تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة موسى 6: باب العزير 03


حاولنا في نهاية الجزء السابق من هذه المقالة تسليط الضوء على جزئية في قصة موسى مع العزير خاصة بالاتفاق الذي حصل بينهما كشرط للرحلة المشتركة بينهما:
          قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا
فظننا أن الرجل قد اشترط على موسى أن لا يسأله عن شيء يفعله مقابل أن يحدث الرجل بنفسه لموسى من الأمر ذكرا.  ولكن الذي حصل على أرض الواقع كان على نحو إنه عندما لم يصبر موسى على صحبة الرجل وسأله أكثر من مرة عن ما كان من المفترض من موسى أن لا يسأله عنه، قام الرجل بفعل التأويل بدل أن يحدث له من الأمر ذكرا:
          قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا
وزعمنا الظن بأن الرجل قد أخذ موسى وانطلق به ليصل معه إلى مكان محدد بعينه لكي يحدث لموسى من تلك الأمور ذكرا هناك، وقد افترينا القول بأن الرجل كان ينوي أن يصحب موسى إلى تلك القرية الخاوية على عروشها التي بعثه الله فيها بعد أن أماته مئة عام هناك، حيث تلقى ذلك الرجل العلم الإلهي مباشرة من الله هناك:
أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ                                                                                                                   البقرة 259
ولما بحثنا في كتاب الله عن القرية الخاوية على عروشها لم نجدها قد ذكرت إلا في موقع آخر من كتاب الله في الآية الكريمة التالية:
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ     (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)         
فافترينا الظن من عند أنفسنا بأن تلك القرية هي نفسها التي مرّ بها الرجل وأماته الله فيها مئة عام ثم بعثه هناك. فالرجل في ظننا كان يسير في الأرض لينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم. ولكن المدقق في السياق القرآني نفسه يجد أنه قد تبقى هناك شيئان فقط في تلك القرية الخاوية على عروشها، ألا وهما (1) بئر معطلة (وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ) و (2) قصر مشيد (وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ). فما قصة تلك البئر المعطلة؟ وأين هو ذاك القصر المشيد؟
جواب: لقد دفعنا هذا التساؤل في البحث عن الأقوام التي سكنت تلك القرية الخاوية على عروشها، وبكلمات أكثر دقة طرحنا التساؤل التالي: من هي الأقوام التي كانت تلك نهايتها (خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا
جواب: عندما حاولنا أن نتتبع السياقات القرآنية وجدنا أن هذه النهاية كانت من نصيب اثنين من الأقوام التي أهلكهم الله بذنوبهم وهما:
  1. عاد
سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ
  1. ثمود
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ                                النمل
وعندما حاولنا تدقيق النظر أكثر في هذين السياقيين القرآنيين وجدنا أنه في حين أن عاد (قوم هود) كانوا بأنفسهم كأعجاز نخل خاوية (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)، كانت بيوت ثمود (قوم صالح) هي الخاوية بنفسها (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً)[1].
نتيجة: بيوت ثمود (قوم صالح) هي من كانت خاوية.
وعندما حاولنا البحث في كتاب الله عن الترتيب الزمني لتلك الأقوام وجدنا ذلك جلياً في سورة الأعراف، حيث أن ثمود (قوم صالح) هم ورثة عاد (قوم هود) الذين هم أصلاً ورثة قوم نوح:
وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ(68) أَوَعَجِبْتُمْ أَن جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنكُمْ لِيُنذِرَكُمْ ۚ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)

وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
ليصبح الترتيب على النحو التالي[2]:
1.     قوم نوح
2.     قوم هود (عاد)
3.     قوم صالح (ثمود)
ولكن المفارقة العجيبة – برأينا- جاءت في السياق القرآني على نحو أنه في حين أن قوم هود قد كانوا خلفاء قوم نوح (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ) وزادهم الله في الخلق بسطة (وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً)، كان ثمود (قوم صالح) قد خلفوا عاد (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ) وتبوءوا الأرض (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ)، فاتخذوا من سهولها قصورا (تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا)، ونحتوا الجبال بيوتا (وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا).
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن ثمود (قوم صالح) قد سكنوا الأرض نفسها التي كان قد سكنها عاد (قوم هود) من قبلهم، فالله الذي جعل ثمود خلفاء عاد قد بوأهم الأرض (وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ)[3]. فوقع العذاب على عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد فأصبح القوم كأنهم أعجاز نخل خاوية، ثم وقع العذاب من بعد ذلك على ثمود فأصبحت بيوتهم خاوية.
ولو راقبنا قصة ثمود أكثر لوجدنا أن القوم كانوا يتخذون من السهول قصورا وينحتون الجبال بيوتا (تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا)، ولو حاولنا ربط ذلك بما وجد الرجل في القرية التي مرّ عليها وهي خاوية على عروشها لوجدنا البئر المعطلة والقصر المشيد، ربما لتكون بقايا تلك القصور التي اتخذتها ثمود في ذلك المكان:
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ     (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)         
دقق - عزيزي القارئ- في الآية الكريمة نفسها لتجد – كما أسلفنا- أن الرجل كان يسير في الأرض لينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ)، وكان نتيجة بحثه ليكون له قلب يعقل به (فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا) وآذان يسمع بها (آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا)، فأصبح مبصر القلب الذي في صدره بعد أن علمه الله (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[4].
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأن القرية التي مرّ عليها الرجل في رحلته وهو يسير في الأرض لينظر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم هي قرية ثمود (قوم صالح) التي كانت في الأصل ديار عاد. وربما الشاهد على ذلك هو ذلك القصر المشيد الذي نظن أنه بقايا تلك القصور التي كانت ثمود تشيّدها في سهولها.[5]
سؤال: إذا كان ذلك القصر المشيد هو بقايا تلك القصور التي كانت تشيّدها ثمود، فما قصة تلك البئر المعطلة؟
جواب: لو حاولنا العودة إلى قصة ثمود نفسها لوجدنا أن الحدث الأميز في سيرتهم مع نبيهم صالح هي الفتنة التي أوقعهم الله بها بسبب الناقة:
          إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ                                                    القمر 27
ولو تابعنا قصة فتنة الناقة لوجدناها على نحو أن يكون الماء قسمة بينهم:
          وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ                                             القمر 28
تساؤلات:
-        كيف كانت الماء قسمة بينهم؟ أي كيف كانت تتم عملية قسمة الماء بينهم؟
-        والأهم من ذلك في ظننا هو: كيف كان كل شرب محتضر؟
رأينا: لمّا كان الماء قسمة بينهم كان لابد من تواجدهم (أي حضورهم) عند القسمة:
          وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا
فمن أراد أن يكون له حصة في القسمة، فعليه أن يحضر تلك القسمة، ويشهد على أن القسمة كانت عادلة. فمن متطلبات القسمة توافر شرط العدل في التوزيع، وإلاّ لأصبحت تلك إذاً قسمة ظيزى، لذا نحن نتصور أن القوم كانوا يحضرون قسمة الماء بينهم، وبهذا يكون كل شرب محتضر، أي يحضر الجميع عند عملية القسمة ليشهدوها بأنفسهم. ولكن كيف كانت تتم آلية التوزيع؟
رأينا: لو كان الماء متواجدا فيما يشبه النهر أو البحيرة أو البركة لما كانت قسمة الماء -  برأينا- ممكنة، وربما لما كان حضورهم ضرورياً أصلاً، ولربما ذهب كثير من الماء دون قسمة، ولربما ما كان كل شرب محتضر. ولكن لو تتبعنا السياق القرآني نفسه لوجدنا أن القسمة كانت تتم بالشرب:
                   وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ                القمر 28
فلقد كان للقوم شرب وكان للناقة شرب يوم معلوم:
          قَالَ هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ                     الشعراء 155
فكيف كانت تتم آلية تقسيم الماء بالشرب إذن؟
رأينا: نحن نظن أن ذلك غير ممكن إلا أن يتم استخراج الماء من بئر، فتعطى الناقة شرب، ويأخذ القوم شرب، وبهذه الطريقة يتم تقسيم الماء بينهم. فيكون بذلك كل شرب محتضر، فلا يذهب شيء من الماء هباء.
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأنه لمّا اعتدى القوم على الناقة وعقروها (أي طردوها من المكان فلم يسمحوا لها أن تأخذ حصتها من ماء تلك البئر)[6] نزل العذاب بهم، فذهبوا هم عندما أصبحوا كهشيم المحتضر (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)[7]، وبقيت ديارهم من بعدهم حتى أصبحت آثاراً في الأرض:
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ                                 النمل (52)
ولو حاولنا أن نربط ذلك بما جاء في الآية الكريمة التالية التي زعمنا منذ البداية أنها تخص صاحب موسى ربما استطعنا أن نفتري شيئاً جديدا:
فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ     (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46)
السؤال: ما هو البئر المعطلة والقصر المشيد؟
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نظن أن القصر المشيد هو من بقايا قصور ثمود التي كانوا يشيدونها، كما نفتري الظن في الوقت ذاته بأن البئر المعطلة هي تلك البئر التي كان من المفترض أن يقسم ماءوها بين القوم والناقة قسمة بالشرب المحتضر. وما أن هلكت ثمود حتى بقيت تلك البئر منذ ذلك الوقت معطلة لا يردها أحد.
(دعاء: أللهم أسألك وحدك أن أكون أول من يرد ماء تلك البئر).
تلخيص
نحن نحاول أن نلخص ما سبق من افتراءات قدمناها من عند أنفسنا على النحو التالي: نحن نظن أن الرجل (الذي افترينا القول بأنه العزير) قد انطلق بموسى في تلك الرحلة ليصل به إلى ذلك المكان حيث البئر المعطلة والقصر المشيد، وهناك كان يمكن للرجل أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا. وقد حاولنا في الجزء السابق من هذه المقالة الوقوف عند مفردة الذكر حيث ظننا أن إحداث الذكر يتطلب وجود علم من الكتاب، فالآية الكريمة التالية توضح بأن القرآن الكريم نفسه:
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا
 بالضبط كما كان الرجل ينوي أن يفعل لموسى:
          قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا 
لذا حاولنا أن نفتري القول بأنه لكي يحدث الرجل لموسى من الأمر ذكرا، فلابد أن يذهب به إلى مكان حيث يوجد علم (ربما شيء مكتوب) لكي يعلمه هذا الرجل لموسى، وإن حصل ذلك وتعلم موسى الذكر، فإنه سيستطيع أن يتعلم بنفسه كيفية القيام بمثل هذه الأفعال التي قام بها الرجل وهم في طريق الذهاب إلى ذلك المكان كخرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار. وبكلمات أخرى نقول بأنه لو صبر موسى على صحبة الرجل لأحدث ذلك الرجل لموسى من الأمر ذكر، وربما تحصل لموسى مثل ذلك العلم اللدني الذي كان متوافرا للرجل، فنحن لا ننسى أن الله قد شهد بنفسه أنه قد علم ذلك الرجل من لدنه:
          فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا
السؤال: ما هو مصدر العلم اللدني إذن؟
رأينا: إنه علم الكتاب:
          الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ                                     هود 1
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)                                                             الكهف 1-2
بالضبط كعلم القرآن الذي جاء محمداً من لدن حكيم عليم:
          وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ                                      النمل 6
فمن تحصل على ذلك العلم اللدني استطاع القيام بمثل هذه الأفعال عن علم، كما فعلها عيسى بن مريم الذي كان بنفسه هو من لدن الله:
وَحَنَانًا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً ۖ وَكَانَ تَقِيًّا
لأنه يكون قد تحصل له الذكر:
كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا                  طه 99
لأن مهمة الذكر هو تبيان ما نزل للناس من ربهم:
          بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ ۖ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)
السؤال: فكيف سيبين الرسول بالذكر الذي أنزل إليه ما نزل للناس من ربهم؟
للإجابة على هذا التساؤل فلابد من طرح تساؤل أولي وهو: ما الذي أنزل للناس من ربهم؟
جواب: لا شك عندنا أن الذي أنزل علينا من ربنا هو الكتاب والحكمة:
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ۚ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ                                                                                    البقرة 231
وكان ذلك (أي الكتاب والحكمة) هما ما أنزل الله على رسله كما جاء به محمد:
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ۚ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا                                  النساء [8]113
أو كما علمه الله لعيسى ابن مريم:
إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ                                                                                                        المائدة 110
وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ                                                                         آل عمران 48
أو كما كانت من نصيب آل إبراهيم:
أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا    النساء 54
نتيجة: لقد توافر لنا علم الكتاب والحكمة كما كان متوافر لعيسى بن مريم ولآل إبراهيم. ولكن يبقى الفيصل في العلم هو وجود الذكر حيث وكانت مهمة الرسول تكمن في أن يعلم الناس الكتاب والحكمة:
رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ                                                                                                                                                     البقرة 129
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ   البقرة [9]151
لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ                                                                                                  آل عمران 164
هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ                                                                                                                                       الجمعة 2
ولكن حتى يستطيع الرسول أن يبين للناس ما نزل إليهم من ربهم من الكتاب والحكمة كان لابد من توافر الذكر الذي يستطيع من خلاله أن يبين لهم ما نزل إليهم من ربهم من الكتاب والحكمة:
          بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ ۗ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ[10]
فتكون الصور على النحو التالي:
كتاب                                                    الذكر                                                    الحكمة
(منزل علينا وعلى محمد)            (منزل على محمد وقد علمنا إياه ونحن نحتاج أن نتفكر به)               (منزل علينا وعلى محمد)

فمن خلال الذكر الذي أنزله الله على نبيه أستطاع محمد أن يبيّن للناس ما نزّل إليهم من ربهم من الكتاب والحكمة (أي ربط ما في الكتاب بالحكمة المصاحبة له).
وبالمنطق نفسه نقول بأنه قد تحصل لهذا الرجل صاحب موسى الذكر، فكان يستطيع أن يربط ما في الكتاب بالحكمة المصاحبة له:  - فهو قد أحاط خبرا بتلك السفينة فعلم أن عليه أن يخرقها (فيستطيع أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا، فيبين له الحكمة من وراء ذلك)
- وهو قد أحاط خبرا بذلك الغلام من علم الكتاب فعلم أن عليه قتله (ويستطيع أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا)
- وهو كذلك قد أحاط خبرا بالكنز الذي تحت الجدار، فأقام الجدار (ويستطيع أن يحدث لموسى من الأمر ذكرا)
لذا نحن نفتري الظن بأنه قد تحصل لهذا الرجل الذكر، فكان يستطيع القيام بتلك الأعمال عن علم حقيقي من الكتاب وذلك بربط الأحداث بالحكمة المصاحبة لها عن علم حقيقي، ولا أظن أن العلم الحقيقي (كعلم هذا الرجل الذي جاءه بتعليم مباشر من الله) يمكن أن يأتي إلا من علم ما في الكتاب الذي هو الحق بعينه.
(دعاء: اللهم رب أسألك أن تعلمني الذكر وتجعلني لأهل الذكر إماما)
لكن كانت المفارقة تكمن في أن موسى لم يستطع أن يصبر على صحبة الرجل، فما كان الرجل ليحدث لموسى من الأمر ذكرا، واكتفى بتأويل ما لم يستطع عليه موسى صبرا:
          قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا                          الكهف 78
نتيجة: الرجل لم يحدث لموسى من الأمر ذكرا، واكتفى بأن يقوم بتأويل ما لم يستطع عليه موسى صبرا.
فما هو التأويل؟
لقد افترينا في الجزء السابق من المقالة أن التأويل هو الإخبار عن ما سيحدث مستقبلاً كما جاء الحديث عن يوسف في الآية الكريمة التالية:
قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ۚ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ                                                                                 يوسف 37
فلقد كان يوسف ينبئ صاحبيه السجن بالطعام الذي سيرزقانه قبل أن يأتيهما، فكان ذلك من باب التأويل، وكذلك فعل بالنسبة لرؤيا الملك، فلقد أخبرهم بما ستؤول إليه الأمور لاحقاً:
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ                                                            يوسف 36
قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ                                                يوسف 44
وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ                                         يوسف 45
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ                                                                                         يوسف 100
فكان علم يوسف هو علم تأويل الأحاديث، أي الإخبار عن ما ستؤول إليه الأمور مستقبلاً، وهو علم علمه الله إياه في صغره:
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ                                                                          يوسف 6
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَىٰ أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا ۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ                                  يوسف 21
وانتهت حياة يوسف به:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ                                                                                     يوسف 101
افتراء من عند أنفسنا: التأويل هو علم أدنى درجة من الذكر.[11]
ونحن نظن أن علم التأويل هذا قد تحصل لكثيرين من مثل يوسف عليه السلام:
وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ ۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
وكصاحب موسى هذا:
          قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
          ... وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
السؤال: كيف كان تأويل الرجل للأحداث التي مرا بها والتي لم يستطع موسى صبرا عليها؟
جواب: انظر الجدول التالي، وحاول – عزيزي القارئ- أن تربط الحدث مع تأويله الذي قدّمه الرجل لموسى، فهل ترى أن الكلام مفهوما؟ وهل تجد أن الحجة مقنعة؟ أي هل فهمت فعلاً لم فعل الرجل تلك الأحداث؟ وهل تأويله لما فعل يبرر فعلاً ما قام به؟
هذا ما سنحاول أن نقحم أنفسنا فيه فيما تبقى من هذا الجزء من المقالة، سائلين الله وحده أن يؤتينا رحمة من عنده وأن يعلمنا من لدنه علماً فلا نفتري عليه الكذب، إنه هو السميع البصير.
الحدث
الحقيقة
التأويل
السفينة
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71)
أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
الغلام
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا  (74)
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا ( 80)  فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81)
الجدار/الكنز
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)

أما بعد،
السؤال الأول: لماذا قام الرجل بهذه الأفعال الثلاثة: خرق السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار؟
رأينا: نحن نظن – بادئ ذي بدء- أن جزءا من الإجابة على هذا التساؤل يكمن في فعل الإرادة عند ذلك الرجل، ولكن كيف ذلك؟
جواب: لو دققنا في تأويل الرجل لهذه الأحداث الثلاثة لوجدنا أنه يستخدم فعل الإرادة (المشتق من الفعل أراد) في كل مرة بطريقة مختلفة:
1.     فعندما تحدث عن خرقه للسفينة (الحدث الأول) جاء قوله "فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا"
2.     وعندما جاء حديثه عن الجدار (الحدث الثالث) نسب الإرادة لله وحده " فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا"
3.     ولكن في الحدث الثاني وهو قتل الغلام جاء حديثه عن الإرادة بصيغة الجمع "فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا"
السؤال: لماذا جاء فعل الإرادة بصيغ متعددة؟ لماذا لم يأت بالصيغة نفسها في الأحداث الثلاثة؟ ألم يكن الرجل نفسه هو من قام بتلك الأحداث جميعها؟ لماذا إذن اختلفت الإرادة في كل حدث؟ ومن الذي فعلا نفذت إرادته في ذلك؟
رأينا (1): لا شك أن فعل الإرادة في عملية خرق السفينة كانت نابعة من الرجل نفسه، فهو من أراد أن يخرق السفينة ويعيبها لكي لا تصل أيدي ذلك الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبا إليها. لذا فقد قال الرجل " فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا"، ناسباً الإرادة في ذلك إليه.
رأينا (2): كما أننا لا نشك أن الإرادة في الحدث الثالث والأخير وهو بناء الجدار كانت من الله وحده، فالله هو من أراد أن يبلغ اليتيمان أشدهما ويستخرجا كنزهما. لذا فقد قال الرجل "فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا". فنسب الإرادة في ذلك إلى الله وحده.
رأينا (3): لكننا نظن أن المشكلة في فهم الإرادة لدينا تكمن في فعل قتل الغلام حيث جاءت الإرادة بصيغة الجمع (فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا)، ليكون السؤال على النحو التالي: إرادة من هي إذن؟ أهي إرادة الرجل؟ أم هي إرادة الله؟ أم هي إرادة الرجل وإرادة الله معاً؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نفتري الظن بأنها إرادة ذلك الرجل أولاً وإرادة الله ثانيا. فذاك الرجل – برأينا- كانت إرادته أن يبدلهما الله خير منه زكاة وأقرب رحما وكذلك كانت إرادة الله بأن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة وأقرب رحما.[12]
السؤال: لماذا؟
لنبدأ الحديث عن الإرادة من الحدث الثالث والأخير وهو بناء الجدار، حيث نجد أن الإرادة كانت نابعة من الله وحده، فالرجل ينأى بنفسه أن يكون له دخل بالأمر من قريب أو من بعيد، فتلك كانت إرادة الله (فَأَرَادَ رَبُّكَ):
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)
فالمتدبر للنص القرآني يجد أن الرجل ينسب الإرادة في ذلك إلى رب موسى، وأن ليس له دخل بذلك على الإطلاق كما كان الحال في الحدثين السابقين، أليس كذلك؟
السؤال: إنْ صح ما تزعم، كيف يمكن تعليل ذلك؟ أي لماذا كانت هي إرادة الله وحده في بناء الجدار؟ ولِم لَم تتدخل إرادة الرجل في ذلك؟
رأينا: لأن ذلك الأمر خاصاً بالرزق.
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ                                                                يونس 31
وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ۚ كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ                   هود 6
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ                  الرعد 26
وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ                            النحل 73
وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ۖ لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكَ ۗ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ                          طه 132
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ              الحج 58
أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ                                                                                                                              النمل 64
وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ۚ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ                                                                                                  القصص 57
وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ ۖ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا ۖ وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ                                                                                    القصص 82
إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ                                                                               العنكبوت 17
وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ                                          العنكبوت 60
قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ قُلِ اللَّهُ ۖ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ                سبأ 24
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ                                                                                                                             فاطر 3
وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ                                                                                   الذاريات 22
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)            الذاريات
أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ ۚ بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ الملك 21
نتيجة: لمّا كان الرزق هو من الله وحده، ما كان لهذا الرجل الصالح أن يدخل إرادته في ذلك، فالله هو الرزاق ذو القوة المتين، وهو الذي يرزقنا، ولا خالق غير الله يرزقنا من السماء والأرض. لذا نحن نظن أن الرجل كان يعلم يقيناً أن ذلك رزق من الله وحده لهؤلاء اليتيمين، وليست منّة من أحد غير الله. فكانت هي إرادة الله أن يبني لهما الجدار ليحفظ لهما ما رزقهما الله.

خروج عن النص في استراحة قصيرة
تخيل - عزيزي القارئ- ما فعل هذا الرجل مع موسى جيداً لتأخذ من ذلك الدرس والعبرة الحقيقية، ولكن كيف؟
نحن نعلم أن موسى وصاحبه كانا في أمس الحاجة إلى الطعام بدليل أنهما استطعما أهل القرية التي أتيا عليها:
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ...
ونحن نعلم من تتمة الآية نفسها أن أهل تلك القرية الذين مروا بهم قد رفضوا أن يضيفوهما:
... فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا
ومع ذلك، يقوم الرجل ببناء الجدار لهما ليحفظ لهما كنزهما، ولا يتعدى عليه، أليس هذا ما حصل؟
السؤال: تخيل نفسك - عزيزي القارئ يا من تعتبر نفسك من أهل الإسلام الذين يلتزمون بتعاليم القرآن-  تخيل أنك تملك علماً كعلم هذا الرجل، فتمر على الأرض، فتحيط خبرا بما هو مدفون في داخلها من الكنوز، فما الذي ستفعله إذاً؟ هل كنت ستستطيع أن تصبر على ذلك؟ هل تستطيع أن لا تنبش الأرض لتستخرج ما في باطنها من الكنوز؟ هل لو كانت تلك الأرض التي تحتوي في باطنها الكنوز الوفيرة ليست ملكاً لك، وإنما ملكا للآخرين، هل كنت ستتركها لهم؟ وماذا يفعل لصوص الليل الذين يحملون فؤوسهم ولا يتركون قطعة أرض يظنون أن بها شيئاً دفيناً إلا وينبشوها وهي ليست ملكاً لهم؟ ألا نراهم في اليوم التالي يصطفون في الصلاة ويزاحمون الناس على الصف الأول لما به من خير (كما تعلموا من مشايخهم)؟ ألا نراهم يلحّون في السؤال عن مشروعية استخدام السواك بعد العصر للصائم؟ من يدري!!!
ولكن ماذا كنت ستفعل أنت أيها المسلم لو فعلا كنت تملك علماً كعلم هذا الرجل، علماً يمكنك من معرفة ما في باطن الأرض من الكنوز؟
تخيلات من عند أنفسنا (1): نحن نظن أن الغالبية العظمى من الناس (ممن يظنون أنهم من أهل الإسلام بالطبع) لن تصبر على ذلك، وستنبش الأرض لتستخرج تلك الكنوز وإن لم تكن من حقهم.
تخيلات من عند أنفسنا (2):  لكننا نظن أن الخير لم يعدم كلّياً من بين الناس، فهناك – في ظننا- قلة قليلة يمكن أن تتصرف بطريقة أكثر تهذيباً وذلك ربما لتوافر الوازع الإيماني عندهم كأصحاب اللحى والعمائم، أتدرون ما يمكن أن يفعل هؤلاء يا سادة إن هم أحاطوا علماً بما في داخل الأرض من الكنوز؟
رأينا: نحن نظن أنهم سيتوجهون فوراً إلى أقرب بنك إسلامي (بغض النظر عن الفرع) للحصول على قرض (طبعاً حلال) ليشتروا قطعة الأرض التي تحتوي في باطنها الكنز، فسيدفعون لأصحاب الأرض ثمناً بخساً دراهم معدودة ليستخرجوا هم من باطن الأرض الكنوز الوفيرة، فيأكلونها ويتنعمون بها، ظانين أنه هنيئاً مريئا بالطبع. من يدري!!!
لكن يبقى السؤال - يا سادة- أهذا هو الدرس الذي يمكن أن نتعلمه من قصة موسى مع صاحبه من حادثة بناء الجدار على الكنز؟
رأينا: كلا وألف كلا، إن ما في كتابنا الكريم يأمرك أيها المسلم أنه مهما بلغت بك الحاجة (وإن وصلت بك إلى درجة الجوع) بأن لا تعتدي على ما هو ليس رزقاً لك، فما دام أن الله قد أوجد ذلك الكنز في أرض غير أرضك، فهو إذن ليس رزقاً لك، بل هو رزق لأصحابه، ويصبح من واجبك أن تحاول أن تحافظ عليه كما فعل ذلك الرجل الصالح صاحب موسى حتى لا يقع في أيدي ضعاف النفوس.
وهناك في الجهة المقابلة لصورة هذا الرجل الذي كان يملك هذا العلم العظيم (فلم يستخدمه لجشع في نفسه) تقع صورة قارون، الذي قال الله في حقه:
إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ ۖ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ                                                                                   القصص 76
ولكن كان رده المباشر على ذلك:
قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ                                                                                   القصص 78
نعم، لقد كان عند قارون ذلك العلم الذي تحصل به على كل تلك الكنوز، فهو – برأينا- الصورة المطابقة في العلم والمعاكسة في التصرف لصاحب موسى، ففي حين أن صاحب موسى كان يجد الكنز فيحافظ عليه لأصحابه، كان قارون لا يترك كنزاً في باطن الأرض إلا وينبشه ليضعه في خزائنه.
والقصة لم تنتهي منذ قارون إلى يومنا هذا، فها هو صاحب السلطان لا يترك كنزاً مدفونا في داخل الأرض إلا ويستخرجه، ويسلبه من أصحابه ليضعه في خزائنه، ثم ها هو يخرج على الأمة في احتفالاتها الدينية والفكرية لينضّر عليهم في الفكر الديني، أليست هذه هي المهزلة بعينها؟ من يدري!!!
وها هو رجل الدين الذي لا يترك تعويذة (ولا بخوراً هندياً قديماً أو صينياً حديثاً مقلدا) إلاّ ويتحايل بها على المغفلين ليشاركهم ما يستخرجون من باطن الأرض التي ليس لأحد منهم حق فيها، وهو يتلوا على مسامعهم آيات الكتاب الحكيم ليظن هؤلاء المغفلون أنه هو من أوصلهم إلى هذا الكنز الدفين، أليست هذه هي المهزلة بعينها؟ من يدري!!!
وها هو الجار "المسلم" الذي إن علم أن في أرض جاره شيء دفين بات ليله يفكر في كيفية استغفال جاره لينبش الأرض ويستخرج ما في باطن أرض جاره وهو الذي يقرأ في صلاته الجهرية والسرية:
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا
أليست هذه هي المهزلة بعينها؟ من يدري!!!
يا ليت علماؤنا الأجلاء قد أوصلوا للناس درساً مستفاداً من قصة موسى وصاحبه من بناء الجدار وأفهموا العامة معنى السرقة، وكيف يصبح من واجب المسلم أن يحافظ على رزق غيره حتى وإن كان في أمس الحاجة إليه. (طيب وأنا شو دخلني بهالسواليف هاي، لنعد إلى قصة الرجل)

عودة على بدء: قصة بناء الجدار
لماذا بنا الرجل الجدار لأهل القرية وهم الذين أبوا أن يضيفوهما؟
حاولنا أن ننبش في كتب التفاسير عن هذه القصة علّنا نجد جواباً على تساؤلنا هذا، وكلما نبشنا أكثر كلما رسخت القناعة عندنا أننا نضيع وقتنا في أقوال وآراء كان من المستحسن أن توضع في recycle bin  أساساً، فهي – في ظننا- لم تكن يوماً أكثر من شطحات وتخيلات لا تستند إلى دليل ولا تدعمها الحجة، فآثرنا - كالعادة- أن نحاول أن نحبك خيوط القصة من جديد علّنا بحول الله وتوفيق منه أن نصل إلى تصورات ربما تكون أكثر دقة لأحداث القصة كما حصلت فعلاً، لا كما أراد غيرنا أن ينخرها في أذهاننا طواعية فإن أبينا فكراهية.
بناء الجدار: تصور جديد من عند أنفسنا
عند التعرض لهذه القصة تطير إلى الأذهان تساؤلات كثيرة جداً نذكر منها:
-        ما هي تلك القرية التي مروا عليها؟
-        لماذا استطعما أهلها؟
-        من هم أهلها أولئك الذين استطعموهما؟
-        لماذا رفض أهل القرية أن يضيفوهما؟
-        لماذا أقام صاحب موسى الجدار بالرغم أن أهل القرية قد أبوا أن يضيفوهما؟
-        لماذا أقام صاحب موسى الجدار بنفسه؟
-        لماذا لم يساعد موسى صاحبه في إقامة الجدار؟
-        من هم اليتيمان اللذان كان الجدار لهما؟
-        لماذا طلب موسى من الرجل أن يتخذ أجرا على عمله؟
-        ومن الذي يمكن أن يطلب منه الرجل أجرا على عمله وهم الذين أبوا أصلاً أن يضيفوهما؟
-        وماذا لو فعلاً طلب الرجل الأجر، هل كان أهل القرية سيدفعون لهم أجرا؟
-        ألا يمكن أن يكون ردهم على نحو "أننا لم نطلب منكم القيام بذلك"؟
-        وكيف أوّل الرجل ذلك لموسى؟
-        وكيف فهم موسى تأويل الرجل لفعلته تلك؟
-        وأخيراً هل فهمت أنت – عزيزي القارئ- من تأويل الرجل لموسى شيئاً؟
-        وهل أدركت حكمة من وراء ذلك كله؟
-        الخ.
هذه – برأينا- مجموعة قليلة من الأسئلة التي يمكن إثارتها حول القصة، ولابد من إيجاد التبريرات المرضية لها إن نحن كانت غايتنا فهم ما حصل فعلاً، وإلا لبقي فهمنا للأحداث فهماً عقائدياً مدفوعاً بمبدأ التسكييت الذي مفاده : هذا ما قاله السادة العلماء وعليك إن تؤمن به وإلا رموك في نار جهنم لأنك خرجت عن الجماعة، وخالفت أسيادك من أهل الدراية وكذبت مشايخك من أهل الرواية، فالويل كل الويل لك لأنك أصبحت في خطر عظيم.
إذا كان المنطق على هذا النحو وهو القبول بالأمور عنوة دون تدبر، فإني استميحكم العذر - يا سادة- بالخروج شيئاً عن إجماع أهل الدراية لأضع بين أيديكم في الصفحات القليلة التالية فلتات ذهنية هي – لا شك- من عند نفسي حول القصة، وأترك للقارئ الكريم الحكم على ما نفتريه من عند أنفسنا، ومنهاجنا الموجه إلى سادتنا العلماء ملخصه ما جاء في كتاب الله:
          قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26)                                                                                                                                سبأ     
(دعاء: اللهم رب اجمع بيننا ثم افتح بيننا بالحق وأنت الفتاح العليم)
أما بعد
إن أول ما دعانا أن ننفلت لنطعن في تفسيرات من سبقونا لهذه القصة ملاحظة بسيطة غاية في الأهمية نظن أن جميع التفسيرات السابقة قد غفلت عنها يتلخص مفادها في الإجابة على التساؤل التالي: أين هم اليتيمين أصحاب الجدار؟
للإجابة على هذا التساؤل كان لابد – برأينا- من التطرق إلى أسئلة ذات صلة بهذا السؤال الرئيس نذكر منها: هل فعلاً قابل موسى وصاحبه اليتيمين؟ وإذا كانا قد قابلاهما، فكيف بموسى يطلب أجراً على عمل يقوم به للأيتام؟ أهي من أخلاق موسى النبي أن يعلم أن الجدار لليتيمين ويقوم بعد ذلك بطلب الأجر على عمل يقوم به لهما؟ ألم يكن موسى يغيث الملهوف ولا يتخذ على ذلك أجرا؟ هل نسينا قصة موسى مع المرأتين على ماء مدين؟ ألم يسقي لهما ويتولى إلى الظل ليطلب الرزق من ربه؟ فما بال موسى - يا سادة- يطلب الأجر على فعل يخص أيتاماً؟ لم لا يتولى إلى الظل ليطلب الرزق من ربه هذه المرة أيضاً؟
جواب: إن الجواب الجاهز عند كل من تطرح على مسامعه هذه التساؤلات هو أن موسى لم يكن يعلم أن الجدار يخص اليتيمين، وإلا لما طلب أجراً على ذلك، وأن صاحب موسى هو من كان يعلم أن الجدار يخص اليتيمين.
رأينا: هذا صحيح، موسى لم يكن يعلم أن الجدار يخص اليتيمين، وصاحبه هو من كان يعلم أن الجدار يخص اليتيمين وهذا واضح من تأويل الرجل للحدث:
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)
لكن هذا الجواب يعيد إلى الأذهان التساؤل نفسه: لماذا لم يعلم موسى أن الجدار كان يخص اليتيمين فيسكت فلا يطلب على ذلك أجرا؟ وأين هم (اليتيمين أقصد) أصلاً؟
رأينا: اليتيمان كانا في المدينة (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ) وليس في القرية التي وجدا فيها الجدار. دقق - عزيزي القارئ- في هذه المعلومة البسيطة جداً: الغلامان اليتيمان كانا في المدينة بينما كان الجدار في القرية:
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
قارن – عزيزي القارئ- بين الحدث وتأويله كما يرد في كتاب الله، في الجدول التالي:
                             الحدث
                   التأويل
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا (82)

نتيجة: لقد مر موسى وصاحبه على أهل قرية وهناك وجدا الجدار الذي يريد أن ينقض، فما كان من صاحب موسى إلى أن يعمد إلى إقامة الجدار على الكنز لأن ذلك الجدار كان لغلامين في المدينة، لذا في حين أن الجدار كان في القرية كان صاحباه اليتيمين في المدينة.
إن هذا الفهم يقودنا على الفور إلى طرح التساؤلات التالية:
-        من هم أهل القرية الذين أتوا عليهم؟
-        ولماذا أبوا أن يضيفوهما؟
-        ولماذا عمد الرجل الصالح إلى إقامة الجدار بالرغم أن أهل القرية قد أبوا أن يضيفوهما؟
افتراء من عند أنفسنا: عندما نستطيع أن نتفهم أن الجدار كان في القرية وأن صاحبيه الغلامين اليتمين كانا في المدينة ربما نستطيع أن نتخيل من هم أهل القرية اللذين أبوا أن يضيفوا موسى مع صاحبه، ولكن كيف؟
رأينا: غالباً ما غلفت التفسيرات السابقة هذه القصة بالفهم الشعبي بأن من يأبى أن يضيف الزائر فهو بلا شك شخص بخيل، لذا انهال أهل الدراية على أصحاب تلك القرية بالاتهام بالبخل، وكالوا لهم كل التهم التي لا تليق بأخلاق العرب أصحاب الضيافة والكرم ولا تليق بأخلاق المسلمين وهم أصحاب الدين المستقيم الذي يحث على إكرام الضيف. لكننا نستميح سادتنا العلماء العذر لنقول بأن الصورة كانت معكوسة تماماً. ولكن كيف؟
رأينا المفترى: لمّا كان الجدار في القرية، ولمّا كان صاحباه اليتيمين في المدينة، كان من مر عليهم موسى وصاحبه من أهل القرية ليسوا أكثر من عمال يخدمون أرض الأيتام، وهم مؤتمنون عليها، وما كان لهم حق في أن يضيفوا أحداً على مال ليس من مالهم، فهم يعملون في أرض الأيتام ويقومون على خدمتها، ولما كانوا ( برأينا على عكس ما ظن أسيادنا من أهل العلم) أصحاب ضمائر حية وأصحاب عقائد سليمة، كان عليهم أن يحافظوا على أموال الأيتام ولا يتصرفوا بشي منها:
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ                    الأنعام  152
وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا               الإسراء 34
نعم، نحن نظن أن أهل تلك القرية الذين أتى عليهم موسى مع صاحبه كانوا موكلين بأموال اليتامى حتى يبلغ الأيتام أشدهم، ونحن نظن أنهم كانوا أصحاب عهد وهم يعلمون أن العهد كان مسئولا (انظر الآية السابقة جيداً)، لذا نحن نتخيل  أنهم قد أبوا أن يضيفوا موسى وصاحبه ليس بخلاً ولا شحاً وإنما حفظاً للأمانة ورعاية للعهد. من يدري!!!
لذا  نحن نتخيل أنه لمّا وجد منهم ذلك الرجل الصالح أنهم يحافظون على أموال الأيتام كما يجب، فلا يفرطون بها ويرعون العهد في ذلك، ما كان منه إلا أن شمّر عن ساعديه ليساعدهم على المحافظة على رزق أولئك الأيتام بإقامة الجدار الذي يريد أن ينقض، فلو دققنا النظر في النص جيدا لوجدنا بكل سهولة ويسر أن الجدار لم يكن قد انقض بعد ولكنه كان يريد أن ينقض:
فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
فالرجل يرى حجم العمل الذي كان يقوم به هؤلاء المؤتمنون على أرض الأيتام ويرعون العهد فيهم، فيحاول أن يساعدهم ليخفف عنهم جزء من العناء الذي يتكبدونه مقابل ما رأى من أمانتهم وحفظهم للعهد. والله أعلم.
من الذي أقام الجدار؟
ولو دققنا في النص أكثر لوجدنا أن الذي وجد الجدار في القرية هما موسى وصاحبه ولكن الذي أقامه هو صاحب موسى فقط، انظر – عزيزي القارئ- إلى التناوب في اللفظ في الآية نفسها:
          فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ
نتيجة: موسى وصاحبه وجدا الجدار ولكن الذي أقامه هو صاحب موسى فقط.
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل المشهد على النحو التالي:  جلس موسى (ربما) غاضباً من فعلة صاحبه الرجل عندما أبى أهل القرية أن يضيفوهما، ربما لأن موسى ظن (كما ظن سادتنا العلماء) بأن عدم استضافة أهل القرية لهم جاء من باب البخل، فجلس يرقب دون أن يشارك[13]، ولم يكتفي بذلك بل سأل الرجل أن يطلب منهم أجرا مقابل ما فعل من بناء الجدار، ولكن الذي فهم السبب الحقيقي من وراء رفضهم تقديمهم واجب الضيافة لهم هو من شمّر عن ساعديه وقام ببناء الجدار لهما (فَأَقَامَهُ). ولم يطلب منهم أجرا على ذلك، لا بل وساءه تصرف موسى ذلك، فكانت تلك القصة هي سبب فراق الرجل لموسى:
          قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78)
من هم اليتيمان؟
السؤال: من هم أولئك اليتيمان؟ ولماذا هما في المدينة؟ ولم لم يكونا في القرية عند جدارهما؟ وكيف فهم موسى تأويل الرجل للحدث فسكت على الفور؟ وهل فهمنا نحن ما فهمه موسى من تأويل القصة؟
جواب: إن هذه التساؤلات تعيدنا فوراً إلى طرح سؤال تعرضنا له في مقالاتنا السابقة يخص الفرق بين لفظتي القرية والمدينة في النص القرآني، لنطرح التساؤلات على النحو التالي:
-        ما هي المدينة في النص القرآني؟
-        ما هي القرية في النص القرآني؟
-        كيف تختلف القرية عن المدينة؟
جواب مفترى من عند أنفسنا: كل مدينة هي قرية ولكن ليس كل قرية هي مدينة، ولكن كيف؟
لقد تعرضنا في مقالة سابقة لنا تحت عنوان لماذا قدم نبي الله لوط بناته بدلاً من ضيوفه لهذا التساؤل، ونحن لا نجد ضيراً في إعادة جزءاً كبيرا مما افتريناه هناك متعرضين للفرق بين مفردتي المدينة والقرية في النص القرآني، فزعمنا القول بأن ما يميز المدينة عن القرية في النص القرآني - حسب ظننا- ليس عدد السكان أو المساحة الجغرافية (كما يفضل الكثيرون الآن الفصل بينهم)، ولكنها المكانة السياسية، فالقرية هي قرية والمدينة هي قرية كذلك، فعندما تحدث القرآن الكريم عن مكان سكن قوم لوط الذين أنزل الله عليهم العذاب تحدث عنهم تارة بلفظة القرية:
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ ۖ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ العنكبوت (31)
وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ ۖ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34)               العنكبوت 33-34
وتارة أخرى بلفظة المدينة:
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَٰلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66) وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67)                                      الحجر 65-67
فافترينا عندها القول بأنه متى كانت القرية هي نفسها العاصمة السياسية للدولة، أصبحت (بالإضافة إلى أنها قرية) مدينة. فلا نجد في كتاب الله لفظة المدينة ترتبط بقرية إلا إذا كانت تلك القرية هي العاصمة السياسية للدولة.
الدليل
أولاً، لنقرأ في قصة موسى مع فرعون حيث تحصل أحداثها في المدينة (وليس فقط في قرية عادية):
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123)
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ ۚ قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18)
ثانياً، لنقرأ في قصة يوسف حيث تحصل أحداثها في المدينة:
وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ ۖ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا ۖ إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)
ثالثاً، لنقرأ في قصة أهل الكهف الذين نظن أنهم قد هربوا من ذلك الظالم الذي يحكم المدينة خوفاً على دينهم يبعثوا من مرقدهم، فيحاولوا إرسال أحدهم متخفياً إلى المدينة (فلو كان في قرية أخرى غير المدينة التي هربوا منها لما كانوا بحاجة أن يخفوا هويتهم):
وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۚ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَٰذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَىٰ طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
رابعاً: وها هو موسى مع صاحبه يرفعون جدارا في القرية يملكها يتيمين في المدينة:
فَانْطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ۚ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ۚ ذَٰلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
خامساً، وها هو رسول الله محمد يستقر في يثرب فتصبح على الفور مدينة (بعد أن كانت قرية):
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ ۖ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ۖ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ۚ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)
سادساً، وها هي مكة (على مكانتها) لم تكن يوماً مدينة وإن كانت هي أم القرى:
وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ۚ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ ۖ وَهُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ                                                                                       الأنعام (92)
وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۚ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ                                                                                                                    الشورى (7) [14]
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: إننا نعتقد جازمين أن السبب في تسمية يثرب بالمدينة كان بسبب مكانتها السياسية التي اكتسبتها بعد أن هاجر إليها محمد واتخذها عاصمة سياسية للدولة الناشئة. فقد كانت مكة في ذلك الوقت أكثر أهمية من الناحية الدينية أو الاقتصادية أو حتى السكانية (من حيث العدد)، إلا أن مكة لم تصبح يوماً مدينة ولكنها بقيت أم القرى.
ما علاقة ذلك بقصة اليتيمين والجدار؟
تخيلات من عند أنفسنا:  نحن نتخيل الموقف على النحو التالي: موسى يذهب مع صاحبه في رحلتهما باتجاه المكان الذي كانا ينويا الانطلاق إليه، وفي طريقهما إلى ذلك المكان يأتيا أهل قرية، فيستطعما أهلها (ربما نتيجة المجهود البدني الذي بذلاه في السفر)، فيأبوا أن يضيفوهما. ونحن نفهم من السياق القرآني أن موسى وصاحبه قد تجاوزا البحر كثيرا وإلا لربما استطاعا أن يحصلا على طعام من البحر بدل أن يطلبوا الضيافة من أهل القرية، وهناك يأبى أهل تلك القرية أن يضيفوهما لأنهما (برأينا) لم يكونوا أكثر من مؤتمنين على أموال الأيتام التي يعود إليهما الكنز الموجود تحت الجدار، وكان اليتيمان من سكان المدينة، بالضبط كحال رجل ميسور الحال يسكن في المدينة ولديه من الأملاك في الأرياف ما يتخذ له من العمال من يقوم على رعايته، فلم يكن اليتيمان يتواجدان في نفس مكان الجدار وإلا لاستحال أن يقع في خاطر موسى أن يطلب الأجر من أيتام لقاء عمل قام به الرجل لهما. فموسى لم يكن يعلم أن الجدار يعود لأيتام ولم يكن قد قابل اليتيمين عند الجدار لأن اليتيمين كانا من سكان المدينة (أي العاصمة السياسية آنذاك). وكان أهل تلك القرية هم من يقومون بواجب الحفاظ على أموال أولئك الأيتام فلم يكن لهم حق التصرف في أموال ليست ملكاً لهم، لذا أبوا (وليس فقط رفضوا) أن يضيفوا موسى وصاحبه، فلو راقبنا فعل "يأبى" في النص القرآني لوجدنا أنه يعني استحالة القيام بالفعل نتيجة مانع شرعي كما في السياق القرآني التالي:
          يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ
فمن الاستحالة أن لا يتم الله نوره، لأن تمام نور الله هي سنة الله التي لا محال حاصلة. لذا نحن نفتري الظن أنه مادام أن أهل المدينة قد "فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا" فيستحيل أن يقوموا بذلك مهما حاول موسى وصاحبه ذلك، لأن عدم تضييف أهل القرية لهم قد جاء عن مانع لامحالة نافذ.
وكما في السياق القرآني التالي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ ۚ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا ۚ فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ۚ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا ۚ وَلَا تَسْأَمُوا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَىٰ أَجَلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا ۖ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا ۗ وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ ۚ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ ۚ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فمن الواجب الشرعي على الكاتب ومن الواجب الشرعي على الشهداء أن يقوموا بدورهم كما علمهم الله. وبالمنطق نفسه نقول أن أهل القرية كانوا يقومون بواجبهم كما علمهم الله وهو على نحو أن لا يقربوا هم بأنفسهم مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وأن يوفوا بالعهد لأنهم على علم أن العهد كان مسئولا:
 وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۚ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ۖ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا             
السؤال: كيف فهم موسى تأويل الرجل له للأمر؟ وما الذي أدركه موسى من كلام الرجل وكان قد خفي عليه من ذي قبل؟
افتراء من عند أنفسنا: لقد علم موسى من خلال كلام الرجل هذا من هم فعلاً هؤلاء الغلامين اليتمين، أي لقد تعرف على هويتهم، وأدرك في الوقت ذاته فداحة الخطأ الذي ارتكبه، وشحّ علمه مقابل ما تفضل الله به على هذا الرجل من علم لدني، ولكن كيف ذلك؟
رأينا: نحن نظن أن كل ذلك جاء لموسى من العبارة التي قالها الرجل لموسى وهي وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ. فنحن نظن أن الفهم الحقيقي لهذه العبارة ستوصل لنا رسالة الرجل بكل سهولة ويسر بحول الله وتوفيقه بالضبط كما فهمها موسى حينئذ فسكت ولم ينبت ببنت شفة (كما تقول العبارة التي لا أكاد أفهمها)، ولكن كيف ذلك؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن موسى أدرك أن الرجل يتحدث عن:
1.     يتيمين اثنين
2.     هؤلاء اليتيمان كان يقطنان حتى الساعة في المدينة (وليس في القرية حيث الجدار)
3.     كان أبوهما صالحاً
إذن، كان على موسى أن يسترجع من ذاكرته شريط تاريخه وخبرته السابقة فوراً ليتحصل على المعلومات الضرورية التي ترشده إلى هوية هؤلاء اليتيمين، فماذا دار في ذهن موسى بعد مقوله الرجل هذه له؟
رأينا: نحن نظن أن موسى قد فهم على الفور أن الخطاب يخص يتيمين في المدينة، فكان عليه أن يجول في خاطره في تلك المدينة التي يتحدث عنها صاحبه، فما هي المدينة التي قصدها الرجل والتي أصبحت صورتها تجول في خاطر موسى حينئذ؟
جواب: إنها العاصمة السياسية حينئذ؟
سؤال: وما هي؟
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نظن أن هذه المدينة التي لازال اليتيمان يسكناها هي المدينة نفسها التي دخلها موسى يوما على حين غفلة من أهلها:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ القصص 15
لذا كان على موسى أن يتذكر على الفور أن الخطاب يخص يتيمين لازال يسكنان تلك المدينة. فالخطاب القرآني في حادثة الغلامين اليتمين وفي دخول موسى جاء بلفظ المدينة، ولم ترد لفظة المدينة في قصة موسى بأكملها إلا في هذين السياقيين القرآنيين، لذا نحن نفتري أن تلك المدينة التي دخلها موسى يوماً على حين غفلة من أهلها هي المدينة نفسها التي لازال الغلامان اليتمان يسكنان فيها. فما هي تلك المدينة يا ترى؟
جواب: نحن نظن أن موسى قد أدرك أيضاً من خطاب الرجل أن أولئك اليتيمين هما غلامان لأب كان هو أيضاً متواجداً في المدينة، والأهم من ذلك أن ذلك الرجل كان صالحاً (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا). فمن هو يا ترى ذلك الرجل الذي كان يسكن في المدينة وكان رجلاً صالحاً؟
رأينا: للإجابة على هذا التساؤل كان لابد من العودة والنبش في قصة موسى في المدينة من أولها إلى آخرها، وعندما حاولنا القيام بذلك وجدنا أن هناك على الأقل ثلاثة سيناريوهات محتملة وهي على النحو التالي:
1.     الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون:
وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ ۖ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ۖ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ غافر 28
2.     الرجل الذي كاد موسى أن يبطش به:
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ                     القصص 19
3.     الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليحذر موسى من الملأ الذين يأتمرون به
وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن والد الغلامين اليتيمين كان أحد هؤلاء الثلاثة، فمن هو يا تري؟
افتراء رقم (1): نحن نعتقد جازمين أن اليتيمين لا يعودان للرجل الذي يكتم إيمانه من آل فرعون، ربما لسبب بسيط وهو أن ذلك الرجل كان مؤمنا (وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ)، لكن السياق القرآني الذي يتحدث عن والد هؤلاء اليتيمين يدلنا صراحة على أن الرجل كان صالحاً (وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا). لذا نحن نظن أنه لو كان ذلك الرجل المؤمن هو والد اليتيمين لربما جاء النص القرآني على نحو:
          وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما مؤمنا (بدل صَالِحًا)[15]
افتراء رقم (2): نحن نعتقد أيضاً بأن والد الغلامين اليتيمين في المدينة لم يكن ذلك الرجل الذي أراد أن يبطش به موسى، لأسباب عديدة نذكر منها:
-        لم يكن ذلك الرجل من شيعة موسى بل كان من عدوه (فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا)
-        لا نظن أن من كان صالحاً سيقع في شجار بدني ربما يؤدي إلى قتل نفس بغير نفس (قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ)
-        نحن لا نملك دليلاً أن الرجل الذي كان موسى يريد أن يبطش به هو أصلاً من أهل المدينة، فلو تفقدنا النص كله لما وجدنا أن مفردة المدينة قد صاحبت هذا الرجل. انظر السياق مرة أخرى:
فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَىٰ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ ۖ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ                     القصص 19
افتراء رقم (3): يكاد الظن أن يميل إلى اليقين عندنا أن والد الغلامين اليتيمين اللذين في المدينة هو ذاك الرجل الذي جاء من أقصى المدينة ليحذر موسى من الملأ الذين كانوا يأتمرون به ليقتلوه، وهذا الظن مدفوع عندنا بمشاهدات عديدة، نذكر منها:
-        أن القرآن لم يذكر بصريح اللفظ بأن الرجل كان مؤمنا كما كان الحال بالنسبة لذاك الرجل الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون
-        أن هذا الرجل لم يكن من أعداء موسى كما كان الحال بالنسبة للرجل الذي أراد موسى أن يبطش به
-        أن الرجل جاء محذراً موسى من مؤامرة الملأ، لذا فهو رجل لا يميل إلى سفك الدماء، بل يريد حقنها.
-        أن الرجل كان مِنَ النَّاصِحِينَ (إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ)، ولم يكن لَمِنَ النَّاصِحِينَ، فنحن نظن أن اللام بمفردة الناصح تدل على تدبير مكيدة كما في حالة إبليس عندما أوقع بآدم:
وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ
وكما في حالة إخوة يوسف عندما أوقعوا بأخيهم:
قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ
أما من جاء ناصحاً أو كان من الناصحين (دون هذه اللام المصاحبة) فإنه يكون من الدّالين على الخير كما في السياقات التالية:
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ                                                                         الأعراف 21
فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ                         الأعراف 79
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ           القصص 12
وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ                                                                                                                                        القصص 20
-        ونحن نظن أن ذاك رجل هو والد الغلامين اليتيمين لأنه هو الوحيد الذي قرنت معه في السياق نفسه لفظة المدينة:
وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ
نتيجة: فبالرغم أن الرجل الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون كان متواجداً في المدينة، وبالرغم أن الرجل الذي كان موسى يريد أن يبطش به كان أيضاً متواجداً في المدينة، وبالرغم أن هذا الرجل أيضاً كان متواجداً في المدينة نفسها، إلا أنه هو الوحيد الذي اقترنت المدينة معه في السياق الذي يتحدث عنه (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ)
-        وأخيراً، لو تدبرنا السياق القرآني لوجدنا أن هذا الرجل قد جاء موسى من أقصى المدينة، لنطرح عندها سؤالاً على النحو التالي: لماذا كان ذلك الرجل قادماً من أقصى المدينة، لم لم يأتي من المدينة نفسها؟
رأينا: نحن نظن أن الرجل كان يتخذ لنفسه في المدينة مكاناً قصيا:
فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا
وكان يحاول أن لا يختلط بالناس، ليتخذ لنفسه خلوة، فكان يرى ما كان يقوم به أهل المدينة (آل فرعون) من الفظائع والفساد في الأرض، ولكنه لم يكن يوافقهم على ذلك الفساد، وكان رجل يميل إلى الإصلاح. وليس أدل على ذلك من قدومه إلى موسى ليحذره من الخطر الذي يتهدده من مؤامرة الملأ به[16].
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نظن أن الصورة التي تشكلت في ذهن موسى بعد أن أوّل له صاحبه العزير قصة الجدار والكنز كانت على النحو التالي: موسى يعلم الآن أن الحديث عن غلامين يتيمين في المدينة، وهي المدينة نفسها التي دخلها يوماً على حين غفلة من أهلها، وقتل فيها نفساً وأراد أن يبطش بالأخرى في اليوم التالي عندما كانت المدينة غارقة في فوضى بعد موت الفرعون الأول وخلال فترة انتقال الحكم إلى الفرعون الثاني (انظر الأجزاء الأولى من هذه المقالة)، وهناك في المدينة (كما يعلم موسى) فأن أهلها كانوا مفسدين:
          ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
ولكن موسى يعلم في الوقت ذاته أن في تلك المدينة كان هناك رجل يتخذ مكان قصيا (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ)، ولم يكن يشارك أهل المدينة فسادهم، وكان رجل لا يحب سفك الدماء، لا بل يريد الإصلاح، لذا نحن نظن أنه نفسه هو الذي جاء ذكره في الآيات الكريمة التالية:
وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ                                                                                                                              القصص 20
وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ                                        يس 20
فالرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ) ليحذر موسى من مؤامرة الملأ هو نفسه الذي جاء من أقصى المدينة يسعى مرة أخرى (وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ) ليقول للقوم أن يتبعوا المرسلين.
نتيجة مفتراة: نحن نتخيل أن رسالة صاحب موسى لموسى حول الغلامين اليتيمين اللذين أقام لهما الجدار كان مفادها ما يلي: أتدري يا موسى من هؤلاء اليتيمين اللذين أقمت لهما الجدار وتريد مني أن أتخذ على ذلك أجرا؟ إنهما (يا موسى) يتيمان ذاك الرجل الصالح الذي تعرفه في المدينة (التي كان أهلها مفسدون)، وهو نفسه الذي جاءك يوماً محذراً لك من مؤامرة الملأ بك. أتريدني الآن (نحن نتخيل الرجل يقول لموسى) أن أتخذ أجرا من مال اليتيمين اللذين ساعد والدهما في نجاتك (بحول الله وتوفيقه) من بين أيدي آل فرعون الذين كانوا يأتمرون بك ليقتلوك؟ أهذا هو علمك يا موسى؟ ألا ترى أنك لا تستطيع معي صبرا؟
النتيجة:
قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا
وللحديث بقية

فالله وحده أسأل أن يؤتيني رحمة من عنده وأن يعلمني من لدنه علماً، وأسأله وحده أن يعلمني ما لم أكن أعلم وأن يجعل فضله عليّ عظيما، والحمد لله رب العالمين.


المدّكرون: رشيد سليم الجراح        &        علي محمود سالم الشرمان

بقلم: د. رشيد الجراح
 25أيار 2013




[1] لاحظ في الآية الكريمة التالية كيف كانت نهاية ثمود أنفسهم:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)
ففي حين أن عاد كانوا (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ)  كان ثمود (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ)
[2] والآيات الكريمة التالية تؤكد هذا التسلسل الزمني:
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ ۛ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۛ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ ۚ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ۚ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ                                                         غافر (31)
[3] وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ ۚ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ ۖ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۖ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ
وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[4] انظر السياقات القرآنية التالية التي تؤكد على السير في الأرض والنظر في عاقبة الأمم السابقة لمن أراد أن يكون له قلب يعقل به وآذان يسمع بها:
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ         الحج 46
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ                                                                                                                      الروم 9
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۚ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا                                                                                                                                                            فاطر 44
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ                                                                                                                                                                    غافر 21
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ   غافر 82
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۖ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا                                                       محمد  10

[5] سنتعرض لاحقاً بحول الله وتوفيقه إلى جغرافية المنطقة التي كانت تسكنها ثمود حيث جاء في النص القرآني أنها تتميز بوجود السهول والجبال:
وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً ۖ فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ ۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
ومادام أن هناك جبال فهناك أيضاً واد:
وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9)
وكانت هناك الجنات والعيون:
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ الْعَالَمِينَ (145) أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (146) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149)
وسنتعرض بحول الله وتوفيقه إلى الربط الحاصل في الآيات الكريمة التالية بين عاد وثمود وقوم فرعون:
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13)
حيث أن هناك من مساكنهم ما يتبين لنا:
وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ ۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)
فالله وحده أسأل أن يختصني برحمة من عنده وبعلم من لدنه لا ينبغي لغيري إنه هو السميع العليم.
[6] انظر الفرق بين العاقر والعقيم في مقالاتنا السابقة حيث كانت امرأة زكريا عاقرا:
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ                                           آل عمران (40)
وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا                                                        مريم (5)
قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا                                                         مريم (8)
بينما كانت امرأة إبراهيم عقيم:
فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ                                                                          الذاريات (29)
[7] انظر السياق الأوسع لترى ما حل بالقوم أنفسهم:
إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27) وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ ۖ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31)
[8] إذا كان الله قد أنزل على رسوله الكتاب والحكمة، فما هو الشيء الذي علمه الله لرسوله ولم يكن الرسول يعلمه (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ
رأينا: نحن نظن أنه الذكر، أي كيفية ربط ما في الكتاب بالحكمة منه.
دعاء: اللهم رب ورب محمد أسألك أن تعلمني ما لم أكن أعلم وأسألك أن يكون فضلك عليّ عظيما.
[9] إذا كان محمد سيعلمنا الكتاب والحكمة (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فما هو الشيء الآخر الذي سيعلمنا إياه ولم نكن نعلمه (وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) كما جاء في هذه الآية الكريمة؟
رأينا: إنه الذكر.
دعاء: اللهم رب أسألك أن أكون ممن علمهم رسولك محمد الكتاب والحكمة وممن علمهم ما لم يكونوا يعلمون.
[10] لاحظ عزيزي القارئ أن الله قد أنزل علينا الكتاب والحكمة، فما متوافران بين أيدينا، لذا فإن الذي يحتاج منا إلى أن نتفكر به هو الذكر أي ربط ما في الكتاب بالحكمة المصاحبة له.
دعاء: أللهم أسألك وحدك أن أكون أكثر أهل ألأرض تفكراً، وأسألك وحدك أن تهديني إلى الذكر، وأن تجعلني لأهل الذكر إماماً.
[11] سنرى لاحقاً أنه في حين أن علم التأويل علم قائم بذاته:
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ                                 آل عمران (7)
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ۚ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ۚ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53)
أما الذكر فهو – برأينا- علم تفصيل الكتاب:
            وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
دعاء: اللهم رب أسألك أن تختصني برحمة من عندك، وأن تعلمني من لدنك علم التأويل وتفصيل الكتاب إنك أنت الحكيم العليم.
[12] لاحظ كيف جاء تأويل الرجل لحادثة السفينة في آية واحدة (الآية 79) حيث كانت الإرادة تخصه (فَأَرَدتُّ)، وكيف جاء تأويل الرجل لبناء الجدار في آية واحدة (الآية 82) حيث كانت الإرادة تخص رب موسى فقط (فَأَرَادَ رَبُّكَ)، بينما جاء تأويل الرجل لحادثة قتل الغلام في آيتين اثنتين (الآيات 80-81)، حيث كانت الإرادة مشتركة (فَأَرَدْنَا).
[13] نحن نظن أن عدم مشاركة موسى الرجل في بناء الجدار كان له سبباً آخر وهو تقدم موسى في السن وعدم قرته الجسدية على المساعدة في عمل بدني كهذا.
[14] صحيح أن نيويورك أكثر أهمية من الناحية الاقتصادية والعمرانية والسكانية من واشنطن إلا أن نيويورك بمفردات القرآن ليست المدينة لأن العاصمة السياسية للدولة واشنطن هي فقط ما يمكن أن يطلق عليه اسم المدينة، فتبقى نيويورك قرية (وربما أم القرى) في السياق القرآني بينما تصبح واشنطن هي القرية المدينة
[15] للتفصيل حول مفردة الصلاح وللتفريق بين الصلاح والإيمان نحن ندعو القارئ الكريم للرجوع إلى سلسلة مقالاتنا تحت عنوان: ماذا كتب في الزبور؟
[16] سنحاول أن نبيّن بحول الله وتوفيقه في مقالتنا القدمة أن الرجل الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون هو الذي بعث هذا الرجل الصالح ليخبر موسى بما كان يدور في القصر بين الملأ من تآمر لقتل موسى.