تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

كيف تم خلق عيسى بن مريم 6؟



خلص الجزء السابق من بحثنا هذا عند التعرض لمفردة الحواريين وعلاقتهم بكتابة الإنجيل، وطرحنا عندها التساؤلات المثيرة التالية:
-        من هم الحواريون؟
-        لماذا جاءت تسميتهم بالحواريين؟
-        لماذا كتبوا الإنجيل؟
-        بم كتبوا الإنجيل؟ بأي لغة كتبوه؟ وبأي وسيلة؟
-        لِم لَم يكتب عيسى الإنجيل بنفسه؟
-        أين ذهب الحواريون بعد وفاة عيسى بن مريم؟
-        كم كان عددهم؟
-        هل يعقل أن من تآمر على عيسى بن مريم سيترك الحواريين وشأنهم؟ وهل يعقل أن من أقدم على قتل يحيى (كما تقول رواياتهم) سيترك الحواريين وشأنهم؟
-        أين ذهبت تلك النسخ من الإنجيل التي كتبها الحواريون؟
-        ما هي اللغة التي كتبت بها؟
-        كم عدد تلك النسخ؟
-        لم اختفت تلك النسخ من الإنجيل بلغتها الأصلية؟
-        ما علاقة الحواريين بيحيى؟
-        ما علاقة عيسى بن مريم بيحيى؟
-        لماذا جاء يحيى في زمن عيسى بن مريم؟
-        وماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يكن هناك يحيى نبيا من بني إسرائيل في نفس زمن عيسى بن مريم الذي كان رسولاً إلى بني إسرائيل؟
-        الخ
وسنحاول في هذا الجزء السابق متابعة النقاش السابق في محاولة منا الإجابة على بعض هذه التساؤلات، سائلين الله وحده أن يهدينا رشدنا، وأن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب إنه هو السميع المجيب.
أما بعد،
المبحث الأول: من هم الحواريون؟
جواب: نحن نظن أن الآية الكريمة التالية تسلط الضوء على الحواريين من جوانب متعددة، فلنحاول أن نتدبرها من هذا الجانب:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ                                                          الصف (14)
فالآية الكريمة تبيّن أن الحواريين هم أنصار الله، كما توضح كذلك الفصل بين الحواريين من جهة وبني إسرائيل من جهة أخرى. فعندما أحس عيسى من بني إسرائيل الكفر توجه بالطلب المباشر أن ينصره البعض:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ...                           آل عمران (52)
فما جاء ردٌ على طلبه هذا إلا من الحواريين الذين قالوا أنهم أنصار الله:
... قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ آل عمران (52)
نتيجة: الحواريون كانوا أنصار الله.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أنه لما اختار الحواريون أن يكونوا أنصار الله جاءهم الوحي الإلهي المباشر:
          وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوَاْ آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ      المائدة (111)
تلخيص: لقد أوحى الله بنفسه إلى الحواريين (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ) أن يؤمنوا به وبرسوله (أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي)، فآمنوا (قَالُوَاْ آمَنَّا) وأشهدوا الله على ذلك (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ)[1].
نتيجة مهمة جدا سنحتاج إليها لاحقاً: بالإضافة إلى أن الحواريين كانوا أنصار الله فقد كانوا مؤمنين
وهنا نتوقف لنثير جملة من التساؤلات الخطيرة والخطيرة جداً، نذكر منها:
1.     هل الله يحتاج إلى من ينصره؟
2.     كيف كان الحواريون أنصار الله؟
3.     وكيف أوحى الله إلى الحواريين؟
4.     لماذا أوحى الله إليهم؟
5.     الخ.
جواب: نعم، نستطيع نحن البشر أن ننصر الله كما جاء في الآية الكريمة التالية:
          يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ                           محمد (7)
سؤال: وكيف تكون النصرة؟
جواب: نحن نظن أن النصرة تأتي في ساعة العسرة:
لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117)
إن المدقق في هذا السياق القرآني يجد أن الأنصار قد اتبعوا النبي في ساعة العسرة، أليس كذلك؟
فنحن نفتري الظن بأن الذين اتبعوا النبي في ساعة العسرة كما تشير الآية الكريمة ربما هم الأنصار وليس المهاجرين، فالفصل بين المهاجرين من جهة والأنصار من جهة أخرى واضح في السياق القرآني التالي:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ        الأنفال (72)
وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ                                                                              الأنفال (74)
والنصرة في ساعة العسرة واضحة في السياق القرآني التالي:
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
ولو حاولنا أن نربط ذلك بطلب عيسى النصرة ممن هم حوله لربما افترينا القول بأن عيسى بن مريم ربما كان في ساعة عسرة عندما طلب النصرة ممن حوله.
نتيجة مفتراة: نحن نفتري الظن أيضاً بأن النصرة ربما تأتي بعد أن يكون الشخص قد أخرج من المكان الذي تواجد فيه، فالرسول محمد قد أخرج من مكة، وما أن أخرج من مكة ولم يجد من ينصره كان الله هو وحده الذي نصره بعد أن أخرجه الذين كفروا. وهذا المعنى ربما يؤكده ما جاء في الآية الكريمة التالية:
إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ                                               التوبة (40)
وربما هذا المصير لم يكن لمحمد وحده، وإنما لرسل من قبله:
وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ       محمد (13)
نتيجة: نحن نفتري الظن أن عيسى بن مريم طلب النصرة ربما لأن القوم حاولوا إخراجه من بينهم (كما فعلوا مع محمد)
ونحن نفتري الظن أن النصرة تأتي عندما يكون هناك تهديد قد يلحق الأذى بالجسم:
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ                                                                               القصص (18)
فالذي طلب النصرة من موسى كان في قتال مع شخص آخر، انتهى في نهاية المطاف بمصرع أحدهما:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ                                         القصص (15)
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نؤمن بأن طلب عيسى النصرة ممن حوله قد جاء بعد أن أحس الكفر من بني إسرائيل مباشرة (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ)، عندها ربما شعر عيسى – برأينا- بأن القوم لا محالة مخرجوه من الأرض وربما مقدمون على إلحاق الأذى الجسدي به (وهذا ما حصل فعلاً لاحقا).
ونحن نظن أن نصرة النبي (بمن فيهم عيسى بن مريم) قد جاءت واضحة في السياق القرآني التالي:
وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ (149) بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ( 150 )
والنصرة من الله تأتي لمن وقع عليه الظلم:
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)           الحج
ونحن لا نشك قيد أنملة بأن النتيجة ستكون على نحو نصرة من الله تثبّت بها الأقدام:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أننا نصل بهذه الآية الكريمة إلى الافتراء الأكبر الذي نريد تسويقه هنا وهو: مادام أن الحواريين قد اختاروا أن يكونوا أنصار الله (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ)، فلا شك أن الله قد نصرهم وثبّت أقدامهم. لذا، لكي نتعرف على شخصية هؤلاء النفر ممن كان حول المسيح عيسى بن مريم فلابد أن نبحث عنهم من بين أولئك الذين نصرهم الله وثبت أقدامهم، فمن هم يا ترى؟
أولاً: نحن نؤمن أن من جاءه النصر من الله لا يمكن أن يكون ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة كما جاء في الآية الكريمة التالية:
          أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ                                                                                                                      البقرة (86)
نتيجة: يستحيل أن يكون الحواريون قد اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، بل على العكس تماماً فهم قد اشتروا الآخرة بالحياة الدنيا. لذا يجب أن نبحث عنهم بين أولئك الذين باعوا حياتهم الدنيا في سبيل الآخرة.
ثانياً: نحن نؤمن أن من نصره الله لا يمكن أن يغلبه أحد:
إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ                                                                   آل عمران (160)
نتيجة: مادام أن الحواريين قد نصروا الله (فنصرهم)، فيجب أن نبحث عنهم بين الذين لا غالب لهم
ثالثاً: نحن نؤمن أن نصر الله لا محالة قادم لمن بغي عليه ولم يعتد:
          ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ                                                                                                              الحج (60)
نتيجة: نحن نظن أننا بحاجة أن نبحث عنهم بين من بغي عليهم فجاءهم نصر من الله
ثالثاً، نحن نظن أن بعض الأذى يمكن أن يلحق بمن نصره الله:
          لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ           آل عمران (111)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن الحواريين لم يشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإلاّ لما نصرهم الله، كما نظن أن من الاستحالة بمكان أن يكونوا قد غلبوا، فمن ينصر فالله لا محالة ناصره، وبالتالي فلا غالب له، ولا شك أن الله قد ثبت أقدامهم، ولكن ربما يكون القوم مِنْ حولهم قد بغوا عليهم فألحقوا بهم بعض الأذى حتى جاءهم نصر من الله. فكان الحواريون ممن ظلموا ولم يكونوا من الظالمين.
السؤال: من هم هؤلاء النفر من الناس؟
من يدري!!! لننتظر سائلين الله أن يهدينا سواء السبيل وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم.

الباب الثاني: لماذا جاءت تسميتهم بالحواريين؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن مفردة الحواريين ربما لها علاقة بمصدرين رئيسين وهما:
1.     الحور
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ                                       الدخان (54)
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ                 الطور (20)
حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ                                        الرحمن (72)
وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)                   الواقعة
إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ                                              الانشقاق (14)
إن صح افتراضنا بأن لمفردة الحواريين علاقة بمفردة الحور، فإننا نقدم الافتراء الخطير التالي: لو حاولنا ربط مفهوم الحور (في الجنة) بقصة الحواريين لربما صح لنا أن نقول بأن الحواريين يتشابهوا مع الحور العين في أنهم لم يقدِموا على الزواج قط، لأنهم لمّا نذروا أنفسهم لنصرة الله فقط، آثروا أن يقصروا أنفسهم في مكان محدد بعينه[2].
2.     الحوار
وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37)
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ                                                                                المجادلة (1)
إن صح افتراضنا بأن لمفردة الحواريين علاقة بمفردة الحوار، لربما صح لنا أن نعيد الافتراء القديم الذي قدمنا في الجزء السابق من هذه المقالة وهو أنهم (أي الحواريين) هم فقط من استطاعوا التحاور مع عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله، وذلك لأن عيسى بن مريم – كما افترينا القول سابقا- لم يكن يتحدث لغة الناس الذين من حوله، مادام أنهم ليسوا بقومه، فالحواريون هم فقط من استطاع أن يفهم لسان عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله. ولو دققنا في القرآن كله لما وجدنا خطابا ورد الخطاب (على شكل حوار) بين عيسى من جهة وقوم آخرين من جهة أخرى إلا مع الحواريين. فمنذ كان عيسى صبيا في المهد وهو يخاطب بني إسرائيل ولكننا لا نجد أنهم قد خاطبوه إطلاقا (انظر الجزء السابق من هذه المقالة)
السؤال: من هم هؤلاء النفر من الناس؟
من يدري!!! لننتظر سائلين الله وحده أن يهدينا سواء السبيل وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم.
الباب الثالث: لماذا كتب الحواريون الإنجيل أنفسهم؟
غالباً ما طرح أهل الفكر المسيحي السؤال التالي: لِم لَم يكتب عيسى الإنجيل بنفسه؟ فهم يعترفون بأنفسهم بأن الإنجيل لم يكن الصياغة الحرفية لكلام عيسى بن مريم بنفسه، وظن الكثيرون منهم أن النسخ الأولى منه قد ظهرت بعد وفاة عيسى بن مريم بزمن ليس بالقصير.
وقد كانت هذه من بين الحجج التي ظن المنتقدون للفكر المسيحي أنها تؤيد موقفهم، فهم يعتقدون أن في إقدام نفر من الناس ممن كان حول المسيح بنقل رسالته إلى الناس سببا كافيا في إلقاء ظلال الشك على مصداقيتها.
موقفنا: نحن نظن أن المسيح لم يكن يستطيع أن ينقل رسالته للناس بنفسه، لأنه لم يكن يتحدث لسان القوم الذين من حوله (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) ماداموا أنهم ليسوا بقومه، عندها تولى الحواريون بوحي من الله (فهم أنصار الله) نقل رسالة المسيح إلى الناس، فكانوا هم من كتب الإنجيل، فخرج الإنجيل بأكثر من نسخة، لتكون كل نسخة هي الصورة التي نقلها كل واحد من الحواريين عن عيسى بن مريم.
وهنا سيطرح التساؤل التالي على الفور: لِم لَم يكتب عيسى الإنجيل بنفسه؟
رأينا: لمّا كان عيسى بن مريم لا يتحدث لسان قوم بعينهم، لم يكن يستطيع أن يكتب الإنجيل بلغة أي قوم لأنه سيعتبر عندها منهم:
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)
فالمتدبر لهذا السياق القرآني يجد أن موسى كان له قوم وهم بنو إسرائيل، فكان يتحدث لسانهم لأنه ببساطة منهم، ولكن عيسى بن مريم لم يكن من بني إسرائيل وإن كان رسولاً إلى بني إسرائيل، فالقارئ الكريم مدعو إلى النظر وعقد مقارنة بين موسى وعيسى كما تصور ذلك الآيتان الكريمتان المتتابعتان في سورة الصف:
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (5)
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
ففي حين أن موسى يتوجه بالخطاب إلى من حوله على أنهم قومه (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ)، يتوجه عيسى بالخطاب إلى من حوله على أنهم بنو إسرائيل وأنه رسول الله إليهم فقط.
         
باب: لغة الإنجيل
لعل طرحنا هذا يحل إشكالية اللغة التي كتب بها الإنجيل، ولكن كيف؟
غالباً ما طرحت التساؤلات التالية:
-        بم كتب الإنجيل؟
-        بأي لغة كتب؟
-        وبأي وسيلة؟
-        الخ
ولو تصورنا – كما زعم الذين من قبلنا- أن عيسى بن مريم كان من بني إسرائيل، وأن بنو إسرائيل آنذاك هم قومه، لكان لزاماً أن يخرج الإنجيل بلغة بني إسرائيل وهي العبرية. فنحن نعلم أن التوراة (كتاب موسى) كان مكتوبا بالعبرية، فلم - يا ترى- لم يخرج الإنجيل عبرانيا مادام أن عيسى كان متواجداً بين العبرانيين كقوم زكريا ويحيى؟
رأينا: نحن نظن أنه لمّا لم يكن عيسى بن مريم ينتسب إلى بني إسرائيل على أنهم قومه لم يخرج الإنجيل بلغة بني إسرائيل عبرانيا. كما نفتري الظن أيضاً بأن الذين نصروا عيسى بن مريم بوحي من الله (وهم الحواريون) لم يكونوا أصلاً من بني إسرائيل، وإلا لخرجت النسخ من الإنجيل بلغة بني إسرائيل وهي العبرية.
السؤال: كيف نفسر إذن الحقيقة الماثلة في أن لغة الإنجيل الأصلية لم تكن العبرانية القديمة وإنما الآرامية؟
رأينا: نحن نظن أن الحواريين الذين استطاعوا فهم لسان عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله لم يكونوا من بني إسرائيل، ولكنهم كانوا يتحدثون اللسان الآرامي.
السؤال: من هم هؤلاء النفر من الناس إذن؟ من يدري!!! لننتظر سائلين الله وحده أن يهدينا سواء السبيل وأن يعلمنا ما لم نكن نعلم.

باب: فترة شباب عيسى بن مريم
تحدثنا في الجزء السابق من هذه المقالة أن الفكر المسيحي قد غرق في الحديث عن لحظة ميلاد المسيح عيسى بن مريم وعن فترة تبشيره بالدين الجديد وهي الفترة التي يسمّونها بسن "الكرازة"، ولكنهم غفلوا (ربما عن قصد أو عن غير قصد) عن الفترة الوسطى بين ميلاد المسيح عيسى بن مريم وكرازته (ومن أراد التأكد من ذلك فليسأل أهل الديانة النصرانية عن حياة المسيح بين طفولته وكرازته أو لينظر في مؤلفاتهم إن كان لديه فسحة من الوقت).
وكذلك هي الحالة بالنسبة للفكر الإسلامي، فما نجده في القرآن عن حياة المسيح يتحدث عن ولادته وعن "كرازته" أيضاً، ولا نكاد نجد شيئا عن فترة شبابه كما الحال بالنسبة لموسى أو ليوسف أو لإبراهيم مثلاً. والآيتان الكريمتان التاليتان ربما تبينان جليا هذا الطرح:
وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ           آل عمران (46)
إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ     المائدة (110)
فالمسيح – بنص الآيتين الكريمتين- قد كلم الناس في (1) المهد (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) و (2) وكهلاً (تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً)، فماذا عن الفترة بينهما؟
رأينا: نحن نفتري الظن بأن عيسى بن مريم لم يكلم الناس في الفترة الوسطى بين المهد و "الكهولة"[3] إطلاقاً، ولكن لماذا؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن عيسى بن مريم لم يكن يستطيع أن يتحدث لغة الناس ممن حوله، فهو لم يتعلم لغة قوم بأعينهم، فقد جاء الغلام ينطق بالحق منذ لحظة ولادته. لذا لم يستطع من كان حول المسيح عيسى بن مريم أن يفهم كلام المسيح لو هو فعلاً تكلم معهم.
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل السيناريو على النحو التالي: تأتي مريم قومها تحمل المسيح (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ)، يسألها من كان حاضرا من القوم عن ما تحمله (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا)، تشير إلى الصبي نفسه (فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ)، يستغرب القوم أن يكلموا من كان في المهد صبيا (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا)، فلم يتكلم من كان حاضرا من القوم مع الغلام إطلاقاً، ينطلق لسان الغلام بالكلام على الفور (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا)، يستغرب الحاضرون من القوم ما بدر من الغلام من فعل الكلام، فهم لم يعهدوا مثل هذا من قبل. إن ما يهمنا في هذا الطرح هنا هو ظننا بأن القوم وإن سمعوا كلاماً من الغلام إلا أنهم لم يردوا عليه القول بمثله بدليل أنهم لم يجادلوه ولم يستفسروا منه عن شيء، فلو فهم القوم – نحن نتخيل- ما قاله الغلام في تلك اللحظة لما تركوه وشأنه دون أن يتحاوروا معه، فمن المستغرب أن يترك علماء بنو إسرائيل (ومن بينهم زكريا نفسه) هذه الفرصة تطير من بين أيديهم. فكان هذا في رأينا كلام المسيح عيسى بن مريم للناس في المهد (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ).
ينشأ الغلام على هذه الشاكلة، لا يكلم الناس ماداموا لا يستطيعون أن يفهموا كلامه، يستمر على تلك الحالة حتى يأذن الله له بنشر تعاليم الدين الجديد. فينطلق لسانه ليحدثهم بالمهمة التي أوكلها الله إليه وهو أنه رسولاً إلى بني إسرائيل:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ الصف (6)
فكان هذا - في رأينا- كلام المسيح عيسى بن مريم للناس في كهولته (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً).
وهنا تجري على يديه بإذن الله ما لم يستطع من حوله من القوم أن يفهمه، وهو ما يرغب علماؤنا الأجلاء بتسميته بـ "المعجزات" ونظن نحن أنها آيات بيّنات:
وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49)
وبعد أن يفعل كل ذلك على مرأى ومسمع منهم تأتي رسالته لهم على النحو التالي كما تصور ذلك الآيات الكريمة التي تلي الآية السابقة مباشرة:
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50) إِنَّ اللّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (51)
وما أن يبدأ عيسى بن مريم ببث التعاليم الجديدة التي تختلف بعض الشيء عن ما ألفه علماء بنو إسرائيل من ديانتهم القديمة كتحليل بعض ما حُرِّم عليهم (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) حتى تكون ردة الفعل الأولى عندهم (كما يفعل من ينصّبون على الدوام من أنفسهم مسؤولية حماية شريعة الله في الأرض) مناصبته العداء، فجاء في الآية التالية مباشرة قول الحق:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللّهِ آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52)
نتيجة: عيسى يحس الكفر من القوم إحساسا، فـلماذا؟

باب: علاقة المسيح بيحيى
حاولنا في الجزء السابق رد دعوة أهل الديانة النصرانية المتمثلة بأن يحيى قد جاء متزامنا مع المسيح نفسه ليؤكد صدق رسالة المسيح، فنحن ببساطة ننكر أن نحتاج إلى من هو مثل يحيى ليصدق رسالة من هو مثل المسيح، فالمسيح لا يحتاج لبشر أن يثبت صدق دعوته لأنه ببساطة صادق فيما يقول وهو حجة على من سواه، وما يكون لبشر (حتى وإن كان يحيى بن زكريا نفسه) أن تكون له حجة على المسيح عيسى بن مريم، لذا حاولنا طرق الموضوع من جديد من خلال الآية الكريمة التالية:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)
وقد تعرضنا للتساؤل التالي: كيف يكون يحيى مصدقاً بكلمة من الله (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ
فقدمنا جوابنا المفترى على النحو التالي: لمّا كان المسيح عيسى بن مريم هو كلمة الله جاء يحيى ليصدق بهذه الكلمة، ولكن كيف؟
جواب: هنا حاولنا التعرض لمفردتين وهما التصديق (مُصَدِّقًا) والكلمة (بِكَلِمَةٍ).
وكان موقفنا على النحو التالي: لما كان المسيح منذ اللحظة الأولى التي جاء فيها إلى الوجود ينطق بالحق كان كل ما قاله منذ ولادته وحتى وفاته كلمة واحدة، فما نطق إلا بحق (على غير جميع البشر الآخرين حتى الرسل والأنبياء أنفسهم – انظر الجزء السابق من هذه المقالة). ولتقريب الصورة زعمنا القول بأن المسيح بشخصه هو بالضبط كالقرآن الذي لا نجد فيه إلا الحق لأنه ببساطة كلام الله. فكما المسيح هو كلمة الله، فإن القرآن هو كلام الله.
فكيف إذن جاء يحيى ليصدق بتلك الكلمة (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ
رأينا: لما كان المسيح لا يتحدث لسان القوم الذين من حوله لأنه ببساطة ليس منهم، ولم يتعلم لسانهم مادام أنه قد ولد وله لسانه الخاص به الذي جاء به من عند ربه، لم يستطع القوم (أي بنو إسرائيل) أن يفهموا ما يقول المسيح لهم (انظر الجزء السابق من هذه المقالة)، لذا لم يستطيعوا أن يجمعوا أمرهم فيه، فعاش المسيح – في تصورنا- بين القوم يتحدث كلاماً غير مفهوم بالنسبة لهم، فهو وإن كان بالنسبة لهم شيء غير عادي، لكن ذلك لم يكن ليقطع الشك باليقين عندهم بأنه المسيح الذي جاء ذكره في كتبهم.
ولما كان ديدن يهود هو تصديق أنفسهم فقط، فهم قوم قلما يثقون بغيرهم، جاءهم نبي من بينهم، يعرفون نسبه فيهم وهو يحيى بن زكريا (الذي لا يستطيعون أن يكذبوه) ليقرّ لهم بلسانهم (العبراني) بأن هذا الشخص المتواجد بين ظهرانيهم ويتحدث لساناً غير لسانهم هو فعلا المسيح (أو المخلص بمفرداتهم) المذكور عندهم في كتبهم، فكانت رسالته على النحو التالي:
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
فقدم لهم البينات على النحو التالي:
وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (49) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
فما كانت ردة فعلهم على البينات التي جاءهم بها إلا على النحو التالي (فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ). ولما كان هذا هو موقفهم مما فعل المسيح على مرأى و مسمع منهم، ظهر من بينهم (أي من بين بني إسرائيل أنفسهم) نبي يعرفون نسبه فيهم ليقر برسالة عيسى بن مريم (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ)، ويرضى به وبرسالته لهم.
الدليل
نحن لم ننس دعاء زكريا الأول بالذرية، عندما طلب أن يكون وليه الذي يهبه الله له رضيّا:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أنه قد جاء يحيى ليرضى بأن يكون عيسى بن مريم (من غير بني إسرائيل) رسولاً إلى بني إسرائيل.
كما أننا لم ننس بعد بأن الله قد تحدث عن يحيى قائلاً بأنه لم يكن عصيا:
يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا (14)
لذا نحن نظن أنه بالرغم أن يحيى كان نبيا من أنبياء بني إسرائيل إلا أنه لم يكن ليعص المسيح الذي هو رسولاً إلى بني إسرائيل وإن لم يكن منهم، فانقاد يحيى لأمر المسيح بالضبط كما فعل موسى مع صاحبه:
          قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)
نتيجة مفتراة: لقد عاصر يحيى (نبي من بني إسرائيل) المسيح عيسى بن مريم (الرسول الذي جاء إلى بني إسرائيل وهو ليس منهم) فصبر على صحبته ولم يعص له أمرا. فصاحب يحيى المسيح وتبعه بالضبط كما تبع موسى صاحبه ليتعلم منه:
قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا                           الكهف (66)
فكان يتعلم يحيى من صحبته للمسيح كما كان يتعلم موسى من صحبته للرجل الذي ظننا في مقالات سابقة لنا أنه هو العزير:
وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30)
وكانت المحصلة واحدة: فكما نسب اليهود الولد لله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ) عندما ظنوا أن العزير (صاحب موسى) هو أكثر علماً من الناس العاديين حتى الأنبياء أنفسهم كموسى، نسب النصارى الولد لله (وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ) عندما ظنوا أن عنده من العلم ما يفوق علم الناس العاديين حتى وإن كانوا أنبياء كـ يحيى.
وهنا لابد من التعرض للسؤال المثير التالي: ماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يكن هناك يحيى نبيا من بني إسرائيل في نفس زمن عيسى بن مريم الذي كان رسولاً إلى بني إسرائيل؟
رأينا: إن طرح هذا السؤال يعيدنا على الفور إلى طلب زكريا الذرية، لنطرح من خلال ذلك التساؤلات التالية حول الدافع والزمان والمكان:
-        لماذا طلب زكريا الذرية؟
-        متى جاء طلب زكريا للذرية؟
-        أين جاء طلب زكريا للذرية؟
جواب: لو دققنا في الآية الكريمة التالية لربما ظننا أن السبب الرئيس الذي دفع بـ زكريا أن يطلب الذرية هو الوراثة:
          يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
لكن إن صحّ هذا الظن، فكيف يمكن أن ربطه بما جاء في الآية الكريمة التالية على لسان زكريا نفسه:
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)
السؤال: مادام أن زكريا يقر بلسانه بأن الله هو خير الوارثين فلم يطلب وليا ليرثه؟ ألا يكفيه أن يكون الله هو خير الوارثين؟ أليس هو من المؤمنين بقضاء الله (كما يحب مشايخنا أن يعبروا عن ذلك)؟
رأينا: لو تدبرنا النص أكثر لوجدنا أن الوراثة هي النتيجة وليست السبب عند زكريا، فهناك ما قد سبق الوراثة في نفس زكريا، وهو- برأينا- ما جاء في الآية الكريمة التالية، فدعنا ننظر إلى الآيات بسياقها الأوسع:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
دقق - عزيزي القارئ- جيدا في كلام زكريا هذا كما جاء في كتاب الله، فالوراثة – كما ذكرنا- هي نتيجة وهي تحصيل حاصل بعد أن يهب الله له الولي، ولكن السبب الرئيس الذي نظن أنه دفع بـ زكريا أن يدعو ربه هو خوفه من الموالي (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي).
تساؤلات
-        من هم الموالي الذين خافهم زكريا؟
-        لماذا خاف زكريا من الموالي؟
-        وما علاقة خوفه الموالي بهبة الله له الذرية؟
-        ماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يهب الله له الذرية؟ أي كيف ستكون نتيجة خوفه؟
-        الخ
باب: من هم الموالي؟
عند التعرض إلى السياقات القرآنية التي تتحدث عن قصة المسيح عيسى بن مريم وقصة زكريا وولده يحيى نجد أن الخطاب جاء ليبيّن تزامن عائلتين رئيسيتين وهما آل يعقوب و آل عمران. فما الفرق بينهما؟
جواب: عندما طلب زكريا الذرية من ربه جاء خطابه مبرزاً آل يعقوب:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
نتيجة: يطلب زكريا الذرية من ربه ليكون له ولياً يرثه ويرث من آل يعقوب. فماذا عن آل عمران؟
جواب: عندما جاء الحديث عن مريم جاء مبرزا آل عمران:
          إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
السؤال: ما علاقة آل يعقوب بآل عمران؟
نحن نفتري الظن بأن الإجابة على هذا التساؤل يمكن أن تستنبط من السياق القرآني التالي:
          إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
ولكن كيف ذلك؟
رأينا: عند محاولتنا الإجابة على هذا التساؤل وجدنا أن الضرورة تستدعي النبش في معنى الاصطفاء الذي جاء في الآية الكريمة حيث أكدت أن الذين اصطفاهم الله على العالمين هم أربعة:
1.     آدم                إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ
2.     نوح                إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا
3.     آل إبراهيم         إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ
4.     آل عمران         إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ
تساؤلات:
1.     لماذا هؤلاء الأربعة على وجه التحديد؟
2.     كيف يصطفي الله من خلقه؟
3.     وما هي آلية الاصطفاء؟
4.     وما هي عواقب ذلك؟


الفرق بين الاصطفاء والاختيار
حاولنا في مقالات سابقة لنا التمييز بين الاصطفاء من جهة والاختيار من جهة أخرى، فزعمنا الظن أن هناك فروقات جوهرية بين الفعلين نذكر منهم:
أولاً، الاصطفاء يعني تحولا في الوضع الراهن
نحن نفتري الظن أنه ما أن يصطفي الله أحداً من خلقه حتى يحصل تغيرا جذرياً على الوضع القائم، فمثلاً نحن نعلم من السياق القرآني أن الله قد اصطفى آدم، فكان وجود آدم مصاحباً لإحداث مبدأ الخلافة في الأرض، فقبل وجود آدم لم يكن هناك خليفة غيره (وإلاّ لانتفى أن يكون آدم هو الخليفة). لذا جاء القرار الإلهي باصطفاء آدم ليتغير الوضع الذي كان سائدا حينئذ، وتم اصطفاء آدم لهذه المهمة.
ثانيا، الاصطفاء يمكن أن يسبب قلقاً (وعدم الرضا) عند الغير
وما أن تم اصطفاء آدم لتلك المهمة حتى ظهرت علامات الغيرة (والحسد) عند الغير، فالملائكة لم يرضهم تمام الرضا اصطفاء آدم بأن يكون هو الخليفة، لذا ربما تحركت عندهم أشارات "الغيرة" وحاولوا التنفيس عنها بقولهم:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)
وتحولت الغيرة إلى حسد واضح عند إبليس الذي رفض الانصياع للأمر الإلهي:
          قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)
وهذه النتيجة المصاحبة للاصطفاء (الغيرة وربما الحسد) تكررت في مواطن أخرى، فها هم الملأ من بني إسرائيل مثلاً يحتجون على اصطفاء الله طالوت عليهم ملكا وهم الذين قد طلبوا من نبيهم أن يبعث الله عليهم ملكا من ذي قبل:
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُواْ قَالُواْ وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246) وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
نتيجة مهمة جدا: نحن نظن أن الغيرة يمكن أن تتولد عند الطرف الذي لم يتم اصطفاءه لأن تغيرا في الوضع السائد لا محالة حاصل، وهذا ما نظن أنه قد حصل في حالة زكريا (وهو ما سنحاول التعليق عليه بعد قليل بحول الله وتوفيقه)
ثالثاً، يمكن لمن تم اصطفاءه لمهمة ما أن يقدم نفسه لها أو أن يقدم لها من قبل آخرين.
فنحن نؤمن أن إبراهيم مثلاً قد وجّه وجهه حنيفا لله رافضا كل ما دونه، فهو الذي توجه إلى ربه بالقول:
          إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)
ونحن نؤمن كذلك أن امرأة  عمران قد قدمت ما في بطنها محررا لله:
          إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)
فكانت النتيجة أن تقبل ربها ما وضعت:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
ونحن نؤمن أنه قد تم اصطفاء مريم من الله مباشرة مرة أخرى (انظر تكرار اللفظ في الآية الكريمة):
          وَإِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (42)
رابعا: يمكن لمن تم اصطفاءه أن تقدم له الحجة التي تكون على نحو "توافر العلم لمن تم اصطفاءه" على غيره الذي لم يتم اصطفاءه. ولو تفقدنا السياقات القرآنية التي تتحدث عن الاصطفاء الإلهي لوجدنا أن العلم كان مصاحباً على الدوام لهذا الاصطفاء.
فعندما اصطفى الله آدم واحتجت الملائكة على ذلك جاء تبرير إلهي بذلك:
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (30)
وكان ذلك على شكل علم أوكله الله لآدم ولم يكن لغيره:
          وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31)
فأقرت الملائكة له بذلك عندما شعروا أن آدم يملك من المقومات ما ليس متوافرا عندهم:
          قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)
وعندما احتج الملأ من بني إسرائيل على طالوت أن يكون عليهم ملكا، جاء التبرير (أو الحجة) على نحو أن الله قد زاده بسطة في العلم والجسم:
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
نتيجة مهمة جدا: نحن نظن أنه ما أن يتم الاصطفاء الإلهي حتى يكون هناك علم يكون من نصيب من تم اصطفاءه. وهذا ما نظن أنه قد حصل أيضاً في حالة مريم (وهو ما سنعلق عليه بعد قليل بحول الله وتوفيقه).
خامسا: الاصطفاء لا يعني بالضرورة وجود المنافس على الدوام
فعندما جاء اصطفاء الله لآدم لم يكن هناك من ينافس (أو من هو مؤهل لينافس) آدم، وعندما تم اصطفاء مريم لا نظن أن هناك من كانت مؤهلة كمريم لشغل ذلك المنصب، وهكذا.
تلخيص: نحن نظن أنه عندما يحصل الاصطفاء الإلهي لأحد من خلقه فإن تغيراً في الوضع السائد لا محالة حاصل، فتتولد الغيرة عند الطرف الذي لم يتم اصطفاءه، ويتحصل لمن تم اصطفاءه الحجة على غيره تتمثل بحيازته علما يكون من نصيبه ولا يكون من نصيب غيره. فيستحق بذلك أن يكون متبوعاً لا تابعاً. وهذا ما نظن أنه قد حصل في قصة زكريا (من آل يعقوب) مع مريم (من آل عمران)، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: لنقرأ الآية الكريمة التالية التي تتحدث عن الاصطفاء مرة أخرى:
          إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (33)
السؤال: لماذا جاء الاصطفاء الإلهي لآدم بنفسه ولنوح بنفسه بينما جاء لآل إبراهيم ولآل عمران بمجموعهم؟
رأينا: نحن نظن أن ذلك مرتبط بأن الاصطفاء ينبني عليه تغيرا في الوضع القائم وأن هذا التغيّر يصحبه وجود العلم مقابل عدم وجود العلم، وبكلمات أكثر دقة نقول بأنه عندما يحدث الاصطفاء الإلهي تنفذ مشيئة الله بأن يتحول مسار العلم إلى جهة جديدة لم يعهد عندها العلم من ذي قبل، كما يمكن أن نفهمه من الآية الكريمة التالية:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
فلو تدبّرنا هذه الآية الكريمة جيداً لوجدنا أن الاصطفاء يصاحبه وراثة الكتاب، ولكن الذين ورثوا الكتاب من الذين اصطفاهم الله فهم على أنواع ثلاث:
-        ظالم لنفسه        فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
-        مقتصد            وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
-        سابق بالخيرات    وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
وهؤلاء الثلاثة جميعاً بالرغم من تفاوت الفعل هم جميعاً من الذي يدخلون جنات عدن، كما يوضح ذلك الآية التي جاء بعد هذه الآية الكريمة مباشرة، فانظر عزيزي القارئ في الآيتين معاً:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)
فنحن نعلم أن الله قد أصطفى آدم وأورثه الكتاب (علم الأسماء كلها)، إلا أن آدم قد ظلم نفسه:
          قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
ونحن نعلم أن الله قد اصطفى موسى برسالاته وبكلماته:
          قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)
ولكن موسى بالرغم من هذا الاصطفاء كان ممن قد ظلم نفسه عندما وكز الرجل فقضى عليه:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16)
نتيجة : عندما ظلم آدم نفسه وعندما ظلم موسى نفسه عادا إلى ربهما بالاستغفار فغفر الله لهما.
أما من كان مقتصد من الذين أورثهم الله الكتاب فهم أمة من أتباع موسى وعيسى:
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ (66)
وأما الذين كانوا يسابقون في الخيرات فـ لربما هم من أتباع إبراهيم وذريته الذين أوحى إليهم ربهم فعل الخيرات:
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)
وهم بكل تأكيد زكريا وولده يحيى:
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)
نتيجة: كان الاصطفاء الإلهي بوراثة الكتاب قد بدأت مع آدم وانتهت عند يحيى[4]، وكانت عملية وراثية كما تصوره الآية الكريمة سالفة الذكر:
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32)
السؤال: وكيف حصل ذلك؟
فتراء من عند أنفسنا: نحن نؤمن أن الله هو نفسه من علّم آدم الأسماء كلها ولم يعلّم الملائكة ذلك، فكان ذلك العلم (علم الأسماء كلها) مستودعه آدم نفسه، وما أن خسر آدم ذلك العلم بعد قبوله نصيحة الشيطان له ولزوجه حتى زال ذلك العلم ولم يستمر ذلك الاصطفاء في ذرية آدم، فذهب ذلك العلم بذهاب آدم وانتهى الاصطفاء الأول هناك. فكان آدم مصطفاً بنفسه.
عاد هذا الاصطفاء الإلهي مرة ثانية مع نوح، فتجددت البشرية مرة أخرى هناك:
          وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًَا بَصِيرًا (17)
وما أن ذهب نوح حتى انقطع خبر ذلك العلم ما دام أن ذرية نوح قد انقطع خبرها بعد الطوفان.
عاد الاصطفاء الإلهي مرة ثالثة لآل إبراهيم، فاستمر العلم في بيت إبراهيم بشقيه (بيت إسماعيل وبيت إسحق) حتى جاء يعقوب، وعندها انقطع خبر العلم من بيت إسماعيل واستمر في بيت يعقوب:
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاًّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (132)
واستمر في بيت يعقوب من خلال يوسف:
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
وهنا ظهر آل يعقوب كورثة شرعيين لذلك العلم الإلهي. واستمر العلم في بيت يعقوب ذاك حتى جاء زكريا وهو كـ نبي في آخر سلالة آل يعقوب، فجاء دعاءه ربه على النحو التالي:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
وبهذه الافتراءات الخطيرة نصل إلى ذروة ما نود إثارته حول طلب زكريا الذرية من ربه وهو يعلم أن الله هو خير الوارثين، ولكن كيف ذلك؟
افتراء خطير جدا من عند أنفسنا: يحدث الاصطفاء الإلهي في زمن زكريا لآل عمران (من كانت مريم منهم)، فيقع في نفس زكريا الخبر اليقين بأن تغيّرا في الوضع الحالي لا محالة حاصل، وأن علماً إلهيا جديدا سيستودعه الله في بيت من غير بيوت آل يعقوب، فتتحرك عنده مشاعر الغيرة والخوف على مصير آل يعقوب، ولكن لما كان زكريا يعلم أن سنة الله لا محالة نافذة، لم يحتج عليها كما فعلت الملائكة عندما اصطفى الله آدم عليهم، ولم يعارضها كما فعل إبليس، ولكنه استغلها بطريقة غاية في الذكاء، فأقر بالتغيير الإلهي ورضي به ولكنه توجه في الوقت ذاته إلى الله بالدعاء ليحفظ وراثة العلم في آل يعقوب فلا تزول إطلاقاً بعد حصول العلم الجديد في آل عمران. وبكلمات أكثر دقة فهو يطلب الاستمرار فيما تحصل لآل يعقوب بوجود الذرية التي ترث العلم القديم متزامنة مع المولود الجديد الذي تحمله مريم في بطنها (وهي من آل عمران) والذي ستحصل له علما جديدا لم يكن لآل يعقوب

الدليل
تحدثنا في الأجزاء السابقة من هذه المقالة عن كفالة مريم، وزعمنا الظن بأن القوم لم يكونوا راغبين في كفالتها بدليل حدوث المخاصمة:
ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)
وما استقروا على قرار بمن يكفل مريم إلا بإلقاء أقلامهم. وكانت الكفالة من نصيب زكريا نفسه بدليل أن زكريا لم يكفلها طواعية وإنما رغماً عنه، انظر الفعل (وَكَفَّلَهَا) في الآية الكريمة التالية:
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ...                 (37)
وهنا تحدث المفاجأة التي وقعت كالصاعقة على رأس زكريا:
... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)
ولم تحصل هذه الحادثة مرة واحدة وإنما كانت تتكرر على الدوام بدليل (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا). عندها علم زكريا أن هذا ليس صدفة وإنما هو أمر إلهي جلل، فوقع في نفس زكريا ما لم يكن بالحسبان وهو الاصطفاء من غير آل يعقوب. ولكن كيف ذلك؟
رأينا: عندما دخل زكريا المحراب على مريم ووجد عندها ذلك الرزق وعلم أن مصدره السماء، استيقن أن خبر السماء الآن ينتقل إلى الأرض دون أن يمر ببيت من بيوت آل يعقوب. فقد أصبح من له علاقة مباشرة مع السماء شخص ليس من آل يعقوب ورثة العلم والدين منذ زمن يعقوب النبي. فالمتدبر للسياقات التي تتحدث عن الاصطفاء يجد أن الله نفسه هو من يقوم بهذه المهمة، فهو نفسه الذي اصطفى آدم فعلمه علم الأسماء بنفسه، وهو نفسه من اصطفى نوحا وآل إبراهيم وآل عمران، وهو نفسه من اصطفى طالوت ملكا:
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
وهو نفسه من اصطفى موسى برسالاته وبكلامه:
          قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ (144)
ولما كان زكريا يعلم هذه الحقائق، وقع الخوف في نفسه بأن الاتصال الإلهي أصبح مع جهة أخرى، وهذه الجهة الجديدة هي من يعرفهم زكريا من الموالي، فعبر عن خوفه ذاك صراحة بالقول:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
ولو تتبعنا مفردة الموالي في السياقات القرآنية لوجدناها تنطبق على:
-        ما ترك الوالدان والأقربون
وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (33)
فيصبح الوليّ هو من له حق الولاية على من تولى في كتابة الدَّين:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللّهَ رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ... (282)
أو حتى بالدم:
وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33)
-        والأهم في ظننا هنا هو أن مفردة الموالي تنطبق كذلك على من لم يُعْلَم من هو أبوه:
ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)
فتصبح "الطبقية واضحة" في أن من لم يعلم من هو أبوه يقع تحت "ولاية" غيره. وإذا ما أخذنا بالحسبان أن زكريا هو من تكفّل مريم، وإذا ما أخذنا بالحسبان أن المولود القادم الذي ستحمله مريم في بطنها لن يعلم من هو أبوه (فهو سيكون أصلا مولد بلا أب)، فإن زكريا تقع على عاتقه تلك المسؤولية، ليصبح من في كفالة زكريا من آل عمران هم من مواليه الذين يخافهم زكريا الآن (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي).
ولو دققنا في النص أكثر لوجدنا أن زكريا يدرك على الفور أن هذا الأمر سيحصل بعد أن يفارق هو الحياة بدليل قوله (مِن وَرَائِي). فأصبحت الصورة في نفس يعقوب - كما نتصورها- على النحو التالي:
سيفارق زكريا الحياة فهو قد بلغ من الكبر عتيّا، سيأتي خبر السماء إلى الأرض حينئذ من خلال بيت من غير بيوت آل يعقوب، سيكون ذلك في هؤلاء الموالي الذين تقع على زكريا مسؤولية كفالتهم. سيحدث انقلاب عظيم على الأرض يتمثل في أن يكون آل يعقوب تابعين لا متبوعين (كما كانوا على الدوام منذ زمن يعقوب النبي). سينقطع ذكرهم ولا يعود الدين مصطفا لهم كما جاء على لسان يعقوب لبنيه:
     وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاًّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ                                                                                                         (132)
وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)
وهنا طلب زكريا من ربه أن تكون له ذرية من بعده ليس لترثه هو فقط وإنما لترث من آل يعقوب:
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
فأجاب الله دعاءه بأن وهب له يحيى:
          يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)
وهنا يتأكد لـ زكريا أن تركة آل يعقوب لن تنتهي مع وفاته وبروز شخص آخر من غير آل يعقوب سيتم اصطفاءه بعلم جديد لم يكن لأحد من آل يعقوب أنفسهم.
السؤال: ماذا كان يمكن أن يحصل لو أن زكريا لم يدع ربه بذاك الدعاء الشهير؟ وماذا كان يمكن أن يحصل لو لم يكن هناك يحيى متزامنا مع المسيح عيسى بن مريم؟
رأينا: نحن نظن أن العواقب ستكون كبيرة جدا، نذكر منها:
1.     لن تستمر السيادة لآل يعقوب. ولكن كيف ذلك؟
لو تدبرنا السياق القرآني الذي يتحدث عن الإجابة الإلهية لدعاء زكريا لوجدنا الآية الكريمة التالية التي تصور لنا أن يحيى سيكون سيدا:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)
فبقدوم يحيى لن تنقلب الموازين دورة كاملة بحيث يصبح آل يعقوب تابعين لآل عمران وإنما سيبقى آل يعقوب يتمتعون بموقع السيادة التي ورثوها منذ زمن طويل جنبا إلى جنب مع آل عمران (ورثة العلم الجديد)
2.     لن تستمر اليهودية كديانة على الأرض
ونحن نفتري الظن أيضا بأنه لو لم يُولَد يحيى كوريث آل يعقوب آنذاك لانتهت الديانة اليهودية منذ تلك اللحظة، ولأصبح الدين الجديد (المسيحية) هو الدين الوحيد، ولحلت المسيحية محل اليهودية بالكامل، ولكن وجود يحيى (من آل يعقوب) كوريث للدين من تلك السلالة متزامنا مع المسيح يرضى بالمسيح رسولا إلى بني إسرائيل وفي الوقت نفسه يطبق تعاليم التوراة التي بين يديه، كانت برأينا السبب الرئيس الذي انتهى باليهودية والنصرانية أن تسيران جنبا إلى جنب، فلم تلغ أحدهما الأخرى، فالدين الجديد (المسيحية) لم يلغ تعاليم الدين القديم (اليهودية) وإنما جاء مكملا لها، ومصححا مسارها من جديد، فكان قول المسيح لهم ينطوي على أمرين كما تصور ذلك الآية الكريمة التالية:
وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ (50)
1.     تصديق ما بين يديه من التوراة وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ
2.     وأن يحل لهم بعض ما كان قد حرم عليهم وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ
تلخيص: لقد كان وجود يحيى ضرورة قصوى لاستمرار آل يعقوب في وراثة الدين، والمحافظة على مركز سيادتهم. فلم تنقلب الأمور رأسا على عقب. فسار يحيى مع المسيح عيسى بن مريم ليصدق به، ولكنه لا يتبعه ولم يترك ما ورث من الكتاب (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)، فحافظ على اليهودية لتسير جنبا إلى جنب مع المسيحية، فتشاركت اليهودية مع المسيحية عبر الزمن بعد ذلك بالضبط كما كان يحيى يضع يده في يد السميح عيسى بن مريم ليقر كل منهما بالآخر فلا يلغيه ولا يستثنيه.
ونحن لا زلنا حتى يومنا هذا نشهد هذا التزاوج العجيب بين المسيحية واليهودية حتى أصبح الكتاب المقدس هو كتاب واحد بشقيه العهد القديم (وهو التوراة الذي ورثة يحيى بن زكريا) والإنجيل (كتاب عيسى بن مريم الجديد).
وبهذا الفهم المفترى من عند أنفسنا ربما نستطيع أن نقدم إجابة لمعنى الاسم الذي اختاره الله لذرية زكريا وهو يحيى:
          يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا (7)
لنطرح التساؤل التالي: ماذا يعني أن يكون اسم الغلام يحيى؟
رأينا: نحن نظن أن هذا الاسم مشتق من الحياة، التي هي بلا شك عكس الموت، فكيف يمكن أن يكون الغلام الجديد أسمه يحيى (ولم يجعل الله له من قبل سميا) وهو لا شك سيموت؟
جواب: نحن نظن أننا نستنبط من ذلك على الأقل إشارتين وهما:
1.     أن يحيى سيكون هو المثبّت للديانة اليهودية (ميراث آل يعقوب) فلا تنتهي بالرغم من قدوم دين جديد على يد المسيح عيسى بن مريم
2.     أن نهاية يحيى ستكون في سبيل الدفاع عن الدين الذي ورثه عن آل يعقوب، فالسنة الإلهية الكونية هي على النحو الذي تصوره الآية الكريمة التالية:
وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ               آل عمران (169)
لذا نحن نفتري الظن مادام أن المولود الجديد سيحيى فهو إذا سيقتل في سبيل الله دفاعا عن دين الله (وربما هذا في ظننا ما كانت نهاية يحيى ابن زكريا عليه، فقد قتل يحيى في سبيل الله، فدافع عن الدين الذي ورثه عن آل يعقوب، فاستمرت اليهودية بمقتل شخص يحيى، واستمرت التوراة في الوجود، وبقي يحيى حيّا عند ربه مادام أنه قد قتل في سبيله.
فيحيى قد أخذ الكتاب بقوة  (يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ)[5]، فلم يتنازل عن شيء منه بالرغم من كل الضغوط التي ربما تكون قد مورست عليه، ولو تنازل يحيى عن شي من الكتاب لما قتل في سبيل الله (ولما كان إذاً من الأحياء عند ربهم)، وبالوقت ذاته لضاعت تعاليم الدين القديم كليا. فيحيى هو صاحب الكلمة الفصل في آل يعقوب، فإن هو أضاع الكلمة فقد أضاع ذلك الميراث بأكمله، وهذا الذي لم يحصل إطلاقاً.

باب: متى وأين دعاء زكريا ربه أن يهب له الذرية؟
لعل المتدبر للسياقات القرآنية التي تتحدث عن دعاء زكريا ربه بأن يهب له الذرية التي ترثه وترث من آل يعقوب ربما لن يجد صعوبة في أن يدرك على الفور أن دعاء زكريا ذاك قد حصل في محراب مريم وبوجودها كما تصور – في ظننا- الآيات الكريمة التالية ذلك:
... كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (37) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (39)
والذي يؤكد لنا أن دعاء زكريا قد حصل في المحراب الذي كانت تتواجد فيه مريم أمران اثنان وهما:
1.     أن زكريا قد خرج على قومه من المحراب فلم يكلمهم مادام أن الله قد جعل آيته أن لا يكلم الناس ثلاث أيام وليال سويا:
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)
قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (41)
2.     أن زكريا قد دعا ربه دعاء خفيا:
ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتصور الذي حصل على النحو التالي: تقع كفالة مريم على عاتق زكريا رغما عنه، فالله هو كفّله إياها. تعيش مريم في المحراب، فلا يدخل عليها أحد إلا زكريا، يرى زكريا العجب من أمر مريم كلما دخل عليها المحراب، فالرزق يأتيها من السماء مباشرة، يدرك زكريا أن اتصال السماء بالأرض يحدث الآن دون المرور بآل يعقوب، يعلم زكريا أن اصطفاء إلهيا جديدا لا محالة حاصل، وأن هذا الاصطفاء سيغير الوضع السائد، فيقع الخوف في نفسه على وراثة النبوة منه والكتاب من آل يعقوب، لا يحتج زكريا على سنة الله ولا ينكرها، ولكنه يدعو الله خوفا وطمعا، خوفا من الموالي (وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي) وطمعا في أن تستمر وراثة الكتاب في آل يعقوب فيتوجه على الفور بالدعاء إلى الله وهو في ذلك المحراب (فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا). ولكن لمّا كانت مريم متواجدة معه في ذلك المحراب، لم يرفع زكريا صوته بالدعاء، فيدعو الله دعاء خفيا لئلا تسمع مريم ما يناجي زكريا به ربه في تلك الساعة، وهناك في المحراب نفسه يأتيه الرد الإلهي على الفور:
فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ                                       آل عمران (39)
تلخيص: تتحصل الذرية لزكريا، فيكون يحيى، فيأتي الخطاب الإلهي الأول ليحيى على النحو التالي:
          يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)
فتكون مهمة يحيى هي أن يتمسك بالكتاب الذي كان متوافرا بين يديه فلا يفرط بشيء منه، وهو بظننا الكتاب نفسه الذي جاء المسيح ليصدّق بما فيه:
وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ (46)
وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ (6)
فعاش يحيى نبيا من بني إسرائيل يتحدث لسانهم، ويتمسك بالكتاب الذي ورثه عن آل يعقوب، ودافع عنه حتى قتل في سبيل الله، وعاش المسيح بين ظهرانيهم رسولا إلى بني إسرائيل ولكنه ليس منهم لا يتحدث لسانهم، فهو قد نطق منذ اللحظة الأولى لولادته، ولم يتعلم لسان قوم بعينهم، فكانت مهمة يحيى تتمثل في أمرين رئيسيين وهما:
1.     التصديق بعيسى بن مريم كلمة الله، فهو سيد آل يعقوب آنذاك يقر بلسان قومه بأن هذا المولود الجديد الذي لا يتحدث لسان بني إسرائيل وينطق بالحق منذ اللحظة الأولى لولادته هو المسيح (المخلص) الذي يجدون خبره في كتبهم.
2.     المحافظة على استمرارية العهد القديم (التوراة) جنبا إلى جنب مع العهد الجديد (الإنجيل)، فأصبح الاثنان (العهد القديم والعهد الجديد) كتابا واحدا وهو الكتاب المقدس منذ ذلك اليوم وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ولكن الذي حصل هو أن بني إسرائيل لم يتقبلوا جميعهم دعوة عيسى بن مريم لهم، فحاولوا إلحاق الأذى به، وهنا جاءت دعوته لمن حوله بالنصرة بعد أن أحس منهم الكفر:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ...                                     (14)
فكانت النتيجة على النحو التالي:
فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (14)
نتيجة (1) أجاب دعوة عيسى بن مريم الحواريون فكانوا هم أنصار الله (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ)
نتيجة (2) أنقسم بنو إسرائيل إلى فريقين (فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ)
عودة على بدء: من هم الحواريون الذين كانوا أنصار الله؟     
إن نقاشنا هذا يفضي إلى أنه في الوقت الذي جاء يحيى ليصدق بالمسيح ككلمة من الله، لم يكن المسيح يتحدث لسان قوم بعينهم، فجرت على يديه الآيات البينات، وكانت مهمته كرسول إلى بني إسرائيل على النحو التالي:
1.     ليصدق بما بين يديه من التوراة، فلم يلغها
2.     ليحل لهم بعض الذي حرم عليهم
3.     ليبين لهم بعض الذي يختلفون فيه
ولكن كيف سيقوم المسيح بهذه المهمات جميعها وهو الذي لا يتحدث لسان من حوله؟
رأينا: لقد حصل كل ذلك من خلال الحواريين. فمن هم الحواريون؟
أولا، زعمنا في بداية هذا الجزء من المقالة الظن بأن الحواريين لم يشتروا الحياة الدنيا بالآخرة وإلاّ لما نصرهم الله، فمادام أنهم قد نصروا الله فالله لا محالة ناصر من ينصره، فمن الاستحالة بمكان أن يكونوا قد غلبوا، ولا شك أن الله قد ثبت أقدامهم:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
لذا لابد أن يكون الحواريين من الذين آمنوا. ولكن ربما يكون القوم مِنْ حولهم قد بغوا عليهم فألحقوا بهم بعض الأذى حتى جاءهم نصر من الله. فكان الحواريون ممن ظلموا ولم يكونوا من الظالمين.
ثانيا: كما افترينا الظن بأن مفردة الحواريين لها علاقة بمفردة الحوار، فزعمنا القول بأنهم (أي الحواريين) هم فقط من استطاعوا التحاور مع عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله، وذلك لأن عيسى بن مريم – كما افترينا القول سابقا- لم يكن يتحدث لغة الناس الذين من حوله، مادام أنهم ليسوا بقومه، فالحواريون هم فقط من استطاع أن يفهم لسان عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله. (انظر الجزء السابق من هذه المقالة)
ثالثا: كما ظننا أن مفردة الحواريين لها علاقة بمفردة "الحور" فزعمنا الظن بأنهم أناس قد نذروا أنفسهم لله، فاعتزلوا الدنيا بمتاعها كالزواج، فهم قوم آثروا خدمة كلمة الله (المسيح عيسى بن مريم) على التنعم بملذات الحياة.
رابعاً، ظننا أن الحواريين هم من نقلوا رسالة عيسى بن مريم بلسانهم إلى الناس جميعا، فظننا أنه لمّا لم يكن عيسى بن مريم ينتسب إلى بني إسرائيل على أنهم قومه لم يخرج الإنجيل بلغة بني إسرائيل عبرانيا. ولو كان الحواريون (برأينا) يتحدثون لسان العبرانيين لخرجت النسخ من الإنجيل بلغة عبرانية. ولكن لما خرجت جميع نسخ الإنجيل بالآرامية، فإننا نتجرأ على الافتراء بأن الحواريين الذين استطاعوا فهم لسان عيسى بن مريم بوحي مباشر من الله لم يكونوا من بني إسرائيل، ولكنهم كانوا يتحدثون اللسان الآرامي.
السؤال: من هم هؤلاء النفر من الناس إذن؟
جواب: هذا ما سنتعرض له في الجزء القادم من هذه المقالة بحول الله وتوفيقه، فالله وحده أسأل أن يعلمني ما لم يعلم أحدا من خلقه، وأسأله تعالى أن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي الإحاطة بشيء من علمه إنه هو السميع المجيب.

المدّكرون:        رشيد سليم الجراح
                   علي محمود سالم الشرمان
                   16 تموز 2013
بقلم: د. رشيد الجراح















[1] وربما يكون المعنى هنا أنهم أشهدوا المسيح على ذلك.
[2] نحن نظن أن قصة الرهبان (الذين لا يتزوجون) في الديانة النصرانية قد جاءت من قصة الحواريين أتباع عيسى بن مريم الذين نذروا أنفسهم لرسالة المسيح، فآثروا خدمته على التمتع ببعض ملذات الحياة الدنيا
[3] نحن نظن أن ما ورد في القرآن بلفظ "كهلا" ربما هو ما يقابله في التعاليم المسيحية تحت لفظ "الكرازة".
[4] وهنا سيرد البعض بالقول: وماذا عن محمد؟
فنرد بالقول بأننا نظن أن محمد لم يكن ممن اصطفاهم الله فهو لم يصل إليه الكتاب وراثة وإنما وحياً، فالآية التي تسبق الآية التي تتحدث عن وراثة الكتاب تبين لنا ما جاء محمد من ربه:
وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33)
وسنتعرض لهذه القضية التي نظن أنها غاية في الخطورة لاحقاً بحول الله وتوفيقه، سائلين الله وحده أن يؤتينا رشدنا، وأن يرحمنا، وأن يعلمنا الحق فلا نفتري عليه الكذب، إنه هو السميع المجيب.

[5] نحن نظن أن القوة تعني الثبات على المبدأ وعدم التفريط فيه. للتفصيل انظر مقالاتنا السابقة.