          وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ
النَّاصِحِينَ                                                                  القصص (20)
فالمدقق في هذه الآية الكريمة يجد أن الملأ هم من كانوا يأتمرون بموسى ليتخلصوا منه، فحتى لو كان فرعون على استعداد لقبول موسى (ودعوته)، ما كان ملأ فرعون سيتركونه وشأنه، فالرجل الذي جاء محذراً موسى بيّن له أن كل ذلك يحصل بسبب الملأ (وليس بسبب فرعون نفسه):
وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ
النَّاصِحِينَ                                                                  القصص (20)
وهذا يدلّنا على أن فرعون لم يكن بدراية بكل ما كان يحصل في قصره، فكيف به سيكون صاحب عرش ما دام أنه على غير دراية كافية بكل ما يحصل في بلاطه؟ فالملك صاحب العرش لا بد أن يكون مسيطراً تماماً على عرشه، وإلاّ لأصبح العرش في مهب الريح، يتلاعب به الملأ حتى يكونوا سبباً رئيسياً في زواله (وهذه لا شك دعوة لكل ملوك الأرض ليفهموا أن عرشهم لن يدوم إلا أن يكونوا هم من يملكوه وأن لا تكون حاشيتهم من أمثال ملأ فرعون).
وربما لهذا السبب – نحن نزعم الظن- لا نجد أن ملك مصر زمن يوسف (بالرغم من عدله) لم يكن صاحب عرش، وذلك لأن كثير من الأمور – في رأينا- كانت تحدث في مملكته على غير علم منه، وليس أدل على ذلك مما فعلت النسوة بيوسف، وبالمؤامرة التي سجن يوسف بسببها ظلماً وعدوانا.
نتيجة مفتراة: لكي يكون هناك عرش لابد من توافر السيطرة المطلقة لصاحب العرش على ملكه فلا يجري فيه شيء دون علم منه بكل ما يحصل.
وهذه النقطة غاية في الأهمية لنفهم ماهية العرش، وسمات حكم من كان له عرش كملكة سبأ هذه التي نتحدث عنها هنا وكحالة يوسف يوم أن أصبح عزيز مصر ورفع أبويه على العرش، والأهم من ذلك كله كيفية تحكم (مراقبة) الإله الواحد الأحد، رب العرش العظيم، بالكون كله.
ولكن يبقى السؤال قائماً، ما هو العرش؟
تسلّط الآية الكريمة التالية الضوء على ما يمكن أن نتخيله فيما يخص كينونة العرش:
          وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ                                                                                                                          النحل (68)
فالعرش هو بناء لا يكون جزءاً من الطبيعة، وإنما بناء مستحدث يمكن أن يتغير ويتشكل بطرق مختلفة، فيمكن للناس أن يعرشوا أبنيتهم بالطريقة التي يريدونها، ويمكن كذلك أن يبلى وينتهي كما تصوره الآيات الكريمة التالية: 
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ
مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ
إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ ۖ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ
نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ       البقرة (259)
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ                                                                                                               الحج (45)
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۖ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ
الْحُسْنَىٰ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا ۖ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ                                                                                                       الأعراف (137)
افتراء من عند أنفسنا: العرش بناء مرتفع، يمكن أن يرفع من مواد مختلفة في الأساس، فليس بالضرورة أن تكون العروش مصنوعة من نفس المادة الخام التي يمكن أن تبنى منها البيوت، فالجنات (المزارع) يمكن أن تكون معروشة وغير معروشة كما تصورها الآيات الكريمة التالية:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ                                                                             الأنعام (141)
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ
أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا                                                                    الكهف (42)
وليس أدل على زعمنا بأن العرش عبارة عن شيء مرتفع من أن يوسف نفسه قام برفع أبويه على العرش:      وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا        ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ                يوسف (100)
ولو دققنا النظر في الآيات الكريمة التي تتحدث عن الجنات لوجدنا أن تلك الجنات المعروشات وغير المعروشات هي جنات من أعناب على وجه الخصوص، ولنعيد الآية مرة أخرى ونتأملها من هذا الجانب:
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ
فالآية تبين أن هناك جنات معروشات وغير معروشات من جهة وهناك النخل والزرع والزيتون والرمان، فالله لم يقل انه أنشأ لنا جنات معروشات وغير معروشات من النخل والزرع والزيتون والرمان، ولكنه فصل بين الجنات المعروشات وغير المعروشات (من جهة) والنخل والزرع بشتى أنواعه (مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ) والزيتون والرمان (من جهة أخرى)، فتلك لا تعرش (أي لا ترفع على قواعد كما ترفع الأبنية)، ولو تدبرنا قصة الرجلين اللذين جعل الله لأحدهما جنتين لوجدنا أن الحديث عن الأعناب جاء منفصلاً عن الحديث عن النخل مثلاً:
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا
                                                                                      الكهف (32)
ولكن ما الذي حصل عندما أعرض ذلك الرجل ولم ينسب ذلك الفضل إلى الله، جاء العقاب الرباني على الجنتين على النحو التالي:
وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ
أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)
ولو تدبرنا معظم السياقات القرآنية لوجدنا الحديث عن الجنات تخص شجر الأعناب والنخيل، ولكن عندما نتحدث عن المعروش منها نجد الحديث قد انحصر على الأعناب فقط، وهنا نطلب من القارئ تخيل كيف يمكن أن يكون شجر الأعناب معروشاً.
إن الجواب بسيط جداً يتمثل في تخيّل شجرة العنب محمولة على قواعد ثابتة بالأرض ليتدلى الثمر، فتكون قطوفها دانية:
          فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)
وربما يفسر مثل هذا الفهم كيفية نزول العرش يوم الحساب، والملائكة تحمله:
           وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ
ثَمَانِيَةٌ (17)                                                      
فعرش الرحمن هو بناء رباني مرفوع على ثمانية قواعد تشبه صورته صورة جنات الأعناب المعروشة (أي المرفوعة على القواعد)، وهنا يتبادر للذهن سؤال مفاده: لم ثمانية؟
رأينا: لأن هناك سبع سموات، ولكن كيف؟
افتراء من عند أنفسنا: لو كان هناك سماء واحدة وعرش واحد لكان العرش يحمله اثنان (ولله المثل الأعلى لنتخيل العرش على شكل الطاولة المحمولة على رجلين اثنتين)، ولو كان هناك سماء أخرى متواجدة إلى جانب السماء الأولى لأصبح من يحمل العرش ثلاثة (فلا ننسى أنه عرش واحد، لذا لا نتحدث عن عرش لكل سماء)، ولو زدنا سماء ثالثة لاحتجنا لرابع ليحمل الرجل الجديدة للعرش، فكلما زادت سماء جديدة زادت رجل جديدة للعرش حتى يبقى عرش واحد وإن تعددت السموات، وهكذا حتى نصل السماء السابعة عندها يكون عدد من يحمل العرش 8 (أي عدد السموات+1، وذلك لأننا احتجنا إلى رجلين ليحمل العرش عليهما في السماء الأولى واحتجنا بعد ذلك إلى رجل واحدة مع كل سماء جديدة ليبقى العرش واحدا)، فهي في نهاية المطاف سبع سموات بعرش واحد (وهو بلا شك العرش العظيم). لكن كيف يمكن لنا أن نتصوره؟
جواب: تتكرر صورة الملائكة وهم يحملون شيئاً ما في واحدة من قصص بني إسرائيل، ولنتفقد القصة من الجوانب التي ذكرناها سابقاً جميعاً:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ
أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
(246)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا ۚ قَالُوا أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ
بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ ۚ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ ۖ
وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ وَآلُ
هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
          فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ
مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا
لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
(250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ۗ وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)
ولو تفقدنا القصة جيداً، لوجدنا أن القوم يطلبون ملكاً، فيبعث الله لهم طالوت ملكا، ويكون هناك دليل (آية) على ملكه، وكان ذلك الدليل عبارة عن التابوت الذي تحمله الملائكة، فكيف يمكن أن نتصور ذلك التابوت الذي تحمله الملائكة؟
إن صورة حمل الملائكة شيئا ما قد وردت في هاتين الحالتين في كتاب الله:
1. صورة الملائكة تحمل عرش الملك يوم القيامة ليتم الفصل والقضاء بين الناس بالعدل
2. صورة الملائكة تحمل التابوت لطالوت ملكاً ليقيم العدل بعد ما أصاب القوم من ظلم
ربما تبين لنا هذه الصور كيفية حمل الملائكة لعرش ربنا يوم الحساب، فلو دققنا في مجمل الآيات لوجدنا أن رب العرش الكريم سيكون خارج نطاق العرش:
وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ
ثَمَانِيَةٌ                                                                                 الحاقة (17)
فالملك إذن قائم على أرجائها، وهو غير محمول على العرش، لأنه سيأتي بنفسه تصحبه الملائكة، ومن غير المتصور أن يأتي رب العرش العظيم محمولاً:
          هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ ۚ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ
الْأُمُورُ                                                                                البقرة (210)
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ
رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا
مُنْتَظِرُونَ                                                                   الأنعام (158)
          كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)             الفجر
إذن، لنتصور المشهد على النحو التالي:
ينفخ في الصور النفخة الأولى فيصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله:
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۖ
ينفخ فيه أخرى فيقوم الجميع إلى ربهم:
ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (68)                                        الزمر
تنشق السماء، فإذا بالملك على أرجائها، ويحمل ثمانية من الملائكة عرش الرحمن ليقضى بين الناس بالحق
          وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا ۚ وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)
فيأتي ربك والملائكة تكون حاضرة صفاً صفاً[12]
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22)
تشرق الأرض بنور ربها، فيوضع الكتاب ويتم حضور النبيين والشهداء:
          وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ (69)
فتكون الأرض قبضته والسموات مطويات بيمينه:
وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ (67)
لتبين حقيقة الفصل بين الذات الإلهية من جهة والسموات والأرض من جهة أخرى والعرش من جهة ثالثة، وهو ما يدعم موقفنا الذي ذكرناه سابقاً وهو الفصل بين الوجود الفيزيائي للذات الإلهية من جهة وجميع خلقه من جهة أخرى.
ولو أمعنا التفكر في مفردات الآية الكريمة جيداً لوجدنا أن الله سبحانه في تلك اللحظة سيطوي السموات بيمينه (وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) وتكون عملية طي السموات مشابهة لطي السجل للكتب:
          يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ
وربما يؤكد ظننا هذا ما ذهبنا إليه سابقاً أن السموات قطع متطابقة متجاورة سيتم طيّها كما يتم طي السجل للكتب.
ولكن قبل أن ننفلت من عقال التفكير المحكوم بالنص لابد لنا أن نعاود الحديث عن كيفية الاستواء على العرش لنثير التساؤل التالي: كيف يستوى الإله على العرش مادام أنه منفصل عنه؟
تطرقنا في مقالتنا تلك إلى معنى حرف الجر "على" وزعمنا الظن أن المفردة تفيد النظرة المسيطرة المتحكمة، فمن على شيئاً فهو ينظر إليه بطريقة تمكّنه من السيطرة عليه بالرؤيا: لذا نحن نفتري أن استواء الرحمن على العرش جاء بعد أن خلق السموات السبع (ومن الأرض مثلهن) ليسيطر بالرؤيا المتحكمة على كل ما في الكون، فلا تغيب عنه مثال ذرة من خردل، وما تسقط من ورقة إلا ويعلمها:
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ   وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ                                                                     الأنبياء 47
يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ
ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ                                                                         لقمان 16
وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا
حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ                                الأنعام 59
فكيف يتم ذلك للرحمن؟
جواب: نحن نفتري القول أن كل ذلك يتم من خلال العرش، فنحن نزعم الظن أن الإله يسيطر على الكون كله فلا يغيب عنه شيء وإن كان مثقال ذرة من خردل بسبب وجود "العرش العظيم"، وذلك لأن العرش (ولله المثل الأعلى) وهو بمثابة شاشة السيطرة والمراقبة التي يتم لصاحبه من خلاله أن يسيطر على مملكته، ونحن نزعم القول أنه بمقدار العرش تكون السيطرة، لذا لمّا كان الله هو رب "العرش العظيم"، كان هو المسيطر المطلق على كل ما في السموات والأرض، فلا يغيب عنه شيء مهما صغر أو عظم، ولكن لمّا كان عرش تلك المرأة بحجمها، كانت تسيطر على جزء محدد من الأرض، فهي تستطيع أن تراقب من خلال عرشها ما يدور حولها من أحداث. ولو تتبعنا قصة تلك المرأة لوجدنا أن الأحداث كانت تجري بأسرع من وقتها الطبيعي:
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35) فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ
اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا
وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37) قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي
مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ
(39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ
هَٰذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ
كَرِيمٌ (40) قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ (41) فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ
أَهَٰكَذَا عَرْشُكِ ۖ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ ۚ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42) وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ
مِنْ دُونِ اللَّهِ ۖ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43)
لاحظ أن قدومها إلى سليمان حصل قبل أن ترجع الهدية مرة أخرى إلى ديار قومها، ولاحظ كيف كانت تتسارع الأحداث بطريقة لا تدل على أن الأمور كانت تسيير بالطريقة التقليدية التي عهدناها (وهذا ما سنتحدث عنه في الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيقة، فنحن نفتري الظن أن المرأة قد علمت أن سليمان قد رد هديتها قبل أن تصل الهدية إليها.
(دعاء: فالله أسأل أن يصطفيني بعلم من لدنه أعظم من علم تلك المرأة لا ينبغي لأحد غيري إنه هو السميع المجيب).
ولكن قبل أن نقفل هذا الجزء من المقالة لابد التأكيد على جزئية مهمة جداً أثرناها سابقاً وربما سنحتاج إليها في الأجزاء القادمة والمتمثلة بالافتراء التالي: العرش هو صفة من يملك لا صفة الملوك. فلو تدبرنا القص القرآني لتلك الحادثة كما جاء على لسان الهدهد لوجدنا أن الهدهد يثبت أن المرأة كانت تملك قومها ولم يذكر الهدهد أنها كانت ملكة (كما تبادر لأذهان أهل العلم والعامة من بعدهم)،  ولكن عندما تحدثت تلك المرأة عن سليمان ومن قبله نعتتهم بصفة الملوك:
          قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ
فما الفرق بين الملك من جهة والمالك (من يملك) من جهة أخرى؟
جواب: إن من يملك الشيء يستطيع أن يراقبه فيدخل في خصوصياته (كما زعمنا سابقاً)، ولكن الملك قد لا يستطيع القيام بذلك لأن ملكيته عامة وليست خاصة.
(دعاء: اللهم أسألك أن تنفذ قولك بمشيئتك وإرادتك لي بأن يكون لي عرش أعظم من عرش تلك المرأة، فلقد تحصل لها ذلك العرش وهي لا تؤمن بك وتسجد لغيرك، وأنا أسألك أن تؤتيني ذلك العرش وأنا لا أترك السجود لك وحدك، وكنت مسلما).
وكذلك كان عرش يوسف يمكّنه من جزء محدد من العلم، فها هو يشير إلى تأويل رؤياه لأبيه بعد أن رفعه على العرش:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا
ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ
إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)
السؤال: إلى ماذا كان يشير يوسف لوالده يعقوب وهو مرفوع على العرش عندما استخدم اسم الإشارة هذا (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ
افتراء من عند أنفسنا: لقد أشار يوسف إلى مكان محدد على تلك الطاولة (العرش) الذي رفع أبويه عليها ليري أباه يعقوب على وجه التحديد تأويل الرؤيا كما تظهر على عرش يوسف). فذلك هو علم يوسف، فذلك هو علم يوسف:
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ
أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ                                يوسف (6)
هذا والله أعلم.



بقلم      د. رشيد الجراح
21 تشرين ثاني 2012




[1] انظر الفرق بين "مكث" و "لبث"، ففي حين أن بقاء موسى بعيداً عن أهله كان مكوثاً، كان بقاء نوح في قومه لبوثاً:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14)
وهذا ما كان من أهل الكهف أيضاً:
وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)
لتدقيق أكثر في الفروقات بين مكث من جهة ولبث من جهة أخرى، يرجى مراجعة ما جاء في مقالتنا تحت عنوان "كم لبث نوح في قومه؟"
[2] لاحظ كيف عندما لم يتحقق بعض الصحابة من نبأ حادثة الإفك كيف تم وصفهم في كتاب الله:
            إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
فالذي لا يتبين النبأ الذي وصله ويتلقاه بألسنة الآخرين فيحدّث به غيره بغير علم، فإنه يقوم بشيء وإن كان في حسبانه هو هين إلا أنه عند الله عظيم.
دعاء: فالله أسأل أن لا يعفو عن من ينبئ عنا شيئاً عن غير علم.

[3] ولكن هذا يعني أنه لابد من التمييز بين القوة والأخذ بقوة، وسنتحدث عن ذلك بتفصيل أكبر في مقالات قادمة إن أذن الله لنا بشيء من علمه.
[4] لا ننسى أن سليمان هو من آلت إليه الأمور من بعد والده داوود الذي بدوره آلت إليه الأمور من طالوت الذي بعثه الله ملكاً:
وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ
[5] وسنرى لاحقاً بحول الله وتوفيقه (إن أذن الله لنا بشيء من علمه) أن ذلك كان هو مصدر علم يوسف الذي كان من خلاله يعلم تأويل الرؤيا.

[6] نحن نفتري الظن أن وجود عبارة "كذلك يفعلون" في هذا السياق القرآني يدل على أنها لم تكن حاضرة على الحدث فيزيائياَ (أي جسدياً)، فهي تصور لهم المشهد الذي يجري بعيداً عنها تصويرا. ولننظر إلى ذلك في السياق القرآني التالي:
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ
فأنت لم تكن حاضراً جسدياً على ما كان يفعل آباؤك (خاصة الأقدمون منهم) ولكن تستطيع أن تتخيل المشهد وإن لم تكن حاضراً عليه.
[7] إن هذا السياق القرآني يدلنا على أن موسى وجد أمة من الناس يسقون أولاً (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) ثم ما لبث بعد ذلك أن وجد المرأتين تذودان من دون القوم (وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ). فهو لم يعثر على الامرأتين أولاً ولكنه عثر عليهما بعد أن كان قد عثر على أمة من الناس قبل ذلك. ففعل "وَجَدَ" قد جاء في النص القرآني مرتين. ولو كانا الحدثين حصلا معا لجاء النص القرآني على النحو التالي: ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ومن دونهم امرأتين تذودان (أي لحذف فعل وجد الثاني)
[8] ستشكل هذه الآية الكريمة محور الحديث عن قضية الناسخ والمنسوخ التي سادت في الفكر الديني قروناً من الزمن، لنفند من خلالها إلى أن جلّ (إن لم يكن كل) ما ذهب إليه الفكر الديني السائد في هذه القضية التي تعد من ركائز العقيدة يمكن دحضه بسهولة بافتراءات من عند أنفسنا، لنثبت شيئاً واحداً وهو أن ليس هناك من آيات الكتاب الحكيم ما تم نسخه (بالمفهوم الدارج عند أهل العلم والدراية). لذا فالله أسأل أن يؤتيني (وصاحبي علي إن شاء) علماً من لدنه لا ينبغي لأحد غيرنا،  إنه هو السميع المجيب.
[9] وربما منه  جاءت ألفاظ مثل تلقى يتلقى، الخ:
فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6)
إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17)
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
أُولَٰئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)
إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (90)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28)
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87)
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ ۖ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)
ذَٰلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ ۚ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)
فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ ۙ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ۚ تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (1)
وهذا الأمر يحتاج إلى أبحاث منفصلة متعمقة بالموضوع ذاته.




[10] نحن نظن أن كلمة "سماء" هي كلمة تدل على المفرد وتجمع على "سموات"،  ولكن كلمة "أرض" هي كلمة تدل على المفرد وعلى الجمع معاً. ولكن لماذا؟
رأينا: لا يتم الجمع (أو الطرح) إلا من الأشياء المتطابقة، فأنت لا تستطيع أن تجمع البرتقال مع التفاح حتى وإن تشابها في الشكل، ولا تستطيع أن تطرح الموز من الخيار وذلك لأنهما ببساطة مختلفان. لذا فقد افترينا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان كم لبث نوح في قومه استحالة أن يكون نوح قد لبث (950) كما ظن معظم أهل العلم والدراية وذلك لأن طرفي المعادلة في الآية الكريمة مختلفان:
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ             العنكبوت (14)
فيستحيل أن نطرح العام من السنة مادام أنهما (بمنطق علم الرياضيات متغيران مختلفان: س - ص)، فالجمع (أو الطرح ) يتم من نفس الصنف مادام أنهما متطابقان، ولما كانت السموات متطابقة (سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) كان جمع مفردة سماء أمراً ممكناً، ليصبح هناك:
سماء1 + سماء2 + سماء3 + سماء4 + سماء5 + سماء6 + سماء7 = سبع سموات
ولكن الأمر بالنسبة للأرض فهو مختلف بعض الشيء، لذا نحن نفتري القول أنه لما كان هناك سبع سموات ومن الأرض مثلهن (أي متشابهات) ولسنا متطابقات ، أصبح من المستحيل أن تجمع مفردة الأرض على نحو:
أرض1 +......+ أرض7 =
وذلك لأن أرض رقم واحد لا تتطابق مع أرض رقم 2 أو 4 أو 5، وهكذا. فكل واحدة منهم لها من الخصوصية ما يجعلها مختلفة عن الأخرى حتى ولو كانا متشابهتين في الشكل (وربما الوظيفة) بالضبط كحالة التفاح والبرتقال. وربما من هنا جاء قول الحق أنه قد قضى من الوقت في إعداد أرض السماء الدنيا أكثر مما أنفق على السموات (ومن الأرض مثلهن) كلها مجتمعة:
قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10)                                               فصلت
فيستحيل – نحن نفتري الظن- أن تكون الأرض في السموات الأخرى متطابقة مع الأرض في هذه السماء الدنيا.
[11] لاحظ كيف نعت الله العرش بأنه عظيم ولم يكن ذلك للسموات وللأرض
[12] للحديث عن معنى "صفاً صفاً" انظر سلسة مقالاتنا تحت عنوان "كيف تم خلق عيسى بن مريم؟