تعهد من قبل زوار الصفحة الأكارم

أتعهد بقراءة الشروط الواردة هنا "قبل أن تقرأ" , و أوافق عليها .
و الله على ذلك شهيد .

قصة يوسف 5: وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا


خلصنا في الجزء السابق إلى الافتراءات التالية:
1.     وقع يوسف في أيدي السيارة الذين أخرجوه من غيابة الجب مباشرة، فلم يتدخل إخوته في بيعه
2.     أسر السيارة يوسف حتى ابتعدوا به بعيدا عن المنطقة لكي لا يدعي أحد ملكيته
3.     كان السيارة مستبشرين به عندما أخرجوه من غيابة الجب
4.     كان الله وحده هو من يعلم ماذا كان يعملون به خلال الرحلة


وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)
5.     أصاب يوسف التعب والإعياء من تلك الرحلة الطويلة، لذا لم يصل يوسف إلى السوق وهو في أحسن حالاته
6.     وصل يوسف إلى سوق مصر فبيع هناك بثمن بخس دراهم معدودة وكان السيارة زاهدين فيه
وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)
7.     لم يكن ليشتري يوسف من كان يبحث عن عبد قوي البنية ليخدمه
8.     وقعت عين رجل واحد في السوق على يوسف فعرف مكانته، فاشتراه على الفور
9.     عاد به ذاك الرجل إلى بيته فطلب من زوجته أن تكرم مثوى يوسف لغرضين اثنين، لينفعهم أو ليتخذوه ولدا
10.  هناك فقط في بيت ذاك الرجل الصالح بدأ التعليم المباشر ليوسف من تأويل الأحاديث
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)  
وانتهى ذلك الجزء من المقالة عند طرح التساؤل الكبير التالي: من هو ذلك الرجل الذي اشترى يوسف من مصر؟
رأينا: بداية، نحن نرفض جملة وتفصيلا الفكر الشعبي السائد بأن عزيز مصر هو من اشترى يوسف وذلك للسبب البسيط أن عزيز مصر لم يكن ليبحث له في سوق العبيد عن شخص ليشتريه بثمن بخس دراهم معدودة. فرجل كعزيز مصر سيشتري أفضل وأغلى بضاعة في السوق، ولن تقع عينه على من كانوا من يملكونه (السيّارة) أصلاً زاهدين فيه.
افتراء من عند أنفسنا: إن هذا الطرح يقودنا على الفور إلى النتيجة الحتمية وهي أن يوسف لم يتربى في بيت عزيز مصر، لذا فمن المستحيل أن تكون المرأة التي ربته حتى بلغ أشده هي من راودت يوسف عن نفسه، كما سوّق لمثل هذه ... من سبقنا من أهل الدراية. ولا أظن أن لذلك أصل سوى تحريفات يهود التي نُقلت إلى بطون أمهات كتب المسلمين، فاستقرت فيها دون تمحيص بعرضها على كتاب الله.  
رأينا: نحن نظن أن المرأة التي ربّت يوسف في بيتها تختلف عن المرأة التي راودت يوسف عن نفسه. ففي حين أن المرأة التي ربت يوسف في بيتها هي امرأة الرجل الصالح الذي اشترى يوسف من مصر. فهو الذي طلب من المرأة أن تكرم مثوى يوسف:
وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21)
فكان يوسف ساكنا في بيت ذلك الرجل حتى بلغ أشده، وقد آتاه الله حينئذ حكما وعلما:
          وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) 
وما حصلت مراودة المرأة ليوسف إلا بعد ذلك، وقد كان يوسف متواجدا في بيتها:
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
السؤال القوي: إذا كان يوسف متواجدا حتى الساعة في بيت ذلك الرجل الذي اشتراه من مصر، فكيف ينسب الله البيت الذي تمت فيه مراودة يوسف عن نفسه للمرأة؟ أي كيف يصور القرآن أن تلك المرأة هي صاحبة البيت الذي تمت فيه مراودة يوسف عن نفسه (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا)؟ ألم يكن يوسف في بيت زوجها؟ فكيف أصبح البيت لها؟
ثانيا، إذا كان يوسف قد وصل إلى بيت الرجل الذي اشتراه صبيا (ربما لا يتجاوز العقد الأول من العمر)، ونشأ فيه سنين من عمره حتى بلغ أشده، فكم كان عمر المرأة التي تربى يوسف في بيتها؟ لا شك أنها كانت تكبره بكثير، أليس كذلك؟
السؤال: هل يعقل - يا سادة- أن تراود امرأة كبيرة في السن شابا يعتبر من جيل أبناءها؟ هل يمكن أن يقع في قلب امرأة بهذا العمر هوى شاب بهذا السن؟
أما أنا فلا أعتقد ذلك، إلا عند من كان جل تفكيره في ذكره، ويعتقد أن الدنيا (كما يعيشونها في بلادهم) وأن الآخرة (كما صوّرتها لنا كتاباتهم عن حور عينها) ليست أكثر من ساحة ساخنة للجنس.
ثالثا، لنوافقكم الرأي الآن أن امرأة بهذا العمر يمكن أن تتصابا (كما يفعل حكام العرب الذي تجلب إلى خيامهم أجمل جميلات الأرض)، ولنفترض أن امرأة بهذا العمر يمكن أن تهمّ بشاب بهذا السن (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، فهل يعقل (نحن نسأل) أن يهم بها الشاب كما همت به هي (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)؟ ألم يهم يوسف بتلك المرأة كما همت به هي؟ فهل يعقل أن شابا يافعا في مقتبل شبابه وفي ذروة عنفوانه يمكن أن يهم بعجوز؟
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
وهنا ستنطلق ألسنة المدافعين عن دين الله ورسله بالرد على الفور قائلين بأن يوسف لم يهم بالمرأة إطلاقا، فهم ينزهون نبي من أنبياء الله من أن يقع مرادُ فعل الفاحشة في قلبه. وسيتهموننا بأننا نتجاوز حدودنا، ونتطاول على أنبياء الله بمثل هذا الكلام المفترى من عند أنفسنا.
رأينا: نحن نسرّ (أي نفرح كثيرا) لا شك عندما نجد أمثال هؤلاء يحسنون الظن برسل الله وأنبياءه. ولكن هل قرأتم - يا سادة - ما جاء في مؤلفات علمائكم الأجلاء أصحاب الفضيلة والإمامة والآيات (والسماحة بالطبع)  عن سليمان ابن داوود مثلا في قصته مع المرأة التي كشفت عن ساقيها؟ ألم يصور لنا نبيا من أنبياء الله (سليمان) يعمل الحيل ليُكشف له عن ساقي المرأة لينظر في جمالها (كما تقول مؤلفاتهم)؟ ومن أراد المقارنة لتحكيم الضمير الحي فلينظر ما كتب الأولون ولحقهم فيه المتأخرون عن تلك الحادثة مثلا، ثم هم مدعون بعد ذلك (إن وجدوا عندهم متسعا من الوقت ليضيعوه) لينظروا فيما كتبنا نحن في مقالات سابقة لنا عن فعل ذلك النبي الكريم مع تلك المرأة العظيمة تحت عنوان: مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته: باب الساق. وبعدها سنترك المجال للقارئ ليحكم بنفسه، فينظر بأم عينه ليرى من يتجاوز حدوده ويتطاول على أنبياء الله: نحن أم مشايخكم من أهل الفضيلة والإمامة والآيات (والسماحة بالطبع)؟!
ما علينا. لنترك هذه الفلسفة الزائدة قليلا، ولنعد إلى صلب الموضوع بالافتراء الذي سنحاول الدفاع عنه والذي مفاده :
1.     أن يوسف قد همّ فعلا بالمرأة كما همّت به هي
2.     أن يوسف (وليس المرأة) هو المسئول الأول عن الواقعة التي حصلت، وهو الذي يجب أن يلام لو أن حادثة الزنا قد حصلت فعلا.
الباب الأول: يوسف يهمّ بالمرأة
الفكر السائد: لقد احتدم النقاش بين أهل العلم حول هذه القضية، فانقسموا إلى فريقين
-        قال الفريق الأول أن يوسف لم يهمّ بالمرأة أصلا لأن هذا نبي من أنبياء الله الصالحين الذين لا يجوز الشك بنواياهم إطلاقا، لذا فهم يفسرون مفردة الهمّ عند المرأة بشيء ولكن الهمّ عند يوسف شيء آخر.
-        وقال الفريق الآخر أن همّ يوسف بالمرأة لم يحصل فعلا، ولكنه كاد أن يحصل لولا أنه قد رأى برهان ربه، لذا فهم يقرؤون الآية بالوقف على النحو التالي:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ       وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ       كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
وهناك القلة القليلة من أهل الدراية من قال بخلاف ذلك كافترائنا الكبير التالي:
الافتراء: لقد همّ يوسف بالمرأة (فانعقدت النية في قلبه على مواقعتها، وما منع يوسف من ذلك إلا لحظة أن رأى برهان ربه الذي لولاه لما تردد يوسف من متابعة رغبته الجنسية فيها). فالبرهان لم يمنع يوسف عن الهم ولكنه – برأينا- منعه عن متابعة الهم. كلام خطير جدا جدا.
نعم، هو كذلك. وأرجو أن لا يتم اجتزاء العبارات من سياقها إلا بعد مراجعة دليلنا على ذلك في السطور التالية.
أما بعد،
بداية، نحن نرفض الفكر الشعبي السائد للأسباب التالية:
أولا، جاء اللفظ نفسه بحق يوسف كما في حق المرأة (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ)، فالله هو من قال بأن المرأة قد همّت بيوسف والله نفسه هو من قال بأن يوسف قد هم بالمرأة، لذا لابد أن الفعل واحد في الحالتين وهو فعل الهمّ، ولا داعي بأن تفسر المفردة في حالة المرأة على وجه وفي حالة يوسف على وجه آخر. لذا نحن نظن أن من يفعل ذلك هو يسيء إلى الله عن قصد أو من غير قصد، ويكأن لسان حالهم يقول (كما نفهمه بالطبع) لا ضير أن يقول الله ذلك ولكنه يقصد كذا وكذا، أليس في هذا - يا سادة- اتهام مبطن بأن الله لا يعي ما يقول؟!! وإذا كان الهم في حالة المرأة شيء وفي حالة يوسف شيء آخر، فلم لم يأتي النص القرآني بلفظين مختلفين؟
ثانيا، إن من أساسيات عقيدتنا هو لو أن ما وقع في قلب يوسف كان يختلف عن ما وقع في قلب المرأة لجاءت الآية الكريمة لتصور ذلك بالدقة المطلوبة، ولجاء اللفظ في كل حالة يختلف عن الحالة الأخرى، ولكن لمّا تطابق اللفظ في الحالتين فلابد أن ما حصل في قلب كل واحد منهم كان مطابقا لما حصل في قلب الآخر. فالله في عقيدتنا مطلع على القول ويعلم كيف يصور ما فيها بأحسن الألفاظ وأدقها (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا).
ثالثا، لو أن يوسف لم يهمّ بالمرأة (بمعنى أن إرادة فعل الفاحشة لم تقع في قلبه)، لما كان هناك – برأينا- داع أن تتدخل الإرادة الإلهية لتصرف عنه السوء والفحشاء. فهل لو كان يوسف (كما يصوره البعض) غير مكترث بهمَّ المرأة به، هل كان هناك حاجة أن ينسب الله لنفسه أنه هو من صرف عن يوسف السوء والفحشاء. انظر الآية الكريمة جيدا عزيزي القارئ:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
رابعا، إذا لم يكن يوسف قد همّ بالمرأة كما همّت به، فهل كان سيقع السوء أصلا الذي يتحدث عنه نص الآية الكريمة نفسها؟
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
خامسا، لو أن يوسف لم يكترث بما همّت به المرأة بحقه، ولو أنه لم يهمّ بها كما همت هي به، فما الداعي أن يكون ما سبق من عمله سببا في صرف السوء عنه؟ لم يكون إخلاص يوسف (نحن نتساءل) سببا في صرف السوء عنه؟
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
سادسا، ألا ترون - يا سادة أن- في ظنكم بأن يوسف لم يهم بالمرأة، ألا ترون أن في ذلك اتهام مبطن لرجولة (أو لنقل ذكورة) يوسف؟ هل تستطيعون أن تتخيلوا كيف يمكن أن يكون شاب قد بلغ أشده متواجد في موقف كهذا ولا تثار له غريزة؟ هل هذا شاب سوي البنية والجسم؟ وإذا كان هذا فعلا ما حصل، فما الفضل الذي يجب أن ينسب إلى يوسف مادام أن هم المرأة لم يثير له غرائزه؟
السؤال القوي: هل يمكن أن يُنسب فضل في عدم الوقوع في الزنا إلى من لا يستطيع عليه أصلا كأمثال أولي الإربة من الرجال الذين يطلعون على عورات النساء كالأطفال فلا يشكل ذلك حرج للنساء أصلا؟
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
السؤال القوي جدا: هل كان يوسف من غير أولي الإربة من الرجال؟ من يدري!!!
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نحن نظن أن من يتهم يوسف بأنه لم يهمّ بالمرأة كما همت هي به ويكأن لسان حالهم يقول بأن يوسف من غير أولي الإربة من الرجال الذين لا تتحرج النساء من إبداء زينتهن في وجودهم.
سابعا، إذا صدّقنا ما تقولون يا سادتنا من أهل الفضيلة والإمامة والآيات (والسماحة بالطبع)، فما بال يوسف بعد قليل يصرخ بأعلى صوته مستجديا الله أن يصرف عنه كيد النساء؟ وما نبرة التهديد هذه الواضحة في خطابه والتي مفادها بأنه سَيصبُ إليهن إن لم يصرف الله عنه كيدهن ؟
قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33)
 ألا تجد -عزيزي القارئ- أن يوسف يفضل السجن على ما هو فيه؟ فما الداعي أن يطلب يوسف السجن بدلا من مراودة النساء إن كان هذا الأمر لا يثير عنده الغرائز؟
ثامنا، إذا كان سادتنا العلماء قد أحسنوا الظن بنبي الله يوسف ونزّهوه أن يقع مراد الفاحشة في قلبه، فكيف سيفعلون بمن قتل نفسا وأراد أن يبطش بالأخرى من أنبياء الله ورسوله كموسى عليه السلام:
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ (17) فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ (18) فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّا أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19)
وكيف سيدافعون عن من فتنه الله كسليمان مثلا:
          وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34)
عقيدتنا: إن الدفاع عن أنبياء الله ورسله لا يجب أن تكون من خلال تزوير الحقائق وتشويه النصوص لتتلاءم مع العقائد المسبّقة. لأن في هذا – برأينا- اتباع للأهواء بدلا من إتباع النص القرآني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. لذا كان يجب الوقوف على الحقائق كما يجلّيها النص القرآني ثم العمل على فهمهما بدلا من إنكار منطوقها عندما لا نملك تبريرا جاهزا لها.
-         لقد قتل موسى نفسا وأراد أن يقتل الأخرى، لذا لابد من الاعتراف بذلك والبحث عن كيفية فهمه في سياق القرآني الكلي.
-        وقد همّ يوسف بالمرأة، ويجب البحث عن كيفية حصول ذلك والغاية من وجوده في النص القرآني،
-        ولقد ابتغى محمد مرضاة أزواجه، فحرم نتيجة ذلك بعض ما أحل الله، ولابد من الاعتراف بذلك، ومحاولة فهم ماهيته
-        ولقد أخفى محمد في نفسه شيئا، فأبداه الله، ولابد من معرفة ما أخفاه محمد في نفسه، والغاية من أن يبديه الله بقرآن يتلى إلى يوم الدين. (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان: تعدد الزوجات 2).
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: نعم، نحن نحمل العقيدة التي مفادها أن يوسف قد وجد نفسه في مكان وقد خلت به المرأة وهمت به، فما كان منه إلا أن يهمّ به كما همت هي به، فحدّث نفسه بالوقوع بالسوء والفحشاء، فأقدم على ذلك، وتجهّز له.
السؤال: وما الذي منعه من أن يقع في ذلك مادام أن النيّة قد انعقدت في قلبه؟
جواب: للإجابة على هذا التساؤل كان لابد من الوقوف أولا عند معنى مفردة الهمّ، لنطرح التساؤل على النحو التالي: ما معنى أن تهم بفعل شيء ما؟ وما الذي فعله يوسف وما الذي فعلته المرأة فعلا حتى صور القرآن الكريم فعليهما على أنهما من باب الهمّ؟
رأينا المفترى: نحن نظن أن الهم هو فعل يقع بعد الإرادة وقبل التنفيذ الفعلي.
الدليل
نحن نظن أن الإرادة لا يتجاوز محلها ما يدور في داخل قلب الإنسان، لذا فإن الإنسان لا يحاسب على إرادته، وإلا لأصبح حساب الناس على كل ما يجول في قلبهم (للتفصيل انظر مقالتنا تحت عنوان مقالة في التسيير والتخيير)، وعندها لن يسلم بشر من ذلك لأنه من الاستحالة بمكان أن لا يقع السوء في قلب إنسان، وإلا لانتفت عنه صفة الإنسانية، ونحن نفتري الظن أن شخصا واحد من بين جميع خلق الله لم يقع السوء في قلبه وهو عيسى بن مريم (انظر مقالاتنا تحت عنوان: كيف تم خلق عيسى بن مريم؟)، أما بقية خلق الله من البشر فقد وقع شيء من السوء في قلبهم. كما نظن بأن وقوع الإرادة لا تعني حدوث الفعل الذي انطوت عليه تلك الإرادة على أرض الواقع، فالجدار مثلا -كما تصوره الآية الكريمة التالية- أراد أن ينقض ولكنه بكل تأكيد لم ينقض:
فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
أما التنفيذ الفعلي فلا شك أن الإنسان محاسب عليه:
          فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)
نتيجة: لم يكن ما حصل في حالة يوسف يقع في مرحلة الإرادة (أي ما يجول في قلبه)، ولكنه في الوقت ذاته لم يتحقق على أرض الواقع كفعل سوء وفاحشة، ولكنه كان يقع بين الحالتين.
السؤال: ماذا كان إذن؟ كيف يمكن أن نتصور ما فعلته المرأة وفعله يوسف عندما هم كل منهما بالآخر؟
رأينا: لقد بدر من يوسف ما يقوم به من أراد أن يقع في فعل الزنا قبل تنفيذه،  لذا نحن نتجرأ على الافتراء الخطير جدا الذي نطلب من القارئ الكريم أن لا يصدقه إذا لم يجد أن الدليل يدعمه: إنه مرحلة خلع الملابس.

تخيلات مفتراة على يوسف وتلك المرأة من عند أنفسنا: نحن نتخيل (نقول نتخيل) الموقف ويكأنه قد حصل على النحو التالي: يحصل أن يتواجد يوسف في بيت تلك المرأة، وما هو إلا وقت قليل حتى أصبحت رغبة المرأة جامحة في يوسف، فلربما تكون هي من بادرت بذلك، ولكن المرأة لم تطلب من يوسف ذلك على الفور، فهذا أمر مناف للطبيعة إلا إذا تصورنا أن تلك المرأة (كما صورتها بعض كتابات أهل العلم) ليست أكثر من امرأة شبقة (دايرة على حل شعرها بالمصري البلدي). ولكن تلك المرأة في نظرنا هي امرأة من عِلية القوم، ومن أصول نبيلة، ولها مكانتها، فهي قبل كل شيء امرأة عزيز مصر، فيستحيل أن يكون الجنس هو ما يهمها في الدرجة الأولى. ولكن مكوث يوسف في بيتها فترة من الزمن هو ما أشعل لهيب الرغبة عندها في يوسف، فأخذت تراوده عن نفسه، وهذا يوسف يمنع نفسه عنها مرة:
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
 وها هو يستعصم مرات ومرات باعتراف المرأة بلسانها للنسوة من بنات جلدتها:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
ولكن الأمر ضاق بيوسف بعد كل هذه المحاولات، حتى حصلت تلك الحادثة الشهيرة في يوم من الأيام:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
وفي هذه المرة على وجه التحديد، كاد يوسف أن يقع بفعل الفاحشة، لولا أن تدخلت إرادة الله بذلك فأرته برهان ربه، وقد ساعده في ذلك ما كان من إخلاصه في سابق الأيام (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
إن هذا الطرح يقودنا على الفور إلى سؤالين أثنين:
1.     من هو المسئول عن ذلك الذي حصل؟ المرأة أم يوسف؟
2.     ما هو برهان ربه الذي راءاه يوسف فمنعه من الوقوع في الفاحشة؟
باب من المسئول: يوسف أم المرأة؟
افتراء من عند أنفسنا: ليلتمس لنا أهل الدراية العذر مرات ومرات لمخالفتنا إياهم الرأي، فلقد اعتدنا ذلك، وما عاد الأمر بالنسبة لنا يحتاج إلى إذن مسبق من أحد. فنحن نفتري القول هنا بأن يوسف يتحمل مسئولية (تكاد تكون الأولى) عن ما حل بتلك المرأة من شغف به. ولكن كيف ذلك؟
رأينا: بداية يجب النظر إلى تلك المرأة بشيء من الاحترام، فهي لم تكن كالمومس التي لا تبحث لها إلا عن رغبة بالجنس مع كل من يقع عينها عليه. فالمرأة بداية لم تفعل ذلك إلا مع يوسف، ولولا يوسف نفسه لما استهواها رجل آخر، ولما شغفها حبا:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
ثانيا، إذا كانت المرأة (كما يتصورها الفكر الشعبي) على قلة أدب (كما يقول إخواننا المصريون)، فماذا عن بقية النسوة؟ هل كانت نساء المدينة كذلك؟ فلم شغفهن حب يوسف وراودنه عن نفسه كما فعلت امرأة العزيز؟ ألم يأتي ذلك على لسان الملك بعد أن جمعهن عنده في نهاية القصة؟
قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
إن مراد القول هو: هل وقع يوسف – يا سادة- في مدينة كان جل سكانها من النساء من المومسات؟ من يدري!!!
ثالثا، إذا كان من رأين يوسف من نسوة المدينة قد أكبرنه وقطّعن أيديهن لمجرد رؤيته، فماذا كانت تفعل بقية النساء عندما ترى الواحدة منهن يوسف؟ ألم يكن يوسف يمشي في أسواق المدينة وشوارعها؟ ألم يكن يوسف يخالط أهل المدينة؟ فماذا كانت تفعل كل من ترى يوسف؟ هل صوّر القرآن الكريم نساء المدينة ملقيات على قارعة الطريق يراودن يوسف عن نفسه ويقطعن أيديهن كلما مر بواحدة منهن؟ هل يعقل أن يكون من راودن يوسف عن نفسه هن فقط أولئك النسوة على وجه التحديد؟ وإن كانت الإجابة بنعم، فلم يا ترى فتنت أولئك النسوة على وجه التحديد بيوسف؟
افتراء خطير من عند أنفسنا: نحن نظن أن نساء المدينة بمجملهن لم يفتن بيوسف، ولكن من فتنت بيوسف هي فقط من رأته منهن، ولكن كيف ذلك؟
جواب: للإجابة على هذا السؤال لابد من طرحه الآن على النحو التالي: كيف كان يحصل أن تفتن امرأة بيوسف؟ فهل كلما مرّ يوسف بامرأة (حتى وإن كان ذلك مصادفة) يشغفها حبا؟
رأينا: كلا، وألف كلا. ولكن لماذا؟
جواب: بداية، لابد من التخلص من الفكرة الشعبية بأن سبب ذلك كله هو جمال يوسف. فلقد ظن أهل الدراية أن جمال يوسف (غير العادي) كان هو المحفز الأول والأخير للنساء حتى يشغفهن حبا، فلقد صوروا لنا يوسف على أنه شخص فائق الجمال في طلته، وأن جماله ذاك كان هو ما يجذب النساء إليه.
السؤال القوي: هل -يا سادة- جمال الشكل هو ما يجذب انتباه المرأة في الرجل؟ أرجو أن تسألوا النساء من حولكم قبل التعجل في الإجابة. هل لو شاهدت المرأة رجلا جميل المظهر يمكن أن يكون سببا في أن يشغفها حبا؟
أما أنا فلا أظن ذلك، لأنه لو كان الأمر على تلك الشاكلة لما كان أبي سيشغف أمي حبا في يوم من الأيام! (لا، أرجوكم لا تتسرعوا بالحكم: فأنا أجمل رجل في العالم على رأي أصدقائي الذين يعرفونني من زمان كمحمد أبو تركي وزياد الشرمان وغيرهم، فاسألوهم إن كنتم لا تصدقون).
ولو كان الأمر يقاس عند المرأة بالجمال، فإن من ظَنَك الحياة أن ترى رجالا يمكن أن تقبل امرأة على وجه الأرض أن يقبلها ذلك. على الأقل أنا لا أستطيع أن أتصور ذلك!
وإذا كنت يا من تقرأ هذه السطور من الرجال فحاول أن تتخيل ذلك، ولكن إن كان من يقرأ هذه السطور هو من النساء، فأنا على يقين بأن الأمر يعني لهن أكثر من مجرد جمال المظهر والهيئة؟
السؤال القوي جدا: كيف كان جمال يوسف؟ أو بكلمات أكثر دقة، هل كان يوسف فعلا جميل المظهر؟ وهل الجمال هو من جلب انتباه امرأة العزيز له، فشغفها حبا؟ وهل جمال المظهر والهيئة هو ما جعل نسوة المدينة يراودن يوسف عن نفسه؟
رأينا: كلا وألف كلا، لا علاقة لذاك بشيء يسمى جمال المظهر كما هو متعارف عليه في فكرنا الشعبي
الدليل
لجلب الدليل على ذلك فلابد من التعرض للتساؤل التالي: كيف كان شكل يوسف؟
جواب: نحن نجد أن شكل يوسف منصوص عليه في الآية الكريمة التالية:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
نعم لقد كان يوسف في طلعته كالملك الكريم.
السؤال الأقوى من سابقه: وهل فعلاً رأت تلك النسوة الملك الكريم حتى يقارِنّ يوسف به؟ فهل تمشي الملائكة على الأرض حتى تستطيع النسوة أن تعرف شكل الملك الكريم لتعقد مقارنة بين يوسف وبينه؟ ومن أين اكتسبت تلك النسوة الخبرة عن شكل الملك الكريم؟ وإذا كان كذلك، فلم لم يشغفهن حبا ذلك الملك الكريم مادام أنهن يعرف شكله؟ وإذا كنّ يعرف شكل الملك الكريم، فلم يثير يوسف فيهن الدهشة ليقطع أيديهن عندما رأينه؟ ولم لم يقطعن أيديهن كلما رأين الملك الكريم الذي يتحدثن عنه؟ ولم قطعن أيديهن فقط عندما رأين يوسف؟
السؤال الأقوى إشي:  وهل نعرف نحن كيف هو شكل الملك الكريم حتى نستطيع أن نتخيل هيئة وطلة يوسف تلك؟ فكيف إذن يصور الله لنا (على لسان النسوة) طلة يوسف كهيئة الملك الكريم ونحن أصلا لا نعرف كيف هو الملك الكريم؟ أليس هذا من باب تفسير الماء بالماء؟!
جواب مفترى: كلا وألف كلا، نحن على عقيدة بأن كتاب الله يفصل لنا كيف هي هيئة الملك الكريم، ولو توصلنا إلى ذلك لاستطعنا بحول الله وتوفيق منه أن نتعرف على شكل وهيئة نبي الله يوسف. (فالله اسأل أن يختصني برحمة من عنده وأن يعلمني من لدنه علما لا ينبغي لأحد غيري إنه هو السميع العليم، وأن ينفذ قوله بمشيئته وإرادته لي بالهداية إلى نوره الذي أبى إلا أن يتمه ولو كره الكافرون - آمين)
إن ما يهمنا قوله حتى الساعة هو أن جميع هذه التساؤلات ستفضي بنا إلى الاستنباط المفترى من عند أنفسنا التالي: لم تكن امرأة العزيز هي المسئولة فقط عن ما حل بها، ولم تكن الغريزة الجنسية هي ما دفع بنسوة المدينة جميعا أن يقطعن أيديهن ويراودن يوسف عن نفسه. ولم يكن جمال المظهر هو ما دفع بامرأة العزيز أن يشغفها يوسف حبا، ونحن نتجرأ أن نفتري القول بأن المسئول الأول عن ذلك كله هو يوسف نفسه. ولكن كيف ذلك؟
رأينا المفترى: لو لم يكن يوسف يتمتع بخصائص تميزه عن بقية من حوله من الرجال لما كان لمثل هؤلاء النسوة أن يشغفهن يوسف حبا، ولما حصل أن يراودنه جميعا عن نفسه. لذا لابد من طرح التساؤل ذاته على النحو الجديد التالي: ما الذي كان يملكه يوسف ولم يكن يتوافر عند غيره من الرجال من أبناء جيله وزمنه؟ هل هو المظهر الخارجي؟
جواب: نحن نظن أن يوسف هو من كان يوقع النساء في حبه، ولم تكن النساء يقعن في حب يوسف عن رغبة تطوعية من عند أنفسهن. فلقد كان في يوسف (نحن نتجرأ على الافتراء) ما لم تستطع النساء أن تقاومه. ونحن نظن أن الدليل على ذلك متوافر في الآية الكريمة التالية:
فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)
لاحظ عزيزي القارئ كيف أنه بمجرد أن ترى النساء يوسف يحصل المحظور: يكبرنه، ويقطعن أيديهن، أليس كذلك؟
والآن لنسأل النساء أنفسهن السؤال التالي: هل لو رأين رشيد الجراح (بالرغم من جماله غير العادي) سيشغفهنّ حبا مباشرة كما حصل عندما رأين يوسف؟
جواب: أنا أشكك في ذلك بالرغم من جاذبيتي التي لا تقاوم.
السؤال: ما الذي جعل نسوة المدينة يكبرن يوسف ويقطعن أيديهن إذن؟
السؤال القوي: كيف كانت امرأة العزيز واثقة بأن أولئك النسوة سيقعن في المحظور؟ وكيف علمت أن النتيجة ستكون على نحو أن يراودن يوسف عن نفسه كما فعلت هي؟
السؤال: وهل هناك امرأة على وجه الأرض (حتى أمي) كان يمكن أن لا يشغفها يوسف حبا؟
رأينا المفترى: كلا، لا تستطيع امرأة على وجه الأرض أن لا يشغفها يوسف حبا، ونحن  نظن أن الدليل على ذلك متوافر في قول امرأة للعزيز للنسوة من حولها (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ)، فلقد كانت امرأة العزيز واثقة بأن اللوم لا يقع عليها، وأن هذا لا محالة مصير كل امرأة من بنات جلدتها متى ما رأت يوسف بأم عينها. والمرأة التي لا يشغفها يوسف حبا لا يمكن أن تصنف من ضمن مجموعة النساء، فهي ليس من النساء أصلا.
السؤال: كيف يحصل ذلك كله؟
جواب مفترى: نحن نظن أن ذلك يحصل بمجرد رؤيته (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)
السؤال: وكيف تتم الرؤية
جواب: بالنظر.
السؤال: وما علاقة ذلك بفحوى الحديث هنا؟ هل في ما تقول شيء جديد؟ أليس هذا ما قاله الأقدمون؟
افتراء خطير جدا من عند أنفسنا: نحن نظن أن مجرد النظر هو ما جعل النسوة يكبرن يوسف، ومن ثم يقطعن أيديهن. ولكن المختلف في ما نطرحه هنا هو أن جمال يوسف (الذي تحدث عنه الأقدمون) لم يكن في مظهره الخارجي (وإلا لوجدنا النساء على قارعة الطريق يراودن يوسف عن نفسه)، ولكن جمال يوسف (نحن نفتري الظن) موجود كله في عينيه فقط. لذا فإن الافتتان بيوسف كان يحصل على النحو التالي: ما أن تتاح لأي امرأة على وجه الأرض أن تنظر في عيني يوسف حتى يشغفها حبا، ولا تستطيع أن تقاوم من تراه فيهما. ولا يمكن أن تشغف امرأة بيوسف إذا لم يتيح يوسف نفسه لها تلك الفرصة.
نتيجة مفتراة من عند أنفسنا: لذا نحن نتصور (أو لنقل نتخيل) أن يوسف كان يعيش حياة طبيعية كأي شخص آخر من أبناء جيله، يتنقل في الأسواق، ويخالط الناس والنساء، فلا تفتن النساء به، ولا يدرك الرجال من حوله خطورته على نسائهم، ولا يتاح لامرأة أن تفتن بيوسف إلا إذا أراد هو ذلك، ويحصل الأمر متى ما أعطى يوسف لنفسه الفرصة في أن ينظر في امرأة فترى نفسها في عينيه. فما أن تلتقي عيني يوسف بعيني امرأة من حوله حتى ترى السحر الذي لا يمكن لامرأة على وجه الأرض أن تقاومه. فلا تستطيع أن تصد نفسها عنه. فلقد كانت جاذبية يوسف تكمن في عينيه وهو الوحيد المسيطر عليها، فيوزعها بمعرفته وبرغبة منه. وهذا بمنطقنا المفترى ما حصل في حالة يوسف وامرأة العزيز ونسوة المدينة.
تصور جديد لما حصل ليوسف في بيت المرأة التي راودته عن نفسه
نحن نطرح التصور التالي لأحداث قصة يوسف في بيت المرأة التي راودته عن نفسه: يحصل أن يكون يوسف في بيت تلك المرأة. وما أن يمكث يوسف في بيت تلك المرأة (لغرض سنتحدث عنه لاحقا بحول الله وتوفيق منه) لا يشغل المرأةَ حبُ يوسف إطلاقا لأنه ببساطة فتاها، فليس من المنطقي أن تقع امرأة في حب من هو خادم لها على الفور. ولكن ما تبدأ الأيام تدور كالمعتاد، ويقوم يوسف بدوره كفتى للمرأة خير قيام، حتى تجد تلحظ المرأة غرابة في سلوك يوسف، ولكن ما الذي جذب انتباه المرأة ليوسف أصلاً؟
رأينا: نحن لا نشك إطلاقا أن نبي الله يوسف كان على خلق حسن (قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ). لذا كان غض البصر من آداب المعاملة في سلوك يوسف مع الآخرين، فكان في بيت تلك المرأة يغض بصره، فلا يتطلع فيها مباشرة بالنظرة التي يتلاقى فيها البصر بالبصر، لذا نحن نتصور أن مثل هذا السلوك الذي لا شك كان ينبع عن حسن التربية (والذي ربما لم يكن معتادا في ذلك المجتمع) سبب الفضول عند المرأة، لأن في تصرف هذا الفتى من الغرابة ما يستدعي الانتباه. ولعلي أتخيل أن ما كان يدور في ذهن المرأة هو تساؤل فحواها: كيف بفتى من فتياني لا يجذبه سحر جمالي ومكانتي فلا يثير عنده الفضول بالنظر؟  عندها (نحن نتخيل ربما مخطئين) تلقى يوسف من تلك المرأة معاملة خاصة، وكان في ظننا الدافع من وراء ذلك عند المرأة هو اكتشاف سر هذا الفتى الغريب الأطوار. فنشأت علاقة ملاحقة مكتومة (أي مراودة) من المرأة تجاه يوسف. وبدأ الأمر يتطور شيئا فشيئا، فأخذت المرأة تعمل كل ما في وسعها (كامرأة لا تعيها الحيلة) لجلب انتباه هذا الشاب الغريب. ولكن تطنيش (كما نقول بالعامية) يوسف لها كان يثير فضولها أكثر فأكثر. فإذا كنت أنا شخصيا طنشت من النساء اللواتي وقعن في حبي الكثير جدا وكان ذاك السلوك مني كان يثير فضولهن أكثر فأكثر، فما بالكم - يا سادة- بشخص كيوسف؟
ولكن كانت تلك المحاولات تبوء بالفشل لإصرار يوسف على العفاف. لذا جاء فعل تلك المرأة من باب المراودة التي نظن أنها من المستحيل أن تحصل مرة واحدة في ظروف كهذه، لذا كان  فعل المراودة من قبل المرأة متكررا.  ولما كانت المرأة عازمة على ذلك الأمر فهي من أخبرت النسوة من حولها لاحقا بأن محاولاتها لن تتوقف إلا بأن يفعل يوسف معها الفاحشة أو بسجنه:
قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32)
نجحت المرأة في نهاية المطاف أن تجلب انتباه يوسف، فهو قبل كل شيء إنسان له من المشاعر والغرائز ما يجعله بشري الطبع والغريزة. فنظر يوسف في المرأة، فتلاقى بصر يوسف مع بصر المرأة، عندها لم تستطع أن تقاوم ذلك السحر الذي لا يقل عن ما يمكن أن يفعله ملك كريم. وفي هذه المرة على وجه التحديد بدر من يوسف فعل الهمّ بها كما همت هي به:
وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)
بعد أن كان تمنّع يوسف واضحا في الآية السابقة مباشرة:       
وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)
نتيجة: لقد قاوم يوسف مراودة المرأة له فترة طويلة من الزمن وذلك لأن ربه قد أحسن مثواه، وحاول بكل ما أوتي من قوة أن يمنع نفسه عن تلك المرأة، ولكن الغريزة الإنسانية تبقى قوية في الإنسان فلا يستطيع أن ينكرها مهما حاول. وهذا برأينا ما أوقع يوسف في فخ نصبته المرأة له، فنزل عند رغبتها به بعد أن اكتملت رغبته فيها، فكان هاما بها لا محالة كما كانت هي هامة به، ولكن شيئا واحدا فقط هو من حال بين الإرادة بالهم والتنفيذ الفعلي للمباشرة، ألا وهو برهان ربه.
السؤال: ما هو برهان ربه الذي رءاه فمنعه عن المضي قدما في فعلته؟
رأينا: للإجابة على هذا التساؤل لابد من العودة لطرق موضوع الهم، وربطه بهذا السؤال، ولكن كيف ذلك؟
رأينا المفترى: لقد ذكرنا آنفا أن الهم هو ما يحصل بعد وجود الإرادة بالقيام بالفعل وقبل التنفيذ  الفعلي للفعل، لذا يكون السؤال الآن على النحو التالي: ما الذي فعلته المرأة عندما همت بيوسف؟ وما الذي فعله يوسف عندما هم بالمرأة؟
افتراء من عند أنفسنا: نحن نظن أن الهم في حالة كهذه هو فعل خلع الملابس، فمن أراد أن يرتكب الفاحشة فإنه يبدأ بخلع ملابسه شيئا فشيئا، وهذا (برأينا) ما حصل في تلك اللحظة: لقد بدأت المرأة بخلع الملابس عندما همت بيوسف ثم ما كان من يسوف إلا أن بدأ هو أيضا بخلع ملابسه بعدها، ولو راقبنا الترتيب في الآية الكريمة ولجدنا أن همها بيوسف (أي خلع ملابسها لمواقعة يوسف) كان سابقا لهمه (خلعه ملابسه لمواقعتها):
          وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ
ولو أن يوسف هو من بدأ بخلع الملابس قبلها لجاء الترتيب (في ظننا) معكوسا على نحو:
          ولقد هم بها لولا أن رأى برهان ربه وهمت به
نتيجة مفتراة: لذا نحن نتطاول لنتجرأ على تقديم الافتراء الخطير التالي: لقد خلعت المرأة كامل ملابسها عندما همت به وتهيأت له بعد أن كانت قد علقت الأبواب جميعها:
          وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ
وعلى تلك الحالة انتظرت يوسف ليفعل مثل ما فعلت، فحاول يوسف أن يمنع نفسه، لكن غريزته كان الأقوى، فبدأ بفعل الهم (أي خلع الملابس)، وهنا حصلت المفاجأة الكبرى ليوسف هو رؤيته برهان ربه الذي منعه أن مواصلة الهم (أي مواصلة خلع الملابس).
نتيجة مفتراة: خلع يوسف شيئا من ملابسه، ولكن ما أن رأى يوسف برهان ربه حتى توقف عن مواصلة خلع ملابسه، فبقي شيء من ملابسه يستر عورته، وهذا واضح تماما عندما لحقته المرأة إلى الباب في عملية استباق إليه، فقدّت قميصه الذي لا زال يرتديه:
وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)
تخيلات من عند أنفسنا: نحن نتخيل أن يوسف قد أرخى قميصه عندما همّ بالمرأة، لذا استطاعت المرأة أن تمسك بطرف قميصه من الخلف لتقدّه، ولو لم يكن قميص يوسف مرخى (أي loose باللسان الأعجمي) لما استطاعت المرأة (في ظننا) أن تقدّه. فمن الصعب على امرأة أن تقاوم رجلا إن كان يريد أن ينفلت منها، ولكن لما كان القميص مرخى بعض الشيء تشبثت المرأة به بكل ما أوتيت من قوية بدنية، ولم يستطع يوسف (وهو الرجل) أن يفلت من قبضتها بسهوله إلا بالتنازل عن شيء من قميصه بين يديها، ونحن نتخيل أن ذلك لا يحدث إلا إن كان كل منهما قد بذل أقصى طاقته، فهي تحاول أن توقفه لكي لا يصل إلى الباب ليخرج منه، وهو يحاول أن يسبقها في فتح الباب والخروج من الموقف كله سالما.
السؤال القوي جدا جدا جدا: ما هو برهان ربه الذي رءاه يوسف فمنعه عن متابعة الهم (خلع الملابس) لمراودة المرأة؟
هذا ما سنحاول الإجابة عليه في الجزء القادم من هذه المقالة، فالله وحده أسأل أن يؤتينا رشدنا وأن يعلمنا الحق الذي نقوله فلا نفتري عليه الكذب، وأسأله وحده أن يهديني إلى نوره الذي أبى إلا أن يتمه ولو كره الكافرون، وأن يعلمني تفصيل الكتاب الذي أحكمت آياته من لدنه إنه هو الحكيم الخبير – آمين.

وللحديث بقية
المدّكرون: رشيد سليم الجراح        &        علي محمود سالم الشرمان
بقلم: د. رشيد الجراح
12 تشرين ثاني 2013